أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس (1853-1856) لجيمس فِن
Review of the Stirring Times or Records from Jerusalem Consular Chronicles of 1853-1856 by James Finn.
الملخّص
المؤلف: جيمس فِن. ترجمة: جمال أبو غيدا. تقديم: جوني منصور. عنوان الكتاب: أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس (1856-1853) الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت. سنة النشر: 2017. عدد الصفحات: 1047 صفحة. صدر هذا الكتاب في لندن سنة 1878 باللغة الإنكليزية، وهو مؤلف من جزأين، وهو أقرب إلى أن يكون "دفتر يوميات" للقنصل البريطاني في القدس جيمس فن (1856-1853)، قامت زوجته بتحريره بعد ست سنوات من وفاته. وهو مترجم بطريقة علمية مسبوكة ممتعة، فجاءت الصياغة بأسلوب علمي رصين مشوق، وأبدع المترجم فيما يتلاءم مع إبراز روح النص بمسحة لغوية شيّقة، كما حرص على تزويد ترجمته بالإحالات والحواشي والتعليقات، وإضافة فهارس للأعلام والأماكن الجغرافية، والتعريف بها في متن الكتاب، فضلً عن الفهرس العام. ولم يفت المترجم التعبير عن دهشته مما ورد في الكتاب من جمل وعبارات استخدمها المؤلف من خلال إتباعها بثلاث نقاط بين قوسين. يحشد هذا الكتاب نصوصًا تاريخية خطيرة، تم حفظها بطريقة رسمية، ولم يكتف المؤلف بحصر نصوص كتابه بين السنين الثلاث التي وردت في العنوان، بل تطرق إلى ما سبقها وما لحقها.
- فلسطين
- القدس
- القنصلية البريطانية
- Jerusalem
- Palestine
- British Mandate
| صالح عليالشورة| Alshora *Salih | |||
|---|---|---|---|
| * أستاذ مشارك في التاريخ الحديث، قسم التاريخ والحضارة، كلية الآداب والعلوم، جامعة العلوم الإسلامية العالمية في عمّن، الأردن. صالح علي الشورة | Alshora Salih أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس (1856-1853) لجيمس فِن Review of the Stirring Times or Records from Jerusalem Consular Chronicles of 1853-18 56 by James Finn. المؤلف: جيمس فِن. ترجمة: جمل أبو غيدا. تقديم: جوني منصور. عنوان الكتاب: (أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس 1853 - 1856). الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنر - بروت. سنة النشر: 2017. عدد الصفحات: 1047 صفحة. | |||
المؤلف يف سطور
ولد المؤلف سنة 1806، في عائلة بروتستانتية متعصبة، عمل في تعليم "أبناء الذوات"، فكان من نصيبه تعليم ابن اللورد جورج أفردين، وزير الخارجية البريطانية في الفترة 1841 - 1846، ورئيس حكومتها في الفترة 1852 - 1855، وهو المسؤول عن تعيين جيمس فِن قنصلً في القدس. كان فِن متعصبًا لليهود، متشددًا في معتقداته الدينية، وكان متغطرسًا وعنيدًا وقاسيًا. وقد تميزت علاقاته بالتقرب إلى اليهود، والعمل على تثبيت معتقداتهم حول الأرض المقدسة؛ فكان يرى فيهم مزارعين حاذقين، وكان دائمًا يقترح على حكومة بلاده توطين اليهود في فلسطين ليزرعوا الصحراء. وهو بذلك يؤكد أن فلسطين كانت خالية من الناس، ويؤكد أيضًا فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين. وكان فِن شخصية غير مرغوب فيها من معظم القناصل الأجانب الذين أدّوا دورًا كبيرًا في إقصائه عن منصبه. وحينما استقر في بريطانيا تقدم بطلب إلى وزارة خارجية بلاده لتسديد ديونه التي تراكمت عليه، بذريعة أنها جزء من مصروفات القنصلية أثناء تأديته مهماته فيها، فتمت موافقة الوزارة على طلبه، لحفظ ماء وجه سياستها في فلسطين، مقابل أن يتنازل عن وظيفته في السلك الدبلوماسي، وهذا ما تم بالفعل. وقد تدهورت أحواله النفسية والمادية بعد هذه الحادثة، ثم وافاه الأجل فقضى في 29 آب/ أغسطس 1872، وحيدًا وفقيرًا وكئيبًا.
