العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الفرنسية الإسلامية ودورها في العمل الوطني في المغرب (1921-1956)

جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الفرنسية الإسلامية ودورها في العمل الوطني في المغرب (1921-1956)

French Islamic School Alumni Associations and the Moroccan National Movement (1921-1956)

إلياس فتوح*Ilyas

Foutouh

الملخّص

حضرت جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الفرنسية الإسلامية حضورًا خافتًا في الكتابات التاريخية المغربية المختلفة، ويعود ذلك إلى شح مصادر الموضوع، أو إلى الاهتمام بالوقائع والمؤسسات السياسية أكثر من الاهتمام بـالمؤسسات الجمعوية. وحتى رواد الحركة الوطنية الذين عايشوا حدث الاستعمار الفرنسي وشاركوا في تطور العمل الوطني، لم يتعرضوا لهذا الموضوع إلا لمامًا، في معرض الحديث عن حدث تاريخي معين، باستثناء محمد حسن الوزاني الذي أفرد في مذكراته مذكرات حياة وجهاد صفحات لهذه الجمعيات وغيرها. من هذا الإشكال كان المنطلق. أما الهدف، فهو إبراز دور جمعيات قدماء تلاميذ المؤسسات التعليمية الفرنسية الإسلامية المغربية في العمل الوطني، باعتبار أنها كانت آلية من آليات الاستقطاب والتأطير والتنظيم لدى النخبة المغربية، وإظهار أهمية الممارسة الجمعوية في المغرب زمن الاستعمار، على الرغم من جنينية هذه المؤسسات في المجتمع. وأشار ذلك إلى نشوء مجتمع مدني حديث، بمؤسسات بدت كأنها تعوض تلك التقليدية التي طبعت حياة المغاربة في فترات طويلة من تاريخهم. ومن هنا نتساءل عن كيفية نشوء العمل الجمعوي في المغرب؟ وكيف سخّره المغاربة لخدمة العمل الوطني؟

Abstract

Islamic Alumni Associations have been little discussed in Moroccan historiography, either because of a scarcity of sources or because writers have been interested more in events and political institutions than associational organizations. Even the pioneers of the national movement who witnessed French colonization and participated in the development of the national movement only mentioned this topic in passing, in reference to particular historical events, with the exception of Muhammad Hassan al-Wazzani, whose memoir Life and Jihad dedicates many pages to these associations. This is the problematic the study sets off to address, seeking to highlight the role played by associations of alumni of Francophone Moroccan Islamic educational institutions in the nationalist movement. These associations formed a mechanism for recruitment and organization of the Moroccan elite. It also shows the importance of associational practice in colonial Morocco, despite the embryonic nature of these associations in society, indicating the emergence of a modern civil society of institutions seeming to compensate for those that had characterized Moroccan life for much of its history. It then asks how associational activity emerged in Morocco and how it was used by Moroccans to serve the national movement.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الحركة الوطنية
  • المجتمع المدني
  • الحماية الفرنسية
  • جمعيات قدماء التلاميذ
Keywords:
  • Morocco
  • French Protectorate
  • Alumni Associations
  • Civil Society
  • National Movement

مقدمة

لا مراء في أن الحركة الجمعوية في البلدان المستعمَرة، الأفريقية والآسيوية، على السواء، ارتبطت، منشأً وسيرورة، بنظيراتها في البلدان المستعمِرة الأوروبية، على وجه الخصوص، إذ أدى الاحتكاك بالجماعات المعمِّرة الحريصة على إعادة إنتاج النموذج الأصل في بلدان الاحتضان إلى وقوف المستعمَرين على مزايا العمل الجمعوي، ونصيبه في الارتشاف من قيم المدنية الغربية، وما يمنحه من شحنات تؤهل للمطالبة بالاستقلال وتحقيق الاندماج1. ويرى بعض الباحثين الذين اهتموا بالظاهرة في إفريقية أن العمل الجمعوي كان من العوامل الحاسمة التي أدخلت المجتمعات التقليدية (المتخلفة) في مسلسل الفصل بين ما هو ديني وما هو مدني (سياسي)، الأمر الذي ترتب عليه، على نحو طبيعي، حصول خلل في المعادلة التقليدية المؤطرة للمجتمع. إن اقتحام العمل الجمعوي للمجال العام قلّص، وأحيانًا حدّ، من فعاليات المؤسسات التقليدية التي كانت في السابق مسؤولة عن تحقيق التوازنات الاجتماعية، وهي مؤسسات كانت في أغلبها تستمد مرجعياتها من الدين والخدمة الروحية2. والمؤكد أن الاستعمار خلق، من غير قصد، دينامية داخلية، جعلت المؤسسات المحلية تنتقل من طور الإطارات التقليدية المتحكَّم فيها بروابط العصبية والنسب والمصاهرة، إلى طور البحث عن إطارات قبل حداثية، ترتكز على الانفتاح وحسن التدبير والحكامة والمردودية والمحاسبة وتناوب النخب3. لم تكن البلاد المغربية في منأى عن هذه التطورات التي حدثت في البلدان المستعمَرة، فقد نشأت الجمعيات بين الأهالي عن طريق الاحتكاك بالمستعمِرين، فرأوا في هذه التنظيمات الحديثة القدرة على تحقيق آمالهم في التنظيم والوحدة بينهم، والمشاركة الفعلية في الحياة اليومية، والدفاع عن قضايا الأمة الواقعة تحت الاستعمار. ومن بين هذه الجمعيات نجد جمعيات قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية التي تمتعت بدعم كبير من إدارة الحماية الفرنسية، قبل أن ينشأ، بعدئذ، صراع حولها بين سلطات الحماية والنخبة المغربية. فكيف نشأت جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الفرنسية الإسلامية المغربية؟ وما أهم أوجه الصراع بين الحماية وممثلي هذه الجمعيات؟ وكيف وظفتها النخبة الوطنية في العمل الوطني لمصلحتها؟

أولً: جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الفرنسية الإسلامية: دواعي التأسيس

أُسست جمعيات قدماء تلاميذ المؤسسات التعليمية الفرنسية الإسلامية في المدن المغربية الكبرى، بإيعاز من سلطات الحماية الفرنسية. ومن تلك الجمعيات: جمعية قدماء تلاميذ الثانوية الإسلامية مولاي إدريس في فاس التي أ سست في عام 1921، وجمعية قدماء مدرسة أبناء الأعيان في الدار البيضاء في عام 1922، والنادي الأدبي الإسلامي لأبناء الأعيان في سلا في عام 1927، وجمعية قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية الابتدائية في مراكش في عام 1929، وجمعية قدماء تلاميذ الثانوية الإسلامية في الرباط في عام 1930، وجمعية قدماء المدارس الإسلامية الابتدائية في مكناس في عام 1931، وجمعية قدماء تلاميذ الثانوية البربرية في أزرو في عام41942.

  1. Michèle O. Deye-Finzi, Les associations en ville africaines: Dakar-Brazzaville (Paris: L’Harmattan, 1985), p. 2.
  2. Ibid., pp. 31  -  34.
  3. Ibid., p. 28.
  4. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, des Beaux-Arts et des Antiquités au Maroc, au Directeur des Affaires Indigènes, "Note au sujet des associations d’anciens élèves des établissements scolaires d’enseignement musulman," 16 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435 , p. 1.

لقد هدفت الحماية من وراء تأسيس مثل هذه الجمعيات، واشتغالها في الأوساط المغربية، إلى القيام بعمل الدعاية لمحاسن التعليم بين المغاربة، وتحسين الوضع المادي والمعنوي للتلاميذ وقدماء تلاميذ المؤسسات التعليمية الفرنسية الإسلامية، وجعلهم أمام أعين فرنسا، وتحت مراقبة سلطة إدارتها5. كما بيّنت ذلك القوانينُ المنظمة لهذه الجمعيات التي اعتُف عبرها بعضوية مدير المؤسسة مستشارًا تقنيًا لها6، الأمر الذي يجعلها مراقَبة على الدوام من طرفه. ويقول محمد حسن الوزاني في هذا الصدد: "وفرض عليها [أي جمعيات قدماء التلاميذ] الرقابة، بجعل مدير المدرسة الثانوية ’مستشارًا فنيًا‘، له حق الحضور في الجلسات، وتناول الكلام فيها، لإبداء ’مشورته الفنية‘، وهي ترمي إلى حصر نشاط الجمعية في نطاق قوانينها، والعمل على تطبيق ما تصدره إليه إدارة الاستعلامات السياسية من توجيهات وتعليمات، إذ كان في الحقيقة ممثلها تحت ستار ’الاستشارة الفنية‘. ولكن الجمعية تعمل برأيه وإيحائه إذا ما اشتمت فيها رائحة التدخل السياسي، أو ظهرت عليها سمات العرقلة، وهو ما كان يبدو في أغلب الأحيان، إن لم يكن في كل الأحيان، لأن المستشار كان أداة الإدارة السياسية، وأحيانًا كانت تقع بينه وبين الحاضرين مناقشات حادة، بل مشادات تؤدي إلى توتر العلاقات بين الجانبين"7. إن دور المستشار التقني هو ما حاولت الجمعيات تجاوزه مرارًا؛ للإفلات من الرقابة، وسنأتي على ذكر ذلك لاحقًا، وتتنصل، بحسب بنودها من حيث المبدأ، من أي عمل ديني أو سياسي8. غير أن جميع جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية تجاوزت الإطار المحدد لها سلفًا، وهُيئت من طرف الوطنيين لتكون آلية أولية لتكوين فرق توجه المغرب نحو الاستقلال. لقد استسلمت هذه الجمعيات في أحايين كثيرة لتحريض سياسي موجه ضد فرنسا، بحسب تعبير مديرية الداخلية9. ومن ناحية أخرى، تميز نشاط جمعيات قدماء التلاميذ بتنوع الاهتمام؛ فجمعية فاس فضّلت المسرح، وأنشأت فرقة ممثلين يرتحلون من مدينة إلى أخرى، عارضين مسرحياتهم، وناشرين هذا الفن، وحاصلين على عائدات مالية من وراء اهتمامهم ذاك. وجمعية سلا كانت ذات صبغة أدبية10، وجمعية الرباط اهتمت بالدروس المسائية11، وتنويع العرض التعليمي. أما جمعية الدار البيضاء، فنظمت محاضرات استهدفت قدماء التلاميذ، بشراكة مع جمعية المدرسة المهنية، واختصت جمعيتا مكناس ومراكش بمساعدة التلاميذ المعوزين12.

  1. Direction de l’Intérieur, section politique, "L’Activité politique des associations d’anciens élèves des établissements d’enseignements franco-musulmans," [Sans Date], A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435 , p. 1.
  2. Le Directeur général de l’Instruction publique, p. 1.
  3. محمد حسن الوزاني، مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحريرية المغربية، ج 1: طور المخاض والنشوء (فاس: منشورات مؤسسة محمد حسن الوزاني، 1982)، ص 354.
  4. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, p. 1.
  5. Direction de l’Intérieur, p. 1
  6. عرفت بتنظيم كثير من المحاضرات، منها محاضرة حول تاريخ سلا، ألقاها الوزير محمد الناصري، إذ كان يحضرها مئتا شخص، ومحاضرات ألقيت مرة كل شهر، من مثيل: فضل التعليم في الكبر، والنهضة الأدبية العربية، وجامعة باريس في القرون الوسطى، ومحاضرة عبد الرحمن زنيبر حول السرطان، وكنه الحياة للمهدي بنعبود. وفي 19 آب/ أغسطس 1934 ألقى محمد صلاح ميسة، الأديب الجزائري، محاضرة عن تأثير الترجمة في اللغة العربية، ومحاضرة لمحمد الفاسي، رئيس جمعية طلبة شمال إفريقية المسلمين، حول الرحالة ابن بطوطة، ومحمد بن الطيب عواد عن مسألة تعليم البنات في المغرب في أيلول/ سبتمبر 1935، انظر: محمد بنعياد، طريق الحرية: التاريخ الصغير لمدينة سلا: أيام كفاح الملك والشعب، 1912  -  1956 (الرباط: مطبعة شالة، 1986)، ص 60؛ نجاة المريني، " فعالية الحركة الثقافية في الحركة الوطنية في سلا (1925 - 1950 ")، في: مجموعة مؤلفين، الحركة الوطنية بمدينة سلا: النشأة - الرواد - الخصوصية، مائدة مستديرة 7  -  8 مارس 2003 (الرباط: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2004)، ص 57؛ Kenneth Brown, Les gens de salé, les slawis: Traditions et changements de 1830 à 1930 , préface de Mohammed Naciri (Casablanca: Eddif, 2001); M’hammed Aouad & Maria Awad, Les Trente Glorieuses ou l’âge d’or du Nationalisme marocain 1925 - 1955 , Témoignage d’un compagnon de Mehdi Ben Berka (Rabat: Imprimerie Al Maarif Al Jadida, 2006), pp. 42  -  43.
  7. كان يحضر هذه الدروس 250 تلميذًا موزعين على خمسة أقسام، يقوم بها أساتذة من إدارة العلوم والمعارف، وشملت حتى فئة غير المتمدرسين من التجار والحرفيين وغيرهم، انظر: "المشروعات الإصلاحية"، مجلة المغرب، السنة 3، العدد 7 (كانون الأول/ ديسمبر 1934)، ص 20.
  8. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, p. 3.

