الصغيّر بن يوسف بين علم التاريخ وعلم التراجم والأخبار
Seghir Ben Youssef al-Baji: Between the Science of History and the Science of Biography
الملخّص
نحاول في هذه الدراسة تجديد النظر إلى مَحَمّد، بفتح الميم، بن مُحَمّد الصَّغيّر بن يوسف الباجي (1697-1771) وكتابه المَشرع المُلكي في سلطنة أولاد علي تركي؛ وذلك بفهم آليات إنتاج النص التاريخي والكتابة التاريخية عند الصغيّر بن يوسف في إطار ما توفّر له من معرفة بالنصوص الأخرى، ومن استخدامٍ للثقافة العربية الإسلامية، ومن استيعاب لثقافة الطبقة الوسطى، في عملية تراكم أدّت إلى بروز عمل متميّز وفريد من نوعه، وإن كان يتقاطع في بعض الصفات مع مصنفات أخرى، ومع غيره من الإخباريين مشرقًا ومغربًا؛ على نحو يتيح لنا إمكان المقارنة وجدواها في الدراسات التاريخية. ومها يكن من أمر التداخل والاختراق بين التاريخ والتراجم في المشرع الملكي، وإن لم تسلم جميع التراجم والأخبار من نقصٍ، فإن المعلومات الواردة فيه حول الفاعلين الاجتماعيين تبرز رغبة الصغيّر بن يوسف في مواصلة ما قام به من سبق للإخباريين بشأن تدوين الأخبار من جهة، وتقديم المعلومات الإضافية والجديدة حول الواقع المعيش، وحول الظرفية الاقتصادية، وحول المجتمع المحلي بباجة، وفق منهجية مبتكرة ومجددة أحيانًا في كتابة التاريخ والتراجم، من جهة أخرى.
Abstract
This study offers a new perspective on Mahammad Ben Mohamed Seghir Ben Youssef al-Baji (1697 - 1771) and his book Al-Mashra' al-Mullki fi Sultanat Awlad Ali Turki. It does this by investigating his mechanisms in the production of the historical text and the writing of history in the context of his knowledge of other texts, the use of Arab Islamic culture, and his understanding of middle-class culture, that have accumulatively led to an exceptional and singular work. Whatever the overlap and interplay between history and biography in Mashra' al- Mulki, the information it provides on social actors shows Seghir ben Youssef's desire to continue the work of his predecessors and to provide new information on the lived reality, economic conditions, and the local community in Béja according to an innovative, and at times novel, method of history and biography writing.
- التراجم
- الهيستوريوغرافية
- ثقافة الطبقة الوسطى
- تونس
- القرن الثامن عشر
- Biography
- Tunisia
- historiography
- Middle-Class Culture
- 18th Century
مقدمة
انبنت شهرة محَمّد (بفتح الميم) بن مُحَمّد الصَّغيّ بن يوسف الباجي (1697 - 1771) وكتابه المشَرع المُلكي في سلطنة أولاد علي تركي1، وانطلقت فعليًا منذ أن عمد كل من فيكتور سار Serres Victor ومحمد الأصرم إلى ترجمة هذا المصنف إلى الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر، فعرّفانا بصاحبه وبأهميته؛ بوصفه مصدرًا من المصادر التاريخية الطريفة والأساسية لمعرفة حقبة تاريخية مهمة في تاريخ تونس. ولئن امتازت الترجمة بدقتها وجودتها، كما لاحظ ذلك الباحث أحمد عبد السلام2، فإنها صرفت أنظار الباحثين عن النسخ المخطوطة التي لم تستقطب إلّ اهتمام بعض المتخصصين؛ من أمثال أحمد عبد السلام3، ورواد المدرسة التاريخية التونسية - وعلى رأسهم الباحث محمد الهادي الشريف - والذين مثَّل لهم المشرع الملكيمنطلقًا لوضع الدراسات الأولى حول العهد العثماني في تونس، ولتوجيه الكتابة التاريخية التونسية نحو استغلال المصادر المحلّية4.
أمّا اليوم، وبعد نشر المشرعالملكيوتحقيقه، بفضل مجهودات الباحث أحمد الطويلي، فقد أصبح في متناول القراء والباحثين، وتبعًا لذلك أصبحت زوايا النظر إليه متعدّدة ومتنوّعة5. فقد اختزل مصنف الصغيّ بن يوسف في خطابين أوّلهما تأكيد طرافة أسلوبه بالنسبة إلى أسلوب معاصريه، رغم خروجه عن قواعد اللغة العربية ومعاييرها، واستعماله اللغة الدارجة (العامية التونسية)، وقد انبنى على ذلك الخطاب الثاني وتأسّس، وهو خطاب يقول بتواضع ثقافة الصغيّ بن يوسف الباجي وقلّة زاده في كتابة التاريخ. إنّ دراستنا اليوم تحاول تجاوز النظرتين اللتين أصبح يرددهما أغلب الدارسين؛ وذلك بفهم آليات إنتاج النص التاريخي والكتابة التاريخية عند الصغيّ بن يوسف في إطار ما توفّر له من معرفة بالنصوص الأخرى، ومن استخدام للثقافة العربية الإسلامية، ومن استيعاب لثقافة الطبقة الوسطى، في عملية تراكم أدّت إلى بروز عمل متميّز وفريد من نوعه، وإن كان يتقاطع في بعض الصفات مع مصنفات أخرى ومع غيره من الإخباريين مشرقًا ومغربًا، على نحو يتيح لنا إمكان المقارنة وجدواها في الدراسات التاريخية.
التراجم والتاريخ: من لاتصال إىل لانفصال
لقد كانت الكتابة التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية، جزءًا من أدب السيرة والمغازي والفتوح، كما ارتبطت منذ البداية بعلوم الحديث والفقه والتفسير وشكلت علمًا مساعدًا لهم6. فالسخاوي (ت. 1497) مثلً، وهو من أكبر المدافعين عن علم التاريخ، اعتبر
التاريخ طريقًا موصلة إلى علم الحديث وقوام الجرح والتعديل، وبيَّ منافعه للأحكام الشرعية7، فصنّف في الحديث والتاريخ والتراجم. ومن أشهر ما صنّف في هذا المجال الضوء اللامع لأهل القرن التاسع8 والذيل على رفع الإصر أوبغية العلماء والرواة9، وقد استدرك في المصنفين، على شيخه ابن حجر العسقلاني (ت. 1448) ما فاته من تراجم في كتابه الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة10. فترجم السخاوي للعلماء والرواة والقضاة والشعراء والخلفاء والوزراء من مصر والشام واليمن والهند، وقد أثارت ترجمته - بما حوته من جرح وانتقاد لبعض المتَمُجم له - انتقادات من معاصرين له. وتواصل تصنيف كتب التراجم، وقد تنوعت وتعدّدت بتنوع مجالات المعرفة وتعددها وباختلاف الأزمنة والعصور، فاستطاعت التراجم بمرور الزمن أن تحتلّ مكانة العلم أو الجنس الأدبي المستقل والمتميّز، على نحو يساهم في كتابة التاريخ من خلال ما تقدمه التراجم من معلومات. فالتراجم على اختلافها وتنوعها تعتمد في وضعها وتصنيفها على العنصر الزمني، وهو عنصر مرتبط بالتاريخ. فعندما يتُرجم لعالم أو فقيه أو أديب، انطلاقًا من تاريخ ولادته إلى وفاته، مرورًا بأغلب مراحل حياته الدراسية والعلمية ووظائفه مع ذكر إنتاجه العلمي... إلخ، فإن ذلك إنما يتنزل في سياق تاريخي يرتبط بعصر المترجِم والمترجَم له11. وغنيٌّ عن البيان أن الارتباط بين التراجم وعلم التاريخ ظلّ ارتباطًا متينًا في التراث العربي الإسلامي، لكن المنعرج - بإجماع الدارسين - حصل مع عبد الرحمن بن خلدون الذي كان أوّل من دعا إلى استقلال علم التاريخ عن بقية العلوم الشرعية. غير أن الدعوة إلى استقلال علم التاريخ وظهور مصنفات تاريخية وأخرى في التراجم، لم يمنع الإخباريين في المشرق والمغرب العربي خلال العصور الحديثة، من الجمع بين العلمين وتأكيد الترابط بينهما وفق رؤية للتاريخ قوامها الاعتبار من الأحداث ودور الرجال في صنعها. وقد ظهرت مصنفات عديدة في التراجم، من أشهرها الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة لنجم الدين الغزي (ت. 1651)12، وخلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر لمحمد أمين المحبي (ت. 1699)13، وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر لمحمد خليل المرادي (ت. 1791)14. وكتب حول هذه المصنفات المشرقية وأصحابها الكثير15. أما في تونس، فقد أشار أحمد عبد السلام إلى تصنيف التونسيين لعدد من كتب التراجم في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. ولئن كانت هذه المصنفات غير مهمة عدديًا، مقارنة بما ظهر في المغرب الأقصى في الفترة نفسها، فإنها كانت أحسن أسلوبًا
من كتب المناقب16. وذكر عبد السلام بإعجاب مصنف محمد قويسم (ت. 1702) المسمى سمط اللآل في تعريف ما بالشفاء من الرجالالذي وضعه استنادًا إلى كتاب القاضي عياض، المتوفى بمراكش عام 1149 م، وكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى17، وذكر كتاب مفاتح النصر في التعريف بعلماء العصر لمحمد العياضي (ت. بعد عام 1742) الذي عُرف بتقرّبه من علي باشا (1740 - 1756)؛ إذ خَصّه وأبناءه الثلاثة يونس ومحمد وسليمان بتقاريظ، غير أنه ترجم لعدد من المشايخ والعلماء الذين عاشوا في النصف الأول من القرن الثامن عشر18. كما ساهم كل من الشيخ بيرم الثاني (ت. 1831) وبيرم الرابع (ت. 1861) في الترجمة للعلماء والمفتين الحنفيين، ولا سيما من آل بيرم19. أما محمد عيسى الكناني (ت. 1875)، فقد ترجم للأولياء الصالحين من القيروان20. ثمّ وضع محمد السنوسي.(ت 1900)، وقد جاء ذلك متأخرًا، كتابه مسامرات الظريف بحسن التعريفالذي ترجم فيه للقضاة والمفتين من أصحاب المذاهب المالكية والحنفية من الذين عاشوا بتونس، منذ مجيء الأتراك العثمانيين إلى عصر المؤلف21. وإذا ما استثنينا هذه المصنفات التي تتفاوت من حيث أهميتها، ومن حيث نفعها للمؤرخ لاشتمالها على بعض الأخبار التاريخية، أو بعض الإشارات التي قد تساعد على دراسة فترة تاريخية أو قضية من قضايا التاريخ الثقافي أو السياسي، فإن بعض الإخباريين؛ كالوزير السراج (ت. 1737) صاحب الحلل السندسية في الأخبار التونسية، وحسين خوجة (ت. 1754) صاحب ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، وأحمد بن أبي الضياف (ت. 1874) صاحب إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، قد اهتموا بالترجمة للعلماء ورجال الدولة والأعيان فأدرجوها بطرق مختلفة في مصنفاتهم إلى جانب المادة التاريخية22. ونشير في هذا الصدد إلى أن أحمد عبد السلام لم يذكر من بين هؤلاء الصغيّ بن يوسف وكتابه المشرع الملكي، وإن كان ذكر في تقديمه لمحتوى الكتاب، وأقرّ بميل صاحبه إلى الترجمة؛ إذ "يتضمّن المشرعأيضًا وصفًا لمجموعة من الأشخاص كانت للمؤلف قدرة فائقة على تصويرهم متعاظمين، أو مثيرين للشفقة في مواقف مضحكة أحيانًا"23. يعتبر هذا الرأي تلميحًا من أحمد عبد السلام إلى ما قد نجده من تراجم أو معلومات وأخبار تتعلق بسِيَ بعض الأشخاص أو الأعلام، بل يتأكد لنا هذا الرأي من خلال الربط الذي أقامه بين مصنفين اثنين أولهما مصنف في التراجم وهو مفاتح النصر للعياضي السابق الذكر، وبين المشرع الملكي؛ إذ قال عنه: "يمكن أن نعتبر هذا الكتاب مكملً مفيدًا لمفاتيح النصر الذي أتاح لنا التعرف بصفة أدق نسبيًا على أوساط كبار رجال الدين والمدرسين والأدباء"24. قادنا استنتاج عبد السلام إلى البحث عن صلة المشرع الملكي بعلم التراجم، وعن منهج الكتابة التاريخية عند الصغيّ بن يوسف. فهل نجد تراجم بالمعنى المتعارف عليه في هذا المصنف؟ وما هي نظرة الصغيّ بن يوسف إلى علم التاريخ وعلم التراجم؟ وهل كان على بيّنة بالترابط العضوي بينهما؟ وهل استفاد من التجارب السابقة له في المجالين؟
الصغيّ بن يوسف وعلم التاريخ: مؤرخ هاوٍ ولكنه "مثقف"
أجمع الدارسون على وَلع الصغيّ بن يوسف بعلم التاريخ، فلم يكن من مؤرخي المركز أو البلاط المدافعين عن السلطة المركزية والخادمين لركابها. ولم يكن كذلك من بين المحترفين للكتابة التاريخيةِ. وأنّ له ذلك؟ إنّ المؤرخ المهني لم يظهر بعدُ في تونس كما بيّ ذلك الباحث عبد الحميد هنية؛ إذ يقول: "لم تتحقّق مهننة المؤرخ إلا عندما حصلت مأسسة تعليم التاريخ في المؤسسات التعليمية المستحدثة خلال القرن التاسع عشر"25. فقد صرّح الصغيّ بن يوسف في مقدمة كتابه، بوضوح، بعدم معرفته صناعةَ التاريخ، وأنه إنما كان مطلعًا على عدد من المصنفات التاريخية، وفي صدارتها تاريخ بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمانوذيله لحسين خوجة.