نبذة عن الكتاب
صدر هذا الكتاب في لندن سنة 1878 باللغة الإنكليزية، وهو مؤلف من جزأين، وهو أقرب إلى أن يكون "دفتر يوميات"، قامت زوجته بتحريره بعد ست سنوات من وفاته. وهو مترجم بطريقة علمية مسبوكة ممتعة، فجاءت الصياغة بأسلوب علمي رصين مشوق، وأبدع المترجم فيما يتلاءم مع إبراز روح النص بمسحة لغوية شيّقة، كما حرص على تزويد ترجمته بالإحالات والحواشي والتعليقات، وإضافة فهارس للأعلام والأماكن الجغرافية، والتعريف بها في متن الكتاب، فضلً عن الفهرس العام. ولم يفت المترجم التعبير عن دهشته مما ورد في الكتاب من جمل وعبارات استخدمها المؤلف من خلال إتباعها بثلاث نقاط بين قوسين. يحشد هذا الكتاب نصوصًا تاريخية خطيرة، تم حفظها بطريقة رسمية، ولم يكتف المؤلف بحصر نصوص كتابه بين السنين الثلاث التي وردت في العنوان، بل تطرق إلى ما سبقها وما لحقها. وتشكل مذكرات فِن قيمة تاريخية، تعزى إلى أن المؤلف كان فاعلً مهمًا فيها، أو هو صانع لجوانب كبيرة من أحداثها. وهي تلقي الضوء على فترة زمنية تُعَدُّ من المنعطفات الحاسمة في تاريخ بلاد الشام عامة وفلسطين والقدس على الخصوص. وتأتي هذه النصوص لتميط اللثام عن بعض الشكوك التي علقت ببعض أذهان الكتاب الذين انبروا للدفاع عن غايات السياسة الاستعمارية البريطانية في وقت من الأوقات. كما أن الطريقة التي كتب بها هذا الكتاب جاءت مختلفة عن الرصد التاريخي الذي ينتمي إلى المدرسة التاريخية الكلاسيكية. وقد جاء النص في معظمه على شكل مذكرات سجّلها المؤلف عندما كان يتولى القنصلية البريطانية في القدس، وهو يناقش تحديدًا الفترة بين عام 1846 (وهو العام الذي قدم فيه إلى المنطقة) وعام 1863 (وهو العالم الذي أُقصَِ فيه عن منصبه من وزارة خارجية بلاده). يتيح هذا الكتاب مساحات معرفية متنوعة في تاريخ القدس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من حيث جغرافية المدينة وواقعها الديموغرافي والسياسي، والحياة الدينية فيها للشرائح المتعبدة المتنوعة. ويكثر المؤلف من الحديث عن ذاته، وعن البيئة الفلسطينية برمتها في فترات زمنية غير متتابعة.
والجدير بالذكر أن هذه المذكرات بشكلها السردي لم ترد متواصلة منتظمة، بل كانت أقرب إلى الأخبار المتقطعة في كثير منها، وذلك لإضفاء التجربة السياسية الشخصية للمؤلف وتأكيد بعض الأحداث التي يرويها، من خلال الإسقاطات التاريخية الدينية التي تؤكد الفكرة التي كان يرمي إليها كما سيتضح لاحقًا. ولا يعني هذا أن المؤلف لم يتطرق إلى الحديث عن الأجواء السياسية الدولية المعاصرة له، ولكنه كان يأتي على العموم الأوسع لربطه بالخاص الأضيق. لا شك في أن فِن كان قارئًا نهمًا، تجاوزت مذكراته مساحة الزمن والأحداث التي عاشها في فلسطين. ولا شك في أن قراءة متأنية لما أورد، هي في حد ذاتها، في حاجة إلى كثير من الثقافة والمعرفة والحصافة؛ كي يتجنب القارئ الوقوع في الترديد من دون إدراك الدلالات والمغازي التي حاول المؤلف إثباتها بناءً على تصوراته التوراتية. وتتوزع فصول الكتاب في سبعة وثلاثين فصلً لا تأخذ في الاعتبار تسلسلً تاريخيًا أو مطارحات فكرية تنتهي مع انتهاء الفصل. والكتاب يخلو من المقدمة، ويثبّت فصلً على شكل خاتمة للمحرِّرة، وقد خصص الفصل الأول منه للمسألة الشرقية واقتراب الحرب، بينما جاء الفصل الأخير بعنوان "الاقتتال في كنيسة القيامة، والصلاة لمملكتنا في كنيس صهيون اليهودي الجديد". ستعمل مراجعة الكتاب على تفكيك الخطاب الموجه من المؤلف إلى صنّاع القرار في بلاده من جهة مقاصده ومراميه؛ ليسهل التماهي مع الأفكار الرئيسة التي وردت في المذكرات، ومن ثم البحث في الرسائل الكثيرة التي أرادها الكاتب لاستجلاء الهدف من ورائها، وبهذا يمكننا الكشف عن الصورة التي رسمها الكاتب، ومن ثَمّ تشريح مادته الخبرية لاستحضار إضافاته التاريخية أولً، وإضافاته السياسة التي كان يسير عليها، ثانيًا، وهي بالضرورة تعكس سياسة الدولة، وهي بريطانيا التي انتدبته للعمل في هذا المكان وتقليده هذا المنصب.
دوافع الكتاب
المتدين جيمس فن، دفعه اهتمامُه العقائدي، إلى كتابة يومياته. وقد ظل مثل هذه المذكرات يقدم لليهود والسياسيين الأجانب، وخاصة الإنكليز، المعلومات الدقيقة التي بلورت توجهاتهم لاحقًا للتعامل مع الدولة العثمانية عمومًا، وفلسطين خصوصًا. ويبدو من تتبع الأحداث التي كان يرويها المؤلف أن سببها الرئيس هو تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين، وكشف الغائب من الأمور لأصحاب القرار في حكومته، لتسهيل عملية إنشاء الدولة العبرية فيما بعد. لذلك، فإن الطريقة السردية التي انتهجها الكاتب، تحيل القارئ على المخزون النفسي العقائدي المغرض لمآربه؛ فهو لا ينفك عن الدعوة إلى أخذ فلسطين كتلةً واحدةً لا تخرج من إطار فهمه التوراتي لها، فتجده أسيرًا، طواعية وبرغبة طاغية، للامتثال لسرديات الكتاب المقدس. فلا يجد القارئ عناء الوقوف على مآرب المؤلف في طريقة الكتابة المغرضة.
مرتكزات الكتاب
جاءت آلية التأليف التي تبناها المؤلف مرتكزة على ثلاث أفكار رئيسة؛ أولً، الطوائف المسيحية في القدس وخلافاتها. وثانيًا، الحكم العثماني وأحوال المجتمع الفلسطيني. وثالثًا، الدور البريطاني المبكر في خلق الوطن القومي الصهيوني. شكلت المرتكزات الآنفة العمود الفقري لمذكرات فِن، ولا بد هنا من الإشارة إلى أمرين؛ أولهما الثقافة الواسعة التي تتجلى في الطريقة الماتعة التي أورد فيها الخبر، وثانيهما الهوى الشخصي الذي سيطر على الحس الكتابي في الحكم على الأشياء؛ الأمر الذي
جعل منها تأملات شخصية وذاتية، لا تقارب الصواب ولا الموضوعية في كثير من أحداثها، بل عكست انعدام الرقابة الذاتية للمؤلف في إيراد الخبر، فبرزت الأفكار على هيئة انعكاسات نفسية مغرضة أكثر من كونها تعبيرًا عن الواقع. وهذا لا يلغي أنه كان يقصد أن يكون موضوعيًا في بعض محطات كتابه؛ لإضفاء الصدق والجدية على ما يروي. فحينما يناقش فِن الفكرة الأولى، فإنه يتوسع في الحديث عن الخلافات التي كانت تعتري صف الطوائف المسيحية المختلفة في القدس على رعاية شؤون المقدسات، وخاصة طائفتَي الأرثوذكس واللاتين، وكان يُرجع عنصر غلبة طائفة على أخرى إلى المكون الحكومي العثماني. فهو يرى أن تقدم طائفة على أخرى يرتبط بتقارب المصالح مع الأوروبيين وقوة الدول التي تمثل هذه الطوائف، ويميز بين طائفة الأرثوذكس التي كانت تستفيد من الفرمانات/ المنح المؤقتة، وهي أوامر يمكن إلغاؤها في أي وقت، وبين طائفة اللاتين التي اعتمدت على الالتزامات السامية المفروضة بموجب معاهدات رسمية، لا يمكن إبطالها أو تعطيلها، لأنها أبرمت بين طرفين (ص 53، 490 - 494). لذا كانت الامتيازات الفرنسية في الدولة العثمانية هي التي تسمح للفرنسيين بالتدخل في الشؤون المسيحية في القدس على حساب غيرها من الدول الأوروبية (ص 105 - 107). وهكذا استمر فِن يبحث لنفسه عن مبررات تدخله في المشهد الديني في فلسطين، وتقديم اليهود على غيرهم؛ وذلك ليوازي السلطة الفرنسية في بلاد الشام، فأوجد الجمعية اللندنية التي كانت الغاية منها "تنصير اليهود" (ص. 196)، وكانت تقوم بعقد اجتماعات أسبوعية في مبنى القنصلية البريطانية، للتباحث حول إيضاح التاريخ والطبوغرافيا، والتاريخ الطبيعي لأراضي فلسطين، بحسب نصوص الكتاب المقدس (ص 428 - 429). فكيف إذا ما عرفنا أن فكرة "صندوق استكشاف فلسطين"، ذات الغايات البعيدة، هي ذاتها كانت للكاتب نفسه الذي حوَّل اسمها لاحقًا من "الجمعية" إلى الصندوق"؟ (ص 606 - 612، 645 - 647). يرى المؤلف أن العثمانيين أقحموا السياسي في الديني، حينما لم يفرّط السلطان العثماني في الإشراف المباشر على الأماكن الدينية المسيحية، رغم الأموال الطائلة التي كان يجنيها نتيجة هذا الإشراف (ص 38 - 39). وقد كان السلطان دائم المماطلة في قضايا الطوائف المسيحية لتوفير الوقت لمزيد من الخلافات بينها (ص. 50). وتجد المؤلف يميل بقلمه، على نحو طاغٍ، على طائفة الأرثوذكس، فيحاول أن يظهر انحياز العثمانيين إليها (ص. 46)، بل تجده يقف مستعليًا للحكم على معتقد الأرثوذكس الشرقيين، فيضعّف تدينهم لأنهم يؤدون صلاتهم بالعربية واليونانية، ويقول إنهم بارعون في الزراعة على حساب الدين (ص 115 - 117). وإذا ما قارن بين المسيحيين على العموم والمسلمين فإنه يرى أن المسلمين كانوا متعسفين تجاه المسيحيين لولا قدرة المسيحيين على الدفاع عن أنفسهم (ص 64، 69، 219). كما يناقش البعث الجديد للكنيسة الكاثوليكية على يد جوزيف فاليرجا1 الذي انقطع منذ زمن الحروب الصليبية (ص. 79). ولا يغيب عنه دور محمد علي باشا في توفير الراحة لغير المسلمين، وقد جاءت القنصليات لتكمل هذا الدور (ص 144، 242). ولا تخامره الشكوك والتأكيد حينما يعترف بأنه، قبل حكم محمد علي، لم يكن في القدس وجود للبروتستانت الذين جاءوا مع الإرسالية التبشيرية الأميركية (ص. 175)، وأنه هو نفسه الذي وافق على بيع أرض في القدس وتسجيلها باسم المبشر المسيحي نيكولايسن، وأعطاه الإذن في إنشاء كنيسة إنجيلية على جبل داوود/ صهيون (ص. 136)، مع أن الباب العالي رفض مثل هذا الإجراء (ص 136، 176)، حتى تمكن اللورد سترانفورد كاننينغ2 من استصدار فرمان جديد لإكمال البناء (ص. 136)، لذلك كان يطعن كثيرًا في المقاومة التي تشكلت في المدن الفلسطينية المختلفة ضد الحكم المصري، ويصف رموزها بالسفاحين مثل عبد الرحمن العمرو (ص. 170).
لم يغفل المؤلف انعكاسات حرب القرم على الشارع الفلسطيني، وزعم أنها أثرت سلبيًا في المسيحيين، وخاصة الأرثوذكس، لأنهم من أتباع روسيا (ص. 375)، بينما يرى أن التحالف الذي انعقد بين تركيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، ألغى فكرة الجهاد لدى المسلمين ضد المسيحيين كافة (ص. 391). في سياق منهجية الكاتب، في الفكرة الثانية، يستشف القارئ عمومًا، عمق الفجوة بين الدولة العثمانية ورعاياها، وإذًا، يلحظ الانفصال الكبير بين الدولة والمجتمع، وهذا ظل دائم الوضوح أينما ورد الحديث عن الفكرة ذاتها. كما يبرز للقارئ عجز المؤلف عن الانفلات من فكرة التعصب الديني التي سيطرت على رصده للأحداث، فتتملكه نظرية الجبرية في التفسير ويقع في شراك الاستعلاء والتعصب للحضارة التي قدم منها. فحين يتناول فكرة الحكم العثماني وأحوال الناس، يُظهر كثيرًا من الاشمئزاز والعجز عن تجاوز الحقد الإثني. فهو ينعت السلطان العثماني ب "السلطان المحمدي"، وهي إشارة واضحة منه إلى أن الدين الإسلامي يرتبط بشخص النبي محمد ﷺ (ص 46، 68)، وأن الدين الإسلامي ارتبط بشريعة القرآن التي نشرت كل صنوف الهرطقة والخطايا (ص 621، 717). وتجده يسترسل في حديثه عن الملل التي كانت تقطن القدس وجوارها بمعزل عن العرب الذين تمكن فِن من تهميشهم بصورة عجيبة، وإذا ما ذكرهم في كتابه نعتهم بأبشع الأوصاف؛ من ذلك "الوثنيون" (ص. 164)، أو "الجهلة المتغطرسون" (ص 245، 253)، أو "السراسنة" وهي كلمة مشتقة من السرّاقين أو اللصوص أو العبيد أي عبيد سارة زوجة إبراهيم، لأنهم من هاجر زوجته الثانية، ويزعم أن عادة قطع الطريق