في الحاجة إلى تجديد صنعة المؤرخ: قراءة في كتاب
On the Need to Define the Historian’s Trade: A Reading of Bayadh al-Tayyeb’s The Press and History
الملخّص
المؤلف: الطيب بياض. عنوان الكتاب: الصحافة والتاريخ، إضاءات تفاعلية مع قضايا الزمن الراهن. العنوان الأصلي: الأصلي. الناشر: منشورات دار أبي رقراق. مكان النشر: الرباط – كلية الآداب والعلوم الإنسانية عن الشق، الدار البيضاء. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 175 صفحة من القطع المتوسط.
Abstract
On the Need to Define the Historian’s Trade: A Reading of Bayadh al-Tayyeb’s The Press and History
- الكتابة التاريخية
- الصحافة
- الطيب بياض
صدر للمؤرخ الطيب بياض، في مستهل السنة الجارية (2019) كتاب بعنوان الصحافة والتاريخ: إضاءات تفاعلية مع قضايا الزمن الراهن، توزعت صفحاته على قسمين: يتناول المؤلف في القسم الأول إشكالية نظرية - منهجية يتوخى بها التحديد الإبستيمولوجي لموقع التاريخ داخل نادي العلوم الاجتماعية؛ وذلك بفضل خوضه حوارًا جدليًّا ومثمرًا بين مهنة الصحافي وصنعة المؤرخ. ويكرس المؤلف في القسم الثاني كامل جهده لاختبار القيمة الكشفية والعملية للمنهجية التي تبناها في استنطاق أحداث جارية، تدخل في نطاق اهتمام الصحافي والمؤرخ على حد سواء. وقد تمكن الأستاذ بياض من وضع عدد مهم من الأحداث وتحليلها تحت لافتة عريضة سمّاها "للتاريخ إضاءة"؛ حيث يعمل على تحليل الظرفية ومعالجتها من خلال إحضار بنية تراوح مدتها الزمنية بين المتوسطة والطويلة. جاء القسم الأول من الكتاب (ص. 15)، بعنوان "التاريخ والصحافة: تبادل خدمات وتقاطع غايات واختلاف آليات". واشتمل على أحد عشر محورًا، وزعها المؤلف على موضوعات أثارت انتباه مؤرخين كبار واهتمامهم، أمثال مارك بلوك Bloch Marc، وجاك لوغوف Jacques Goff Le، ولوسيان فيفر Febre Lucien، وفيرناند بروديل Braudel Fernand، ثم باتريك بوشرون Boucheron Patrick وغيرهم. جاء هذا القسم، شكلً ومضمونًا، متفاعلً مع مدرسة الحوليات؛ حيث استهل المؤلف القسم الأول بمحور عنوانه "ما جدوى التاريخ؟"، قبل أن يخوض في حديث تحليلي حول الهزيمة الغريبة التي أفرد لها المحور الرابع. لكن من دون أن يغفل عن أن التجربة الإنسانية تفيض دومًا عن القوالب التي تضعها فيها الحدود السياسية والأيديولوجية والتاريخ الدبلوماسي؛ ولعل هذا كان درس المحور الخامس "الحب في زمن الحرب الباردة"؛ حيث تناول المؤلف فيه علاقة الحب التي جمعت جاك لوغوف، المؤرخ الفرنسي، بزوجته الطبيبة البولندية هانكا Hanka. ولا يخفى على أهل الصنعة من المؤرخين أن سؤال "ما جدوى التاريخ؟" سؤال تاريخي؛ فقد طرحه بلوك في أعقاب الهزيمة التي تعرضت لها فرنسا أمام ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية1؛ ما يجعل من إعادة طرح السؤال مسألة حيوية تتخذ أبعادًا تأسيسية،ً ما دام أن السؤال لم يكن يُعنى بتفسير الهزيمة، كما هو الشأن بالنسبة إلى كتاب "الهزيمة الغريبة"2، بل بالدفاع عن صنعة المؤرخ من خلال الدعوة إلى تجديدها. لم يكتف المؤلف بعرض بعض