الورقة الخلفية لندوة أسطور: المؤرخ العربي ومصادره
Arab Historians And Their Sources (Background paper)
الملخّص
كيف للمؤرخ العربي أن ينهض بالمعرفة التاريخية؟ وهل للمصادر دور في ذلك؟ يحتاج المؤرخ، لكي ينتج معرفة تاريخية رصينة وطريفة، إلى مادة مصدرية متنوعة وجديدة، كما يحتاج إلى التزود بالأدوات المنهجية الأساسية التي تمكّنه من مساءلة هذه المادة، ثم تفكيكها وتحليلها وتأويلها، وأخيرًا إعادة تركيبها. إن التفكير في المصادر التي يعتمدها المؤرخ العربي، وفي كيفية تنوعها وإثرائها واستعمالاتها، يمثل أحد الشروط الأساسية للنهوض بالكتابة التاريخية. كل مؤرخ يستنبط مدونته المصدرية، وهي ضرورة لا حياد عنها. كيف يستنبط المؤرخ مدونته ويبنيها؟ وكيف يحدد ملامح موضوع بحثه من حيث العلاقة بمكونات هذه المدونة؟ تعترض المؤرخ أثناء القيام بعملية بناء مدونته مجموعة من المشكلات: كيف يكون انتقاء المعطيات؟ وكيف تكون المعاينة؟ وما الذي تراه العين؟ وما الذي لا تراه؟ فالمؤرخ يكون دائمًا انتقائيًا في نظرته إلى المعطيات عند بناء المدونة المصدرية؛ إذ يختار ما يراه مجديًا ويترك ما لا يراه كذلك، بحيث يكون في تبعية كاملة لقدراته المعرفية ولتجربته البحثية. والإشكال الأساسي في هذا المجال هو: كيف ينوِّع المؤرخ مصادر معلوماته حتى لا يقع في خطأ إنجاز تحليل أحادي لواقع مركّب ومتعدد الأوجه؟ وكيف يبني مدونته وينتقي معلوماته بصور مجدية، وبطريقة تكون مستقلة عن إكراهات التصنيفات المصدرية أو الأرشيفية أو الإحصائية؟
Abstract
Arab Historians And Their Sources (Background paper)
- ندوة أسطور
- الكتابة التاريخية
الورقة الخلفية
كيف للمؤرخ العربي أن ينهض بالمعرفة التاريخية؟ وهل للمصادر دور في ذلك؟ يحتاج المؤرخ، لكي ينتج معرفة تاريخية رصينة وطريفة، إلى مادة مصدرية متنوعة وجديدة، كما يحتاج إلى التزود بالأدوات المنهجية الأساسية التي تمكّنه من مساءلة هذه المادة، ثم تفكيكها وتحليلها وتأويلها، وأخيرًا إعادة تركيبها. إن التفكير في المصادر التي يعتمدها المؤرخ العربي، وفي كيفية تنوعها وإثرائها واستعمالاتها، يمثل أحد الشروط الأساسية للنهوض بالكتابة التاريخية. كل مؤرخ يستنبط مدونته المصدرية، وهي ضرورة لا حياد عنها. كيف يستنبط المؤرخ مدونته ويبنيها؟ وكيف يحدد ملامح موضوع بحثه من حيث العلاقة بمكونات هذه المدونة؟ تعترض المؤرخ أثناء القيام بعملية بناء مدونته مجموعة من المشكلات: كيف يكون انتقاء المعطيات؟ وكيف تكون المعاينة؟ وما الذي تراه العين؟ وما الذي لا تراه؟ فالمؤرخ يكون دائمًا انتقائيًا في نظرته إلى المعطيات عند بناء المدونة المصدرية؛ إذ يختار ما يراه مجديًا ويترك ما لا يراه كذلك، بحيث يكون في تبعية كاملة لقدراته المعرفية ولتجربته البحثية. والإشكال الأساسي في هذا المجال هو: كيف ينوِّع المؤرخ مصادر معلوماته حتى لا يقع في خطأ إنجاز تحليل أحادي لواقع مركّب ومتعدد الأوجه؟ وكيف يبني مدونته وينتقي معلوماته بصور مجدية، وبطريقة تكون مستقلة عن إكراهات التصنيفات المصدرية أو الأرشيفية أو الإحصائية؟ هنالك أسئلة أساسية تعترض المؤرخ في هذا المجال، تتعلق كلها بشروط التجديد في الكتابة التاريخية: هل السؤال قبل المصدر أو العكس؟ كيف نتخطى معضلة قلة المصادر ونبحث عن "المصادر الدفينة"؟ وأخيرًا، تأتي أسئلة الاستعمالات؛ منها: كيف نستقرأ الخطاب الذي يرشح من خلال كلمات الوثائق النصية؟