إضافة إلى هذا، مارست جمعيات قدماء التلاميذ دورًا مهمًا في حياة الشباب المتعلم، عبر تنظيمه وتوجيهه في المجال العلمي والأدبي والثقافي، عن طريق إلقاء محاضرات13، والتدريب على التمثيليات14. وتجسد هذا الأمر في محاربة أفكار الشيوخ، بتشجيع الفتيات على التمدرس، والدعوة إلى إصلاح النظام التعليمي، بمطالبة مديرية التعليم العمومي ببرنامج للتعليم متوج بدبلوم، تمخّض عنه إحداث شهادة التعليم الابتدائي للفتيات المسلمات في عام 194215. وعملت هذه الجمعيات على تشييد العديد من المدارس الحرة16، وعلى مساعدة الطلبة، سواء داخل المغرب أو خارجه. وعلى المستوى الفني، اهتمت أكثر بالفن المسرحي؛ لما يتيحه من فرص اللقاء والتواصل مع الجماهير العريضة، وإن كان هو الآخر خاضعًا للرقابة والمنع في أحايين كثيرة. والأكيد أن الأعمال المسرحية17التي قدّمتها الجمعيات التلاميذية، بواسطة فرقها المسرحية، توزعت على محورين: محور الوطنية ونفخ الروح القومية، والتذكير بأمجاد الماضي، وأعمال الأسلاف العظام، كما جاء في عدة مسرحيات ("صلاح الدين الأيوبي"، "هارون الرشيد"، "فتح الأندلس"، "المنصور الذهبي"، "الوليد بن عبد الملك"، "في سبيل التاج")، ومحور الدعوة الإصلاحية، والتنديد بالجهل والخرافة، والحث على العلم والتعليم الذي لم يكن ينفصل عن العمل الوطني، مثل ("أدب العلم ونتائجه"، "بالعلم ينتهي الفساد"، "طرطوف)"18 وهنا

  1. من المحاضرات التي ألقيت في جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس في فاس، نجد محاضرات لمحاضرين فرنسيين، كمحاضرة هاردي حول المدخل لدراسة التاريخ المعاصر، ومحاضرة فينون في عناصر علم الاجتماع، ومحاضرة ماسينون في الرجال والأفكار، وسائل اجتماعية إسلامية، ومحاضرة بلونديل في الحالة الاقتصادية والمالية لأوروبا في ربيع 1924، ومحاضرة روشيط في العلوم الطبيعية، وأخرى من تقديم محاضرين مغاربة، كمحاضرة عبد الله الفاسي في رحلة إلى فرنسا، ومحاضرة النظام الإداري في القرن الأول من الإسلام لعبد الحي الكتاني، ومحاضرة التربية والتعليم لعلي زكي وغيرها. وكلها كانت في إطار نادي المسامرات التابع للجمعية. ولم تقتصر على التلاميذ، بل حضرها عامة الجمهور من المثقفين، وقد بلغ عددهم أحيانًا 500 شخص، انظر:لوزاني ا، ص 277 - 279؛ عثمان أشقرا، في سوسيولوجيا الفكر المغربي الحديث (الدار البيضاء: عيون المقالات، 1990)، ص 90  -  91. أما جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف، فكانت تنظم محاضرات أسبوعية عامة، يقوم بها أحد الأعضاء مساء السبت من كل أسبوع، وإلقاء محاضرة أدبية أو علمية مرة في الشهر، من إنجاز ذوي العلم والاطلاع. انظر: "يوم للأدب بالمغرب"، مجلة المغرب، السنة 2، العدد 17 (شباط/ فبراير 1934)، ص 9.
  2. أبو بكر القادري، المجاهد محمد اليزيدي ضمير حزب لاستقلال ورجل الصدق والوفاء والوطنية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999)، ص 13  -  14.
  3. محمد عمراني، "قضايا التعليم والحركة الوطنية من خلال بعض الكتابات المعاصرة"، في: مجموعة مؤلفين، التعليم والحركة الوطنية بالأطلس المتوسط خلال فترة الحماية وحضور تاريخ المقاومة وجيش التحرير في الكتاب المدرسي (الرباط: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2007)، ص 161.
  4. حاولت جمعية قدماء تلاميذ الثانوية الإسلامية مولاي إدريس في فاس إنشاء مدرسة لتعليم البنات في عام 1923. غير أن المجلس البلدي لمدينة فاس أوقف المشروع؛ لما لاحظه من نزوع الجمعية إلى الخروج عن النمط التعليمي الفرنسي. لكنها تمكنت من تأسيس مدرسة باب الحديد في عام 1938؛ لإدماج بنات قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس في سياق أضحى فيه تأسيس المدارس الحرة أمرًا مباحًا، انظر: عمراني، ص 161؛ Daniel Rivet, Le Maroc de Lyautey à Mohammed V: Le double visage du Protectorat (Casablanca: Editions Porte d’Anfa, 2004), p. 271.
  5. من المسرحيات التي مثّلتها فرقة جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس رواية صلاح الدين الأيوبي في عام 1927، ورواية انتصار البراءة لمحمد الزغاري، ومسرحية أميرة الأندلسلأحمد شوقي التي عُرضت في مراكش في آب/ أغسطس 1933، ومُنعت في طنجة في عام 1935، بعد تدخّل ممثل إسبانيا في طنجة، ومُنعت تمثيلية "طرطوف" التي عرّبها المهدي المنيعي، رئيس الجمعية؛ لأن عبد الحي الكتاني، أحد الشيوخ التابعين للحماية، اعتبر نفسه المقصود بالمسرحية. ومثلت مسرحيات أخرى في الدار البيضاء والرباط. وكانت فرقة التمثيل مؤلفة من محمد التازي، ومحمد الزغاري، وعبد السلام التويمي، وعبد القادر بن جلون، وحماد بوعياد، والمهدي المنيعي، والغالي الشدادي، ومحمد الخلطي، والعربي قصارة، والمهدي بن سليمان، ومحمد بن الشيخ، ومحمد الميسوم، ومحمد بن الحسن بوطالب، وأحمد الودغيري، انظر: عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية الحرب الريفية إلى بناء الجدار السادس في الصحراء، ج 1 (الرباط: مطبعة الرسالة، 1987)، ص 40؛ الوزاني، ص 388 - 389؛ "رواية أميرة الأندلس وتمثيلها بالحمراء"، مجلة المغرب، السنة 2، العدد 12 (أيلول/ سبتمبر 1933)، ص 11؛ Robert Rezette, Les Partis politiques marocains , préface de Maurice Duverger (Paris: Armand Colin, 1955), p. 77. في سلا أنشئت فرقة للتمثيل في عام 1928، بإدارة عبد اللطيف الصبيحي، وأعضاؤها هم: عبد الرحمن بن الطيب عواد، وعبد السلام عواد، ومكي بن علي عواد، وعمر بن عبد الله عواد، وعمر بنالي، وعبد الكريم بوعلو، وعبد القادر بوزيد، ومحمد شماعو، وعبد الكريم حجي، وعبد اللطيف حربات، وقاسم حصار، ومحمد زمزمي جعايدي، والعربي معنينو، ومحمد ملاح، ومحمد المريني، وعبد الكريم صبونجي، وأحمد الصفار، ومهدي زنيبر، وعمر زنيبر. وقد مثلت عددًا من التمثيليات المسرحية في عدد من المدن المغربية؛ سلا، والرباط، والدار البيضاء، وفاس، والجديدة. وقدمت مسرحية "الرشيد والبرامكة" في حزيران/ يونيو 1928، في سينما النهضة في الرباط، ثم في وقت لاحق في الدار البيضاء، و"وفاء العرب"، و"طارق بن زياد"، ومسرحيات كوميدية لموليير، ومثلت مسرحيات في عيد العرش، مثل "في سبيل التاج" في عام 1927، و"بلال يعذب" في عام 1945، انظر: بنعياد، ص 60 - 61؛ المريني، ص 57؛ Aouad & Awad , Marge 33 , pp. 40 - 42 ; Brown, p. 259. في الرباط مُثلت مسرحيات، من قبيل ": رواية الصحراء " في عام 1936، و"غفران الأمير للأب الرحماني" في عام 1935 في مسرحرويال، حيث أدى أدوارها السيتل العيساوي، وأحمد بن غبريط، والطيب بنونة، والعربي ملين، والمهدي بن بركة، وأبو بكر حجي، انظر: "جمعية قدماء اليوسفية"، مجلة المغرب، السنة 5، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر -تشرين الأول/ أكتوبر 1936)، ص 16؛ "جمعية قدماء اليوسفية"، مجلة المغرب، لسنة ا 3، العدد 8 (كانون الثاني/ يناير-شباط/ فبراير 1935)، ص 24  -  25.
  6. أشقرا، ص 121.

يشير روبير ريزيت بقوله: "من بين أهم المنظمات الموازية لكتلة العمل الوطني، نجد جمعيتي قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس بفاس، ومولاي يوسف بالرباط، اللتين كانتا على اتصال مباشر بكتلة العمل الوطني، حيث عملتا على تطوير العمل المسرحي الذي استغلتاه من أجل الربط بين أعضاء الكتلة الذين ينتمون إلى مدن مختلفة من المغرب، فرؤساؤها وأغلب أعضاء مكاتبها كانوا من المنتمين إلى التيار الوطني"19. وحول هذه الأعمال المسرحية، نجد مراسلة سرية صادرة في 16 شباط/ فبراير 1929، أوردها محمد حسن الوزاني في مذكراته، جاء فيها: " إن الشباب يلتزمون الحيطة والحذر، وينتشون بما يحققونه من انتصارات، فينعزلون في هيئاتهم، ويستعملون بعض الشخصيات التي ظلت محايدة في الصراع بين المجددين والمحافظين؛ للوصول إلى إقامة تحالف بين جميع المتعلمين المسلمين، على أساس المصلحة العليا للوطن، وهؤلاء المحايدون هم بالضبط الذين قاموا بدور فعال في تنظيم المسرح المغربي، وشجعوا بدراهمهم ونصائحهم الفنانين الهواة من الشباب، وتتبعوا باهتمام التمثيليات المسرحية العربية، وهذا ما تنبأنا به، فإن التصالح بين المجددين وخصومهم سائر في التحقيق بل في طريق التحقيق، وسيتم في مجال الفنون والأدب، وهؤلاء الذين شاهدناهم في فاس والرباط والدار البيضاء يرتقون الخشبة، وهم في أزياء أوروبية، قد أصبحوا يصدرون اليوم نشرة لجمعيتهم، ويعقدون اجتماعات لدفتر المطالب، ويتطلعون إلى ارتقاء المناصب العليا في المخزن المركزي، ويطمحون إلى أن يكونوا قادة الشعب المغربي"20. ويؤكد مثل هذا الكلام استغلال النخبة المغربية للجمعيات التلاميذية، في إطار العمل الثقافي والفني؛ لأجل خدمة القضايا الوطنية، واعتمادها تنظيمًا أول؛ إذ كانت عبارة عن تنظيمات تمرّسوا فيها على التنظيم قبل إنشاء الأحزاب السياسية. وبطبيعة الحال، احتاجت هذه النشاطات مجتمعة إلى مصادر التمويل التي لم تكن قارة، وكانت غير منتظمة؛ لهذا، استعانت هذه الجمعيات بموارد مختلفة، منها: هبات أغنياء المسلمين، وتمثيل قطع مسرحية لفائدة الجمعية، وكل الأعطيات التي تُوقف على الجمعية اعتباريًا بحسب المكانة الاجتماعية للمانح، وتحصيلً للأجر الإلهي21. ومهما يكن، اعتبُرت جمعيات قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية بمنزلة اتفاق مميز بين فرنسا وأعضاء تلك الجمعيات، ممزوج بحماسة الشباب للحدث؛ لذا، وجدت السياسة النخبوية الفرنسية في المنتمين إليها مساعديها الجيدين، بحسب تعبير بول مارتي Marty Paul22. وهو ما أكده نوغيس Noguès في تقرير له حول جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس، بقوله: "إنهم يمثلون [أعضاء جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس] عنصرًا متميزًا عبره توجّه سياستنا الشباب بشكل مفيد"23. كان واضحًا أن الهدف هو مراقبة الشبان وإدماجهم في منظومة القيم الفرنكوفونية، وإبعادهم عن كل ما هو أصيل، وجعلهم واسطة بين الشبان الآخرين في الدعاية للسياسة الفرنسية. لكن انقلب الأمر لمصلحة الوطنيين خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، فقد ظنت سلطات الحماية الفرنسية أن وجود مثل هذه الجمعيات بين الأهالي يخدم مصالحها، غير أن تلك الجمعيات سارت عكس ذلك تمامًا. لقد انطلقت طموحات الأطر المسيّة لها منفلتة من قبضة فرنسا؛ لتصير وعاء يخدم أهداف النخب الجديدة. فكيف حدث ذلك؟

  1. Rezette, p. 258.
  2. الوزاني، ص 367  -  369.
  3. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, p. 3
  4. M’barek Zaki, "Les Associations nationales d’étudiants de jeunesse et de sport de la période colonialiste," in: Nourddine El Aoufi (ed.), La société civile au Maroc: Approches (Rabat: Imprimerie El Maarif Al Jadida, 1992), pp. 110  -  111.
  5. William A. Hoisington Jr., L'héritage de Lyautey: Noguès et la politique française au Maroc 1936  -  19 43 (Paris: L’Harmattan, 1995), p. 95.

ثانيًا: فدرالية جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الإسلامية يف عام 1934: اتحاد مجهض

عرفت الحركة الجمعوية في المغرب تطورًا ملموسًا خلال ثلاثينيات القرن العشرين؛ بسبب التغيرات الكبرى في أوروبا (المد اليساري)، من جهة، ومن جهة أخرى، ما شهده المغرب من تنامي الوعي الوطني مع حملة الظهير البربري في 16 أيار/ مايو 1930، وتأسيس كتلة العمل الوطني في عام 1933، وإصدار كثير من الجرائد التابعة لها، مثل عمل الشعب. فنشأت في إثر ذلك موجة ثانية من جمعيات قدماء التلاميذ فجر عام 1930 في الرباط ومكناس ومراكش. لم يكن الخطاب الوطني في هذه الفترة متطورًا بعد، ليطالب بالاستقلال، لكنه كان ناضجًا بما فيه الكفاية للمطالبة بالإصلاحات العامة، ولا سيما إدماج "الأهالي" في النظام؛ للاستفادة من دينامية التطور. وفي السياق نفسه، فعّل الوطنيون دور جمعيات قدماء التلاميذ في مطالبهم الإصلاحية المتعلقة بالمجال التعليمي. لقد حمل عام 1933 تغييرًا تنظيميًا ملحوظًا، باتت فيه العناصر الوطنية في حركية دائمة؛ للاستحواذ على مكاتب24 أغلب جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية المتميزة ببسط سلطات الحماية يديها عليها. إنه عام الصراع بين الحماية ومن تصفهم بمسيّي جريدة عمل الشعب. وهذا ما تلخصه مذكرة صادرة عن مديرية الشؤون الأهلية في 6 آذار/ مارس 1934: "لاحظنا منذ أشهر عديدة، كما لاحظ من قبل السيد كوتلاند Cottland، تنامي نشاط جمعيات قدماء التلاميذ. لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار

  1. في عام 1934 أصبحت مكاتب جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية على النحو الآتي: جمعية قدماء تلاميذ الثانوية الإسلامية مولاي إدريس: الرئيس: المهدي المنيعي (مستخدم في البنك الإنكليزي)، نائبه: عبد الله بوعياد (مدير مطبعة)، الكاتب: أحمد بن إدريس بن بوشتى (محام)، مساعد الكاتب: جندي أحمد (مندوب "ممثل" تجاري)، الخازن: لحلو بن التهامي (تاجر)، المشرف على المكتبة: برادة عبد القادر بن عمر. جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف في الرباط: الرئيس: عبد الكريم بوهلال (تاجر)، نائبه: إسماعيل فرج (كاتب مترجم في المحافظة العقارية)، الخازن: الحاج محمد القباج (كاتب في المحكمة العليا الشريفية)، مساعد الخازن: محمد بوهلال (مستخدم في بنك الدولة)، الكاتب: عمر القباج، مساعد الكاتب: بن عاشر فرج (من دون مهنة)، الأعضاء: مولاي الطاهر الرفاعي (من دون مهنة، مكفوف)، وحسن بورقية (كاتب في مديرية الشؤون الشريفية.) جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان في سلا: الرئيس: عبد الكريم بوحلو، نائبه: الحاج محمد عواد، الكاتب: محمد المريني، مساعد الكاتب: أبو بكر القادري، الخازن: عبد الله الزاوي، مساعد الخازن: محمد حجي، المشرف على المكتبة: محمد الصابونجي، المعاونون: عمر عواد، وعمر علي الدكالي، وأحمد حصار، ومحمد حصار. جمعية قدماء مدارس أبناء الأعيان لابتدائية في الدار البيضاء: الرئيس: محمد الدزيري (موظف)، نائبه: محمد بن جلون، الكاتب: محمد اليعقوبي (مستخدم في المحافظة العقارية)، مساعد الكاتب: أحمد الشرايبي (تلميذ في المرحلة الثانوية)، الخازن: عبد الله الدزيري، المشرف على المكتبة: عبد الوهاب بن جلون. جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان في مراكش: الرئيس: مولاي العربي بن الحسن العلوي، نائبه: مولاي عمر العلمي، الكاتب: عبد القادر المسفيوي (أستاذ في مدرسة بن يوسف)، مساعد الكاتب: محمد الطنجاوي، الخازن: محمد بنيس، مساعد الخازن: عبد الواحد تداني (مطبعي)، المعاونون: عمر الطنجاوي (مترجم في مكتب مراكش)، وعباس القباج (مترجم)، المشرف على المكتبة: محمد بن شقرون. جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان بمكناس: الرئيس: السنتيسي محمد (مترجم في مصلحة التخطيط)، نائبه الأول: السرغيني عبد الرحمن (محاسب في دار شالرو)، نائبه الثاني: بناني عمر ملاك، الكاتب العام: مولاي حسن المريني (مترجم في مصلحة التخطيط)، مساعد الكاتب: السنتيسي حميد (كاتب في الأحباس)، الخازن العام: السغيني محمد (مترجم بمصلحة التسجيلات)، مساعد الخازن: التراب حسن (مستخدم في مصلحة التخطيط)، المعاونون: إدريس علمي (تاجر)، وعبد الرحمن الصفار (تاجر)، والتراب حسين (طالب طب في فرنسا)، وبوتريكة إدريس (تاجر). انظر: Le Directeur Général de l’Instruction Publique, pp. 7  -  20.

أن توجهاتها الظاهرة ليست سليمة. فبفاس أسفرت انتخابات مكتب جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس عن قيادة محرري ’عمل الشعب‘ لها، وترؤسها من قبل المنيعي الذي يعتبر شخصًا مشبوهًا. وبمراكش خرجت الجمعية من فتورها، وعلى الرغم من التصريحات المؤكدة على ولائها لنا، فإنه ليس من المستحيل ألا تستقبل الأوامر من جمعية فاس. وبالرباط الرئيس الذي كان موظفًا وفيًا، استبدل بتاجر أكثر استقلالية عن السلطة، وذي توجهات وطنية [عبد الكريم بوهلال]. وبسلا تمخّض عن الانتخابات الجزئية دخول محمد حصار إلى المكتب، وهو يعد مناضلً وطنيًا ومراسلً لعمل الشعب، وأبو بكر القادري المطرود من المدرسة؛ بسبب وقاحاته المتكررة. وبالدار البيضاء نشير إلى اجتماعات عديدة لأعضاء المكتب وتواطئهم مع المنيعي. وبصفة عامة يبحث الوطنيون عن الإطاحة بالموظفين من مكاتب الجمعيات؛ لتعويضهم بالمناضلين، وهدفهم هو القيام بدور سياسي بهذه المؤسسات التي عبر قوانينها الأساسية لا يمكن أن تكون سوى مجموعات ودية أو خيرية"25. وتشير في السياق نفسه مراسلة أخرى، من مدير التعليم العمومي إلى مدير الشؤون الأهلية، في 16 آذار/ مارس 1934، إلى أن: "في فاس في تشرين الثاني/ نوفمبر 1933، حاول مسيّو عمل الشعب الاستحواذ على إدارة المجموعة، بعد أن قاموا بحملة صحفية بغيضة ضد شخصيات المؤسسة التي ينتمي إليها قدماء التلاميذ. وبسلا حدث كل هذا، الصحافي حصار هو تلميذ مطرود من المدرسة منذ ستة أشهر فقط تم انتخابه في انتخابات جزئية مغرضة. وبمراكش حاول قدماء التلاميذ في لحظة التقرب من الباشا عن طريق الالتفاف حول ابن أخيه ثم الثورة ضده"26. انفلتت مكاتب الجمعيات من بين أيدي سلطات الحماية الفرنسية، ولم يعد المديرون (المستشارون التقنيون) والأطر التربوية بقادرين على ضبطها واحتوائها والتحكم في حركيتها، كما كان في السابق: "لا يمكن لمديرينا ومدرسينا القيام سوى بتوثيق الأفعال والأقوال وإرسالها في تقارير. لا يمكن أن يُطلب منهم التصرف أكثر من ذلك في الكواليس، سيفقدون مكانتهم الاعتبارية من دون ربح لأي أحد"27. من ثم أصبحت المكاتب أكثر استقلالية بعد انتخاب أشخاص يتمتعون باستقلالية مادية عن الحماية، أي غير الموظفين في أكنافها، وهو ما أكدته مديرية الشؤون الأهلية بالقول: "يبحث الوطنيون عن إطاحة مكاتب الجمعيات من الموظفين لتعويضهم بالمناضلين"28، وهو ما سهّل عملية التحكم، وتوجيه مسار هذه الجمعيات. إنه صراع الإرادات بين الحماية والوطنيين، إرادة الحماية التي هدفت إلى استخدام هذه الجمعيات أداةً للتوجيه والإدماج وضبط النخبة، وإرادة الوطنيين التي حوّلتها من وضع الاستكانة والخضوع لإملاءات الحماية إلى مرحلة أعلى، تجلّت في صراع مباشر داخلها ضد من يدينون بالولاء لفرنسا، ولسياسة الإدماج المستهدفة للنخبة المغربية. نجح التيار الوطني، في عام 1934، في السيطرة على أغلب جمعيات قدماء التلاميذ، باستثناء جمعية مكناس التي ظلت وفية في ولائها لسياسة الحماية الفرنسية، ولم تنخرط في حملة جمعية فاس لتأسيس اتحاد لجمعيات قدماء التلاميذ29. ومنذ هذا التاريخ باتت جمعيات قدماء التلاميذ فاعلً في العمل السياسي الوطني؛ نظرًا إلى عدم السماح للمغاربة بحرّية كاملة في إنشاء التنظيمات الحزبية، وهو مؤشر على ارتباط العمل الجمعوي بالممارسة السياسية؛ حتى بعد الاستقلال30.

  1. Direction des Affaires Indigènes, "Note sur le projet de création d’une fédération des associations d’anciens élèves des collèges musulmans et des écoles de fils de notables," 6 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  2. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, p. 2.
  3. Ibid., p. 5
  4. Direction des Affaires Indigènes.
  5. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, p. 3.
  6. Rezette, p. 258.