أوجه الحوار التي جمعت بين الصحافة والتاريخ، وهي التي كانت حاضرة في أكثر من محور داخل هذا القسم، مثل المحور السادس الذي كان عنوانه "إضاءات في النوفيل أوبسيرفاتور"، والمحور السابع: "التاريخ بأقلام صحفية"، أو المحور الثامن: "جون لاكوتير: الصحافي المؤرخ المرجع" وغيرها، بل جعل من هذا الحوار ومختلف أوجهه مناسبة لطرح نقاش أعمق يجمع بين التاريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى. وقد ركز المؤلف في المحور الثاني، الذي كان عنوانه "المؤرخ يعيد الاعتبار لصنعته ويجيد التموقع". ما تفرق، إضمارًا، في كل محاور هذا القسم؛ حيث تبيَّ في هذا المحور، على نحو ملموس، أن معركة التموقع التي يخوضها المؤلف تدور رحاها على الحدود بين التاريخ والعلوم الاجتماعية وليس بين التاريخ والصحافة. ولم يفت المؤرخ بياض إثارة مسألة الكتابة التاريخية وأسلوب الكتابة الذي يميز المؤرخين. ولعمري إنها قضية نادرًا ما أثارت انتباه المؤرخين، ولا سيما الوضعانيين منهم؛ حيث ساد اعتقاد أن بديع الأسلوب مفسد للموضوعية والدقة. هكذا، تجد المؤلف في المحور التاسع، يستحضر إسهام محمد باهي حرمة من أجل الاحتفاء بمتعة قراءة التاريخ وفن كتابته. في القسم الثاني، الذي جاء بعنوان "إضاءات وتفاعلات" (ص. 63)، يجمع بياض ما تفرق منذ 2013 في أعداد مجلة زمان، التي كان يضطلع فيها بإعداد عمود شهري عنوانه "للتاريخ إضاءة". جاء هذا القسم مشتملً على تسعة وعشرين فصلً موزعة على موضوعات تهم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والدبلوماسي والأدبي... إلخ.
في هذه القراءة سوف نحاول أن نكشف عن الرهانات التي تحكمت في تأليف هذا الكتاب والدواعي التي تفسر الحاجة، اليوم، إلى إعادة تعريف الصنعة التاريخية وطرح السؤال التأسيسي: ما جدوى التاريخ؟ من جديد. ولما كان هذا دافعنا من إنجاز هذه القراءة، فقد جعلناها في تمهيد وثلاثة محاور ثم خلاصة، في الآتي.
تمهيد: حديث يف التاريخ
دأب المؤرخون في كتابة التاريخ وتلقينه، فكان عليهم أن يفتشوا في عدد كبير من الوثائق من مختلف الحقب، ويحرصوا على التمييز فيها بين السند الصحيح والسند الخاطئ، فقد تعارف أهل الصنعة من المؤرخين الأ وَل على أن مهمتهم تتمثل، أولً وقبل كلُ شيء، في تحقيق الخبر، والظفر منه بالحكم والعبر. لكن شتّان بين كتابة التاريخ والكتابة عن التاريخ أو في التاريخ؛ فبينهما فرق شاسع هو الفرق نفسه الموجود بين التاريخ والمعرفة التاريخية. وليس من باب التخصص أن يهتم المؤرخ بالمعرفة التاريخية، بل إنه لا يهتمّ بها إلا إذا نال الشكُّ الأسسَ التي تقوم عليها الصنعة التاريخية نفسها، فيصير لزامًا عليه أن ينظر في شروط إمكان المعرفة التاريخية ومصادر مشروعيتها، وهذا كان موضوع كتاب الصحافة والتاريخالذي نتناوله بالقراءة. فالمؤلف يرجع بنا، مهتديًا برواد مدرسة الحوليات، وفي طليعتهم مارك بلوك، إلى السؤال الأول: ما جدوى التاريخ؟ فكأن المؤرخ صاحب الكتاب قد شعر بوهنٍ ما قد نال من صنعة المؤرخين، فانبرى إلى إعادة الاعتبار إلى الصنعة لافتًا انتباه المؤرخين إلى أن "داء العطب عميق."
أولً: جدوى سؤال الجدوى
ما جدوى أن يطرح بياض، اليوم، سؤال جدوى التاريخ، إذا كان بلوك قد طرح السؤال دفاعًا عن التاريخ وحرفة المؤرخ، بعد هزيمة مدوية لفرنسا أمام غريمها الألماني، وصفها بالهزيمة الغريبة، فما الظروف التي آلت بالمؤلف إلى أن يسير على هوى بلوك ويطرح سؤال جدوى التاريخ؟ قبل أن نتصدى للجواب عن هذا السؤال، يتعين علينا، أولً، أن نفهم وجه الغرابة في هزيمة فرنسا، وأن نفهم، بعد ذلك، لماذا ينصرف مؤرخ إلى الانهمام، في غمرة الهزيمة، بسؤال في إبستيمولوجيا الصنعة التاريخية؟ أليس في الأمر ترف زائد عن الحد المعقول أم هو وفاء غريب للصنعة يفرض علينا الوقوف على الأمر وقفة جادة؟ ليست فرنسا هي المعنيّ الوحيد بالهزيمة، في نظر بلوك، بل الحضارة الغربية برمتها. وهو بهذا الموقف إنما يريد أن يثير الانتباه إلى أن هزيمة فرنسا لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، ولا حتى هزيمة قيادة، وإن كان قد توقف مليًّا عند هذا البعد الثاني للهزيمة، بل هي هزيمة فكرية3، اندحرت فيها أوروبا المستقبل أمام أوروبا الماضي، أو قل أوروبا القيم الكونية أمام أوروبا العرق. ولعل ما يضفي على الهزيمة غرابةً ويزيد الغرابةَ حدةً، تجَذُّر فكرة التقدم في العقلانية الغربية حتى صارت من بداهاتها؛ فصار التاريخ بها مسيرة تتجه نحو المستقبل بثبات، مخلفة وراءها كل مظاهر التوحش والبدائية والتعصب.
في غمرة الهزيمة الغريبة، انهمك مارك بلوك في إعادة تعريف حرفة المؤرخ؛ كيف لا وقد صار مقتنعًا بأن الهزيمة كانت فكرية أكثر من أي شيء آخر، وأن ما يجب إصلاحه فعلً هو طريقتنا في التفكير ومعالجة الأشياء، ولا سيما أن المتقدمين من أهل الصنعة التاريخية يجمعون على أن التاريخ هو العلم الذي يدرس الماضي؛ ويا له من أمر سخيف أن يكون الماضي في حد ذاته موضوعًا للعلم4. يطرح بلوك سؤال جدوى التاريخ على لسان ابنه5؛ وهو بهذا يريد أن يقول إن موضوع التاريخ ليس هو الماضي، وإلا فإن الملائم، والحال كذلك، أن يأتي السؤال على لسان الجد لا على لسان الابن. أما جواب المؤرخ فسيكون عندئذ واضحًا لا غبار عليه: التاريخ هو الماضي والذاكرة، إنه الميدان حيث يحفظ مجد الأسلاف، وصلة الوصل التي تجعلهم حاضرين بيننا ويحيون فينا باستمرار. من سوف يعترض من أسلافنا على فائدة التاريخ وجدواه، فهو يوضب لهم موتًا كريمًا، ويقيم لهم جنازة لائقة، ولا خوفٌ عليهم، حتى إن نال منهم الأعداء فانهزموا، فإن للتاريخ سحرًا يحوِّل غبن الهزائم النكراء إلى اعتزاز بأمجاد سلف يشفع لهم، عند الهزيمة، أنهم قاتلوا حتى النهاية من دون استسلام. يبدو أن التاريخ متهم بالضلوع في الهزيمة، وأن علماء الاجتماع لا يجانبون الصواب كثيرًا عندما ينعتون