منهج التأويل الرمزي لقراءة التاريخ: نحو إشراك قارئ النص التاريخي في إنتاج دلالاته؛ تشخيص نظري وتطبيقي
The Hermeneutic Approach to History: Towards Involving the Historian in the Interpretation of Historical Texts
الملخّص
تؤسس الأطروحة التي تتمحور حولها هذه الدراسة على مراجعة سؤال المنهج التاريخي من خلال فرضيتين؛ أولاهما فحص مدى صحة التفكير في ماضي الإنسان كـ"حيوان رامز" ومنتج لتاريخ علاماتي - إشاراتي لا يقرأ باللغة المتداولة، إنما يفهم بالعلامة والإشارة، ويبوح بما تختزنه الذاكرة البشرية من مشاعر وعقليات متوارية، أما ثانيتهما فهي محاولة جسّ نبض فكرة إشراك القارئ/ المؤرخ في إعادة إنتاج النص التاريخي عبر إقامة حوار معه، ومع ظرفية إنتاجه، بغية إعادة بنائه بناءً جديدًا، وهو ما يمكن إنجازه من خلال توظيف منهج التأويل الرمزي. لاختبار صحة الفرضيتين، قُسّمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث نظرية وتطبيقية، خُصّص الأول لتفسير مآزق المناهج الوضعانية والتاريخانية وانسدادها. في المبحث الثاني، تناولنا منهج التأويل الرمزي، فبينّا أنه يقوم على مرتكزين جوهريين: فهم النصّ المرموز وتفهّمه، ثم ربط آليات الفهم بالموروث الثقافي، وبمفاهيم الحاضر. خُصص المبحث الثالث لتطبيق منهج التأويل الرمزي على طقوس احتفالات البيعة في تاريخ المغرب الراهن، وتحليلها؛ لا كمشهد فرجوي، بل كنصّ غير مكتوب، وكنمط من أنماط الفعل الرمزي. إذ تستخدم الدراسة هنا مقولة "التاريخ الفعال" لغادامير لإظهار معنى العلامات المستمدة من ماضي المغرب وحاضره، وكذلك هويته الإنسانية.
Abstract
This study reviews the question of historical methodology using two hypotheses. The first examines the validity of the concept of “animal symbolicum” as a means to define humans and the concept of humans as a producer of signs and signals rather than spoken language, demonstrating the hidden feelings and mindsets stored in human memory. The second is an attempt to test the idea that the reader/historian can be involved in the reproduction of the historical text through undertaking revision that considers the context of its production. This can be accomplished by using a hermeneutic approach. To test the validity of the two hypotheses, the study was divided into three sections. The first was devoted to explaining the limits of positivism and historicism as teleological methods that claim to be objective and scientific in their direction of historical writing and control of the historian's methodological choices. The article goes on to examine the hermeneutic approach, which is based on two fundamental principles: first, understanding signs and symbols and then linking this understanding with cultural heritage and current concepts in order to formulate the research questions. The final section applies the hermeneutic approach to the ritual of pledging allegiance (al-bay’a) in modern Moroccan history. It analyses the ritual as an unwritten text and as a symbolic act and indicates the hidden meanings and imaginaries. It uses Gadamer’s concept of “historically-effected consciousness” to demonstrate the meaning the signs derived from Morocco’s past and present, as well as its human identity.
تؤسس الأطروحة التي تتمحور حولها هذه الدراسة عى مراجعة سؤال المنهج التاريخي من خ لاا فرضيتن؛ أولاهم فحص مدى صحة التفكر في ماضي الإنسان ك"حيوان رامز" ومنتج لتاريخ علاماتي - إشاراتي لا يقرأ باللغة المتداولة، إنما يفهم بالعلامة والإشارة، ويبوح بما تختزنه الذاكرة البرية من مشاعر وعقليات متوارية، أما ثانيتهم فهي محاولة جسّ نبض فكرة إشراك القارئ/ المؤرخ في إعادة إنتاج النص التاريخي عبر إقامة حوار معه، ومع ظرفية إنتاجه، بغية إعادة بنائه بناءً جديدًا، وهو ما يمكن إنجازه من خلال توظيف منهج التأويل الرمزي. لاختبار صحة الفرضيتن، قُسّمت الدراسة إلى ثلاثة مباحث نظرية وتطبيقية، خُصّص الأول لتفسر مآزق المناهج الوضعانية والتاريخانية وانسدادها. في المبحث الثاني، تناولنا منهج التأويل الرمزي، فبينّا أنه يقوم عى مرتكزين جوهرين: فهم النصّ المرموز وتفهّمه، ثم ربط آليات الفهم بالموروث الثقافي، وبمفاهيم الحاضر. خُصص المبحث الثالث لتطبيق منهج التأويل الرمزي عى طقوس احتفالات البيعة في تاريخ المغرب الراهن، وتحليلها؛ لا كمشهد فرجوي، بل كنصّ غر مكتوب، وكنمط من أنماط الفعل الرمزي؛ إذ تستخدم الدراسة هنا مقولة "التاريخ الفعال" لغادامر لإظهار معنى العلامات المستمدة من ماضي المغرب وحاضره، وكذلك هويته الإنسانية. كلمت مفتاحية: التأويل الرمزي، المدرسة الوضعانية، التاريخانية، المغرب This study reviews the question of historical methodology using two hypotheses. The first examines the validity of the concept of “animal symbolicum” as a means to define humans and the concept of humans as a producer of signs and signals rather than spoken language, demonstrating the hidden feelings and mindsets stored in human memory. The second is an attempt to test the idea that the reader/historian can be involved in the reproduction of the historical text through undertaking revision that considers the context of its production. This can be accomplished by using a hermeneutic approach. To test the validity of the two hypotheses, the study was divided into three sections. The first was devoted to explaining the limits of positivism and historicism as teleological methods that claim to be objective and scientific in their direction of historical writing and control of the historian's methodological choices. The article goes on to examine the hermeneutic approach, which is based on two fundamental principles: first, understanding signs and symbols and then linking this understanding with cultural heritage and current concepts in order to formulate the research questions. The final section applies the hermeneutic approach to the ritual of pledging allegiance (al-bay’a) in modern Moroccan history. It analyses the ritual as an unwritten text and as a symbolic act and indicates the hidden meanings and imaginaries. It uses Gadamer’s concept of “historically-effected consciousness” to demonstrate the meaning the signs derived from Morocco’s past and present, as well as its human identity.
أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة مولاي إسمعيل بمكناس في المغرب، ورئيس المجموعة المغاربية لدراسات التاريخ والحضارات المقارنة. Professor of history and civilization at the University of Moulay Ismail in Meknes in Morocco, and president of the Moroccan Association for Historical Studies and Comparative Civilizations.
مقدمة: أهمية الموضوع وحظه يف المنجز البحثي
تنطلق هذه الدراسة من كتاب نشره كاستيي (1926 - 2014) عام 1957 بعنوان زمن القارئ، وفيه تنبّأ بتقلّص سلطة احتكار
المؤلف لإنتاج معنى النص، لمصلحة قارئه الذي يصبح مشاركًا إياه في بناء دلالاته، وهي النبوءة التي بدأت تتحقق مع صيحات مجموعة من المفكرين والفلاسفة من المدرسة التأويلية الذين دعوا إلى خلق حوار ومشاركة بين مؤلف النص وقارئه، عبر ما يعرف بالمنهج التأويلي. وكان أمبرتو إيكو، على سبيل المثال لا الحصر، من بين الأقلام التي انبرت لتفعيل هذا المسار عندما نشر في عام 1965 كتاب العمل المفتوح، وفيه تحدّث عن جدلية العلاقة بين حق مؤلف النص وحق قارئه، بل ذهب إلى حد التنبؤ، أيضًا، بأن سلطة قارئ النص
ستفوق مستقبلً حق سلطة منتجه. فهل ينطبق هذا التنبؤ كذلك على النص التاريخي، حيث يصبح القارئ/ المؤرخ مشاركًا صاحب النص في فهمه وإعادة إنتاج دلالته من خلال منهج تأويلي، خصوصًا أن التاريخ حقل معرفي يمور بالرموز والأساطير التي تستدعي التأويل؟ نحسب أن هذا التساؤل يسعى لإعادة صوغ القول في سؤال المنهج، وكيفية تحيينه في العلوم الإنسانية عمومًا، وفي التاريخ خاصة،
وفق التحولات التي يشهدها فضاء المعرفة. وهو سؤال إبستيمولوجي ما دام البحث في الإشكاليات المنهجية يعدّ حلقة من حلقات استنهاض المشكلات الإبستيمولوجية، في زمن يتميّز بالتعدد في كل شيء، وبعدم الاقتناع بوجود منهج أحادي يلزم الباحث بالخضوع
ل "قوانينه" وأنساقه المعيارية، زمن تحوّلت فيه سلطة المعرفة إلى نظرية نقدية ضد أي تسلّط معرفي، وإلى آلية للمراجعات الفكرية
التي تسمح للقارئ بحرية منهجية يصبح فيها مبدعًا ومشاركًا في إنتاج دلالة النص، عبر الفهم والقراءة الواعية، وربط أسئلة الحاضر
بالتاريخ والتراث. تزداد المسألة المنهجية في التاريخ أهمية، إذا أخذنا في الحسبان أن ثقافة المؤرخين كانت في الغالب الأعم ثقافة وصفية - بيانية، تنشدّ إلى الوصف، وإلى ما هو مكتوب، من دون الحفر في أعماق الظاهرة التاريخية، والنبش في "حضارة الكلام" المبطّن، وسبر أغوار الذات الإنسانية بتجلياتها الروحية، ما جعلهم يزورّون عن المعاني الخفية المستغلقة، كما لاحظ ذلك ابن خلدون، وهو ما يستدعي
تأويل الجانب المتواري في النص، لتوليد إضافات جديدة. إذا علمنا أن التاريخ يختزن شبكة من الرموز التي تعكس التجارب البشرية المعقّدة، وأن الإنسان "حيوان ذو رموز" بحسب تعبير كاسيرر، ومعلّق بشبكة من المعاني والدلالات الثاوية التي لا تعكس ما يقال، بقدر ما تعبّ عما لا يمكن قوله، أدركنا أهمية توظيف
منهج التأويل الرمزي الذي نقترحه في هذه الدراسة، حتى لا تبقى قراءة التاريخ قراءة مبتورة، تقتصر على حوادث جزئية مبعثرة غير مفهومة، وتفتقر إلى المعاني المندسّة وراء النص أو الوثيقة.
Josep Maria Castellet, La Hora del lector (Brcelona: Seix-Barral, 1957). Umberto Eco, L'œuvre ouverte (Paris: Editions de Seuil, 1965);
أمبرتو إيكو، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة سعيد بنكراد، ط 2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004)، ص 21. وجيه كوثراني، تأريخ التاريخ: اتجاهات- مدارس - مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 391. هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح (طرابلس: دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع،
2007)، ص 15 - 16. عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، حققها وقدم لها وعلق عليها عبد السلام الشدادي، ج 2 (الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005)، ص 320، يقول في
هذا المعنى: "واعلم بأن الخط بيان عن القول، والكلام بيان عمّا في النفس والضمير من المعاني، فلا بد لكل منهما أن يكون واضح الدلالة."
إرنست كاسيرر، مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية أو مقال في الإنسان، ترجمة إحسان عباس، مراجعة محمد يوسف نجم (بيروت/ نيويورك: دار الأندلس،
1961)، ص 69.
رغم ما يجسّده منهج التأويل الرمزي من طفرة منهجية نوعية، يمكن أن تمثِّل انعطافة في الدراسات التاريخية، فإن الموضوع،
بحسب حدود معرفتنا، ظلّ مهيمنًا في الدراسات الهرمنيوطيقية واللغوية، والأبحاث الأنثروبولوجية والإثنوغرافية، أكثر من الدراسات التاريخية التي أنجزتها مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد في الغرب. أما في الدراسات العربية، فإن المنجز البحثي في هذا المجال، ظل في تقديرنا، حكرًا على الدراسات الأدبية والسيميولوجية، وإن لم يخلُ صوت بعض المؤرخين العرب من دعوات إلى توظيف التأويل
الرمزي في دراسة التاريخ، من دون محاولات تطبيقية له كمنهج. وسنحاول في هذه الدراسة المتواضعة المساهمة، ولو بحظ ضئيل، في مجال شائك وشيّق في الآن ذاته. انطلاقًا من هذه الأطروحة المركّبة، المتمثلة، من جهة، بتوظيف منهج يُعنى بدراسة الإنسان في الماضي بوصفه كائنًا يتحدث بالرموز
وليس باللغة فحسب، وإمكان مشاركة القارئ في استكشاف معاني النص ودلالاته من جهة ثانية، تثار أسئلة مركزية، لا أزعم القدرة على الإجابة عنها، بقدر ما أحاول أن أساهم بها في مناقشة توظيف منهج التأويل الرمزي لقراءة تاريخ البشرية باعتباره ماضيًا إشاراتيًا
وعلاماتيًا. انطلاقًا من أسئلة أحسب أنها تفتح شهية البحث التاريخي، يمكن تلخيصها فيما يلي: كيف يساهم منهج التأويل الرمزي في إعادة قراءة التاريخ وإثراء المعرفة التاريخية، بحكم أن الإنسان حيوان رامز، ومنتجٌ تاريخًا
علاماتيًا لا تبوح وثائقه ونصوصه بأسرارها كلها؟ وكيف يمكن قراءة الماضي البشري بطريقة مغايرة للنظر والتفكير، يتحول فيها المؤرخ
من متلقٍ لسردية تاريخية مكتوبة، إلى مستكشف دلالات رمزية تاريخية جديدة، من خلال الغوص في المناطق الأشد غورًا في الذات
الإنسانية؟ وهل يمكن بتأويل الرموز والعلامات إدراك "الحقيقة" التاريخية خارج سياج الصرامة المنهجية التي صاغتها المدرستان الوضعانية والتاريخانية؟ أم أن هذا المنهج يتيح للمؤرخ مساحة يتحرّر فيها من نظريات وأنساق معيارية ملجمة لفكره واجتهاداته؟
وهل يمكن وضع نظام مسنود إلى بعض المرجعيات لتفادي فوضى تأويل رموز النص التاريخي؟ أم أن تأويله يبقى مفتوحًا ولامتناهيًا؟ للاقتراب من الإجابة عن هذه الأسئلة، نحاول رسم معالم خريطة طريق اخترناها لهذه الدراسة من خلال خمس فرضيات، نحسب أنها تُمكّننا من الإمساك بخيوط الموضوع: بحكم أن الإنسان حيوان رامز، فقد أنتج تاريخًا رمزيًا وإشاريًا، يستدعي توظيف منهج التأويل الرمزي لاستكشاف "حياة ثانية"
عاشها البشر، من دون أن يعبّوا عنها بوضوح. إن قيمة أي منهج لا تقاس بقدرته على ضبط قواعده وأنساقه المعيارية ويقينياته، أو تحديد "قوانين" حتمية لا تتجاوز فيها شخصية المؤرخ عتبة البحث عن الوثائق وتأكيد صحتها، بل تقاس بفاعليته في تخصيب البحث التاريخي وحفر مجاري تطويره، وجعل المؤرخ مبدعًا ومبتكرًا ومساهمًا في إنتاج دلالات النص، ببحثه عن الممكنات والمعاني المحتملة في التاريخ، وقراءة ما هو صامت وغير مرئي.