وفي هذا الإطار يقول مدير التعليم العمومي في مذكرة إلى مدير الشؤون الأهلية: " إن عقلية المغاربة مختلفة، فلئن كان المغربي خريج المدرسة الفرنسية، فإنه يصعب عليه تصور الحدود التي تحد من نشاط جمعية ما لقدماء التلاميذ، وإطارها المتواضع الذي تشتغل فيه. إنها جمعية عفوية مكونة من أفراد، وذات أهداف غير دينية، وهي ممارسة إذا كانت حديثة في نظر المغربي، فهو يعتقد في فاعليتها وفضلها في تحقيق آماله الجديدة في الفترة الآنية. إنها أداة أصبحت بين أيديهم [المغاربة] وستُستخدم لأغراض مختلفة، جيدة وسيئة"31. حتّم تداخل العمل السياسي مع العمل الجمعوي في المغرب، خلال الثلاثينيات، على سلطات الحماية التراجع عن سياستها المتبعة في هذا المجال؛ لتجاوز ما ينذر بمخاطر سياسية من تنامي الشعور بالوحدة الوطنية، وانتشاره بين هذه النخبة المتعلمة، الأمر الذي كاد أن يتحقق بمشروع فدرالية جمعيات قدماء التلاميذ. وهذا ما يشير إليه مدير التعليم العمومي بقوله: "يجب الخروج من هذا الوضع، فجمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية في تنامٍ كبير في هذه الآونة، وإن حزب عمل الشعب المعادي لفرنسا، والمعارض لأي تعاون حقيقي، يستقطب نشاطها، فهذه الجمعيات تعيش من أجل هذا الحزب في كامل الاستقلالية. إنها متجهة إلى وضع نفسها في خدمة الجبهة المناهضة للمسيحية، وليست هي الوحيدة التي تخضع لهذا التوجه: جميع الجمعيات الإسلامية، الرياضية، الكشفية، الخيرية [...] تستجيب بدرجات متفاوتة جهرًا أو سرًا للأوامر السرية للمنشقين، ولردود الفعل المناهضة للحكومة والأجانب، إما بطريقة مباشرة وإما غير مباشرة"32. لقد نتج من اجتياح الوطنيين التنظيمي لجمعيات قدماء التلاميذ الدعوة إلى إنشاء فدرالية لجمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية في المغرب في عام 1934. فكيف تم ذلك؟ ومن الفاعلون في هذه الدعاية؟ وهل تحققت مساعي الوحدة؟ يقول مدير التعليم العمومي في رسالة موجهة إلى مدير الشؤون الأهلية: "أعلمني مدير مدرسة أبناء الأعيان الإسلامية بالدار البيضاء أن رئيس قدماء التلاميذ لهذه المؤسسة زاره زملاؤه منذ أيام من فاس في إطار القيام بجولة للدعاية؛ بغرض تأسيس فدرالية جمعيات قدماء التلاميذ. يشرفني أن أثير انتباهكم حول هذا الأمر [...] يبدو غريبًا في البداية أن رئيس جمعية قدماء تلاميذ ثانوية فاس، المنيعي، وهو مستخدم بسيط في بنك إنكليزي، أن تتوافر له عائدات تسمح له بالقيام بجولة للدعاية عبر أرجاء المغرب. إنني واثق من أن المنيعي يلعب لعبة مزدوجة، وأنه يحتفظ به على رأس جمعية قدماء التلاميذ بفاس؛ لاستكمال عمل هو سيئ بالنسبة إلينا. فمنذ الصيف الأخير، وعبر منشور جريدة إرادة الشعب، أخذت جمعيات قدماء التلاميذ على عاتقها نشاطًا جديدًا [...] توجه عام بدأ يتضح، يدفع بشكل منتظم مهمات مكاتب الجمعيات التي تحاول أداء دور سياسي بالنسبة إلى جمعيات لا يمكنها إلا أن تكون مجموعات ودية أو خيرية"33. تجسد هذا التوجه العام في الدعوة إلى تأسيس اتحاد جمعيات قدماء التلاميذ، فأصبحت جمعية فاس، من خلال هذه المبادرة، موجهة ومؤثرة، وذات نفوذ قوي في باقي جمعيات قدماء التلاميذ، من خلال مكتبها، وفي شخص رئيسها المنيعي. بل تعدّ أصل أي تحريض، بحسب تعبير مدير التعليم العمومي الذي قال: "من فاس تصدر الأوامر دائمًا، والفرق المسرحية المتنقلة من هناك إلى أي مكان آخر، لا تشتغل بالمسرح فقط، كما هو الحال بصفرو خلال فصل الصيف الماضي، حيث تقوم بممارسة الدعاية السياسية الوطنية ضد فرنسا"34.

  1. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, pp. 4  -  5.
  2. Ibid.
  3. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, des Beaux-Arts et Antiquités au Maroc, au Directeur des Affaires Indigènes, [Sans Date], A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  4. Ibid.

تمّت الدعوة إلى هذا الاتحاد في ظل شعارات الوحدة التي نودي بها في مختلف أرجاء الوطن العربي الرافضة للوجود الاستعماري، فقد كانت كلمات شكيب أرسلان موجهة إلى مختلف التنظيمات، وهو ما أكدته مذكرة لمديرية الشؤون الأهلية، جاء فيها ": إن مشروع الفدرالية مطابق لشعارات شكيب أرسلان: ’تجمعوا، تعاونوا، وحدوا الصفوف، اتحدوا، الاتحاد قوة"‘35. لقد وُضعت أسس هذا المشروع المتبنّى من كتلة العمل الوطني خلال الزيارات المتكررة للمنيعي والوزاني ومحمد الخلطي إلى الرباط وسلا والدار البيضاء ومراكش36. وعبر الدورية الصادرة عن الجمعية، والموجهة إلى مكاتب الجمعيات المختلفة التي دعت إلى إبداء آرائها حول الاتحاد، وتعيين مندوبين، في حالة الانخراط، عن كل جمعية، لعقد الاجتماع التأسيسي في الدار البيضاء37. ولم تقتصر هذه الدعوة على الجمعيات في المنطقة الفرنسية، بل استُدعي أعضاء الجمعيات الأدبية في القصر الكبير وتطوان38. لم تكن في أعين الحماية دعوة إلى وحدة جمعيات قدماء التلاميذ فحسب، بقدر ما تشير إلى وحدة المجال المغربي والرأي العام حول القضايا المطروحة للإصلاح، وعدم القبول بالتقسيم الاستعماري للبلاد المغربية أيضًا. عُقد الاجتماع التحضيري لتأسيس فدرالية جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية في المغرب في الدار البيضاء، في 7 آذار/ مارس 1934، في مقر سكنى محمد الشرقاوي (زنقة طنجة)، وحضره محمد الوزاني، ومحمد اليزيدي، والمهدي الصقلي، ومحمد الدزيري، وعبد الله الدزيري، والمختار بن عبد السلام، وأحمد بن علال الشرايبي، وعبد الواحد بن زلول (بن حسن)، ومحمد بن حسن بن زلول، وبوبكر الشاوي، والصديق عواد، وعبد الكريم بوعلو، وبوبكر الصبيحي، ومحمد الحجوي، وبناني عبد العزيز، والحاج مصطفى الرويسي، وعبد العزيز اليعقوبي، والمختار بن فلاح. وقدّمت مساهمات من عبد العزيز بناني ومحمد الحجوي؛ لسد النفقات الأولية لهذا الاتحاد. كان عدد الحاضرين 18 عضوًا39. لقد أسفر هذا الاجتماع عن وضع برنامج مطالب وأهداف تأسيس هذا الاتحاد التي تتمثل في تحسين وضعية الجمعيات (المالية والأدبية)، ونظام أساسي متجانس للجمعيات، ومسألة التعليم العمومي والمهني، ومعادلة الشهادات الثانوية لنظيراتها الفرنسية، وإحداث مجلة، وتحويل المكتبات المحلية إلى مكتبات عمومية40. وإجمالً تجلّت أهدافها في المطالبة بحرّية التعليم الأهلي، وإنشاء كثير من المدارس الابتدائية، وتعليم اللغتين العربية والفرنسية في جميع المؤسسات، مؤكدين أن للمغاربة الحقوق نفسها التي للفرنسيين، وينبغي لهم أن يتمتعوا بالامتيازات عينها المتعلقة بالتعليم، وتهتم عمومًا بكل ما من شأنه تحسين أوضاع الأهالي41. ووُجهت الدعوة للمشاركة في هذا المؤتمر، الذي قُرر عقده في الرباط في أيام 27 و 28 و 29 حزيران/ يونيو 1934 في قاعة المامونية، إلى كل منخرطي جمعيات قدماء التلاميذ، ومستشاريها التقنيين، وقدماء التلاميذ غير المنخرطين الذين طلبوا ذلك، وحُددت واجبات الانخراط بخمسة فرنكات، وغير المنخرطين بعشرة فرنكات42. فهل تركت الحماية هذه المبادرة الوحدوية تسير

  1. Direction des Affaires Indigènes.
  2. Ibid.
  3. Service du Contrôle Civil, "Note pour le délégué à la Résidence Générale," Fédération des associations d’anciens élèves, 6 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  4. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, des Beaux Arts et des Antiquités au Maroc, au Directeur du Service du Contrôle Civil, "Bulletin de renseignements sur l’activité politique des associations d’anciens élèves," 30 / 4 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  5. Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Commissaire Résident Général de la République française au Maroc (Service du Contrôle Civil), 9 / 3 / 1934 , A.D.N: carton 1 MA. 200 / 435.
  6. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, 30 / 4 / 1934.
  7. Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat, "Bulletin de renseignements," 14 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  8. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, 30 / 4 / 1934.

نحو النجاح؟ ومن ثمّ يتقوى دور هذه الجمعيات التي ستصبح، لا محالة، ممثلة للرأي العام المغربي، في غياب برلمان أو مجلس يقوم بذلك؟ لم يعد الأمر يستقيم لسلطات الحماية الفرنسية مع مكاتب جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية، فحاولت، على مضض، ثنيهم عن أعمالهم، ولا سيما أنها كانت عنصرًا فاعلً في ضبط حركية النخبة المغربية؛ لذا، رأت سلطات الحماية في هذا الاتحاد تهديدًا لمصالحها في البلاد، وتأليبًا للمغاربة على سياستها، من خلال المطالبة بحريات أكبر، ولا سيما في المجال التعليمي. وهو ما رفضته الإقامة العامة جملة وتفصيلً؛ إذ يقول مدير التعليم العمومي في مذكرته حول جمعيات قدماء التلاميذ: "تحاول جمعيات قدماء التلاميذ حاليًا، بتحريض واضح من مسيّي عمل الشعب، التجمع في فدرالية، ستعمل على تمثيل الرأي المغربي الأهلي. وفي الحقيقة هي تتلقى الأوامر لتنفيذها، وهو ما يقود إلى دعم العمل السياسي لحزب كاره للأجانب أكثر منه وطني"43. فكيف تعاملت الحماية مع هذا الاتجاه؛ لدفن المشروع في مهده؟ يقول المراقب المدني، رئيس جهة الرباط، في رسالة إلى مفوض الإقامة العامة في المغرب، مؤرخة في 7 آذار/ مارس 1934، حول معارضة إنشاء فدرالية لجمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية: "يشرفني إخباركم أنه من المناسب أن تعارض الحكومة إنشاء فدرالية من هذا النوع، لأن مكتب هذا التنظيم سيشكّل حتمًا من أعضاء مكاتب جمعيات قدماء التلاميذ [...] ومما لا ريب فيه، في ظل ما سبق، أن فدرالية قدماء تلاميذ مدارس أبناء الأعيان ليس لها هدف سوى الانغماس في نشاط دعائي وطني ضد فرنسا، لهذا أقول بضرورة منع هذا التأسيس"44. من هنا اتبعت سلطات الحماية الفرنسية؛ لوأد فكرة فدرالية جمعيات قدماء التلاميذ، مسارين مختلفين: يتجلى الأول في إمكانية استخدام حق الاعتراض (الفيتو) الذي منحه لها ظهير 24 أيار/ مايو 191445؛ لمنع الجمعيات التي تراها مخالفة لقوانينها، والثاني هو القيام بمساعٍ سرية لدى جمعيات قدماء التلاميذ، ولا سيما في الدار البيضاء ومراكش؛ لحثّهم على رفض هذا المشروع، ومن ثمّ إحداث انقسام بين مكاتب الجمعيات حول هذه الفكرة46. فهل نجحت سلطات الحماية في إحداث شرخ بين جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية؟ فضّلت سلطات الحماية اتباع الوسيلة الثانية، فمارست ضغطًا سريًا على كل جمعية على حدة؛ لدفعها إلى عدم الانخراط في الفدرالية، وتظهر محايدة في كل ما يجري، ومحافظة على اتصالاتها بهذه الجمعيات كافة. وبالفعل، قام أورتليب Orthelieb، المراقب المدني ورئيس جهة الشاوية، بمساعيه لتحقيق هذا الهدف لدى مكتب جمعية الدار البيضاء الذي كان مؤلّفًا من موظفي الحماية، وله قابلية أكبر للخضوع لآرائها47. لكن مجهوداته باءت بالفشل؛ إذ وافق أعضاء هذه الجمعية على حضور الاجتماع التحضيري48. في حين نجد مكتبي الرباط وسلا حسما الأمر لمصلحة الانضمام إلى الفدرالية، على الرغم من اعتراضات نيسيل

  1. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, 16 / 3 / 1934.
  2. Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Commissaire Résident Général de la République Française au Maroc, "Fédération des anciens élèves des écoles de fils de notables," 7 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  3. هو أول ظهير خاص بتأسيس الجمعيات في المغرب.
  4. Direction des Affaires Indigènes.
  5. Ibid.
  6. L’Interprète-Lieutenant-Colonel Mangot Directeur du Journal Essaada au Directeur des Affaires Indigènes, "Note," 8 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