والسرقة من العادات شرقية بامتياز (ص. 278)، وأن الفوضى لا تكون إلا عند العرب (ص. 736). لا شك في أن فِن كان يقرأ المشهد السياسي بتمعن، فهو يربط التعيينات العثمانية الإدارية للحكام الطاعنين في السن في القدس بمؤشر نهاية عمر الدولة العثمانية نفسها (ص. 479)، وخاصة أن المؤلف كان دائمًا يعرّج على فكرة تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية (ص. 507). وفي السياق نفسه، كان المؤلف متحاملً على النظام العثماني الذي كان قائمًا، بحسب رأيه، على الرشوة حتى إنه لا يكاد يخلو من هذه الآفة التي كانت تتفشى في مراتب الدولة أدنى منصب أو أعلى منصب في الإدارة العثمانية في فلسطين، فضلً عن أن الإداريين في الأصل لا ينالون مناصبهم إلا إذا قدموا الرشا لمسؤوليهم (ص 201 - 205)، بل يذهب أبعد من ذلك حينما يجزم بأن مجلس الأفندية في القدس، كان على استعداد لبيع مسجد عمر ذاته، من أجل مصالح أفراده الخاصة (ص. 375). لم يستطيع فِن الابتعاد عن إطلاق الأحكام الصارمة لمعتقداته، ولم يتمكن من فهم أن المذكرات التي يدونها ليست سردًا لزمن فردي، بل هي تأريخٌ لجغرافيا تنساح في كثير من الأماكن، فتشكل في النهاية عقلية أمة. ومن هنا؛ سيطرت على قلمه النزعة العنصرية على حساب الحقيقة التاريخية. فهو دائم التأكيد أن العقلية الإنكليزية كانت تقوم على الصدق والجدّية في التعامل مع المواقف المختلفة، وكانت دائمًا عكس نقيضتها العثمانية (ص. 263). ولا يقتصر هذا الأمر على المؤسسات الكبرى أو على الإداريين أو من هم في مناصب حكومية، بل يتسرب برأيه إلى الناس العاديين أيضًا (ص 376 - 379). ونتيجة لهذا الوضع الذي يصفه، يقرر أن المحاكم الإسلامية تقوم على شهادة الزور التي أصبحت وظيفة لكثير من الناس يصطفون أمام المحاكم لأداء الشهادة وقبض ثمنها (ص. 217). لم يتورع المؤلف عن تشويه معتقدات خصمه، كما تبين من خلال استفاضته في ذكر الشريعة الإسلامية، حينما أورد أن المحاكم العثمانية المسلمة لا توقع العقوبة على السارق ولا على القاتل، ولا تعتبر مثل هذه الجرائم مخلة بالرأي العام بالنسبة إلى المسلمين (ص 223 - 226). ولم يكلف المؤلف نفسه استجلاء حكمه من خلال اطلاعه على الدين الإسلامي وأحكامه. تجد المؤلف دائم الكره للمدن الفلسطينية بهيئتها العربية، وخاصة مدينة نابلس، ولا يصف أهلها إلا ب "المتوحشين" وغير ذلك من الألفاظ النابية (ص. 245). ويجزم أنها أكثر المدن المتعصبة في بلاد الشام جميعها (ص. 417). وقد ظلت هذه المدينة أينما وردت في المذكرات مضرب المثل، عند المؤلف، بأنها حاضنة العصبيات المقيتة بين الأسر الحاكمة (ص 344، 439، 945 - 955) وأن تلك الأسر
كان يرتفع شأنها أو ينخفض؛ بناء على ما تقدم من رشا للحكومة العثمانية (ص. 439). وعلى الجانب الآخر، كان ف ن يصور المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع كراهية، فيتحدث عن الصراعات التي كانت تنشأ بين القرى الفلسطينية المختلفة مثل قرى لفتا، وبيت صفافا، والمالحة، وغيرها (ص. 402)، بل يدعي أنه لم يكن هناك شوارع متقابلة، إلا كانت فيها صراعات بين قاطنيها، بغض النظر عن المعتقد الديني (ص. 437). ولا غرو أن المؤلف عندما كان يأتي على ذكر الزعامات العربية الفلسطينية التي عاصرها، يأخذها بلسانه المقذع، ولا يستثني منها أحدًا، ومن أمثلة ذلك يذكر الشيخ عبد الرحمن العمرو زعيم دورا في الخليل الذي كان يفرض الإتاوات والضرائب الباهظة على السكان (ص 284 - 312، 419، 827 - 835). وإذا ما