صدى تصريح بلفور في فلسطين وخارجها
The Impact of the Balfour Declaration inside and outside Palestine over one year
الملخّص
شهدت السنة التي تلت صدور "تصريح بلفور"، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، مجموعةً من الأحداث السياسية والميدانية على الساحات الفلسطينية والصهيونية والبريطانية والعربية والدولية، أبرزها الصوت الفلسطيني والعربي المناهض للمشروع الاستعماري – الاستيطاني؛ أي البريطاني - الصهيوني. تفحص هذه الورقة تصرّف الإنكليز، والصهيونيين، والفلسطينيين، والعرب، وردود أفعالهم.
Abstract
Lecturer in the Department of Historical Studies, Academic College, Hebron, Occupied Palestine.
- وعد بلفور
- فلسطين
- إسرائيل
- العرب
- الانتخابات
- Balfour Declaration
- Palestine
- Israel
- Arabs
- British Mandate
من صدوره يف 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 إلى افتتاح مؤتمر فرساي يف 91 كانون الثاني/ يناير 9191
from its publication November 2 , 2017 to the opening of the Conference of Versailles January 19 , 1919
شهدت السنة التي تلت صدور "تصريح بلفور"، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، مجموعةً من الأحداث السياسية والميدانية على الساحات الفلسطينية والصهيونية والبريطانية والعربية والدولية، أبرزها الصوت الفلسطيني والعربي المناهض للمشروع الاستعماري – الاستيطاني؛ أي البريطاني - الصهيوني. تفحص هذه الورقة تصرّف الإنكليز، والصهيونيين، والفلسطينيين، والعرب، وردود أفعالهم.
أولً: قلق الأطراف
عملت الدوائر الدبلوماسية البريطانية فور صدور تصريح بلفور على ألَّ تؤذي مشاعر العرب، ونشُر خبر صدور التصريح في جريدة المقطم، في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، أي بعد أسبوع من صدوره. لقد استولت مشاعر قلق على عدد من سياسيي الإنكليز وعسكرييهم من جرّاء القلق العربي الذي بدأ التعبير عنه فور نشر التصريح، إضافة إلى إرسال الأتراك والألمان خبرًا عن الاتفاق الإنكليزي - الفرنسي (اتفاق سايكس – بيكو) إلى فيصل بن الحسين في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1917، عِلمًا أنّ بريطانيا حاولت جاهدة إخفاء التصريح1؛ لهذا استولت على هؤلاء مخاوف من الألمان والأتراك باستغلال هذا التصريح والاستفادة منه ومن الاتفاقية، لتعميق الدعاية المناوئة لبريطانيا ومحاولة استعادة العرب إلى أحضان الدولة العثمانية. كيف عملت بريطانيا على إنقاذ الموقف مع العرب؟ تمثل أول عمل بقيام مارك سايكس بعرض خطة مفادها أن هناك مكانًا لكلا القوميتين العربية واليهودية في المنطقة لتعملا معًا وتسعيا لإحياء الشرق، إضافة إلى أهمية التعاون مع الأرمن. فالأرمن كانت لهم مطالب، أبرزها إقامة دولة أرمنية لهم في أعقاب المذابح التي تعرّضوا لها خلال الحرب، والوعود التي تلقوها من بعض زعماء الغرب. ولتحقيق غرض التعاون بين هذه الأطراف الثلاثة التي
كونتها بريطانيا، بادر سايكس إلى تشكيل لجنة مشتركة برئاسته وعضوية لحاييم وايزمن عن المنظمة الصهيونية، وجيمس مالكولم عن الهيئة الأرمنية، وعدد من العرب سنذكر أسماء بعضهم لاحقًا في سياق مرتبط بهم2. وعمل سايكس بالتنسيق مع جيلبرت كلايتون4 على وضع قرار بفرض الأمر الواقع. ومما جاء فيه: "إن الحلف الصهيوني الأرمني، يعرض التعاون مع العرب والسوريين ويُعطي أملً حقيقيًا للمستقبل العربي [و] المصالح الأرمنية والصهيونية تتطلب أن تكون سوريا والعراق في وضع مستقر ومزدهر في ظل حكم إيجابي [...] وعلى العرب أن يلُاحظوا أنّ الصهيونية أمرٌ حتمي [...] والتحالف معها ضمان للاستقلال العربي النهائي، ومعاداتها تقود إلى الركود السوري العربي"6. كان همُّ بريطانيا، في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، هو السعي لاحتواء العرب، أو الالتفاف عليهم، مستفيدة من وجود فيصل بن الحسين وإخوانه إلى جانبها. وكانت خطة كلايتون ورونالد ستورز تستهدف إقامة مملكة عربية كونفدرالية تستبعد منها فرنسا7. انصبّت محاولات سايكس في ميدان إظهار قدرات العرب واليهود معًا عبر الزمن، وضرورة التعاون بين الشعبين. وكان كل همّه هو إزالة مخاوف العرب وقلقهم؛ وذلك بأن يُظهر اليهود على أنهم مستعدون للتعاون، وأنّ هؤلاء اليهود لا يريدون السيطرة على فلسطين، ويرى سايكس أهمية قيام مبادرة صهيونية للتوفيق بين الأديان الثلاثة، وإلا فسيكون نزاع شديد في المنطقة. بمعنى آخر، يميل سايكس إلى استغلال المكون الديني لخدمة أجندته في استمالة العرب إلى جانب سياسة بريطانيا الهادفة إلى عدم التنازل عن تصريح بلفور بأي ثمن كان. لم يكن حاييم وايزمان وحده في الميدان الصهيوني؛ إذ نشط أيضًا ناحوم سوكولوف رئيس اللجنة التنفيذية الصهيونية في تأكيد أهمية التعاون بين اليهود الصهيونيين والعرب والأرمن لفائدة كل الأطراف والمنطقة عمومًا. وأبرز وايزمان أهمية مساهمة اليهود في بناء مستقبل المنطقة بعبقريتهم التراكمية عبر السنوات. أما كلايتون فلم يكن في مستوى حماس سايكس نفسه؛ ذلك أنه رأى جفاء كبيرًا قائمًا بين العرب واليهود والأرمن، ولم يكن ثمة أي تحالف سابق بين هذه المكونات الثلاثة، ولم يرَ في ذلك أي فرصة لمصالح بريطانيا8. ونظر إلى الحاضر، وليس إلى الماضي. وهذه نظرة صارمة ومتشددة وواقعية9. وبلغت المخاوف أروقة السياسة الفرنسية؛ حيث عبر فرانسوا جورج - بيكو عن امتعاض العرب، بل غضبهم من صدور تصريح بلفور. وفي المقابل، أخذت تنتشر حالة من رفض مقترحات خطة سايكس. ومع كل هذا فإنّ بيكو يؤيد التصريح ولا يتراجع عن موقفه، لكنه يطالب حلفاءه الإنكليز بالتريث قليلً قبل اتخاذ أي خطوة كي لا "نخسر العرب". الأفكار التي تناقلها سايكس وبيكو تسعى للوصول إلى نقطة التفاف على العرب لإبقائهم ضمن دائرة الحلفاء، بالرغم من قوة الدعاية الألمانية - التركية في ذلك الوقت. لكن ويليم ييل، مندوب الخارجية الأميركية في القدس والشرق، يرى أن العرب سيقاومون بقوة محاولات تملّك اليهود لفلسطين، وأن نزاعًا قويًا وعنيفًا سيحصل في ميادين السياسة والثقافة والاقتصاد10.