هل السؤال قبل المدونة المصدرية أو العكس؟
ما من شك في أن المؤرخ يبني مدونته المصدرية بإيحاء من سؤال يطرحه أولً؛ إذ إن السؤال هو في صميم المنهج الذي يوجه المؤرخ نحو البحث عن السبل التي من شأنها أن تُطور الكتابة التاريخية، وهكذا يوفّر السؤال الإمكانات المصدرية الجديدة والكفيلة بتطوير المعرفة التاريخية. واستحضار المناهج، اعتمادًا على العلوم المساندة، يمكّن من تخصيب هذه المصادر لتطوير المعرفة التاريخية. يكون بناء المدونة وكيفية استعمالها وما يتبع ذلك من إشكالات منهجية رهين الحقول البحثية التي تحددها الأسئلة. ثم بعد ذلك تساعد المدونة - بفعل عكسي - على تناول تلك الأسئلة بالبحث والتحقيق والتدقيق؛ ومن ثمّ يمكن القول إن القيمة المعرفية للمدونة المصدرية تكون رهينة الكيفية التي بُنيت بها. أما المعطيات ذات البعد النظري، فهي تأتي بعد ذلك؛ أي في مرحلة استعمال المصادر وتوظيفها. والانفتاح على الحقول المعرفية المساندة التي تساعد المؤرخ على الخروج من "السجون المعرفية" التي تحدّ من جدوى عمله، وتمنعه من الفهم السليم للواقع الذي يريد دراسته، هو أمر ضروري. ومن بين السجون المعرفية نذكر السجون المرتبطة، مثلً، بتاريخ الذاكرة بصورة عامة، وبتاريخ ذاكرة الدولة بصورة أخص. والخروج من سجن الذاكرة يبدأ بمساءلة الذاكرة من حيث هي موضوع بحث بذاته. والأمر نفسه بالنسبة إلى سجن الدولة؛ ذلك أنّ الخروج منه يكون، أيضًا، بمساءلة الدولة بالطريقة نفسها.
قلة المصادر والموضوعات المنسية أو المهمشة
نوّع المؤرخون مصادرَهم؛ ما جعلهم يتحركون في حقول كثيرة. ومن بين هذه المصادر نجد كتب الإخبار، والحوليات السلطانية، وتراجم الفقهاء والعلماء، ومناقب الأولياء ورجالات الزوايا، وأنساب الشرفاء، وبيوتات الأعيان، وسجلات المحاكم الشرعية، والأوقاف والأحباس،
والدفاتر التجارية. ونجد كذلك كتب الفقه، والأحكام، والنوازل، والدواوين، والأمثال الشعبية، والتصوف، والمناقب، والرحلات، وغيرها. وفيما يتعلق بموضوع الغذاء، نجد كتب الفلاحة والنبات والجغرافيا، وكتب الأغذية والأدوية، وكتب الطبخ، وكتب الحسبة. لا مفرَّ من إثارة مسألة محدودية المصادر الإخبارية التي وصلتنا وما فيها من ثغرات، خاصة في مجالات معيَّنة تتسم بالهامشية، مقارنةً بما نعرفه في المجال السياسي، مثلً، وهو ما أوجد عدم توازن في مجالات البحوث التاريخية. ونلاحظ الأمر نفسه بالنسبة إلى مجال "تاريخ النساء"، وهو عمومًا من المجالات المنسية. ومن الموضوعات التي تتميز بقلة المصادر نذكر المسائل الديموغرافية. عند ما يطمح المؤرخ إلى دراسة الطواعين يواجه ندرة المصادر؛ وذلك رغم أنّ الأوبئة في العالم العربي آفة دورية، لا يخلو زمان منها في النظام الديموغرافي السابق للفترة الرأسمالية، وتكون عادة مقترنة بصورة مباشرة بالمجاعات وغلاء الأسعار. وكثيرًا ما تكون مرتبطة بتقلب الدورة المناخية في الحوض المتوسطي على الخصوص. ومن العوائق الأساسية التي حَرمت أيضًا كتابة التاريخ من الأسفل أنّ المصادر الإخبارية المتوافرة عادة ما تهتم بالفئات العليا، وبالبلاطات، والأحداث السياسية والعسكرية، دون غيرها. أما الأوساط السفلى فهي، في أغلب الحالات، مهملة. وقد جاءت الدراسات التاريخية المعتمدة على هذه المصادر خلال الفترات السابقة سجينة ما يقدمه هذا النوع من المصادر. لهذا بات من الضروري البحث في "المصادر الدفينة" لبناء معرفة تاريخية متكاملة.