جاء ذكر المكون الفلسطيني الداخلي تنتاب المؤلف نزعة الاستعلاء والتعصب العرقي؛ فتجده يفيض في الحديث عن التحالفات التي كانت تعقد بين البدو الذين يطلق عليهم "الأجلاف"، والفلاحين الذين ينعتهم ب "الهمج" (ص 341، 405، 710). ومع كل تلك الحدّية التي يكتب بها فِن؛ فإنه يرى أن الناس كانوا يخشون عقاب التاريخ لهم، من خلال الرصد الذي كان يمثله دفتر مذكراته، والمعلومات التي كان يدونها فيه، والتي ستظهر للضوء يومًا ما (ص. 313). حافظ فِن على الخط العام في كتابته؛ فقد ظل يؤكد ذاتيته المتفردة في تسيير الأمور؛ فهو يصور نفسه بأنه سياسي ذكي وداهية من الطراز الأول، وهو الدبلوماسي البارع الذي تمكن من أن يكون الرمز لجميع الفرقاء؛ فهو الذي يقوم بفض النزاعات بين الخصوم (ص. 355)، حتى إنه كان يستطيع أن يشق صفوف المتحاربين ولا يستطيع أحد أن يمنعه (ص 699 - 700)، وهو الحكم الفصل الذي يقرر أن جميع الأنداد كانوا ينظرون إليه بوصفه الصديق الوفي لهم والمسؤول المباشر عنهم (ص 409 - 410)، بل حتى الزعامات البدوية كانت تلجأ إليه لحل النزاعات الدائرة في فلسطين (ص 356 - 359)، ولولاه ما رست قواعد العدل وحسن معاملة غير المسلمين في القدس خاصة، وفلسطين على العموم (ص. 522). ويحاول أن يثبت مثل هذه البطولات بذكره حوادث هنا وهناك لتأكيد سلطته المطلقة في فلسطين؛ مثل تمكنه من إلغاء عقوبة الإعدام عن المبشر الذي قتل مسلمًا في نابلس (ص. 944)؛ فقد كان هو دائما حاضرًا لإنقاذ المبشرين الإنكليز مما يقعون فيه من مشكلات في فلسطين. ويبدو أنه وصل إلى أسباب احترام المسلمين في فلسطين للإنكليز، حينما أكد أنه قادم من حكمهم للهند التي يسكنها أكثر من 40 مليون مسلم. لذا، هم ينظرون لهم نظرة الصداقة بعكس غيرهم من الأوروبيين (ص. 512). وفي موضع آخر ينسب هذا الفضل إلى القنصلية البريطانية التي كان لها الفضل الكبير في تغيير واقع الجاليات التي تخضع للحكم التركي (ص. 979). ينهي المؤلف فكرته الثانية بالتوسع في وصف الأماكن التي كان يزورها أو يمر بها حينما كان يخرج من فلسطين في اتجاه بيروت، من حيث شكل القرى وعادات الناس الاجتماعية والمأكل والمشرب فيها، أو من خلال وصف الحركة التجارية فيها، وهو يرى أنّ بيروت كانت متقدمة على فلسطين كثيرًا. ويلحظ أن من اللغات الرسمية التي كانت تستخدم في هذه المناطق اللغتين التركية والإيطالية، وهما لغتان سهلتان بعكس اللغة العربية المعقدة (ص 313 - 341). وحينما يصف فِن رحلاته في الأرجاء السورية يقول إن العدالة كانت تحل أينما وجد هو، أو غيره من القناصل الإنكليز، وتختفي روح الشر التي أوجدها "المحمديون" (ص. 329). أما الفكرة الثالثة، فهي أن المؤلف لم يتمكن من الخروج عن معتقداته ولا من جلده الكهنوتي؛ إذ ظلت أغلب أحكامه مرتبطة بذاته عبر مواقفه المتعصبة. فهو لا يخفي كرهه للإسلام وتفضيله اليهودية. وكان دائمًا يؤكد الدور البريطاني الكبير في تسهيل خلق الوطن القومي اليهودي وإحياء فكرة أرض الميعاد، وهو الأمر الذي دفع حكومة بلاده إلى القدوم إلى هذه الأصقاع، والتي كانت دائمًا تعلن أن سبب قدومها هو رعاية مواطنيها وعلى رأسهم اليهود (ص 119 - 120). ومن المعلوم أن أول قنصلية أجنبية تأسست في القدس كانت هي القنصلية البريطانية سنة 1838، ثم تلتها بقية القنصليات الأجنبية. وهذا ما حدث أيضًا عندما قامت القنصلية نفسها برفع راية أجنبية لأول مرة في تاريخ القدس الحديث زمن حكم فِن، وتلتها بقية القنصليات أيضًا (ص 879 - 880).