3 F.O. 371 ⁄ 3398 ⁄ 27647.
5 F.O. 311 ⁄ 3062 ⁄ 228698.
بالتوازي مع محاولات بريطانيا تهدئة العرب وتجنيب نفسها أزمة معهم وسط سير معارك جبهة فلسطين وسوريا، ازداد الضغط الصهيوني بالسماح لبعثة منهم بالتوجه إلى فلسطين والبدء بالاستثمار في الزراعة، خصوصًا بعد أن حقق الجيش الإنكليزي تقدمًا في فلسطين. وكتبت جريدة المستقبلمن جنيف، بعد احتلال الجنرال إدموند هنري اللنبي مدينة القدس في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1917: "إن فلسطين قطعة من جسم سورية تأبى كل الأديان تركها منهبًا للصهيونية"11. أما الجنرال اللنبي فاعترض على حضور أي بعثة صهيونية ما دام الوضع الحربي غير منته13. في حين بعثت اللجنة التنفيذية الصهيونية برسالة إلى كلايتون تبلغه أنّ بعثة من مندوبي اللجنة ستتجه إلى فلسطين، عندما يسمح الظرف بذلك، لتوفير مساعدة للمستعمرات اليهودية وسكان المنطقة14. لقد كانت فكرة وايزمان تتلخص في إيفاد بعثة استشارية لمساعدة السلطات البريطانية في تعاملها مع المجتمع اليهودي ولتعزيز تصريح بلفور، وفي الوقت نفسه يتمّ فَتْح حوار مع العرب15. لكن كلايتون لم يستجب لهذا الاقتراح؛ لأن الوضع العسكري في رأيه يفرض ذلك. ومن جهة أخرى، أشار كلايتون إلى أن وصول البعثة الصهيونية قد يفتح الباب لغيرها. يبدو أن الخارجية والمخابرات البريطانية كانتا قلقتين من ضغوط وايزمان، فاقترحتَا عدم الإفصاح علنًا عن الرفض، بل الالتفاف عليه بضرورة إجراء تعديلات على أهداف البعثة. وبالرغم من ذلك، صرّح بلفور بأنّ الحكومة البريطانية استجابت لطلب إيفاد بعثة صهيونية إلى فلسطين18، وبأنّ الحكومة معنية بالبعثة ونجاحها. وجنّد الإنكليز أحدَ زعماء الجالية اليهودية في مصر، وهو رجل الأعمال جاك موصيري، بهدف التخفيف من روع العرب وفزعهم19. فانبرت المجلة الصهيونية التي أسسها في القاهرة للإشادة بالعلاقات بين العرب والحركة الصهيونية، داعيًا العرب إلى التعبير عن رأيهم بهدف الحوار. ووفقت بريطانيا في تأسيس لجنة الإعانة السورية، المكونة من عدد من الشخصيات السورية، ومنها حقي العظم ورفيق العظم وفارس نمر وسليمان ناصيف. وأبرق الأخير إلى سايكس، في 17 كانون الثاني/ يناير 1918، بأن كل ما يطلبه اليهود ما هو إلا استيطان حر في بلدنا، ومشاركة السكان في الحقوق والواجبات. وعبّ سايكس عن رضاه بهذا التوجه الذي يُقرّب بين اليهود والعرب والأرمن في مصر بصفته نموذجًا للشرق العربي. كللت المحاولات البريطانية في تهدئة خواطر العرب بالنجاح مؤقتًا، مع عدم التراجع عمّا ورد في التصريح، وتهيئة الأجواء لقدوم البعثة الصهيونية. وبعد هذا النجاح الذي حقّقه سايكس فإنه قد صوّر المنظمة الصهيونية قوةً ذات تأثير20 في مجالات عدّة، وأنّها إذا لم تتعاون مع العرب فإنّ ذلك سيشكل مستقبلً سيئًا. ولهذا رأى سايكس ثلاثة إشكالات:
12 F.O. 371 ⁄ 3054 ⁄ 235200 ⁄ 34175 F.
16 Leonard Stein, The Balfour Declaration (London: Vallentine-Mitchell, 1961), pp. 628 - 629.
ӵ ӵ الأماكن المقدسة للمسلمين والمسيحيين. ӵ ӵ مشكلة الصهيونية. ӵ ӵ مشكلة السكان المحليين. وادعى أنّ أي اتفاق ودّي يجب أن يُحقق حُلولً لهذه القضايا من هذه الأبواب: حُرمة الأماكن المقدسة، وتوفير فرصة للاستيطان اليهودي، ومنع أي محاولات لنزع ملكية أراضي السكان المحليين21. وأصرّت بريطانيا على ربط خيوط الأطراف كلّها تمهيدًا لما بعد الحرب. وكان يجب التحاور مع الشريف حسين وأولاده للتأثير فيهم بغية الوصول إلى تفاهمات للسير قدمًا في تنفيذ التصريح. ولتحقيق هذا المسار، أرسل سايكس أحد رجال المكتب العربي، وهو دافيد جورج هوغارت22، للتفاوض مع الشريف حسين، وفقًا للتوجيهات التالية: ألا يخضع شعب لآخر، وأنّ الأماكن المقدسة للديانات الثلاث مصونة، وأن توضع أنظمة خاصة لإدارتها، وأنّه يجب ألّ توضع عقبات أمام تحقيق مشروع عودة اليهود إلى فلسطين، وأنّ صداقة اليهود للقضية العربية (وهي استقلال العرب) مهمة جدًّا، وأكثر من ذلك أنّ الصهيونية مهتمة بالتعاون مع العرب. ويدّعي جورج أنطونيوس أنّ هوغارت قال للشريف حسين إنّ "الاستيطان اليهودي في فلسطين لن يكون مسموحًا به إلّ بقدر ما يتفق ذلك مع حرية السكان العرب من الناحيتين الاقتصادية والسياسية"23. وهذا التوضيح الشفوي يعني ابتعادًا عن مضمون تصريح بلفور. وبحسب تحليلات هوغارت فإنّه إذا تضمّن التصريح هذه العبارة، إضافة إلى محتواه، فلن يكون لدى الشريف معارضة للاستيطان اليهودي في فلسطين24. وقامت بريطانيا بتفعيل أدوات الضغط والتأثير في الشريف حسين لمنع معارضته للصهيونية، بل شدّدت على ضرورة قبوله بها لمصلحة العرب. وحاولت اللجنة العربية والسورية (وهي إنتاج بريطاني) خلق جو من واقع لا رجعة فيه، وهو أنّ اليهود يملكون ثروة مالية وسياسية في أوروبا وأميركا تضمن لهم النجاح، وأنّه ليس في وسع العرب التصدي للمشروع الصهيوني، وأن أي تصوير للأجواء لصالح المشروع الصهيوني هو نوع من الترهيب الكلامي والتلويح بخسارة العرب الحتمية أمام هذا المشروع25. لهذا فمصالح الأطراف الثلاثة واحدة أو متقاربة؛ فبريطانيا همّها توسيع استعمارها ليشمل فلسطين ضمانة لقناة السويس، والصهيونية تسعى لتحقيق هدفها بإنشاء وطن قومي لليهود، والشريف حسين يروم إنشاء دولة عربية إسلامية على أنقاض الدولة العثمانية يكون هو رأسها26. ولاستكمال الصورة فعليًا، جنّدت بريطانيا عملاءها للترويج لسياساتها، وأرسلت مندوبين عنها إلى فلسطين لالتقاء قادة المجتمع للتوصل إلى تفاهمات. وكان في نيّة بريطانيا تأسيس مكتب عربي في فلسطين كالقاهرة، على أن يكون خاضعًا لها. بنى السياسيون الإنكليز سيناريوهات مستقبلية حول فلسطين، كان أصعبها المصاعب والعقبات التي تواجههم مع سكان فلسطين، خصوصًا إذا انجذبوا إلى مشروع سورية المستقلة27. لهذا، فإنّ كل محاولة التفاف حول الموقف العربي لسكان فلسطين والقيادة العربية