مقاربة تقاطع الاختصاصات من أجل الكشف عن "المصادر الدفينة"
كيف نجدد الكتابة التاريخية ونخرجها على مستوى المواضيع والمناهج من الزاوية المغلقة التي وجدت فيها، ونجعل من البحث التاريخي مجالً علميًا منفتحًا ومتجددًا بصورة مستمرة؟ يكون ذلك أولً عبر منهج تقاطع الاختصاصات الذي من شأنه أن يحرر البحث التاريخي من الكتابة على النمط القديم؛ سواء على مستوى المواضيع، أو على مستوى المناهج المتَّبعة. فكثيرًا ما يكون ذلك المنطلقفي العثور على "الوثائق الدفينة". ويكون منهج تقاطع الاختصاصات هو الأمثل للتحكّم في مسارات البحوث التاريخية ونتائجها، خاصة من زاوية طرح الأسئلة واستنباط المدونة المصدرية. واكتشاف وثائق دفينة من شأنه أن يبدل بصورة جذرية فهم التاريخ وكتابته. وكلما تنوعت المصادر، فتحت نوافذ جديدة للبحث، وفي الوقت ذاته يحصل إمكان الاهتداء إلى مصادر أخرى؛ ذلك أن تغيير الحقول البحثية، وتوسيع دائرتها وحدودها، من شأنه أن يؤمّن إمكانية الاهتداء إلى وثائق مصدرية جديدة. والمصادر الدفينة متنوعة؛ منها الأرشيفات بأنواعها، ويمكن أن نذكر، على سبيل المثال، تلك المصادر التي نجدها في مراكز مختصة بجمعها وترتيبها، وكذلك ما تجمعه العائلات من وثائق تحفظ مصالحها وذاكرتها، ومنها الكُنّاشات [الدفاتر الصغيرة] التي يدوِّن فيها الأفراد ملاحظاتهم واهتماماتهم اليومية، ونجد كذلك كتب النوازل الفقهية، وكتب المناقب والأنساب، وكتب الجغرافيا والرحلات، والموسوعات القديمة، ومؤلفات البدع، وبعض الشروحات للمتون الدراسية، ودواوين الشعراء... إلخ. ونجد، أيضًا، كتب الرحلات والتراجم، إضافة إلى الأدب الفقهي المتمثّل في رسائل الطواعين التي ظلّت إلى فترة غير بعيدة مغمورة. من بين التجارب البحثية الجديدة التي ساعدت خلال السنوات الأخيرة على استنباط وثائق دفينة نجد تلك التجارب التي اهتمت باللباس ورموزه، وبالجسد، وبالغذاء. وتَطوُّر المعارف بمنهج تقاطع الاختصاصات في هذه المجالات هو الذي جاء بهذه المباحث التاريخية مُستحدَثة إلى دائرة الضوء لدى المؤرخين. هذا ما يثبت أنّ الكتابة التاريخية لا يمكن أن تكون إلَّ في ارتباط وثيق بالعلوم المجاورة التي يُستمد منها العناصر الضرورية لتناول قضاياه البحثية بأكثر دقة. هكذا، إذًا، يكون توسيع رقعة المصادر دافعًا لتوسيع رقعة الحقول البحثية في الكتابة التاريخية المجددة.