(ت 1754)، المؤرخ الرسمي لحسين بن علي26. ولئن كان هذا المصنف مرجعًا للصغيّ بن يوسف، بل إنه اعتبر كتابه المشرع الملكي تكملة وذيلً على الذيل، فذلك من باب الربط بينه وبين شهرة حسين خوجة وغيره من السابقين، وإضفاء نوع من الشرعية على الكتابة التاريخية التي يقوم بها. بل إن هذه الرؤية تتأكّد في الكتابة التاريخية من خلال مصنف آخر للصغيّر بن يوسف، لا يزال مخطوطًا، وهو موسوم ب التكميل المُشفي للغليل على كتاب العبر لعبد الرحمن بن خلدون. فكان للصغيّ بن يوسف رغبة في تدوين تاريخ أفريقية من العهد الحفصي إلى مجيء الأتراك العثمانيين، وصولً إلى أحداث عصره. وقد انطلق من كتاب العبر، ولكنه نقل في التكميلعن آخرين؛ من أمثال ابن أبي دينار، والوزير السراج، وحسين خوجة27. ويبدو أن منهج التذييل، على غرار منهج كتابه، طغى على الصغيّ بن يوسف في التصنيف؛ فإلى جانب التكميل، وضع مصنفًا آخر وسَمه بالمذيّل على الرسالتين المسمّاة إحداهما "أنباء نجباء الأبناء " والثانية المسماة ب " سلوان المطاع في عدوان الاتباع"، وهما رسالتان منسوبتان إلى ابن ظفر الصقلي (ت. 1170 م)، وفيهما مواعظ وعبِر كان قد جمعها الصغيّ بن يوسف من مصادر مختلفة من التراث الفارسي والإسلامي عامة28. ولا يختلف من هذه الناحية الصغيّ بن يوسف عن غيره من الإخباريين في المجال العربي الإسلامي الذين دأبوا على اعتبار مصنفاتهم التاريخية ذيلً، أو تكملة لمصنفات مَن سبقهم29. ولكن ذلك لا يعني انعدام خصوصيات واختلاف في المنهج، وإضافات على مستوى الكتابة التاريخية عند الصغيّ بن يوسف. فقد يغترّ القارئ إزاء بعض ما جاء في المشرعالملكيمن إطراء لحسين بن علي وتخليد لأعماله، على غرار ما قام به حسين خوجة في الذيلمن مدح وتقريظ وإطراء لمؤسس العائلة الحسينية، ولكل ما قام به قبل أن تندلع الحرب الأهلية في عام 1728. لكن الأسلوب الطاغي على الكتابة التاريخية عند الصغيّ بن يوسف هو عدم الانحياز إلى طرف دون آخر، وإن كان لا يخفي أحيانًا معارضته الشديدة لسياسة الاستبداد والبطش التي سلكها علي باشا ضد خصومه السياسيين، المعبَّ عنهم في عدة مصادر ب "المهجرسين"30. لقد سعى الصغيّ بن يوسف في المشرعالملكيإلى رواية الأخبار وسردها، متوخيًّا سبيل ما قد نطلق عليه اليوم
"الموضوعية" في سرد الأحداث أو الوقائع التاريخية؛ كما تفيد بذلك العبارات والكلمات التي يعتمدها في نقل الخبر وروايته31. بل كثيرًا ما يذكر مصادر خبره؛ من ذلك ما دوّنه من أخبار حول مجيء عسكر الجزائر مع الأميرين محمد وعلي ومحاربتهم لعلي باشا، بداية من 6 حزيران/ يونيو 1756، والانتصار عليه نهائيًا حين قُتل يوم 25 أيلول/ سبتمبر 1756، ومبايعة محمد بن حسين بن علي بايًا على البلاد. فقد ذكر الصغيّ بن يوسف مصدره في كل ذلك قائلً: "حدثني الكاتب علي العبيد وكان جاء مع البايات وكلما كتبته منقولً عنه [كذا] من موت الدولاتلي أحمد إلى تمام هذه الواقعة"32. لقد عاش الصغيّ بن يوسف فترة مهمة وحرجة في تاريخ تونس العثمانية، هي فترة الحرب الباشية التي شهدت أعنف مراحل الصراع بين أمراء العائلة الحسينية، وقد شهدت تدخل دايات الجزائر في الصراع. وكان لتلك الأحداث التي عاصرها، بل شارك فيها باعتباره جنديًا وبحكم انتمائه إلى الحنفية، أثرٌ كبير في حياته الشخصية كما لمّح إلى ذلك مرارًا في كتابه، وأثرت الظرفية كذلك في اندفاعه إلى كتابة التاريخ، وفي منهجه33. وعلى هذا النحو، يمكن القول إن النظرة إلى علم التاريخ عند الصغيّ بن يوسف تختلف نسبيًا عما كانت عليه لدى بعض معاصريه؛ من أمثال حسين خوجة والوزير السراج (ت. 1737)، وحمودة بن عبد العزيز (ت. 1787)، باعتبارهم من مؤرخي البلاط في تونس خلال القرن الثامن عشر. فالتاريخ بالنسبة إلى الصغيّ بن يوسف هو علم ينتظم في مشروع ثقافي إسلامي المنبع ورؤية تقليدية لعلم التاريخ قوامها وجوب الاعتبار من الماضي والحث على النظر والتأمل في التجارب الإنسانية الماضية. وهو من هذه الناحية لا يختلف كثيرًا عن النظرة الكلاسيكية للتاريخ عند العرب والمسلمين وعن نظرة ابن خلدون للتاريخ. وقوام هذه النظرة الاعتبار من أخبار الماضي وأحداثه، علمًا أن الاهتمام بابن خلدون، والشغف بالمقدمة، قد انتشرا بقوة في أوساط البلاط الحسيني في مدة حياة الصغيّ بن يوسف الذي تأثر بدوره بابن خلدون ورؤيته للتاريخ34. في هذا الصدد، ذكر الصغيّ بن يوسف أمثلة معبّة بالنسبة إليه عن أن التاريخ مليء بالعبر والمواعظ: "إن علم التاريخ عبرة للمعتبرين وحصول وعظ للسامعين والناظرين في سير السابقين واللاحقين"35. فمن الأمثلة الواجب اعتبارها، ذكر الصحابي سلمان الفارسي وأصله من أصفهان، وهو من أول من أسلم من غير العرب وأدى دورًا كبيرًا في معركة الخندق ضد قريش، ثمّ أصبح واليًا على مدينة المدائن بالعراق إلى أن توفي عام 656 م. أما المثال الثاني للاعتبار، فهو السلطان العثماني بايزيد الأول (1345 - 1403 م) الذي انهزم هزيمة ساحقة أمام تيمورلنك (1336 - 1405 م) سلطان التتار، أو المغول، في معركة شهيرة عُرفت ب "معركة أنقرة" في 20 تموز/ يوليو 1402 م؛ إذ إنه أ سر ومات في الأسر يوم 10 آذار/ مارس 1403 م في مدينة بورصة. وقد وصل بايزيد إلى العرش عام 1389 م، ولُقب ب "يلدرم"، أي الصاعقة، نظرًا إلى حركته السريعة بجيوشه، فقد فتح بلغاريا عام 1395 م، وعدة مناطق أخرى في أوروبا، لكن ما يمكن الاعتبار به أيضًا بحسب الصغيّ بن يوسف، هو الحرب الأهلية التي دارت بين أبناء بايزيد الأربعة على عرش السلطنة. وختم الصغيّ بن يوسف أمثلته بعلي باشا. إن القاسم المشترك بينه وبين بايزيد الأول، في نظرنا ليس إلا جرأة كلّ منهما في سفك الدماء والبطش وبسط النفوذ والتوسع من جهة، ثم ما آل إليه حكم كل
منهما من انهزام وزوال، وخاصة الحرب الأهلية بين الأشقاء من جهة أخرى. فكأن الصغيّ بن يوسف يوازي بين الصراع على السلطة بين أبناء السلطان بايزيد في مركز الإمبراطورية والصراع على السلطة في الإيالة في عهدي حسين بن علي وعلي باشا. تحيلنا الاستطرادات التاريخية والشواهد العديدة التي يتوسل الصغيّ بن يوسف بها لتدوين أحداث عصره على إشكالية ثقافته وثقافة الإخباريين عامة، وعلى ما اصطلح بتسميته "ثقافة الطبقة الوسطى" على حد عبارة نللي حنّا في دراستها حول مصر العثمانية37. وقد شملت الدراسة فئتَي التجار والحرفيين بالقاهرة، وحظيت - كما هو معلوم - باهتمام المؤرخ أندري ريمون. فهل يعبّ ما ذهب إليه البعض من مزج الصغيّ بن يوسف بين العربية الفصحى والعامية المتداولة في المشرع الملكيعن ثقافته المحدودة؟ أم أنّ أسلوبه في الكتابة التاريخية يعكس ثقافة عصره وما طرأ على اللغة وأساليب الكتابة من تغيير لدى الفئات الوسطى؟ بصرف النظر عما يثيره استعمال مفهوم "الطبقة الوسطى" وتطبيقه على التشكيلة الاجتماعية في تونس العثمانية وعلى الصغيّ بن يوسف مثالً من إشكالياتٍ - إذ لم يكن من التجار والحرفيين كما هي الحال في دراسة نللي حنّا - قد تقودنا إلى الإطالة والاستطراد، فإنّنا لا نرى حرجًا في استعماله لأغراضنا في هذا البحث. فهناك تشابه كبير بين أوضاع إيالتي مصر وتونس، ونقاط التقاء عديدة بين ثقافة الصغيّ بن يوسف وكتابته للتاريخ وغيره من الإخباريين في مصر في العصر الحديث. فقد ظهرت بها مدرسة الأجناد، وهم من الذين انتسبوا إلى الفرق العسكرية، ولكنهم اتخذوا من كتابة التاريخ هوايةً لهم؛ من أمثال أحمد الدمرداش، وإبراهيم الصوالحي، ويوسف الملواني، وأحمد شلبي عبد الغني، وغيرهم، كما بيّنت ذلك ليلى عبد اللطيف أحمد38. أما نللي حنّا، فذكرت في دراستها مجموعة من الإخباريين المختلفي الثقافة عن العلماء؛ من أمثال يوسف الشربيني، ومرتضى الزبيدي وعبد الرحمن الجبرتي. وذكرت كذلك إخباريين من بلاد الشام؛ من أمثال البديري الحلاق، ومحمد عيسى بن كنان وغيرهما من الإخباريين في الإيالات العربية العثمانية الذين كتبوا بلغة عربية وسطى تعكس ثقافة الطبقة الوسطى. تشي هذه الكتابة وهذه المصنفات التاريخية، وغيرها، بتطور اللغة العربية وامتزاجها بلغات ولهجات أخرى محلّية وأجنبية منذ نهاية القرن السادس عشر؛ بسبب عدة عوامل، من بينها الانفصال التدريجي عن ثقافة الإمبراطورية العثمانية في المركز وعن السياق الإمبراطوري عامة في الإيالات، فضلً عن عامل توسع التجارة الدولية والاحتكاك مع الغرب وتسرب الرأسمالية التجارية والظرفية السياسية، عامةً، بالإيالات العربية العثمانية وما عرفته من تحولات على جميع المستويات، ولا سيما المستوى الثقافي في العصور الحديثة39. لا تعوزنا الأدلة على اعتبار الصغيّ بن يوسف يمتلك ثقافة الطبقة الوسطى لعصره، وذلك رغم ما كان له من ثروة عقارية، ورغم انتمائه إلى الملّكين العقاريين والعائلات الميسورة في مدينة باجة. بل لعلّ هذه الثروة هي التي سمحت له بتبوُّء منزلة "المثقف"، رغم ما تطرحه هذه الصفة من إشكالات في البيئة الثقافية التونسية، خلال القرن الثامن عشر، التي تناولها بالدرس والتحليل الباحث عبد السلام وبيّ خصائصها، ولا سيما طابعها المحافظ والتقليدي؛ ذلك أن العلوم الشرعية تحتل الصدارة في الاهتمام والتعليم40. ومهما يكن من أمر، فقد تلقَّى الصغيّ بن يوسف، على غرار أبناء عصره، نصيبًا من التعليم الرائج في الكتاتيب والمساجد والزوايا في مدينة باجة. وهو ما مكّنه من القراءة والكتابة، بل كان نسّاخًا للكتب جامعًا لها في ما يبدو41. واستنادًا إلى عدة مصادر، بيَّ الباحث محمد الحبيب الهيلة أن
"مدينة باجة عرفت شيئًا من الازدهار الثقافي في العهد التركي فظلّت مركزًا ثقافيًا من الدرجة الوسطى منذ أن أسس بها محمد باي مدرسته التي أوقف عليها أوقافًا هامّة وبنى بها الداي مامي الجمل مسجدها الحنفي وأنجز بها علي داي مدرسته التي ضمن لها ولطلابها مجاري الرزق بما أوقفه عليها من أحباس، كل ذلك هيَّأ لها احتضان حركة علمية"42. غير أن الثقافة في عصر الصغيّ بن يوسف، كانت تكتسب كذلك بارتياد الفضاءات العامة؛ كالمقاهي، والزوايا، والمجالس الخاصة، والأسواق، وغيرها من الفضاءات العامة التي تنتشر فيها الثقافة الشفاهية عن طريق "الحكي" والإنشاد والغناء والمشافهة. وهو ما توفر للصغيّ بن يوسف الذي يذكر في العديد من المواطن من مصنفه ما يفيد اختلاطه بعدة أوساط، وتردده على الفضاءات العامة بباجة وخارجها، واكتسابه - تبعًا لذلك - ثقافةً رائجة في زمانه. ولا تفوتنا الإشارة إلى دور شبكة العلاقات التي كانت للصغيّ بن يوسف مع الكتاب والعلماء وأعيان الدولة في تزويده بالأخبار، وفي صقل مواهبه وإثراء ثقافته، ليحتل في المخيال الجماعي وفي الذاكرة مرتبة "المثقف". إن استعمال الصغيّ بن يوسف لأسلوب يمزج بين الفصحى واللهجة العامية، لم يمنع البعض من أن يطلق عليه - كما تبيّنه رسوم الأوقاف وغيرها من وثائق الملكية التي ترجع إلى أوائل القرن التاسع عشر، والتي اعتمدها زهير بن يوسف - لقب "القارئ"، بل "الفقيه" أيضًا، علاوة على شهرته بلقب "الشيخ"، ولقب "الحاج"، وجميعها يعبّ عن مستوى ثقافي. ولئن لم يكن يرتقي إلى ثقافة النخبة العالمة من العلماء الزيتونيين، فإنه يعب - فعل - عن ثقافة الطبقة الوسطى في بعض المدن التونسية في العصر الحديث43. وهي ثقافة متنوعة ومنفتحة، ثقافة شفاهية ومكتوبة معًا، وهذا ما لاحظته نللي حنّا بالنسبة إلى المجتمع الحضري في مصر العثمانية44. فمن خلال المشرع الملكييمكن القول إن دخول الثقافة الشفاهية مجال التدوين في القرن الثامن عشر ليس إلا تتويجًا لظاهرة ثقافية بدأت منذ أواخر العصر الوسيط، ولربّما منذ عصر ابن خلدون، لتتدعم تدريجيًا في العصر الحديث. ولعل أحسن دليل على ذلك ابتعاد القضاة في تحرير الوثائق والأحكام، على مستوى الألفاظ أو التراكيب، عن اللغة العربية الفصحى، بل اعتمادهم في مستوى الأحكام على العرف المحلي والعمل التونسي. ومن أشهر الأمثلة الدالة على ذلك ما نجده في فتاوى قاسم عظوم الراجعة إلى أواخر القرن السادس عشر. وتواصل الأسلوب نفسه في الكتابة واللغة المستعملة وهي لغة عربية وسطى، خلال القرن السابع عشر وانتقل إلى ابن أبي دينار.(ت 1699)، وهو قاضٍ وفقيه، وكثيرًا ما نجد التراكيب والمفردات العامية في مؤنسه، وهو من المصادر الإخبارية التي اعتمدها الصغيّ بن يوسف واطّلع عليها، بل نقل عنه في مصنفه التكميلكما أشرنا إلى ذلك. وفي هذا الصدد، يمكن أن نشير كذلك إلى مصنف آخر في التاريخ المحلّ لبلاد الجريد وبلاد سوف وإن كان صاحبه من إيالة الجزائر، وهو تاريخ العدواني. فقد احتوى بدوره على حكايات وأخبار كتبت بلغة دارجة محلية، سوفية أو جريدية، وبأسلوب في السرد والتدوين للأحداث يعكس الثقافة الرائجة في مجال الواحات في القرن السابع عشر45. أما كتبة الإدارة المركزية بمختلف دواوينها، إذا ما استثنينا بعض المراسلات الرسمية أو النصوص القانونية، فقد كتبوا في الدفاتر والسجلات الجبائية والإدارية بلغة مباشرة وغير بروتوكولية تعكس الثقافة السائدة ولغة عامة الناس من جهة، وحرص الجهاز الإداري للدولة على النجاعة والفاعلية من جهة أخرى. وهكذا نخلص إلى القول مع نللي حنّا ومع عبد الحميد هنية، ومع غيرهما من الدارسين، وعلى عكس ما ذهب إليه أحمد عبد السلام وغيره، إن استعمال اللغة العربية الوسطى لا يعبر عن تدهور فكري أو تدنّ المستوى الثقافي