17 F.O. 371 ⁄ 3054 ⁄ 235780.
سيكون مباركًا. ومن المقترحات التي اعتقد هؤلاء أنّها ستجذب العرب هو منحهم فرصة إقامة شرطة محلية بدلً من الأوروبية، وأن يوظَف سكان محليون بدلً من الأوروبيين، من دون التفافٍ على الصهيونية، أو تعديلٍ في تصريح بلفور والتزامات بريطانيا. وأبلغ كلايتون، في 4 كانون الثاني/ يناير 1918، سايكس من القدس أن هناك تقاربًا بين العرب واليهود من دون تحقيق تعاون فعلي بين الطرفين؛ لأنّ العرب يخشون سيطرة اليهود على القدس. فما الأداة الأخرى لجذب العرب؟ لقد تم استخدام جريدة الكوكبالمصرية الموالية لبريطانيا. فما هي الطريقة التي يمكن بوساطتها تصوير وضع أفضل ممّا كان سائدًا خلال الفترة العثمانية؟ إن الاستنتاجات إلى هنا تستهدف: طمأنة الفلسطينيين وإزالة مخاوفهم من فكرة إقامة دولة يهودية كما رشح عن التصريح، وذلك بضمان حقوقهم الدينية والمدنية. وروجت هذه الجريدة أن الزعماء العرب، ومن بينهم فلسطينيون، على استعداد للتفاهم مع اليهود من دون التنازل عن قوميتهم28. مقابل هذه الجهود البريطانية للتخفيف من حِدّة القلق الفلسطيني والعربي، وكذلك تجاوب بعض الجهات اليهودية الصهيونية مع هذه الجهود، كانت هناك جهات صهيونية متطرفة قد دعت إلى ترحيل العرب جماعيًا من فلسطين من منطلق أنها لا تتسع لكل اليهود؛ هذا ما كتبه يسرائيل زنغويل؛ أي إنه ينتقد ما ورد في التصريح بصفة غير مباشرة. وبذا كشف زنغويل ما تخفيه الحركة الصهيونية من سيناريوهات ترحيل مستقبلية للشعب الفلسطيني29. أمّا سايكس فعبّ عن رفضه لهذا التوجه، وفي اعتقاده أنّ خطوات كهذه ستُسَبّب عداء قويًا للسياسة الإنكليزية، وحتمًا ستؤدي إلى انقسام بين العرب واليهود في فلسطين، وربّما إلى مواجهات دامية30.
ثانيًا: النشاط الصهيوني ورد الفعل العريب
التقت البعثة الصهيونية Commission Zionist سايكس، في 8 آذار/ مارس 1918، والتقى وايزمان، أيضًا، الملكَ جورج الخامس والجنرال جان سمطس، وتم الإجماع على ضرورة اتخاذ وايزمان وأعضاء البعثة موقفًا ودّيًا من العرب لأنهم ينظرون إلى الصهيونية بعِداءٍ شديد31. وصلت البعثة الصهيونية إلى الإسكندرية، في 20 آذار/ مارس 1918، واستقبلتها بحفاوة السلطة البريطانية والجالية اليهودية، ثم بلغت القاهرة. ورحبت جريدة المقطم32 بمقدم البعثة برئاسة وايزمان33. وحدّدت الحكومة البريطانية أهداف البعثة ب "تنفيذ أية خطوات مطلوبة لجعل التصريح لمصلحة إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين نافذ المفعول مع عدم الإخلال بسلطة الجنرال
اللنبي"35، إضافة إلى أن تكون أداة وصل بين الطائفة اليهودية والسلطات البريطانية في فلسطين، وأن تعمل على تأسيس اتصالات سياسية مُهمة مع العرب، وأن تُجري دراسات لتطوير الاستيطان36. واهتمت السلطات البريطانية بتحضير الأجواء لوصول البعثة، وترويج أهدافها في الجرائد الموالية لها مثل الكوكب، وجريدة فلسطينالتابعة للجيش البريطاني. لقد عرف الفلسطينيون والعرب بالتصريح فور صدوره، فما كان رد فعلهم؟ قابل العرب والفلسطينيون وصول البعثة بمعارضة كبيرة، لكن السلطات البريطانية اهتمت بتليين موقفهم، وهذا ما سنبينه. لتحقيق أجواء من القبول بالحد الأدنى، برز دور الضباط العسكريين الإنكليز الذين قاموا بتهدئة مخاوف الفلسطينيين37؛ إذ إنّ المستوى العسكري البريطاني تفاجأ بهذه البعثة، وأسرع العسكريون إلى وضع خطة للتعامل مع هذا التطور المفاجئ بالنسبة إليهم38. وتزود وايزمان بتفاصيل كثيرة عن الجو العام السائد في فلسطين، وبادر إلى لقاء الزعماء الفلسطينيين ليُقدّم لهم شرحًا عن الصهيونية ومراميها. ولا بُدّ مِن الإشارة هنا إلى أنّه تولى توجيه البعثة بنفسه، ولم يستند إلى ردود فعل. وأكد وايزمان لهؤلاء أنّ هدف حركته هو تأسيس وطن لليهود، وأنهم مستعدون للمشاركة في الحقوق ورفع مستوى المستوطنات اليهودية، وأنّ هناك متسعًا من الأرض للجميع، وأنّ في قدرة اليهود فتح المدارس للمسلمين والمسيحيين أيضًا، وندّد بالطغيان التركي؛ بمعنى آخر، كان واضحًا في طرح أهدافه، وما سيُقدّمه للعرب في المقابل؛ من خلال الاستفادة من سياسات الأتراك القمعية، على حد تعبيره. وذهبت التقارير البريطانية الميدانية والاستخبارية إلى أنه حصل اعتدال في مواقف العرب، وأنّ الأمل كبير في اختفاء تدريجي للقلق، وأنّ الفلسطينيين أكثر مرونة من السوريين في تقبُّلهم وتعاملهم مع الصهيونيين40. وتشكلت هيئة عربية من سبعة مقيمين في القاهرة، أرسلوا بيانًا طالبوا فيه بريطانيا بأن توضح سياستها المزمع تنفيذها في البلاد العربية42. وجاء رد وزارة الخارجية البريطانية، وقد يعتبره أنطونيوس في غاية الأهمية، عِلمًا أنّ كامل خلة يُقلّل من أهميته؛ باعتباره أُعطي شفويًا43. ومع كل هذا فإنّ "التصريح للسبعة" (هكذا سُمّي) يؤكد سعي بريطانيا للوصول إلى استقلال البلاد العربية، وأنّها لن تُقيمّ أي نظام حكم لا يقبل به السكان. وأمّا العرب، فاعتبروا هذين التأكيدين مُشتقين من حق تقرير المصير للرئيس الأميركي وودرو ويلسون46. وكان سليمان ناصيف أحد أعضاء اللجنة السورية، وهو مُقَرّب من الإنكليز، قد قدّم اقتراحات للعضو البريطاني في البعثة الصهيونية47؛ من بينها الإبقاء على الأماكن المقدسة كما في الماضي بأيدي مالكيها مع حقوق وامتيازات، وعدالة الحكومة، والمساواة
Bernard Wasserstein, The British in Palestine, the Mandatory Government and the Arab Jewish Conflict, 1917-1929 (Oxford: Blackwell publishers, 1991), p. 25. 34 Stein, p. 624.
بين مكونات المجتمع، وتطبيق متساوٍ للقوانين، وإخضاع المستوطنين لقوانين فلسطين، وتشكيل لجنة مشتركة من عناصر البلاد الثلاثة للنظر في شكاوى التعدي وتسويتها بالتعاون مع الحكومة، والعربية لغة البلاد، وإنشاء بنك زراعي تحت إشراف الحكومة. ساهمت هذه المذكرة في تصوير حالة مريحة في أوساط الفلسطينيين، وبداية قبول حضور البعثة الصهيونية. وفي اعتقادنا أنّ هذا التصوير للحالة التي سادت بين الفلسطينيين ما هي إلا مشاعر أكثر منها مواقف. لكن في الواقع ماذا كان يجري ميدانيًا؟ بيّ هوغارت في تقاريره صورة مغايرة، صورة قلق كبير قبل وصول البعثة الصهيونية. وأفادت التقارير البريطانية وجود معارضة للبعثة الصهيونية. في حين يميل قِسم من السكان إلى سيادة تركية، وثالث إلى سيادة هاشمية. وأشارت هذه الحالة إلى شكوك الفلسطينيين في سياسات بريطانيا. وثَبّتَ هذا التوجه تقرير أرسله ستورز إلى بلفور، في 22 نيسان/ أبريل 1918، شارحًا القلق من البعثة قبل وصولها. وستورز محسوب على الصهيونيين، إذ عبّ عن تأييده للتصريح48. وأشار التقرير إلى رد الفعل الفلسطيني من خلال تأسيس الجمعيات الإسلامية والمسيحية49 للتصدي للمشروع الصهيوني. وأما هوغارت، فإنّه وضع رسالة أوصى فيها بضرورة نشر مقالات تُخفّف من الغضب قبل وصول البعثة الصهيونية، مع الإشارة إلى أنّ البعثة ستستثمر الأراضي المهملة لصالح اليهود، وأنّها لن تُجرّد الملاكين الفلسطينيين من أراضيهم، ولن يكون إشراف لليهود على فلسطين؛ بمعنى آخر، يتعلق الأمر برسائل تهدئة وطمأنة50. وقدّم أورمسبي غور ضابط الارتباط البريطاني المرافق للبعثة تقريرًا إلى وزارة الخارجية، بتاريخ 19 نيسان/ أبريل 1918، أي بعد أسبوعين من وصول البعثة إلى فلسطين، شرح فيه عدم وضوح التصريح بالنسبة إلى العرب، وبعض اليهود51. فالأهداف غير واضحة بالنسبة إلى العرب، أما بالنسبة إلى بعض اليهود فإن السياسة الصهيونية غير واضحة على خلفية التصريح. وأوضح غور أنّ هناك مخاوف عديدة لدى الطرفين: مخاوف العرب من تسلط اليهود على فلسطين وتجريدهم من ممتلكاتهم، ومخاوف اليهود من محاولات تسلّط العرب. واقترح غور بناء علاقات مُنصِفة بين الطرفين. فتَمّ تنظيم لقاء، في 27 نيسان/ أبريل 1918، بين وايزمان وموسى كاظم الحسيني (رئيس بلدية القدس)، وإسماعيل الحسيني (مدير المعارف)، وكامل الحسيني52. نادى وايزمان في كلمته بضرورة التعاون بين العرب واليهود، وبعدم التفكير في تجريد العرب من أملاكهم؛ فهناك مكان لليهودي والعربي في فلسطين. بمعنى آخر، صوّر غور الحالة على أنها سلبية، لكن يمكن - بمساعٍ معينة أو خطوات من بريطانيا والمنظمة الصهيونية - تذليل العقبات وتخفيف حدة القلق.
39 F.O. 371 ⁄ 3398.
Wasserstein, p. 29 ; Yehoshua Porath: The Emergence of the Palestinian – Arab National Movement, 1918-1929 (London: Cass, 1974), p. 32.
41 F.O. 882 ⁄ 14.
أمّا ستورز فأرسل تقريرًا عكس فيه قلقًا عربيًّا - فلسطينيًّا من غايات وايزمان، وأن هناك شعورًا بانحياز بريطاني إلى اليهود، وأنه شاع خبر متعلق بوجود أحد أفراد عائلة روتشيلد في البعثة يعني وجود خطة للسيطرة على ثروات فلسطين53. رد وايزمان على غور بأن القلق لا يتناسب مع التوقعات ممّا طرحه التصريح. هو يعترف بأنّه قد توقّع معارضة عربية محدودة، لكن ليس بهذه الصورة، وهذا ما يؤكد رد فعل العرب الرافض للبعثة ولأهدافها، وللتصريح من أساسه. ووجّه وايزمان بهذا الأسلوب لومًا إلى السلطات البريطانية بعدم تحضيرها الأجواء لوصول البعثة54. تدل استنتاجات وايزمان التي عبّ عنها في تقريره على أنّ عدد اليهود قليل في فلسطين إزاء تطلعات التصريح، وأنّ على الحكومة البريطانية تعريف عرب فلسطين بما ورد في التصريح وبخطتها المستقبلية، وشدّد على أن تكون هذه الخطوة رسمية، وليس عبر قنوات شخصية. يلحظ المتعمّق في هذا التقرير أنّه أوّل صدام فعلي بين وايزمان والسلطة الحاكمة في فلسطين، ممثلة بستورز. رد ستورز على ادعاءات وايزمان بأنّ البعثة ليست مُلِمّة بالسياسة العملية في ظل الحرب، وأنّ البعثة لم تُدرك أنّ فلسطين مسلمة بغالبيتها العظمى، وأنّ فلسطين واقعة تحت احتلال مسيحي (بريطانيا)، وتريد تسليمها لشعب ثالث مرفوض كُليًّا في فلسطين. مع هذه الصفعة القوية، اقترح ستورز لقاءً بين البعثة ووجهاء من القدس، ليشرح وايزمان أهداف البعثة55. وألقى وايزمان كلمة أمام الوفد الفلسطيني وأرسلها ستورز إلى الخارجية56. ولم يعتبر ستورز أنها أتت بجديد، بل قدّم شرحًا عن علاقة أجداد وايزمان بفلسطين منذ قرون مضت، مُشدّدًا على عبارة: لا يصح القول إنّنا قادمون إلى فلسطين بل نحن راجعون إليها57. وأشاد وايزمان بنضال العرب في سبيل استقلالهم، وقال إنّ هذا النضال يجب أن يتمحور في مثلث مكة ودمشق وبغداد، وإنّ فلسطين تربط بين الشرق والغرب، وإنّ مَن يمكنهم القيام بهذا الربط هم اليهود، وإنهم سيقيمون جامعة يهودية لنقل المعرفة اليهودية والعلمية بالزراعة، ودعا العرب إلى التعاون مع البعثة لتحقيق هذه الغايات59. أمّا التقرير الذي أرسله غور إلى كلايتون في أعقاب لقاء وايزمان فهو مطمئنٌ، مع التشديد على حضور القلق لدى العرب مِمّا تُخبّئه الصهيونية مستقبل60. والمفارقة التي لمسها ستورز أنّ الحضور من السوريين تأثروا بكلمة وايزمان، في حين اشتكى وايزمان مرارًا من سياسة الإنكليز التي يراها تتلكأ في تطبيق التصريح. وبادر وايزمان إلى إرسال رسالة إلى صديقه برانديس قاضي المحكمة العليا في أميركا حول ذلك، مشيرًا إلى أنّ الحكومة البريطانية غير وفيّة بعهودها61. وكان مفاد تعليق كلايتون على رسالة وايزمان أنّ وجود البعثة الصهيونية هو دليل كافٍ على دعم حكومته للتصريح، لكن ظروف فلسطين الأمنية تحدُّ من تحركات الحكومة البريطانية وخطواتها. ولمس وايزمان ضرورة عقد لقاء آخر، وتمّ في يافا في 8 أيار/ مايو 1918،
44 Arab Bulletin (30 ⁄ 4 ⁄ 1918). 45 F.O. 371 ⁄ 3398 ⁄ 92392.
Ronald Storrs, Orientations (London: Nicholson & Watson, 1937), p. 365.