من المدونة المصدرية إىل استعملاتها
مهما كانت المصادر دقيقةً وثريةً، فهي لا تبني البحث. وعلى المؤرخ ألَّ يعتمدها بعفوية، وألَّ يأخذها على ظاهرها. كيف يسائل المؤرخ مصادره؟ وبأي منهج يتناول موضوعاته من خلالها؟ كيفما كانت طبيعة المصادر، فهي تبقى دائمًا خاضعة لشروط إنتاجها؛ باعتبارها مادة غير جامدة من وضع أفراد في ظروف معينة. لهذا يجب ألَّ نهمل الشروط الذاتية التي كانت وراء بناء مدونة مصدرية. فإبراز الجوانب الذاتية التي كانت وراء عملية استنباط محاور مدونة مصدرية وعملية بنائها من شأنه أن يساعد على تخطي بعض المطبات التي تفرزها المدونة، بحيث تكون المعرفة التي تُنتج من خلالها في تبعية للسياق الذي وضعت فيه؛ لذلك فإنّ التفكير في هذه الشروط، ومساءلة حمولة مكونات المصادر، يساعد المؤرخ على استغلال المعطيات المصدرية بأكثر جدوى. يحتاج المؤرخ إلى ترتيب مصادره وتحديدها ووضع مسطرة الاستعمال المناسبة. ويحتاج، أيضًا، إلى استنباط تصنيفاته المعرفية المناسبة لحقل بحثه وطبيعة مدونته. ومن حيث المنهج، من المفيد التفكير في طريقة توظيف المصادر التاريخية، والبحث في منطقها ووظيفتها وبنيتها، وهو أمرٌ يساعد على بناء إشكاليات مجددة تنفذ إلى عمق الممارسات الاجتماعية، وذلك من خلال الاهتمام بالتمثلات والإمساك بالمضمون الاجتماعي للتصنيفات الاجتماعية، مع التمييز بين تاريخ الكلمة وتاريخ استعمالاتها (أي مضمونها الاجتماعي)؛ ذلك أن الكلمة تكون دائمًا مرتبطة بتمثيلات في الذاكرة الدلالية. ربما لا تتغير الكلمات في شكلها، ومع ذلك فهي مصدر لتأويلات متنوعة، بل أحيانًا مختلف بعضها عن بعض اختلافًا جذريًّا. إن السياقات هي التي تجعل معنى الكلمات واستعمالاتها في تحول متواصل، بحيث نستحضر ذلك القول الشهير للفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (1899 - 1951): "لا وجود لكلمات، هناك استعمالات فقط." كيف يستطيع المؤرخ تخطي المحلية (التي عادة ما تفرضها طبيعة المدونة المصدرية) إلى طرح قضايا ذات بعد كوني؟ من المفروض أن يشكّل تخطى المحلية والتوق - بقدر المستطاع - إلى الكونية (أو العالمية) الهاجس المنهجي الأساسي في عمل المؤرخ. والخروج من "سجن المحلية" يتمّ عادة عبر اعتماد منهج المقارنة في معالجة عيّنات المدونة، وكذلك القضايا التي تطرحها. والانفتاح على النظريات، وما تقدمه العلوم المساندة، يجب ألَّ يُنسيَ المؤرخ ضرورةَ النظر إلى الداخلي، وإيلاء أدوار الفاعلين المحليين وأقوالهم أهميةً كبرى، بعيدًا عن النظرة النخبوية للواقع. المهم أن يكون المؤرخ أكثر انغماسًا في الواقع المحلي. كيف نتعامل مع الوثائق التاريخية من أجل التأويل والحفر والتنقيب؟ يعتبر التأويل والتفكيك بمنزلة الآليات الأساسية لقراءة الوثائق التاريخية قصد بناء معرفة تاريخية رصينة. وقوام تأويل الوثائق النصية هو الحس النقدي والتركيز على التمثلات، وعلى الرموز التي ترشح بها الكلمات. إن الممارسة التأويلية للوثائق التاريخية تجعلنا ننفلت من دوغمائية القراءات السطحية، وتجنبنا مأزق الثنائيات التي كثيرًا ما تعرقل المعرفة التاريخية. ولتجاوز هذا العائق، علينا أن نبحث عن مجالات التداخل بين العناصر المكونة للثنائيات والعلاقات المتبادلة بينها. عبد الحميد هنية رئيس قسم التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا