أساليب التصنيف التاريخي من خلال مقدّمات كتب التاريخ
Methods of Historical Classification through the Introductions of History Books
الملخّص
لقد توخّى المؤرّخ بدايةً أن يفاصِل بين ما له علاقة بالأشخاص، وبين ما له تعلّق بالأحداث والوقائع. وانتقل من مجرّد حشد الأخبار، إلى النظر في العِلل المؤثّرة في نشأة الأمم وأفولها، في مراحل مبكّرة من القرن الرابع الهجري عند المسعودي، على غير ما هو مألوفٌ في البحث التاريخي. فصار التمييز واضحًا بين "الاعتبار" الإيماني والاعتبار "التجريبي" عند مسكويه، في تأسيسٍ مبتكرٍ لـ "الخبر التجربة". وعلى مستوى التصنيف، تمّ التنبيه على ما أُغفِل في منهج الطبري ممّا يدرك من التاريخ بـ "حججِ العقول وفِكرِ النفوس"، إلى جانب ما أبدعه المقدسي من النظر العقلي، وأدوات المناظرة والجدل في البحث التاريخي، والعناية بـ "المعيار القيمي" في تصوّر مسكويه، ليستوي المنهج التاريخي قائمًا مع علي بن محمد بن الأثير من خلال ثنائية "القِشر واللّب" التي سبقت تقابل "الظاهر والباطن" عند عبد الرحمن بن خلدون بقرون. أمّا على مستوى أدوات التحليل التاريخي، فقد تمّ التطرّق إلى أداتين: طبائع العمران عند ابن خلدون باعتبارها تسبق تمحيص الرّواة، والتحقيب الحضاري عند غريغوريوس بن العِبري الذي يتجاوز به "التمفصلات السلالية" المعتمدة في التاريخ، وهو تحقيب يرصد الانتقال من حضارة إلى أخرى، بحسب درجة قربها من "العلم"، أصّل لـ "حضارة الفكرة" و"حضارة الصنعة"، ثم "حضارة القوّة" نزولًا إلى "اللاحضارة". واختتمت الدراسة بأهمية النّأي عن التعميمات المتوارثة التي كرّست ريادة أعلامٍ بعينها، وأغفلت فضل آخرين يستحقّون الرّيادة والتميّز والإشادة.
Abstract
The historian's job was initially to separate between that which is related to people and that which is related to events and facts. They moved from merely gathering news, to looking at the issues that affect the emergence and decline of nations in the early stages of the fourth century AH with Al-Masudi, in contrast to the norms of historical research. So Miskawayh's distinction between the "faith" consideration and the "empirical" consideration became clear in an innovation of "experience anecdote". In terms of classification, the paper looks at the aspects neglected by the Al-Tabari school, which considers history as "arguments of minds and thoughts of souls," in addition to Al-Maqdisi's intellectual consideration, tools of debate and controversy in historical research, and attention to the "value criterion" in Miskawayh's conception. The historical school would come to be based on Ali ibn al-Athir through the binary of "al-qashra" (outer cover) and "al-lib" (core) that preceded Ibn Khaldun's concept of "al-zahir" (the evident) and the "al-batin" (the intrinsic) by centuries. The study discusses two tools for historical analysis: Ibn Khaldun's "laws of 'Umran" (human life and society) and Bar Hebraeus' "civilizational periodization," by which he transcends the historical dynasties to monitor the transition from one civilization to another, according to the degree of its closeness to "knowledge", rooted in the "civilization of thought" and "civilization of industry", then "civilization of power" down to the "non-civilization". The study makes several conclusions, the most prominent of which is the need to counter inherited generalizations that established the dominance of certain milestones and neglected the merits of others deserving attention.
- مقدّمات كتب التاريخ
- الاعتبار الإيماني
- الاعتبار التجريبي
- الخبر التجربة
- النظر العقلي التاريخي
- Introductions to History Texts
- Faith Consideration
- Empirical Consideration
- Anecdotes Experience
- Intellectual Historical View
لقد توخّى المؤرّخ بدايةً أن يفاصِل بين ما له علاقة بالأشخاص، وما له تعلّق بالأحداث والوقائع. وانتقل من مجرّد حشد الأخبار، إلى النظر في العِلل المؤثّرة في نشأة الأمم وأفولها، في مراحل مبكّرة من القرن الرابع الهجري عند المسعودي، على غير ما هو مألوفٌ في البحث التاريخي. فصار التمييز واضحًا بين "الاعتبار" الإيماني والاعتبار "التجريبي" عند مسكويه، في تأسيسٍ مبتكرٍ ل "الخبر التجربة". وعلى مستوى التصنيف، تمّ التنبيه على ما أغفِل في منهج الطبري ممّ يدرك من التاريخ ب "حججِ العقول وفِكرِ النفوس"، إلى جانب ما أبدعه المقدسي من النظر العقلي، وأدوات المناظرة والجدل في البحث التاريخي، والعناية ب "المعيار القيمي" في تصوّر مسكويه، ليستوي المنهج التاريخي قائمًا مع علي بن محمد بن الأثير من خلال ثنائية "القشِر واللّب" التي سبقت تقابل "الظاهر والباطن" عند عبد الرحمن بن خلدون بقرون. أمّا على مستوى أدوات التحليل التاريخي، فقد تمّ التطرّق إلى أداتين: طبائع العمران عند ابن خلدون باعتبارها تسبق تمحيص الرّواة، والتحقيب الحضاري عند غريغوريوس بن العبِري الذي يتجاوز به "التمفصلات السلالية" المعتمدة في التاريخ، وهو تحقيب يرصد الانتقال من حضارة إلى أخرى، بحسب درجة قربها من "العلم"، أصّل ل "حضارة الفكرة" و"حضارة الصنعة"، ثم "حضارة القوّة" نزولً إلى "اللاحضارة". واختتمت الدراسة بأهمية النّأي عن التعميمت المتوارثة التي كرّست ريادة أعلامٍ بعينها، وأغفلت فضل آخرين يستحقّون الرّيادة والتميّز والإشادة. كلمت مفتاحية: مقدّمات كتب التاريخ، الاعتبار الإيماني، الاعتبار التجريبي، الخبر التجربة، النظر العقلي التاريخي.
The historian's job was initially to separate between that which is related to people and that which is related to events and facts. They moved from merely gathering news, to looking at the issues that affect the emergence and decline of nations in the early stages of the fourth century AH with Al-Masudi, in contrast to the norms of historical research. So Miskawayh's distinction between the "faith" consideration and the "empirical" consideration became clear in an innovation of "experience anecdote". In terms of classification, the paper looks at the aspects neglected by the Al-Tabari school, which considers history as "arguments of minds and thoughts of souls," in addition to Al-Maqdisi's intellectual consideration, tools of debate and controversy in historical research, and attention to the "value criterion" in Miskawayh's conception. The historical school would come to be based on Ali ibn al-Athir through the binary of "al-qashra" (outer cover) and "al-lib" (core) that preceded Ibn Khaldun's concept of "al-zahir" (the evident) and the "al-batin" (the intrinsic) by centuries. The study discusses two tools for historical analysis: Ibn Khaldun's "laws of 'Umran" (human life and society) and Bar Hebraeus' "civilizational periodization," by which he transcends the historical dynasties to monitor the transition from one civilization to another, according to the degree of its closeness to "knowledge", rooted in the "civilization of thought" and "civilization of industry", then "civilization of power" down to the "non-civilization". The study makes several conclusions, the most prominent of which is the need to counter inherited generalizations that established the dominance of certain milestones and neglected the merits of others deserving attention.
عن أستاذ باحث بمختبر المجتمع والخطاب وتكامل المعارف، الكلية المتعدّدة التخصصات، الناظور، جامعة محمّد الأول، وجدة، المغرب.
مقدمة
يقتضي البحث في مقدّمات "علم التاريخ"، والوقوف عند سياقها على نحو يحدّد تطوّر التأليف في هذه المقدّمات، استقصاءَ مجمل
ما تمّ تأليفه منذ فجر الإسلام، وبداية التصنيف. إلّ أنّ أمرين اثنين قد يحولان دون رسم معالم متكاملة لنشأة هذه المقدّمات في
التاريخ. الأول، عدم إدراج المؤلّفين لمقدّماتٍ في العديد من التآليف الأولى التي أفردها أصحابها لهذا العلم خاصّةً؛ إمّا بسبب ضياعها،
وإمّا بسبب استخفاف المؤلّف أو الناسخ بمضامين المقدّمات بالنّظر إلى خلوّها ممّا هو داخلٌ في مسمّى التاريخ، رجالً أو زمنًا أو خبرًا، لذلك
وصلتنا الكتب عاريةً عن أضراب تلك المقدّمات. أمّا الأمر الثاني الذي يطرح صعوبةً منهجيةً تُضاف إلى ما سبق، فهو شمول التاريخ في
بداية نشأته للكثير من الفنون؛ إذ كانت كتب الرجال والطبقات في مختلف العلوم ضمن مسمّى التاريخ، فضلً عن كتب السيرة النبوية
التي نشأت نشأةً تاريخيةً باعتبارها امتدادًا لأسلوب أيّام العرب ومواقعهم على مستوى المنهج والتناول، لذلك كان العزم في هذا البحث
على تناول مبحث مقدّمات الكتب ذات الصلة باصطلاح "علم التاريخ"، من غير نظرٍ في الكتب التي كان يشاركها هذا العلم اهتماماتِه
في بداية نشأته، من قبيل الطبقات والرجال والسيرة النبوية. يُعدّ اعتماد مقدّمات كتب التاريخ لتلمّس أساليب التصنيف التاريخي، وتتّبع التحولّات التي شهدها علم التاريخ منهجًا وقضايا
بحسب تعاقبها الزمني، أمرًا لم يقف الباحث على نظيرٍ له، باستثناء الدراسات والأبحاث التي اعتنت ب مقدّمة ابن خلدون، دون غيرها
من مقدّمات كتب التاريخ بالنظر إلى كِبر حجمها، حتى إن فرانز روزنتال أكّد أنّ المقدّمة كانت تُعد كتابًا مستقلًّ عن تاريخ العِبر إبّان
حياة ابن خلدون؛ إذ قال: "أمّا مقدمة ابن خلدون فقد اعتُبِت كتابًا مستقلًّ في حياة مؤلّفها الذي أطلق على موضوع الكتاب الأوّل منها
علمًا مستقلًّ"1. غير أنّ روزنتال حدّد، على نحو دقيقٍ، غرض ابن خلدون من تأليف مقدّمته المتمثّل في البحث في التاريخ، وميّزه من
البحث في كتابة التاريخ؛ إذ يرى أنّه "أريد بالمقدّمة أن تكون مقدّمة لتأريخ عظيم، وكانت تبحث في التأريخ ولا تبحث في كتابة التأريخ
إلّ بصورة غير مباشرة"2. لذلك صارت المقدّمة محطّ اهتمام العديد من الأبحاث والدراسات؛ إذ أسهب علي عبد الواحد وافي في كتابه
عبقريات ابن خلدون3 في التعريف بابن خلدون بالدرجة الأولى، وخصّه بحديثٍ عن بيان منهجه في التاريخ بعنوان "ابن خلدون إمام
ومجدّد في علم التاريخ" استعرض فيه أهمّ ملامح كتاب العِبر في قراءة سطحيّة واصفة لمضامين الكتاب في خمس صفحات فقط، من
غير أن يهتمّ بدراسة المقدّمة. بينما تغيّت زينب الخضيري في كتاب فلسفة التاريخ عند ابن خلدون4 عناية ابن خلدون بفلسفة التاريخ، كما أشارت إلى ذلك،
حيث حملت حديث صاحب المقدمة عن العلم الذي أبدعه على "فلسفة التاريخ"5. ويُعدّ كتاب دراسات عن مقدمة ابن خلدون6 لساطع الحصري أشمل دراسة عن مقدّمة ابن خلدون، فقد تتبع المؤلف في أزيد
من ستمئة صفحة تفاصيل ما تضمنته المقدمة تحليلً وبيانًا، وعرّج فيها على معظم ما بحثه ابن خلدون، وتوسّع الحصري في "دراساته"
وذهب، في سياق المقارنة، إلى بحث أوجه المفاصلة والمواصلة بين ما استعرضه ابن خلدون في مقدمته، وما صنّفه بعض الغربيين من
1 فرانز روزنتال، علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة صالح أحمد العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 983 1)، ص 318. 2 المرجع نفسه. 3 علي عبد الواحد وافي، عبقرياتابن خلدون (الرياض: مكتبة عكاظ، 1984.) 4 زينب الخضيري، فلسفة التاريخ عند ابن خلدون (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1989.) 5 المرجع نفسه، ص 35. 6 ساطع الحصري، دراسات عن مقدمة ابن خلدون، ط 3 (القاهرة: مكتبة الخانجي؛ بيروت: دار الكتاب العربي، 1967.)
بعده، فاهتمّ بمقارنة آراء ابن خلدون بآراء جيوفاني جيامباتيستا فيكو وشارل لوي مونتسكيو وأوغست كونت، وتلمّس تأثير ابن خلدون
في المفكرين الأتراك. وعلى الرغم من الاهتمام الذي حظيت به المقدمة، فإنّ دارسيها لم يقفوا عند ملامح المنهج التاريخي عند ابن خلدون ونظرته إلى
التاريخ فقط، وإنّما تجاوزوا الاهتمام بالتاريخ إلى البحث في العمران البشري وفلسفة التاريخ والفكر التربوي، وعلاقة الدولة بالعصبية
وغيرها كثير. إلا أنّ ما قد يقع فيه بعض الدارسين للقضايا المبثوثة في المقدمة، هو نظرهم بعين الحاضر، والانطلاق من الفكر المعاصر إلى ما ورد
فيها من آراء ونظريات في الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما نبّه على ذلك الجابري7، حين يحرص المشتغل ب المقدمة
على إسقاطات معاصرة، بِلَّ مفاهيم من زمن المؤلّف لتنسجم مع اصطلاحات معاصرة يزعمها الدارس، علمًا أنّ ابن خلدون نفسه نبّه
إلى خطورة ما يشبه هذا المنهج قائلً: "ومن الغلط الخفيّ في التّاريخ الذّهول عن تبدّل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدّل الأعصار "8،
ودعا في مقابل ذلك إلى مراعاة مدلول المصطلح في سياقه حيث "لا ينبغي أن يحمل إلّ على ما كان يحمل في عصرهم فهو أليق بمرادهم منه"9. إلى جانب العناية ب مقدمة ابن خلدون ممّا سبقت الإشارة إليه، نطالع بعض الدراسات التي اهتمّت بالتاريخ عند المسلمين نشأةً
وتطورًا، ففي كتاب نشأة علم التاريخ عند العرب10، اقتصر المؤلف على القرون الثلاثة الأولى ومايز بين مناهج التصنيف فيها، وتتبّع
نشأة التاريخ عند الإخباريين، وكشف عن مسار تشكّل الوعي التاريخي عند العرب. في حين ذكر الأستاذ شاكر مصطفى11 ما أورده روزنتال بخصوص مختصر الكافيجي12، وأفرد حديثًا عن إعلان محمد بن عبد الرحمن السخاوي باعتباره كتابًا لم يظهر قبله ولا بعده
مثله. وبعد أن عدّد خصائص الإعلان، ختم الأستاذ شاكر تقويمه للكتاب بأنه يعبّ عن وجهة نظر العالم الديني. في حين أنّ صاحب
المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ وتفسيره13 لم يورِد أحدًا من المؤرخين إلّ ابن الأثير، واعتمد في كتابه على مراجع من خارج دائرة
التخصص ولم يشِ إلى ابن خلدون قطّ. فضلً عن ذلك، ثمة دراسة قيّمة، تعدّ فريدةً في بابها، حيث سعى سالم أحمد محل إلى تتّبع الجوانب الحضارية في التاريخ عند
العرب، من خلال المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب14. فرصد تطوّر مفهوم التاريخ ليصل إلى فلسفته مع ابن
خلدون. لكن مسمى المنظور الحضاري ظلّ في حاجةٍ إلى بيانٍ أكثر، سواء من حيث معالم هذا المنظور، أم من حيث أبعاده في الكتابة التاريخية عند المسلمين. وفي مقابل المجهودات السابقة، ظهرت بعض الكتابات التي تضمِر مواقف متسرّعة وغير بريئة، بل "متحاملة" تجاه التراث
التاريخي عمومًا، من قبيل ما أجمله روزنتال في حكمٍ مبتسرٍ قائلً: "والسخاوي باعتباره مؤلّف كتب تبلغ صفحاتها الآلاف لم يخلص
7 محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون: العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلاميٍ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 994 1)، ص 9. 8 عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، ج 1 (بيروت: دار الفكر، 001 2)، ص 37. 9 المرجع نفسه، ص 573. 10 عبد العزيز الدوري، نشأة علم التاريخ عند العرب (أبوظبي: مركز زايد للتراث والتاريخ، 2000.) 11 شاكر مصطفى، التاريخ العربي والمؤرخون (بيروت: دار العلم للملايين، 1983.) 12 محيي الدين الكافيجي، المختصر في علم التاريخ، تحقيق محمد كمال الدين عز الدين (بيروت: عالم الكتب، 1990.) 13 محمد رشاد خليل، المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ وتفسيره (القاهرة: دار المنار، 1984.) 14 سالم أحمد محل، المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب، سلسلة كتاب الأمة 0 6 (الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1997.)