Neicel، مدير ثانوية مولاي يوسف؛ لأن مكتبيهما يتكونان من الشبان المغاربة المصممين على خدمة القضية الوطنية، التي هي مظهر لأي عمل مقنع في نظرهم، بحسب تعبير مدير الشؤون الأهلية49. ولم تجد هذه المساعي صدى إلا مع جمعية مكناس التي اعتذرت عن عدم حضور الاجتماع التأسيسي للفدرالية50. وفي مقابل ذلك، رفض المقيم العام الرئاسة الشرفية لهذه الفدرالية التي من المحتمل أن تكون غطاء رسميًا قويًا لو قُبلت51. وأمام تشبث جمعيات قدماء تلاميذ المؤسسات التعليمية الفرنسية الإسلامية بمشروع فدرالية الجمعيات، لم تجد الحماية من خيار أمامها سوى إجهاض هذا المشروع، عن طريق الوسائل القانونية المتاحة لها، الملخصة في تطبيق المادتين: 3 و 4 من ظهير 5 حزيران/ يونيو 1933، المعدل لظهير 24 أيار/ مايو 1914، ويعطي الحق للسلطات في رفض الاعتراف بأي جمعية مخالفة لقوانين الحكومة52. وطبقًا لذلك، منعت إنشاء فدرالية جمعيات قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية الفرنسية، معززة هذا القرار بعدم جدوى هذه الفدرالية، وبأنها لا تتوافق والأفكار المتبناة عند تأسيس جمعيات قدماء التلاميذ، ولا مع أهدافها الطبيعية53. مدعمة ذلك بالأحداث التي عرفتها مدينة فاس في 10 أيار/ مايو 1934، بعد زيارة السلطان محمد الخامس لها54. فهل استمرت جمعيات قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية على نهج عامي 1933 و 1934 نفسه؟

ثالثًا: جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الإسلامية ومشاركتها يف أحداث 11 كانون الثاني/ يناير 1944

اتجهت سلطات الحماية الفرنسية إلى استعادة السيطرة على جمعيات قدماء التلاميذ، بعد منع إنشاء فدراليتها. ولتحقيق ذلك نهجت أساليب عدة مكّنتها مؤقتًا من ضمان توجيه هذه الجمعيات ومراقبتها؛ فسعت لرفض مختلف أعضاء المكاتب المعروفين بانتماءاتهم الوطنية، كما حدث مع جمعية سلا التي هددت بحلها ما لم يُغيَّ أعضاء المكتب الذين اضطروا إلى الاستقالة في عام 1936، وهذا ما تشير إليه الرسالة التالية: "إن جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الإسلامية تتسم حاليًا بحالة جيدة. لقد انتُخب بالرباط وفاس ومكناس في المكتب رجال غالبيتهم من الموظفين، وبسلا فهمت العناصر المتعقلة أن حضور أفراد ذوي سوابق في مكتبهم، سيوقف نشاط مجموعتهم، لذا حاولوا تنظيم انتخابات للحصول على ثقتنا عبر وضع إدارة جمعيتهم بين أيدي موظفينا "55، إضافة إلى تقديم دعم رسمي لها، ومنحها مقرات جديدة، ودعمها ماديًا، وإشراك ممثليها في مجلس الحكومة الأهلي؛ إذ دعت رؤساء ست جمعيات إلى الحضور في أشغال الشعبة الأهلية في عام 1937، واستدعيت إلى كل الاحتفالات الرسمية، وحضرت في اللجان التي تدرس

  1. Direction des Affaires Indigènes.
  2. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, 30 / 4 / 1934.
  3. Ibid.
  4. Ibid.
  5. Service du Contrôle Civil, "Note pour le Délégué à la Résidence Générale," 8 / 3 / 1934 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  6. Le Directeur du Collège Moulay Youssef, "Réponse à la note circulaire N 3409 IP/ 3 T du 1 mai sur le rôle du conseiller technique des associations d’anciens élèves," 28 / 5 / 1943 , A.D.N: carton 3 M. 900 / 38.
  7. Service de l’enseignement secondaire primaire et professionnel musulman au Directeur des Affaires Indigènes, 4 / 7 / 1935 , A.D.N: carton 3 MA. 900 / 38.

منح التعليم الثانوي الإسلامي، وأعطيت جمعية فاس صفة المنفعة العامة في عام 1941؛ أي دمجها في النظام، وجعلها مشاركةً في الحياة السياسية العامة56. من هنا بُنيت خطة سلطات الحماية الفرنسية على إرجاع جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية إلى حظيرتها، وإحياء السياسة القائمة على الاحتواء والمراقبة والإدماج، والإبعاد عن كل ما يثير النزعة الوطنية في نفوس أعضائها. وهذا ما توضحه مذكرة مديرية التعليم العمومي حول موقف الشباب المغربي، مؤرخة في 20 نيسان/ أبريل 1941، ومتضمنة الإجراءات الواجب اتخاذها؛ للسيطرة على جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية. وهي كالآتي: "احتواء جمعيات قدماء التلاميذ بسلاسة ومساعدتها في عملها. الحث على تعديل الأنظمة الأساسية، على شاكلة ما تم القيام به بالنسبة إلى جمعية فاس، يسمح للمستشارين التقنيين وموظفي الإدارة في المجال المالي خاصة، بمراقبة صارمة لهذه الجمعيات وضرورة موافقة الكل عليه. لا يغيب عن بالنا أن موقف قيادة الجمعيات يحدَّد من قبل هذا المكتب أو ذاك تبعًا لما يلحقه من تعديلات في تركيبته، إذا كانت عميقة وذات مغزى. وهو ما يفرض على السلطات مراجعة مواقفها تجاه مجموعات قدماء التلاميذ. إعطاء الشباب الفرنسي في المغرب، عبر جميع الوسائل في المؤسسات التعليمية ومؤسسات تكوين الشباب، الإحساس بالمسؤولية التي تفترض، وعلى المنوال نفسه، حضورهم جنبًا إلى جنب مع المسلمين، مع تجنب الأخطاء والكلمات المسيئة. إبعاد تلاميذنا وقدماء تلاميذنا، كلما أمكن ذلك، عن التظاهرات التي عبرها تبحث الجماعة الفرنسية عن تأكيد إظهار قوتها ووحدتها، ومن ثمّ تجنب تزويد الشباب الوطني المغربي بأسلحة من شأنها أن تدعم موقفه بالحق في التظاهر. وفي الأخير، دعوة الإدارات لمنح قدماء تلاميذنا في كل مرة يثبتون استحقاقهم فيها مسؤوليات إدارية بمعايير واضحة، ومنصفة وضامنة لتكافؤ الفرص، لكن مع الاحتفاظ بالسماح لهم بالقيام بدور سياسي، وجعلهم في وضع مميز، إذا ما أريد وضع نهاية لعملهم بعد ذلك"57. فهل نجح الفرنسيون في احتواء جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية، وإبعاد منخرطيها عن الممارسة السياسية؟ رغم عديد الامتيازات التي تحصّلت عليها جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية من سلطات الحماية الفرنسية، والوضع الاعتباري الذي أضحت تمثلّه رسميًا، فإنها تحولت إلى منحى آخر غير الذي رُسم لها بداية الحرب العالمية الثانية، فقد فتحت هذه الحرب آمال الشعوب المستعمرة وتطلعاتها نحو الانعتاق والحرية، ولا سيما أنهم شاركوا في تحرير بلدان أوروبا من ألمانيا النازية، وتطور العمل السياسي في مختلف أرجاء العالم الثالث. لم يكن المغرب بعيدًا عمّا يجري، فتطورت مطالب الأحزاب السياسية، وتنامى تنظيمها السياسي والاجتماعي والثقافي، وأصبحت أكثر جرأة، مقارنة بسنوات الثلاثينيات. واعتمدت في كل هذا وذاك على أهم أدواتها وآلياتها التنظيمية المتمثلة في جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية؛ لما توافر لديها من سلاسة في التنظيم، وسهولة في التنقل، ويسر في نقل الأفكار، وتنسيق بين القيادات، واستقطاب للأفراد؛ بفعل الاعتراف الرسمي بها من سلطات الحماية، وما تبعه من حرية، وإنْ كانت جزئية في هذه المرحلة. إنها بحق آليات فاعلة وأساسية، ولازمة لا محيد عنها في حركية النخبة الوطنية في التعبئة المجتمعية

  1. Direction de l’Intérieur, Section politique, pp. 1  -  2.
  2. Direction de l’Instruction Publique, "Note au directeur de l’instruction Publique, Attitude actuelle de la Jeunesse Marocaine," 20 / 4 / 1941 , A.D.N: Carton 3 MA. 900 / 56 , pp. 7  -  8.

للقضايا الوطنية زمن الحرب العالمية الثانية، من ثمّ خضعت هذه الجمعيات لتوجهات الحزب الوطني سياسيًا، وثقافيًا، وتعليميًا، وشبابيًا. كيف حدث ذلك؟ تراجع تأثير الحماية الفرنسية ونفوذها على جمعيات قدماء التلاميذ، بحلول عام 1943، لمصلحة الوطنيين الذين شكّلوا طوقًا تعذر على أطر الحماية اقتحامه، أو النفاذ إليه. إذ على الرغم من علمها المسبق بما يجري من تحركات للحزب الوطني، فإنها لم تستطع فعل شيء في انتخابات تجديد المكاتب58 في عام 1943، واكتفت بالتتبع والمراقبة، لكنها توجست خيفة مما يحدث59. ومن ثمّ حقق الحزب الوطني نجاحًا مبهرًا في إدماج قيادات الجمعيات في العمل الوطني عبر أطره60، فتمكّن، وجمعية قدماء ثانوية مولاي يوسف في الرباط، من انتخاب المهدي بن بركة، بداية عام 1943، رئيسًا لها على حساب منافسه رشيد ملين، وضمّ إلى جانبه قاسم الزهيري، العضو في جمعية سلا أيضًا، ومحمد اليزيدي وبوبكر الصبيحي، وكانا من قبل من مسيّي الجمعية الرياضية للرباط وسلا. وفي سلا نشأ صراع حاد بين الحزبيين (الحزب الوطني) والقوميين (الحركة القومية)، فتكون المكتب في غالبيته من الحزبيين، وضم بالخصوص قاسم الزهيري، مدير مجلة المغرب، وعبد الرحيم بوعبيد. أما في فاس، فكانت انتخابات المكتب مختلفة عن نظيراتها في المدن الأخرى؛ إذ لم تحمل تغيرات ملموسة، فقد احتفظ محمد الزغاري وبناني بسلطة رمزية على الجمعية، وأعيد انتخاب المكتب السابق، باستثناء شابين مندفعين عُوِّضا برجلين أكثر اتزانًا، هما الغزاوي الرجل الثري في مجال النقل، وممثل جمعية النجاح الرياضي، وأحمد بن إدريس61. وفقدت الحماية في مكناس نفوذها في هذه الجمعية، وقد أشرنا إلى ذلك النفوذ الذي كان قائمًا في عام 1934، فعوّض المكتب القديم لجمعية قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية، باستثناء الرئيس وعضوين منه، بآخر جديد، أغلبه من العناصر الحزبية، من بينهم