حيث كرر الادعاءات نفسها المتمثلة بأنّ الصهيونية لم تأتِ لتنفرد بالحكم والسيطرة على فلسطين، بل لتتعاون مع السكان62. وجاءه رد من القاضي راغب أبو السعود المقدسي بأن الإسلام والنصارى سيعاملون الإسرائيليين بالحسنى63. إلى هنا، نلحظ أنّ مساعي بريطانيا والبعثة الصهيونية لم تكلل بالنجاح التام65. فما الخطوات الأخرى الواجب اتخاذها لدفع الأمر إلى "مربع" أفضل؟ أرسل وايزمان رسالة إلى بلفور، في 30 أيار/ مايو 1918، شارحًا فيها موقفه من العرب ومعارضتهم وعدم الانسجام بين العرب واليهود، بعكس الصورة التي حاول ستورز تقديمها. وأوضح موقفه العدائي للعرب ووصفهم بأنّهم غدارون، وقال إنّ هذا جزء من طبعهم. ووجّه اللوم إلى سياسيين إنكليز بأنّهم صوروا التصريح بكونه أداة لسلب أراضي العرب وتسليمها إلى اليهود. إذًا، هذه المواقف والآراء الفوقية والعنصرية والاستعلائية تجاه العرب تتوافق مع التوجهات الفكرية الاستعمارية. وقد كثف وايزمان هجماته ضد الموظفين العرب الذين عينتهم الإدارة البريطانية لتسيير الأمور المحلية، ووصفهم بأنّهم أصحاب عقلية مُتخلفة، وفاسدون وغير أكفاء، وأنهم يميلون إلى تلقي "البرطيل"، وقال إنّ العربي محتال، في حين أنّ نوعية اليهودي أفضل، وأنه متفوق على العربي، وأن الإدارة البريطانية قد حطّت من مكانة اليهودي لصالح العربي. وهكذا أصبح وايزمان في جبهة معادية لمحاولات بريطانيا تنظيم العلاقات بين العرب واليهود في هذه المرحلة. ويمكننا تفسير هذه المحاولة بأنها خطوة نحو ابتزاز سياسي يمارسه وايزمان تجاه الإنكليز، مقابل عدم التشهير بهم، أو كسب وده لئلا يقعوا فريسة للسانه68. ويرى وايزمان أنّ مشكلة العلاقات بالعرب اقتصادية وليست سياسية، ويرى ضرورة توجيه العرب إلى مثلث مكة، ودمشق، وبغداد؛ طبعًا لأجل حرف نظرهم عن فلسطين وإبعادهم عنها. فما مقاصد وايزمان من رسالته المطولة؟ إن الهدف الأساسي يتمحور حول دفع السياسة البريطانية إلى تغيير موقفها الجوهري ونهجها الفعلي. وأنّ احتلال القدس ليس بهدف الاحتلال ذاته بقدر ما هو إحداث تغيير فيها؛ أي إحداث تغيير لخلق واقع يؤسس للوطن القومي اليهودي. ولكونه زعيمًا للصهيونية العملية فقد اقترح: ӵ ӵ تأسيس الجامعة العبرية وتخصيص أرض لها. تسليم حائط المبكى لليهود، وهو أقدس الآثار اليهودية بحسب مزاعمه. نقل الأراضي الجنوبية في فلسطين إلى أيدي صهيونية لكونها غير مأهولة، وتعويض من يسكن فيها. نلمس من هذا أنه يدفع بالمشروع الصهيوني إلى نقطة متقدمة عمّا كان يفكر فيه العسكريون والسياسيون الإنكليز في هذه المرحلة. وقد كان تفكيره وتخطيطه وطرحه لهذه الاقتراحات ضمن الهدف الجوهري؛ وهو تأسيس حالة الوطن القومي اليهودي، كي لا تكون رجعة عنه. إزاء هذه الاقتراحات أرسل كلايتون تقريرًا إلى بلفور، في 16 حزيران/ يونيو 1918، قبل أن يرد بلفور على وايزمان، وأهم نقاطه:
Walid Khalidi (ed.), From Haven to Conquest: Readings in Zionism and the Palestine Problem until 1948 (Beirut: Institute for Palestine Studies, 1971), p. 189.
تأجيل أي نشاط حتى تُقام إدارة مدنية بدلً من الإدارة العسكرية الحالية. السعي لترويض مواقف العرب وآرائهم من التصريح على نحو تدريجي. ولتخفيف حِدّة معارضة وايزمان ونقده اللاذع، وافق كلايتون على فكرة إقامة جامعة عبرية وتحويل أراضٍ مهملة أو مزروعة جزئيًا. وهذه خطوة سهلة وليست صعبة69. في حين أنّه رأى في اقتراح نقل ملكية حائط المبكى أمرًا في غاية الصعوبة، وهناك معارضة إسلامية ليست فقط من المفتي، بل من الرأي العام. أرسل بلفور رده إلى وايزمان بعد اطلاعه على رسالته وعلى تقرير كلايتون، وذلك في 26 تموز/ يوليو 1918، مستجيبًا لفكرة إقامة جامعة وموصيًا بألّ تتخذ أي خطوة تتعلق بحائط المبكى، بل أن تكون مسألته تدريجية. أمّا مسألة الأراضي، فيرى ضرورة تأجيلها إلى وقت لاحق لحساسيتها الكبيرة.
ثالثًا: محاولات الحركة الصهيونية التقرب من زعامة العرب
هل فشلت البعثة الصهيونية في تحقيق اختطاف سريع للرأي العام العربي والفلسطيني وفرض أمر واقع ميدانيًا؟ إن وصول البعثة، والحرب في سنتها الأخيرة، هو بيان لإصرار الصهيونية على تنفيذ التصريح. مقابل هذا التوجه، واجهت البعثة معارضة عربية وفلسطينية معًا. كما أنها واجهت معارضة من الإنكليز ميدانيًا؛ فهم على المستويين السياسي والعسكري ليسوا ضد البعثة؛ إذ إنّ مندوبين عنهم أعضاء فيها، ولكنهم أرادوا إنجاز المهمات بالتدريج، وعدم خلط الأمور. لهذا كانت محاولات الحكومة البريطانية منع وقوع صدام بين البعثة والعرب تهدف إلى نجاحها. ولهذا، فإن أسلوب تعاملها مع هذه المسألة كان لكسب تعاطف فيصل ووالده الشريف حسين؛ أي توجيه المسار السياسي للقاء بين الحركة الصهيونية ممثلة ببعثتها والحركة القومية العربية ممثلة بالهاشميين ومؤيديهم في الشرق70. كان الداعون إلى هذا اللقاء على المستوى العسكري ممثلين بكلايتون ولورانس وغور. وكانت محاولات هؤلاء ووايزمان أيضًا توجيه الرأي العام العربي والفلسطيني إلى مثلث النشاط القومي العربي في مكة ودمشق وبغداد، كما أشرنا؛ أي خلق حيّز جغرافي ليفانتيني (مشرقي) بعيد عن فلسطين، يجري فيه خلق روح قومية عربية71. لكن أين تكمن المشكلة مع الفلسطينيين؟ وكيف؟ يتم عزل الفلسطينيين عن الحركة العربية ومعالجة قضيتهم سياسيًا واقتصاديًا حتى لا يهتم بهم الزعماء العرب؟ كان الإنكليز غير متأكدين من موقف الشريف حسين من فلسطين، مع العلم أنه كان مستعدًا للاعتراف بحقوق اليهود بصفتهم مواطنين في بلاد العرب؛ كونهم جزءًا من النسيج السكاني، والترويج له في صحافة الموالاة (مثل جريدة القِبلة وهي لسان حال الشريف