من شر السطحية وهي النتيجة المحتومة للتقليد الأدبي الطويل والخصب"15. ولعلّ العناية بمصادرنا الأولى وإبراز قيمتها العلمية أَولى من الالتفات إلى أشباه هذه الآراء وشغل الناس بالردّ عليها. اعتنى مجمل ما ذُكِر من الدراسات، بكتب التاريخ كاملةً، ولم يهتمّ بموضوع المقدمات أصالة، وإنما خاض في عموم تآليف
أصحابها وتتبع خصائص التأليف التاريخي في كلّ الكتاب، وهذا أمر بعيد عن اهتمام الباحث وعنايته في هذا المقام. ولذلك، كان
الحرص في هذا البحث على استثمار تلك المقدمات، وهو ما لا يتحقّق إلّ بالتعامل مع مقدّمات المصادر الأصلية بأقلام مؤلّفيها. وحتى لا يكون هذا البحث مجرّد سرد لما تضمّنته مقدّمات كتب التاريخ، سيعمد الباحث إلى إبراز تلك الطّفرات النوعية التي
سجّلها المؤرّخون، وهم يتعاملون مع التاريخ تعريفًا ومنهجًا ومقصدًا. كما سيعمل على مقاربة بعض المقدّمات التي تكون مستغربة
الورود في كتب التاريخ؛ إذ إنّ إيراد مقدّمة منطقيّة تتناول أصول الحِجاج، والنظر العقلي والمناظرة، في كتابٍ وُضع لعلم التاريخ أساسًا،
خلال مراحل مبكرة من تاريخ التصنيف والتأليف أمرٌ يدعو إلى الغرابة، في وقتٍ سابقٍ عن مرحلة تسلّل تلك المقدّمات المنطقية إلى بعض
علوم الشريعة بأزيد من قرن ونصف، فضلً عن السعي إلى بيان إرهاصات ل "تحقيب" تاريخيّ يؤسِّس للانتقال الحضاري للأمم في
سيرورتها، بعيدًا عن تعقّب السلّالات الحاكمة، والأسر المسيطرة التي استأثرت بالحكم في فترات من التاريخ الإسلامي. لذلك، سيجري التركيز على الكتابات التي لم تنل حظّها من الدراسة والبحث، نتيجة حجبها بهالات مشاهير المؤرخين، على أن
يكون من اهتماماته تدقيق القول في بعض مقولات السّبق التي تحوّلت إلى حقائق مطلقةٍ، بحيث يكاد الإجماع ينعقد على صحتها؛
كثنائية "القِشر واللّب" بوصفها وجهين للتاريخ عند ابن الأثير، قبل ثنائية "الظاهر والباطن" عند ابن خلدون بقرنين من الزمن، وغيرها من القضايا التي يسعى هذا البحث إلى إعادة تأطيرها، ليصل، أخيرًا، إلى مرحلة التصنيف المستقل في المقدّمات خلال القرن التاسع
الهجري من خلال مختصر الكافيجي، وإعلانالسخاوي وشماريخالسيوطي. غير أنّ البحث لا يلتفت إلى مضامين كتب التاريخ وتفاصيل مباحثها، كما أنّه لا يهتمّ بتتبّع منهج المؤلِّف في أبواب الكتاب
وفصوله، ورصد مدى التزامه بالقواعد التي يذكرها في المقدّمة مقارنةً بما يورده في ثنايا مؤلّفه، لأنّ ذلك خارج عن مقاصد هذا البحث
وغاياته؛ إذ المراد أصالة العناية بالمقدّمات نفسها قراءةً وتحليلً دون بقيّة الكتاب.
أولً: ماهية علم التاريخ ومقاصده
يعدّ أهم ما اشتغل به مؤرّخو المسلمين، وهم يتعاملون مع التاريخ، هو التاريخ نفسه من حيث مفهومه. فبعد أن بدأ الوعي التاريخي
عند المسلمين يتشكّل تدريجيًّا، أصبح مفهوم التاريخ ينصرف إلى ما له تعلّق بعلم الرّجال؛ إذ إنّ كتب التاريخ إذا أُطلِقت أُرِيد بها رواة
الحديث وطبقاتهم حتى صار الحديث من أبرز استمدادات علم التاريخ، إلى جانب معنى الزمن، والخبر حتى اشتهر لقب الإخباريين على من نقل كتب أحداث صدر الإسلام. كما اهتم المؤرّخون كذلك بالقصد من وراء الاشتغال بهذا الفن تحقيقًا لمقاصد تعبديّة.
1. تطور التصنيف التاريخي
إنّ أول ما يستوقف الباحث في مقدّمات علم التاريخ، التي بدأت تتشكّل تدريجيًّا منذ مراحل مبكّرة من تاريخ المسلمين خلال
القرن الهجري الثالث، هو ما أثاره خليفة بن خياط (ت. 40 2 ه) حين أشار إلى بعض الأحداث التي كانت الأمم الغابرة تؤرّخ بها،
15 محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ، تحقيق فرانز روزنتال، ترجمة التحقيق صالح أحمد العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1986)،
"مقدمة المحقق"، ص 7.
وتعتبرها بداية "تأريخ" أحداثها القابلة16. وقد خلقت هذه الإشارات وعيًا تاريخيًّا لدى المسلمين منذ مرحلة الخلافة الراشدة بضرورة
اتخاذ حدث "مركزيّ" لتدوين الأحداث عند المسلمين. فكان اعتماد "الهجرة" نحو المدينة بوصفها مبدأً للتأريخ الإسلامي، واستبعاد
المولد والمبعث، بوصفهما حدثين لا تتعلق بهما مسيرة "الفاعلية الإنسانية" في البناء الحضاري عند المسلمين، كما أنّهما لا يمثلّان ثمرةً
جناها الإنسان بفعل تعامله مع الكون والحياة. في حين كان حدث الهجرة الذي أثمر فيه الوحي دافعًا نحو التحضر، وإعلانًا عن ميلاد
هويّة تاريخ الأمة الجديد، تاريخ لفاعلية الإنسان المسدّدة بالوحي. أكّد هذا التوجّهَ في النظر إلى التاريخ الإسلامي "الفاروق" وهو يقرّر
التأريخ بالهجرة قائلً: "إنّ مهاجره فرق بين الحق والباطل "18، بحيث أصبح من اللازم إحداث قطيعة معرفيّة وحضاريّة بين زمنين،
وكان لا بدّ من المفاصلة بين عهدين، ليتمّ التأسيس لنشأة التاريخ الإسلامي. نشأةٌ تحيل، إلى جانب الوقت والزمن مفهومًا للتاريخ،
على سعيٍ نحو تميّز حضاريّ عن سائر الأمم، من خلال الإصرار على عدم الركون إلى ما كان معلومًا ومتداولً من التواريخ المعروفة،
وتشوّفًا إلى إرساء أسس أصيلة لنشأة أمّة تقطع كل أشكال التبعية لغيرها. ولعلّ ما يعزّز هذا التميّز الحضاري، هو رغبة الفاروق عن كلّ
تأريخ ينطلق من حدث يرتبط بحضارة أخرى؛ فقد كان بين يديه أحداث كسرى وقيصر وغيرهما ممّا كان النضر بن الحارث يلقيه بين
الناس19، كما رغب أيضًا عن تواريخ جامعةٍ من قبيل طوفان نوح وإلقاء إبراهيم في النار، بل كانت بين يديه أحداثٌ تتعلّق بتاريخ مكة
ممّا له صلةٌ بتاريخ قومه من قبيل حادثة الفيل، إلا أنّ وعي الفاروق ببداية مرحلةٍ جديدةٍ ببعثة النبي- صلى الله عليه وسلم - حمله على
تأريخ يراعي بداية تشكّل حضاريّ جديد. لذلك صار مفهوم التاريخ عند ابن قتيبة (ت. 76 2 ه) من باب جوامع العلوم والفنون، فسمّى مؤلّفه المعارفمعلنًا تعدّد ما يقع
تحت هذا المسمّى "وكتابي هذا يشتمل على فنون كثيرة من المعارف"20، وكذلك فعل المسعودي (ت. 346 ه) في مروج الذهب، وهو
يعزّز هذا الطابع الموسوعي في النظر إلى التاريخ. فحين يستعرض جملةً من التصانيف في مختلف الفنون يعمد إلى نقدها، ويبيّ مكامن
القصور فيها رغم أن هذه التصانيف بعيدةٌ عن التاريخ، وهذا النمط الجمعي لمختلف العلوم والفنون في مسمّى التصنيف التاريخي أفصح
عنه المسعودي في مروجهوهو يشير إلى طبيعة العلوم والفنون التي حشدها في كتابه: "ولم نترك نوعًا من العلوم، ولا فنًّا من الأخبار،
ولا طريقة من الآثار، إلا أوردناه في هذا الكتاب مفصلً"21. غير أنّ مناقشات المسعودي لمن سبقه من المؤرخين، حين تتبّعهم في أزيد
من خمس صفحات، وذكر منهم سبعين مؤلِّفًا من الذين ألّفوا "كتبًا في التاريخ والأخبار ممّن سلف، فأصاب البعض وأخطأ البعض،
وكلٌ اجتهد بغاية إمكانه، وأظهر مكنون جوهر فطنته"22، وقد بدأهم بوهب بن منبه (ت. 4 11 ه) وختمهم بالطبري (ت. 310 ه)،
تدلّ على أنّ التاريخ قد تشكّلت معالمه الخاصة من حيث الصناعة والقواعد، التي بيّنها بنفسه موجزةً في تخليص التاريخ من مقدّمات
الفلسفة والمنطق23، وتحرّي الدّقة والصحّة في النقل24، والفصل بين علم التاريخ وعلم الرجال25، إلى جانب النأي عن الهوى ونقل
16 من جملة تلك الأحداث التي أرّخ بها الناس ما ذكره خليفة بن خياط حين قال: "لم يزل للناس تاريخ. كانوا يؤرّخون في الدهر الأول من هبوط آدم من الجنة، فلم يزل
كذلك حتى بعث الله نوحًا فأرّخوا من دعاء نوح قومه ثم أرّخوا من الطوفان، فلم يزل كذلك حتى حُرِّق إبراهيم فأرّخوا من تحريق إبراهيم وأرّخت بنو إسماعيل من بنيان
الكعبة"، ينظر: أبو عمرو خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق أكرم ضياء العمري (دمشق: دار القلم؛ بيروت: مؤسسة الرسالة، 397 1 ه)، ص 0 5. 17 المرجع نفسه، ص 15. 18 كان النبي- صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من حديثه إلى قريش، يقوم النضر بن الحارث "يحدّثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار"، ينظر: محمد بن إسحاق
المطلبي، السير والمغازي، تحقيق سهيل زكار (بيروت: دار الفكر، 978 1)، ص 201. 19 أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المعارف، تحقيق ثروت عكاشة، ج 1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 992 1)، ص 3. 20 أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، مراجعة كمال حسن مرعي، ج 1 (بيروت: المكتبة العصرية، 005 2)، ص 15. 21 المرجع نفسه، ص 20. 22 المرجع نفسه، ص 25. 23 المرجع نفسه. 24 المرجع نفسه، ص 26.
الوقائع والأحداث26. لذلك، انتقد ثابت بن قرّة28، وفق ضوابط المؤرّخين وقواعدهم المذكورة سابقًا، وبحسب ما تواطؤوا على العمل
به، حتى صارت أخبار ثابتٍ في ضوء تلك القواعد "مضادة لرسم الأخبار، وخروجًا عن جملة أهل التأليف"29. فالمسعودي لم ينكر أخبار
ثابتٍ لغلطها أو زيفها أو مصادمتها للحقيقة، بل حسّن نقوله، وعدّها ممّا يُعنى به التاريخ، غير أنّه عاب عليه عدم تخصّصه حين "خرج
عن مركز صناعته، وتكلّف ما ليس من مهنته"31، فعدم التخصص يدفع ب "المتطّفل" على علم التاريخ إلى التغافل عن دقيق الصناعة، وقواعد التأليف المشار إليها سابقًا، التي لا يتقنها إلّ أهل الفن والصناعة من المؤرخين، وكأنّ المسعودي قد اعترف بموسوعية علم التاريخ، وأقرّ بأنّه علم ينفتح على سائر العلوم، لكن من غير أن يسمح لغير المؤرّخين بالتأليف فيه. نجد لهذه الموسوعيّة في النظر إلى التاريخ عودًا عند ابن الجوزي (ت. 97 5 ه) مرّةً أخرى، حتى أصبح حشد الفنون والآداب
عند المؤرّخين من التقاليد السائدة في التأليف التاريخي في عصره: "ورأيت المؤرخين يختلف مقادهم في هذه الأنباء"32 إلّ أنّها صارت
"موسوعيّة متخصّصة" بحيث يقتصر كلّ مؤرّخٍ على إيراد أخبار فئة من أهل صناعة أو فنّ أو علم؛ فمنهم من يذكر الأمراء والخلفاء
والملوك، ومنهم من يؤثِر أهل الأثر فيتتبع العلماء، بينما يتّجه آخرون ممّن يحبّون الزهد إلى ذكر الصلحاء، فضلً عمّن يميلون إلى
الإخبار عن أهل الشعر والأدب، حتى أضحى هذا "التنوّع المتخصّص" دافعًا عند ابن الجوزي إلى لمِّ هذا الشتات، وتجميع هذا المتفرق؛
إذ يقول: "آتيتك بهذا الكتاب الجامع لغرض كل سامع، يحوي عيون المراد من جميع ذلك"33، وبذلك جعل التاريخ وعاءً يضم
الأخبار جميعها. إذا كان ابن الجوزي قد ساق جملةً من أخبار بعض الفئات الاجتماعية ليضرب بها أمثلةً عمّا كان ضمن اهتمامات المؤرّخين
في عصره، فقد عرف مطلع القرن السابع الهجري ضربًا من التمييز بين أشكال "التاريخ" المعروفة؛ حيث عمد أبو القاسم القزويني
.(ت 3 26 ه) إلى بيان حقيقة مسمّى التاريخ، وسعى للمفاصلة بين أنواعه المختلفة، فقسّم ما بين يديه من مصنّفات التاريخ إلى
ضربين: ضرب تناول "الحروب والغزوات ونبأ البلدان وفتوحها والحوادث العامة"34، ولعلّ هذا المسمّى أقرب المعاني إلى حقيقة التاريخ
بمفهومه الاصطلاحي، وضرب آخر اهتمّ بتتبع أحوال العلماء في مختلف التخصّصات العلمية، وهو ما أضحى يعرف ب "الطبقات"
التي تعنى ب "ولادتهم ووفاتهم، وطرف من مقالاتهم ورواياتهم ومشائخهم [كذا] ورواتهم"35، ليدخل هذا الصنف ضمن دائرة عناية المحدثين: "وبهذا الضرب اهتمام علماء الحديث"36، فازدادت معالم التاريخ وضوحًا، وصارت له هويّةٌ تميّزه من سائر العلوم
التي نشأ في ظلّها، وأصبح الحديث عن "علم التاريخ" مستقلًّ عن الخبر وتاريخ الرجال. ولم يكن هذا التميّز جليًّا من حيث تدقيق
25 المرجع نفسه، ص 27. 26 طبيب وفيلسوف، كان مستشار المعتضد، اشتغل بالتنجيم، توفي سنة 88 2 ه، ينظر: شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوطي [وآخرون]،
ج 3 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 985 1)، ص 486. 27 المسعودي، ص 51. 28 المرجع نفسه، ص 14. 29 أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، ج 1 (بيروت:
دار الكتب العلمية، 992 1)، ص 115. 30 المرجع نفسه. 31 أبو القاسم القزويني، التدوين في أخبار قزوين، تحقيق عزيز الله العطاردي، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 987 1)، ص 2. 32 المرجع نفسه. 33 المرجع نفسه.