المؤرخين وصمًا بالقبيلة؛ فالقبيلة تحيل إلى القديم والتقليدي، وإلى الانغلاق والعصبية باعتبارها رابطًا اجتماعيًا يؤول إلى تعزيز الروابط الداخلية وتمتينها في مقابل العزوف عن الانفتاح وتبخيس العلاقات الخارجية. نعم - يقول لسان حال "قبيلة المؤرخين" - نحن لم نحرز أي تقدم يذكر، لكن عزاءنا أننا حافظنا على أصالتنا وطهرانيتنا من المدنس الذي يتربص بها عند كل تجديد. على هذا النحو، يبدو المؤرخ لعلماء الاجتماع. وفي هذه السحنة يتراءى من اختار الماضي عنوانًا لعلمه لمن اعتبروا العلم في جوهره استباقًا Une anticipation ووثبة في اتجاه المستقبل. يظهر، إذًا، أن الهزيمة وطبيعة الصنعة شيءٌ واحدٌ، وأن المؤرخ التقليدي متورط في الهزيمة، وسيظل التاريخ، ما لم يجدد آليات العمل، عاملً مساهمًا في تبرير الهزيمة، ومن ثمّ تكريسها. كيف نعيد الاعتبار إلى التاريخ؟ وما هي صنعة المؤرخ المجدد؟ هذا ما انبرى إلى الجواب عنه بلوك، وهو نفسه ما حدا ببياض إلى مساءلة حرفة المؤرخ. فما الظروف التي دعت بياض إلى أن يكتب بنفَس بلوك وروحه؟
ثانيًا: يف الحاجة إلى نفَس مارك بلوك وروح الحوليات
عاش بياض انهيار المعسكر الشرقي وسقوط جدار برلين، ولعمري إن هذا الزلزال وحده كاف ليدفع به إلى إعادة طرح السؤال حول التاريخ وجدواه، لولا أنه كان حينئذ طالبًا يتحسس طريقه نحو التاريخ ببطء لكن بثبات. ولن أكون مجانبًا الصواب كثيرًا أو مجحفًا في الحكم على أول إصدار له، وهو كتاب المخزن والضريبة و لاستعمار7، إن اعتبرته مغالبة للسقوط وإصرارًا على المواجهة حتى النهاية؛ فبياض، في نهاية المطاف، أراد أن يقول لنا إن طريقة المتقدمين في تقسيم الأزمنة سطحية، وإن المحدد الأعمق في تقييم الأحداث والأخبار هو الزمن الاقتصادي ومحطاته البارزة. بل ليس عبثًا أن يكون أول ظهور لبياض مؤرخًا في حلة صحافية في مجلة زمانفي نسختها العربية منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2013 بمقال، ضمن عمود "للتاريخ إضاءة"، عنوانه "الاقتصاد والسيادة" (ص. 66) لم يفت بياض في إحدى إضاءاته أن شابك في دروس شهر واحد، هو شهر حزيران/ يونيو، بين ذكرى الانتفاضة الشعبية التي شهدتها الدار البيضاء عام 1981 وذكرى هزيمة 1967 (ص. 121). وإن دلَّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن الانهيارات المتتالية التي عاشتها القومية العربية، والمصير الذي آل إليه النظام الإقليمي العربي قد تركا في نفس بياض جرحًا غائرًا، سرعان ما سيتحول تدريجيًّا إلى وعي إبستيمولوجي بضرورة مساءلة الأداة بدل الاقتصار على فحص الموضوع.
6 الطيب بياض، المخزن والضريبة و لاستعمار، ضريبة الترتيب 1880 - 1915 (الدار البيضاء: إفريقية الشرق، 2011.)