58 F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 137853.
حسين)72. أما عن كيفية تنفيذ هذه الرؤية، فقد كان الاقتراح يقوم على تدبير لقاء يجمع بين وايزمان وفيصل في العقبة بحضور غور، وإذا تم الاتفاق بينهما فإنّ فيصل سينقل موقفه إلى الشريف حسين73. ويبادر كلايتون إلى التمهيد للقاء برسالة إلى فيصل يمتدح فيها صفات وايزمان، مبيّنًا أنه متعاون ومتفاهم ورجل سياسي واسع الآفاق. وأكد وايزمان أنّ مستقبل فلسطين يؤخذ من الحجاز. ولقاؤه مع فيصل كان مسألة مدروسة بدقة متناهية مع الإنكليز. ماذا اقترح وايزمان على فيصل؟ كانت فكرة وايزمان لاستمالة فيصل تكمن في مساعدته ووالده على إقامة مملكة عربية بمساعدة مالية وتنظيمية يهودية، وسيكون اليهود جيرانًا مساعدين، يوفرون له الحماية من الشمال (أي من شمال الحجاز). جرى اللقاء بين الاثنين، في 4 حزيران/ يونيو 1918، في معسكر قرب مدينة العقبة، وحضره العسكري البريطاني جويس (الذي قام بالترجمة) في حين لم يحضره غور بسبب وعكة صحية74. وكتب جويس تقريرًا جاء فيه أنّ الطرفين اتفقا على التعاون بينهما، وأنّ وايزمان سيعمل حال قيام الوطن القومي على مساعدة المملكة العربية وتطويرها76. في المقابل، عبّ فيصل عن عدم قدرته على بحث مستقبل فلسطين كدولة يهودية أو تحت إشراف بريطانيا؛ خوفًا من الدعاية الألمانية والتركية ضد موقف العرب. واقترح فيصل تأجيل المسألة إلى وقت لاحق. وفي هذا الموقف اعتراف ضمني بحقوق اليهود في فلسطين77. ولجذب فيصل، أظهر وايزمان قدرته على كسب ود أميركا لصالح الحركة القومية العربية. ما مكاسب وايزمان من لقائه هذا؟ إن اللقاء غير الرسمي بين زعيم الحركة الصهيونية وزعيم الحركة القومية العربية - إن جاز لنا تسميته هكذا - مكسب لوايزمان. أما الأمر الثاني فهو ترحيب فيصل باليهود؛ ما يُمهد لتحالف بين الشعبين79، حتى إن وايزمان كتب لزوجته مادحًا فيصل ومشددًا على أنّه - أي فيصل - مهتم بسورية وليس بفلسطين أو شعبها80. ما موقف الإنكليز؟ أظهر كلايتون تفاؤلً بأنّ فيصل قد قبِل بدولة يهودية؛ ما سيجعل بريطانيا تدعم مشروعه في سورية كما ستدعمه الحركة الصهيونية اقتصاديًا82. رأى كلايتون في لقاء زعيمي الحركتين حلً لمشكلة الحكومة البريطانية في تنفيذ وعودها بالنسبة إلى كلا الطرفين، وأنّ التنسيق بين أهداف الصهيونية وأهداف الحركة القومية العربية أمرٌ في غاية الصعوبة، لكنه ليس مستحيلً. أمّا الخطوة التالية، فكانت تنظيم لقاء بين وايزمان والشريف حسين. أمّا الطريق إلى ذلك، فهو من خلال أهمية دور اليهود في دعم دولته ضد تركيا. واقترح وايزمان على ريجينالد وينغيت Wingate Reginald أن يُخبر الشريف حسين بأنه إذا جرى اعتراف متبادل، فإنّ الصهيونية ستمده بالمساعدة المالية لإقامة مملكته في الحجاز، مع دعْمِ أماني العرب في أوروبا وأميركا.
64 Stein, p. 637.
66 F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 105824 ⁄ 27647.
رأى وينغيت أنّ هناك صدامًا بين الصهيونيين والسوريين في مسألة سلخ فلسطين عن سوريا، ولكنه يؤكد توافر الدعم المالي من جانب الصهيونية. في حين رأى سايكس أنّ أهداف وايزمان قد ذهبت إلى أبعد مما تمّ التخطيط له؛ إذ إنها تؤثر في شبكة العلاقات بين بريطانيا وفرنسا. فوايزمان ينظر بمنظار صهيوني وليس بمنظار المصالح البريطانية، أمّا سايكس فينظر إلى مصلحة بريطانيا85. وحدّد سايكس العلاقة البريطانية بالنسبة إلى الصهيونية بأن تحصل الصهيونية على فرصة جيدة في فلسطين وليس لأي مطمع آخر. وتحديده هذا يأخذ في الاعتبار حساسية العلاقة بفرنسا في سوريا. فالمصالح الفرنسية في سورية وفقًا لاتفاقية سايكس - بيكو؛ لهذا رأى سايكس أنّ النشاط الصهيوني يجب أنْ يبقى محصورًا في فلسطين وألَّ يتخطاها. عِلمًا أنّ السياسة البريطانية كانت تعمل على الانفراد بالسيطرة على فلسطين دون فرنسا. إلّ أنّ بيكو احتج على ذلك بالانسحاب من القيادة العسكرية مع الجنرال اللنبي عائدًا إلى بلاده في حزيران/ يونيو 191886. ولكن رأى سايكس أن تطور حركة فيصل سيُحسن علاقته بالصهيونية. وعندها ستقف الصهيونية إلى جانب فيصل في تأسيس دولته ودعمها. وقد شكلت إثارة اتفاقية سايكس بيكو قلقًا لوايزمان؛ لأنها تحول دون تحركه بحرية في المنطقة لضمان أوسع بشأن تطبيق التصريح.
رابعًا: اتساع دائرة المعارضة العربية وتجاوزها فلسطين
تضاربت الآراء والمواقف، العربية عامّة والفلسطينية خاصة، من مسألة العلاقات بين الصهيونية والعرب؛ فمن العرب الفلسطينيين من أراد توثيق هذه العلاقة؛ كأولئك الذين اشتركوا في وضع حجر الأساس للجامعة العبرية، في 24 تموز/ يوليو 1918، والصحافة الموالية مثل الكوكبوفلسطين (وهي الجريدة التي يصدرها الجيش البريطاني في بلاد العدو المحتلة)87، اللتين روجتا للاحتلال البريطاني ودوره في رفع المكانة الاقتصادية والاجتماعية للعرب؛ بمعنى آخر، دور الدعاية في الترويج ل: ӵ ӵ الاحتلال البريطاني بكونه مُنقذًا. ӵ ӵ العلاقات بالصهيونية وفوائدها. لكن الدعاية لم تنتصر، بل المقاومة والتصدي العربي خارج فلسطين، وفي مقدمتها الصحافة السورية في أميركا؛ كجريدة الهُدى، والشعب، ومرآة الغرب، التي أظهرت معاداة للحركة الصهيونية. وشدّدت جهات صهيونية وإنكليزية موالية لها على ضرورة مراقبة ما تنشره الصحافة. وكانت تتدخل في كل ما يُنشر، بل بلغ الأمر بمنع توزيع أحد أعداد جريدة الكوكبنشر فيه مقال غير مرغوب فيه. وعبّت جريدة المستقبلالصادرة في باريس عن معارضتها للمشروع الصهيوني، وهي مدعومة من الخارجية الفرنسية، وقامت بالرد على طروحات وايزمان لمستقبل فلسطين والمنطقة. وأظهرت الردود صحوة الفلسطينيين لما يُبيِّته المشروع الصهيوني، وفنَّدت مزاعم وايزمان بخصوص التعاون مع العرب لصالحهم أولً. وتعتبر هذه الصحافة مزاعم وايزمان افتراء، وتنادي بتنظيم مقاومة ضد محاولات الصهيونية غير البريئة إطلاقًا. وتلفت هذه