  1. أصبحت مكاتب جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية في عامي 1942 و 1943 على النحو الآتي: جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس في فاس: الرئيس: محمد الزغاري، نائبه: أحمد باحنيني، الكاتب: أحمد الحمياني، مساعد الكاتب: محمد بن شقرون، الخازن: أحمد السبتي، مساعد الخازن: محمد الغزاوي، المشرف على المكتبة: محمد بن سودة، المعاونون: بن إدريس أحمد، والصقلي محمد، وعبد الرحمن السلاوي. جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف في الرباط: الرئيس: المهدي بن بركة، نائباه: أحمد اليزيدي ومولاي الطاهر الرفاعي، الكاتب: أحمد بن عبد الله، مساعداه: أحمد الشرقاوي وعبد الكريم الفلوس، الخازن العام: عبد السلام الدبي، مساعد الخازن: السيتل العيساوي، المعاونون: قاسم الزهيري، وعبد الرحيم بوعبيد، ومحمد بلمختار، مكلف بالأرشيف: عبد الله الركراكي. جمعية قدماء تلاميذ الثانوية البربرية في أزرو: الرئيس: عبد الحميد بن مولاي أحمد، الكاتب: عبد الله بن عمر، الخازن: عبد الرحمن نايت الحو، المعاونون: العربي بن القايد علي العياشي، وعمار بن ناصر، وتبور. جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان في الدار البيضاء: الرئيس: الحاج مختار بن عبد السلام، نائبه: محمد بن الحاج عبد الواحد بن جلون، الكاتب: بوبكر بومهدي، مساعد الكاتب: الديوري أحمد، الخازن: الدخيسي أحمد، المشرف على المكتبة: الشرايبي العربي. جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان في مكناس: الرئيس: السنتيسي محمد، نائبه: عمر بن شمسي، الكاتب العام: الكتاني محمد، مساعد الكاتب: بوزبع عبد السلام، الخازن: الدريسي العلمي، مساعد الخازن: صلاغ عبد الرحمن، المعاونون: مكي بن محمد بن مكي، والتازي محمد بن محمد بن قاسم، وجعفر بن عبد القادر، ومزوار محمد، والمكي بادو. جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان في سلا: الرئيس: عبد الرحمن زنيبر، نائبه: عبد الرحيم بوعبيد، الكاتب: الصديق بلعربي، مساعد الكاتب: العربي حسن، الخازن: عبد الله الزناوي، مشرف المكتبة: أحمد بليمني، المعاونون: الطاهر زنيبر، وقاسم الزهيري. جمعية قدماء تلاميذ المدارس الفرنسية العربية في مراكش: الرئيس الشرفي: مولاي العربي العلوي، المستشار التقني: مونطيل Montel، الرئيس: محمد بن الحاج عمر، نائبه: محمد الدباغ، الكاتب: البشير بن عباس، مساعد الكاتب: إدريس الدباغ، الخازن: يوسف بن عباس، مساعد الخازن: محمد بن الشرقاوي، مشرف المكتبة: محمد زعراوي، المعاونون: مولاي العربي مسعودي، ومولاي عمر العلوي، وأحمد الغجدامي، ومحمد برادة. جمعية قدماء تلاميذ وجدة: الرئيس: عبد القادر بن مصطفى، نائبه: بن عبد الله بن الحاج العربي، الخازن: أحمد بن دالي، مشرف المكتبة: بن ناصر بن الحاج العربي. انظر: "Composition des bureaux des associations d’anciens elèves," Année 1942 - 1943 , A.D.N: Carton 3 MA 900  /  38.
  2. Direction des Affaires Politiques, Section politique, "Note sur les associations d’anciens élèves des écoles et collèges franco-musulmans composition et tendances actuelles," Avril 1943 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435 , p. 1.
  3. Rezette, p. 310.
  4. Direction des Affaires Politiques, pp. 1  -  2.

أربعة أشخاص لهم تأثير كبير. إن مجمل أوراق التصويت عبر المراسلة تتضمن لائحة أعضاء المكتب التي تشكلت بعد الانتخابات، وهو ما يشير إلى أن تركيبته معدّة سلفًا62. إن تمثيل المنتمين إلى الحزب الوطني في مكاتب جمعيات قدماء التلاميذ المختلفة، أتى عبر تزايد عدد المنخرطين، وعدد قدماء التلاميذ المشاركين في عملية التصويت. يلاحظ هذا في جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف في الرباط التي تضاعف منخرطوها خمس مرات (250 في عام 1943، مقابل 55 في عام 1942). لقد كان جل هذه الانخراطات خلال الأسابيع الثلاثة السابقة للجمع العام، وهو ما يشير إلى طابعها الانتخابي، ويحيل على قدرة الوطنيين على التعبئة في مثل هذه المناسبات63. لكنها انتخابات حملت في طياتها صراعًا قويًا بين القوميين والحزبيين، وهو ما أنذر بحرب تنظيمية بين الطرفين، وانتقال التجاذبات السياسية بين التيارين إلى الجمعيات الموازية، في وقت كان فيه المغرب في حاجة إلى رص الصف والوحدة في مواجهة الاستعمار64. ومن ثمّ كان هناك صراع مواقع بين التيارين، يخفي اختلافات عميقة بين الطرفين. وبالعودة إلى تكتيك الحزب الوطني في احتواء جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية واستقطابها، ينبغي لنا تأكيد الدور الذي قام به المهدي بن بركة في استدراج أعضائها. إن علاقاته المتميزة بالأميركيين، وقربه من مراكز القرار الحزبية والقصر، جعلته أكثر الشخصيات أهلية لتطويق التردد، وتوفير شروط الإجماع بين عناصر جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية65. وهذا ما تبرزه إحدى المذكرات الصادرة عن مديرية الشؤون السياسية في نيسان/ أبريل 1943: "ترأس المكتب الجديد [جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف] المهدي بن بركة، وهو طالب شاب، منحته نجاحاته الدراسية وضعًا اعتباريًا بين زملائه، ووعيه بذلك جعله حريصًا على التميز، له صلات وطيدة مع العديد من أعضاء جمعية فاس، وواحد من زملائه في المكتب قاسم الزهيري، وهو في الآن نفسه عضو في جمعية سلا، واثنان آخران: اليزيدي والصبيحي من بين مسيّي الجمعية الرياضية للرباط وسلا. ما من شك في أن بن بركة يشكل حلقة وصل مع الجمعيات الإسلامية الأخرى "66. في سياق السيطرة على مكاتب جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية، سعت مكاتب هذه الجمعيات المنتخبة، في عام 1943، للتملص من رقابة مديري المؤسسات (المستشارون التقنيون لها) ووصايتهم، والتقارب مع المخزن المركزي بوساطة أحمد بركاش، مندوب الوزير الأعظم في التعليم العمومي67. لقد راهنت هذه الجمعيات دائمًا على التخلص من رقابة المستشار التقني؛ لتضمن حرية أكبر لتحركاتها؛ فالأنظمة الأساسية لجمعيات قدماء التلاميذ تعترف بعضوية مدير المؤسسة التعليمية في مكاتبها. غير أن هذا البند لم يكن سوى بند نمطي68؛ إذ سجل مديرو المؤسسات في سلا والرباط وفاس، في مناسبات عدة، أن أعضاء مكاتب الجمعيات الذين استُقبلوا من السلطات الفرنسية، أو من أحمد بركاش، كان استقبالهم من دون إشعار المستشار التقني. ووضع قدماء تلاميذ فاس والرباط رؤيتهم حول تعليم البنات المسلمات، من دون إخبار، أو مناقشة، مديرَي الثانويتين اللذين وجبت استشارتهما69. وكانت جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف في الرباط

  1. Ibid, p. 1.
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. Rezette, p. 310.
  5. Direction des Affaires Politiques, pp. 1  -  2.
  6. Ibid., p. 2.
  7. Le Directeur Général de l’Instruction Publique, 16 / 3 / 1934.
  8. Direction des Affaires Politiques.

قد أعدّت تقريرًا حول العدالة، اعتمادًا على وثائق مديرية الشؤون الشريفة، من دون أن يعلم به مدير الثانوية. ووضعت الجمعية في عام 1941 تعديلً في نظامها الأساسي، يبطل نفوذ المستشار التقني. لكنه قوبل بالرفض70. أما التقارب الحاصل بين جمعيات قدماء التلاميذ والمخزن المركزي، فهدفه الربط بينهما، وتقوية العناصر الشابة، وتطوير الساكنة المغربية، فكلا الطرفين مستفيد من هذا التوافق؛ فالارتباطات التدريجية لقدماء التلاميذ تجعل المخزن راعيًا لها، وباسطًا يديه على المؤثرة منها. وعمومًا كلا الجانبين أم لا من وراء ذلك في مد فعل السلطات الوطنية على التعليم الفرنسي الإسلامي71. من هنا كان تكتيك الحزب الوطني يقضي بالآتي: استقطاب قيادات الجمعيات، والسيطرة على المكاتب، والانفلات من مراقبة مديري الثانويات (المستشارون التقنيون)، ودفع جمعيات قدماء التلاميذ إلى التقارب مع السلطان، ومن ثمّ عُدت حلقة وصل بين السياسي والمخزن المركزي. وهذا ما توضحه مذكرة مديرية الشؤون السياسية الصادرة في نيسان/ أبريل 1943، بقولها: "تسيطر العناصر النشيطة من الشباب الوطني على الجزء الأكبر من إدارة ومكاتب جمعيات قدماء التلاميذ، وتتطلع هذه الجمعيات إلى القيام بدور مهم في حياة البلاد، وهو ما ينذر بخطر يتخطى إطار نشاطها المنصوص عليه في أنظمتها الأساسية. فهم يحاولون جاهدين التحرر من وصاية المستشار التقني، ويتقاربون مع المخزن الذي يريدون الحصول على مباركته؛ حتى تحصل جمعياتهم على دعم قوي "72. إنها هواجس الحماية من تحوّل هذه الجمعيات إلى خطر محدق بسلطتها، وتهديد استقرارها وأمنها. لقد حققت جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية غاياتها المنشودة، وإن كانت في إطار لا يتجاوز ما ينص عليه قانونها التنظيمي، من الاهتمام بصلات الود والصداقة وتطوير التعليم، إلا أنها استطاعت الإفلات من بين أيدي سلطات الحماية، وانخرطت في العمل السياسي، بوصفها نخبًا مغربية، تلقّت قدرًا من التعليم، وأصبحت آلية من آليات اشتغال الأحزاب السياسية الوطنية في هذه المرحلة. تمخّض عن هذا كله أن شاركت جمعيات قدماء التلاميذ في حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، توقيعًا، ونشرًا، وتظاهرًا. فما نسبته 20 في المئة من الموقعين عريضة المطالبة بالاستقلال كانوا من ممثلي73 هذه الجمعيات، وكُلّف أعضاؤها في كل من فاس والرباط وسلا بنسخ هذه العريضة وتوزيعها على مختلف مدن المغرب74. وكان ممن قدموا الوثيقة للسلطان محمد الخامس أحمد الحمياني، كاتب جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس، وعبد الحميد الزموري، رئيس جمعية قدماء تلاميذ الثانوية البربرية في أزرو75. وقدّمها للقنصلية الأميركية المهدي بن بركة، رئيس جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي يوسف في الرباط، وعبد الرحيم بوعبيد، نائب رئيس جمعية قدماء تلاميذ مدرسة أبناء الأعيان في سلا76. ومن بين من قدّم الوثيقة للمقيم العام الفرنسي، محمد الزغاري، رئيس جمعية قدماء تلاميذ ثانوية مولاي إدريس77. ومن بين من قدّم الوثيقة للقنصلية الإنكليزية، أحمد باحنيني، نائب رئيس جمعية قدماء تلاميذ

  1. Direction de l’Instruction Publique, 20 / 4 / 1941.
  2. Ibid., p. 2.
  3. Ibid.
  4. من بينهم المهدي بن بركة، وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الحميد بن مولاي أحمد، وقاسم الزهيري، وعبد الله بن عمر، ومحمد الغزاوي، وأبو بكر القادري، وأبو بكر الصبيحي، وأحمد بن شقرون، وأحمد الشرقاوي، ومحمد الزغاري، والحسن بوعياد، وعمر بن ناصر، وأحمد باحنيني، وأحمد الحمياني، والصديق بلعربي، وعبد الله الرجراجي، ومحمد اليزيدي، وعمر بن شمسي، وعبد الهادي الصقلي.
  5. Rezette, p. 310.
  6. أبو بكر القادري، مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية: من 1941 إلى 1945، ج 2 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1997)، ص 183.
  7. المرجع نفسه، ص 181  -  186.
  8. عبد السلام البكاري، وثيقة 11 يناير 1944 (القنيطرة، المغرب: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص 341.