نبسّط تعريفه في هذه المقدمة بأنه أحد المناهج النقدية في العلوم الإنسانية، ويُدرج في حقل الهرمنيوطيقا التي هي اجتهاد تأويلي يقوم به المتلقي لإدراك معاني النص
وتفسيرها باختلاف تشعّباتها وتعقيداتها الظاهرية والمجازية والباطنية، استنادًا إلى مرجعيات مختلفة، بهدف الوصول إلى الحقائق الثاوية اعتمادًا على علم الأدلة. أما الرمز
الذي ينعت به التأويل، فهو حجر الزاوية فيه، ويؤسس فهم الرمز على مرجعيات التراث ومفاهيم الحاضر، كما سنفصّل في أحد محاور هذه الدراسة. وعنيت مجموعة من
الباحثين بالتأويل الرمزي، نذكر منهم غادامير، وكاسيرر، ورولان بارت، وبول ريكور وباحثين آخرين، عربًا وأجانب، كما سنفصل في المحور الثاني.
مع ذلك، لا يمكن إنكار الأبحاث الرائدة التي قام بها رواد مدرسة الحوليات الذين استفادوا من الدراسات اللسانية والسيميولوجيا، يُنظر: كوثراني، ص 221.
عبد الله العروي، مفهوم التاريخ: المفاهيم والأصول (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992)، ص 308 - 317؛ كوثراني، ص 89، 325، 393؛ قيس ماضي
فرو، المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 223، إضافة إلى دراسات
أخرى سنوظفها في هذه الدراسة.
لا يقتصر فهم النص التاريخي وتأويله على معيار العلم والعقل المطلق فحسب، كما هو متداول في مناهج المدارس التاريخية التقليدية، بل يُضاف إلى ذلك معيار الإدراك ب "البصيرة".
بحكم أن التاريخ عملية مركّبة لا تعتمد على الشواهد المادية فحسب، بل أيضًا على الرموز المعبّة عن معطيات روحية، فإن صرامة
المنهج العلمي وفكرة الموضوعية والحياد، كما صاغتهما المدرسة الوضعانية في القرن التاسع عشر، ليستا وهمًا تطبّعنا عليه فحسب، بل
تقيّدان ملكة الإبداع لدى المؤرخ، وتضيّقان أفق "الحرية المنهجية" لاستكشاف الجوانب المعتّمة من الماضي البشري.
يمثِّل المخزون التراثي ومفاهيم الحاضر والتجارب الإنسانية المشتركة المعيشة مفاتيح أساسية لفهم دلالات رمزية النصوص
التاريخية وتأويلها. ما صحّة هذه الفرضيات؟ ذلك ما سنضعه على محك الاختبار والفحص في ثنايا هذا البحث بشقيه النظري والتطبيقي.
أولً: منهج التأويل الرمزي يف التاريخ: السياق والمسوغات والخيوط الناظمة
1 ي. انخراط المؤرخ ف دائرة التأويل نتيجة انفتاح التاريخ على العلوم المجاورة
تمخض عن انفتاح التاريخ على العلوم المجاورة، في ما يعرف بالتناهج والتحالف المعرفي، ثلاث نتائج نعتقد أنها أساسية في مسار ولوج المؤرخ عالم تأويل الرموز؛ يكمن أولها في توسيع دائرة المنهج التاريخي، حيث صار المؤرخ بعد تسيّد موجة "التاريخ الجديد"،
ودعوة بروديل إلى "سوق مشتركة للعلوم الإنسانية"، ينخرط في نظريات جديدة، كانت من قبل حكرًا على تلك العلوم، ويلج دوائر معرفية
لم تكن مألوفة في ممارسته الكتابة التاريخية. فبانفتاحه على علوم الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا والسيميائيات، على سبيل المثال، أصبح يتمدّد نحو البحث في ما "تحت القيل" dit - sous Le، وما خلف الظاهر، ويستقصي دلالات الرموز والعلامات، ويوظف الطرائق الألسنية
من أجل استكشاف "البنية المخبأة"، والممكنات اللاواعية؛ ما يجعل الوثيقة التاريخية حمّالة لدلالات عدة، وقابلة لقراءات متعددة. رغم الغبار الذي أثير بشأن "الخلاف" بين مدرسة الحوليات والمدرسة التأويلية في أواخر خمسينيات القرن الماضي، والجدل العلمي الساخن الذي دارت رحاه آنذاك بين بروديل وليفي شتراوس Strauss Lévi، صاحب نظرية الأسطورة والمعنى والرموز في الثقافات البدائية التي أبرز من خلالها دور الأنثروبولوجيا البنيوية في كشف المناطق اللاواعية في النفس البشرية، فإن ذلك الجدل لم يعكس
اختلافًا جوهريًا بشأن التأويل، بقدر ما كان تنافسًا غذّته الرغبة في الانفلات من هيمنة طرف على آخر. لذلك اتخذ شكل تقارب حذر،
تجسّد في إطراء بروديل على شتراوس، وإبداء إعجابه بالبنيوية التي وجد فيها عمقًا فكريًا يروم النفاذ إلى منطقة العناصر اللاواعية
أو الأقل وعيًا في الثقافات الإنسانية، من دون أن يهضم حقّه في أسبقية توظيفه إياها بمقولة "الأمد الطويل" وخصوصية البنية في
التاريخ. ولم تلبث سحابة هذا النقاش أن انقشعت بعد أن أصدرت مجلة الأنالفي عام 1971 عددًا خاصًا عن "التاريخ والبنية"، دبّجه
أندريه بروير بمقالة "تصالحية" بيّ فيها الأرضية المشتركة بين التاريخ والأنثروبولوجيا البنيوية.
10 غادامير، ص 27. 11 كوثراني، ص 225 - 226.
Fernand Braudel, Histoire et sciences sociales: La longue durée, In: Ecrits sur l'histoire (Paris: Flammarion, 1969), pp. 70 - 71.
عبّ عن هذا التصالح من أول سطر في تقديمه للعدد 3 - 4 من مجلة الأنال"الحوليات" بالقول: "الحرب بين التاريخ والبنيوية لن تقع"، يُنظر:
André Burguière, "Histoire et structure," Annales , vol. 26 , no. 3 - 4 (1971), p. 1.
إذا كان بروديل قد ظلّ على تحفّظه من عملية التأويل، فإن رواد التاريخ الجديد من طينة فيليب أرياس Aries Philippe وإيمانويل لوروا لادوري Ladurie Roy Le Emmanuel وإفلين باتلاجين Patlagean. E وغيرهم، تمكّنوا من خلق علاقة تجسيرية بين الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا (النياسة) التي تبنّاها شتراوس ومدرسة التاريخ الجديد، تولّد عنها تاريخ الذهنيات الذي صارت تمثّل
فيه دراسة المتخيّل والعلامات الرمزية والأساطير والطقوس، حجر الزاوية، وبذلك أصبح عالم المعنى والرموز والإشارات مُدرَجًا في
الدراسات التاريخية. بقدر ما انفتح التاريخ على مجال التأويل، تقاربت معه المدرسة التأويلية، هذه النتيجة الثانية التي أفرزها هذا المخاض. حسبنا أن مجموعة من الفلاسفة التأويليين دخلت على طول الخط مع المؤرخين، حتى إن فيلهلم دلتاي Dilthey Wilhelm، أحد أعمدة المدرسة التأويلية، عرف ب "توجهه التاريخي". كما ارتبطت التاريخية عند الفيلسوف الألماني التأويلي مارتن هايدغر Heidegger Martin بالوجود البشري. فالإنسان في تصوره الفلسفي كائن منغمس في التاريخ، وليس في وسعه الخروج منه، وإلا أصبح غريبًا عن ذاته، لذلك
قدّم طريقة للتفكير في البشر بوصفهم موجودات تاريخية قبل كل شيء. وفي السياق نفسه، ألّف تلميذه غادامير كتاب الحقيقة
والمنهجأكّد فيه أكثر من مرّة أن المؤول يبقى في تواصل غير منقطع مع إرثه التاريخي، وأنه يستخدمه بوصفه شيئًا ينتمي إليه. بل
أسّس مشروعه الفكري التأويلي على مفهوم الوعي التاريخي، ونحت في هذا السياق مصطلحًا جديدًا هو "الوعي التاريخي الفاعل"،
وهو مصطلح نحسب أنه يعكس اقتناعه بالتاريخ بوصفه أداة للفهم والتأويل. يقول في هذا الصدد: "إن التاريخ هو أكثر من موضوع للوعي التاريخي، ومن ثم، فإن الأساس المرجعي لتلك التجربة هو الذي يتجلّ من خلال التفكير في مناهج العلوم الهرمنيوطيقية، وهو ما يمكن أن ننعته بالوعي التاريخي الفاعل". يمكن أن نورد نموذجين آخرين للدلالة على ولوج هذه الكوكبة من رواد التأويلية مجال التاريخ، يتعلق الأمر ببول ريكور ورولان بارت Barthes Roland. فرغم اهتمام الأول بالعلوم الإنسانية، وخاصة علوم اللغة والتحليل النفسي الفرويدي، فإنه أقام حوارًا خاصًا
مع علم التاريخ، أسفر عن قراءات جديدة للموضوعية والذاتية عند المؤرخ. وبدوره، شدّد الثاني على الحاجة إلى التاريخ في عملية
التأويل، فكتب في هذا المنحى: "إن اللحظة التي نتنكّر فيها للتاريخ، هي بكل وضوح تلك التي يكون فيها في ذروة نشاطه". أما النتيجة الثالثة المترتبة على انخراط هؤلاء المفكرين التأويليين في "قبيلة المؤرخين" بتعبير فرانسوا سيميان، فتتجسد في كتاباتهم التي نبّهت إلى خصوصية التاريخ، وتميّز مناهجه من العلوم الطبيعية بأن لا وجود في الدراسات التاريخية لقوانين طبيعية "وإنما هناك
أورد ريكور عبارة تؤكد تحفّظ بروديل على التأويل كما يلي: "لقد صرخ بروديل [ردًا على أفكار مارّو الداعية إلى التأويل]:'رجاءً لا تضخم كثيرًا دور المؤرخ'"، يُنظر: بول
ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص 498. 15 كوثراني، ص 226. لوغوف، ص 38 - 39، 277، 481. ولاحظ وجيه كوثراني أيضًا اقتناع شتراوس بأنه لا يمكن للمؤرخين والإثنولوجيين أن يستغني أحدهما عن الآخر، يُنظر: كوثراني،
ص 228. 17 هكذا وصفه غادامير، ص 54. مجدي عز الدين حسن، "تأويل التاريخ وتاريخية التأويل (1)"، الحوار المتمدن، العدد 3662، 9 / 3 / 2012، شوهد في 15 / 10 / 2019، في: Xp 6 Ze 31 / ly. bit:// http
Hans-Georg Gadamer, Vérité et méthode, les grandes lignes d'une herméneutique philosophique (Paris: Seuil, 1996), p. 303. Hans-Georg Gadamer, L'art de comprendre: Ecrit I: Herméneutique et tradition philosophique (Paris: Aubier, 1982), p. 79. Paul Ricœur, Histoire et vérité , 3 éme ed. (Paris: Seuil, 1967), pp. 27 , 30 , 34.
عن: جوناثان كولر، رولان بارت: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة سامح سمير فرج، مراجعة محمد فتحي خضر (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016)،
ص 23.
قوانين تطبيقية مقبولة طوعًا"، وأن التاريخ عملية مركبة من الشواهد المادية، ومن الرموز المعبّة عن معطيات روحية، نابعة من البنية
الداخلية للذات الإنسانية التي تستعصي على المنهج التجريبي. الحاصل أن التاريخ صار بالنسبة إلى معظم رواد المدرسة التأويلية "علم العلوم" والخيط الناظم للعلوم الإنسانية و"العقل الموضوعي" لأي مرجعية أساسية في التأويل، ومفتاحًا لاكتشاف المعاني والدلالات، ما رفع إيقاع التضايف بين التاريخ وعلم التأويل.
2. المأزق المنهجي لدى المدرسة الوضعانية
يبدو أن منهج التأويل الرمزي جاء أيضًا ردّة فعل ضد المدرسة المنهجية (الوضعانية) التي هيمنت خلال القرن التاسع عشر،
وحاولت تحت تأثير سلطة العلم السائد آنذاك، وبتأثير من جهابذة مؤرخي تلك المرحلة من طينة ليوبولد فون رانكه von Leopold Ranke ويوهان جوستاف درويزن Droysen Gustav Johann ولانغلوا Langelwa وشارل سينيوبوس Charles Seignobos وغيرهم، أن تلبس التاريخ خمارًا معرفيًا. كما سعت للارتقاء بالمنهج التاريخي باسم الموضوعية والحياد إلى درجة الحصانة العلمية، وجعله، على
غرار العلوم الطبيعية، منهجًا علميًا "دقيقًا". استندت في هذا المنهج إلى الوثيقة المكتوبة بوصفها مصدرًا للحقيقة، بل رفعتها إلى مرتبة "التقديس"، وحدّدت عمل المؤرخ في
التأكد من صحة الوقائع الواردة فيها، وتنظيمها وتحليلها. كما ربطت المعرفة التاريخية باكتشاف الوثائق، ورأت أن كل ما ورد فيها يؤخذ باعتباره مادة تاريخية، وما سواه "تطاول"، فحسب، على الوثيقة وكاتبها، وخروجًا عن جادة النزاهة العلمية. واجهت هذه الصرامة التي فرضها منهج المدرسة الوضعانية نقدًا لاذعًا من التأويليين على مستويين على الأقل: أكدت المراجعات الفكرية في حقل المنهجيات أن نجاعة المنهج التاريخي لا تقاس بمدى ضبط قواعده، وتحديدها بدقة ضمن نسق معياري تحت مبرّر سلطة العلم، بل بما يسمح به من تخصيب للبحث التاريخي، وضخّه بطاقة استكشافية جديدة،
وكشف للجوانب المطموسة فيه. في هذا الصدد، انتقد ميشيل فوكو Foucault Michel بشدة حصيلة المدرسة الوضعانية التي
اقتصرت في بناء أحكام الماضي على الوثائق باعتبارها صوتًا وحيدًا معبًّا عن الإنسان. وبناء عليه، لم تعكس سوى ماضٍ هشّ،
يفتقر إلى تحديد السلاسل والعلاقات داخل النسيج الوثائقي. يضاف إلى ذلك عدم تمييز المدرسة المذكورة بين "حضارة العمل" المتمثلة بإنجازات البشرية، و"حضارة الكلام" أو الوثيقة الصوتية التي تمثل النصف الآخر من تاريخ الحضارات الإنسانية. فالمكتوب ليس "طريقًا مفتوحًا تعْبُه نيّة اللغة وحدها"، كما أن اللغة المتكلّمة نفسها ترافقها مجموعة من
23 غادامير، ص 56. صلاح قنصوه، الموضوعية في العلوم الإنسانية: عرض نقدي لمناهج البحث (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2007)، ص 182. المدرسة الوضعانية هي وليدة التحولات العلمية التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر، إذ تسيّد آنذاك التوجه العلمي الفيزيائي على العلوم كلها، وتأثر روّاد
التاريخ بهذه الموجة، خصوصًا منهج الطبيعيات، فسعوا لتطبيقه على الدراسات التاريخية، ويؤسس منهج هذه المدرسة على الوثيقة، ومادتها الملموسة التي يجري عليها المؤرخ
اختباراته للتحقق والتحليل والاستنتاج، بمعزل عن أي تأمل فلسفي أو تأويل، يُنظر: العروي، ص 236.
هانس غيورغ غادامير، فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين، ط 2 (بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الجزائر: منشورات الاختلاف؛
الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 14. عبد الله العروي [وآخرون]، المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية، ط 3 (بيروت/ الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2001)، ص 5. ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، ط 2 (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص 8 - 9، 12.
29 Ricœur, p. 263.
رولان بارت، الدرجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، ط 3 (الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1985)، ص 97.
تاريخه" وفق تعبير بارت.
بل يظل رهنًا بالسياقات والظروف التي يشتغل فيها ويمارس فعله.
3 ي. نقد المدرسة التأويلية "قوانين" التاريخانية ف أفق انسدادها
يكتشف داخله سلسلة من الروابط اللامتناهية من الدلالات.
31 المرجع نفسه، ص 41. عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983)، ص 16. العروي، مفهومالتاريخ، ص 362 - 363. وعن التاريخانية المحافظة والتاريخانية "الثورية"، يُنظر: كوثراني، ص 127، 131.
مفهوم "القوانين" في تاريخانيته. وورد النص عند: إيكو، ص 22. 37 إيكو، ص 42. 38 غادامير، ا لحقيقة والمنهج، ص 294.
الإشارات الدالة، حتى إن طريقة نطق المتكلّم وفق اللهجات المحلية تكون دالة على هويته ومجاله الجغرافي، وعلى "مجموع
بالمثل، أبرزت المدرسة التأويلية محدودية منهج المدرسة الوضعانية في التعبير عن الذات الإنسانية، وقصور تصورها المبني على أساس أن في إمكان العقل البشري تجريد نفسه من الأحكام والتصورات القبلية كلها، ليتحول إلى عقل مطلق بكامل الموضوعية. فمثل هذا
القول منافٍ لحقيقة أثبتها غادامير، مفادها أن العقل لا يوجد سوى في حدود ملموسة وتاريخية. كما أنه لا يتحكّم دائمًا في زمام نفسه،
تؤسس التاريخانية على رؤية ترى أن التحولات التاريخية تخضع لقوانين التعاقب، وتسير وفق إيقاعات وتوجهات معينة، تجعل من التاريخ حقلً للتنبؤ بتحولات المستقبل، وتقوم على تفسير الظواهر الإنسانية كلها بشروطها التاريخية. وقد عرّفها العروي بأنها
"موقف أخلاقي يرى في التاريخ بصفته مجموع الوقائع الإنسانية، مخبرًا للأخلاق، وبالتالي للسياسة، لا يُعنى التاريخاني بالحقيقة بقدر
ما يعنى بالسلوك". ورغم البريق الذي حازته التاريخانية الجديدة بوصفها نسقًا منهجيًا يبحث فيه المؤرخ عن الإنسان الفاعل، ويدرك
"لحظة الكشف عن الحق" المشروطة بالوعي، فإنها لقيت اعتراضًا من المدرسة التأويلية، يتجلّ في انتقاد فكرة الغائية التي تبنّتها في تفسير التاريخ، ووضع قوانين تتحكم في مساره وانعطافاته، لتجعل منه إيقاعًا يسير وفق خطاطة زمنية عالمية تنتهي بحتمية تاريخية. لقي هذا المنظور الغائي الذي استقته التاريخانية الماركسية من نواميس حضارية مستوحاة من الصراع الطبقي، ومن أنماط الإنتاج وتغيّ وسائل الإنتاج، هجومًا لاذعًا أيضًا من التأويليين، بدعوى أنه يسلب الحرية المنهجية للمؤرخ، ويوقعه في شراك النتائج المحددة
سلفًا. فهو بحسب إيكو قراءة خاطئة للتاريخ، لأنها تفرض قراءة أحادية للنص، يتحول فيها بحسب تودوروف إلى "نزهة يقوم فيها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى"، مع أن النص مفتوح، واللغة عاجزة عن الإمساك بقراءة واحدة، وفي إمكان المؤول أن
بدوره، انتقد غادامير غائية رانكه ومنهجه الذي رأى فيه فكرًا هيغليًا لم يخرج عن سياج المثالية. وذهب، بعكس ما تدعو إليه
المدرسة الوضعانية والتاريخانية، إلى استحالة القدرة على الوصول إلى تنبؤ جازم وكامل في علم التاريخ، بسبب إمكان تغيّ مجرى التاريخ
32 Gadamer, Vérité , p. 297.
يختلف مفهوم الحتمية عند العروي عن الحتمية لدى المدرسة الألمانية التقليدية التي تحيل إلى مفاهيم القدر والجبرية والاتفاق، ويرى أن "قانون الذات لا قدر
مفروض عليها من الخارج". ينظر: العروي، مفهوم التاريخ، ص 361، 363. لكن مع انتقاده التاريخانية التقليدية، وتشديده على الإرادة الذاتية والحرية، فهو يوظف
Tzvetan Todorov, "Viaggio nella criticana americana," Lettera , no. 4 (1987), p. 12 ;
من وضع إلى آخر، بمعزل عن أي سنن أو قوانين. كما عارض قانون وحدة التاريخ البشري وغائيته، بالقول: "فعالم التاريخ بحد ذاته يعرض عددًا كبيرًا من الأمثلة، ولكنه لا يعرض الوحدة، فما مسوغ الحديث عن وحدة العالم؟". في المنحى نفسه، انتقد كارل بوبر Popper Karl مقولة "قوانين التاريخ"، وعدّها كبوة معرفية تنافي العلم، مشدّدًا على أن المؤرخ يبحث في الأحداث الواقعية، وليس في القضايا العامة ولا في القوانين. لذلك، فإن فكرة التقدم والتراجع، والأنماط، والخط التصاعدي في التاريخ، ينبغي أن توضع على مشرحة المراجعة، لأنها تنطلق من أحكام قيمة، أو لأنها تحوّلت إلى أيديولوجيا مع
الأنظمة الشمولية.
4 ي. ف الحاجة إلى تأويل النص المرموز
يمكن تحديد مفهوم التأويل بأنه "كل استفهام مسبوق باستغلاق"، و"إبدال عبارة صامتة بأخرى مبيّنة"، ويتموقع في المستوى
الثالث من الوثائق التي يَعْبُ من خلالها المؤرخ من مستوى إلى آخر ضمن عملية قانون التحويل. ونميل إلى الظن أن صيغة "قانون
التحويل" التي استخدمها العروي تتطابق مع المفهوم الذي أعطاه ريكور للتأويل بأنه "تأملٌ ثانٍ" لعملية الكتابة التاريخية. فما حاجة المؤرخ إلى منهج التأويل الرمزي؟ يرى إرنست كاسيرر أنّ التأويل هو بداية المهمة الجوهرية في عمل المؤرخ، وهو ما يستشف من قوله: "وهذه العملية التي يقوم بها عالم التاريخ تؤسس على التأويل، لأن أساس تلك الظواهر رمزي، ويقتضي ضرورة خضوعه للتأويل، وهنا تبدأ مهمة التاريخ الكبرى". ويبيّ بقدر كبير من الجرأة الفكرية حاجة التاريخ الإبستيمولوجي إلى منهج التأويل الرمزي، لأن المؤرخ يتحول فيه من
راوٍ لسردية تاريخية، إلى مستكشف لمعنى الحياة الإنسانية من جديد، وإلى قارئ للدلالات الروحية في الأحداث التاريخية. يقول في هذا الصدد: "ينبغي للتاريخ أن يحيي هذه الرموز ويبعثها في حياة جديدة، ويجعلها مقروءة ومفهومة من جديد [...] ليس المؤرخ راويًا
يحكي لنا حوادث الماضي، إنما هو مكتشف الحياة الإنسانية ومؤولها". وفي المنحى نفسه، يرى أن تأويل الرموز ليس استنساخًا لمعطى واقعي فحسب، إنما هو الذي يعطي للواقع معنى من المعاني، لأنه هو الذي يبني الواقع، ويمنحه معنى ودلالة عندما ينقله من المادة البسيطة للمعرفة إلى شكلها الروحي.
حسام الدين درويش، إشكالية المنهج في هيرمينوطيقا بول ريكور وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية: نحو تأسيس هيرمينوطيقا للحوار (الدوحة /
بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 404. 40 غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 298. كارل بوبر، بؤس الأيديولوجيا: نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي، ترجمة وتحقيق عبد الحميد صبرة (بيروت: دار الساقي، 1992)، ص 146. كارل بوبر، بحثًا عن عالم أفضل، ترجمة أحمد مستجير (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999)، ص 173. 43 العروي، مفهومالتاريخ، ص 368. 44 المرجع نفسه، ص 312. 45 ريكور، ص 495.
Ernest Cassirer, L'Idée de l'histoire: Les Inédits de Yale et autres écrits d'exil , Fabien Capeilleres (trad.) (Paris: CERF, 1989), p. 63.
Ernst Cassirer, La Philosophie des formes symboliques: Le Langage , Ole Hansen-Love & Jean Lacoste (trad.), vol. 1 (Paris: Les Editions
47 Ibid., p. 83.
de Minuit, 1989), p. 52.
من ناحية أخرى، يفرض التأويل نفسه في دراسة التاريخ، لأن في كل سرد تاريخي وجهًا غائبًا يتعذّر الوصول إليه، وتبعيدًا لوجهة
نظر معينة، ما يصعب معه الإمساك بخيط الحقيقة، فالنص لا يبوح بمعانيه كلها دفعة واحدة "إذا لم يقرأه شخص ما أو لم يؤوله ". فأحيانًا يخطئ الناص في اختيار الكلمات والجمل الملائمة المعبّة بدقة عمّا يريد قوله، ما يحدث مباعدة بين المقصد والقول. في بعض الحالات، يستخدم الناصّ لغة الإغراب والتعمية التي تستعصي على التلقي، أو يستعمل مصطلحات تخالف المصطلحات
الأصلية كلّيًا. وفطن ابن سيرين باكرًا إلى هذه الإشكالية في التوظيف المصطلحي المغاير للتعبير الأصلي فقال: "ويحتاج العابر (المؤول)
أيضًا إلى الأمثال المبتذلة كقول إبراهيم عليه السلام لإسماعيل: 'غيِّْ أُسْكُفة الباب'، أي: طلِقْ زوجتك"، وهو ما يشي بوجود لغة مغايرة، لكنها تحمل المعنى نفسه الذي على قارئ النص أن يلمّ به. كما يلجأ الناصّ أحيانًا إلى أسلوب التمويه والتستر الذي يصبح ضربًا من التوقّي والحذر تحت طائلة الخوف والانفلات من الرقابة، أو تحت ضرورة الكتمان. فعلى سبيل المثال، يلاحظ أن الخطاب الصوفي يلجأ إلى الانزياحات والمجازات والكنايات والإشارات الغامضة والتوريات التي تتزاحم في لغة أقطاب التصوف، وهو ما عبّ عنه ابن عربي بالقول إن كل كلمة من كلام الصوفية "عليها رعونة
ودعوى، وهي نادرة أن توجد عند المحققين". وإذا علمنا أن التصوف أدى دورًا كبيرًا في مجرى تاريخ الإسلام، ندرك أننا أمام "ماضٍ
إشاري" بامتياز، يستدعي كشف المسكوت عنه في ذلك المجال الاجتماعي؛ لذلك، لا تتمثل قراءة النص في ما يفصح عنه المكتوب فحسب، إنما هي توسعة وانزياح عن حرفيته، واستكشاف لما يندسّ في ثناياه وعبر بياضاته. بدوره، يذهب بول ريكور في سياق بحثه عن المناهج في التاريخ، إلى أن التأويل يفرض نفسه ضمنيًا في مراحل الكتابة التاريخية
كلها التي تمتد من مرحلة البحث عن الوثائق المؤرشفة، إلى مرحلة التدوين. ولم يعدّه مرحلة مستقلة بذاتها، أو نوعًا خاصًّا من الفهم
كما هو وارد عند دلتاي. بل إن منهج التأويل الرمزي عنده يتمطّط في دائرة واسعة، تسمح للمؤرخ بالتفسير وإزالة الغشاوة عن الدلالات التي يخبئها الرمز، وإن كان يقرّ بوجود تأويلات لامتناهية، بل متنافسة أحيانًا. بعد أن أبرزنا الخيط الناظم والسياق العام، والمسوغات التي تنطق كلّها بحاجة المؤرخ إلى منهج التأويل الرمزي، نحاول في المحور الثاني تشخيص هذا المنهج وتحليل خصائصه.
49 فرو، ص 76.
Marie-Jeanne Borel, "Textes et construction des objets de connaissance," in: Claude Reichler (dir.), L'Interprétation des textes (Paris: Les Editions de Minuit, 1989), p. 115.
51 درويش، ص 430 - 431. محمد بن سيرين وعبد الغني النابلسي، معجم تفسير الأحلام، رتبه معجميًا وأعدّه باسل البريدي (أبوظبي: مكتبة الصفاء؛ دمشق/ بيروت: مكتبة اليمامة،
2008)، ص 9. محيي الدين بن عربي، معجم اصطلاحات الصوفية، تحقيق وتقديم بسام عبد الوهاب الجابي (بيروت: دار الإمام مسلم للنشر، 1990)، ص 3.
Wolffang Iser, L'Acte de lecture: Téorie de k'effet esthétique , 2 nd ed. (Belgium: Mardaga, 1995), p. 199 ;
ورد عند: أسماء خوالدية، الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصدًا (الرباط: دار الأمان؛ بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2014)،
ص 88. 55 ريكور، ص 501؛ درويش، ص 384 - 385.
ثانيًا: منهج التأويل الرمزي: المرتكزات والخصائص والضوابط، تشخيص نظري
1. الرمز هو الذي يمنح التاريخ معنى
كشفت الدراسات أن الإنسان حيوان رامز، يعيش في غابة من الرموز والعلامات والإشارات التي تؤثث فضاءَه وفكره ووجدانه
وسلوكه وعلاقاته بالآخرين، ما يعني أنه كائن مسكون بالرموز التي خلقها بنفسه لنفسه، وبناءً عليه، فإن "الحقائق تبقى خلف
الأشكال الرمزية". الرمز هو نسق من التصورات المتوارثة التي تشمل مجموعة من الإيحاءات المعبّة بطريقة غير مباشرة عن النواحي النفسية
والأحاسيس والأفكار التي تعجز اللغة عن أدائها، وإن كان بارت يرى أن الرمز بما يحويه من أنظمة المعاني، يوجد خارج "اللغة البشرية"، لكنه لا ينفصل عنها، حتى لو جاء من دون مفردات أو وحدات صوتية. ولعلّ هذا ما يتطابق مع تعريف ابن منظور للرمز بأنه "تصويت خفي باللسان كالهمس، ويكون تحريك الشفتين بكلام غير مفهوم باللفظ [...] وقيل الرمز إشارة وإيماء بالعينين والحاجبين والشفتين والفم"، وبذلك، فالرمز ينوب عن اللغة. وفي هذا المعنى تحديدًا، ورد مصطلح الرمز في النص القرآني على أنه
تحويل للكلام إلى رموز: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ ألَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثلَثةَ أيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا ﴾ (آل عمران: 41). يتجسد الرمز أيضًا في بقايا مخلّفات الإنسان من تراث شفوي وأساطير ومعتقدات متخيّلة، أو لغة مجازية، والأشكال الفنية
الأخرى كلها، من قبيل الأغاني والموسيقى واللوحات، أو الحركات الجسدية كالرقص والألعاب. أما في المجال الصوفي، فيكتسي الرمز بعدًا أنطولوجيًا وجوديًا غامضًا، عادة ما ينصرف عن المعنى الظاهري طلبًا للمعنى الباطني، أو يغوص في رمزية الأعداد والحروف،
كالحروف القرآنية التي عدّها المتصوفة مستودعًا للأسرار. وفي الأحوال كلها، فإن الغموض غالبًا ما يلفّ الرمز أو العلامة، وهذا ما
يؤكّده جاك دريدا Derrida Jacques بالقول إن "العلامة هي غير ذلك الشيء غير المسمى بوضوح، والوحيد الذي يفلت من السؤال المؤسس للفلسفة 'ما هو...؟"'. الملاحظ أن اهتمام المؤرخين بالرموز جاء بعد مرحلة الاهتمام بما هو مكتوب، وإن كنا في هذا الصدد لا نشاطر العروي رأيه في اعتبار أسبقية الفيلسوف الإيطالي فيكو Vico Giambattista في توظيف الرمزية في الكتابة التاريخية، وريادته ل "علم تعابير الذهن
فيليب سيرنج، الرموز في الفن – الأديان - الحياة، ترجمة عبد الهادي عباس (دمشق: دار دمشق للنشر، 1992)، ص 499. رولان بارت، مبادئ في علم الأدلة، ترجمة محمد البكري، ط 2 (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1987)، ص 137. 58 المرجع نفسه، ص 28 - 29. محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، مج 6، ط 6 (بيروت: دار صادر، 2008)، ص 222 - 223.
﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لَِّ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثلَاثةَ أيَّامٍ إَِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَالإبْكَارِ﴾ (آل عمران: 41.)
61 خوالدية، ص 25. 62 المرجع نفسه، ص 44، 51. جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988)، ص 119، ينظر: "اختلاف ماهية الرمز الوجودية بين التأويليين"؛
بارت، مبادئفي علم الأدلة، ص 63 - 64.
والإشارات والرموز، والتنبيه، منذ فترة باكرة، إلى ما تكتنزه من معانٍ خفية ومفيدة في قراءة التاريخ.
عنه خارج الدلالة المتخيّلة.
المكوّنات الثقافية للمجتمعات. ومن الاستشهادات والمناقشات السالفة كلها، ندرك أن الرمز يعطي معنى "ثانيًا" للتاريخ.
الرمز بوصفها نصًّا تاريخيًا؟
تؤسس عليهما بنية الفهم. فما المقصود بالفهم والتفهم؟
64 العروي، مفهومالتاريخ، ص 311 - 312.
التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، ج 1 (بيروت: دار صادر، 1988)، ص 619.
2017)، ص 254. 69 غادامير، ا لحقيقة والمنهج، ص 338.
يشدّد العروي على اقتباس المعنى من زمنية النص، يُنظر: العروي [وآخرون]، ا لمنهجية، ص 11.
البشري"، لأن نماذج من التراث العربي - الإسلامي تثبت اتجاه بوصلة العقل التاريخي العربي نحو الاهتمام بمجال العلامات
مهما كان الأمر، يُعدّ التاريخ، من دون مدافع، خزانًا كبيرًا للرموز التي تتناسل فيها المعاني والدلالات، ومن ثمّ فإن "افتراض عالم
بلا رموز، معناه الموت الروحي للإنسان". فالرمز يكشف عمّا في داخل الذات الإنسانية، ويعطي معنى ل "حياة ثانية"، من خلال
عملية ربط بين العالم الواقعي والعالم الروحي. لذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أن ينعت كاسيرر الإنسان بأنه حيوان رامز. وعندما استخدم هذا التعبير، فإنه كان يروم إعادة صوغ سؤال: "ما الإنسان؟" انطلاقًا من سؤال المعاني والدلالات. ونظرًا إلى أن "الحياة
والتاريخ لهما معنى مثلما لحروف كلمة"، فالأمر يستدعي تدخّل المؤرخ لاكتشافها، علمًا أن الرمز يتولد من الوعي، والوعي يخلق
لذاته جملة من التخيلّات التي تسمح بالتعبير عن شبكات معيّنة من الدلالات التي يوظّفها المؤرخ في فهم التاريخ. ولعلّ هذا ما يتسق
مع أطروحة غيلبير دوران الذي سعى لاكتشاف أهمية الرمز في المتخيّل، مبيّنًا أن الصورة المتخيّلة تحمل معنى دقيقًا لا يمكن البحث في المنحى ذاته، يقدم كاسيرر نموذجًا عمّا يختزنه ماضي المجتمعات من مبانٍ تاريخية وشواهد عمرانية، تظل كتومة وعاجزة عن
التعبير عن نفسها، إذا لم نُمِط اللثام عمّا يسميه "التاريخ الحقيقي" الذي تخبئه دلالاتها الرمزية، وهو ما يعطي لوقائع الماضي معانيَ
متعددة قابلة للتأويل. وبالوصول إلى جوهر هذه المعاني المتوارية التي تعبّ عن حقيقة الوجود الإنساني، "تتجلى مهمة المؤرخ العظيم في
جعل شواهد الماضي الصامتة تتكلم، وفي جعلنا نفهم لغتها". بيد أن المعنى الذي يمنحه الرمز للتاريخ ليس معنى أحاديًا، بل هو متعدد
الأبعاد، متنوع ومتحرك، وتختلف مفاهيم استعمالاته بحسب زمنية النص والسياقات التي يؤسس فيها، ويتغير في دلالاته بحسب تنوع
2. فهم وتفهّم النص من أساسيات منهج التأويل الرمزي: كيف يمكن تأويل دلالة
تُبيّ قراءة راصدة لإنتاجات المدرسة التأويلية التي اهتمت بقضية المعاني المتوارية وراء الرموز أن العملية التأويلية التاريخية
تستدعي أمرين جوهريين: فهم النص الرمزي وتفهّم الناصّ، ثم ربط آليات الفهم بالموروث الثقافي (التراث) ومعطيات الحاضر، اللذين
المرجع نفسه، ص 121. ولا يسمح المجال في هذا المجال بعرض منجز التراث العربي في مجال الرموز، نكتفي بمثال واحد: يسرد المؤرخ المقري مجموعة من الشواهد
القولية التي تثبت اختفاء المعاني وراء الألفاظ من قبيل: "اللحظ يعرب عن اللفظ"، و"رب كناية تغني عن إيضاح، ورب لفظ يدل على ضمير"، يُنظر: أحمد بن المقري
Jean Chevalier & Alain Gheerbrant, Dictionnaire des symboles: Mythes, rêves, coutumes, gestes, formes, figures, couleurs, nombres (Paris: Robert Laffont, 1982), p. 19. 67 Cassirer, La Philosophie , p. 33.
فؤاد مخوخ، من نقد العقل إلى هيرمينوطيقا الرموز: بحث في فلسفة الثقافة عند إرنست كاسيرر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،
Gilbert Durand, L'Imagination symbolique (Paris: PUF, 1964), pp. 19 , 95. 71 Cassirer, L'Idée de l'histoire , p. 62.
الفهم معناه أن يُحيي الباحث مرة أخرى في نفسه كل ما يحيط بدائرة المبحوث عنه. وبحسب غادامير، يعني المصطلح الألماني
Verstehen "فهم"، "الوصول إلى اتفاق مع شخص آخر". وهو بحسب دلتاي "الأرض الأم" التي يجب العودة إليها لتحقيق هذا التصور. ينطبق هذا على العلوم الإنسانية، وفي طليعتها التاريخ، حيث تصبح كينونة الإنسان المبحوث عنه وفهم تاريخه الداخلي (الأفكار
والمشاعر والمعتقدات) المعبّ عنها رمزيًا، في قلب اهتمامات المؤرخ. فأشكال بقايا الماضي التعبيرية كلها، تصبح حقلً للفهم والتفهّم، "لأن
كل شيء نص"؛ عكس العلوم الطبيعية والعمليات الفيزيائية التي لا يمكن بوساطتها النفاذ إلى كينونة الأشياء. بيد أن النصّ
المرموز لا يقدم نفسه جاهزًا للمؤرخ، بل عليه أن يفهمه ويتفهّمه قبل الدخول في مرحلة تأويله. لكن ما السبيل إلى الفهم والتفهّم؟ بداهة، لا يمكن فهم أعمال الأجيال الماضية بكيفية تلقائية، ومن دون روية أو تفكير، وإلا "أخطأنا فهم الماضي على وجهه الحقيقي". وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار قصب السبق الذي أحرزته المدرسة النقدية الألمانية في تبنّي قاعدة الفهم والتفهّم، ردًا
على مقولة حتمية القوانين التاريخية. وانتقد كاسيرر لايبنتز Leibnitz الذي عدَّ المعرفة الرمزية "معرفة عمياء"، وبيّ بمستوى عالٍ
من الإقناع، أنها في أقل تقدير "حدّ للمعرفة الإنسانية" إذا تمّ تفهّم الناصّ من خلال إقامة حوار بينه وبين المتلقي. وبدوره، ربط
غادامير بين التأويل والفهم، فجعل من التأويل أداة لتحقيق "الفهم التام"؛ إذ إن التأويل عنده يتوخّى "رفع الالتباسات من النصوص التي تحول دون أن يحقق الدارس الفهم التام". بالنظر إلى أن غادامير يُعدّ من أكثر أصحاب الاتجاه التأويلي حرصًا على عنصر الفهم، لا نستغني عن الإشارة إلى نقطة جوهرية ميّز
بها عملية الفهم في منهج التأويل الرمزي، وهي أن فهم النصّ لا يقتصر على معيار العلم والعقل كما هي الحال عند المدرسة الوضعانية،
بل يضاف إلى ذلك معيار "البصيرة" و"التعقل" الذي يؤسس على البناء المعرفي الشمولي، وعلى التجارب الإنسانية الكونية. واقتبس غادامير من درويزن بناء على هذا التاريخ الكوني النسقي قاعدة للفهم، تنطلق من الجزء نحو فهم الكل، وفهم الكل من الجزء. وفي عملية الفهم، شدّد على تفهّم نفسية البشر، وإدراك مضمراتها الروحية بالبصيرة، من أجل فهم معايير قيمهم التي لا تدرك خارج
موروثهم التاريخي الذي عدّه المدخل الأساسي لفهم النصوص. هناك خاصية ثالثة يستند إليها غادامير في عملية الفهم، وهي استبعاد أيّ تناقض بين التراث والعلم، يقول في هذا الصدد: "فبعد
إخفاق التاريخانية الساذجة لقرن التاريخانية نفسه، أضحى جليًا أن التناقض بين اللاتاريخي - الدوغمائي والتاريخي، بين التراث والعلم
التاريخي، بين القديم والحديث ليس تناقضًا مطلقًا. لقد توقفت الخصومة الشهيرة بين القدماء والمحدثين لتطرح بدائل حقيقية". فللفهْم علاقة بالذات (فهم التراث)، وليس بالعنصر الخارجي.
73 غادامير، ا لحقيقة والمنهج، ص 24. 74 المرجع نفسه، ص 338. 75 قنصوه، ص 170، 174. 76 العروي، مفهومالتاريخ، ص 209. 77 العروي، ثقافتنا، ص 20. 78 مخوخ، ص 233. 79 غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 269. 80 المرجع نفسه، ص 27. 81 المرجع نفسه، ص 310. 82 المرجع نفسه، ص 41. 83 غادامير، فلسفة التأويل، ص 17.
في الاتجاه نفسه، طرح دلتاي معيارًا آخر للفهم، وهو المعايشة والمشاركة الوجدانية التي تبلغ بالمتلقي درجة تفهّم صاحب النصّ،
فالإنسان لا يفهم إلا ما عاشه بنفسه. والتفهّم هو القدرة التي تمتلكها مختلف التعبيرات (حزن، فرح، غضب... إلخ) على استحضار
ما تعبّ عنه، وهو الأساس لكل تواصل وكل مشاركة للتجربة بين البشر. وبناء على ذلك، تصبح التجربة المعيشة والمشاركة الوجدانية
والتعاطف والفهم والتفهم في علاقة جدلية، ويكتشف الإنسان نفسه باكتشاف ماضي الآخرين عبر معايشة ما عاشوه. ولا يتعلق الأمر هنا بحدس أو استنتاج لشعور ما مصاحب لواقعة تاريخية، بل هي إعادة إحياء هذا الشعور في نفس المؤرخ، وكأن الواقعة حدثت تحت سمعه وبصره في الحاضر، لا في الماضي فحسب. إنها "إرادة الالتقاء" التي يبديها المؤرخ ليكتشف بوجدانه شعور الناس في الماضي، ويعايشهم بالمخيّلة رغم المسافة الزمنية والتغرّب عن العصر، لإزالة التباعد. والحاصل أنه ليس هناك أفضل من معايشة حاضرية
لفهم روح نصّ ألّف في الماضي. نحسب أن هذه المعايشة الوجدانية بين المتلقي والآخر الذي يسعى لتفهّمه تمهيدًا لتأويل ماضيه، هي ما ذهب إليه أيضًا ريكور.
فالفهم في منظوره يهدف إلى "لقاء الآخر" وإلى "التبادل الوجداني" معه، ليصبح هذا الآخر "النجم المرشد للمؤرخ". وبقدر ما حرص على جعل الفهم مرحلة أساسية وضرورية في التأويل، فإنه نبّه إلى أن سوء فهم النصّ يؤدي إلى سوء تأويله. ومن أهم أسباب سوء الفهم،
عدم التمييز (المباعدة) بين دلالة النص، والقصد الذهني للمؤلف. على غرار ريكور، أدلى بارت بدلوه في مسألة الفهم، فربط عملية فهم الرمز بالبعد الوظائفي الذي يؤديه، وأعطى مثالً لذلك بالمعطف المطري الذي يرمز إلى الوقاية من المطر. غير أن هذا الاستخدام في نظره لا ينفصل عن كونه دليل حالة فحسب، لأن دلالته الشاملة لا تفهم إلا في سياق جوّ المطر والبرد وليس المطر وحده. ولذلك فإن فهم النص المرموز مشروط بعملية المواءمة والتجانس بين
الدال والمدلول.
3. بنية الفهم المسبق قبل أي تأويل للنص التاريخي
إذا كان المفكرون التأويليون يحرصون على أسبقية الفهم والتفهم لأي تأويل بهدف استنباط دلالات الرموز في النص، فإنهم يضعون الإصبع على قاعدة كثيرًا ما عُدَّت عند المدرسة الوضعانية محبطة للبحث التاريخي، وسببًا في سوء فهم النص أو الوثيقة، وتتجلّ
في تبنّي حكم مسبق على أنه منطلق في صيرورة عملية الفهم. ورأت المدرسة المذكورة أيّ حكم مسبق يتبنّاه المؤرخ عند تأويله نصًّا، أو
وثيقة، انزلاقًا منهجيًا تتكسر فيها روح الحيادية والنزاهة. بيد أن للتأويليين منظورًا آخر لا يخلو من نبرة واقعية، فهم يرون أن كل
تفسير للوقائع التاريخية أو للقضايا المصيرية في التاريخ لا يمكن إلا أن ينطلق من اهتمام معيّ، ومن مصلحة مكشوفة أو متوارية،
يتشكل منها السؤال المطروح على النص أو الوثيقة. وعلى الرغم مما يمكن أن يدّعيه المؤرخ من تحرّره من سلطة الذاتية، فإن ذلك
وهمٌ فحسب، يخفيه المؤرخ في مشاعره الداخلية، ويستبطنه في بنيته الفكرية المسبقة. لذلك، يرتبط تأويل النص التاريخي، واقعيًا، شئنا
أم أبينا، بما يسميه التأويليون "بنية الفهم المسبق" التي تفرض نفسها خيطًا موجّهًا للمؤول.
84 قنصوه، ص 172. مجدي عز الدين حسن، "تأويل التاريخ وتاريخية التأويل (2)"، الحوار المتمدن، العدد 3664، 11 / 3 / 2012، شوهد في 16 / 10 / 2019، في: xwJP 311 / ly. bit:// http
86 Ricœur, Histoire , p. 36.
87 ريكور، ص 498. 88 درويش، ص 419. بارت، مبادئفي علم الأدلة، ص 142 - 143؛ وعن دور نطق اللغة في تحديد الهوية، ينظر: بارت، الدرجة، ص 97.
إذا كانت بنية الفهم المسبق تمثِّل قاعدة انطلاق أي تأويل رمزي، فما عناصرها التي تُوظَّف لفهم دلالة الرموز التاريخية وتأويلها؟ يفصح غادامير عن أحد عناصر بنية الفهم المسبق، فيحدده في سلطة التراث التي تمثِّل بوصلة مرشدة للفهم (براديغم). فأي باحث
لا يمكنه أن يفكّ شيفرة رمز من دون فهم "توقعات" دلالته المستمدة من التصورات السابقة التي يملكها حول الموضوع، والتي تستنبط من المرجعية التراثية. حرّر غادامير مفهوم بنية الفهم المسبق المستند إلى التراث من المنظور السلبي الذي وضعته فيه المعرفة التاريخية في عصر الأنوار
عندما رأته مناقضًا للعقل. فهو يرى أن تاريخية الوجود الإنساني تمثّل منبع الفهم أو الأحكام المسبقة التي من خلالها نجرّب شيئًا ما،
حتى يكون لما نبحث عنه معنى، وإلا انتفى هدف البحث. ولتأكيد رؤيته، عوّل على مراجعة منظورات فلاسفة الأنوار الذين أداروا
ظهورهم لفكرة الأحكام المسبقة المؤسسة على التراث، ونقدها وصححها، ليؤكد أنه "ما كان يقدم نفسه في إطار البناء الذاتي للعقل المطلق على أساس أنه حكم مسبق محدود ومختزل، إنما هو في الحقيقة شيء ينتمي إلى الحقيقة التاريخية نفسها". تُمثّل الأحكام المسبقة التي يمتلكها المؤرخ عن تراثه أحد تجلّيات الحقيقة التاريخية. لكنه يميّز في الوقت نفسه بين الأحكام
المسبقة غير المشروعة، والأحكام المسبقة المشروعة التي تراقب ب "الانضباط المنهجي للعقل": "فالفهم الذي يتم بوساطة وعي منهجي يجب ألّ ينصبّ على التصورات المسبقة الخاصة فحسب، بل على الوعي بها لأجل مراقبتها وتأسيس الفهم الصحيح". وعلى المؤول
أن يحتكم إلى المعرفة والعقل، ولا ينصاع انصياعًا أعمى لسلطة التراث. وعليه أيضًا أن يُخضِع تصوراته المسبقة كلها للفحص والاختبار
بالتساؤل عن مشروعيتها، حتى يكون له حرية اختيار مدلولات ثقافية وتاريخية من دون غيرها، ما دام "التراث في الحقيقة هو دائمًا
ممكنات الحرية والتاريخ نفسه". يخلص غادامير إلى القول إن للتأويل علاقة متداخلة بالجوهر الزمني للإنسان، وإن الإنسان يعيش في إطار التاريخ، ويتواصل مع موروثه، لا بوصفه شيئًا غريبًا عنه، بل بوصفه منتميًا إليه ومندمجًا فيه؛ فكل فهم هو فهم تاريخي، لأن للذات تاريخًا وتراثًا لا يمكن
أن تنفصل عنهما، وبذلك يكون غادامير قد أقام علاقة جدلية بين العقل والتراث، وجعل تأصيل الدلالات رهنًا بالتاريخ. رغم أن تفكيكية دريدا تقوم على المقولة "لا شيء خارج النص"، حيث استبعد صاحبها مرجعيات التأويل، فإن مشروعه التأويلي، لا يتنكّر للتاريخ الذي يقوم في رأيه على الحفر في البنيات الثقافية، بحثًا عن المعنى، بوساطة "تحليل جينيالوجي لبنية متشكلة نريد نزع طبقاتها المترسبة" وفق تعبيره.
90 غادامير، ا لحقيقةوالمنهج، ص 30.
ينتقد غادامير رانكه ودرويزن اللذَين رفضا كل بناء قبلي مسبق لتاريخ العالم، ينظر: المرجع نفسه، ص 298؛ عبد الله بريمي، "تاريخانية التأويل: هانز جورج غادامير"،
قضايا إسلامية معاصرة، العدد 57 - 58 (آذار/ مارس 2014)، ص 142، 144.
بريمي، ص 143 - 144. 96 المرجع نفسه، ص 147. ميشيل فوكو وجاك دريدا، حوارات ونصوص، ترجمة محمد ميلاد (اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2006)، ص 156.
92 Gadamer, Vérité , pp. 298 , 302. 93 Ibid., p. 290. 94 Ibid., p. 300. 95 Ibid., p. 302 ;
على أن الفهم بوصفه مرحلة أساسية لتأويل الرموز في بعض المجتمعات، يستدعي أحيانًا إجراء بحث ميداني على عيّنة من الأفراد
من خلال ما يعرف ب "الوصف المكثف" description Thick الذي يروم التقاط الرسائل الرمزية التي تفصح عنها القواعد والأعراف المتداولة في ثقافة ذلك المجتمع، فيتحول المؤرخ في هذه الحالة إلى باحث إثنوغرافي. ويقدم غيرتز نموذجًا للباحث الذي استطاع التقاط
الرسائل الرمزية، مستعينًا بفلسفة التأويل عند ريكور، ومعتمدًا في قراءة ثقافة المجتمعات على وجهات النظر التي يعبّ عنها المواطنون
في تفاعلهم الاجتماعي، ما يضفي معنى جديدًا على العالم الذي وجدوا أنفسهم فيه، من خلال التركيز على أنماط الفعل التي تظهر في شكل قولي أو غير قولي. من الاستشهادات كلها التي أوردناها، يتبيّ أن الفهم والتفهّم في منهج التأويل الرمزي يُعدَّان مكوّنيَن أساسييَن في قراءة الرموز
وتأويلها، لكنهما يطرحان إشكالات قد تكون عرضة للنقد، ومن بينها على الخصوص إشكالية استحضار الحاضر، والاستناد إلى الموروث الثقافي، ثم المشاركة الوجدانية لصاحب النص، وكلها أدوات تؤثر في مسألة الذاتية والموضوعية للمؤرخ، فكيف يتمّ تجاوز مطبّ
الذاتية في منهج التأويل الرمزي؟
4 ي. إشكالية الذاتية والموضوعية ف منهج التأويل الرمزي
تعدّ مسألة الذاتية والموضوعية لدى متلقّي النص من القضايا الحارقة التي أثارت كثيرًا من الغبار في مناقشات المؤرخين. وركزت
المدرسة الوضعانية على مبدأ الحياد، وأعلنت موقفًا صارمًا من أي تدخل للمؤرخ في إعادة بناء معنى النص، وعدّت ذلك خروجًا عن
الموضوعية والروح العلمية. وعلى العكس، يجعل المنهج التأويلي من "تدخّل" المؤرخ في النص أمرًا ملزمًا بهدف خروجه من اغترابه
عن الزمن الذي يؤرخ له، واستكشاف دلالاته. وفنّد أصحاب هذا المنهج اعتراضات من يزعم أن مشاركة القارئ للمؤلف في بناء معنى
النص، تبعده عن درب الحياد. يقول غادامير في هذا الصدد: "عندما نفهم نصًّا معينًا، فإننا لا نحل محلّ الآخر، ولا يتعلق الأمر باختراق
النشاط الروحي للمؤلف، فليست المسألة سوى إدراك المعنى والدلالة أو القصد [...] نجد أنفسنا في دائرة القصد المفهوم في حد ذاته، ودون أن يبرّر الرؤية المحمولة على ذاتية الشريك". وبذلك يكون تدخّل مؤول النص وفق غادامير هو "إحلال الاتفاق، وتسديد
النقائص"، وكسب حرية منهجية تروم تحقيق المعنى المعقول. بالمثل، يرى غادامير، الذي سلك في هذا الاتجاه مسلك أستاذه هايدغر، أن حرص المدرسة المنهجية على تجرّد المؤرخ من أهوائه
وذاتيته يجعل هذه الأهواء تمارس فعلها في الخفاء، بدلً من تمثّلها على أنها موجّهات علنية في عملية الفهم، لأنها هي التي تؤسس
موقفنا الوجودي الراهن. لكنه يدعو إلى التسلّح بفضيلة الاحتراز من بعض الأفكار التوهيمية التي تلوح في الخاطر، انطلاقًا من بعض العادات اللاواعية في التفكير. فالنشاط التأويلي يستلزم أن تكون عين المؤرخ موجهة نحو "الشيء نفسه"، كي يدركه "شخصيًا"، ويحتكّ
به مباشرة، ليستلهم دلالات رموزه. هذه هي حدود الموضوعية كما يراها غادامير في عملية التأويل، فهي، وفق منظوره، لا ترقى إلى موضوعية العلوم الطبيعية، لكنها تتضمن مع ذلك "حقائق مُدّعاة".
السيد حافظ الأسود، "المدخل الرمزي لدراسة المجتمع"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 14 (1991)، ص 347؛ فرو، ص 224 - 226 99 العروي، مفهوم التاريخ، ص 366 - 367. 100 غادامير، فلسفة التأويل، ص 41 - 42. 101 المرجع نفسه، ص 42. 102 فرو، ص 57.
في المنحى النقدي نفسه لنسبية الموضوعية، لاحظ ريكور أن ذاتية المؤرخ تتدخل (قصدًا أو بغير قصد) في مراحل الكتابة التاريخية كلها، وأن "التورط الذاتي يشكل في آن واحد الشرط والحد للمعرفة التاريخية". ويذهب في انتقاده الموضوعية التي تزعمها المدرسة الوضعانية إلى وقوع هذه الأخيرة نفسها في فخّ الذاتية، من خلال إشارته إلى بعض السمات التي تبرز البعد الذاتي في منهجية روادها. ففكرة الاختيار (اختيار الموضوع)، وحكم الأهمية importance ' d Jugement الذي يحكم هذا الاختيار، وتنوع معايير الانتقاء تبعًا
لنظرية العمل أو فرضيته التي يتبناها المؤرخ، كلها موجهات تتجلى فيها ذاتية المؤرخ، تحت عناوين مختلفة، تعمل خلف الستار في أفق ما يسميه ب "التخطيطات السردية".
5. فهم الرمز التاريخي ضمن نسق الحاضر
"المؤول معاصر بكل ما في الكلمة من معنى لمؤلف النص". لعل هذه المقولة التي أوردها غادامير، في كتابه الحقيقة والمنهج، تبرز انتصار المدرسة التأويلية لمقولة تأثير الحاضر في تأويل الماضي، وهو انتصار أيضًا للمنهج الفيلولوجي الذي يعدّ فهم أي عقل ينتمي
إلى الماضي عقلً حاضرًا، وفهم كل اغتراب زمني ألفةً ومعايشةً للنص، رغم المسافة الزمنية بينهما. وحرص غادامير على ضرورة قراءة النص وتأويله انطلاقًا من الحاضر، "فكما أن العلم الطبيعي يفحص دائمًا شيئًا حاضرًا لغرض ما يقدمه من معلومات، كذلك بالضبط،
يستنطق العالم في العلوم الإنسانية النصوص". ويرى هذا الفيلسوف الألماني أن عملية فهم الماضي وتأويله لا تنفصل عن مفاهيم الحاضر أو ما سماه "الأفق التاريخي الراهن" الذي به ومن خلاله تؤسّس عملية فهمنا للماضي. والوعي التاريخي بالنسبة إليه توليفة
تتولّد من الانصهار بين الماضي والحاضر. ومن سياق هذا الحاضر تستقي الذات المؤولة قواعد فهمها، ونوعية الأسئلة التي تطرحها على النص أو الوثيقة. في الوقت ذاته، يرى غادامير أنه لا يمكن المؤرخ خلال مرحلة الفهم والتأويل أن ينفلت من مرجعية الماضي لفهم النص. ونحسب أن مقولته، حول "التاريخ الفاعل" أو الوعي المندرج في الصيرورة التاريخية، تعني أن الذات الواعية تعيش في قلب التاريخ، ولا يمكنها أن تتموقع خارجه، لأنه تاريخها الخاص. وبناء عليه، من غير الممكن انفكاك المؤول عن ذاته وعن معايير أفقه التاريخي المبحر بين مرفأ الماضي البعيد، ومرفأ الحاضر، وهذا الإبحار بين ضفتي الحاضر والماضي هو الذي يمنح المعنى في عملية تأويل الرمز. وينتقد الرأي الذي يلزم المؤرخ بضرورة الانسلاخ عن مفاهيمه الخاصة المرتبطة بالحاضر، والاقتصار على التفكير بمفاهيم الحقبة التي يحاول فهمها، مؤكدًا أن ذلك مجرد لعبة أو "ادعاء تاريخي ساذج". على العكس، تتم عملية فهم الماضي وتأويله، وفق منظور هذا الفيلسوف المولع بالتاريخ حتى النخاع، عبر حوار يؤلف بين أفق الماضي كما يطرحه صاحب النص المرموز، و"الأفق التاريخي الراهن". ومن هذا الحوار تؤسس هذه التوليفة الخلاقة التي عبّ عنها
ب "انصهار الآفاق" بين الماضي والحاضر، فيصير مؤوّل النص مشاركًا في إنتاج معناه.
103 ريكور، ص 498. 104 المرجع نفسه، ص 501؛ درويش، ص 380. 105 غادامير، الحقيقة والمنهج، ص 338. 106 المرجع نفسه، ص 338.
107 Gadamer, Vérit , p. 303 ;
بريمي، ص 139.
بدوره، يذهب بول ريكور إلى أن المعرفة التاريخية لا تكتمل إلا بربط "ماضي الرجال الغابرين وحاضر رجال اليوم"، ويرى أن من بين الأهداف التي تسعى لها الهرمنيوطيقا مواجهة الابتعاد الثقافي بين الناصّ والمتلقي، بهدف تقريب الذات المؤولة، وإعادة
توطينها في عالم النص، وتحريرها من غربتها حتى يصبح المؤول مالكًا للنص ومعايشًا له. الحاصل أن مرتكزات منهج التأويل الرمزي وخصائصه، كما بسطناها في هذا المحور، تجعل من المؤرخ بحكم معايشته لنصّه،
متملّكًا له، مساهمًا في إنتاج المعنى الذي بدأه السارد، ما يجعله مبدعًا ومشاركًا في قراءة الوقائع التاريخية من خلال البحث عن الجانب
الرمزي المتواري فيه، وهو ما سنسعى لبيانه في محاولة تطبيقية في المحور الموالي.
ثالثًا: محاولة تطبيقية لمنهج التأويل الرمزي عىل طقوس البيعة يف المغرب
1. طقوس البيعة بوصفها نصًا رمزيًا غير مكتوب
استرشادًا بمرتكزات منهج التأويل الرمزي المسطورة سلفًا، كيف يمكن قراءة الدلالات الرمزية لنموذج تاريخي، اخترنا له طقوس
احتفالات البيعة في تاريخ المغرب الراهن على أنها مجال للفحص والاختبار؟ علمًا أننا سنعالج هذه الطقوس، لا بوصفها مشهدًا فرجويًا،
بل نمطًا من أنماط الفعل الرمزي symboliques Actions، ونصًا تاريخيًا "بصريًا" غير مكتوب، لكنه معبّ عن مجموعة من السلوك
والتقاليد المتولدة من رحم الماضي والحاضر، وحامل لنسيج من الرموز والتصورات المتوارثة والمنقولة تاريخيًا. تكتسي احتفالات البيعة في التاريخ الإسلامي مكانة مركزية في الاستراتيجية التي اعتمدها الحاكم لتدعيم شرعية بيعته السياسية بشرعية دينية، وإكسابها طابع القداسة. وتباينت هذه الاحتفالات في الدول الإسلامية، ومن بينها المغرب الذي سنتخذ طقوس احتفالاته في البيعة الملكية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني (1961 - 1999)، نموذجًا في هذه الدراسة. نحسب أيضًا أن هذه الطقوس الاحتفالية تختزن دلالات تاريخية عدة، يكشف عنها المشهد العام الذي يتخذ شكل احتفال كرنفالي يجري ترتيبه وفق مخطط مدروس، وإخراج محبوك يجعله تقليدًا مفعمًا بالمعاني والرموز التي يصنعها النظام المغربي بوصفها آلية
لفرض هيبته على المجتمع، وتكريس قدسية المؤسسة الملكية وعراقتها التاريخية، وتجديدها وضمان استمراريتها. لذلك لم يحد جورج بلاندييه Balandier Georges عن الصواب في دراسته الأنثروبولوجية بشأن بعض الممالك الأفريقية حين عدّ الطقوس المصاحبة لتقاليد
احتفالات تنصيب الملوك، تعبيرًا رمزيًا عن انبعاث الأسرة المالكة من جديد، وإعادة إنتاج النظام لذاته من خلال العودة إلى البدايات التي
108 ريكور، ص 498.
109 Paul Ricœur, Du texte à l'action: Essai d'herméneutique , vol. 2 (Paris: Seuil, 1986), p. 153.
من نماذج المشاهد غير المكتوبة التي تمّ تأويلها، نذكر القراءة التأويلية التي قام بها بارت في مشهد صورة الراهب أيان وعلى جانبيه شخصان من أفراد الحاشية يسكبان
عليه الذهب. إضافة إلى مجموعة أخرى من الصور الفوتوغرافية، يُنظر: رولان بارت، المعنى الثالث ومقالات أخرى، ترجمة عزيز يوسف المطلبي (بغداد: بيت الحكمة،
2011)، ص 58 - 76. للمزيد من الدراسات المنجزة بشأن البيعة في المغرب في التاريخ الراهن، يُنظر:
Nabil Mouline, "La Fête du trône: Petite histoire d'une tradition inventée," in: Baudouin Dupret et al., Le Maroc au présent, D'une époque à l'autre, une société en mutation (Casablanca: Publications du Centre Jacques-Berque; Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2015), pp. 691 - 701 ; Mohamed Tozy, "Monopolisation de la production symbolique et hiérarchisation du champ politico-religieux au Maroc," Annuaire de l´Afrique du Nord , vol. 18 (1980), pp. 219 - 234 ; Rachida Cherifi , Le Makhzen politique au Maroc: Hier et aujourd´hui (Casablanca: Afrique Orient, 1988).
تعكس المرجعية التاريخية، وإن كان إريك هوبزباوم Hobsbawm Eric يذهب إلى أن "تاريخية" التقاليد الملكية لا تنفي أن يكون أصلها حديث المنشأ، وكأن الملك يستحدثها ك "تقاليد وضعية" تتواصل مع الماضي، لإعادة صوغها بهدف استمرار إنتاج نظامه على نحو متجدد، ما يؤكد ما يحمله هذا الفعل الرمزي من تزاوج بين الماضي والحاضر، كما تذهب إلى ذلك المدرسة التأويلية. بهدف الوقوف على الدلالات التاريخية لهذا المشهد الاحتفالي في البيعة، و"التضايف" الحاصل فيه بين الماضي والحاضر بوساطة الطقوس، نسعى لعرض جوانب منها، ومحاولة تأويل رموزها. جرت العادة وفق التقاليد المغربية في عهد الحسن الثاني، أن يقام في 4 آذار/ مارس من كل عام حفل الولاء والبيعة، وهي مناسبة اعتاد فيها الملك المغربي أن يخرج من باب القصر الملكي، ممتطيًا صهوة حصان قوي، ومرتديًا جلبابًا أبيض، ومعه مجموعة من العبيد،
يتقدمهم عبد أسود يحمل مظلة كبرى فوق رأسه، إلى جانب عدد من "المزارك" المتشحين بالرماح. وعند وصوله إلى ساحة مشوار القصر، يجد جموعًا غفيرة من ممثلي جهات المغرب والمسؤولين الكبار، على شكل صفوف متراصة في انتظار طلعته، وهم يرتدون، بدورهم، زيًّا
وطنيًا ناصع البياض، لتقديم فروض الطاعة والولاء، وتجديد العهد له، فيبدأ كل صفّ بتحيته عبر انحناءات كبرى ومتكررة تشبه الركوع
في الصلاة. وعندما ينتهي الصف الأول من انحناءاته، يترك مكانه للصفوف الموالية الأخرى. وتصحب الانحناءات صيحات عالية يطلقها أحد خدام القصر بصفته نائبًا ينوب عن الملك في تبليغ رضاه للمبايعين، ودعائه لهم بالصلاح، ثم ينتهي الحفل في باحة القصر
الملكي بتقديم التهاني من كبار الشخصيات والمدعوين. ولعلّ هذا النظام الدقيق والصورة البديعة المتناغمة التي تصاحب هذا المشهد الاحتفالي، يعكسان الأنواع الثلاثة من التقاليد ذات الدلالات التي تحدّث عنها هوبزباوم: وهي التماسك الاجتماعي، والنظام وتثبيت
السلطة، وترسيخ نظم القيم والأعراف المتماهية مع الشريعة. تستوقفنا في هذا المشهد الاحتفالي، ثلاثة طقوس، نعتقد أن لها حمولات رمزية تفصح عن جملة من المعاني والدلالات، وهي المظلة السلطانية التي يرفعها أحد خدام القصر على رأس الملك، والجواد الذي يمتطيه السلطان في أثناء البيعة، وما يصحب البيعة من انحناءات وتعبيرات جسدية. وسنحاول تأويلها استنادًا إلى القواعد التي صاغتها المدرسة التأويلية، وخاصة تلك التي تبناها الفيلسوف
غادامير، القائلة إن الإنسان يعيش في التاريخ، ويتواصل مع موروثه الثقافي بصفته كائنًا منتميًا إليه، ومندمجًا فيه.
2. دلالات رمز المظلة السلطانية
عند معاينة شكل المظلة السلطانية، لا تخطئ العين في ملاحظة تقارب شكلها مع صورة الشجرة، وهو ما جعل بعضهم يؤوّلها
بشجرة بيعة الرضوان التي بويع تحتها النبي محمد في السنة السادسة من الهجرة. لذلك، سيركز تحليلنا على دلالات المظلة باعتبارها شارة سلطانية، انطلاقًا من سيميائية الشجرة، بوصفها نباتًا له دلالات عميقة، ترتبط بالسلطة السياسية. ويستلهم النظام المغربي رمزيتها
جورج بلانديه، الأنتروبولوجيا السياسية، ط 2، ترجمة علي المصري (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007)، ص 142. إيريك هوبزباوم وتيرينس رينجر، اختراع التقاليد: دراسة في نشأة التقاليد ودوافعها وتطوراتها، ترجمة أحمد لطفي (أبوظبي: دار الكتب الوطنية، 2013)، ص 7.
علمًا أن المؤلف يتخذ من الملكية البريطانية نموذجًا لطقوس الاحتفالات.
114 Mouline, p. 691.
وعادةً ما يظهر هذا المشهد الاحتفالي في القنوات المرئية المغربية جميعها التي تنقل طقوس حفل الولاء المنظم في 4 آذار/ مارس من كل عام خلال عهد الملك الحسن الثاني،
وهو ما نعدّه وثيقة صوتية - مرئية حافلة بالرموز.
11 5 هوبزباوم ورينجر، ص 14 - 15. أوّل وزير للأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب أحمد التوفيق، وهو باحث متخصص في التاريخ، شبّه المظلة التي تحمل على رؤوس السلاطين المغاربة بالشجرة التي
بويع تحتها الرسول الأكرم، وهي البيعة المعروفة تاريخيًا ببيعة الرضوان.
لتأكيد شرعية حكمه كل عام، بل حتى في بعض المناسبات الوطنية، كما حصل في بيعة وادي الذهب، في 14 آب/ أغسطس 1979، حيث ورد تعبير "شجرة الرضوان" في نص وثيقة البيعة، بوصفها علامة على إعادة إنتاج الاعتراف باستمرارية الحكم في عائلة تنتمي إلى السلالة النبوية. الدلالات القدسية نفسها ترد في وقائع التاريخ الإسلامي، حيث تكتسي الشجرة بعدًا رمزيًا دينيًا لا يغيب عن كل ملمّ بالتاريخ؛
ولا غرو، فقد عقدت تحتها بيعة الرضوان وفق ما ورد في النص القرآني، كما سمي مسجد ذي الحليفة في العهد النبوي بمسجد الشجرة. ويرجع أصل هذه التسمية إلى وجود مسجد بالقرب من الشجرة التي كان الرسول يجلس تحتها ليستظل بظلالها، ما جعلها تحتل خانة التقديس في الذاكرة الإسلامية، وتنسج حولها بعض الكرامات. ترمز شجرة سدرة المنتهى التي توجد، بحسب المعتقد الشعبي الإسلامي على يمين عرش الله، إلى العلوّ والسموّ، لأنها توجد في
السماء السابعة، ومن ثم فهي ترتبط بمعاني سموّ مكانة الحاكم وتميّزه من الرعية، وخاصة إذا أضفنا رمزًا آخر إلى الشجرة، وهو
تعبيرها عن الإنسان الكامل في كلّيته، وإلى عظمة الله وجلال جماله، علمًا أن الخلفاء في تاريخ الإسلام كانوا متمسكين بنظرية
التفويض الإلهي، ومن ثم، تحمل المظلة السلطانية معانيَ العظمة والكلية والجمال التي هي من خصائص الذات الإلهية. تحمل المظلة السلطانية أيضًا معنى مبطّنًا بشأن تسامي الملك وتعاليه، وتشبّثه بمقولة "الخليفة ظل الله في الأرض". فالمظلة
بارتفاعها واتجاهها نحو الأعلى، علامة على ارتباط صاحبها بالسماء، أكثر من ارتباطه بالأرض، واستمداد شرعيته من السماء، أكثر مما يستمدها من القانون الوضعي. ويحيل هذا النموذج من الوحدة الرمزية التي تجتمع فيها السلطة بالمقدّس إلى "الصلة التي قامت
بينهما دائمًا، والتي وسّعها التاريخ ولم يقطعها أبدًا". يسمح استنطاق مضمرات رمز المظلة السلطانية في التاريخ الإسلامي الذي يستقي منه تاريخ المغرب روحه وجذوره، باستنتاج كونها تعبيرًا غير مباشر عن هيبة الدولة وقوة الحاكم وثبات نظامه، وهو ما أنتج بعض المعتقدات السائدة، منها أن انكسار هذه المظلة، أو
سقوط حاملها يعدّ نذير شؤم على الدولة وعلى السلطان نفسه. وورد في بعض النصوص الأندلسية أن المظلة التي كانت توضع على رأس
الحاكم الأندلسي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط (275 - 300 ه/ 888 - 919 م) انكسرت في أثناء توجّهه لمحاربة المتمردين
على حكمه، فكان ذلك علامة على هزيمته التي تحققت على صعيد الواقع. كما ورد في إحدى المرويات التاريخية أن السلطان المغربي محمد بن عبد الله (1171 – 1204 ه/ 1757 - 1790 م) خرج لحضور صلاة العيد، فسقط حامل المظلة، وانكسرت عصاها، فكانت النتيجة وفاة السلطان بعد ثلاثة أيام من هذا الحدث، ما جعل الذاكرة الشعبية تختزن المثل المغربي القائل: "يطيح المظل، يموت السلطان". فالمظلة مثّلت في المخيال الشعبي رمزًا إلى قوة الحاكم، وتأكيدًا
لاستمرارية حكمه، لذلك كانت ترفع فوق رأسه في كل مناسبة بوصفها دليلً على حضوره القوي، وعلى صلابة نظامه، في حين كان انكسارها يؤول بوهن دولته، أو نهاية حكمه.
مما جاء في نص البيعة: "فبايعناه على ما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه تحت شجرة الرضوان"، يُنظر: "نص البيعة"، في: الحسن الثاني، انبعاث
أمة، جمع وتنسيق عبد الوهاب بن منصور، ج 29 (الرباط: المطبعة الملكية، 1984)، ص 179 - 182.
قال تعالى: ﴿لقَدْ رَضَِ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمنِينَ إِذْ يُبَايِعُونكَ تَحْتَ الشَّجرَةِ﴾ (الفتح: 18).
يوجد هذا المسجد في أعلى مكة، في دبر دار منارة بحذاء هذا المسجد، ونسجت حوله بعض كرامات الرسول، ومنها حديثه مع هذه الشجرة. علي زيعور، الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم: القطاع اللاواعي في الذات العربية، ط 2 (بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع، 1984)، ص 222. 121 بلانديه، ص 127.
رشيد البلغيتي، "ملين: إمارة المؤمنين 'أَسْلمَةٌ' لملكية تنفيذية مطلقة"، هسبريس، 31 / 8 / 2012، شوهد في 16 / 10 / 2019، في: J 8 D 5 pX 2 / ly. bit:// http
ونميل أيضًا إلى أن المظلة السلطانية تعبّ في رمزيتها عن شرعية الملك التاريخية وأزلية حكمه. فإذا أخذنا في الحسبان شكلها الذي
يماثل الشجرة، نستشف أن هذه الأخيرة تتميّز بعمرها الطويل الذي يمتد عبر قرون (الشرعية التاريخية)، وترمز جذورها إلى ماضٍ
تاريخي عريق، كما ترمز بجذعها الصلب إلى قوة السلطان. وتحيل بتجددها واخضرارها وأوراقها السامية إلى حاضر زاهر. أما ثمارها اليانعة، فتعكس الدلالة التي تجعل من الملك مصدر الخير والرزق الذي يعمّ الجميع، وأنه منبع لا غنى عنه للخصوبة الدائمة التي لا
تنقطع، ما يرمز إلى الحاجة إليه، وإلى حضور نظامه في الماضي والحاضر والمستقبل. مما يعكس رمزية المظلة السلطانية في التعبير عن استمرار المؤسسة الملكية وأزليتها، ما تعكسه، بتماثلها مع الشجرة، من تقديس في مخيال المجتمع المغربي. فعندما يتم العزم على قطع شجرة ذات مكانة في المعتقد الشعبي، ترتفع الأصوات لإدانة هذا القطع، وتحاول منعه، فتتناسل المأثورات الشعبية التي تبيّ استنكار الناس قطعها، بل تزعم المعتقدات الشعبية أن الشجرة نفسها تستعصي على
القطع. وللأمر مغزاه في الدلالة على استمرارية النظام واستعصاء إزاحته عن الحكم. أما رمزية التجديد التي تحملها دلالات الشجرة، فنجدها وافرة في التراث البشري؛ إذ تحيل كلها إلى الولادة وبداية الحياة والمعجزة – البركة (التي يصف بها المغاربة ملوكهم)، وعودة الحياة والانبعاث من جديد حتى في عزّ أوقات الشدة. فشجرة النخلة شهدت
ولادة السيد المسيح من غير أب، ومع ولادته المعجزة تغيّ مسار التاريخ، وظهرت المسيحية باعتبارها منعطفًا جديدًا. أما ثمارها (الرُّطب)،
فهي التي نزلت ناضجة مستوية لتهب الحياة لمريم العذراء، وتنقذها في لحظة العسرة، لتبدأ مسيرة حياة السيد المسيح. القول نفسه ينسحب على رمز شجرة اليقطين التي شُفي بها النبي يونس من جراحاته بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت، فوهبته حياة ثانية. لعل ما تقدمه الشجرة من علامات على الخصوبة، وبداية حياة جديدة، ما يندّ عن الحصر، وهو ما تنطق به الحكايات الشعبية
المغربية والأساطير، وما تترجمه عادات النساء المغربيات العاقرات اللائي يلجأن إلى ربط قطعة قماش بجذع الشجرة التماسًا للخصوبة
وطلبًا للولد. على العموم، تحمل الشجرة في الثقافة الكونية رمزَ التجديد والانبعاث والخصوبة والنماء، سواء تعلّق الأمر بشجرة البلوط في بلاد
الغال، أم بشجرة التين في الهند، أم بالخيزران في اليابان. كما ترمز الخضرة التي تتميز بها إلى الشباب والتجدّد والأمل والتفاؤل.
ففي العقيدة الزرادشتية، ترتدي المتزوجة اللون الأخضر علامةً على تجدّد الحياة، وعلى الخصوبة واستمرار النسل والخلود. وعمومًا،
أثبتت الدراسات أن رمز اللون الأخضر يحمل دلالات على الشباب والتجدد في الحضارات البشرية كلها. أمامنالناحيةالقدسية، فقدظلتالخضرةالتيتتميزبهاالشجرةرمزَارتباطبينالسماءوالأرضفيالذهنيةالإسلامية، لذلكسمّيتالسماء
خضراء. وهو اللون المفضّل في الجنّة، استنادًا إلى ابن كثير في تفسيره الآية الكريمة ﴿ عَٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ (الإنسان: 21)
محمد بلاجي، الرموز الآسرة: دراسة في الرموز والعلامات (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2013)، ص 217.
21 4 ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ علَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم: 25.)
21 5 ﴿ فنبَذْنَاهُ بِالْعرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (الصافات: 145.)
21 6 بلاجي، ص 228، 245. بنوا لوك، إشارات، رموز وأساطير، ترجمة فايز كم نقش (بيروت: عويدات للنشر والطباعة، 2001.) 21 8 المرجع نفسه، ص 73؛ سيرنج، ص 420. 21 9 سيرنج، ص 462. 131 ابن منظور، مج 5، ص 88.
130 Michel Pastoureau, Vert-Histoire d'une couleur (Paris: Seuil, 2013), pp. 48 - 49.
بأنه لباس أهل الجنّة. وحتى في تفاسير الأحلام، فإن هذا اللون رمز قوة ودين، وحسن حال عند الله. وفي الوقت ذاته، تحيل
الخضرة إلى آل البيت الذين ينتمي إليهم الملك المغربي. إلى جانب رمز التجدد والخصوبة والقدسية التي تعكسها خضرة الشجرة، فإن لهذا اللون، من الناحية النفسية، دلالات أخرى، فهو يُهدّئ من الانفعال والتوتر، ويجعل الصدر يميل إلى الطمأنينة والانشراح، وهو ما يرمز إلى دور الملك في خلق التوافق الاجتماعي،
وتهدئة النفوس، وقطع دابر الفتن.
3. دلالات رمز حصان الملك وانحناءات المبايعين
إن للحصان في الثقافات الإنسانية كلها تعبيرًا رمزيًا عن القوة والشجاعة والبطولة، حيث كانت مدن كثيرة، ولا تزال، تقيم في
ساحاتها تمثالً لحصان يرمز إلى الإقدام والقدرة على كسر شوكة العدو، كما يرمز أحيانًا إلى الألوهية والقدرة على اختراق السنن، وتجاوز المألوف، بما في ذلك القدرة على الطيران في السماء، وهو ما تؤكده الحكايات والأساطير والصور والتماثيل التي تجسّد الحصان
بجناحين، أو في صورة إله يجمع بين صفة إنسان وجسد حصان طائر. وكانت الشعوب القديمة تعدّه رمز الخصوبة والتجدد. ولا غرو،
حيث اعتقد الرومان أنه يجسّد رمزًا لاستمرارية الحياة، حتى إنهم كانوا يقدمونه قربانًا إلى الآلهة في أول تشرين الأول/ أكتوبر من كل
عام، ويحتفظون بذيله في فصل الشتاء طلبًا للخصوبة. أما في الثقافة الإسلامية، فالحصان يعكس، وفق النص القرآني، رمز القوة، وسلاحًا لتخويف العدو، وآلية للتحصّن والمنعة
والعزة. ويمثّل في الوقت ذاته، علامة على السلطة والثروة والجاه؛ إذ ورد ذكره في القرآن مقرونًا بالمال والذهب والفضة. كما
جاء في المتن الحديثي حمّالً معنى الخير والبركة. وتحيل معانيه في المعتقدات الإسلامية إلى قوة راكبه، وامتلاكه سلطة الكرامة
والمعجزة، والقدرة الخارقة على الوصول إلى ذروة السماوات السبع: فالبراق الذي أسرى بالنبي محمد، صُوّر في شكل دابّة شبيهة بحصان
له جناحان طارت بالنبي في رحلة الإسراء والمعراج. في التراث الشعبي المغربي ترمز الفانتازيا التي هي احتفال كرنفالي تشارك فيه مجموعة من الفرسان، إلى ملاحم عسكرية تاريخية مرتبطة بالذاكرة الجماعية القبلية، وتظهر الخيول المستعملة فيها بلباسها المزركش بأس القبيلة ومجدها. كما تحيل إلى معنى فحولة راكبيها، وقوة شكيمتهم، وثقتهم بالنفس، علمًا أن الفرسان كانوا في الماضي من علية القوم والمتنفّذين في المجتمع. في روايات التاريخ المغربي، هناك ما يشير أيضًا إلى أن الحصان ظل رمزًا إلى السلطة والجاه والهدية الثمينة التي كانت تقدم إلى
المنافسين والمتمردين على الحكم، استرضاءً لهم. وفي هذا الصدد، ورد في رواية تاريخية أن زينب النفزاوية زوجة الأمير المرابطي يوسف
بن تاشفين، نصحته عند مقابلته منافسه أبا بكر بن عمر، وكان قد عاد توًّا من الصحراء لاسترداد ملكه، بأن يمتطي صهوة حصانه ولا
محمد علي الصابوني، مختصر تفسير ابن كثير، ج 3، ط 7 (بيروت: دار القرآن الكريم، 1981)، ص 584؛ بلاجي، ص 214. 133 ابن سيرين، ص 355. 134 سيرنج، ص 420.
﴿ وأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِتُرْهِبُونَ بهِعَدُوَّ اللَّهِوعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهمُ اللَّهُ يَعْلَمهُمْ ومَا تُنفِقُواْ مِن شَْ ءٍ فِ سَبِيلِاللَّهِيُوَفَّ
إِلَيْكُمْ وأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 60.)
﴿ الصَّابرِينَ وَالصَّادقِينَ وَالْقَانتِينَ وَالْمُنفقِينَ وَالْمُسْتَغْفرِينَ بِالأسْحَارَِ﴾ (آل عمران: 17).
37 1 قال الرسول: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم"، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، مج 2، حديث 2852
(القاهرة: دار الفجر، 2005)، ص 301. ورد عند البخاري أن البراق دابة حجمها بين الحمار والبغل، يُنظر: المرجع نفسه، مج 3، حديث 3887، ص 62.
ينزل عنه عند مفاوضة منافسه، تعبيرًا عن شكيمته التي لا تلين، وعدم تنازله عن السلطة، رغم أنه كان نائبًا له في الحكم. كما طلبت
منه أن يقدم إليه الخيول هدايا للحيلولة دون تفكيره في أي تمرّد، وهو ما فهم الخصم دلالاته، فاستسلم للأمر الواقع. تأسيسًا على هذه المرجعية التاريخية، يمكن تأويل ركوب الملك المغربي الحصان في أثناء طقوس حفل البيعة، بوصفه تعبيرًا عن
سلطة المتغلب (راكب الحصان) وقوته ومناعة حكمه وحصانته، وخضوع المبايع لسياسة الأمر الواقع. كما أنها تعبير عن محاولة إبراز الذات السلطانية بوصفها ذاتًا خارجة عن المألوف، وقادرة على التسامي والتعالي بتشبهها بالنموذج النبوي الذي أسري به نحو السماء، وكلها إشارات تهدف إلى تلميع صورة السلطان، وإبراز صلابة نظامه، وزرع الهيبة في نفوس الرعية. لا تخلو انحناءات المبايعين للملك وهو ممتطٍ صهوة جواده ومستظلٌ بالمظلة السلطانية، من تعبير رمزي عن قوة النظام وتشبثه بنظرية التأليه، فهو يتمثّل من خلال الانحناءة التي تشبه الركوع في الصلاة مقولة "السلطان ظل الله في الأرض"، ويؤكد سيادته الدينية المطلقة على ممثلي الشعب، ومن خلالهم على الشعب برمته، بخضوعهم غير المشروط ل "سيطرته النافعة". فالمنحني أمام الملك، يتملّكه إحساس بأنه دخل فعليًا، مع من يمثلهم من المواطنين، تحت حماية أمير المؤمنين، واستظل بظله المرموز إليه بالمظلة السلطانية.
ويكون لهذا الشعور وقع عميق على المبايع؛ إذ يحدّ من أي طموحات يمكن أن تخطر بباله للتمرد ضد راكب الفرس، لأن هذه الانحناءة الجماعية دليل على "إجماع" يغدو التزامًا دينيًا، يصعب الخروج من دائرته، وتصبح أي ضربة موجهة ضده، بفعل هذا الترابط
بين السياسي والمقدس، "ضربة مدنّسة"، ومروقًا وخروجًا عن الوازع الديني. أما الصيحات التي يُردّدها العبد بعد انحناءة المبايعين، نيابة عن الملك، فمشحونة بالمعاني الرمزية التي تصبح بموجبها علاقات الخضوع والطاعة مبنية على كسب رضا الملك والتقرب إليه لتحقيق المكاسب، ودخول المبايع في علاقة تبعية قانونية ملزمة للسيد الأعلى الذي هو الحاكم، بالإخلاص له والقبول بسلطته المطلقة الأبدية. من خلال مقارنة طقوس البيعة، المرجع في الإسلام، مع البيعة السلطانية المغربية، يتضح أن الأخيرة لا تتشبث بالتقليد الأصلي سوى في عمقه الرمزي الديني، وفي مقابل ذلك، تسعى ل "إعادة صوغ التقليد"، وإخراج مشهد السلطة إخراجًا جديدًا بشكل مستحدث يعانق رموز الحاضر، من دون أن ينفصل عن المرجعية التاريخية العريقة في تركيبة مبدعة بإتقان. قبل الختم، وبحكم أهمية موضوع المناهج، نوصي بتأسيس مراكز علمية ومعاهد ومجلات متخصصة في دراسة المناهج، وإنشاء مكتبات إلكترونية تُعنى بهذا الجانب في أنحاء الوطن العربي كلها، وتنظيم لقاءات فرعية لتعميق البحث فيه.
أحمد بن محمد بن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق ومراجعة إ. ليفي بروفنسال وج.س. كولان، ج 4 (بيروت: دار الثقافة،
1980)، ص 25. هو تعبير استعمله بلانديه في دراسته حول الممالك الأفريقية لتفادي فوضى فترات شغور العرش، يُنظر: بلانديه، ص 136.
محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، ترجمة محمد حاتمي وخالد الشكراوي، مراجعة عبد الرحيم بنحادة (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،
2001)، ص 73. 142 بلانديه، ص 135. 143 الطوزي، ص 74. وهو ما تعكسه عبارة "الله يرضى عليكم، قالكم سيدنا" التي يرددها أحد العبيد المرافقين للملك في أثناء حفل البيعة.
خاتمة مفتوحة عىل بداية
انصبَّ المنجز التحليلي الذي ركّبنا به هذه الدراسة على أطروحة تجمع بين آليتين للاشتغال، نحسب أنهما تحتلان خانة مهمة في
سؤال المنهج التاريخي: أولاهما اختبار مدى نجاعة التفكير في ماضي الإنسان وفحصه ومساءلته، لا بوصفه حيوانًا ناطقًا، بل بوصفه
حيوانًا رامزًا، ومنتجًا لتاريخ علاماتي - إشاراتي يبوح بكل ما يختزنه عالمه الروحي من معانٍ حسيّة، تاريخ لا يُقرأ باللغة المتداولة، إنما
يفهم بالعلامة والإشارة. أما الآلية الثانية، فمحاولة جسّ نبض فكرة إشراك القارئ/ المؤرخ في فهم هذا العالم "اللالغوي" الذي يقبع
وراء النص التاريخي، وتأويل رموزه لاستخراج المساحات غير المرئية، والوصول إلى الممكن والمحتمل في التاريخ، بعيدًا عن "الوصاية" التي تفرضها سلطة كاتبه. تبيّ من ثنايا هذه الدراسة أن منهج التأويل الرمزي يحقق إلى حدّ ما هذه الغايات، لأنه يسعى لإقامة علاقة جدلية بين العقل
والتراث، والعلم والروح، في فهم دلالات النصوص. كما أنه يروم إشراك قارئ النص المرموز في إعادة إنتاج معناه، واستخراج دلالاته الممكنة عن طريق فهمه وتفهّمه، ثم تأويله، وإقامة روابط تفاعل وحوار معه "حتى لا نتركه يتكلم وحده"، على حدّ تعبير غادامير. وبهذا
التفاعل والحوار الطويل والمستمر، الهادف إلى استكشاف رمزية النص، يصبح المؤرخ، بوعيه وكفاءته، متملّكًا للنص، مساهمًا في بناء
معانيه ودلالاته الثاوية، ومنتجًا له من جديد. بقدر ما يُعدّ هذا "الإنتاج الثاني" مكمّلًالنص ومستكشفًا بياضاته، فإنه يرقى بالمؤرخ إلى مربّع الإبداع، لأن النص في التأويل
الرمزي يمتد في ذات المؤرخ، والمؤرخ يخرج ذاته ليمتد في النص في تعالق جدلي. وبذلك يصبح هذا المنهج مكوّنًا جوهريًا في إعادة بناء
النص التاريخي، من خلال إزالة الغشاوة التي تلفّ رموزه. بالمثل، أوضحنا في هذه الدراسة أن منهج التأويل الرمزي لم ينشأ من فراغ، بل من متابعة مناهج المدرسة الوضعانية والتاريخانية، بكشف نقائصها وسلطتها التوجيهية للكتابة التاريخية، واختبائها وراء الموضوعية وسلطة المعرفة، وتكبيل الحرية المنهجية للمؤرخ. وعلى العكس، بيّنا أن هذا المنهج يسعى إلى توسيع دائرة البحث التاريخي لتغطية مساحات معرفية متشعبة، كانت، من قبل، حكرًا
على بعض العلوم، وإلى إعادة ترتيب آليات اشتغال المؤرخ بما يمكّنه من استكشاف "البنية المخبأة"، والممكنات اللاواعية في التاريخ. كما بيّنا في سياق المنجز التحليلي لهذه الدراسة أيضًا أن منهج التأويل الرمزي يرتكز على مرتكزين جوهريين: فهم النص الرمزي
وتفهّمه، ثم ربط آليات الفهم بالموروث الثقافي، وبمفاهيم الحاضر التي تستقي منها الذات المؤولة فهمها، وتبدع نوعية الأسئلة التي
تطرحها على النص أو الوثيقة. ختمنا هذه الدراسة المتواضعة بمحاولة تطبيقية استرشدنا خلالها بالمرتكزات النظرية لمنهج التأويل الرمزي، بهدف قراءة الدلالات الرمزية لنموذج تاريخي، اخترنا له طقوس احتفالات البيعة في تاريخ المغرب الراهن، لرصد ما تحمله تلك الطقوس من شحنات رمزية، وقراءة معانيها المضمرة، اعتمادًا على مقولة "التاريخ الفاعل" لغادامير، فاستقينا دلالات تلك الرموز المصاحبة لطقوس البيعة من قلب
التاريخ والتراث المغربيين، ومن الذات الإنسانية في بعدها الكوني. ولا نزعم أن سقف دراستنا تجاوز مرحلة جسّ النبض بشأن مبدأ
التجديد المنهجي في مسار الفكر والتاريخ العربيين، لأن أسئلة عدة وملفّات أخرى رديفة لا تزال تنتظر الفحص والتنقيب في أبحاث مستقبلية، فإن أصبنا فذلك غاية المراد، وإن أخطأنا فأجر الاجتهاد.
المراجع
العربية
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. تحقيق عبد السلام الشدادي. الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 2005. ابن سيرين، محمد وعبد الغني النابلسي. معجم تفسير الأحلام. رتّبه معجميًا وأعدّه باسل البريدي. أبوظبي: مكتبة الصفاء؛ دمشق/
بيروت: مكتبة اليمامة، 2008. ابن عذاري المراكشي، أحمد بن محمد. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. تحقيق ومراجعة إ. ليفي بروفنسال وج. س. كولان. بيروت: دار الثقافة، 1980. ابن عربي، محيي الدين. معجم اصطلاحات الصوفية. تحقيق وتقديم بسام عبد الوهاب الجابي. بيروت: دار الإمام مسلم للنشر، 1990. الأسود، السيد حافظ. "المدخل الرمزي لدراسة المجتمع". حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 14 (1991). إيكو، أمبرتو. التأويل بين السيميائيات والتفكيكية. ترجمة سعيد بنكراد. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2004. بارت، رولان. الدرجة الصفر للكتابة. ترجمة محمد برادة. ط 3. الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1985. ________. المعنى الثالث ومقالات أخرى. ترجمة عزيز يوسف المطلبي. بغداد: بيت الحكمة، 2011. ________. مبادئ في علم الأدلة. ترجمة محمد البكري. ط 2. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1987. البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. القاهرة: دار الفجر، 2005. بريمي، عبد الله. "تاريخانية التأويل: هانز جورج غادامير". قضايا إسلامية معاصرة. العدد 57 - 58 (2014). بلاجي، محمد. الرموز الآسرة: دراسة في الرموز والعلامات. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2013. بلانديه، جورج. الأنتروبولوجيا السياسية. ترجمة علي المصري. ط 2. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2007. بوبر، كارل. بحثًا عن عالم أفضل. ترجمة أحمد مستجير. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999. ________. بؤس الأيديولوجيا: نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي. ترجمة عبد الحميد صبرة. بيروت: دار الساقي، 1992. التلمساني، أحمد بن المقري. نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر، 1988. الحسن الثاني. انبعاث أمة. جمع وتنسيق عبد الوهاب بن منصور. الرباط: المطبعة الملكية، 1984. خوالدية، أسماء. الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصدًا. الرباط: دار الأمان؛ بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر:
منشورات الاختلاف، 2014. درويش، حسام الدين. إشكالية المنهج في هيرمينوطيقا بول ريكور وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية: نحو تأسيس هيرمينوطيقا للحوار. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016. دريدا، جاك. الكتابة والاختلاف. ترجمة كاظم جهاد. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988. ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.
References
والتوزيع، 1984. سيرنج، فيليب. الرموز في الفن- الأديان - الحياة. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق: دار دمشق للنشر، 1992. شتراوس، كلود ليفي. الأسطورة والمعنى. ترجمة شاكر عبد الحميد. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1986. الصابوني، محمد علي. مختصر تفسير ابن كثير. ط 7. بيروت: دار القرآن الكريم، 1981.
البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2001.
العروي، عبد الله. ثقافتنا في ضوء التاريخ. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1983. ________. مفهوم التاريخ: الألفاظ والمذاهب. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992. ________. مفهوم التاريخ: المفاهيم والأصول. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992.
دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع، 2007.
منشورات الاختلاف؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006.
السياسات، 2013. فوكو، ميشال. حفريات المعرفة. ترجمة سالم يفوت. ط 2. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1987. فوكو، ميشيل وجاك دريدا. حوارات ونصوص. ترجمة محمد ميلاد. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2006.
بيروت/ نيويورك: دار الأندلس، 1961.
العربية، 2007. لوك، بنوا. إشارات، رموز وأساطير. ترجمة فايز كم نقش. بيروت: عويدات للنشر والطباعة، 2001.
للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
زيعور، علي. الكرامة الصوفية والأسطورة والحلم: القطاع اللاواعي في الذات العربية. ط 2. بيروت: دار الأندلس للطباعة والنشر
الطوزي، محمد. الملكية والإسلام السياسي في المغرب. ترجمة محمد حاتمي وخالد الشكراوي. مراجعة عبد الرحيم بنحادة. الدار
العروي، عبد الله [وآخرون]. المنهجية في الأدب والعلوم الإنسانية. ط 3. بيروت/ الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2001.
غادامير، هانس غيورغ. الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. طرابلس:
________. فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف. ترجمة محمد شوقي الزين. ط 2. بيروت: الدار العربية للعلوم؛ الجزائر:
فرو، قيس ماضي. المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
قنصوه، صلاح. الموضوعية في العلوم الإنسانية: عرض نقدي لمناهج البحث. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2007. كاسيرر، إرنست. مدخل إلى فلسفة الحضارة الإنسانية أو مقال في الإنسان. ترجمة إحسان عباس. مراجعة محمد يوسف نجم.
كوثراني، وجيه. تأريخ التاريخ: اتجاهات – مدارس - مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012. كولر، جوناثان. رولان بارت: مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة سامح سمير فرج. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2016. لوغوف، جاك (إشراف). التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. مراجعة عبد الحميد هنية. بيروت: مركز دراسات الوحدة
مخوخ، فؤاد. من نقد العقل إلى هيرمينوطيقا الرموز: بحث في فلسفة الثقافة عند إرنست كاسيرر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي
ملين، محمد نبيل. السلطان الشريف، الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب. ترجمة عبد الحق الزموري وعادل بن عبد الله. الرباط: المعهد الجامعي للبحث العلمي. جامعة محمد الخامس، 2013. هوبزباوم، إيريك وتيرينس رينجر. اختراع التقاليد: دراسة في نشأة التقاليد ودوافعها وتطورها. ترجمة أحمد لطفي. أبوظبي: دار الكتب الوطنية، 2013.
الأجنبية
• Cassirer, Ernest. L'Idée de l'histoire: Les Inédits de yale et autres écrits d'exil. Fabien Capeilleres (trad.). Paris:
• Chevalier, Jean & Alain Gheerbrant. Dictionnaire des symboles: Mythes, rêves, coutumes, gestes, formes, figures,
• Cherifi, Rachida. Le Makhzen politique au Maroc: Hier et aujourd´hui. Casablanca: Afrique Orient, 1988. • Dupret, Baudouin et al. Le Maroc au présent, D'une époque à l'autre, une société en mutation. Casablanca: Publications du Centre Jacques-Berque; Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et
• ________. La Philosophie des formes symboliques: Le Langage. Ole Hansen-Love & Jean Lacoste (trad.). Paris:
• Gadamer, Hans-Georg, L'Art de comprendre: Herméneutique et tradition philosophique. Paris: Aubier, 1982.
• Tozy, Mohamed. "Monopolisation de la production symbolique et hiérarchisation du champ politico-religieux au
• Braudel, Fernand. Ecrits sur l'histoire. Paris: Flammarion, 1969. • Burguière, André. "Histoire et structure." Annales. vol. 26 , no. 3-4 (1971). • Castellet, Josep Maria. La Hora del lector. Barcelone: Seix-Barral, 1957.
CERF, 1989.
couleurs, nombres. Paris: Robert Laffont, 1982.
les Sciences Humaines, 2015. • Durand, Gilbert. L'Imagination symbolique. Paris: PUF, 1964. • Eco, Umberto. L'œuvre ouverte. Paris: Editions de Seuil, 1965.
Les Editions de Minuit, 1989.
• ________. Vérité et méthode, les grandes lignes d'une herméneutique philosophique. Paris: Seuil, 1996. • Iser, Wolffang. L'Acte de lecture: Théorie de k'effet esthétique. 2 nd ed. Belgium: Mardaga, 1995. • Pastoureau, Michel, Vert-Histoire d'une couleur. Paris: Seuil, 2013. • Reichler, Claude (dir.). L'Interprétation des textes. Paris: Les Editions de Minuit, 1989. • Ricœur, Paul. Du texte à l'action: Essai d'herméneutique. Paris: Seuil, 1986. • ________. Histoire et vérité. 3 éme ed. Paris: Seuil, 1967. • Todorov, Tzvetan. "Viaggio nella criticana Americana." Lettera. no. 4 (1987).
Maroc." Annuaire de l´Afrique du Nord. vol. 18 (1980).