كان المؤلف في بعض ملاحظاته يقدم قراءة تفسيرية قائمة على الواقع، فيربط الحدث بأسبابه؛ إذ يورد، مثلً، أن الوجود اليهودي في فلسطين مرتبط بمصالح بريطانيا التجارية، وعلى رأسها إبقاء طريق الهند مفتوحة للوصول إلى مستعمراتها (ص. 507). ويؤكد الكاتب أنه لا يمكن أن تقوم السياسة البريطانية بتعيين أحد من الإداريين في فلسطين، إلا إذا وضع نصب عينيه مساعدة اليهود وحمايتهم، كما حصل مع قنصل حيفا (ص. 501). وفي الوقت نفسه كان يصدر أحكامًا تجافي الحقيقة، فيقرر أن اليهود كانوا مضطهدين عبر تاريخهم في ظل الحكم الإسلامي (ص. 141)، وأن القدس أصبحت بيد "كفار، وشريرين، وخبثاء مجبولين على الكذب"، ويتساءل: إلى متى سيبقى هؤلاء يحكمون القدس؟ (ص 186 - 187). والأخطر من ذلك إصرار الكاتب على تثبيت وهم فكرة الهيكل الذي يرى أنه قائم أسفل الحرم القدسي، ولم تستطع تقنية القرن الحادي والعشرين إثباته. إلا أن فِن يسهّل الاعتقاد على القارئ؛ بحيث يُمكِنه رؤية أساسات الهيكل من داخل الحرم، وهذا ما لاحظه هو حينما تمكن من زيارته (ص. 771)، كما يدّعي أنه تمكن من رؤية المعالم الجليلة المنقطعة النظير لهيكل الرب، ودائمًا ما كان يؤكد أن ساحة الحرم المقدسي الشريف هي ذاتها ساحة الهيكل (ص 246، 849، 850 - 851). لم تقتصر حماية اليهود على الإنكليز منهم، بل حتى اليهود الروس نعموا بحماية القنصل البريطاني (ص. 133)؛ إذ أعدّت لهم القنصلية سجلً خاصًا بأسمائهم وأعدادهم (ص 153، 162). وظل فِن دائمًا يعلن أنه يحق لأي يهودي ممن تخلت عنه دولته أن يلجأ إلى عطف القنصل البريطاني (ص 152، 473)، ولا سيّما أن أوامر رئيس الوزراء البريطاني اللورد بالمرستون كانت تفضي إلى توفير الحماية لليهود عامة (ص. 144)؛ الأمر الذي دفعهم إلى القدوم إلى فلسطين حتى بلغ عددهم في القدس وحدها، كما يدعي فِن، عشرة آلاف يهودي (ص. 139). وقد سمح للسياسيين الإنكليز بتمثيل اليهود في المحاكم العثمانية (ص 124 - 125)، حيث كانت صلاحيات القنصل البريطاني تشمل كافة أراضي فلسطين الممتدة من مصر إلى لبنان (ص 125 - 126، 313). وبسبب حاجة بريطانيا إلى مثل هذه الفكرة الداعمة لليهود، فإن القنصلية البريطانية كانت على اطلاع على أحوال البلاد أكثر من الدولة العثمانية نفسها (ص. 748). لم يتوقف تقديم العون لليهود في فلسطين فقط، بل في أرجاء بلاد الشام كافة. لذا؛ يسترسل فِن في الحديث عن دور بريطانيا في رفع حكم الإعدام عن اليهود الذين قتلوا الراهب توماس الكبوشي في دمشق (ص. 145)؛ الأمر الذي فرض على كل من محمد علي والسلطان عبد المجيد استصدار فرمان ينفي التهمة عن اليهود (ص. 149). وبسبب إيمان فِن المطلق بأحقية اليهود في أرض فلسطين، فإنه تمكن، من خلال عمله في القنصلية، من بناء كنيس يهودي في القدس (ص. 574)، بل يشير في كتابه إلى دوره الكبير في مساعدة الثري اليهودي موشي مونتفيوري3 على شراء أول قطعة أرض في القدس لإقامة مستعمرة يهودية عليها (ص 853 - 854). يبدي المؤلف حرصًا على استحضار الذاكرة اليهودية التوراتية حينما يورد أسماء المناطق والمدن العربية التي يرصدها في كتابه باللغة العبرية، مثل كيفا أي حيفا (ص. 134)، أو شخيم أي نابلس (ص. 248)، أو أسدلرون، أي مرج ابن عامر (ص. 439)، أو حرمون، أي جبل الشيخ، وبحر كنروت، أي طبريا (ص. 877) وغيرها كثير. ولم يتوقف إعجابه باللغة العبرية على إدارة شؤون القنصلية البريطانية فقط (ص. 168)، بل كان يسعى لأن يجعل منها اللغة السائدة في فلسطين كلها، لأنه كان يراها تصلح لكافة مناحي الحياة (ص. 168). وكان دائم المدح حتى للعملة العبرية زاعمًا أنها غير مشكوك في أصالتها (ص. 611). ولم يتوقف دعم فِن لليهود على الدعم الرسمي، لكنه كان يظهر العطف الكبير عليهم، حينما كان يقوم بتشغيل من لا عمل له في مزرعته الخاصة (ص. 161)، وإذا لم يتمكن من ذلك