ثانوية مولاي إدريس78. إن هذا الأمر يظهر المشاركة الواضحة، والدور الفاعل الذي قامت به جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية في أثناء تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال. فما موقف الحماية من هذا التحول؟ وكيف كانت تبعات هذه المشاركة على جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الفرنسية الإسلامية؟ تشير مراسلات وتقارير كثيرة، جرت بين مسؤولي الحماية الفرنسية، بأصابع الاتهام المباشر إلى جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية، على أنها من قاد التظاهرات، إلى جانب الحزب الوطني، في أثناء المطالبة بالاستقلال، وهذا ما تعبّ عنه رسالة مدير التعليم العمومي إلى الكاتب العام للحماية، في 14 حزيران/ يونيو 1944، وجاء فيها: "لقد أ سست جمعيات قدماء تلاميذ المؤسسات التعليمية الفرنسية الإسلامية، لكنها حادت عن الأهداف المسطّرة، وتوجهت نحو التحريض السياسي الموجه ضد فرنسا. إن من يتحمل مسؤولية ’أزمة يناير‘ هم ممثلو جمعيات قدماء التلاميذ الأكثر تأثيرًا بفاس والرباط وسلا وأزرو، الخاضعة لقناعاتهم الخطيرة المفسَّة بالموقف الذي تبنّوه، والدور الأول الذي قاموا به في هذه الأحداث [...] إن الحفاظ على هذه الجمعيات وتعددها وانتشارها أدى إلى تغطية المغرب بشكل فعال بشبكة من التنظيمات المطيعة للأوامر الصادرة عن الرباط أو فاس، وخلق اضطرابات في أرجاء البلاد. ونسجل هنا عدم مشاركة جمعيتي الدار البيضاء ومراكش في هذه الحركة، وننوه بالهدوء الذي ساد مراكش لحظة الاضطراب؛ بفضل التدخل الشخصي للباشا الكلاوي"79. وتشير رسالة أخرى للمراقب المدني، رئيس جهة الرباط، إلى مدير الشؤون السياسية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 إلى الموضوع نفسه بالقول: "مما لا شك فيه أن هاتين الجمعيتين [الرباط وسلا]، عنصران يمثلان الدعاية الوطنية، وفاعلان في أحداث يناير الأخير، فتركيبة مكتبيهما، ومشاركة مسيّيهما في التحريض كفيل بإثبات ذلك "80. وتوضّح أيضًا رسالة الجنرال سوفران Suffren، رئيس جهة فاس، إلى سفير فرنسا مفوض الإقامة العامة في المغرب، في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 الأمر نفسه مع جمعية فاس بالقول: "لم يكن الزغاري صادقًا عندما صرح لمدير الثانوية في 29 كانون الثاني/ يناير بعد الزوال، بأنه لم يرغب في هذا الأمر، وأن الأحداث تجاوزته، لأنه هو وزملاءه من المكتب هم المهيؤون للقضية برمتها. فالزغاري نفسه تحدث في الأيام القليلة الماضية، حول مواجهات خطيرة ستحدث، وأعطى تعليماته إلى شعبة الصحة التابعة للحزب لتكون على استعداد تام لذلك. وكما كتب السيد بارون Baron: إنها المرة الثانية في 11 سنة التي ينشأ فيها وضع مماثل كهذا، المرة الأولى اعتقدنا أنه حادث عرضي، لن نسمح الآن بهذا العبث، سيكون خطأ سياسيًا فادحًا إذا ما احتفظنا بوجود هذه الجمعيات من قدماء التلاميذ التي ستحوّل كل ما فعلناه إلى مجموعات سياسية معارضة لعملنا"81. تبيّ هذه الرسائل المشاركة الفاعلة لجمعيات قدماء التلاميذ في أثناء تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، توقيعًا، وتنسيقًا، وتظاهرًا، ضد سلطات الحماية. وهو ما يبرز الدور الذي اضطلعت به، وأيضًا التخوفات التي كانت لدى أطر الحماية الفرنسية من تنامي هذه الجمعيات التي تجاوزت دورها التقليدي المرسوم لها سلفًا، إلى دور سياسي فاعل في المجتمع المغربي. ويمكننا القول إن هذه الجمعيات كانت نواة لمجتمع مدني، بدأ يرسم معالم طريقه في وسط المجتمع، عبر فاعليته التي اكتسبها، والحظوة التي توافرت لديه من خلال الثقة المكتسبة من شريحة مهمة من المجتمع؛ بفضل الدفاع عن قضايا البلاد المغربية في هذه المرحلة.

  1. غلاب، ص 276  -  277.
  2. Le Directeur de l’Instruction Publique au Secrétaire Général du Protectorat, "Associations d’anciens élèves," 14 / 6 / 1944 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  3. Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Directeur des Affaires Politiques, "Dissolution des Associations d’Anciens Elèves Rabat-Salé," 3 / 11 / 1944 , A.D.N: carton 1 MA. 200 / 435.
  4. Le Général Suffren Chef de la Région de Fès à l’Ambassadeur de France Commissaire Résident Général de France au Maroc, "Association des Anciens Elèves du Collège Moulay Idriss," 13 / 11 / 1944 , A.D.N: carton 1 MA. 200 / 435.

إن الاستبعاد الذي شمل النخبة المتعلمة في الاستفادة من النظام القائم، واسترقاق فئات أخرى، جعلا تلك النخبة تنتفض ضد فرنسا التي لم تعد مرغوبًا فيها، بعد انتشار حركات التحرر في أرجاء العالم الثالث. من هنا لم تكن مشاركة جمعيات قدماء التلاميذ في التظاهرات المطالبة باستقلال البلاد (تظاهرات 29 كانون الثاني/ يناير في الرباط وسلا وفاس، و 5 شباط/ فبراير في أزرو) لتمر من دون عقاب من الحماية. إن الإكراه البدني كان وظل طوال عهد الحماية الوسيلة الفاعلة لمجابهة أي تفكير أو تعبير عن الاستقلال، يهدد مصالح هذا النظام في المغرب. من ثمّ كانت هناك عمليات اعتقال المنتمين إلى تلك الجمعيات، وسجنهم أو نفيهم، والهدف هو قطع رأس هذه التنظيمات، ومحو دورها في المجتمع؛ فقد أصدرت المحاكم أحكامًا قاسية في حق القائمين على هذه الجمعيات، ففي أزرو حكمت على رئيس جمعية قدماء تلاميذ الثانوية البربرية، عبد الحميد بن مولاي الزموري، بسنتين سجنًا في 8 أيار/ مايو 1944؛ بسبب إضرابات 5 شباط/ فبراير في الثانوية البربرية في أزرو، وأدين كاتب الجمعية، عبد الله بن عمر، بالتهمة نفسها وحُكم عليه ب  18 شهرًا82. وحُكم على رئيس جمعية قدماء تلاميذ الرباط بسنتين سجنًا، باعتباره محرضًا ومشاركًا في أحداث 29 كانون الثاني/ يناير 1944، والسيتل العيساوي بسنتين حبسًا، وعبد الله الركراكي المسؤول عن الأرشيف بسنتين. وقاسم بن محمد الزهيري من سلا، وعبد الرحيم بوعبيد بالمدة نفسها، والصديق بن إبراهيم، كاتب الجمعية، حُكم عليه بستة أشهر83. كان الهدف من هذا قطع رأس التنظيم، وإفراغ المكاتب، وتشتيت الجهد، وإبعاد القادة ذوي الحظوة لدى منخرطي الجمعيات.

رابعًا: مآل جمعيات قدماء تلاميذ المدارس والثانويات الإسلامية بعد عام 1944

وجب حل جمعيات قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية الفرنسية، واستبدالها بتنظيمات أكثر تحكّمًا من لدن الحماية، وهذا ما جاء في قول مدير التعليم العمومي: "بناء على ما سبق، من الواضح جدًا أن تأثير جمعيات قدماء التلاميذ مضرّ بنا، لذا يجب حل جميع جمعيات قدماء تلاميذ الثانويات الإسلامية، على الرغم من أن هذا القياس العام غير منصف بالنسبة إلى الأخريات، مثل مراكش والدار البيضاء، التي لم تمارس أي دور سياسي"84. إن المشاركة في المطالبة بالاستقلال نتج منها حل جمعيات قدماء التلاميذ كافة، بما فيها تلك التي ظلت محايدة85. لكن من يحارب وضعًا قائمًا كان لزامًا عليه استحداث آخر جديد، يجد فيه ضالته ويحقق أهدافه. استُبدلت جمعيات قدماء التلاميذ الإسلامية بلجان للرعاية، ولم يكن الأمر هينًا على سلطات الحماية المتخوفة من تكرار الاحتجاجات من منخرطيها مرة أخرى. وهذا ما جاء في رسالة مدير التعليم العمومي إلى الكاتب العام للحماية في 14 حزيران/ يونيو 1944: "وليكون هذا الحل مقدورًا عليه ومقبولً من دون احتجاجات عنيفة أعتقد من المناسب استبدال هذه الجمعيات بلجان للرعاية تسمح لنا بالحفاظ على روابطنا مع العنصر المغربي، وعرض قصدنا ونيتنا في متابعة سياسة الاتصال"86. لقد وُجدت هذه اللجان سابقًا في كل الثانويات، متكفلة فيها بدعم التمدرس والنشاط التعليمي؛ إذ اعتبرها رؤساء المؤسسات التعليمية ذات قيمة كبرى، ومتعاونة معهم:

  1. Le Chef de Bataillon Laubies, Chef du cercle d’Azrou, au Contrôleur Civil Chef du territoire de Meknès, "Association Amicale des Anciens Elèves du Collège Berbère d’Azrou," 18 / 10 / 1944 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  2. Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Directeur des Affaires Politiques.
  3. Le Directeur de l’Instruction Publique au Secrétaire Général du Protectorat.
  4. Secrétariat Général du Protectorat, "Note pour le Directeur des Affaires Politiques, Association d’anciens élèves des établissements de l’enseignement musulman," 30 / 6 / 1944 , A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.
  5. Le Directeur de l’Instruction Publique au Secrétaire Général du Protectorat.

"إن هذه اللجان في أهدافها المدرسية وما بعد الدراسة، ستكون معروفة بدقة، وأعضاؤها سيكونون محدودي العدد، ونشاطاتها لن تتجاوز المنصوص عليه في قانونها الأساسي؛ إذ ستكون متعاونة مع الإدارة بطريقة فعالة"87. إنه الرهان الفرنسي على تحديد عدد المنخرطين، وعدم تركه مفتوحًا كما كان مع جمعيات قدماء التلاميذ، والحد من نشاطاتها، وجعلها في خدمة نيات فرنسا. وفي هذا الصدد يشير تقرير لمديرية الداخلية إلى أنه: "تم حل كافة جمعيات قدماء التلاميذ ونقلت ممتلكاتها المادية والمعنوية إلى لجان الرعاية، وتم اعتقال وسجن العناصر الأكثر لفتًا للانتباه من مسيّيها الموقّعين عريضة المطالبة بالاستقلال، واستعاد رؤساء المؤسسات مقراتها[...] ولم يعترف بالجمعيات التي في طور التأسيس، المدارس الإسلامية بوجدة 1944، ومزكان 1945، وتلك التي بالمدرسة الإسلامية بآسفي المصرح بها في نهاية 1943 لم تشتغل أبدًا"88. كان مشروع حزب الاستقلال هو تغطية البلاد بشبكة جمعوية كثيفة، قادرة على نشر الأفكار السياسية للحزب، وبث الوعي الوطني، ولا سيما من جمعيات قدماء التلاميذ التي تمتعت بدعم من الحماية الفرنسية، وتوافر لها الاعتراف الرسمي والقانوني، ووُجدت في الحواضر الكبرى التي انطلقت منها احتجاجات 11 كانون الثاني/ يناير 1944. لكن هذا المشروع أحبطته سلطات الحماية التي رأت فيه تهديدًا صريحًا لمصالحها في البلاد المغربية89. فكيف أصبحت جمعيات قدماء تلاميذ المؤسسات الإسلامية بعد عام 1944، بعد حلها من الإقامة العامة؟ باتت جمعيات قدماء التلاميذ غير معترف بها رسميًا من سلطات الحماية، لكنها غضّت الطرف عن أعمالها، وظلت تراقبها، فأذنت أحيانًا لنشاطها، واعترضته أحيانًا أخرى؛ لذا، انتقلت هذه الجمعيات من طور الاشتغال العلني، إلى الممارسة السرية، ما عدا حالة النشاطات التي حظيت بدعم أطر الحماية. لقد ظلت جمعية مراكش متمسكة بأهدافها المدرسية، فقد حررت مذكرات عام 1946 تضمنت اجتماعات مشتركة منظمة مع تلاميذ المدارس الحرة90. أما جمعية مكناس، فاهتمت بإلقاء الدروس الليلية، وجددت كل سنة مكتبها، فانتُخب عمر بن شمسي رئيسًا لها في عام 1947. وفي الرباط سطع نجم جمعية قدماء تلاميذ معهد جسوس، بعد "إقبار" جمعيتي الرباط وسلا. وعن هذه الأخيرة عاد عبد الرحيم بوعبيد والدكتور عبد الرحمن زنيبر، لكن العربي حصار ظل قويًا في مركزه، فطالبوا بتجديد المكتب واستعادة المقر السابق. وفي الدار البيضاء لم تستطع جمعية أبناء الأعيان تجديد مكتبها الذي كان معترفًا به إلى حدود عام 1948؛ إذ أصبح حزب الاستقلال مخترقًا لها في شخص المهدي الصقلي. وأصبح الأمير مولاي الحسن رئيسًا شرفيًا لها، إذ حاولت أن تضم بين ظهرانيها قدماء التلاميذ من جميع المدارس الإسلامية في الدار البيضاء، وطالب قدماء تلاميذ الإدريسية بإعادة إنشاء الجمعية من جديد91. وفي أزرو تحرّك أعضاء المكتب منذ عام 1948، وانخرطوا بكثافة في المؤتمرات التي عقدت في مختلف ربوع التراب الوطني التابع للإدارة الفرنسية92، فأصبحت الجمعية أكثر نشاطًا في نضالها السياسي، إلى جانب التنظيمات السياسية؛ إذ أحدثت الجمعية مجلس الأطلس الذي كانت تناقش فيه جميع الإشكاليات التي تهم المقاومة المغربية93.