لدى الطبقة الوسطى عامة، ولدى الصغيّ بن يوسف تحديدًا، بقدر ما يعبّ عن تطور في منهج الكتابة التاريخية قوامه نقل الأحداث التاريخية وتقريبها من العامة في نزعة واقعية، تهتمّ بذاكرة الدولة الحسينية ولكنها تهتمّ بمشاغل الناس وحياتهم اليومية معًا46. ولا يستقيم فهمنا لمنهج الكتابة التاريخية عند الصغيّ بن يوسف ونظرته للتاريخ إلّ بتتبع أخبار النزاع والصراع على السلطة في الإيالة التونسية في النصف الأول من القرن الثامن عشر47. غير أن النزاع بين البايات الحسينيين لم يمنع الصغيّ بن يوسف من الاهتمام بمسائل أخرى قد تبدو لنا ثانوية، وهي تتعلق بجوانب من الظرفية الاقتصادية والفلاحية، وبجوانب من التاريخ الاجتماعي، مثل أوضاع بعض الفئات الاجتماعية، ولا سيما الكراغلة، وبالحياة اليومية بالأرياف والمدن48. وفي الإطار نفسه اهتم الصغيّ بن يوسف - كما لمحنا إلى ذلك - بالتراجم والسير. فالتاريخ، أو التأريخ للمُلك، بحسب تعبيره، وفي نظره، قوامه التعريف بسير السلاطين والمشاهير من الرجال، بل إنه ينسب إليهم جميع الأحداث، ويجعل منهم الفاعلين الاجتماعيين الرئيسين، ثم إن التاريخ لا يدرك إلا في ضوء صفاتهم وخصالهم وخبراتهم، وبذلك أصبح التاريخ عند الصغيّ بن يوسف متداخلً مع التراجم وسير الرجال؛ فقد سجل - بوصفه شاهد عيان - بذاكرة إخباري شديد الملاحظة، مع التنبّه بوعي متعلق بأهمية دور الفاعلين، أخبار الحرب الأهلية أو الفتنة الباشية وأطوارها، وغيرها من الأخبار المتعلقة بالبايات وأعيان الدولة من الكتاب والوزراء، فضلً عن العلماء والمشايخ وبعض الأولياء الصالحين، وغيرهم ممن شاهدهم أو عرفهم أو "سمع بأذنه عنهم"49 بحسب عبارته. فبم تمتاز تراجم الصغيّ بن يوسف؟ وكيف يبدو لنا الاختراق المتبادل بين التاريخ والتراجم عنده؟
لاختراق المتبادل بين التاريخ والتراجم يف المشرع الملكي
سبق أن بيّنا، في إيجاز، العلاقة بين علم التاريخ وعلم التراجم، والتي آلت إلى استقلال الأول عن الثاني منذ عصر ابن خلدون، ثمّ تحوّل التراجم إلى فرع أو علم من العلوم المساعدة للتاريخ. ولعلّ هذا التحوّل قد وصل إلى حد الاختراق المتبادل بين المجالين في المشرع الملكي، وربما يفسّ ذلك أولً.ّ من خلال نظرة الصغيّ بن يوسف إلى علم التاريخ ولكن لم يكشف الدارسون إلى اليوم عن هذا الاختراق المتبادل بين التاريخ والتراجم، وهذا التجاذب بين علمين يشدّ الواحد منهما الآخر ويتمّمه في كتاب المشرع الملكي، لعدة أسباب؛ من أهمها اختلاف التراجم الواردة في المشرع الملكي عن النظام المعمول به في كتب التراجم والتاريخ المتداولة، ولا سيما في عصر المؤلف كالتراجم الواردة في ذيل بشائر أهل الإيمانلحسين خوجة. فالتراجم وإن كانت تختلف في طولها من ترجمة إلى أخرى، فإنها عادة ما تشترك بصفة بارزة في ذكر المترجم لعناصر أساسية؛ هي الاسم، واللقب، والنسبة، ومكان الولادة، وأحيانًا قليلة تاريخها. ثم يمر المترجم - إذا كانت الترجمة لعالم أو أديب - إلى ذكر معلومات أخرى عن المترجَم له، كمراحل الدراسة وأماكنها والمدرسين أو المشايخ الذين أخذ عنهم، ثمّ يذكر الوظائف الدينية والعلمية التي تقلدها، وفي الأخير يتمّ ذِكر مؤلفاته ومناقبه وتاريخ وفاته50. وقد لمحنا إلى استقرار هذه الطريقة في كتابة التراجم منذ القرن الرابع عشر على الأقل وتواصلها
بصفة نمطية، مشرقًا ومغربًا، باختلاف أنواعها واختلاف اهتمامات أصحابها. فمنهم من اهتم بالترجمة للعلماء من فقهاء وقضاة دون سواهم، ومنهم من اهتم بأعيان الدولة ورجالها، ومنهم من جمع بين مختلف العلماء والأعيان. وقد أجمع الدارسون أن التراجم، بما في ذلك التي وضعها الإخباريون في المشرق والمغرب العربي، لا تخضع في كتابتها دائمًا لتخطيط ثابت وصارم، وإنما تختلف في طولها وقصرها ومحتواها بحسب وضعية الشخصية، وطبيعة عصره، وعلاقة المترجم الدنيوية بالمترجَم له. وعلى هذا النحو يمكن القول إن طريقة وضع التراجم في المشرع الملكيلم تكن كلاسيكية أو نمطية، بمعنى تتبع سيرة الفاعل من ولادته إلى وفاته، وإنما اتخذت نظامًا مختلفًا قوامه الجمع بين الخبر والمعطيات الخاصة، مع اختلاف في الطول والقصر، وفي دقة المعلومات. ولا يعتبر هذا شذوذًا من الصغيّ بن يوسف، بل قد نعثر لدى عدد آخر من الإخباريين الذين سبقوه في المجال العربي الإسلامي على هذا التباين في الترجمات ومادتها وتداخلها مع الخبر51. ولا يتسع المجال لذكر كل الأمثلة الواردة في المشرع الملكيلما اعتبرناه تراجم تؤكد الاختراق المتبادل بين التاريخ والتراجم والسير وطرافة الأسلوب والمنهج لدى الصغيّ بن يوسف، وفي وضعه لها. فقد أولى أخبار الفاعلين الاجتماعيين جانبًا كبيرًا من اهتماماته مُقدِمًا صورة حية عن البيئة الاجتماعية التي عاش فيها في مدينة تونس، وكذلك في مسقط رأسه مدينة باجة. وحسبنا التوقف عند بعض ما جاء من تراجم تعبر عن تفرده وتميزه مقارنة بمن سواه. ينفرد صاحب المشرع الملكيفي هذا الصدد، بذكر أخبار النساء بدقة متناهية معتمدًا في ذلك على ما شاهده، وما سمعه من أخبار وقصص، ترتقي أحيانًا إلى مرتبة الحكاية وما يشوبها من خلط بين الأسطورة والتاريخ. ومن الأمثلة المعبّة عن ذلك ما ذكره الصغيّ بن يوسف حول كبيرة مامية زوجة علي باشا بعد تمرّده52. فهي ابنة الباي حسين بن علي كما هو معلوم. وقد اكتوت بنار الفتنة والصراع على السلطة بين أفراد العائلة الحسينية، فطفقت تسعى إلى عدم تكرار ذلك بين أبنائها. وهو ما قد يحيلنا على الدور السياسي للحريم في البلاط الحسيني. فقد حضر الصغيّ بن يوسف جنازة كبيرة مامية ووصف الحدث بدقة متناهية، وبشيء من المبالغة، وربط بينه وبين انقلاب الأوضاع في البلاد بموتها عام 1748. واعتبر ذلك بداية النهاية لحكم علي باشا قائلً: "ولما مات الجمل تفرق الحمل، واختلف العمل. وأوّل مصيبة أصابها الباشا علي في الأهل، وأمره قد انحلّ"53. ولكن يمكن أن نذكر، من بين الأمثلة المعبّة والداعمة لهذه القراءة التي تجعل من تراجم الصغيّ بن يوسف متداخلة مع التاريخ والأخبار وتعكس نظرته للتاريخ، نماذج أخرى من تراجمه. فمن أطول التراجم وأكثرها طرافة وتفصيلً، ترجمة الباش كاتب قاسم بن سلطانة الباجي54. فقد توقّف الصغيّ بن يوسف طويلً عند ثروته وما بناه من قصور وما كان له ولابنه أحمد بن سلطانة من أموال؛ وتبعًا لذلك من نفوذ في دولة حسين بن علي أدت بهما في النهاية إلى استصدار كسبهما وسجنهما: "وأما أملاك قاسم بن سلطانة اليوم كلها تتصرف فيها السلطنة، وهي أملاك عظيمة، لها قيمة، والقمح يلوح ويدور ويرجع إلى الرحاء"55. وعرف في عهد علي باشا، الحفيد محمد بن سلطانة، المصير نفسه الذي أصاب والده وجده.