لكن الحدث الحاسم، الذي عزز الشعور بالاستغراب، ودفع بياض إلى مساءلة الصنعة إلى جانب فحص الموضوع، كان هو أحداث "الربيع العربي" الذي تحول بسرعة إلى خريف آخر يُضاف إلى فصول الإحباطات والانكسارات التي عاشتها الشعوب العربية والمغاربية. ولعل الدور الحاسم لهذا الحدث في توجيه بياض، إنما يعود إلى كونه اقترن بنضج الباحث وبلوغه سنًا اكتسب عوده فيها صلابةً أشد،ّ وصارت في حوزته أدوات تحليل قادرة على تهذيب الرؤية وصقل المنهج. لقد دفعت الرغبة في فهم أسباب الانزياح بالمؤلف إلى إزاحة التاريخ عن كنهياته الكلاسيكية وضمنها الوطن، والاهتمام بالهوية والحركات الاحتجاجية وجماعات فرعية أخرى تعيش الحدث الوطني الواحد بمعانٍ مختلفة، بل قد تكون متناقضة. إذا كان مارك بلوك قد دعا إلى إعادة تعريف التاريخ وتجديد حرفة المؤرخ تحت ضغط الأسئلة التي حملتها معها الحرب العالمية الثانية، وهي أسئلة عمقت ريبتنا تجاه مفاهيم كانت قد صارت جزءًا لا يتجزأ من معهودنا المعرفي والسياسي، مثل مفاهيم التقدم والكونية والوطن، فإننا، اليوم، في حاجة ماسة إلى روح بلوك ونفَسه لإعادة صوغ حرفة المؤرخ وبنائها تحت ضغط الحروب الجديدة، التي حملتها معها العولمة وثورة الإعلام والاتصال. فلقد صارت التكنولوجيا تحل أكثر فأكثر محل الإنسان، وصار المعنى يتشظى أكثر فأكثر أمام انفجار وحدات أو كنهيات مفهومية كبرى كالوطن والأمة والمجتمع، وظهرت مصادر جديدة ومتعددة لإنتاج المعنى مثل الهويات الأساسية والثقافات الفرعية والمذاهب الدينية.
ثالثًا: الخلفيات المنهجية لعمود: "للتاريخ إضاءة"
بعزم وثبات، يحاور بياض كل هذا التفتيت الذي تحدثه العولمة دونما ارتباك، لكنه في الوقت نفسه لا يستسلم لمفاعيل العولمة وإغراءاتها، فعلى الضد من كل توجه تكنوقراطي يحول المؤرخ إلى خبير يستشار في خبرته ويستفاد منها، أصر بياض على التزام المساءلة الإشكالية للحدث، ولم يكتف بالتحقيق في مدى صحته أو بطلانه فحسب؛ وذلك وفق شروط مبدعة تسمح بتوطين الظرفية داخل البنية، أي داخل حقل إشكالي - زمني أعمّ؛ وتلك كانت في زمان، "للتاريخ إضاءة" (ص. 60) نحتاج، إذًا، إلى مؤرخ بنفَس مؤسس مدرسة الحوليات وروحه، ينقل التاريخ من معايير التضلع إلى شروط المدة الطويلة، حتى لا نتيه في زمن تشظي المعاني وتشتتها. ولعلها مهمة المؤرخ الأولى والرئيسة في زمن العولمة الذي بالكاد نجد فيه شيئًا يجمعنا، ويستحق تضحيتنا كيما يبقى مستمرًا ومتواصلً. إِنه القلق نفسه الذي راود بلوك وهو يعبر عن وجله من أَلّ يتبقى للفرنسيين شيء يستحق أن يريقوا دماءهم من أجله8. فعلى ما يبدو، إن عبارة هتلر الشهيرة "ليس للديمقراطيين قضية يقاتلون من أجلها" كانت تقض مضجع بلوك وتمزق أحشاءه، تمامًا كما كانت وضعية الهزيمة تمزق فرنسا برمتها. لقد وضع انهزام الفرنسيين أمام النازيين فرنسا بين مطرقة اليمين (عودة التعصب الديني وتثمين قيم الماضي) وسندان المغامرة الشيوعية (الوعي الطبقي بديلً من الوعي الوطني). وفي عز هذا التمزق الوجداني، الذي مارس جبروته على العقول والأذهان ملزمًا إياها بالتموقع والاصطفاف، ظل بلوك وفيًا لحرفته، واختار أن يفارق الحياة مدافعًا عن التاريخ وعن حرفة المؤرخ. ولعمري إن هذه المفارقة وحدها كافية لفتح سجل التجديد في ممارسة المؤرخ صنعته. لكن، أي تجديد هذا الذي يتحدث عنه بياض؟ فنحن لا نعيش اليوم هزيمة وطن، بل ليس هناك ما يدعو إلى الخوف على الأوطان في زمن لم يعد يسمح لنا، أصلً، بأن نتصورها بمعزل عن انفتاح بعضها على بعض، وقدرتها على الاندماج في اتحادات إقليمية وجهوية عامة. فلم يعد في إمكاننا اليوم أن نفهم شيئًا عن السياسات الدولية والرهانات الجيوستراتيجية بالرجوع إلى تحليل ينطلق من
