العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب:

مراجعة كتاب:

A Review of The Socio-Cultural and Economic Structures of The Ottoman Empire by Mübahat S. Kütükoğlu

خير الدين سعيدي

الملخّص

عنوان الكتاب : البُنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمانية . عنوان الكتاب في لغته: Osmanlı'nın Sosyso-Kültürel ve Ekonomik Yapısı . المؤلف : مباهات كوتوك أوغلو. مكان النشر : تركيا. الناشر : مؤسسة التاريخ العثماني. سنة النشر : 2018. عدد الصفحات : 580 صفحة. تُعتبر المراجعات العلمية للكتب التي تتعلق بالتاريخ العثماني غايةً في الأهمية بالنسبة إلى الباحثين العرب. وقد عدَّها عبد الرحيم بنحادة أحد مظاهر حيوية الحقول البحثية، وهي بالفعل كذلك، خاصة في ما يتعلَّق بالكتابة في تاريخ الدولة العثمانية بالنسبة إلى الأتراك. ويدخل الكتاب موضوع المراجعة ضمن هذا النسق المعرفي، أي نسق المراجعات الكبرى في التاريخ العثماني، لذا ارتأينا أن من الأهمية التقديم له بقراءة تفحُصِيَّة نقدية، ولا سيما أنَّ مؤلفته هي البروفيسورة مُباهات كوتوك أوغلو المتخصصة في الدراسات العثمانية. أمّا عنوان هذا الكتاب فهو البنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمانية. وهو ينحو، بشكل عام، منحًى نقديًا سلكته عدة دراسات تركية معاصرة تسعى لتناول الزوايا المجهولة في تاريخ الدولة العثمانية، خاصة ما يتعلَّق منها بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، في محاولة لمجاراة مدرسة "الحوليات" في تعاملها مع البحث التاريخي. لذا، اتجهت الكاتبة إلى البحث في التاريخ السوسيوثقافي والاقتصادي باعتبارهما وسيلتين للفهم الصحيح للتاريخ في مداه العميق، أو بلغة بروديل في مداه الطويل المقارب للثبات، بل إنَّ حمل العنوان مصطلح "البنية" Yapi ، إنما كان بالتصور البروديلي لها، من حيث مفهومها الرابط بين العناصر المختلفة وتكاثفها.

Abstract

A Review of The Socio-Cultural and Economic Structures of The Ottoman Empire by Mübahat S. Kütükoğlu Original title: Osmanlı'nın Sosyso-Kültürel ve Ekonomik Yapısı

خير الدين سعيدي| Saidi *Kheireddine
خير الدين سعيدي | Saidi Kheireddineالمؤلف: مباهات كوتوك أوغلو.
عنوان الكتاب: البُنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمنية.. Osmanlı ' nın Sosyso - Kültürel ve Ekonomik Yapısı عنوان الكتاب في لغته:
مكان النشر: تركيا.
الناشر: مؤسسة التاريخ العثمني.
سنة النشر: 2018.
عدد الصفحات: 580 صفحة.
خير الدين سعيدي | Saidi Kheireddine
البنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمنية
A Review of the Socio-Cultural and Economic
Structures of the Ottoman Empire
البنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمنية
A Review of the Socio-Cultural and Economic
Structures of the Ottoman Empire
المؤلف: مباهات كوتوك أوغلو.
عنوان الكتاب: البُنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمنية.. Osmanlı ' nın Sosyso - Kültürel ve Ekonomik Yapısı عنوان الكتاب في لغته:
مكان النشر: تركيا.
الناشر: مؤسسة التاريخ العثمني.
سنة النشر: 2018.
عدد الصفحات: 580 صفحة.
بنحادة أحد مظاهر حيوية الحقول البحثية (((، وهي بالفعل كذلك، خاصة في ما يتعلَق بالكتابة في تاريخ الدولة العثمانية بالنسبة إلى
الأتراك. ويدخل الكتاب موضوع المراجعة ضمن هذا النسق المعرفي، أي نسق المراجعات الكبرى في التاريخ العثماني، لذا ارتأينا أن
من الأهمية التقديم له بقراءة تفحُص ِ يَّة نقدية، ولا سيما أنَّ مؤلفته هي البروفيسورة مُباهات كوتوك أوغلو المتخصصة في الدراسات
العثمانية. أمّا عنوان هذا الكتاب فهو البنى السوسيوثقافية والاقتصادية للدولة العثمانية (((. وهو ينحو، بشكل عام، منحى نقديًا
سلكته عدة دراسات تركية معاصرة تسعى لتناول الزوايا المجهولة في تاريخ الدولة العثمانية، خاصة ما يتعلَّق منها بالتاريخ الاجتماعي
والاقتصادي، في محاولة لمجاراة مدرسة "الحوليات" في تعاملها مع البحث التاريخي. لذا، اتجهت الكاتبة إلى البحث في التاريخ
السوسيوثقافي والاقتصادي باعتبارهما وسيلتين للفهم الصحيح للتاريخ في مداه العميق، أو بلغة بروديل في مداه الطويل المقارب
للثبات (((، بل إنَّ حمل العنوان مصطلح "البنية " Yapı، إنما كان بالتصور البروديلي لها، من حيث مفهومها الرابط بين العناصر المختلفة
وتكاثفها في النشاط اليومي للإنسان (((.
الفلسفة المعتمدة في بنية الكتاب
تفيد الإطلالة المعمَّقة على هذا الكتاب أن مؤلفته سعت لجعله مَعلَمًا تخصصيًا في المجال السوسيوثقافي والاقتصادي؛ إذ نستشعر
أنّها تصبو لجعله دليلً بحثيًا ينطلق منه المهتمون بتاريخ البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في العالم العثماني للتوسع أكثر،
متجاوزةً بذلك التاريخ السياسي لنمطيته وكثرة المنشغلين به بحسب رأيها (ص XXI). أمّا عن سبب ذلك، فهو الشعور المتولِّد عند
متخصصي التاريخ العثماني بضرورة الاهتمام بالحقل السوسيوثقافي والاقتصادي في هذه المرحلة الزمنية تحديدًا، ومرَدُّ هذا هو ما يُثار
حاليًا من نقاشات في وسائل الإعلام المحلية والدولية عن طبيعة الحياة والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية العثمانية (ص XXI).
ترى كوتوك أوغلو أيضًا أنّ من معالم قصور النظر لدى الباحثين في التاريخ العثماني جعله مقتصرًا على الشّق السياسي والعسكري، في
حين أ ُ هملت، إلى حد ٍ ما، الجوانب السوسيوثقافية والاقتصادية في هذا التاريخ، مع أنّ هذه الجوانب لا تق ِ لّ أهميةً عن الجانب السياسي، بل
تحظى بأهمية أكبر في حياتنا الحاضرة، وتوفّر لنا رؤى جديدة من شأنها إدارة جوانب من المستقبل بشكل أفضل وأكثر اقتدارًا (ص XXI).
استنادًا إلى ما سبق، يبرز ما للبنى الاجتماعية من أهمية في الحياة الماضية والمستقبلية، ويكمن مردّ ذلك في امتزاجه بالمجتمع
وارتباطه به، لذلك لا بد لهذه الدراسات النقدية من أن تغدو بمنزلة قواعد تأسيسية تنشأ بناءً عليها تصوّرات لصوغ حاضر المؤسسات
الموجودة في زماننا ومستقبلها (ص XXI). ويتطابق هذا التصور في جوهره مع ما دافع عنه نيتشه في حديثه عن "التاريخ النقدي"
المتجاوز للتاريخ في صورتيه الأثرية والعادياتية (((((، والذي عليه أن يكون من صلب الحياة الحاضرة والمستقبلية (. وهنا يتّضح مرّة أخرى
عبد الرحيم بنحادة، "مراجعات في التاريخ التركي العثماني قراءة في كتاب 'نحن وتاريخنا' لإلبر أورطايلي"، أسطور، العدد 9 (2019)، ص 183.
1
2
Mübahat S. Kütükoğlu, Osmanlı'nın sosyal kültürel ve ekonomik yapısı (Ankara: Türk Tarih Kurumu yayınları, 2018).
3
Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde Méditerranée à L'époque de Philippe II (Paris: Libraire Armand Colin, 1966),
Tome 1 ,  p. 17.
فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة جوزيف شريم (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
4
2009)، ص 164.
الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، وهو ما صرّحت به المؤلفة بقولها إن ما أنجزته يتماشى مع ما سعت المدرسة التركية الحديثة
التي أسسها أمثال البروفيسور فؤاد كوبرل Köprülü Fouad، والبروفيسور إسماعيل حقي Hakkı İsmail، والبروفيسور عمر لطفي
بركان Barkan Lütfi Ömer، والبروفيسور خليل إنالجيك İnalcık Halil، لتحقيقه بصرف البحث التاريخي في الموضوعات الاجتماعية
والثقافية والاقتصادية" (ص XXI)، وهو بالفعل ما من شأنه أن يزيل الغموض والجمود الذي تراكم على هذا الجانب التاريخي،
إضافةً إلى القدرة على تصحيح الصور النمطية المتعلّقة بالتاريخ العثماني (((.
سنستفيد لا محالة من انتقال البحث من التاريخ "السِيّري" الغارق في الشخصنة إلى تفعيل "التاريخ النقدي"، وننتقل بذلك من
"التراكمية المعرفية" إلى "الأداتية التطبيقية" للمعرفة التاريخية، ونتحدث حينها عن تجاوز طور "التاريخ الأثري" (((الذي لا يقدّم أي
فائدة إلى الإنسان، بل غدا حجر عثرة أمام أي إبداع ((1 (، وهذا ما أعطى الكتاب، في اعتقادنا، زخمًا كبيرًا، عضده اطلاعُ المؤلفة وخبرتها
الكبيران بالأرشيف والوثائق العثمانية، وهو ما ستطلعنا عليه الجوانب التفصيلية لهذا الكتاب.
البناء العام للكتاب
يقسم الكتاب في عنوانه إلى محورين يشكلان معًا أفكاره الرئيسة، ويدرج ضمنهما العديد من الفصول والمباحث، وهذان المحوران
هما: المَعْلم السوسيوثقافي والمَعْلم الاقتصادي، وسنعرض لهما بالتفصيل.
صدر الكتاب عن مؤسسة التاريخ التركي kurumu Tarih Türk، وهي إحدى أعرق المؤسسات التابعة للدولة، وقد نشُر باللغة التركية
في أنقرة خلال النصف الثاني من عام 2018، في 580 صفحة، تشتمل على مقدمة وخمسة عشر فصلً، إضافة إلى قاموس للمصطلحات
وثبت ٍ للمصادر ومجموعة من فهارس الأعلام والأماكن، وما يلاحظ في هذا السياق غياب خاتمة للكتاب. ولعل سقوطها سهوٌ، وإن
كان هذا مستبعدًا، أو لعلها أ ُ غفلت عمدًا؛ لأن المؤلفة تعتقد أنّ البحث ما زال مفتوحًا على أمور أخرى لم يستوعبها هذا الكتاب.
اعتنت المؤلفة في المحور الأول من الكتاب، المتكوّن من ثمانية فصول، بالشق السوسيوثقافي، فأشارت إلى ما له علاقة بالمجتمع، أو
بالثقافة الاجتماعية. في حين اعتنت في المحور الثاني الذي يتألف من سبعة فصول، بكل ما ارتبط بالشق الاقتصادي. وهذا المحور سبق
أن نشُر ضمن كتاب الدولة العثمانية وتاريخ الحضارة Tarihi Medeniyet ve Devleti Osmanlı، حيث كانت مساهمة المؤلفة تُدرج
ضمن "البنى الاقتصادية" yapı iktisâdî، قبل أن تقوم بتنقيحه من جديد ليصدر في شكله الحالي.
تشريح فصول الكتاب
تشرع المؤلفة، في الفصل الأول من المحور الأول، في الحديث عن المجتمع Toplum، فتقوم بتفكيك تركيبته من خلال تقسيم
الفصل إلى أربعة مباحث، شَغل أوّلها البحث في تركيبة المجتمع من حيث تقسيمه أفرادًا أو جماعات؛ واتخذت من مفردة العناصر
7
Braudel, p. 16.
بنحادة، ص 186.
8
كل فئة من غيرها (ص 3)، ثمّ بيّنت أن الآلية التي تحكم هذا التقسيم ليست دينية بالضرورة، ودليلها وجود عدد كبير من الحالات لغير
المسلمين ممن كانوا يُعدّون ضمن الأحرار. كما أشارت، في غير تفصيل، إلى إشكالية العبودية في العهد العثماني، منتق ِ دة بقاء الدولة عاجزة
عن تطبيق القوانين التي سنّتها من أجل القضاء على الرِّق بسبب سطوة بعض رجال القصر والتجار ورفضهم إقرار هذا القانون (ص 4)،
لتنتقل بعد ذلك إلى الكلام على العائلة والبيت العثمانيين، والتجمعات السكانية ضمن المدن والقرى. ثم إنها أفردت مبحثًا خاصًا بفلسفة
الإسكان التي اعتمدتها الدولة، سواء مع السكان القارين أو اللاجئين بين مرحلة وأخرى، وأشارت أيضًا إلى التدابير المتخذة حينئذ.
في الفصل الثاني من الكتاب (ص 33 - 70)، تحدثت المؤلفة عن الحياة الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية ve hayat Sosyal
kuruluşlar sosyal، حيث شُط ِ ر الفصل إلى مبحثين أساسيين؛ يناقش أوّلهما الفئات الاجتماعية sınıflar Sosyal، في حين خُصّص
المبحث الثاني للحديث عن المؤسسات الاجتماعية kuruluşlar Sosyal. وشرعت المؤلفة، بادئ الأمر، في الحديث عن الفئات الاجتماعية،
مقسِّمةً إيّاها فئتين أساسيتين (ص 33)؛ أولاهما الفئة العسكرية Askeriler، أمّا ثانيتهما فهي فئة الرعايا Reaya، ما يظهر كأنه
اختلال من حيث بنيته في المرحلة الأولى. لكن تتبع حيثيات هذا التقسيم، يدلنا على عكس ذلك؛ إذ تحدّثت المؤلفة عمّا تضمنته كلُّ
فئة، فضمّت المجموعة الأولى شبكةً واسعةً من رجال الدولة، مقسومين إلى: أرباب السيف Seyfiye (الجنود)، وأرباب العلم Ilmiye
(الفقهاء والعلماء)، وأرباب القلم Kalemiye (الإداريون) (ص 34 - 35). لكن عمل المؤلفة اقتصر في كلّ مرّة على التعريف بالفئات من
دون توضيح تأثير مكانة أصحابها في المجال الاجتماعي.
ثمّ انتقلت المؤلفة إلى الحديث عن المؤسسات الاجتماعية، مستهلّةً ذلك بالتنظيمات المهنية التي ضمّت الحرفيين والتجار، وقارنت
بين هذه المؤسسات ونظيراتها الأوروبية (ص 38)، كما تحدّثت عما ينظم نشاط التنظيمات وعمّا ينطوي تحتها من رُتب ومنظومة
قانونية، وأسهبت في شرح مؤسسة الفُتوّة وضوابطها ومحدّداتها ومبادئها (ص 46 - 52)، لتعود إلى الحديث عن أمناء الح ِ رَف ونقابة
الصناعيين، كما وقفت مليًّا عند آليات الرقابة التي أوجدتها الدولة العثمانية من أجل مراقبة النشاط التجاري والحرفي ومعاقبة مخالفي
الضوابط العامة (ص 53 - 60).
عندما تحقَّق للمؤلفة ما كانت تصبو إليه في المبحثين السابقين، قدّمت مبحثًا ثالثًا تناولت فيه المؤسسة الوقفية باعتبارها أحد مظاهر
الحركية الاجتماعية، فرصدت أنواعها وأسماءها وأنماطها وتطوّراتها خلال نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر،
والاختلافات الفقهية التي حدثت بسبب الأوقاف، ثمَّ محاولة تنظيم المؤسسة بعد سقوط الدولة العثمانية (ص 60 - 70).
جاء الفصل الثالث بعنوان "الحوادث الاجتماعية" olaylar Sosyal (ص 71 - 107). وفي هذا العنوان بعض الغموض؛ إذ يناقش
المتن التمردات التي عرفها المجتمع العثماني، في شقيها العسكري أو المدني، فتتحدث المؤلفة في أوّل الأمر عن العصيان الذي كان يتكرّر
دوريًا في الجيش، وعن دوافعه الرئيسة، ثمّ تنتقل إلى الحديث عن حركية المجتمع الثورية والتمردات الجزئية ومظهرها، سواء كان ذلك
في شكل لصوصية أو قَطْع طريق. ومن الأمثلة الدالة على ذلك حركةُ الجلالي التي احتلّت جزءًا كبيرًا من الفصل (ص 89 - 96). وبعد
ذلك قدّمت المؤلفة مبحثًا تستطرد فيه التدابير التي كانت تعمد إليها الدولة العثمانية.
وبعدما تستوفي الحديث عما سبق، تنتقل المؤلفة في الفصل الرابع (ص 109 - 134)، إلى الكلام على العادات والمراسيم ve Âdetler
merasimler، وتقسِّم الفصل ثلاثة مباحث كبرى: الأعياد Kutlamalar، والزواج Evlilik، وحفلات الختان düğünleri Sünnet.
mekânlar Sosyal بحسب وصفها، وقد قسمت هذه الأماكن قسمين: المقاهي Kahvehaneler والحمامات Hamamlar. لكن بدأت
المؤلفة كلامها ب "القهوة/ (أو البُ)"، بشكل عام، وكيفية دخولها إلى الدولة العثمانية، ثمّ أرَّخت للمقاهي باعتبارها مجالً عامًا، متحدثة
عن دورها الاجتماعي. وبعدما تحقّق لها ذلك، انصرفت إلى الحديث عن "الحمامات" (ص 149) وما كان يستكنّ فيها من مجالس
ولقاءات، ذاكرة أنواع هذه الحمامات وميزاتها.
في الفصل السادس الذي تعنونه المؤلفة ب "الملابس" Giyim، وتناقش فيه تفصيلات مهمة عن تجارة القماش والحرير والقطن،
وطريقة وصولها إلى الثقافة العثمانية، تنتقل بسلاسة إلى الحديث عن ملابس المرحلة العثمانية، ثمّ تقسّم أنماط الملابس بناءً على أماكن
ارتدائها (ص 173)، وتذكر أيضًا ما كان يرتديه غير المسلمين Müslimler i - Gayr (ص 185)، وما اشترك الجميع في ارتدائه، لتُنهي
الفصل بالحديث عمّا يلحق بالملابس مما يُوضع على الرأس Serpuşlar من طرابيش، أو ما يُنتعل من أحذية Ayakkabılar وغيرها.
في الفصل السابع (ص 189 - 216)، تتعرض المؤلفة لنمط الحياة tarzı Hayat، مستهلّة هذا الشأن بوصف المفروشات في المرحلة
الكلاسيكية devri klâsik، وتغيّ نمطها في المرحلة الحديثة مع عهد التنظيمات devri Tanzimat. وتُفرد في الفصل نفسه مبحثًا لآداب
الأكل السائدة، وتتحدث عن نمط تجمّع العائلة للأكل، والمكان المخصص لذلك عند العامة (ص 193 - 198). وتُخصص مبحثًا آخر
أيضًا للحديث عن مائدة الطعام ومطابخ القصور (ص 198)، وتذكر بعد ذلك ما يتعلّق بالمطبخ وتجهيزاته وأدواته، محاولة وضع دراسة
إحصائية عن عدد المطابخ في الأماكن المختلفة، بحيث إنّ نسبة المطابخ في مؤسسات الدولة والأماكن المختلفة - خاصة تلك التي يرتادها
الوافدون إلى مدينة إسطنبول - لا تقلّ عن 69 في المئة في مؤسسات الدولة العثمانية (ص 202). وتختم الفصل بجرد ٍ لبعض ما صُنِّف
في الطبخ ومدى تأثر المطبخ العثماني بمحيطه الفسيفسائي، بحيث تشير إلى استفادته من التوابل الوافدة من الشرق إضافةً إلى تأثّره
بالمطابخ الأوروبية؛ إذ تأثَّر أولً بمطبخ أوروبا الشرقية في العهود الأولى للدولة العثمانية، ثم تأثّر على نحو أكبر في بداية القرن التاسع عشر
بالمطبخ الأوروبي الغربي.
تُنهي المؤلفة المحور الأوّل من الكتاب بالفصل الثامن الذي خصّصته، تحديدًا، للصّحة والنظافة (ص 217 - 251)، وهو فصل
على قدر كبير من الأهمية؛ إذ يتعرّض لأحد الأسباب الرئيسة التي تحكّمت في النمو الديموغرافي، وقد ذكرت المؤلفة في هذا الفصل
أيضًا الطبابة العثمانية والتدابير التي كانت تتخذها الدولة على عاتقها لمواجهة الأزمات الوبائية. لكن المؤلفة تحاشت تحميل الدولة
أسباب انتشار الأزمات الصحية وتأخّر العلوم الطبية، وإن كانت ترى أنّ إهمال تطبيق نظام الكرانتينا Karantina أو الحجر الصّحي
Tahaffuzhane كان أحد الأسباب الرئيسة لانتشار الأوبئة.
في المحور الثاني، تبدأ المؤلفة الفصل التاسع بالحديث عن "البنى الاقتصادية" yapısı Ekonomik، انطلاقًا من مؤسسة المالية،
باعتبارها مركزًا حيويًا، فتصف أنماط هذه المؤسسة بأنها قبل العثمانية (ص 253)، ثمّ تنتقل كرونولوجيًا إلى الكلام على وجود هذه
المؤسسة خلال العهد العثماني وحملها مصطلح Defterdarlık مشيرة إلى ما حازته من صلاحيات (ص 259)، وأهم التحولات التي
عاشتها مؤسسة "الدفتردار" من خلال القوانين المستجدة، كما خصّصت حيّزًا للإدارات المرتبطة بها مباشرة، وهو ما كان يستدلّ عليه
بالأقلام Kalemler.
يستمر الحديث في الفصل العاشر عن المؤسسات الاقتصادية، فتتناول المؤلفة "الخزينة والميزانية" Bütçeler ve Hazine التي
عن انشطار الخزينة إلى خزانات مختلفة وكثيرة في بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر (ص 275)، ثم تركز الحديث بعد ذلك على
الميزانية وأطر تنظيمها والمسؤولين عنها وبعض ما صُنِّف في شأنها.
في السياق نفسه تقريبًا، يتناول الفصل الحادي عشر ما يمكن تسميته "مصادر التمويل والقروض" Borçlar ve kaynaklar Gelir
(ص 230 - 297)، حيث تشرع المؤلفة في الحديث عن أنماط التمويل من خلال أنظمة الضرائب الموجودة؛ مثل أنظمة التيمار Timar،
والمقاطعة Mukataa، والمصادرة Mâlikâne. ثمّ تُفصِّل القول في نظام الضرائب وأنماطه (الشرعي، والعرفي، والتجاري). واستطاعت
المؤلفة أن تستنطق المصادر المختلفة، وترسم ملمحًا عامًّا عن هذا النظام. ثمّ تناولت بعد ذلك القروض İstikrazlar (ص 315) التي
كانت تأخذها الدولة، وقسَّمتها، بحسب ورودها، إلى قروض داخلية وأخرى خارجية.
في الفصل الثاني عشر "المعادن: العملة وسياسة التسعير" Politikleri Fiyat ve Para Madenler، (ص 321 - 348)، جعلت المؤلفة
لكلّ مصطلح في عنوان الفصل مبحثًا خاصًا. فتحدّثت أوّلً عن المعادن الثمينة وقيمتها وتجارتها، ثمّ انتقلت إلى العملات وتطوّرها
إلى الشكل الورقي في عام 1840 وعمليات تجددها في عهد عبد الحميد الثاني (ص 335)، لتُعرِّج بعد ذلك إلى ضرب السِّكة، ثمّ ترصد
مبحثًا خاصًا بالبنوك العثمانية، مع إشارة إلى تأخُّر ظهورها، مقارنة بنظيراتها الأوروبية. ثمّ تختم المؤلفة الفصل بالأسعار وكيفية تقنينها
والمؤسسات التي أ ُ نشئت من أجل ذلك.
وفي الفصل الثالث عشر، تحدثت المؤلفة عن عماد الحركة الاقتصادية؛ إذ نجدها تخصص هذا الفصل للحديث عن التجارة
Ticaret، وهنا تركز على التجارة في المدن الكبرى باعتبارها العامل الأساسي للحركة الاقتصادية كلّها، ولم يتوقف ذكر التجارة على هذه
الجزئيات، بل تعدّاها إلى كل ما ارتبط بها من مؤسسات أ ُ وجدت لأجلها؛ إذ نقرأ عن مؤسسة الجمارك Gümrükler في هذا الفصل، بدل ً
من ذكرها ضمن المؤسسات الأمنية أو العسكرية (ص 373)، حتى إنّ الحديث عن الجمارك لم يتوقف لكونها متعلِّقة بالتجارة فقط، بل
تعدّى ذلك إلى الحديث عن جملة ٍ ممّا اتصل بها؛ من نشأتها وفروعها، إلى قوانينها الناظمة.
تسلك المؤلفة في الفصل الرابع عشر، "النقل والخدمات البريدية" hizmetleri Posta ve Ulaştırma (ص 381)، سبيل المنهج
الوصفي، حتى أضحى هذا الفصل أقرب ما يكون إلى تقرير عن البنية التحتية المتعلّقة بالنقل والخدمات البريدية؛ إذ تركّز الحديث
فيه على طرق المواصلات وتطورها بعد ظهور السكك الحديد وعلاقة ذلك بظاهرة اللصوصية المتصاعدة، كما تناول هذا الفصل،
باستفاضة، طرق المواصلات بأنماطها المختلفة وتأثيراتها في الدولة العثمانية، وهو انعكاس - في ما نرى – لتأثّر المؤلفة بمنهج مدرسة
الحوليات والبنى الأساسية عند بروديل؛ إذ تجعل هذه المدرسة السّهل والبحر بنيةً أساسية لأي حركة تجارية ((1 (.
وتحدثت المؤلفة، في الفصل نفسه، عن البريد منذ نشأته ومجاله وتطوره وامتداده باعتباره قناةً تنقل الأخبار، وأداةً للتواصل بين
مختلف أقطار الدولة العثمانية، وذكرت أنّ التلغراف Telgraf أضحى وسيلة مهمة لإيصال أوامر الدولة العلية إلى ولُاتها ومأموريها ((1 (.
خُتم الكتاب بالفصل الخامس عشر، وبالحديث عن العَصب الاقتصادي الأخير، وهو العصب الصناعي، واحتل هذا الموضوع
جزءًا كبيرًا من جهد المؤلفة؛ إذ خصّصت له أكثر من 45 صفحة، تحدّثت فيها عن الصّناعات الثقيلة (مثل صناعة الأسلحة والقذائف)،
وقد عُرف محل الصّناعة ب "طوبخانة-عامرة" Âmire i - Tophane (دار البارود). واهتمّت المؤلفة أيضًا بالحديث عن السُّفن، وأطوار
الأوروبية التي بلغت ذروتها.
سعت المؤلفة، أيضًا، لأن تجعل آخر كلامها في هذا الفصل رصدًا كرونولوجيًا لمعظم المؤسسات الصناعية الكبرى في الدولة
العثمانية، وتتبّعًا للصناعات الخفيفة التي برزت؛ مثل صناعة الأقمشة والحرير، والدباغة، وبعض الصناعات الغذائية. ومن أجل تقييم
هذه الصناعات الأخيرة، أخذت المؤلفة نماذج من ثلاث صناعات غذائية خفيفة هي صناعة الزيت والقمح والسكر (ص 436)، لتعود
مرّةً أخرى إلى محاولة الحديث، في تسلسل زمني، عن محاولات إحداث ثورة صناعية، بداية من منتصف القرن التاسع عشر، مع شركات
مجالها الدباغة والتبغ والصناعات الخفيفة الأخرى، واستحداث لجنة الإصلاحات الصناعية komisyonu sanayi ı - Islah لهذا الشأن،
وما أ ُ نشئ لها من مكاتب تهدف إلى تحقيق "الإقلاع" الصناعي، لكنها باءت كلُّها بالفشل كما هو معلوم.