67 F.O. 371 ⁄ 3381 ⁄ 123863 ⁄ 146 F.
المقالات نظر العرب والفلسطينيين إلى عدم الاغترار بالمال اليهودي، وتوجّه دعوات إلى أهمية – بل ضرورة - دعم الجمعيات الإسلامية والمسيحية في فلسطين للصمود في وجه مشاريع الصهيونية. رأت الحكومة البريطانية أنّ مقال المستقبلخطر سيُعرقل سير العمليات الحربية في القسم الشمالي من فلسطين وبلاد الشام، وخصوصًا خلال المعارك الأخيرة ضد الأتراك والألمان، واعتبرته مقالً تحريضيًّا بامتياز. وجنّدت بريطانيا شخصيات سورية للرد على المقال باعتبار المقترحات الصهيونية مفيدة وإيجابية بالنسبة إلى العرب. وكان أبرز هذه الشخصيات حقي العظم، لكن دعواته لم تجد انتشارًا وإقبالً في أوساط العرب، بل تابعت الصحافة العربية هجومها على المشروع الصهيوني ومن يتفق معه. وعممّت الخارجية البريطانية أسماء الجرائد الممنوع وصولها إلى مناطق احتلالها، وخصوصًا منها العربية الصادرة في أميركا اللاتينية. أمّا في حدود فلسطين، فإنّ الأمور أخذت مسارًا أشدّ تعقيدًا؛ حيث ازدادت فجوة عدم الثقة بين الطرفين العربي والصهيوني. واشتد النقاش الداخلي بين السياسيين الإنكليز فيما إذا كانت الصهيونية ستلجأ إلى طريق سياسي لتحقيق أهدافها أم ستلجأ إلى الضغط، وهذا ما أكدّه سوكولوف ووايزمان. فالنقاش الداخلي بين هوغارت وأورمسبي غور كان في هذا الاتجاه؛ إذ اعتقد غور أنّ المسار السلمي هو الذي سيوجه الصهيونية، في حين اعتقد هوغارت أنّ الصهيونية ستلجأ إلى الضغط على الفلسطينيين. وقد جاءت مواقف الفلسطينيين من الحكومة البريطانية والمشروع الصهيوني واضحة في ما شرحه محمد القلقيلي، محرّر جريدة الكوكبالموالية لبريطانيا، في تقرير أرسله إلى الجنرال اللنبي قائد القوات العسكرية في فلسطين، بتاريخ 29 أيلول/ سبتمبر 1918. أوضح القلقيلي أنّ سوء الفهم القائم والقلق بين السكان تجاه الحكومة أساسه القضية اليهودية. وأشار إلى أنّ أمل السكان في أن تساعدهم الحكومة البريطانية في وجه الأتراك. وأشار أيضًا إلى شعور السكان بخيبة أمل من الإنكليز فور نشر التصريح، ومن إتاحة المجال للقيادات الصهيونية بالتحرك في مدن فلسطينية. مقابل المراقبة القوية البريطانية لما كان ينشره العرب، نشطت الدعاية التركية والألمانية في نقل صورة عن تأثير اليهود في الإنكليز، ومعاملة السكان المحليين بإهانة وقمع. وجدت بريطانيا نفسها أمام معضلة كبيرة جدًّا؛ فهي لا تريد التنازل والتراجع عن التصريح، وفي المقابل تريد التوفيق بين اليهود والعرب. ولكنّ العرب والفلسطينيين يرفضون ذلك.
خامسًا: مواجهة التصريح من هدنة الحرب إىل انطلاق مؤتمر فرساي
تمّ توقيع هدنة بين الحلفاء والأتراك، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1918. وبعد ثلاثة أيام، تمّ عقد مؤتمر الاتحاد الصهيوني البريطاني، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، وهو يوم الذكرى الأولى للتصريح. فبادر وايزمان إلى التصريح بما يلي: "أرض إسرائيل كلّها تحرّرت في الوقت الحاضر". وأضاف قائلً إنّ أحداثًا مهمة جدًّا ستحدث وستكون معقدة أكثر مِمّا لمسته البعثة الصهيونية، ولكنه يرى أنّ الظروف المحيطة ستكون إيجابية لإقامة الوطن القومي اليهودي. وقدّم وايزمان ورقة مقترحات إلى سيسيل روبرت (في 9 كانون الثاني/ يناير 1918)، وأبرز نقاطها:
75 F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 182871 ⁄ 11053. F
أن تبقى البعثة الصهيونية هيئة استشارية للسلطات البريطانية في كل ما يتعلق بأحوال اليهود. أن تسعى الحكومة لتشجيع مشاركة اليهود في الإدارة المحلية في فلسطين. الاعتراف باللغة العبرية لغة للشعب اليهودي في فلسطين.
أنواعها، وإعادة النظر في قوانين الأراضي، وتعديل ما يلزم وإرسال خبراء ري. ӵ ӵ مساعدة البعثة في إقامة علاقات مع العرب.
مهمات الإدارة المدنية، وليس العسكرية.
اليهود والعرب. وقد كان همّه التوفيق بين العرب واليهود، لكنه فشل في سياسته هذه.
أهو إقامة دولة يهودية أم ماذا؟
لأجل تحسين صورة الصهيونية، وتخفيف القلق والتوتر في أوساط الفلسطينيين.
رغائب السكان.
الأغلبية السكانية في فلسطين. تعيين لجنة أراضٍ يكون في عضويتها أعضاء من البعثة الصهيونية لتفحص تملّك الأراضي ومسحها ومراجعة سجلاتها وتصنيف
باختصار، "دولة داخل دولة". وإن "البعثة الصهيونية كانت تنمو بالتدريج لتصبح جهازًا يحمل شبهًا واضحًا لإدارة مستقلة قادرة على السيطرة على الإدارة القائمة". وجاء رد كلايتون بما يشير إلى عدم معارضته لها، ما عدا مسألة الأراضي التي اعتبرها من
أمّا رأي كلايتون، وكذلك سايكس، فكان متمثلً بعدم منْح اليهود مزيدًا من الامتيازات؛ ما قد يؤدي إلى مزيد من النزاع بين
في حين أدرك سايكس أنّ همّ اليهود هو معرفة حدود فلسطين ليقوموا بتطبيق التصريح، أراد العرب معرفة الهدف الصهيوني:
والسؤال: لماذا كان سايكس قلقًا من هذه المسألة تحديدًا؟ قلقه ليس لمصالح العرب، وإنما للمشروع الصهيوني؛ فهو لا يطلب من القيادة الصهيونية التنازل عن أي شيء، والإجابات ستكون في مؤتمر السلم. فنصيحة سايكس لوايزمان بزيارة أخرى لفلسطين، كانت
وعقدت البعثة الصهيونية مؤتمرًا لها في يافا، في كانون الأول/ ديسمبر 1918، بإذن من السلطات العسكرية، وقد كان موضوعه "وضع خطة الحكومة المؤقتة في فلسطين" و"اعتبار فلسطين وطنًا قوميًا يهوديًا، وأنْ يكون لليهود كامل الحق في تقرير شؤونه". وكان رد الفعل العربي تنظيم مؤتمر في القدس في مطلع عام 1919، والمطالبة بحكومة دستورية مستقلة استقلالً داخليًا تتجاوب مع لم يكتفِ وايزمان بزيارة فلسطين، بل طالب بريطانيا بمزيد من التنازلات لضمان التصريح. وأشار إلى رفضه قبول كومنولث داخل الدولة العربية السورية، بل إنه تمسّك بالتصريح. وعرفت المخابرات البريطانية بما يجول في أروقة الصهيونية، فأعلمه كلايتون بأهمية تجنّب أي خطوة قد تزيد من مخاوف العرب عشية الاستعداد لمؤتمر السلم. وطلب من وايزمان التحلّي بالصبر في التعامل مع