وجود صراعات مفتوحة بين أوطان متنافسة ومستقل بعضها عن بعض، ولا تجد سبيلً إلى تعزيز حظوظها في المنافسة إلا بتمتين الجبهة الداخلية ومواجهة كل المؤامرات التي قد تحاك ضدها من الخارج. إن انخراط أوطان في اتحادات إقليمية شاسعة، كالاتحاد الأوروبي مثلً، أو مصادقتها على اتفاقيات دولية والتزام مقتضياتها، يجعل من المركزية الوطنية مسألة غير مبررة، ومن المرونة في تدبير الخصوصيات المحلية والهويات الفرعية داخل البلد الواحد مسألة حيوية لاستمرار أي وطن مهما كانت درجة قوة معاييره الجمعية وانصهار مكوناته الفرعية. التاريخ المجدد في زمن العولمة وحرب الثقافات غير المثقفة هو التاريخ الذي ينجح في قطع الحبل السري الذي ظل يشده، ردحًا من الزمن، إلى التاريخ الدبلوماسي؛ تاريخ الأمة التي تتماهى، بالطبع، مع الدولة، والذي يسهر على الحفاظ على الذاكرة حية إزاء أمجاد الوطن. ولكم يصعب أن يحقق التاريخ هذا التجديد، وهو العلم الذي يمكن أن نطلق عليه، أكثر من غيره من العلوم الإنسانية، لقب علم الوطن أو علم الأمة بامتياز. وإذا كان علم الوطن يقضي بأن نلتزم قواعد "الوطنية المنهجية" méthodologique nationalisme Le فننطلق في التحليل من الكل إلى الجزء ومن أعلى إلى أسفل، فإن على المؤرخ المجدد، اليوم، أن يقلب الإستراتيجية رأسًا على عقب، فيبدأ من الجزء إلى الكل ومن أسفل إلى أعلى. سوف يكون على المؤرخ، وهو مع عالم الاجتماع في هذا الأمر سيان، أن يمارس التاريخ من أسفل bas en ’ d histoire Une وفي الوقت نفسه أن يحتفظ بالرغبة في التفسير وبَنْينَة الحدث متقدة. لكن ممارسة التاريخ من أسفل لا تعني كتابة تاريخ مفتت إلى وحدات صغرى، بل تاريخ يستطيع أن يستنطق الأحداث المتفرقة ويُقَوِّل الوثيقة بفضل وصف حياة الناس وعوالمهم المعيشة وصفًا مكثفًا. هكذا تضاف الملاحظة إلى الوثيقة ليشكلا معًا عدة مؤرخ مقتنع قناعة مارك بلوك، الذي أخذها بدوره عن أستاذه بيرين Henri Pirenne بأن الواجب الأول الذي يتعين على المؤرخ أن يضطلع به هو الاهتمام بالحياة. ولعل هذا ما حدا بمارك بلوك أن يستدرك وهو يحول موضوع التاريخ من دراسة الماضي إلى دراسة الإنسان بقوله: "لقد تعلمنا منذ زمن طويل على يد شيوخنا أمثال ميشلي وفوستيل دي كولانج أن موضوع التاريخ هو الإنسان (Homme ’ L) أو بالأحرى الناس (Hommes Les) في الزمن"9. يبدو أن بياض قد أدرك في العمق الطابع الإشكالي لهذا التجديد في حرفة المؤرخ. بل قد عاش الإشكالية وهو يحتك بدور الصحافي ويزاول هذه الحرفة. فقد جعلته الصحافة يفاوض باستمرار معنى الأحداث من خلال بَنْينَة الظرفيات conjonctures les Structurer؛ فلا هو فرط في مادة الحدث، التي تسمه بميسم الفرادة، ولا هو فرط في صورة الحدث، التي تجعله قابلً للفهم والإدراك العقلي. فكان القالب الجميل فيزمانصفحة ازدانت جمالً بحبكة النص وبلاغة الأسلوب عنوانها "للتاريخ إضاءة." إن المؤرخ المجدد هو الذي ينتبه إلى عبارات تبدو في منطق الحياة اليومية تافهة لا قيمة لها، بينما هي في الواقع تكثف في صيغتها ومضمونها قاعدةً تفسيريةً عامةً. وفي ما يلي نموذج لهذا التنبه والحذر المنهجيين في ما حكاه بلوك عن علاقته بأحد الضباط الشباب على الجبهة العسكرية: "قال لي أحد الضباط الشباب: لقد علمتني هذه الحرب أشياء عديدة، هذا واحد منها: يوجد من الجنود من لن يصير محاربًا أبدًا، وهناك من المدنيين من وجدوا محاربين بالسليقة"10. قد تبدو هذه العبارة تافهة بالنسبة إلى كثيرين، يقول بلوك مسترسلً: "أما بالنسبة إلي فلا أعتقد أنها مجانبة للصواب تمامًا، لا فيما يخصني أنا شخصيًا، ولا في تطبيقاتها العامة".