خاتمة
بعد عرض أهم مضامين هذا الكتاب، يمكن فعلً تلمّس سبب القبول الذي حظي به في الأوساط التركية، بل يمكننا القول إنّه
جمع ما كان مشتَّتًا وغير منظّم، على نحو يُظهر صبر مؤلفته وطول أناتها في تتبع كلّ ما تَعلّق فعليًا بالبنى الأساسية التي رسمت تاريخ
الدولة العثمانية، لكن هذه "البنى" بقيت متوارية، بعيدة عن الساحة في ظلّ سطوة التاريخ السياسي للدولة العثمانية وسيطرته على
المشهد العام. وإنّ ما يؤاخذ به هذا الكتاب اكتفاؤه بدراسة المجتمع بمركزية الدولة التي مثّلتها إسطنبول باعتبارها عاصمة لها، في حين
أغفل بعض الخصوصيات المجتمعية التي ميزت المجتمع العثماني في البلقان والأقطار العربية مثلً. أمّا ما قد يُتوهم من كون المؤلِّفة
لم تجعل حيزًا زمنيًا محددًا للدراسة فمرده إلى أن معظم هذه البنى حافظت على النسق نفسه خلال العهد العثماني، وأمّا ما تغيَّ منها فقد
تتبّعته المؤلفة زمنيًا، بحيث أوردت ما طرأ من تطورات تخص هذه البنية سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية.
لكنّ ذلك لا يمنع من قولنا إنّ الكتاب حقيق بأن يُدرّس ويُعتمد ضمن الدراسات العلمية الرصينة في بابه، بل علينا بعد أن نقرأه
أن نتساءل: ألم يحن الوقت بعد لأن نتطلّع إلى معرفة تاريخ المؤسسات العثمانية التي صنعت المشهد المجتمعي خلال ستة قرون، بدلً
من مناقشة بعض الأحداث التي كانت مخرجات لبنى وظروف أسبق منها كثيرًا؟ أليس من الأجدر أن يصُرف بعض الجهد في ترجمة
نصوص بحثية تأسيسية في تاريخ الدولة العثمانية، بدلً من إهدار الجهد في ترجمة كتب تحكي س ِ يرًا بطولية فردية؟ أليس من واجب
الباحث العربي المتخصّص في تاريخ الدولة العثمانية مواكبة الإصدارات الأخيرة في هذا الباب بلغتها الأصلية، بدلً من ترقب ترجمات قد
تستهدف السطح بدلً من العمق.
إذا عُرف هذا وجب علينا، ضمن نسقنا العام ومجالنا الخاص، أن نرصد بعض ما تجود به الأقلام المتخصصة في اللغات كلها لنقله،
أو على الأقل للتعريف به، لدى الباحث العربي، كي يتسنّى لنا مواكبة المعرفة في إطارها العالمي الرحب.
العربية

بنحادة، عبد الرحيم. "مراجعات في التاريخ التركي العثماني قراءة في كتاب 'نحن وتاريخنا' لإلبر أورطايلي". أسطور. العدد 9 (2019).

دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. مراجعة جوزيف شريم.
بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

نيتشه، فريدريش.، مساوئ التاريخ ومحاسنه. ترجمة رشيد بوطيّب. الدوحة: منتدى العلاقات الدولية 2019.
الأجنبية
• Braudel, Fernand. La Méditerranée et le monde Méditerranée a L'époque de Philippe II. Paris: Libraire Armand
Colin, 1966.
• S. Kütükoğlu, Mübahat. Osmanlı'nın sosyal kültürel ve ekonomik yapısı. Ankara: Türk Tarih Kurumu
yayınları, 2018.