78 F.O. 371 ⁄ 3396 ⁄ 18287 ⁄ 11053.
81 Stein, p. 624 , 625.
مقابل سياسة المهادنة البريطانية، بادر وايزمان إلى تصعيد تحركاته استعدادًا للمؤتمر. فافتتح مكتبًا في باريس وشكّل الوفد الصهيوني للمؤتمر. أمّا العرب فمثّلهم فيصل الذي واجه صعوبات من فرنسا، وإهمالً مقصودًا من الإنكليز وضغوطًا من الصهيونية. ولكن الصوت الفلسطيني الوحيد الذي عبّ عن رأي الشعب الفلسطيني كان صوت الجاليات الفلسطينية في أميركا، وخصوصًا في المكسيك؛ إذ قدّم عدد من أبناء الجالية عريضة إلى السفارة البريطانية في العاصمة، ورسالة احتجاج إلى الرئيس ويلسون حول تسليم فلسطين لليهود، وأشاروا إلى نقاط ويلسون، وخصوصًا حق تقرير المصير. ومن ثم، رفض الادعاء المتمثل بأن لليهود حقًا تاريخيًا في فلسطين. واعتبرت العريضة أنّ اليهود من مكونات مواطني فلسطين، لكن الحكومة البريطانية لن تأبه لهذا الصوت المعارض واللافت. أمّا في الولايات المتحدة الأميركية، فتأسست "الجمعية الفلسطينية لمقاومة الصهيونية" في نيويورك. واللافت إرسال الجمعية رسالة إلى بلفور، في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، موقعة من مندوبي فلسطين، اعتبرت أن القضية الفلسطينية مصيرية. وفنَّدت الرسالة مزاعم الصهيونية المتعلقة بحقّها التاريخي، وعكست تمسُّك الفلسطينيين بأرضهم، ورفضهم لأي حكم غريب. واعتبرت الرسالةُ الصهيونيةَ حركةً متعصبة ومنغلقة على ذاتها، وطالبت بلفور بإتاحة المجال لإسماع صوتهم في المؤتمر، إلّ أنّه رفض، هو وخارجيته، هذا الطلب. طالبت الجمعية بالإبقاء على فلسطين جزءًا من سورية، وتأكيد حقوق اليهود بصفتهم مواطنين، لكن المعارضة البريطانية منعت إسماع صوت مغاير لتلك التي أرادتها من بين العرب. هنا، يمكن ملاحظة توجهين للصهيونية: الأول توجه سياسي لتطبيق إقامة دولة يهودية في فلسطين، والثاني يقوم على التعاون مع العرب لحذف موقعهم المعارض، ومن ثمّ سيطرة اليهود على فلسطين. ولمنع بروز معارضة عربية وفلسطينية للمشروع الصهيوني وللتصريح، روجت الدعاية الصهيونية فكرة قبول العرب بالدولة اليهودية، وأنّ العرب سيكونون جزءًا منها بقبولهم قوانينها. وفي هذه الدعاية توجه استعماري صرف بتحويل السكان الأصليين إلى مواطنين لنظام دولة عرقي. تتمثّل الإشكالية المركزية، خلال فترة الاستعداد للمؤتمر، في كيفية تحويل فلسطين إلى بلد يهودي وخلق دولة اصطناعية تُفرض على سكان معادين لها. وإنّ ما حاولت الصهيونية تصويره هو وجود فراغ سكاني في فلسطين، وأن المشهد العام هو تخلُّف سائد فيها، وأنّ الصهيونية لديها مشروع إنماء وتطوير يحول البلد إلى بلد حضاري، وأنّ حضور اليهود الغربيين بصفتهم مستوطنين سيخلق واقعًا مغايرًا. اعتقدت الصهيونية أنّ تطبيق مشروعها سيكون سهلً، وأنّ الحركة القومية العربية ستكون في حالة ضعف وسيتم توجيه نظرها نحو الحجاز والعراق وسوريا، وليس نحو فلسطين، وأنّ معارضة الفلسطينيين سيتم امتصاصها ماليًا. لكن تبيّ أنّ المعارضة غير محصورة في الأفندية والوجهاء، بل بالعكس؛ بين الشعب. وعشية افتتاح مؤتمر السلم، حصل تجاهل مقصود من بريطانيا للعرب، بينما توافقت مصالحها مع الصهيونية في فلسطين. لقد كان التحالف قويًا بين الصهيونية وأعظم قوة في العالم في ذلك الوقت ضد شعب أعزل وفقير.
83 The Palestine Antizionism Society. 84 F.O. 371 ⁄ 3420 ⁄ 206456 ⁄ 205922 F.
خلاصة
واجهت القيادة العسكرية البريطانية وضعًا حسَّاسًا في فلسطين وسورية إزاء عدم وضوح السياسة البريطانية تجاه مستقبل فلسطين والبلاد العربية، وإزاء تزايد القلق العربي والفلسطيني من إصرار البعثة الصهيونية برئاسة وايزمان على تنفيذ التصريح. وساد شعور لدى القيادة العربية بأن بريطانيا تنكث عهودها، وأنها ماضية في تطبيق التصريح. مقابل ذلك دار نقاش سياسي خلال عام بداية من نشر التصريح حتى افتتاح مؤتمر السلم. كان التوجه البريطاني هو تقريب وجهات نظر الطرفين العربي واليهودي للتعاون بينهما، لكن كل طرف كان متمسكًا بمواقفه، وشكوكه. كانت محاولات بريطانيا عبارة عن مناورات سياسية وميدانية لتسيير أمور فلسطين والبلاد العربية المحيطة حتى تضع الحرب أوزارها. ولما انتهت الحرب، تبدل سلوك بريطانيا، وأصبح لصالح الصهيونية، وتطبيق التصريح.
المراجع
العربية
أنطونيوس، جورج. يقظة العرب. بيروت: دار العلم للملايين، 1978.
• أوراق المكتب العربي في القاهرة: 14 ⁄ 882. O. F.
الحروب، أحمد. "دور الجمعيات الإسلامية - المسيحية في الحركة الوطنية الفلسطينية في الفترة ما بين 1918 - 1931 ". رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة النجاح. نابلس، فلسطين، 2001.
خلة، كامل محمود. فلسطين والانتداب البريطاني 1922 - 39 19. بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 1974.
العويسي، عبد الفتاح. جذور القضية الفلسطينية (1799 - 1922). الخليل: دار الحسن، 1992.
فرومكين، دافيد. سلام ما بعده سلام؛ ولادة الشرق الأوسط 1914 - 1922. لندن: دار رياض الريس، 1992.
قاسمية، خيرية. النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه. بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1973.
الكيالي، عبد الوهاب. تاريخ فلسطين الحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 1985.
منسي، محمود. تصريح بلفور. القسم الثاني. بيروت: دار الفكر العربي، 1970.
المهتدي، عبلة. القدس والحكم العسكري 1917 - 1920. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات، 2003.
الهنيدي، سحر. التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي: فترة هربرت صموئيل 1920 - 1925. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.
الأجنبية
References
• Arab Bulletin (30 ⁄ 4 ⁄ 1918).
• F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 137853.
• F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 105824 ⁄ 27647.
• F.O. 371 ⁄ 3381 ⁄ 123863 ⁄ 146 F.
• F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 182871 ⁄ 11053. F.
• F.O. 371 ⁄ 3396 ⁄ 18287 ⁄ 11053.
• F.O. 371 ⁄ 3420 ⁄ 206456 ⁄ 205922 F.
• F.O. 371 ⁄ 3398 ⁄ 92392.
• F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 98470 ⁄ 11053.
• F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 100176 ⁄ 11053.
• F.O. 371 ⁄ 3395 ⁄ 98470 ⁄ 11053.
• F.O. 371 ⁄ 3054 ⁄ 235780.
• F.O. 371 ⁄ 3398 ⁄ 27647.
• F.O. 311 ⁄ 3062 ⁄ 228698.
• F.O. 371 ⁄ 3054 ⁄ 235200 ⁄ 34175 F.
• F.O. 371 ⁄ 3398.
• Khalidi, Walid (ed.). From Haven to Conquest: Readings in Zionism and the Palestine Problem until 1948.
Beirut: Institute for Palestine Studies, 1971.
• Stein, Leonard. The Balfour Declaration. London: Vallentine-Mitchell, 1961.
• Wasserstein, Bernard. The British in Palestine, the Mandatory Government and the Arab Jewish Conflict, 1917-
19 29. Oxford: Blackwell publishers, 1991.
• Storrs, Ronald. Orientations. London: Nicholson & Watson, 1937.
• Yehoshua Porath. The Emergence of the Palestinian - Arab National Movement , 1918-19 29. London: Cass, 1974.