لا تخرج هذه الترجمة، في نهاية المطاف، عن تصور الصغيّ بن يوسف للثروة وزوال النّعم كلما كان صاحبها في علاقة بالمخزن، عملً بالمثال الشعبي المذكور الذي استشهد به، والمعبّ عن الانتقال من حالة الفقر إلى الغنى، ثم الرجوع إلى الحالة الأولى للفرد في حركة دائرية يرمز إليها دوران الرحى وطحنها للقمح. غير أن الرحى ترمز بدورها إلى البايليك أو المخزن الذي كان السبب الرئيس في ذلك. وهو ما يذكّرنا بمثل شعبي آخر يعبر عن الظاهرة الاجتماعية نفسها في تونس العثمانية؛ هو "المَخزن مُحزِن". فكثيرًا ما انتهت حياة المخازنية وأعيان الدولة نهاية مأساوية وحزينة وصادمة خلّدت ذكرها التراجم. ويتأكد لنا التوجس من خدمة البايليك في الأوساط الحضرية، وفي المجتمع التونسي بصفة عامة من خلال ترجمة جاب الله بوفردة كاهية بلد باجة في زمن حسين بن علي وهو من المُتمرسين بالخدمة العسكرية، ولم تشفع له خبرته ولا مكانته في أن تكون نهاية حياته نهايةً تراجيدية. فقد ذكر عنه الصغيّ بن يوسف خدمته لآخر البايات المراديين ثمّ لإبراهيم الشريف وحسين بن علي، ثم توقف عند نكبته وقتله بأمر من يونس باشا والتنكيل بجثته56. وكان ذلك، في ما يبدو، من تسلسل الأحداث قبل قتل الباي حسين بن علي في 13 أيار/ مايو 1740. أما الحاج علي المنتشالي، فهو من العناصر الفاعلة في الصراع بين الباشية والحسينية، ينحدر من أحد الدايات، وكان قد انحاز إلى علي باشا: "كان من أولاد الدايات وكان فاقدًا إحدى كريمتيه وداره معلومة في تونس [...] وكان [...] صاحب شيبة ولحية كثيفة، وكان صاحب نفس أبية ولسان طويلة وسوء خلق "[...]57. لقد أراد الصغيّ بن يوسف، من ذكر خبر المنتشالي، وبعض التفاصيل عن أوصافه وأخلاقه، الاعتبار من سيرته في علاقة ببعض القيم الأخلاقية والمواعظ في الثقافة العربية الإسلامية ومُثلها. فقد اعتبر أن المنتشالي ذهب ضحية ما يبديه من ميل إلى علي باشا والإجهار بذلك إلى أنْ صُنّف من بين المهجرسين. وكأنه لم يعتبر من التاريخ ولم يتبع السُنة النبوية. فسرد لنا الصغيّ بن يوسف قصة أبي يوسف يعقوب بن السِّكيت (ت. 859 م) مع المتوكل العباسي؛ إذ قُتل بسبب ضرر لسانه وعثرته وعدم تحفظه وإفصاحه بتشيّعه للإمام علي بن أبي طالب وحبه له. فقد جاء في الحديث أن "أكثر خطايا بني آدم من لسانه"58. وفي الصدد نفسه، وإيمانًا منه، بحسب ما ذكره، بأنّ: "عثرة اللسان تبري رقبة الرَجل عثرة الرِجل تبرا على مهل" فإن الصغيّ بن يوسف استطرد في ترجمة أحد خواص الباي حسين وهو الحاج محمد المنقبي، قائلً: "كان رجلً طويلً ذو لحية [كذا] طويلة الغالب عليها الشيب [...] ومن دار قديمة موسومة بالقيادة [...] وأنا أعرفه كم من مرة رأيته فاقتفى آثار آبائه وأجداده"59. لقد مال هذا المخازني فيما بعد إلى علي باشا، وهو ما عجّل بقتله من قِ بل حسين بن علي. ومثّل ذلك ضربة قوية لأتباع خصمه في المرحلة الأولى من الصراع، فأصبح من دون سندٍ اجتماعي ومالي، إذا ما علمنا ثروة المنقبي ودعمه له60. يبدو أن الصغيّ بن يوسف انشغل كثيرًا فيالمشرع الملكيبقضية المهجرسين، واعتبر قتلهم ناجمًا عن تدخلهم في الصراع على السلطة بين أفراد العائلة الحسينية، وهو بذلك يتخذ موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد. إن "التهجريس" في المصادر الأرشيفية تهمة موجبة لخطية مالية. وقد ألصقت بالأفراد الذين اتهموا من قِبل الباي حسين أولً، ثم من قِبل ابنيه محمد وعلي، وكذلك من قِبل علي باشا، بالخروج عن طاعة السلطة، واصطفوا مع الباشية أو الحسينية. ويعتبر
التهجريس من التُهم التي لا تختلف كثيرًا في خطورتها عن تهمة الفساد السياسي الموجبة للردع في تونس خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. والتهجريس صفة مأخوذة من "الهِجْرس"؛ وهو صغير الثعلب في اللغة العربية. ووجه الشبه بين الطرفين هو الخداع والمكر61. وعلى هذا النحو، ظهر في الإيالة التونسية تصنيف سياسي- اجتماعي وتحقيري محلّ لكل الأفراد والمجموعات التي تعارض النظام القائم في علاقة وطيدة بالفتنة الباشية، وقد ذهب ضحية ذلك عدد من سكان البلاد. وبعد أن استقرت الأوضاع السياسية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، غاب هذا التصنيف في المصادر الإخبارية والأرشيفية، وتم تعويضه بتصنيفات أخرى؛ كالثوار، والمنافقين، والفاسدين. ومن بين الذين أدَّوا دورًا في الصراع بين الباشية والحسينية، والتهجريس عامةً، خلال الحرب الأهلية، توقف الصغيّ بن يوسف عند خبر أحد الأعيان والوجهاء من مدينة تونس؛ هو الحاج محمد الرصاع، وقد صنفه من بين أكابر المهجرسين62. إنّ الأمثلة عديدة في المشرعالملكي، وفي ما حوى من تراجم ومعلومات حول بعض الفاعلين الاجتماعيين الذين كانت لهم صلة من قريب، أو من بعيد، بأحداث الفترة التاريخية التي أرَّخ لها الصغيّ بن يوسف، وقد بدت لنا متداخلة مع الأحداث والوقائع والأخبار. ومع ذلك، فإن الصغيّ بن يوسف حاول أن يحذو حذوَ من سبقه من المترجمين والإخباريين، ولا سيما حسين خوجة، من خلال "ذكر بعض خواص خواصه (الباي حسين) وأكابر كُتابه ووزاريه [كذا] ومديري مملكته والقائمين بتوليته وخدمته"63. وفي هذا الصدد، لم يغفل الصغيّ بن يوسف عن الترجمة لبعض العلماء والأولياء الصالحين "ولرجال الشرع " - على حدِّ عبارة الباحث محمد الهادي الشريف64 - الذين قرّبهم حسين بن علي. فذكر أخبار الحاج يوسف برتقيز (ت. 1738) إمام الباي وجليسه، وترجم له، إضافة إلى محمد الصغيّ داود النابلي، والقاضي علي شعيب أصيل باجة. وهؤلاء من أبرز العلماء في دولة حسين بن علي65. وهكذا لم يكن الصغيّ بن يوسف، كما هي الحال بالنسبة إلى العياضي منحازًا إلى طرف دون آخر. فقد اقتصر على الترجمة لجماعة من العلماء عددهم ثلاثة وعشرون، وهم من الموالين للنظام الباشي، ولم يذكر من العلماء الحسينيين أحدًا66. وفي الصدد نفسه، لم يقف الصغيّ بن يوسف عند أعوان الباي حسين وخدامه فحسب، وإنما خصّ "بعض خواص الباشا (علي باشا) ومشاهير وزرائه وكبراء خدامه"67 بتراجم منفردة. ونذكر من بين هؤلاء مصطفى بن متيشة وصهره إبراهيم رايس68. كما نجد فيالمشرع الملكيترجمة للباش كاتب عبد اللطيف السهيلي الوسلاتي: "وكان رجلً متكبرًا جامعًا للمال "69، وأورد الصغيّ بن يوسف أن له قصة مع أعيان باجة، عند ذكر ما آل إليه السهيلي ومحنته؛ إذ قتل وتركت جثّته نتنة70. ومن كتبة الباشا ذكر