التعاريف وضبط الاصطلاحات فحسب، بل بتصنيف ما كُتِب في علم "الطبقات" أيضًا؛ إذ أضحى الفصل فيها واضحًا بين العامّ منها37،
وبين الخاصّ الذي يعنى بأخبار بلدة أو جهة بعينها؛ وهو فصل جدير بأن يُخرِج الكثير من مصنّفات الرجال وأهل الصنائع والفنون من
دائرة علم التاريخ.
2. التوظيف الحضاري لعلم التاريخ
لقد كان المؤرّخ متناغمًا مع سياق نشأة التاريخ، منسجمًا مع المقصد التعبّدي الذي على أساسه نشأت الكثير من العلوم والفنون، حتى
ارتبطت فوائد التاريخ بالمقصد "التعبّدي" لهذا العلم، بحيث يصير التاريخ خادمًا لإقامة الشعائر الدينية، بل يكاد خليفة بن خياط يحصر
وظيفة التاريخ في هذا المقصد، وذلك من خلال قوله: "وبالتاريخ عرف النّاس أمر حجّهم وصومهم"38 ونظّموا مسائل الزواج والطلاق
"وانقضاء عِدد نسائهم"40، إلى جانب ضبط المعاملات بين الناس وصيانة حقوقهم المالية من الضياع "حين حلِّ ديونهم وحقوقهم "41. كما أن من وظائف التاريخ، التي تعكس شعورًا بالانتماء الحضاري إلى الأمة، نزوع المؤرّخين إلى تضمين مؤلّفاتهم مقدّمات عن
الأنساب42 تفصح عن هويّة الأمّة التي يؤرّخون لها، المتّسمة بالتنوّع، والجامعة للأعراق والأجناس المتباينة. فالانصراف إلى التأليف
في الأنساب باعتبارها من اهتمامات المؤرّخ في هذه المرحلة من تاريخ المسلمين تحديدًا، لم يكن معزولً عن السياق العام الذي أطّر
التحولّات التي مسّت طبيعة النظام الاجتماعي، بعد أن انفتح المجتمع أمام العناصر غير العربية التي تسلّلت تدريجيًّا إلى مختلف ميادين
الحياة العامّة حيث شهدت المرحلة ظهور "الشعوبية" وما رافقها من حملات منظّمة كان هدفها الانتقاص من العنصر العربي، والنيل منه. وليس من المصادفة أن يجِدّ المؤلّفون في تصنيف كتب الأنساب مع بداية القرن الثالث؛ إذ شهد العقد الأول من القرن الثالث
فقط، تصنيف أربعة تآليف في فنّ الأنساب، فالبغدادي في منمّقهخصّ المقدّمة كلّها لبيان "نسب قريش وآبائهم" واستشهد بقول أشهر
النسابين العرب هشام بن السائب الكلبي (ت. 04 2 ه) حين قال: "فضّل الله العرب على العجم "43، في إطار التدافع الواقع بين العرب وبين غيرهم من الأجناس التي بدأت تبحث عن موطئ قدم في مفاصل الدولة الحيوية. وهكذا صار التاريخ علمًا يُعنى باهتمامات النّاس وانشغالاتهم، ويعكس التحولّات التي تشهدها المجتمعات، فاستشعار تهديدات
حركة "الشعوبية" على مستويات عدّةٍ، سواء عبر مزيد من التسلّل إلى مراكز القرار في هرم السلطة السياسية (البرامكة)، أم عبر بثّ
الشائعات (حادث العبّاسة)، والنيل من الشرعية الأخلاقية للدّولة القائمة، حملت المؤرّخين على درء هذه الأخطار، وتخليص نسب العرب
وقريش. وبناءً عليه، فإنه لمّا كان الطعن من باب النسب، سارع النسّابون إلى تخليصه، وأزالوا كلّ شبهة حوله، لتظلّ الآصرة الجامعة
بين كلّ الشعوب تتجاوز حدود الأنساب، ولتمتدّ إلى وحدة حضاريّة أعمّ، تسَع كل الأجناس والأعراق، بعد أن بدّد المعتقد المشترك
حواجز الانتماء القبلي والطائفي. وهي وحدة حضارية تقوم على الإسهام الجماعي في الصنائع والعلوم ونظم الدولة وتدبير الشأن العام، أي ما يلتئم ضمن مفهوم الحضارة بشقيها المادي والثقافي.
34 لقد أورد القزويني عشرات المصنفات التي تنتمي إلى "ما يهتم بها علماء الحديث" وجعل منها عامًّا وخاصًّا، على نحو يبعث على اعتقاد مفاده أنه قد أزال بعض الغبش
عن التخصصين: علم التاريخ، وعلم الطبقات. بشأن تفاصيل تلك المصنفات، ينظر: المرجع نفسه، ص 3. 35 ابن خياط، ص 49. 36 المرجع نفسه. 37 محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 1 (بيروت: دار التراث، 967 1)، ص 5. 38 محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي البغدادي، المنمق في أخبار قريش، تحقيق خورشيد أحمد فاروق (بيروت: عالم الكتب، 985 1)؛ الدينوري،
"مقدمة المحقق." 39 البغدادي، ص 12.
