العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأرض، وحقوق الملكية، والإرجاء الاستعماري: بين وعد بلفور والنكبة

الأرض، وحقوق الملكية، والإرجاء الاستعماري: بين وعد بلفور والنكبة

Land, Property Rights, and Colonial Procrastination: Between the Balfour Declaration and the Nakba

منير فخر الدين

Munir Fakhr al-Din

الملخّص

"[…] فلا يمضي زمن طويل حتى تصير [فلسطين] كلها لليهود. ولا عبرة في من يتولى شؤونها السياسية، ولا فرق أن تكون يومئذ في سلطة العثمانيين أو العرب أو الفرنسيين أو الإنكليز. فإن العبرة في من يملك الأرض ويستولي على غلَّتها، وليس صاحب السيادة السياسية إلا وسيلة لحفظ الأمن وتأييد ذلك الملك لصاحبه" (جرجي زيدان، 1913) [1] . في عام 1913، كتب جرجي زيدان واصفًا الحال في فلسطين على نحو يؤكد قوة الملكية الخاصة مقابل السيادة. كان حديثه يدور حول تملُّك اليهود الأرض في فلسطين، على نحو بدا له عملية كاسحة ستسيطر على البلد بأسره، وذلك على الرغم من أن هذه العملية لم تكن تمثّل سوى ظاهرة محدودة في ذلك الوقت. لعل زيدان عكس صدى القلق في فلسطين والمشرق العربي عمومًا من هذه الظاهرة [2] . لكن المُثير للانتباه فيما كتبه يتعلَّق بقوة الملكية مقابل السيادة، كما يظهر في الاقتباس المذكور. إذا كان في الملكية، أو منطق السوق المحض وشرعيتها، تلك القوة القاطعة، فما دور الانتداب ووعد بلفور إذًا في تاريخ فلسطين، وفي تاريخ ملكية الأرض بالتحديد؟ علمًا بأن المِلكيات اليهودية الاستيطانية آنذاك لم تكن نسبتها تُذكَر، وهذه المِلكيات، على اتساعها وأهميتها خلال الانتداب، لم تتجاوز ما نسبته 6 في المئة من أرض فلسطين (شاملة الامتيازات الحكومية)، وهذا ما يدل على قوة سوق الأرض ومحدوديتها على السواء. ليس هناك جواب بسيط عن هذا السؤال؛ إذ يكمن الجواب في رأينا في التعمق في العلاقة بين المِلكية والسيادة من جوانب اجتماعية وسياسية وحُكمانية؛ فتصور زيدان، وكثير من الكُتّاب اللاحقين والراهنين، لهذه المسألة، أي قوة الملكية والسوق وعلاقتهما التلقائية بالسيادة، يحوي كثيرًا من التبسيط والاختزال؛ إذ لا يقدِّم تصويرًا وافيًا للمفهوم الاستعماري الاستيطاني للملكية والأرض، وهو غير قادر على فهم الانتداب ودور الحكومة عمومًا، حتى في ظل أيديولوجيا السوق التي ارتكز عليها الانتداب، وغير قادر على فهم المناظير الفلسطينية أيضًا. على العموم، يركّز كثير من الأدبيات التاريخية الفلسطينية والمناهضة للاستعمار على الانحياز البريطاني إلى الصهيونية ومدى تطويع سياسات الحكومة الانتدابية لخدمة المشروع الصهيوني. ولكن هذه السردية بدأت تتعدَّل في العقدين الأخيرين أو العقود الثلاثة الأخيرة، ضمن أجندات سردية جديدة؛ فنجد مثلًا، فيما يخص موضوعة الأرض، اهتمامًا بحثيًّا جديدًا ينطلق من المقارنة بين النظامين الانتدابي والإسرائيلي في تعاملهما مع المِلكيات العربية. ومن هذا المنظور يتبيَّن فارق كبير بين النظامين؛ فعلى الرغم من أن الإسرائيليين ورثوا نظام تسوية الأراضي البريطاني، فإنهم قلبوا منطقه على نحو شبه كامل. يمكن اختصار هذا الانقلاب على النحو الآتي: إبَّان الانتداب، كان هدف عملية "تسوية الأراضي" التي أدخلها البريطانيون تعميم نظام الملكية، ومنح سندات "طابو" لأصحاب الأرض الفعليين، بالاعتماد بقدر كبير على النظام القروي العربي القائم لاستغلال الأرض. أمّا النظام الإسرائيلي فقد خلق بيئة تكنوقراطية وقضائية جديدة، من أهدافها التقليص الجذري للمِلكيات العربية، وإفساح المجال للاستيطان الصهيوني. وبينما اعتمد إثبات الحقوق (أو تسوية الأرض) في الحقبة الانتدابية على "المعرفة المحلية"، لا على سندات الطابو العثماني بالضرورة، باتت سياسة التسوية الإسرائيلية معادية للمعرفة المحلية، وهادفة إلى استئصالها. وفي حالات كثيرة، حُجبت، أو عُرقلت، حتى إمكانية تسجيل الحقوق التي تدعهما وثائق أو أدلة مادية (كما حصل في النقب، وفي الأراضي المحتلة عام 1967 عمومًا). هذا، بالطبع، إضافة إلى السلب الكبير لأراضي اللاجئين الفلسطينيين بعد عام 1948 [3] . لكن هذه الأجندة السردية الجديدة المهتمة بالبحث التاريخي من منظور الحاضر غير قادرة على طرح الأسئلة التاريخية المهمة عن الانتداب والسياسة الاستعمارية عمومًا، على نحو يلقي الضوء على إشكالية الاستمرارية/ الانقطاع في صيرورة القضية الفلسطينية. في هذه الورقة، سنحاول طرح إشكالية الحقوق المدنية في السياق الاستعماري الانتدابي، وأثرها في التاريخ الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، متناولين مسألة الأرض في غور بيسان مثالًا. كما هو معروف، في صياغة وثيقة "وعد بلفور" في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، ثمة ذكر للحقوق المدنية (فضلًا عن الدينية) لأهالي فلسطين "غير اليهود". لقد فُهمت هذه العبارة في سياق النص (وتحديدًا في سياق ذكر "الوطن القومي اليهودي" و"الحقوق السياسية" لليهود في العالم)، بوصفها نفيًا للحقوق السياسية للفلسطينيين. وهذا بكل تأكيد فهم صحيح، لكنه لا يكفي؛ لأنه يفترض أن موضوعة الحقوق المدنية أمر مفروغ منه وبسيط. ولكنها بعيدة عن أن تكون كذلك حقًّا؛ ويعود ذلك إلى سببين سنستعرضهما في التحليل في هذه الورقة: أولًا، كون الحقوق المدنية والحقوق السياسية، كما تدلنا القراءات النظرية الدقيقة، مرتبطة جوهريًّا، ولكن أشكال الارتباط بين هذين النوعين من الحقوق تكون دومًا متعددة المستويات، ومفتوحة للتأويل والصراع. وثانيًا، كون موضوعة الحقوق المدنية تحتوي على عملية محو وإعادة تأطير للحقوق والأعراف والعلاقات الاجتماعية، ولذا فهي غير متجانسة المعاني والأبعاد بالنسبة إلى جميع الفاعلين. منهجيًّا، ما نقترحه في هذه الورقة هو إعادة تفسير النصوص السياسية - ونقصد هنا نص بلفور - بوصفها مفاتيح لفهم إطار الحكم الاستعماري، لكن هذا الإطار لا يُفهم فقط من خلال هذه المفاتيح، بل يتعين النظر في التطبيقات أيضًا، أي في وقائع التجربة التاريخية الفعلية التي أثَّرت فيه وتأثرت به، على النحو الذي يكشف عن الفعل السياسي للفلسطينيين. وسأستفيد من بحث أرشيفي موسَّع في سجلات الانتداب والحكومة البريطانية، أجريته لأجل إعداد رسالة الدكتوراه في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية في مطلع العقد الماضي (وأُنجِزت في عام 2008) عن تسوية أراضي غور بيسان (أو أراضي الجفتلك - المدورة التي كان يملكها السلطان عبد الحميد الثاني). ويجدر أيضًا التنويه إلى أنني أقوم حاليًّا بتوسيع البحث المذكور، لإصدار كتاب باللغة العربية حول الموضوع، بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

Abstract

Assistant Professor of Philosophy and Cultural Studies, Director of the Master’s Program in Israeli Studies at Bir Zeit University, Palestine, and Research Associate at the Institute of Palestine Studies.

Rashid Khalidi, Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (New York: Columbia University Press, 1997).

الكلمات المفتاحية:
  • الحقوق
  • الاستعمار
  • الأرض
  • الإنتداب البريطاني
  • وعد بالفور
  • فلسطين
  • النكبة

مقدمة

"[…] فلا يمضي زمن طويل حتى تصير [فلسطين] كلها لليهود. ولا عبرة في من يتولى شؤونها السياسية، ولا فرق أن تكون يومئذ في سلطة العثمانيين أو العرب أو الفرنسيين أو الإنكليز. فإن العبرة في من يملك الأرض ويستولي على غلَّتها، وليس صاحب السيادة السياسية إلا وسيلة لحفظ الأمن وتأييد ذلك الملك لصاحبه" (جرجي زيدان، 1913)1.

مقدمة

في عام 1913، كتب جرجي زيدان واصفًا الحال في فلسطين على نحو يؤكد قوة الملكية الخاصة مقابل السيادة. كان حديثه يدور حول تملُّك اليهود الأرض في فلسطين، على نحو بدا له عملية كاسحة ستسيطر على البلد بأسره، وذلك على الرغم من أن هذه العملية لم تكن تمثّل سوى ظاهرة محدودة في ذلك الوقت. لعل زيدان عكس صدى القلق في فلسطين والمشرق العربي عمومًا من هذه الظاهرة2. لكن المُثير للانتباه فيما كتبه يتعلَّق بقوة الملكية مقابل السيادة، كما يظهر في الاقتباس المذكور. إذا كان في الملكية، أو منطق السوق المحض وشرعيتها، تلك القوة القاطعة، فما دور الانتداب ووعد بلفور إذًا في تاريخ فلسطين، وفي تاريخ ملكية الأرض بالتحديد؟ علمًا أن الملكيات اليهودية الاستيطانية آنذاك لم تكن نسبتها تُذكَر، وهذه المِلكيات، على اتساعها وأهميتها خلال الانتداب، لم تتجاوز ما نسبته  6  في المئة من أرض فلسطين (شاملة الامتيازات الحكومية)، وهذا ما يدل على قوة سوق الأرض ومحدوديتها على السواء. ليس هناك جواب بسيط عن هذا السؤال؛ إذ يكمن الجواب في رأينا في التعمق في العلاقة بين الملكية والسيادة من جوانب اجتماعية وسياسية وحُكمانية Governmental؛ فتصور زيدان، وكثير من الكُتّاب اللاحقين والراهنين، لهذه المسألة، أي قوة الملكية

  1. أستاذ مساعد في الفلسفة والدراسات الثقافية، مدير برنامج الماجستير في الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت، فلسطين، زميل باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  2. هذه المقالة هي في الأصل ورقة قُدِّمت إلى ندوة "مئة سنة على وعد بلفور: المقدمات والنتائج"، التي عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الفترة 12  -  14 أيار/ مايو 2018 في الدوحة.
  3. مقتبَس في: بيان نويهض الحوت، فلسطين: القضية، والشعب، والحضارة: التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين (بيروت: دار الاستقلال للدراسات والنشر، 1991)، ص 439  -  440 (التشديد في الاقتباس مضاف.)
  4. ثمة كتابات كثيرة في هذا الصدد. ويمكن مراجعة عرض مهم في كتاب رشيد خالدي حول تشكّل الهوية الفلسطينية، خصوصًا في الفصل الخامس منه. راجع:

والسوق وعلاقتهما التلقائية بالسيادة، يحوي كثيرًا من التبسيط والاختزال؛ إذ لا يقدِّم تصويرًا وافيًا للمفهوم الاستعماري الاستيطاني للملكية والأرض، وهو غير قادر على فهم الانتداب ودور الحكومة عمومًا، حتى في ظل أيديولوجيا السوق التي ارتكز عليها الانتداب، وغير قادر على فهم المناظير الفلسطينية أيضًا. على العموم، يركّز كثير من الأدبيات التاريخية الفلسطينية والمناهضة للاستعمار على الانحياز البريطاني إلى الصهيونية ومدى تطويع سياسات الحكومة الانتدابية لخدمة المشروع الصهيوني. ولكن هذه السردية بدأت تتعدَّل في العقدين الأخيرين أو العقود الثلاثة الأخيرة، ضمن أجندات سردية جديدة؛ فنجد مثلً، فيما يخص موضوعة الأرض، اهتمامًا بحثيًّا جديدًا ينطلق من المقارنة بين النظامين الانتدابي والإسرائيلي في تعاملهما مع الملكيات العربية. ومن هذا المنظور يتبيَّ فارق كبير بين النظامين؛ فعلى الرغم من أن الإسرائيليين ورثوا نظام تسوية الأراضي البريطاني، فإنهم قلبوا منطقه على نحو شبه كامل. يمكن اختصار هذا الانقلاب على النحو الآتي: إبَّان الانتداب، كان هدف عملية "تسوية الأراضي" التي أدخلها البريطانيون تعميم نظام الملكية، ومنح سندات "طابو" لأصحاب الأرض الفعليين، بالاعتماد بقدر كبير على النظام القروي العربي القائم لاستغلال الأرض. أمّا النظام الإسرائيلي فقد خلق بيئة تكنوقراطية وقضائية جديدة، من أهدافها التقليص الجذري للمِلكيات العربية، وإفساح المجال للاستيطان الصهيوني. وبينما اعتمد إثبات الحقوق (أو تسوية الأرض) في الحقبة الانتدابية على "المعرفة المحلية"، لا على سندات الطابو العثماني بالضرورة، باتت سياسة التسوية الإسرائيلية معادية للمعرفة المحلية، وهادفة إلى استئصالها. وفي حالات كثيرة، حُجبت، أو عُرقلت، حتى إمكانية تسجيل الحقوق التي تدعهما وثائق أو أدلة مادية (كما حصل في النقب، وفي الأراضي المحتلة عام 1967 عمومًا). هذا، بطبيعة الحال، إضافة إلى السلب الكبير لأراضي اللاجئين الفلسطينيين بعد عام 19483. لكن هذه الأجندة السردية الجديدة المهتمة بالبحث التاريخي من منظور الحاضر غير قادرة على طرح الأسئلة التاريخية المهمة عن الانتداب والسياسة الاستعمارية عمومًا، على نحو يلقي الضوء على إشكالية الاستمرارية/ الانقطاع في صيرورة القضية الفلسطينية. في هذه الورقة، سنحاول طرح إشكالية الحقوق المدنية في السياق الاستعماري الانتدابي، وأثرها في التاريخ الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، متناولين مسألة الأرض في غور بيسان مثالً. كما هو معروف، في صياغة وثيقة "وعد بلفور" في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، ثمة ذكر للحقوق المدنية (فضلً عن الدينية) لأهالي فلسطين "غير اليهود". لقد فُهمت هذه العبارة في سياق النص (وتحديدًا في سياق ذكر "الوطن القومي اليهودي" و"الحقوق السياسية" لليهود في العالم)، بوصفها نفيًا للحقوق السياسية للفلسطينيين. وهذا بكل تأكيد فهم صحيح، لكنه لا يكفي؛ لأنه يفترض أن موضوعة الحقوق المدنية أمر مفروغ منه وبسيط. ولكنها بعيدة عن أن تكون كذلك حقًّا؛ ويعود ذلك إلى سببين سنستعرضهما في التحليل في هذه الورقة: أولً، كون الحقوق المدنية والحقوق السياسية، كما تدلنا القراءات النظرية الدقيقة، مرتبطة جوهريًّا، ولكن أشكال الارتباط بين هذين النوعين من الحقوق تكون دومًا متعددة المستويات، ومفتوحة للتأويل والصراع. وثانيًا، كون موضوعة الحقوق المدنية تحتوي على عملية محو وإعادة تأطير للحقوق والأعراف والعلاقات الاجتماعية، ولذا فهي غير متجانسة المعاني والأبعاد بالنسبة إلى جميع الفاعلين.

  1. ثمة دراسات فلسطينية طليعية عدة لمحامين وباحثين فلسطينيين، بيَّنت هذا الفارق بين الانتداب والاحتلال الإسرائيلي، أشهرها: رجا شحادة، قانون المحتل: إسرائيل والضفة الغربية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1988)، وهي التي صدرت باللغة الإنكليزية عن المؤسسة نفسها عام 1985. وحديثًا، نجد أجندة بحثية مشابهة في أعمال سلمان أبو ستة، وأحمد أمارة، ولدى كثير من الباحثين الإسرائيليين ما بعد الاستعماريين؛ مثل أورن يفتاحئيل، وساندي كيدار، وجيرمي فورمان. راجع على سبيل المثال: أورن يفتاحئيل وساندي كيدار وأحمد أمارة، "إعادة التفكير بنظرية 'النقب الميت': حقوق الملكية في الحيز البدوي" [بالعبرية]، مجلة مشباط وممشال، مج 14، العددان 1  -  2 (2012)، ص 7  -  147.

منهجيًّا، ما نقترحه في هذه الورقة هو إعادة تفسير النصوص السياسية - ونقصد هنا نص بلفور - بوصفها مفاتيح لفهم إطار الحكم الاستعماري، لكن هذا الإطار لا يُفهم فقط من خلال هذه المفاتيح، بل يتعين النظر في التطبيقات أيضًا، أي في وقائع التجربة التاريخية الفعلية التي أثَّرت فيه وتأثرت به، على النحو الذي يكشف عن الفعل السياسي للفلسطينيين. وسأستفيد من بحث أرشيفي موسَّع في سجلات الانتداب والحكومة البريطانية، أجريته لأجل إعداد رسالة الدكتوراه في جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأميركية في مطلع العقد الماضي (وأ نجِزت في عام 2008) عن تسوية أراضي غور بيسان (أو أراضي الجفتلك - المدورة التي كان يملكها السلطان عبد الحميد الثاني). ويجدر أيضًا التنويه إلى أنني أقوم حاليًّا بتوسيع البحث المذكور، لإصدار كتاب باللغة العربية حول الموضوع، بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

أولً: إشكالية الحقوق المدنية يف خطاب لانتداب: تحليل النصوص

إن افتراضنا الأساسي هنا هو أن عبارة "الحقوق المدنية"، حتى في سياق استعماري كسياق الانتداب، لا يمكن أن تنطوي على نفي تام للحقوق السياسية، بغضّ النظر عما يفصح عنه النص الاستعماري أو يخفيه من صريح العبارة. ولذا نجد، مثلً، حاييم وايزمن يكتب عن شعوره حين وصله خبر إقرار وعد بلفور في اجتماع وزارة الحرب، الذي كان ينتظره خارج مبنى الوزارة، قائلً: "في 2 نوفمبر [1917]، وبعد إجراء مباحثات نهائية في وزارة الحرب، أصدر بلفور كتابه الشهير المعروف بتصريح بلفور. وبينما كانت الوزارة مجتمعة لتصادق على النص النهائي، كنت أنتظر خارج مكاتبها، وكنت في هذه المرة مدعوًّا، فأحضر لي سايكس الوثيقة، هاتفًا: إنه غلام يا دكتور وايزمن. حسنًا - إني لم أحب هذا الغلام في بادئ الأمر، فلم يكن الغلام الذي انتظرته، إلا أني كنت على علم بأن الأمر كان حدثًا عظيمًا"4. لقد عبَّ وايزمن في سياق روايته لهذه القصة عن امتعاضه من معارضة يهود بريطانيين بارزين للمشروع الصهيوني، واتهمهم بالمعرقلين الذي تسببوا في تخفيف صيغة الوعد، ليشمل "الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة حاليًّا" التي رأى بها أمورًا "بالإمكان تفسيرها بأنها تعني تقييد عملنا أو تعطيله بالمرة"5. ما يهمنا في هذا السياق ليس القلق الاستعماري ذاته، وإنما هو البحث في التناقضات الاستعمارية كما اختبرها الفلسطينيون. إن مكمن هذا القلق، كما أقترح، هو استحالة انفكاك الحقوق المدنية انفكاكًا قاطعًا عن أفقها السياسي في السياق التاريخي الذي نحن بصدده. ويصبح غموض النص أو صمته عن تلك الحقوق تعليقًا وإرجاء، لا نفيًا تامًّا لها. ويصبح السؤال: متى ستعود لتظهر؟ وبأي شكل؟ هذا هو في رأينا ما أقلق أصحاب المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وما أدركه الفاعلون السياسيون، من صناع السياسة الاستعمارية البريطانية والفلسطينيين، كلٌّ من وجهة نظره. وهذا ما نريد أن نستدل عليه تباعًا، في السياسة الانتدابية، وفي الممارسة السياسية الفلسطينية. في وثيقة تشرشل الموسومة ب "الكتاب الأبيض لعام 1922 "، نجد تأطيرًا عمليًّا أكثر تفصيلً للإرجاء الاستعماري لحقوق الأهالي السيادية. يميِّز النص ضمنيًّا بين "الحقوق السياسية" اليهودية، وسلطة الانتداب العليا؛ فيشير إلى إقامة "بيت قومي لليهود" في فلسطين، ليكون "مركزًا يكون فيه للشعب اليهودي برمَّته اهتمام وفخر من الوجهتين الدينية والقومية" (Race في النص الإنكليزي)،

  1. مقتبس في: أمين موسى عقل (تحرير وإعداد)، الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين: من أرشيف الأمانة العامة للجامعة العربية، المجموعة الأولى 1915  -  1946، تقديم وليد الخالدي (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016)، ص 127.
  2. المرجع نفسه، ص 126.

وإلى حقِّهم في الهجرة إليه والتوطن فيه، باعتبار ذلك حقًّا مشروعًا، لا منة6، ولكنه يحد ذلك الحق باعتبارات حكمانية تضعها سلطة الانتداب؛ أي إن حقوق جماعة المستوطنين السياسية، مهما كان مصدرها سابقًا للسلطة الانتدابية، تظل تحت سقف السيادة الانتدابية. وقد حدد النص الهجرة بموجب معيار حكماني بامتياز، وهو "القدرة الاستيعابية الاقتصادية" للبلد. وقُصِد بهذا ضبط الهجرة بموجب احتياجات سوق العمل، على نحو لا يترك العنان للمهاجرة التي قد تسبب زيادة البطالة وما ينشأ عنها من مشكلات اجتماعية وسياسية. ونجد أمرًا مشابهًا أيضًا في مسألة الأرض، وإن ضمن معايير مختلفة؛ فقد ضُمِّنت موضوعة الأرض في صك الانتداب الذي أشار في بنده السادس إلى أنه: "على إدارة فلسطين، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع فئات الأهالي الأخرى، أن تسهِّل هجرة اليهود في أحوال ملائمة، وأن تشجع بالتعاون مع الوكالة اليهودية […]، حشد [توطين] اليهود في الأراضي الأميرية [أراضي الدولة] والأراضي الموات غير المطلوبة للمقاصد العمومية"7. تدل هذه الصياغة على امتياز سياسي مهم حصل عليه المشروع الصهيوني، لكن دومًا ضمن الحفاظ على "حقوق الأهالي" التي تعني في هذا السياق حقوق ملكية الأرض. تعكس الصياغة افتراضًا بأن ثمة في فلسطين مساحات فارغة، أو قدرة استيعابية كافية في أراضي الدولة، أو أراضي "الموات" غير المستغَلة. لكن السياسة الفعلية في مسألة الأرض ذهبت إلى خلق مساحة أوسع للفعل الحكومي، ولذا رسمت معالم السياسة البريطانية الفعلية على نحو يمكِّن من زيادة "القدرة الاستيعابية" للأرض عبر إنشاء آليات السوق الحرة. ويمكن أن نختصر الإشكال كما رآه البريطانيون في أربع نقاط أو عوائق بنيوية لنشأة سوق حرة في الأرض تتيح فائضًا من الأرض للمستوطنين: نظام الطابو العثماني غير الحديث وغير المكتمل، الذي لا يعتمد على الخرائط الدقيقة، ولا يُنتج "وثائق ملكية قوية" Deeds Title Strong بحيث تشكِّل ضمانًا عمليًّا وسهلً للشراء أو الرهن. وكان هذا من أهم مبررات مشروع تحديث نظام الطابو، وإرفاقه بعملية مسح قُطرية، وبإجراءات بيروقراطية – قانونية، للحسم في الملكيات (أو "تسوية الأرض" كما أشرناِ)8. وجود نظام حقوق عرفية للقبائل البدوية التي تقطن على محيط فلسطين، وتتمتع بحقوق رعي عرفية في السهول الفلسطينية، على نحو يتعارض بالكامل مع منطق حقوق الملكية الحصرية؛ ولذا، كان من أهم معالم السياسة البريطانية اقتلاع هذا المشهد ما قبل الرأسمالي تمامًا9. الانتشار الواسع لنظام المشاع الذي يجعل هيئة القرية أو القبيلة مالكة جمعية للأرض، ومن ثم فإن مسألة تملُّك الأجانب، خصوصًا أولئك الذين يبتغون الأرض للاستيطان الحصري، تبقى أمرًا شبه مستحيل. وهنا نجد أيضًا أن السياسة البريطانية دفعت بقوة لتفكيك هذا النظام10.

Dov Gavish, The Survey of Palestine under the British Mandate, 1920  -  19 48 (London and New York: RoutledgeCurzon/ Routledge, 2005).

Munir Fakher Eldin, “British Framing of the Frontier in Palestine, 1918 - 1923: Revisiting Colonial Sources on Tribal Insurrection, Land Tenure, and the Arab Intelligentsia,” Jerusalem Quarterly , no. 60 (2014), pp. 42  -  58. 12  Amos Nadan, "Colonial Misunderstanding of an Efficient Peasant Institution: Land Settlement and Musha' Tenure in Mandate Palestine, 1921  -  47 ," Journal of the Economic and Social History of the Orient , vol. 46 , no. 3 (2003), pp. 320  -  354.

  1. المرجع نفسه، ص 157.
  2. المرجع نفسه، ص 131.
  3. راجع في هذا الخصوص:
  4. للمزيد حول استهداف حقوق البدو في الرعي منذ بدايات الانتداب، انظر:

كون النظام الضريبي العثماني نظامًا عشُريًّا. لقد أشار البريطانيون كثيرًا إلى الإشكاليات في طريقة الجباية العثمانية - من تعسُّف، وافتقار إلى الدقة، وتأخير في تسويق المحاصيل - التي اشتكى منها الأهالي كثيرًا، إلا أنهم عرفوا أن مشاعر الناس وتوقعاتهم من الحكومة ومفهوم العدل عندهم ارتبطت بهذا النظام. ولم تقتصر حجتهم في إلغائه على إشكالية الجباية المكلفة وغير الدقيقة، ولكنها شملت اعتبارات مبدئية، إذ رأوا أنه حرم الدولة من إمكانية استخدام الضريبة أداةً اقتصادية؛ فضريبة الأرض تُمكِّن الدولة من محاصرة أنماط الحيازة "الضعيفة"، وتشجيع الزراعة الإنتاجية المكثفة، وهذا ما يعني خدمة مصالح الاستيطان اليهودي بطريقة بنيوية، لا عبر المصادرة المباشرة11. من دون الخوض في تفاصيل هذه السياسة، يمكننا القول إن خطاب الانتداب خلال عشرينيات القرن العشرين ذهب بجموح في هذا الاتجاه: أي تأطير الإشكال حول تأمين انتشار منطق الملكية الخاصة وآليات السوق، وتعميمهما؛ لضمان أكبر قدر ممكن من "فائض الأرض"، وذلك ضمن خطاب إصلاحي تطويري عام يتحدث عن فلسطين إجمالً، أي عن فائدة مفترَضة لنظام الطابو الجديد والنظام الضريبي الجديد على الفلاحين عمومًا. وإذا لم تتطرق النصوص الرسمية المعلنة إلى هذا الموضوع، فإن أرشيف الحكومة الانتدابية المتعلق بسياسات الأرض يفصح عن ذلك، بكثافة وبطريقة مباشرة. لكن هذا التأطير طرأ عليه تحوُّل مهم مع نهاية عقد العشرينيات واحتدام الصراع القومي الفلسطيني - الصهيوني، واندلاع انتفاضة البراق عام 1929 التي صدر في أعقابها عدد من التقارير الملَكية المعروفة التي تناولت مسألة الأرض تناولً مباشرًا. مع هذه التقارير، ظهر خطاب جديد حول محدودية القدرة الاستيعابية للأرض في ظل أنماط الإنتاج العربية القائمة آنذاك، وحول ضرورة ضبط قوى السوق، من خلال سياسات تطوير للزراعة، ومن خلال سياسة حماية لشرائح من المجتمع الزراعي (مثل تحديد "المستأجر القانوني" في تشريعات محدَّثة جديدة)13. لم تحدَّ هذه الإجراءات من الصراع، واستطاعت الحركة الصهيونية أن تُخفِّف من صياغاتها وتبعياتها إلى حدٍّ بعيد، لكنها تبقى ذات دلالات مهمة على عقلية الحكم الانتدابية والحقل السياسي الذي شكلته. بطبيعة الحال، جاءت الثورة الفلسطينية الكبرى على الانتداب والاستيطان تعبيرًا عن المظلومية الكبيرة التي شعر بها الفلسطينيون، وانسداد الأفق السياسي للتحرر منها. ولكن ديناميكية إطار الانتداب لم تتعطل تمامًا، واستمر منطقه في الظهور. مع نهاية عقد الثلاثينيات، وضِمن محاولة استعادة الاستقرار في إثر الثورة، أصدر البريطانيون وثيقة جديدة، عُرفت باسم "الكتاب الأبيض لعام 1939 "، وضعت معيارًا ديموغرافيًّا - سياسيًّا أدقّ لمستقبل فلسطين؛ بحيث يضمن أغلبية عربية طفيفة، وأقلية يهودية ذات وزن (وبنسبة دقيقة: 60 في المئة إلى 40 في المئة)، وذلك ضمن مخطط لتأسيس حكومة عربية - يهودية مشتركة. شملت هذه السياسة موضوعة الأرض، وتمخَّضت عن قانون جديد لتنظيم انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود ضمن توزيع مناطقي محدَّد14. ولكن تطبيق هذا القانون عزَّز ضمنيًّا مبدأ الفصل القومي - الجغرافي، ورسم خطوة عملية أولى نحو فكرة التقسيم (التي طُرحت أول مرة من خلال لجنة بيل عام 1937 ولم يتم تبنِّيها)، بدلً من أن يفلح في الدمج.

Great Britain, Colonial Office, Public Record Office, Land Settlement: Abolition of Tithe, PRO CO 733 / 135 / 1.

Great Britain, Colonial Office, Palestine: Report on Immigration, Land Settlement and Development [and Appendix containing maps] by Sir John Hope Simpson, C.I.E. 1930. Presented by the Secretary of State for the Colonies to Parliament by Command of His Majesty. October, 1930 (London: H.M. Stationery Office, 1930); Lewis French, “First Report on Agricultural Development and Land Settlement in Palestine,” 23 / 9 / 1931. PRO CO 733 / 214 / 5. 15  Government of Palestine, A Survey of Palestine, Prepared in December 1945 and January 1946 for the information of the Anglo-American Committee of Inquiry , vol. 1 (Washington, D.C.: Institute of Palestine Studies, 1991 [Jerusalem: Government Printer, 1946]), p. 261.

  1. ثمة وثائق أرشيفية انتدابية كثيرة تتناول هذا الموضوع الشائك. راجع مثلًالملف التالي في مكتب الوثائق العامة البريطاني:
  2. أشهر هذه التقارير:

تدل هذه التطورات في الانتداب، إجمالً، على أن ثمة إطارًا عامًّا موحَّدًا وجدلي الطابع، ظل قائمًا فعليًّا طوال فترة الانتداب، وظهر منطقه مباشرة في وثيقة عام 1939 (التي لم يلغها سوى قرار التقسيم عام 1947). وهذا المنطق كالتالي: أولً، ثمة تمييز بين "الوطن القومي اليهودي" والدولة أو السيادة اليهودية؛ ثانيًا، لا يعني هذا التمييز اعتراف الانتداب بالسيادة العربية؛ ثالثًا، وهنا الحل الجدلي للمعضلة بين الأول والثاني، أن السيادة المرجأة ليست لسكان فلسطين كما وجدهم الانتداب، ولكنها لتكوين سكاني ثنائي العرق، جديد، يتشكل عبر الهجرة، ويقوم على الدمج والتمايز في آن معًا، ليُحدث وحدة سيادية جديدة، تتجاوز المشروعين القوميين المتناقضين. لم ينجح هذا الحل بطبيعة الحال، وحل محله التقسيم القومي الذي لم يتحقق بدوره. لكن هذا لا يعني أن إطار الانتداب لم يعمل بموجب ذلك المنطق الجدلي على مدار ثلاثة عقود. وكما رأينا، من دون هذا المنطق لا يمكننا أن نفهم سياسات الأرض والهجرة، أو الحقل السياسي الاستعماري غير المتكافئ الذي حكم الفعل السياسي والمجتمعي الفلسطيني إجمالً. بمعنى آخر، نحتاج إلى التصور الاستعماري العملي للسيادة في فلسطين لنفهم تشكلات حقل الملكية أو الحقوق المدنية، ولا يمكن أن نعتبر هذين الحقلين منفصلين ببساطة.ِ

ثانيًا: تسوية أرايض بيسان: مشروع لانتداب يف لاختبار

يمكن أن تكشف لنا قصة غور بيسان على نحو استثنائي هذا الجدل الاستعماري بين الخاص والعام، والخلفيات العثمانية والمحلية التي قام عليها الانتداب. لقد اعتقد صناع القرار الاستعماري البريطاني أن أهم المساحات العامة التي يمكن تخصيصها للاستيطان، هي ما يُعرف بالأراضي المُدوَّرة التي كان السلطان العثماني عبد الحميد الثاني قد سيطر عليها لتوسيع أملاكه السلطانية الخاصة16. ولكن هذه الأراضي لم تكن صفحة بيضاء، بل إنها ظلت تحمل إرثها الاجتماعي والسياسي العثماني، ولذا من الضروري أن نستعرض، ولو سريعًا، هذه الخلفية. لقد عمل السلطان على توسيع الممتلكات السلطانية كثيرًا؛ فقد وصلت هذه الأملاك إلى ملايين الدونمات في إجمالي أراضي السلطنة، وتشكَّلت لها لجنة إدارية خاصة، ظهرت في سجلات الكتاب السنوي العثماني بوصفها جزءًا من جهاز الدولة، وهذا ما يعكس اعتبار عبد الحميد الثاني أن هذه الأملاك رمز حكومي وليست أملاكًا خاصة. ولم يرد فقط تأمين ميزانية خاصة، ولكن تأكيد سلطته السيادية أيضًا إزاء السلطة البيروقراطية وتنظيم الدولة الحديث اللذين باتا يهددان مكانة السلطان بوصفه عاهلً ومشرِّعًا أعلى، وتحقيق مشروعه التحديثي القائم على مفهوم "ترقية" الفلاحين والبدو وإصلاح الدين17. وقد شملت هذه الأملاك مئات آلاف الدونمات في فلسطين، وتركَّز معظمها في منطقة غور بيسان (على ضفتي نهر الأردن)، وسمخ وغور الفارعة (على الضفة الشرقية من الغور)، وبذلك أصبحت عشرات القرى وتجمعات العشائر البدوية تقع مباشرة تحت ملكية السلطان، ويخضع أهاليها لعلاقة مباشرة بإدارة أملاكه. مع عزل السلطان عبد الحميد عام 1909، أُلغِيت المكانة الخاصة لأملاكه، وأعيدت إلى نظام الميري؛ بغية إعطاء الرعية حقوق تصرُّف في الأرض بموجب قانون الحيازة والإجراءات البيروقراطية الاعتيادية. لكن هذه المحاولة أثارت صراعًا شديدًا حول التفاصيل والإجراءات

Munir Fakher Eldin, “Communities of Owners: Land Law, Governance, and Politics in Palestine, 1858  -  1948 ,” PhD. Dissertation, New York University, New York, 2008.

W.P.N. Tyler, “The Beisan Lands in Mandatory Palestine,” Middle Eastern Studies , vol. 25 , no. 2 (1989), pp. 123  -  162.

Selim Deringil, The Well-Protected Domains: Ideology and the Legitimation of Power in the Ottoman Empire, 1876  -  19 09 (London: I.B. Tauris Publishers, 1998).

Roy S. Fischel & Ruth Kark, “Sultan Abdülhamid II and Palestine: Private Lands and Imperial Policy,” New Perspectives on Turkey , no. 39 (2008), pp. 129  -  166.

  1. انظر الفصل الأول في: قارن ب:
  2. حول مشروع عبد الحميد التحديثي، راجع: حول إنشاء الجفتلك السلطاني في فلسطين وتوسيعه، قارن ب:

المتصلة بمنح حقوق التصرف، وحول من يحق له الاستفادة منها. وقد سُجِّلت في ذلك السياق تصورات متعارضة حول مفهوم الملكية، والميري، ومكانة الفلاح، ودور البرجوازية الوطنية؛ فحين ارتأت الحكومة، جريًا على عادة العهد الأول من قانون الأرض لعام 1858 (أي في بدايات تطبيقه في عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر على الأقل)، بيع حقوق التصرف في هذه الأملاك الضخمة لمستثمرين أفراد كبار، لضمان عائدات مالية عالية وسريعة للخزينة، اعترض الأهالي والنخب الوطنية في فلسطين وفي عموم السلطنة. وكان التخوُّف في فلسطين من تملُّك الحركة الصهيونية هذه العقارات من خلال واجهة رجل أعمال بيروتي. لكن أصوات النخب المدينية أيضًا تباينت؛ وبينما رأى بعضها أن المهمة تكمن في اعتبار الأهالي المزارعين أصحاب الأولوية لتطويب الأرض، رأى بعض آخر أن من المفترض قيام شركة وطنية تسعى إلى تطوير هذه الأراضي؛ لأن الفلاح ضعيف وغير قادر، وهذا ما يجعله أداة بيد المرابين الذين سوف يسيطرون على أرضه ضد المجهود الوطني، ورأى آخرون ضرورة استمرار الدولة في سياسة لتوطين المزارعين وحمايتهم، جريًا على نموذج عبد الحميد الثاني. وفي ثنايا هذا السجال الذي وثَّقته صحف ومنشورات في تلك الحقبة، نجد شذرات من أصوات زعماء الفلاحين والقبائل الذين انطلقوا من مفاهيمهم الأهلية الأصيلة حول الأرض وملكيتها بوصفها إرث الأجداد، وبوصف الدولة مقيمة للعدل، حافظة للإرث، لا مالكة له18. في نهاية المطاف، تراجعت الحكومة العثمانية عن مخطّطها، ودخلت في مباحثات مع المزارعين والأهالي؛ لإعادة الأرض إلى حيازتهم على أساس نظام الميري الاعتيادي. لكن هذه المباحثات انقطعت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وبذلك استمر الوضع القائم كما كان في حقبة عبد الحميد الثاني حتى الاحتلال البريطاني. ومع انعقاد مؤتمر الصلح في باريس، ووصول أخبار حول المباحثات التي كانت تدور بين الصهاينة والبريطانيين حول استغلال الأرض المدوَّرة لتنفيذ وعد بلفور، بدأ الشعور الشعبي والوطني يتيقَّظ من جديد؛ وقد تضافرت في ذلك قوى ناشطي الحركة الوطنية والأهالي وزعمائهم، من المزارعين والقبائل البدوية، في الغور. حُسِم مصير الغور عام 1921 لصالح الأهالي مرة أخرى، حين أقرَّت الإدارة البريطانية في تشرين الثاني/ نوفمبر من ذلك العام إرجاع الأراضي إلى المزارعين باعتبارهم أصحابها الأصليين، نظرًا إلى أن الحكومة العثمانية كانت هي المسؤولة عن خسارتهم للأرض، لأنها أهملت شؤون الأمن، فتسببت في انقطاع الزراعة في الغور (إذ كان القانون العثماني يشرط عمومًا استمرار الحيازة القانونية والتسجيل في الطابو بالاستغلال الفعلي المتواصل للأرض). وكانت لهذا القرار البريطاني دلالات عميقة؛ ففي التطبيق العملي للانتداب، اتسع المعنى الفعلي للحقوق المدنية ليشمل تصحيح أوضاع انتُهِكت فيها هذه الحقوق أو أُخل بها قبل ثلاثة عقود أو أربعة على يد العاهل العثماني الذي بات مضرب المثل في الفساد الحكومي. وبطبيعة الحال، لم يتعارض هذا التوسيع لمعنى الحقوق المدنية مع منطق الانتداب تعارضًا مطلقًا، ولكنه أعاد تأكيده؛ فلقد ظهر الانتداب مُصلِحًا ومُحقِّقًا لأسس العدل والحكم الصالح، عبر ضمان الملكية، وضبط دور الحكومة في الحفاظ عليها. لكن تطور تسوية الأرض وتطور الحكم الانتدابي سيثبتان أكثر فأكثر أن حدود الحيِّزين الخاص والعام هي مسألة سياسية مفتوحة دومًا، وأن هذه الحدود هي مساحة حركة تُمكِّن السلطة الحكومية من أن تؤدي وظائف متعددة، وأن تنفِّذ الإطار العام - السياسي الديموغرافي – للانتداب؛ فقد أنتجت التسوية حقبة انتقالية، واشترطت إتمام انتقال ملكية الأرض كاملة للمزارعين بدفعهم رسومًا عالية، وقسَّطتها مدة خمسة عشر عامًا. لكن هذه العملية ظلت مفتوحة، وحدثت فيها تحولات عمَّقت دور الحكومة في إدارة جغرافيا الملكية في الغور. قبل أن نتوسَّع في هذا الموضوع، يجدر ذكر بعض الأحداث السابقة التي تساعدنا في فهم القرار البريطاني بالتراجع عن فكرة تخصيص الأرض المدورة للحركة الصهيونية. في العام التالي لمؤتمر الصلح في باريس، أي عام 1920، وفي ضوء قلق القبائل

  1. لتفصيل موسَّع لهذه المواقف، انظر الفصل الأول في ": Owners of Communities , " Eldin Fakher؛ وراجع أيضًا: محمد الحزماوي، ملكية الأرض في فلسطين، 1918  -  1948 (عكا: الأسوار، 1998.)

القاطنة في منطقة الغور وشرقي نهر الأردن من الاستيطان اليهودي، شنت مجموعة من الفرسان هجومًا على مستوطنات يهودية في منطقة طبريا، واشتبكت مع القوات البريطانية في بيسان. استطاعت القوة العسكرية البريطانية، مدعومة بالطيران الحربي، القضاء على هذه الحركة، لكنها، ولا شك، تركت انطباعًا قويًّا لدى المحتلين بأن أي إدارة مدنية مستقرة ستحتاج إلى سياسة احتواء لمختلف الفئات الاجتماعية. ولا شك في أن هذا الأمر كان في الحسبان حين قرر البريطانيون إجراء تسوية أراضي بيسان لصالح الأهالي21. جرى في العام نفسه حدث ثانٍ، وهو نجاح الحركة الوطنية والأهالي في الغور في تنظيم مقاطعة شعبية تامة لمأموري الأعشار. لقد أراد البريطانيون تمرير مسألة ملكية الدولة للأرض، وتثبيت مكانة الأهالي بوصفهم مستأجرين بلا حقوق حيازة، عبر توقيع إيصالات ضريبة الأعشار التي احتوت خصيصًا لهذا الغرض عبارة "أجرة الأرض". وفي أعقاب هذا التصعيد الشعبي، قام المندوب السامي هربرت صموئيل بزيارة رسمية إلى مدينة بيسان في العام التالي. وهذا هو الحدث الثالث المهم، فقد كان صموئيل من مخططي هذه السياسة الأساسيين منذ مؤتمر الصلح. وصل صموئيل مع رسالة مفادها أن استيطان اليهود في فلسطين عمومًا، وفي قسم من أرض بيسان خصوصًا، سيجلب معه المنافع العمومية للجميع، عربًا ويهودًا، وأن موارد المستوطنين ومعارفهم العملية الحديثة سوف "تعيد" العمران والازدهار المفترض لهذه الأرض منذ عصر الرومان والعهد القديم. التقى صموئيل بحشد من الأهالي، وألقى أمامهم رسالة الملك إلى أهالي فلسطين، ومن ثم انتقل إلى اجتماع مغلق في مبنى البلدية بأعيان البلدة والغور. في كلتا الحالتين، سمع صموئيل رفضًا قاطعًا لسياسة الهجرة والتوطين الصهيوني في فلسطين، وكذلك اعتراضات مفصَّلة على روايته حول ملكية الدولة للأرض وعدم وجود حقوق للأهالي فيها، فيما عدا كونهم مستأجرين يدفعون أجرة الأرض لقاء حق استغلالها. في النهاية، وبعد انقضاء بضعة أشهر، أقرَّت إدارة صموئيل عمليًا رواية الأهالي بوصفهم الأصحاب الأصليين الذين ظُلِموا وسلب منهم النظام العثماني حقوقَ الحيازة22. تُضاف إلى هذه الحوادث المباشرة التي جرت في بيسان الاحتجاجات الشعبية والصدامات التي حصلت في القدس ويافا، وحرَّكت عموم فلسطين في تلك الفترة المبكرة من الاحتلال البريطاني. ساهم جميع هذه العوامل في فرض حساب جديد لما اعتبره الإطار الاستعماري، ولو في تصوره الأولي العام، "حقوقًا مدنية"، ولما أراد أن يُخرجه من دائرة هذا المفهوم. لكن الصراع لم يقتصر على الصدامات والانتفاض، بل اتخذ أشكالً مختلفة في التاريخ اليومي لآليات الحكم.

ثالثًا: الملكية والسيادة: المناظير الفلسطينية

في عام 1936، نشر رجل دين إيطالي من البطريركية اللاتينية، اسمه الأب فيليب تلفاكس (فيليبو تلفاكيا Talvacchia Fillippo)، كتابًا صغيرًا، وأعادت نشره قبل بضع سنوات جمعية حقوقية فلسطينية، يجادل فيه بأن الانتداب البريطاني بات باطلً قانونيًّا؛ لأنه أخل بمبدأ حفظ الملكيات والوضع القائم العثماني. وقد أكد الناشر المعاصر أن الكتاب فيه ما يكشف سر عمل مشروع الاستعمار في فلسطين24. وكان تلفاكس قد حدد جوهر القضية فيما رآه ترجمة تحريفية خاطئة قام بها الانتداب البريطاني لمفهوم الأرض الميري،

19  Fakher Eldin, "British Framing.". Fakher Eldin , " Communities of Owners ": راجع الفصل الثاني من 20

"Filippo Talvacchia," Latin Patriarchate of Jerusalem, accessed on 14  /  8  /  2018 , at:https://goo.gl/n 3 r 3 ZJ

  1. فيليب تلفاكس [تلفاكيا]، الميري والأميري، المالك والمملوك: ملاحظات قانونية في تمييز أراضي الأفراد من الأراضي الأميرية في فلسطين، ترجمة إبراهيم إلياس عياد (القدس: مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، 2010 [1936])؛ حول الكاتب ودوره في البطريركية اللاتينية في فلسطين في تلك الآونة، راجع:

فاعتبرها أرض دولة بينما هي أرض الأفراد، وكان دليله على ذلك أن حكومة الانتداب أدخلت قوانين لحماية المستأجرين، وهذا يعني أنها اعتبرت نفسها صاحبة الأرض؛ إذ إن مثل هذه الصلاحية تكون منوطة بالمالك حصرًا. ثم يذهب الكاتب ليقول إن ثمة تمييزًا عثمانيًّا بين الأرض الأميرية التي تعود إلى السلطان أو الدولة (كما في بيسان)، والأرض الميري. فالميري صفة تدل على أن الأرض تقع ضمن استحقاقات الضريبة، وليست فئة ملك تعني ملكية الدولة، وأن الطابو العثماني ثبَّت موضوع ملكية الأفراد الصحيحة في الأرض الموسومة بصفة "الميري". ثمة خطأ تاريخي مهم في هذه المجادلة حول السياق العثماني، يقوم على تجاهل موضوعة التمييز العثماني الدقيق بين رقبة الأرض الميري التي هي بيد الدولة، وحقوق التصرف التي باتت تشبه حقوق الملك التي تخص الأفراد. وهذا مرتبط بخطأ نظري وقع فيه الكاتب يتمثل بالاعتقاد أن الملكية والسيادة حيِّزان منفصلان تمامًا وقطعيًّا25. حقيقة الأمر أن العلاقة بين الملكية والسيادة أشد تعقيدًا، ومما يُقرِّبنا من كشف جوهر الصراع، في رأينا، القول إن النضال الفلسطيني لم يكن حول الملكية فقط، ولكنه كان حول السيادة أيضًا؛ فما كان ينتجه الفلسطينيون في حركتهم الوطنية لم يكن خطابًا يدافع عن حقوق الملكية المحضة فحسب، ولكن رواية تاريخية معلنة أو ضمنية، تؤسس سيادتهم، وتقوم على تفسير للملكية على نحو ينقل رقبة الأرض من السلطان إلى الشعب أو الأمة الحديثة. في العمق، كما جادل في مقالة شهيرة في الفترة نفسها تقريبًا مفكر قانوني أميركي يُسمّى موريس كوهين، الملكية حق وامتياز تمنحهما الدولة للفرد ليتحكم ليس في الأشياء فقط، ولكن في احتياجات الآخرين، ومن ثم فهي تحوي ضمنًا سلطة على حياة الآخرين؛ أي فيها من السيادة ما يُقوِّض الفكرة التقليدية منذ عصر الأنوار بوجوب التمييز بين القانون الخاص (الملكية) والقانون العام (السيادة)28. المِلكية من هذا المنطلق، وباستخدام مصطلحاتنا الخاصة، تفترض عاهلً أو جسدًا سياسيًّا هو مصدر الملكية. ثم يقع الصراع في حالة الاستعمار والاستعمار الاستيطاني حول ماهية هذا العاهل: أيكون دولة الانتداب أم الشعب المنتدب عليه؟ في هذا السياق، يدخل ما ذكرناه من موضوع الإرجاء وإعادة التكوين في المشروع الانتدابي لماهية الجسد السياسي الفلسطيني، ولكن يمكننا أيضًا أن نميِّز بين تصورات فلسطينية مختلفة لطبيعة مصدر الملكية؛ فهناك بطبيعة الحال الخطاب الحديث حول الأمة الذي نجده في كتابات رجالات النهضة، ويقوم على مخيال اجتماعي إصلاحي، يهدف إلى تغيير البنى التقليدية، وخلق وعي جديد بالانتماء الفردي إلى الجماعة السياسية الوطنية. ونجد هذا الهمَّ حاضرًا في كتابات رجالات الحركة الوطنية في بيسان. ومثالنا لذلك جبران كزما، ابن أحد رجالات التربية النهضويين الأوائل في المدارس الروسية في الناصرة وأنحاء أخرى من بلاد الشام. وكما يكشف المؤرخ هاني باوردي، كان كزما قد درس الزراعة في فرنسا، وانضم إلى نشاطات القوميين السوريين المعارضين للحكم العثماني هناك30. وعلى ما يبدو، عاد كزما إلى فلسطين بعد دراسته، وحصل على مزرعة في بيسان من إدارة الأراضي المدوَّرة. وبعد عام 1919، انخرط مع بعض من المستثمرين المشابهين له في العمل الوطني النهضوي، وكان كزما الأبرز بينهم؛ إذ التحق بالجمعيات المسيحية - الإسلامية، وبالمؤتمر الوطني الفلسطيني، وكان عضوًا في اللجنة التنفيذية. مارس كزما من موقعه هذا دورًا حيويًّا في مسألة الأرض في الغور، وكتب رسائل عديدة، على مدار أكثر من سنتين ونصف السنة (ذلك أنه توفي في سن مبكرة عام 1924)، إلى جمال الحسيني، سكرتير اللجنة التنفيذية، عن العمل الوطني إجمالً في الغور وعن جمع

23  Morris Cohen, "Property and Sovereignty," Cornell Law Quarterly , vol. 13 , no. 1 (1927), pp. 8  -  30.

Hani Bawardi, The Making of Arab Americans: From Syrian Nationalism to American Citizenship (Austin: University of Texas Press, 2014).

  1. للمزيد راجع: منير فخر الدين، "مراجعة كتاب الميري والأميري، المالك والمملوك: ملاحظات قانونية في تمييز أراضي الأفراد من الأراضي الأميرية في فلسطين"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 89 (شتاء 2012)، ص 80  -  182.
  2. راجع الفصل الثاني في:

التبرعات للحركة الوطنية من الأهالي31. وتناول على وجه الخصوص قضية الأرض، والعصيان الذي نُظِّم ضد جباة الضريبة الذي كان هو أحد أبرز محركيه. وقد انتُخِب، هو وشخص آخر من أبناء الغور، عضوًا ممثلً للأهالي في لجنة التطويب الحكومية التي أُوكِلت إليها مهمة تطبيق الاتفاق مع الحكومة. وكما تدل رسائله، كان له من هذا الموقع تأثير ملحوظ في مجريات عملية التسوية، وخصوصًا صد محاولات مبكرة للحركة الصهيونية لشراء أراض في الغور، ومحاولات حكومة الانتداب التراجع عن بعض بنود الاتفاقية التي منعت البيع حتى يتم دفع أقساط الأرض خلال خمسة عشر عامًا ويحصل المزارعون تلو ذلك على شهادات ملكية من سجلات الطابو؛ فقد استمرت الحركة الصهيونية في الضغط على الانتداب في محاولة لإلغاء الاتفاقية والحصول على امتياز في الأرض، أو، على الأقل، رفع القيد على شراء الأرض قبل انتهاء فترة الأعوام الخمسة عشر. وقد نجحت جهود الحركة الوطنية طوال بضع سنوات في الحفاظ على بنود الاتفاقية، لكن ليس على طول الطريق، فقد أتاحت حكومة الانتداب إمكانية الشراء في الغور منذ عام 1928. لقد كان نشوء السوق في الغور أمرًا محتومًا في ظل الانتداب، وبموجب منطق الملكية. لكن ما حصل فعليًّا من تعجيل لهذا الأمر وتجاوز لبنود الاتفاق تعود جذوره إلى الاختلافات العميقة بين فهم الأهالي لروح الاتفاقية والغاية منها، وبين الاعتبارات التي رسمتها حكومة الانتداب. لقد عدّ الأهالي بنود الاتفاقية مجحفة، على اعتبار أن الأرض ملكهم، وأنه ليس منصفًا إجبارهم على شرائها مجددًا من الحكومة، وكذلك نظرًا إلى أن الالتزامات المالية التي فُرِضت عليهم كانت كبيرة ووضعتهم تحت وطأة الديون ورحمة المرابين، فامتنعوا باكرًا وعلى نحو جماعي من تسديد الأقساط، وحاولوا فرض أمر واقع على الحكومة. وكما تدل وثائق الأرشيف الانتدابي، أعاد الانتداب النظر في المسألة في منتصف الثلاثينيات، ونوقشت حلول مختلفة، منها استعادة نظام شبيه بنظام السلطان عبد الحميد، حيث تعود الأرض إلى ملكية الدولة، ويبقى فيها المزارعون بصفتهم مزارعين محميين، ومنها إلغاء الأقساط وإعطاء المزارعين حقوق ملكية كاملة مباشرة. لكن الحل الأول لم يكن لينسجم ومنطق الانتداب. أما الحل الثاني، فقد تخوَّف منه المسؤولون، بحجة أنه يفتح باب سوق الأرض على نحو يؤدي إلى تقويض الاستقرار الديموغرافي، وخروج الموازنة الديموغرافية - السياسية التي يقوم عليها الانتداب من سيطرته. لكن هذا الادعاء تجب إعادة النظر فيه؛ وذلك علمًا أن حكومة الانتداب كانت قد أفسحت المجال أمام عمليات شراء مبكرة من خلال استثناءات خاصة حصلت عام 1926، ولاحقًا عبر تعميم مثل هذه الاستثناءات على نطاق أوسع بعد عام 1928. وفي النهاية، قررت الحكومة تمديد فترة دفع الأقساط مقابل رهن الأرض للحكومة بصورة قانونية؛ وذلك لنقل موضوع التسوية من المستوى السياسي (أو "القانون العام") إلى المستوى القانوني ("القانون الخاص"، أي الملكية). لكن الأهالي استغلّوا خطأ بيروقراطيًّا في التنفيذ، ووقّعوا مستندات تمديد الاتفاقية في عام 1936 من دون أن يوقعوا مستندات الرهن. عبَّ الأهالي في معروضاتهم عن ارتيابهم في الانتداب ومستقبل الحكومة، وعن توجسهم من نيات الانتداب تجاههم، واعتبروا أنه يسعى لتسهيل انتقال أراضيهم إلى المستوطنين اليهود، وقارنوا أوضاعهم بعهد عبد الحميد الثاني الذي أثنوا على قيامه بالعدل المتمثل بمبدأ حماية المزارعين. لم تكن ملكية السلطان للأرض تعني، من منظورهم، فسادًا في الحكم وخلطًا للعام بالخاص، ولكنها كانت تعني تولي السلطان أو الدولة شأن الوصاية على المزارعين بوصفهم أصحاب الحق في الأرض وفي البقاء والعيش فيها، بوصفها أرض أجدادهم. وهذا ما توخَّوه أو طلبوه من الانتداب أيضًا. ومن هذا المنظور فإن الانتداب ليس إرجاء للسيادة الوطنية، وإنما هو تقويض وهدم لمفهوم أهلي مُهمَّش للميري أو لرقبة الأرض وللسيادة بوصفها تعود في نهاية المطاف وفي الأصل إلى الأجداد والسلف الذين يورثونها إلى أبنائهم، وما السلطان أو الدولة سوى حامٍ أو وصي عليها، وليس مالكًا مطلقًا لها. ولكن الأهالي ظلوا متمسكين بهذا المفهوم أساسًا أخلاقيًّا للُحمتهم الأهلية ولتعاضدهم أمام آليات الحكم التي كانت تضغط نحو تفتيتهم إلى أفراد ومحض فئات حكم بيروقراطية.

26  See: Fakher Eldin, "Communities of Owners," Chapter 3.

  1. راجع: منير فخر الدين، "هواجس النهضة في رسائل جبران كزما إلى جمال الحسيني 1921  -  1923 "، حوليات القدس، العدد 12 (شتاء 2011)، ص 25  -  33.

نصل هنا إلى سؤال مهم حول الاختلاف والتباين بين خطاب النخبة الوطني والمفهوم الشعبي للمِلكية: هل مثّل هذا الأمر فجوة وصمَمًا شاملً في العلاقات بين القوى الوطنية ونخبها البرجوازية الثقافة، وبين المزارعين ومفاهيمهم الشعبية التي لا تبدو منسجمة مع لغة العصر والتمدن؟ قد يكون هذا التمييز سهلً على صعيد الخطاب، وأحيانًا على صعيد التحليل البنيوي للمصالح الطبقية الخالصة، أمّا في مجال العمل السياسي والتحالفات السياسية فتبدو التقاطعات أشدّ تعقيدًا. ولعل حالة جبران كزما خير مثال على ذلك. كان كزما على دراية بأن الانتصار الذي تحقق في عام 1921 كان جزئيًّا فقط، وأن التحديات الاقتصادية الماثلة أمام المزارعين كانت ضخمة جدًّا، وأنه لا مجال لاستمرار الحماية المرجوة للأرض العربية من دون دعم مالي وطني حثيث للمزارعين. فكيف تعاملت الحركة الوطنية مع هذا التناقض؟ على صعيد النثر والخطابة، لامَ كزما البنية التقليدية للزعامة، ولكنه لامَ طبيعة المشاعر أو العواطف الشعبية أيضًا؛ فعلى الرغم من أن هذه المشاعر والعواطف عكست في رأيه أصالة وصدقًا هما أساس الأمة، فإنها كانت قابلة للانقلاب فجأة إلى سلوك "قطيعي" عاطفي بلا عقل ضابط، وهذا ما يجعل قيادة الأهالي أمرًا محبطًا. لم يربط كزما، على صعيد مفاهيمه الخطابية المُفصَح عنها، بين منطق الملكية الجديد وأوضاع الفلاحين، ولم يتحدث عن أهمية البنى الاجتماعية التقليدية بالنسبة إليهم، ولكنه عزل "الروح" الأصيلة النقية لدى الأهالي، وأراد تطويعها في بنى وقوالب اجتماعية جديدة. وقد عبَّ عن ذلك ببلاغة جميلة في مقالة قصيرة بعنوان "التعاضد الوطني"، نشرتها جريدة الكرملبتاريخ 12  آذار/ مارس  1921، تحدَّث فيها عن ضرورة بناء جمعيات تضامن اجتماعي حديثة، تقوم على روح التكافل والتعاون (الفزعة) التقليدية التي نجدها في الثقافة الشعبية. أمّا ما لا تفصح عنه كتابات كزما، فيكشف عنه الواقع العملي للتسوية التي انخرط في تنفيذها على الأرض؛ فعلى الرغم من التبريرات الرسمية لعملية "إصلاح نظام الأرض" التي دارت حول فضائل الملكية الخاصة، وعلى الرغم من الخطاب الحداثي الوطني، فرض الواقع الاجتماعي لحيازة الأرض نفسه على التسوية. وهذا صحيح أيضًا منذ الحقبة العثمانية؛ إذ ظلت البنى الاجتماعية وترتيبات حيازة الأرض على حالها تقريبًا. ونستطيع أن نستدل على ذلك من بعض الوثائق العثمانية، ومن النظر في نتائج تسوية الأرض التي عكست وجود نظام حيازة مشاعي تقليدي من حيث تقسيم الأرض إلى قطع صغيرة قليلة العرض، وتعدُّد أمكنة القِطع التي يملكها الفرد أو يشترك في ملكيتها بالأسهم مع شركائه في الميراث. لقد ساهم هذا الأمر في استمرارية البنى الاجتماعية في الغور وأشكال التضامن التقليدية. ونخمِّن هنا أن كزما لم يكن فقط على علم بهذه الديناميكيات، ولكن لا بد أنه أسهم في دعم رؤية الأهالي وتوظيفها للحفاظ على نمطهم المحلي في الحيازة من خلال موقعه المباشر بوصفه مسؤولً في لجنة التطويب. وعلى العموم، إذا أردنا أن نكتب تاريخ المواجهة الاستعمارية والتاريخ الاجتماعي - السياسي فيما يتعلق بالأرض، فلا بد من أن ننظر مليًّا في هذا الواقع الاجتماعي للحيازة وآلياته الداخلية.

رابعًا: النسيج لاجتمعي للمِلكية وجغرافيا لاستعمر لاستيطاين: محدودية السوق والعنف

كتب توفيق كنعان في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو طبيب وباحث فولكلور فلسطيني معروف، عن عرب الصقر في غور بيسان، واصفًا تدهور أوضاعهم؛ من عشيرة قوية، تملك مئات الفرسان والخيول، وتأمر في المنطقة، إلى مجموعة من المضارب المتفرقة الفقيرة جدًّا. كان كنعان على اطلاع على الأوضاع هناك، كونه أحد رجالات النخبة الوطنية الذين اشتروا مزارع في الغور من عرب الصقر بهدف مزدوج: استغلال فرصة الاستثمار التي باتت متاحة أكثر من ذي قبل هناك بتأثير التسوية، وتلبية نداءات الحركة الوطنية لإنقاذ

27  Tawfiq Canaan, "The Saqr Bedouin of Bisan," The Journal of the Palestine Oriental Society , no. 16 (1936), pp. 21  -  32.

الأرض العربية من التسرّب إلى المستوطنين اليهود. ولكن الصورة التي رسمها، على الرغم مما فيها من درجة عالية من الحقيقة، ومما تكشفه من الانقلاب الكبير في المصائر، تحتمل مزيدًا من التوضيح. لقد وقع الغور في ذلك الجزء من فلسطين الذي تركّز فيه ضغط الحركة الصهيونية، فقد كان يمثّل زاوية في المخطط الاستيطاني الشهير الذي عُرف باسم المخطط " N "، وهو الذي عملت من خلاله الحركة وهدفت إلى السيطرة على السهول الفلسطينية الخصبة التي امتدت على طول الساحل غربًا من غزة جنوبًا إلى حيفا شمالً، ومن ثم على امتداد سهول مرج ابن عامر على محور جنوبي شرقي، من حيفا إلى منطقة بيسان في الأغوار، ومن ثم شمالً إلى سهول منطقة بحيرة طبريا والحولة. ولكن المواجهة التي حصلت في بيسان كان لها طابعها الخاص فيما لو قورنت بسهل مرج ابن عامر والحولة؛ ففي تلك السهول جرت بيوع أراضٍ من جانب ملاك غائبين (بيروتيين) بمساحات كبيرة في غضون سنوات قليلة، واستطاع الاستعمار الاستيطاني تهجير الفلاحين منها تهجيرًا كاملً تقريبًا. كان الأمر في بيسان مختلفًا؛ إذ اصطدمت آليات السوق بعدد كبير من أبناء مجتمعات قروية وبدوية، وشكَّلت جغرافيا ملكية تشبه حيزًا مدينيًّا مكونًا من قطع صغيرة، مع عدد كبير جدًّا من المالكين الذين تشاركوا في معظم الحالات في أسهم غير مفرزة في قطع كثيرة جدًّا ومبعثرة (انظر خريطة قرية الساخنة). في مثل هذا الواقع الذي يشبه عملية سيطرة رأسمالية تدريجية على حيز مديني في حي فقير Gentrification، لا يمكن، حتى مع تفاوت هائل في الثروات والقوة، أن تحصل عملية اقتلاع وتملُّك شامل في الحيّز من دون إحداث انقلاب جذري في موازين القوى. لا شك في أن من المنطقي طرح السؤال حول دور سياسات الانتداب في هذه العملية، بدءًا من الثلاثينيات ولاحقًا في عقد الأربعينيات: هل ساهمت في تسهيل آليات السوق؟ أم هل ساهمت في تحجيمها واستفادة الاستيطان الصهيوني منها، علمًا أنه كان هناك مستفيدون منافسون - ومنافسون بشدة أحيانًا - من آليات السوق؟ واضح أن الانتداب طبَّق سياستين متعاكستين في الاتجاه: إحداهما إتاحة سوق الأرض، والأخرى ضبط هذه السوق. ولكي نفحص تفاعل هاتين السياستين والمعنى الفعلي للتوازن بينهما، لا بد من أن نشرك عوامل أخرى في التحليل؛ كالقوة الشرائية للحركة الصهيونية، وقوة الصمود الفلسطيني. وتحتاج الإجابة الوافية عن هذا السؤال أيضًا إلى الخوض في تفاصيل كثير من الحالات الفردية، وهو أمر متعذر في سياق هذه الورقة. نكتفي بالنظر في قصة عشيرة الصقر. ونركِّز على قصة إحدى قراها، وهي قرية الساخنة التي مثّلت بداية تسرب الأرض من الأهالي إلى مالكين من الخارج، وتداخلت فيها معظم العوامل المذكورة. لقد تكونت العشيرة، بحسب معطيات أرشيف الانتداب، من ثمانية تجمعات سكنية، وبلغت مساحة أراضيها الإجمالية التي وُزِّعت نحو 39 ألف دونم، وبلغت أراضي الساخنة نحو 6500 دونم. ولم تكن بداية دخول ملاك خارجيين إليها من قبل اليهود؛ فقد سمحت الحكومة في عام 1926 بالتملك لمستثمرَيْن مقرَّبين من سلطة الانتداب، أحدهما لبناني كان قد خدم الإدارة البريطانية في مصر وانتقل إلى فلسطين، وهو سليمان بك ناصيف، والثاني إنكليزي يسمَّى الكابتن روس. واستطاع الشريكان التوصل إلى اتفاق مع كثير من أهالي القرية على بيعهما حصصهم الكثيرة لإقامة مزرعة وتشغيلهم فيها. وبهذا اعتقد الأهالي فيما يبدو أنهم سيتخلصون من مطالب الحكومة المالية عبر العودة، كما كتبوا لاحقًا في إحدى معروضاتهم للحكومة، إلى وضع مزارعين محميين يشبه حالهم في زمن السلطان عبد الحميد الثاني. وكما تدل دراسة فايرستون عن مزارع آل عبد الهادي في عرَّابة جنين في فترة الانتداب، فإن مثل هذه العلاقات شبه الإقطاعية التي يلتزم فيها صاحب الأرض علاقات أخلاقية بمزارعيه، كانت باقية آنذاك في الثقافة، وحتى في عرف صاحب الأرض الإقطاعي وتصوره لدوره ومنصبه الاجتماعي، وإن بدأت تتصدع في ثلاثينيات القرن العشرين. ومن هذا

29  Ya'akov Firestone, "Crop-Sharing Economics in Mandatory Palestine: Part I," Middle Eastern Studies , vol. 11 , no. 1 (January 1975), pp. 3  -  23 ; Ya'akov Firestone, "Crop-Sharing Economics in Mandatory Palestine: Part II," Middle Eastern Studies , vol. 11 , no. 2 (May 1975), pp. 157  -  194.

  1. لتفاصيل هذه القضية، راجع الفصل الثالث في ": Owners of Communities , " Eldin Fakher.

المنظور، فليس من المستغرب أن يتحدث أهالي الساخنة عن اتفاق كهذا؛ لكن تداعيات الأمور ستكشف الانقلاب الحاصل في ثقافة الحيازة والعلاقات الزراعية، والمفارقة المُرَّة التي عاشها أبناء القرية إثر اشتغال منطق السوق والاستعمار - الاستيطان. على ما يبدو فإن أبناء القرية لم يكونوا جميعهم على رأي واحد في موضوع ناصيف وروس؛ فقد رفض عدد منهم بيع حصصه، ومن ثم منعوا توحيد حصص الشريكين الجديدين. وخلال فترة وجيزة بعد الاتفاق في عام 1936 تبيَّن أن الشريكين على خصام، وأنهما فضا شراكتهما وقسَّما حصصهما. وهكذا نشأت جغرافيا مِلكية مكوَّنة من الكثير من القطع المتداخلة والمبعثرة، منها ما هو بيد ناصيف، ومنها ما هو بيد روس، ومنها نحو 900 دونم من أصل 6000 دونم تقريبًا، ظلت إما كاملة أو مشتركة بالأسهم بأيدي الأهالي (انظر الخريطة). ثم تبيَّ أيضًا وسريعًا أن روس قد باع حصصه للصندوق القومي اليهودي. وفي عام 1928 باع ناصيف أيضًا حصصه للجهة نفسها بحجة أن الاستثمار لم ينجح بسبب تعذُّر توحيد القطع، وهو ما أدى إلى فشل الشراكة مع روس. ولكنه تعهد قانونيًّا في عقد البيع بأن يُخرج الأهالي ويسلِّم الأرض إلى الصندوق خالية من المزارعين. وهنا بدأت مقاومة الأهالي، فرفضوا إخلاء الأرض، ورفضوا الموافقة على توحيد القطع، واتَّهموا المالكيْ الجديدين بالخداع، وطالبوا الحكومة بإدراجهم في السياسات الجديدة التي أُقرَّت لحماية المزارعين وإعادة المخرَجين من أرضهم. وعلى الرغم من أن التعريف الدقيق لهذه السياسات لم يشمل من باع أرضه بنفسه مثلهم، وإنما فقط المستأجرين الدائمين الذين خسروا أرضهم بفعل البيع من أصحاب الأرض، فقد استطاع الأهالي أن يضغطوا على الحكومة لكي تتفاوض معهم حول الموضوع. وقد استقطب الأهالي اهتمام ناشطي الحركة الوطنية في بيسان والقيادات الوطنية في القدس، فعزّز هذا الأمر موقفهم. لم تُفض المفاوضات إلى حل مقبول من جانب الأهالي الذين طالبوا بأرض بديلة لجميع أبناء القرية الذين بقوا في المكان ولم يرحلوا، ومنهم حتى أولئك الذين باعوا الأرض لناصيف وروس في الأصل، لكنها أعطتهم وقتًا إضافيًّا على مدار عقد من الزمن للاستمرار في حيازة الأرض وعدم إخلائها عمليًّا حتى انتهاء الثورة الكبرى (1936  -  1939). وحين نشوب الثورة عام 1936 كانت الساخنة إحدى نقاط التَّماس الأولى؛ إذ أحرق الأهالي كوخًا للحراثين المستوطنين الذين أرسلتهم الحركة الاستيطانية الصهيونية للسيطرة على المكان، ولاحقًا سيطروا على كل الأرض، واقتلعوا جميع الأوتاد التي سبق أن وُضِعت ضمن عملية رسم الخرائط والتطويب. وفي المقابل، زرع المستوطنون في عام 1937 في أراضي الساخنة نواة أولى مستوطنات ما عرف ب "السور والبرج" ذات الطابع العسكري، التي تحتفي بها الرواية الصهيونية بصفتها رمزًا لروح الدفاع الهجومي الذي أمَّن قيام دولة إسرائيل. وفي أعقاب الثورة واختلال موازين السيطرة الإستراتيجية على الحيز لصالح الاستيطان، تم إخراج أهل الساخنة من جميع القطع المبيعة، لكن القطع التي رفض أصحابها البيع أو توحيد الملكيات، ظلت قائمة من غير تغيير، ولم تفلح السيطرة الأمنية في اقتلاعها حتى عام 1948. لا شك في أن هذا المشهد يدل على اضمحلال قوة عرب الصقر، وانقلاب المصائر عليهم، كما ذكر كنعان. فما حصل مع الساخنة حصل أيضًا مع مناطق أخرى من الغور كانت تابعة لعرب الصقر وغيرهم، وقد وصلت نسبة الأملاك التي بيعت لمستثمرين أفراد (عرب، ويهود)، وللصندوق القومي اليهودي، وللمستوطنين الألمان الهيكليين، ما يقارب ثلث مساحة الأراضي الأصلية (سيطر الصندوق القومي اليهودي على معظم هذه الأراضي المبيعة فقط في فترة الحرب العالمية الثانية وبتكاليف عالية). ومع ذلك، يمكننا أن نفترض هنا أمرًا أساسيًّا: أنه إذا لم تكن القدرة الشرائية قد وصلت إلى نهايتها بالضرورة، فإن وتيرتها وتكلفتها العالية وتشظِّيها؛ كل ذلك جعلها أقل قدرة على إشباع احتياجات المشروع الصهيوني الطامع في السيطرة القومية على الجغرافيا. ولذا، لم يكن بد من العنف العاري والاقتلاع لتحقيق السيادة. ومعنى هذا أن الملكية وحدها أو سوق الأرض وحدها، على عكس ما ظن زيدان عام 1913، لم تكن في نهاية المطاف كافية؛ إذ سيطرت الحركة الصهيونية على باقي أراضي غور بيسان، كما في حال معظم أراضي فلسطين، بالقوة العسكرية والتطهير العرقي في حرب عام 1948.

Fakher Eldin, “Communities of Owners,” Chapters 3 and 4.

  1. لمزيد من التفاصيل، راجع:

خريطة تقسيم أراضي قرية الساخنة التابعة لعرب الصقر في غور بيسان عام 1928

الحقول غير الملونة تدل على ملكية عربية كاملة، والمخططة بالبرتقالي تدل على ملكية مشتركة، أما الملونة بالأزرق فتدل على أملاك الصندوق القومي اليهودي المبيعة من كابتن روس، والأرجوانية تدل على أملاك ناصيف. المصدر: أرشيف الدولة الإسرائيلي، 11 / 305 M ISA.