هي ثورة من أجل التجديد، تلك التي يدعو إليها بياض على إيقاع بلوك ورواد مدرسة الحوليات، وهي تشبه، إلى حد ما، ثورة فيزياء الكم quantique physique La: فعندما نتمكن من فهم منطق الأشياء المجهرية والدقيقة، نتمكن من إعادة صياغة التاريخ العام وكتابته. وهذا الأمر يدعونا إلى اعتماد إستراتيجية جديدة في فهمنا العلاقة بين الجزء والكل؛ فتَميز الجزء لا يعني وجود استثناء لا تقدر القاعدة على استيعابه، بل حالة تكثيف للقاعدة وتركيز شديد لها، جعلها تبدو على غير ما هي عليه. فبينما تخبو حدة القاعدة وتتلاشى في العامّ والكوني، تتركز في الخاصّ والمحلي وتتضاعف كثافتها. وما يتبقى للمؤرخ أن يفعله، كما لعالم الاجتماع ذي الهوى الفينومينولوجي، هو أن يجعل انتقاله، جيئةً وذهابًا، بين الكثيف المركز والنحيف المتلاشي واضحًا وصريحًا وقابلً لإعادة الإنتاج من طرف شخص متوسط الذكاء؛ وهذا يدعى في العلم "إيضاح الطريقة" démarche la Expliciter. وفي "بقايا صور" يبدع الطيب بياض في تنقله ذهابًا وإيابًا بين الحدث الفريد والمعنى العام، فتستحيل الصورة عنوانًا لزيف العناوين الكثيرة التي ينتجها عالم وضع نفسه تحت عنوان كتب بالبنط العريض: "العالم الحر" (ص. 132)
خلاصة
مثّل المرجع الذي نعود إليه في التحقيب محور نقاشات طويلة بين المؤرخين، لكن سيادة المنظور الوضعاني في معالجة هذه القضية أضفى على الحقب والمراحل والفترات التاريخية طابعًا واقعيًا. إن أول تجديد يدعو إليه بياض هو التحقيب بحسب الإشكالية. فالحقبة لا تنحل إلى مجموعة من الأحداث المتشابهة والمتجانسة، بل إلى مشكلة عامة وأسلوب استدلال في التعامل مع الأشياء ميز مرحلة زمنية ما. بهذا المعنى يتحول التاريخ من وعاء يشتمل على أشياء إلى بناء يحتمل معاني ويحمل دلالات. الوثيقة في المعنى الأول للتاريخ تَقول وفي المعنى الثاني للتاريخ تُقوَّل. فهل آن الأوان، بعد كتاب الصحافة والتاريخ، لإعلان ميلاد تاريخ تأويلي ينشغل فيه المؤرخ بالمعنى ولا يقتصر على التحقيق؟ وهل ستكون مناسبة أخرى لحوار جديد ومجدد بين المؤرخ والإثنولوجي، بعدما نجح بياض في استخلاص ما ينبغي استخلاصه من حوار المؤرخ والصحافي؟