إن هذه النظرة نحو علم التاريخ سرعان ما ستعرف تحوّلً ملحوظًا حين توجّه اهتمام المؤرّخ نحو تتّبع العِلل حيث "ترتبط المعلولات
بعِللها"44، وتفسير الأحداث "وكيف تدخل الآفات على الملك، وتزول الدول، وتبيد الشرائع والملل؟ "45، وهو تفسيرٌ يروم تحديد العوامل
التي بسببها يقع أفول الحضارات وزوالها، والتمييز بين ما يأتي من داخل الدولة نفسها، وما يلحق الدين أيضًا من "الآفات التي تحدث في نفس الملك والدين"46، إلى جانب ما يطرأ على تلك الدول من "الآفات الخارجة المعترضة لذلك "47. إن علم التاريخ، لم يعد ذلك العلم الذي يقف عند حدود التشخيص، ويقتصر على بيان طبيعة تلك العوامل التي تتحكم في حركة
التاريخ فقط، بل يتجاوز هذه الوظيفة ليصير "علمًا تنبئيًّا" يقترح حلولً وقائية تعمل على "تحصين الدين والملك"48. وهكذا تحوّل التاريخ عند المسعودي من مجرّد أحداث ماضية إلى قواعد تُساس بها الأمم، وقوانين ل "سياسة البلدان والأديان
والجيوش على طبقاتهم"49، فتحوّل التاريخ إلى مَعينٍ لاستنباط ما يحتاط به للملك، وما تُتَّقى به أسباب التداعي والسقوط. لقد أشار الطبري (ت. 310 ه) إلى أنّ التاريخ، في المقام الأول هو تاريخ الإنسان المسترشد بهدي الوحي المتفاعل مع تعاليمه،
فكان "ممن ابتدأه الله تعالى بآلائه ونعمه فشكر نعمه؛ من رسول مرسل، أو ملك مسلط أو خليفة مستخلف"50، فهو تاريخٌ يتتبّع أثر
هذا التوجيه في حياة الناس ومعاشهم، في مقابل النظر في أحوال الفريق الآخر ممّن "كفر منهم نعمه فسلبه ما ابتدأه به من نعمه وعجل
له نقمه"51، نظرٌ يقوم مقام "الاعتبار" الذي يؤدّي معنى العبور من زمن حاضر نحو زمن ماضٍ، عبورٌ "استرداديٌّ" يؤسّس لقراءة واعية
في أحداث غابرة لاستجماع عوامل النهوض والسقوط، ويروم الاستفادة من تاريخ الأمس لتوجيه سياسة اليوم. إلا أنّ مفهوم الاعتبار قد انتقل من مجال النظر في تعامل الأفراد والجماعات مع نعم الله شكرًا أو جحودًا، كما أشار الطبري،
إلى النظر في عواقب أفعال الناس والأمم وحصائد اختياراتهم، انتقالً من "الاعتبار الإيماني" إلى "الاعتبار التجريبي"، وهو اعتبارٌ عدّه
مسكويه (ت. 421 ه) عاملً وجيهًا علّل به إعراضه عن ذكر معجزات الأنبياء وسياساتهم في تاريخه، إلّ ما كان "منها تدبيرًا بشريًّا"52
خالصًا لا أثر للإعجاز فيه، لانتفاء أبعاد الاعتبار التجريبي التي تجعل أهل كلّ زمانٍ "لا يستفيدون منها تجربة فيما يستقبلونه من
أمورهم"53، في وقتٍ استمرأ الناس "الأخبار التي تُجرى مجرى الأسمار والخرافات "54، حتى أضحت أحداث التاريخ بغية الساهدين
إذ "لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها"55 وملاذًا لدفع الملل ب "الاستمتاع بأنس المستطرف منها "56. غير أن تبيّ منهج مسكويه، واستيعاب منطلقاته، يفترضان استحضار "النسق المعرفي" الذي يؤطّر هذا المنهج، وهو نسق يتسم
بتكامل معرفي غير خفي عند مسكويه نفسه، وحسب القارئ إلمامة بجملة ما ألّف الرجل ليدرك ذلك؛ فإلى جانب تضلّعه في علوم الشريعة
40 أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، التنبيه والإشراف، تصحيح عبد الله إسماعيل الصاوي، ج 1 (القاهرة: دار الصاوي، [د. ت.]) ص 8. 41 المرجع نفسه، ص 2. 42 المرجع نفسه. 43 المرجع نفسه. 44 المرجع نفسه. 45 المرجع نفسه. 46 الطبري، ج 1، ص 6. 47 المرجع نفسه. 48 أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، تجارب الأمم وتعاقب الهمم، تحقيق أبو القاسم إمامي، ج 1 (طهران: دار سروش للطباعة والنشر، 000 2)، ص 50. 49 المرجع نفسه. 50 المرجع نفسه، ص 49. 51 المرجع نفسه. 52 المرجع نفسه.
والتاريخ والأدب والبلاغة والشّعر والتربية والطب والرياضيات... إلخ، فهو "عارف بعلوم الأوائل معرفة جيدة"57 وبسائر علوم الأبدان
والقلوب والعقول، متضلّع في فلسفة اليونان وحكمتهم، "فاضل في العلوم الحكمية متميز فيها"58 حتى لقّب بالمعلم الثالث لدوره الفذّ في إعادة بناء الفلسفة اليونانية في فرعها العملي، أي في فلسفة الأخلاق59. رام مسكويه بتصوره تحويل التاريخ إلى تجارب الأممالتي "يتكرّر مثلها وينتظر حدوث شبهِها وشكلها "60 لتصير سننًا وقوانين
يسري أثرها على سائر الأمم، سواء بتتبع "مبادئ الدول، ونشء [كذا] الممالك"61 حال قيامها وتأسيس أركانها، أم برصد أفول دورتها
الحضارية من خلال "ذكر دخول الخلل فيها بعد ذلك"62. ولعلّ هذا الإقرار الصريح من مسكويه إنما يعبّ عن نظرته إلى التاريخ التي
لا تكاد تغادر تصوّره المؤطّر ب "فلسفته الأخلاقية" التي تأسّست في جانب منها على سنن التدرّج في تشكّل الأحداث وظهور الدول
وأفولها، فاصطلاحاته من قبيل "التجربة" و"التكرار" و"الإرادة" و"التدبير"، وغيرها ممّا سيرد لاحقًا، تحيل على استمداده ممّا تحصّل
بين يديه من خصائص النفس البشرية، وطبائع العقول، وملكات الفِكر، ومعايير السلوك البشري، بحيث يكون الاهتمام بتلك الأحداث
التي يكون لقصد الإنسان فيها حظّ وافر. فإذا كانت الصياغة صناعة لتمييز الذهب من شوائبه، والطب صناعة لتخليص الأبدان من أدوائها، وسائر الصناعات الأخرى تتطلب تمهّرًا وحذقًا وهي المرتبطة بما هو أحط منزلة من الإنسان، فإنّ "الصناعة والهمة التي تصرف إلى أشرفها أشرف من الصناعة
والهمة التي تصرف إلى الأدون منها"63. لذلك ينبغي أن يتطلّب التاريخ، وهو صناعة ليَمِيز المؤرّخ زائف الخبر وسقيمه من صحيحه،
وحسنه من فاسده، حذقًا وتمهرًا أدق وأسع، وهو ما لا يتحقق إلا بإحاطة بما يلزم هذا المؤرخ من علوم تنير بصيرته وهو يتعامل مع
التاريخ ووقائعه؛ كمعرفة طبائع الناس وسلوكهم، وما يصدر عنهم من صلاح أو فساد، وتبيّ ما يعدّ من فعالهم محمودًا أو مذمومًا،
وهذا من أظهر معالم المرجعية الأخلاقية عند مسكويه. أتاحت مرجعية الأخلاق عند مسكويه التوجّهَ صوب "الخبر التجربة" الذي عليه مدار القوانين وعوامل النهوض والسقوط، حتى
إنّ إيراده لبعض الأخبار، التي تخالف تصوره "مما يجرى على الاتّفاق والبخت وإن لم يكن فيها تجربة"64 بحيث لا يُرى للإنسان فيها
تدبير ولا حسبان "ولا تقصد بإرادة"، إنما هو إيراد واعٍ يخضع بدوره لمقصود يرومه المؤلف، وهو حفظ الأحداث من الضياع والاندراس "لئلّ تسقط من ديوان الحوادث عنده"65 وهذا تعليل سينقل به المؤلف التاريخ إلى علم تتجاوز وظيفته الزمنين؛ الحاضر والماضي، ليصبح علمًا يعين وليَّ أمر المسلمين ممن "كان في علوّ الهمّة، وتوقّد القريحة، وحفظ الآداب، وسياسة الملك والرعيّة في الخير"66 على
استشراف المستقبل، واستباق الأحداث، والعمل على تحييد تأثيرها السلبي، والتخفيف من وقعها، من خلال "التنبؤ" بوقوعها قياسًا
53 شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله ياقوت الحموي، معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق إحسان عباس، ج 2 (بيروت: دار الغرب
الإسلامي، 993 1)، ص 495. 54 موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا (بيروت: دار مكتبة الحياة، [د. ت.])، ص 331. 55 مسكويه، ج 1، ص 19. 56 المرجع نفسه، ص 47. 57 المرجع نفسه. 58 المرجع نفسه. 59 أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق ابن الخطيب، ج 1 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.])، ص 47. 60 المرجع نفسه، ص 50. 61 المرجع نفسه. 62 المرجع نفسه، ص 49.