فإنه يسعى حثيثًا للبحث عن وظائف حتى للفتيات اليهوديات، وهو الذي تمكن من تشغيل كثير منهن في الجمعيات وغيرها (ص 537، 588 - 589، 925)، وخاصة أنه لاحظ أن بعض اليهود كانوا يبيعون أبناءهم للمسلمين بسبب الفقر والعوز والاضطهاد (ص 578، 794)؛ الأمر الذي رفع من شأنه عند اليهود الذين صنفوه بأنه نصف يهودي لكثرة الخدمات التي كان يقدمها لهم (ص. 573). كما أنهم كانوا يقابلون هذا الإحسان بالامتنان لملكة بريطانيا ويذكرونها في دعائهم وفي صلواتهم (ص 976 - 977).
خاتمة
في نهاية المراجعة أستطيع القول إن المؤلف أراد أن يظهر للقارئ صدقه وموضوعيته في مذكراته، من خلال الإغراق في وصف الأحداث اليومية التي عاصرها؛ ليأخذه بعيدًا عن الشك في مآربه السياسية. فكان دائمًا يفصّل تفصيلً دقيقًا، في وصف الحراك البشري اليومي للأهالي في القدس والأشياء التي كان يراها، كأن يصف ألبسة الناس وألوانها ومدلولاتها، وهو في الوقت ذاته كان كمن يدس السم في العسل، حيث كان عمله قائمًا على تثبيت فكرة "حلم أرض الميعاد"، والتي انكشفت لاحقًا في الكثير من الوثائق التي تناولت مخططات بريطانيا في فلسطين. ولا تخرج مذكرات جيمس فِن عن كونها رسائل رصدية موجهة إلى حكومته أولً، وللأوروبيين ثانيًا، للعمل الفوري على إذكاء "فكرة العودة" Restoration، بين يهود أوروبا إلى فلسطين واستغلال أهمية القدس الدينية لليهود. وبما أن القدس تشكل بؤرة جذب لليهود في التعبئة الفكرية والأيديولوجية، وعاملً مهمًا في إذكاء الشعور الديني لتحقيق الوجود اليهودي في فلسطين، عمل فِن على إنشاء صندوق استكشاف فلسطين الذي ساهم بدور مهم في تزويد السياسيين، والعسكريين البريطانيين بالمعلومات الجغرافية، والتاريخية، والسياسية، التي كانوا يحتاجون إليها لاحتلال فلسطين وتقديمها للصهاينة لاحقًا. جاءت مذكرات فِن لتعبّ عن سياسة الحكومة البريطانية التي كان يمثلها، وتسير جنبًا إلى جنب مع مألوف أهدافها في سياق تصوراتها عن بلاد الشام عامة وفلسطين على وجه الخصوص. ومن هنا أرى أن المؤلف أخفق في مراقبة ذاته؛ ففشل في إثبات قدرته على تقديم معلوماته بحيادية، ووقع أسيرًا لمتون النص التوراتي، وهو الأمر نفسه الذي حال به دون تحقيق عملية نقل صورة المجتمع بحيادية، كما فشل في محاولاته الداعية إلى تشويه صورة العربي ومعتقداته، على الرغم من سيل الأوصاف التي جاء بها في كتابه. ولا عجب أنني لم أجد إشارة إيجابية واحدة تحدث فيها المؤلف عن العرب والمسلمين، من دون حاجة إلى أن يكون القارئ الحصيف خصمًا لمعتقدات المؤلف.
المراجع
References
العربية
فن، جيمس. أزمنة مثيرة: وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في بيت المقدس 1853 - 1856. ترجمة جمال أبو غيدا. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.
الأجنبية
• Lane, Pool. The Life of Lord Stanford. New York: Longmans, Green & Co., 1890.
• Moshe, Samet. Moses Montefiore, Reality and Myth. Jerusalem: Carmel, 1989.