أيضًا عبد الرحمن البقلوطي وعلي بن عبد اللطيف71. ومن خدام الباشا ذكر الأغا عصمان، آغا وجق صبايحية باجة72. وعلى هذا النحو، يمكن القول إن الصغيّ بن يوسف وازن في التراجم بين الاهتمام برجال دولة حسين بن علي ورجال دولة علي باشا، مُركّزًا على المسارات الفردية التي جمع بينها خدمة الدولة من جهة، والنهاية التراجيدية من جهة أخرى، متجاوزًا في بعض التراجم ما جاء في الحديث النبوي، عاملً به في كتب التراجم القديمة المغربية والمشرقية: "اذكروا محاسن موتاكم"73. فهو لم يتورع، أحيانًا، عن ذِكر مساوئ المترجم له وذمِّه، من ذلك مثلً ما قاله في ترجمة قاسم بن سلطانة وميوله الجنسية: "واستفرد بمملكة السلطان ولا بقي له شريك في ما هو فيه، وكانوا يتهمونه بالأولاد غفر الله لنا وله آمين"74. ويحيلنا هذا الخروج عن المألوف في التراجم، إلى الجدل العلمي، بل الخصومة بين شمس الدين السخاوي وجلال الدين السيوطي، ومن بين أسبابها عدم احترام السخاوي في تراجمه أعراضَ الناس. فقد حاد عن المنهجية المتبعة وشروط الترجمة المتفق في شأنها من قبل العلماء والمهتمين بالتراجم والحديث؛ بأن "أكبّ على التاريخ فأفنى فيه عمره، وأغرق فيه عمله وسلق فيه أعراض الناس، وملأه بمساوئ الخلق، وكل ما رموا به إن صدقًا وإن كذبًا. وزعم في ذلك بواجب، وهو الجرح والتعديل، وهذا جهل مبين وضلال وافتراء على الله. بل قام بمحرم كبير، وباء بوزر كثير"75. وغنيٌّ عن البيان ما كان من الانتقاد والتجريح بين العلماء قديمًا، وما وصل إليه من تراشق في زمن السخاوي؛ فلا يمكن مقارنته – بداهة - بما وُجد في تونس في القرن الثامن عشر. وإذا كان الصغيّ بن يوسف قد حاول أن يسير على منهج التراجم التي وضعها من سبقه؛ مثل حسين خوجة، وخاصة العياضي، فإنه لم يعتنِمثلهما، في الترجمات التي حواها كتابه، بجانب البديع وسائر فنون النثر، خدمة منهما لغاية الإطراء والمديح للشخصيات المترجمة، بقدر اعتنائه بالمعلومات التاريخية والأحداث والتفاصيل الشخصية. ومع ذلك، لم يقطع الصغيّ بن يوسف تمامًا مع بعض الأجناس الأدبية الكلاسيكية، إذ نعثر فيالمشرع الملكيعلى جنس المقامة التي تذكّرنا، من حيث أسلوبها ومنهج كتابتها، بمقامات الهمذاني، وبمقامات الأدباء المعاصرين له، من أمثال حمودة بن عبد العزيز، أو مقامات الشاعر محمد الورغي، وهو أمرٌ مؤكد لثقافته وسعة اطلاعه على مصنفات الأدب والتاريخ76، بل نجده أحيانًا "منشدًا إلى الأعراف الأسلوبية السائدة في عصره وفي مقدمتها الولع بالمحسنات اللفظية والمعنوية بتوقيع الجملة جناسًا وسجعًا، شغفًا قد يفضي إلى التكلف حينًا والتلبيس حينًا آخر"77. هذه، إذًا، بعض الأمثلة المتعلقة بالتراجم التي أوردها الصغيّ بن يوسف في المشرع الملكي، والتي أتت متمّمة لبعض التراجم التي وضعها العياضي في مفاتح النصر، وحسين خوجة في الذيل؛ كما هي الحال بالنسبة إلى العلماء ورجال الشرع الذين قرّبهم حسين بن علي وبقوا على قيد الحياة من بعده، فتوسّع في تراجمهم؛ من أمثال يوسف برتقيز، والقاضي علي شعيب78. فقد أحاط بأخباره، وخاصة منها فراره من علي باشا، إضافة إلى لجوئه إلى قبيلة نهد التي وفرّ له شيخها الحماية79. لكن بقية التراجم، بما
احتوت عليه من معلومات دقيقة وروايات وأخبار وقصص، فضلً عن ذكر الصغيّ بن يوسف لبعض الصفات الخَلقية والأخلاقية للفاعلين، تكشف عن ولعه بكتابة التاريخ وتحرّيه في نقل الخبر من جهة، والبحث عن العبر، وخاصة الاعتبار مما يعرف في التراث السياسي الإسلامي ب "المحن"، أو "تقلب الأحوال"، وخاصة منها ما يصيب الفرد من بلاء من السلطان. ومن أمثلة ذلك الانتقالُ من حالة الغنى والثروة والجاه إلى الفقر والإفلاس والمطاردة والموت الشنيع والتشرّد؛ بسبب بطش علي باشا الذي امتحن الكثير من الخاصة والعامة. ولئن فسر الصغيّ بن يوسف هذه المسارات الفردية ونهاياتها التراجيدية، وأدرجها في إطار عامّ متمثل في الصراع على السلطة داخل العائلة الحسينية، فإنه أرجعها أحيانًا إلى غضب الأولياء الصالحين، أو إلى العقاب الرباني، أو إلى "النحس" الذي يلازم بعض السنوات، مثل سنة 1139 ه (1728 م) لانتهائها برقم " 9 "80. ولا شك في أنّ عقلية التطير هذه تُعد من إفرازات الظرفية المضطربة بسبب الحرب الأهلية، وترتبط بتفشي مثل هذه المواقف داخل مجتمع محافظ لا يجد تفسيرًا علميًا لما يعيشه من أحداث جسام. ومهما يكن من أمر التداخل والاختراق بين التاريخ والتراجم في المشرع الملكي، وإن لم تسلم جميع التراجم والأخبار من نقص، فإن المعلومات الواردة فيه حول الفاعلين الاجتماعيين تبرز رغبة الصغيّ بن يوسف في مواصلة ما قام به مَن سبقه من الإخباريين بشأن تدوين الأخبار من جهة، وتقديم المعلومات الإضافية والجديدة حول الواقع المعيش، وحول الظرفية الاقتصادية، وحول المجتمع المحلي بباجة، وفق منهجية مبتكرة ومجددة أحيانًا في كتابة التاريخ، من جهة أخرى.