على ما شابهها من الوقائع التي عاشتها الأمم من قبل، والتطلع إلى المستقبل والسعي إلى "التنبؤ" بقابل الأحداث إنما مبعثهما طبيعة النفس البشرية التواقة إلى هتك حجاب الزمن الذي يستر تفاصيل هذا المستقبل. وهكذا فكلما انتبه الإنسان إلى تعاقب الأحداث، واستُحضرت القواعد المتحكمة فيها التي ينبه إليها المؤرخون، تمكّن من توقع
سبل التعامل معها "فأعدّ لها أقرانها وقابلها بأشكالها"67 وبذلك يظهر أثر التاريخ في سياسة الناس وتدبير شؤونهم، ويلحظ الفرق بين
من يتدبر التاريخ وأحداثه، وبين من يلقي به خلف ظهره غير مبالٍ بعواقبه "وشتّان بين من كان بهذه الصورة وبين من كان غرًّا غمرًا
لا يتبيّ الأمر إلّ بعد وقوعه"68، فلا يلحظ النوازل إلّ بعين الغريب الذي قلَّت تجربته، وخفتت خبرته بالأمور ممن يحيره كل "خطب
يستقبله، ويدهشه كلّ أمر يتجدّد له"69. ذلك التحليل سينتهي بمسكويه إلى تقرير وظيفة عظيمة لدراسة التاريخ، حين يتحوّل بكامل وقائعه وأحداثه، إلى حياة ثانية
يحياها المتدبّر في أخبار التاريخ، بوصفها "تجارب له، وقد دفع إليها، واحتنك بها، وكأنّه قد عاش ذلك الزمان كله، وباشر تلك
الأحوال بنفسه"70. وغير بعيد عن هذا التصور الرصين لماهية التاريخ، يقف ابن الأثير ليفاصل بين بعدين في هذا العلم؛ مفاصلة القشر عن اللّب71، فتحصّل بذلك نظران: نظرٌ قصر التاريخ على القصص والأخبار، وجعل "نهاية معرفتها الأحاديث والأسمار"72 فمال عن مقصد العلم،
واحتقر التاريخ وازدراه؛ فصار هذا التوجه ك "حال من اقتصر على القشر دون اللّب نظره"73، وأعرض عن ماهيته، وغيّ حقيقته،
وأظهر التاريخ للناس بغير ما هو عليه، شأنه في ذلك شأن من أحلّ البهرج محل الأصيل من الدّر، يخدع الناس ببريقه، ويبهرهم
بلمعانه، حتى "أصبح مخشلبًا جوهره"74، ونظرٌ ثانٍ تجاوز قشور أحاديث الأسمار، واعتنى ب "النظر والاعتبار"، نظر في "التجارب
والمعرفة بالحوادث وما تصير إليه عواقبها"75 لاستجلاء السِيّر، ومعرفة السنن، واستنباط القوانين، ممّا لا يتحقّق إلّ إذا ربط المؤرّخ
بين "خراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال"76 وبين تدبير أهل الجور والعدوان، في مقابل عمارة البلاد، وصلاح العباد، ووفرة الأموال، بوصفها ثمرة من رام العدل وتحرّى القسط في سياسة الرعية. وهذا النظر في الحالتين، والمقابلة بين المآلين،
سيحمل على "الاعتبار"، بحيث يستقبح ما يبعث على الخراب والإفساد، ويستحسن ما يؤدي إلى العمارة والصلاح. لذلك فالربط بين الصلاح والعدل، وبين الفساد والطغيان، إنما كان نتيجة استقراء الأسباب والنظر في العلل، واعتبار مآلات الوقائع، وتحقيق الأحداث، مما يعد من أولى اهتمامات المؤرخ الحق، ويعكس وظيفة التاريخ، بوصفها "اللب" الذي من أجله نشأ هذا العلم، حتى صار التاريخ علمًا
تتجدد حياته في الحاضر والمستقبل.
63 المرجع نفسه. 64 المرجع نفسه، ص 48. 65 المرجع نفسه، ص 49. 66 المرجع نفسه، ص 48. 67 إذا كان ابن الأثير يتحدث عن ثنائية "القشر واللب" فإن ابن خلدون يتحدث عن الثنائية ذاتها بلفظتي "الظاهر والباطن"، ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن
خلدون، تحقيق خليل شحادة، ج 1 (بيروت: دار الفكر، 988 1)، ص 6. 68 علي بن محمد بن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، ج 1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 997 1) ص 9. 69 المرجع نفسه. 70 المرجع نفسه. 71 المرجع نفسه. 72 المرجع نفسه، ص 10.
ثانيًا: مناهج التصنيف يف علم التاريخ
إن تحديد طبيعة المناهج المعتمدة من قبل المؤرخين في تصنيف مؤلّفاتهم قد لا يتحقّق إلّ بعد تتبع فصول تلك التصانيف وتدقيق
النظر في معايير ترتيب الأحداث والوقائع، إلّ أنّ مقدّمات تلك التصانيف قد تعين، في جوانب منها، على مقاربة خصائص المنهج المعتمد،
لا سيّما أننا قد نجد المؤرّخ يفصح عن منهجه في مقدّمة كتابه.
1. حقيقة المنهج التجميعي عند الطبري
لقد حدّدت المقدمات ملامح المنهج المتّبع في التصنيف التاريخي، فالطبري من أوائل من صرّح بالمنهج الذي سار عليه لبناء تاريخه،
بحسب ما وصل إلينا من المقدمات، ولم يترك القارئ تائهًا وسط مصنفه الضخم، وهو يروم استنباط معالم المنهج الذي اتبعه. وميّز
الطبري بين طريقتين: اعتمد في الأولى على الإسناد وبيّ أنّ أسلوبه فيها "إنّما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار
التي أنا مسندها إلى رواتها فيه"77، وهي طريقة تلُائم الأخبار المسندة المروية عن النبي- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. في مقابل
القليل من الكتاب الذي يضمر فيه الإسناد ممّا أدركه الطبري "بحجج العقول"78 ويستنبطه "بفكر النفوس "79. ولعلّ هذا النوع من
الأخبار التي ضمّنها في كتابه هي التي أخلى مسؤوليته منها رغم أنّه أوردها، لأنّها تتعلّق ببعض أخبار الماضين، بعد أن تعذّر التوصّل
إليها عن طريق الرواية. فكأنّ الطبري رام تجميع المادة التاريخية بمجرد روايتها: "إنّما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنّا إنّما أدينا
ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا"80 لهذا راح يعتذر عما في الكتاب مما قد "يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له
وجهًا في الصحّة، ولا معنى في الحقيقة"81 فالطبري أبقى على جميع الروايات التي وصلت إليه، وحشد بها مؤلفه رغم أنه أقرّ صراحةً
بدرايته بالرجال ممن "حمدت منهم روايته، وتقبّلت أخباره، ومن رفضت منهم روايته ونبذت أخباره، ومن وهن منهم نقله، وضعف
خبره"82، فاكتفى بتجميع الأخبار من غير تمييز بين صحيحها وسقيمها، ومن دون أن يُعمِل النظر في متونها، فجاء المصنف ركامًا من
الأخبار والنقول. يبدو أنّ منهج الطبري ليس بالمنهج الجمعي المطلق، وليس منهجًا إسناديًّا بالكلية، بل هو منهج إسنادي فيما تعلّق بالأخبار التي
اعتمد فيها على الرواية والإسناد، ومنهج نظرٍ في الوقائع وتحقيقها اعتمادًا على نقد المتون، ومقارنتها والتأمّل فيها بفكر النفوس وبحجج
العقول، حينما تكون الأخبار ممّا لا يستقيم فيها الإسناد والنقد الخارجي كما صرّح هو نفسه، من غير أن يبيّ ذلك على نحو جليّ.
2 ي. آليات النظر العقلي عند المقدس
نجد نقلةً فريدةً في بابها في مقدمات التاريخ، بحيث لا سابق يماثلها ولا مشابه لها في قابل المقدمات؛ مقدمة ظهرت عند المقدسي.(ت 355 ه) وتوقفت عنده، وقد استغرقت من كتاب البدء والتاريخصفحات عدّة خصّها المصنف للحديث عن مبادئ فلسفية، وأسهب
فيها متحدثًّا عن الجدل والنظر والتأمل، وقوانين المناظرة وغيرها. ولعلّه بذلك قد أسّس منهجًا للنظر في الأحداث والوقائع وإخضاعها
73 الطبري، ج 1، ص 7. 74 المرجع نفسه، ص 8. 75 المرجع نفسه. 76 المرجع نفسه. 77 المرجع نفسه. 78 المرجع نفسه، ص 7.