خامسًا: بعض الخلاصات حول قوة الملكية وحدودها

إذ تُقدِّم الانتقال من مرحلة الاستيطان ما قبل عام 1948 إلى مرحلة الدولة على أنه التتمة الطبيعية لشراء الأرض بالنقود شراءً صحيحًا. ويحتفي الخطاب الصهيوني على الصعيدين الأكاديمي والدعائي الشعبي، ضمنيًّا أحيانًا وصراحة أحيانًا أخرى، بعمليات شراء الأرض بوصفها اكتسابًا أو "استرجاعًا" شرعيًّا لحق السيادة القومية اليهودية. ونسمع أصداء معكوسة لهذا الخطاب الذي يوحِّد ببساطة وتلقائية بين الملكية والسيادة في أقوال كثير من الفلسطينيين والعرب عمومًا. وهذا ما حدا إلياس شوفاني إلى أن يحذِّر من هذه المغالطة، كون السبب في قيام إسرائيل هو دعم القوى الإمبريالية وليس مشتري الأرض بذاته. لا تكتفي السردية الصهيونية بالتوراة لتؤسس ادعاء حق سيادي يهودي في فلسطين، ولكنها تعتمد على "شرعية" الملكية أيضًا؛

  1. إلياس شوفاني، "مقدمة"، في: يوسيف نحماني، يوسيف نحماني: مذكرات سمسار أراضٍ صهيوني، إعداد وتحرير يوسيف فايتس، ترجمة وتقديم وإعداد إلياس شوفاني (دمشق: دار الحصاد، 2010)، ص 7.

ولا شك في أن ما ينبه شوفاني له هو أمر مهم، لكنه يحتاج إلى مزيد من التوضيح؛ إذ لا بد من أن نُرج ع الدعم الإمبريالي للصهيونية إلى عام 1917، وربما إلى وقت أسبق خلال القرن التاسع عشر. لقد سعت الحركة الاستيطانية الاستعمارية الصهيونية إلى التملك بصفة شبه قومية، وخصوصًا منذ الهجرة الثانية القومية الطابع بعد عام 1904. فكيف نفهم هذا المشروع "شبه القومي" في ظل السيادة العثمانية؟ وكيف نفهم الفارق الذي أحدثه الانتداب البريطاني، ثم النظام الإسرائيلي؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، يجب أن نحلِّل العلاقة بين الملكية والسيادة في ديناميكيتها ومعطياتها المتغيرة في كل سياق، لا أن نفترض علاقة معيارية ثابتة لها. خلال الحقبة العثمانية، كانت القوة التي يمنحها حق الملكية لصاحب الأرض (الإقطاعي، أو المستوطن) كبيرة جدًّا؛ بحيث تتيح حرية تحكُّم في ظروف العمل على أرضه (إذ لم يعرف القانون العثماني سوى حق التصرّف، لا حق المستأجر أو العامل)، وهذا ما أتاح للصهيونية أن تنشئ سياسة غزو شبه قومي تحت شعار "غزو العمل" الشهير بقوة الملكية. لكن ذلك لم يعن تقويضًا للسيادة العثمانية في حد ذاته، ولا أفقًا مفتوحًا وحرًّا للاستيطان والسيطرة على البلد، كما ظن جرجي زيدان. وما يؤكد استنتاجنا هذا أمران: أولً، أن نظام الملكية لم يكن منتشرًا على هذا النحو سوى في جزء محدود من فلسطين؛ إذ إن معظم فلسطين كانت تحت أنظمة الحيازة القروية والرعوية، بلا هيمنة ولا نفاذ عميق وجذري لمنطق رأس المال. وثانيًا، أن المجتمعات الأهلية، ومنها المجتمع المدني الفلسطيني الناشئ، على الرغم من ضعفه، لم تكن معدومة القدرة على المقاومة الاقتصادية والسياسية بالتمام، بل، كما رأينا، استطاعت فئات مستضعَفة أن تقاوم قانون الملكية وقوى السوق، وأن تصمد على الأرض. لقد ذهبت السياسة البريطانية إلى توسيع قوة الملكية ومنطق السوق، وأعطت الملكية اليهودية أفقًا وأبعادًا سياسية لم تحلم بها في السياق العثماني. لكن هذه الأبعاد السياسية ظلت محكومة بإطار الانتداب الحكماني، وتصوُّره للسيادة المرجأة، بوصفها لا عربية محضة ولا يهودية محضة، ولكن تركيبًا من الاثنتين (ولو تراتبيًّا)، وهذا ما أدى إلى دور حكومي مطَّرد في الهندسة والموازنة الديموغرافيتين، وإعادة رسم حدود حقوق الملكية، وتأطير الحريات المنبثقة منها. كان في إمكان هذا التدخل الحكومي الانتدابي أن يشتد ليقوِّض وعد بلفور تمامًا، وبالفعل، اقترب الانتداب من ذلك في بداية الثلاثينيات، لكن نفوذ الحركة الصهيونية وقوتها منعا هذا التحول ودفعاه إلى التراجع سريعًا، وفي نهاية المطاف دفعا نحو حل التقسيم القومي. كل هذا لم ينف سياقات جزئية محليَّة الطابع، وقُطرية أيضًا، استطاع فيها الفلسطينيون المقاومة والنضال لقلب سياسات الانتداب. وبعد النكبة ونشوء إسرائيل، انقلب مفهوم التدخل الحكومي انقلابًا حاسمًا لصالح قوة الدولة، لكن ضمن مفهوم سيادة يهودية صرف. لقد وُظِّف التدخل الحكومي ليس فقط لتضييق المساحة الفعلية للملكيات العربية (بفعل مصادرات هائلة لأملاك اللاجئين، وبفعل كثير من القوانين والإجراءات والمفاهيم التكنوقراطية والقضائية والمخططات الهيكلية التي ما برحت تتفاقم إلى يومنا هذا)، ولكن في العمق، لنفي المساحة السياسية للمِلكية العربية؛ أي كونها امتدادًا لسيادة معتقلة. إن النظر إلى الموضوع من هذا المنظور، أي التعدُّد والتبدل في إمكانيات العلاقات بين الملكية والسيادة وأشكالها يفتح أمامنا المجال للبحث في تقلبات موازين الصراع وأطر الحكم التي صنعت الشرط الاستعماري الاستيطاني في فلسطين منذ أواخر العهد العثماني، وكذلك للبحث في تصورات الفلسطينيين أنفسهم وإستراتيجياتهم التي لم تنقطع على الرغم من النكبة المستمرة، وتقويم هذه التصورات والإستراتيجيات.

المراجع

العربية

تلفاكس [تلفاكيا]، فيليب. الميري والأميري، المالك والمملوك: ملاحظات قانونية في تمييز أراضي الأفراد من الأراضي الأميرية في فلسطين. ترجمة إبراهيم إلياس عياد. القدس: مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، 2010 [1936].

الحزماوي، محمد. ملكية الأرض في فلسطين، 1918  -  1948. عكا: الأسوار، 1998.

الحوت، بيان نويهض. فلسطين: القضية، والشعب، والحضارة - التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين. بيروت: دار الاستقلال للدراسات والنشر، 1991.

شحادة، رجا. قانون المحتل: إسرائيل والضفة الغربية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1988.

عقل، أمين موسى (تحرير وإعداد). الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين: من أرشيف الأمانة العامة للجامعة العربية، المجموعة الأولى 1915  -  1946. تقديم وليد الخالدي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016.

فخر الدين، منير. "هواجس النهضة في رسائل جبران كزما إلى جمال الحسيني 1921  -  1923 ". حوليات القدس. العدد 12 (شتاء ________. "مراجعة كتاب الميري والأميري، المالك والمملوك: ملاحظات قانونية في تمييز أراضي الأفراد من الأراضي الأميرية في فلسطين". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 89 (شتاء 2012).

نحماني، يوسيف. يوسيف نحماني: مذكرات سمسار أراضٍ صهيوني. إعداد وتحرير يوسيف فايتس. ترجمة وتقديم وإعداد إلياس شوفاني. دمشق: دار الحصاد، 2010.

الأجنبية

• أرشيف الدولة الإسرائيلي، 11 / 305 M ISA.

يفتاحئيل، أورن وساندي كيدار وأحمد أمارة. "إعادة التفكير بنظرية 'النقب الميت': حقوق الملكية في الحيز البدوي" [بالعبرية]. مجلة مشباط وممشال. مج 14. العددان 1  -  2 (2012).

• Bawardi, Hani. The Making of Arab Americans: From Syrian Nationalism to American Citizenship. Austin:

• Deringil, Selim. The Well-Protected Domains: Ideology and the Legitimation of Power in the Ottoman Empire,

• Fakher Eldin, Munir. "Communities of Owners: Land Law, Governance, and Politics in Palestine, 1858  -  1948."

University of Texas Press, 2014.

• Canaan, Tawfiq. "The Saqr Bedouin of Bisan." The Journal of the Palestine Oriental Society. vol. 16 (1936).

• Cohen, Morris. "Property and Sovereignty." Cornell Law Quarterly. vol. 13. no. 1 (1927).

1876  -  19 09. London: I.B. Tauris Publishers, 1998.

PhD. Dissertation, New York University. New York, 2008.

• ________. "British Framing of the Frontier in Palestine, 1918-1923: Revisiting Colonial Sources on Tribal

Insurrection, Land Tenure, and the Arab Intelligentsia." Jerusalem Quarterly. no. 60 (2014).

• Firestone, Ya'akov. "Crop-Sharing Economics in Mandatory Palestine: Part I." Middle Eastern Studies. vol. 11.

no. 1 (January 1975).

• ________. "Crop-Sharing Economics in Mandatory Palestine: Part II." Middle Eastern Studies. vol. 11. no. 2

(May 1975).

• Fischel, Roy S. & Ruth Kark. "Sultan Abdülhamid II and Palestine: Private Lands and Imperial Policy." New

Perspectives on Turkey. no. 39 (2008).

• French, Lewis. "First Report on Agricultural Development and Land Settlement in Palestine." 23 / 9 / 1931. PRO

CO/ 733 / 214 / 5.

• Gavish, Dov. The Survey of Palestine under the British Mandate, 1920  -  19 48. London and New York:

RoutledgeCurzon/ Routledge, 2005.

• Government of Palestine. A Survey of Palestine, Prepared in December 1945 and January 1946 for the Information

of the Anglo-American Committee of Inquiry. vol. 1. Washington, D.C.: Institute of Palestine Studies, 1991

[Jerusalem: Government Printer, 1946].

• Great Britain. Colonial Office. Public Record Office. Land Settlement: Abolition of Tithe. PRO CO 733 / 135 / 1.

• ________. Palestine: Report on Immigration, Land Settlement and Development [and Appendix containing

maps] by Sir John Hope Simpson, C.I.E. 1930. Presented by the Secretary of State for the Colonies to Parliament

by Command of His Majesty. October, 1930 (London: H.M. Stationery Office, 1930).

• Khalidi, Rashid. Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness. New York: Columbia

University Press, 1997.

• Nadan, Amos. "Colonial Misunderstanding of an Efficient Peasant Institution: Land Settlement and Musha' Tenure

in Mandate Palestine, 1921  -  47." Journal of the Economic and Social History of the Orient. vol. 46. no. 3 (2003).

• Tyler, W.P.N. "The Beisan Lands in Mandatory Palestine." Middle Eastern Studies. vol. 25. no. 2 (1989).