  1. Ibid.
  2. Direction de l’Intérieur, Section politique.
  3. Ibid., pp. 3  -  4.
  4. Ibid.
  5. Ibid.
  6. سليمان جابري، "دور الثانوية البربرية أزرو: ثانوية طارق بن زياد في النضال الوطني من أجل الاستقلال، 1927 - 1956 "، في: مجموعة مؤلفين، التعليم والحركة الوطنية بالأطلس المتوسط، ص 184.
  7. Mohamed Benhlal, Le Collège d’Azrou: La Formation d’une élite berbère civile et militaire au Maroc (Paris: Edition Karthala-Ireman, 2005), p. 389.

وبفعل هذا الحراك السياسي للجمعية، أقدمت سلطات الحماية، في عام 1951، على تقسيم الجمعية إلى جمعيتين: واحدة تضم قدماء التلاميذ العاملين في قطاع العدل، والثانية تجمع قدماء التلاميذ المشتغلين في التعليم. وفي عام 1955 اقترحت الإقامة مكتبًا للجمعية، يجمع بين قدماء التلاميذ وأعضاء هيئة التدريس في الثانوية، وكبار موظفي الإقامة العامة، وترأس المكتب الجديد فرد من قدماء التلاميذ، وطالب بعودة السلطان محمد بن يوسف إلى عرشه94، فمثّل ذلك احتجاجًا من الجمعية على قرار النفي، فضلً عن مطالبتها بالاستقلال التام للمغرب في عام 195595. ووجّهت الجمعية مذكرة إلى منظمة الأمم المتحدة في العام نفسه، ألحّت فيها على ضرورة تصفية القضية المغربية، بعودة الملك الشرعي إلى البلاد، وإعلان الاستقلال96.

خاتمة

ظهرت جمعيات قدماء تلاميذ المدارس الإسلامية المغربية بوصفها شكلً حديثًا من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي أصبح بديل من المؤسسات التقليدية المغربية، وما فتئت تناضل وتقاوم المستعمر الفرنسي ثقافيًا في مرحلة أولى، وسياسيًا في مرحلة ثانية؛ لتصبح منظمات موازية للأحزاب الوطنية، استخدمتها بطريقة وأخرى في المواجهة مع سلطات الحماية الفرنسية، ولا سيما أنها كانت النموذج المسموح بتأسيسه في الأوساط المغربية97. وعلى الرغم من المراقبة المضروبة على هذه الجمعيات وأعضائها، استطاعت أن تفلت منها، وتندمج في العمل السياسي للحركة الوطنية، فكانت المشاركة الواضحة لجمعيات قدماء التلاميذ في الاحتجاج ضد صدور الظهير البربري في 16 أيار/ مايو 1930، وفي أحداث 11 كانون الثاني/ يناير 1944، من خلال تنظيمها لكثير من التظاهرات، سببًا مباشرًا في حل الإقامة العامة الفرنسية هذه الجمعيات. ونسجل، إلى جانب مشاركتها في الأحداث الوطنية المختلفة، أن هذه الجمعيات هي من بين التنظيمات الأولى التي مارست فيها النخب المغربية أشكال التداول على التسيير، واختبرت فيها التدافع الانتخابي، وطورت خلالها آليات المحاسبة المختلفة. ونقلت في الوقت نفسه المجتمع المغربي من إطاره التقليدي إلى الحداثي، اعتمادًا على مثل هذه المؤسسات. وبصمت هذه المرحلة على ارتباط العمل الجمعوي بالأحزاب السياسية، وهو ما استمر بعد حصول المغرب على الاستقلال، لتطرح إشكالات العلاقة بينهما، ومدى جدوى عمل جمعوي مسيّ وموجّه من السياسي. ونشير أيضًا إلى أن دور جمعيات قدماء تلاميذ المدارس المختلفة سرعان ما خفت بعد الاستقلال، ولم يعد لها صدى في أرجاء البلاد المغربية كما كان؛ الأمر الذي يجعلنا نقف على إشكالية تراجع مثل هذه المؤسسات، والممارسة الجمعوية المرتبطة بها في البلاد المغربية، زمن الاستقلال، عن التأطير والمشاركة المجتمعية.

  1. Ibid.
  2. جون واتربوري، أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، ط 2 (الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2004)، ص 165.
  3. جابري، ص 185.
  4. عبد الله إبراهيم، "الحركة الوطنية والعمل الثقافي"، مجلة الكرمل، العدد 11 (1984)، ص 114.

المراجع

العربية

إبراهيم، عبد الله. "الحركة الوطنية والعمل الثقافي." مجلة الكرمل. العدد 11 (1984.)

أشقرا، عثمان. في سوسيولوجيا الفكر المغربي الحديث. الدار البيضاء: عيون المقالات، 1990.

البكاري، عبد السلام. وثيقة 11 يناير 1944. القنيطرة، المغرب: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، 2005.

بنعياد، محمد. طريق الحرية: التاريخ الصغير لمدينة سلا: أيام كفاح الملك والشعب، 1912  -  56 19. الرباط: مطبعة شالة، 1986. "جمعية قدماء اليوسفية". مجلة المغرب.لسنة ا 3، العدد 8 (كانون الثاني/ يناير-شباط/ فبراير 1935.)

"جمعية قدماء اليوسفية". مجلة المغرب. السنة 5، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر-تشرين الأول/ أكتوبر 1936).

"رواية أميرة الأندلس وتمثيلها بالحمراء." مجلة المغرب. السنة 2، العدد 12 (أيلول/ سبتمبر 1933.)

غلاب، عبد الكريم. تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية الحرب الريفية إلى بناء الجدار السادس في الصحراء. الرباط: مطبعة الرسالة، 1987.

القادري، أبو بكر. مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية: من 1941 إلى 1945. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1997.

.________ المجاهد محمد اليزيدي ضمير حزب لاستقلال ورجل الصدق والوفاء والوطنية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1999.

مجموعة مؤلفين. التعليم والحركة الوطنية بالأطلس المتوسط خلال فترة الحماية وحضور تاريخ المقاومة وجيش التحرير في الكتاب المدرسي. الرباط: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2007.

مجموعة مؤلفين. الحركة الوطنية بمدينة سلا: النشأة - الرواد - الخصوصية، مائدة مستديرة 7  -  8 مارس 2003. الرباط: المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، 2004.

"المشروعات الإصلاحية." مجلة المغرب. السنة 3، العدد 7 (كانون الأول/ ديسمبر 1934.)

واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. ط 2. الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2004.

الوزاني، محمد حسن. مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحريرية المغربية، ج 1: طور المخاض والنشوء. فاس: منشورات مؤسسة محمد حسن الوزاني، 1982.

"يوم للأدب بالمغرب". مجلة المغرب. السنة 2، العدد 17 (شباط/ فبراير 1934.)

الأجنبية

• Aouad, M’hammed & Maria Awad. Les trente glorieuses ou l’âge d’or du nationalisme marocain 19251955- ,

Témoignage d’un compagnon de Mehdi Ben Berka. Rabat: Imprimerie Al Maarif Al Jadida, 2006.

• Benhlal, Mohamed. Le collège d’Azrou: La formation d’une élite berbère civile et militaire au Maroc. Paris:

Edition Karthala-Ireman, 2005.

• Brown, Kenneth. Les gens de Salé, les Slawis: Traditions et changements de 1830 à 1930. préface de Mohammed

Naciri. Casablanca: Eddif, 2001.

• "Composition des bureaux des associations d’anciens élèves." Année 1942  -  1943. A.D.N: Carton 3 MA 900  /  38.

• Deye-Finzi, Michèle O. Les associations en ville africaines: Dakar-Brazzaville. Paris: L’Harmattan, 1985.

• Direction de l’Instruction Publique. "Note au directeur de l’instruction publique, attitude actuelle de la Jeunesse

Marocaine." 20 / 4 / 1941. A.D.N: Carton 3 MA. 900 / 56.

• Direction de l’Intérieur, Section politique. "L’Activité politique des associations d’anciens élèves des

établissements d’enseignement franco-musulman." [Sans Date]. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Direction de l’Intérieur. section politique. "L’activité politique des associations d’anciens élèves des établissements

d’enseignements franco-musulmans." A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Direction des Affaires Indigènes. "Note sur le projet de création d’une fédération des associations d’anciens

élèves des collèges musulmans et des écoles de fils de notables." 6 / 3 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Direction des Affaires Politiques, Section politique. "Note sur les associations d’anciens élèves des écoles et

collèges franco-musulmans composition et tendances actuelles." Avril 1943. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• El Aoufi, Nourddine (ed.). La société civile au Maroc: Approches. Rabat: Imprimerie El Maarif Al Jadida, 1992.

• Hoisington Jr., William A. L’héritage de Lyautey: Noguès et la politique française au Maroc 1936  -  19 43. Paris:

L’Harmattan, 1995.

• L’interprète-Lieutenant-Colonel Mangot Directeur du Journal Essaada au Directeur des Affaires Indigènes.

"Note." 8 / 3 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Chef de Bataillon Laubies. Chef du cercle d’Azrou. au Contrôleur Civil Chef du territoire de Meknès.

"Association Amicale des Anciens Elèves du Collège Berbère d’Azrou." 18 / 10 / 1944. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Commissaire Résident Général de la République Française au

Maroc (Service du Contrôle Civil). 9 / 3 / 1934. A.D.N: carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Commissaire Résident Général de la République Française

au Maroc. "Fédération des anciens élèves des écoles de fils de notables." 7 / 3 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat au Directeur des Affaires Politiques. "Dissolution des Associations

d’Anciens Elèves Rabat-Salé." 3 / 11 / 1944. A.D.N: carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Contrôleur Civil Chef de la Région de Rabat. "Bulletin de renseignements." 14 / 3 / 1934. A.D.N: Carton

1 MA. 200 / 435.

• Le Directeur de l’Instruction Publique au Secrétaire Général du Protectorat. "Associations d’anciens élèves."

14 / 6 / 1944. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Directeur du Collège Moulay Youssef. "Réponse à la note circulaire N 3409 IP/ 3 T du 1 mai sur le rôle du

conseiller technique des associations d’anciens élèves." 28 / 5 / 1943. A.D.N: carton 3 M. 900 / 38.

• Le Directeur Général de l’Instruction Publique, des Beaux-Arts et Antiquités au Maroc, au Directeur des Affaires

Indigènes. [Sans Date]. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Directeur Général de l’Instruction Publique, des Beaux-Arts et des Antiquités au Maroc, au Directeur du

Service du Contrôle Civil, "Bulletin de renseignements sur l’activité politique des associations d’anciens élèves."

30 / 4 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Directeur Général de l’Instruction Publique, des Beaux-Arts et des Antiquités au Maroc, au Directeur des

Affaires Indigènes. "Note au sujet des associations d’anciens élèves des établissements scolaires d’enseignement

musulman." 16 / 3 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Le Général Suffren Chef de la Région de Fès à l’Ambassadeur de France Commissaire Résident Général de France

au Maroc. "Association des Anciens Elèves du Collège Moulay Idriss." 13 / 11 / 1944. A.D.N: carton 1 MA. 200 / 435.

• Rezette, Robert. Les partis politiques marocains. Préface de Maurice Duverger. Paris: Armand Colin, 1955.

• Rivet, Daniel. Le Maroc de Lyautey à Mohammed V: Le double visage du Protectorat. Casablanca: Editions Porte

d’Anfa, 2004.

• Secrétariat Général du Protectorat. "Note pour le Directeur des Affaires Politiques, Association d’anciens élèves

des établissements de l’enseignement musulman." 30 / 6 / 1944. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Service de l’enseignement secondaire primaire et professionnel musulman au Directeur des Affaires Indigènes.

4 / 7 / 1935. A.D.N: carton 3 MA. 900 / 38.

• Service du Contrôle Civil. "Note pour le délégué à la Résidence Générale." Fédération des associations d’anciens

élèves. 6 / 3 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.

• Service du Contrôle Civil. "Note pour le Délégué à la Résidence Générale." 8 / 3 / 1934. A.D.N: Carton 1 MA. 200 / 435.