خاتمة
إنّ وجوب الاعتبار من الماضي بالنظر والتأمل في سيرة الفاعلين التي انبنت عليهما الكتابة التاريخية لدى الصغيّ بن يوسف، وغيره من الإخباريين التونسيين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، لا تنفي انتماءه إلى عصره بما حمله من هموم وطرحه من أمثلة، في تصور قد يكون يائسًا أو حذرًا أحيانًا، ولكنه متطلع إلى الحاضر والمستقبل. وعلى هذا النحو، مثّل الصغيّ بن يوسف حلقة وصلٍ بين مؤرخي القرن السابع عشر ومؤرخي القرن التاسع عشر في تونس، ولا سيما ابن أبي الضياف الذي ذكره فيالإتحاف81. ومن ثمّ يمكن القول إن المشرع الملكيلم ينتشر ولم يُعرف عند العامة فحسب، وإنما اطلعت عليه، وعلى محتواه، الفئة العالمة، وأعيان الدولة خلال القرن التاسع عشر. فلئن رأى البعض، كما لمّحنا إلى ذلك، أن المشرع الملكييمكن أن يُعدّ كتابًا صالحًا للقراءة في الأسمار والمجالس للتسلية والاعتبار - كما هي الحال بالنسبة إلى القصص الشعبية من أمثال ألف ليلة وليلة والجازية الهلالية - فإن ذلك لا ينقص في رأينا من ثقافة الصغيّ بن يوسف، وقدرته على كتابة التاريخ بثقافة المثقفين من الطبقة الوسطى في عصره، وهو ما نجد له شبهًا لدى بعض الإخباريين
بمصر وبلاد الشام، كما ذكرنا، بل حتى لدى بعض الإخباريين في المغرب الأقصى في القرن الثامن عشر، ومن بينهم الضعيف الرباطي
وإجمالً، يمكن القول إن الصغيّ بن يوسف قد استحضر في كتابته للتاريخ الثقافة العربية الكلاسيكية، ولكن بمنطق "المثقف " الذي ينهل من ثقافة مدوَّنة وأخرى شفاهية، ويحركه معيار الانخراط في المناخ الاجتماعي والثقافي التونسي خلال القرن الثامن عشر، من خلال حفظ الذاكرة زمن بناء الدولة الحديثة، ولا سيما أنه عاصر حدثين وعهدين مفصليَيّن هما الحرب الباشية الحسينية، ثم عودة الأمن والاستقرار بعد رجوع أبناء حسين بن علي إلى السلطة عام 1756، وهو ما وصفه الباحث عبد الحميد هنية ب "الواقعية في كتابة التاريخ"82، وقد ظهرت مع ابن أبي دينار، ودُعمت مع الصغيّ بن يوسف بأسلوبه ومنهجه المتميزين83.
المراجع
العربية
ابن أبي الضياف، أحمد. إ تحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. ج 2. تونس: الدار العربية للكتاب، 2004.
أحمد، ليلى عبد اللطيف. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام إبان العصر العثماني. القاهرة: مكتبة الخانجي بمصر، 1980. بن طاهر، جمال. "الفساد وردعه: الردع المالي وأشكال المقاومة والصراع بالبلاد التونسية 1705 - 1840 ". كلية الآداب منوبة، 1995. بن يوسف، الصغيّ. المشَرع المُلكي في سلطنة أولاد عليتركي. تقديم وتحقيق أحمد الطويلي. تونس: المطبعة العصرية، 1998 - 2009.. المذيل على الرسالتين المسمّاة إحداهما "بأنباء نجباء الأبناء " والثانية المسماة ب " سلوان المطاع في عدوان الأتباع". مخطوط المكتبة الوطنية تونس. رقم 9984.
. التكميل المشفي للغليل على كتاب العبر لابن خلدون. مخطوط المكتبة الوطنية بتونس. رقم 5264. حنّا، نللي. ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية (ق 16 -ق 18). ترجمة رؤوف عباس. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2004.. مصر العثمانية والتحولات العالمية 1500 - 1800. ترجمة مجدي جرجس. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016.
خوجة، حسين. ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان. تحقيق وتقديم الطاهر المعموري. تونس/ ليبيا: الدار العربية للكتاب، دراسات في التراث المكتوب. تنسيق فتحي الجراي. تونس: المركز الوطني لفنون الخط، 2017.
الدوري، عبد العزيز. بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب. بيروت: المطبعة الكاثوليكية 1960.
الرباطي، محمد الضعيف. تاريخ الضعيف. تحقيق وتعليق أحمد العماري. الرباط: دار المأثورات، 1986.
روزنتال، فرانتز. علم التاريخ عند المسلمين. ترجمة أحمد صالح العلي. بغداد: مكتبة المثنى، 1963.
زيادة، خالد. الكاتب والسلطان: من الفقيه إلى المثقف. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2013.
الزيراوي، توفيق. المشرع الملكي: القسم الثانيمن دولة علي باشا. شهادة الكفاءة في البحث. إشراف أحمد عبد السلام. كلية الآداب بتونس، 1977.
السخاوي، شمس الدين. الذيل على رفع الإصر أو بغية العلماء والرواة. تحقيق جودة هلال ومحمد محمود صبح وعلي البجاوي. القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، 1966.
. الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ. بيروت: دار الكتاب العربي، 1979.
. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. بيروت: دار الجيل، 1992.
السنوسي، محمد. مسامرات الظريف بحسن التعريف. تحقيق وتعليق محمد الشاذلي النيفر. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994.
References
شرح مقامات جلال الدين السيوطي. تحقيق سمير محمود الدروبي. ج 2. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1989.
الحادي عشر. ط 10. دمشق: الشركة المتحدة للتوزيع، 1986.
الحليوي. تونس: بيت الحكمة قرطاج، 1993.
بتونس، 1972.
عز الدين، محمد كمال الدين. التاريخ والمنهج التاريخي لابن حجر العسقلاني. القاهرة: دار اقرأ، 1980
المعارف العثمانية، 1972.
• الكراسات التونسية. العدد 155 - 156، 2005.
ليفي بروفنصال، مؤرخو الشرفاء. ترجمة عبد القادر الجلادي. الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977.
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.
المحبي، محمد أمين. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. بيروت: دار صادر، [د.ت.].
محمد خليل المرادي، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر. ط 3. بيروت: دار ابن حزم، 1988.
مركز النشر الجامعي، 2008.
النشرة العلمية للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس. العدد 4 (1976.)
للدراسات التاريخية. العدد 7 (كانون الثاني/ يناير 2018).
السيوطي، جلال الدين. نظم العقيان في أعيان الأعيان. تحقيق فيليب حتي. سوسة: دار المعارف للطباعة والنشر، 1999.
الصباغ، ليلى. من أعلام الفكر العربي في العصر العثماني الأول محمد الأمين المحبي المؤرخ وكتابه خلاصة الأثر في أعيان القرن عبد السلام، أحمد. المؤرخون التونسيون: في القرون 17 و 18 و 19. رسالة في تاريخ الثقافة. ترجمة أحمد عبد السلام وعبد الرزاق عجينة، محمد. المشرع الملكي: القسم الأولمن دولة علي باشا. شهادة الكفاءة في البحث. إشراف أحمد عبد السلام. كلية الآداب العدواني، محمد بن محمد بن عمر. تاريخ العدواني. تقديم وتحقيق وتعليق أبو القاسم سعد الله. بيروت: دار الغرب الإسلامي، العسقلاني، أحمد بن حجر. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. تحقيق محمد بن عبد المعيد خان. ط 2. حيدر آباد: مجلس دائرة الغزي، نجم الدين. الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة. تحقيق جبرائيل جبور. ط 2. بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1989.
مبيضين، مهند. أهل القلم ودورهم في الحياة الثقافية في مدينة دمشق خلال الفترة (1121 - 1172 ه/ 1708 - 1758 م). ط 2. بيروت: مسار مؤرخ وتجربة تاريخية: أعمال مهداة إلى محمد الهادي الشريف. تنسيق عبد الحميد هنية. تونس: نشر دراسات مغاربية / هنية، عبد الحميد. "التجديد في مجال علم التاريخ في البلاد التونسية بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر ميلاديًا". أسطور
الأجنبية
• Bin Youssef, Mohammed Seghir. “Mechra El Melki, chronique tunisienne (1705-1771) pour servir à l'histoire des
quatre premiers Beys de la famille Hussainite.” Victor Serres & Mohammed Lasram (trans.). Revue Tunisienne.
vol. 1. no. 8. 1900.
• Chater, Khalifa. “En marge d'une lecture du chroniqueur Seghir Ben Youssef: La situation économique et sociale
de la régence de Tunis au XVIIIè siècle.” Revue d'Histoire Maghrébine. no. 39-40 (1985).
• Cherif, Mohamed-Hédi. “Hommes de religion et pouvoir dans la Tunisie de l'époque moderne.” Annales , E,S,C.
vol. 35. no. 3-4 (1980).
•. Pouvoir et société dans la Tunisie de H'usayn bin 'Ali (1705-1740). vol. 2. Tunis: Pub.
Université de Tunis, 1984.
• Chroniques Tunisiennes de Mohamed Segheir Ben Youssef. 2 ème ed. Tunis: édition Bouslama, 1978.
• Taieb, Moncef. Pouvoir et représentations: Réflexion sur les fondements culturels du pouvoir politique dans la
Tunisie moderne. Tunis: Faculté des lettres, des arts et des humanités de la Manouba, 2011.