للنقد العقلي والمنطقي، منهجًا يستمدّ أسسه من مبادئ الجدل في نقد النقول التاريخية من حيث المتن. ونجد لذلك إشارات في مقدّمة
الكتاب نفسه، حيث يشير إلى ما دخل التاريخ من أباطيل وأسمار موضوعها التاريخ. فما أورده المقدسي في مباحث النظر العقلي والجدل والمناظرة، في مقدمة لكتابٍ في "علم التاريخ" ليس من باب الترف الفكري والتعالم على الناس، أو من باب إعجابه بعلوم اليونان وفلسفاتهم وجدلهم، ولا من باب تبعيته لغيره من المصنّفين الذين ضمّنوا مقدّمات
منطقية في كتبهم، كما كان الشأن في تصانيف ما بعد القرن الخامس الهجري، وإنما كان ذلك مدخلً يُعبِّ من خلاله المقدسي في
مقدمته تلك عن نموذج المؤرخ الذي يتأثر ببيئته، ويعكس ظروف زمانه. ففي ثنايا مقدمته يشخّص الحالة العامة للمجتمع الذي يعيش فيه، وهو مجتمعٌ انتشرت فيه الخرافة، وتسيّدت فيه الأسطورة، واستسلم الناس لكلّ غريب، وانقادوا لكلّ عجيب "والحديث لهم
عن جَملٍ طارَ أشهى إليهم من الحديث عن جمل سار"83، عقولٌ تأبى إلّ أن تصدّق كل مخرص بطّال، ومشعوذ أفّاك، ومدّعٍ كذاب
"فهم إلى كلّ ناعقٍ سرّاعٌ وعن كلّ ذي حقٍّ بطّاء"84 فضعف اليقين في قلوبهم، وخفت نور العلم في عقولهم، فصارت كل "رؤيا مريّة آثر
عندهم من روايةٍ مرويّة"ٍ85، فآل الحال عندهم إلى "ردّ العيان وجحد البرهان "86. هذه الأسباب مجتمعة انعكست على حال العلماء،
ففترت همّة من تجرّد لطلب العلم، ووهنت إرادة من استفرغ وسعه لتحصيله، فأصبح العلم يأبى "أن يضع كنفه أو يخفض جناحه أو
يسفر عن وجهٍ إلّ لمتجرّدٍ له بكلّيته"87، وهؤلاء قلّةٌ معدودون. لقد قلّ الاهتمام بالعلم، وضعفت الهمم في طلبه، ودخل الفساد على بعض العلوم؛ فكان أوّل ما فسد من علم العامّة، عقائدهم،
بسبب تعلّقهم بالمنحرفين "عن نهج الحقّ في إفساد عقيدة الأغبياء من طريق مبادي الخلق ومبانيه"88، لأنّ المصنف حين نظر في مجموع من يتصدرون نقل الأخبار من القصّاص، وجدهم ممّن يستحلبون "أفئدة العامّة بإطراء مذاهبهم، مفسدين عليهم أذهانهم
بما يقصّون من غرائب العجائب التي رووها"89، فقصارى جهد هؤلاء، الانتصار لمعتقداتهم بالتعمية على قلوب البسطاء بما يخترعون
من الأخبار والغرائب عن المبتدأ "حتى شحنوا صدورهم بترّهات الأباطيل وضيّعوا نفوسهم بالأسمار والأساطير"90. أساطير لا سبيل
إلى ردّها وبيان تهافتها، إلا بما هو قائم من أصول الجدل وقواعد العقل، ما دام هؤلاء قد أعرضوا عن الإسناد وقوانينه، واتخذوا العقيدة أساطير ما زالت "عن أحدوثة في العقل مردودة، وأعجوبة عن الفهم محجوبة"91. وأمام هذا الركام الذي يحتاج إلى تنقية من "خرافات العجائز وتزاوير القصّاص وموضوعات المتّهمين من المحدّثين"92، وأمام ما وقع من التشغيب على عقائد الناس بسبب
الحديث عن المبتدأ، الذي خالط السقيمُ صحيحَه، وصارت الأخبار والأسمار وسيلة إثبات هذا المبتدأ، الذي يشكّل المعتقد جزءًا منه،
كان لا بد من تنقية الأخبار وتحقيق الأحداث، قصد تجلية هذا المعتقد وبيان أصوله. وهذا الأمر يلزم معه التطرّق إلى الحجاج في
79 المطهر بن طاهر المقدسي، البدء والتاريخ، ج 1 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.])، ص 4. 80 المرجع نفسه. 81 المرجع نفسه. 82 المرجع نفسه. 83 المرجع نفسه. 84 المرجع نفسه، ص 1. 85 المرجع نفسه، ص 4. 86 المرجع نفسه. 87 المرجع نفسه. 88 المرجع نفسه، ص 6.
"إثبات مبديه" السابق لخلقه، وهو إثباتٌ يتحصّل ب "ذرو من حدود النظر والجدل"93 التي بها يستدلّ على "القديم المبدئ المعيد ثمّ
ابتداء الخلق"94. فتكامل في منهج المقدسي أمران اثنان: الأول ينطلق من الذود عن العقائد الإسلامية والتصدّي للدخيل الباطل منها،
والثاني بيان زيف الأخبار التي يتناقلها الناس بحيث لا يقبلها عقلٌ سليمٌ ولا منطقٌ سويٌّ، ممّا له صلة بالمبتدأ. فلا سبيل إلى ردع أولئك
"الملحدين" الذين "ركبهم الجهل، واسترّقهم الباطل، وهجرتهم الفكر، وعميت عليهم مواقع النظر"95 ولا وسيلة لإفحام الممخرقين
الذين "احتالوا في إسقاط التكليف عنهم ليمرحوا في ميادين الشهوات وليركبوا ما يهوونه من اللذات بإنكار علوم الأصول من البديهة"96 إلا عبر الاستمساك بأصول الجدل والمناظرة. علمًا أن عصر المؤلف قد شهد تعاظمًا غير خافٍ لعلم الكلام الذي اتخذ لنفسه منهج الاحتجاج العقلي، حيث المطارحات الفكرية
العقدية بين الفِرق، خلال منتصف القرن الرابع الهجري، التي سعت إلى التمكين لآرائها اعتمادًا على مناهج المتكلمين، بردّ الشّبه بناءً
على مبادئ المنطق والفلسفة، فكان المقدسي في خضمّ هذا التيار يسترشد بهذا المنهج، ولا سيما أنّه سيتصدّى لقضايا عقدية أصيلة
متعلّقة بالخلق والخليقة، فلم يجد بين يديه إلا نقولً من "التاريخ التوراتي" التي تحتاج إلى تنقية وتصفية، ولا سبيل إلى ذلك إلا بقواعد الجدل العقلي ولوازمه من علم المنطق والمناظرة، كما أنّ إطلالةً على فهرس مؤلفه ستشير إلى أنّ المقدسي قد تتبّع الفرق الكلامية من
معتزلة وأشاعرة وصوفية وغيرها، وهو تتبّعٌ يفرض عليه التمكّن من آليّات الكلام ومنهجه. فكان البيان السابق تعليلً لهذه المقدّمات الفلسفية التي أثبتها المؤلف في مستهل مصنفه، حين استيقن أنّه لا مفرّ للمحقّق حين
يعترضه "التخايل والأوهام الفاسدة والخطرات الردئة [كذا] ما يلتبس معها الحقّ ويتغلّب عندها الظنّ والشكّ"97 إلا أن يلوذ بالنظر،
ويعتصم بقوانين العقل، وأصول المناظرة لأنها باختصار "أعوان الأسباب على درك الحقّ والتمييز بينه وبين ما يضادّه"98. وهكذا بادر إلى التعريف بذروٍ من المفاهيم التي سيوظفها في قابل كتابه، لذلك بسط القول في المصطلحات التي ستكون أدوات اشتغاله في فصول الكتاب وأبوابه، ليتعامل بها على ما وجده متاحًا بين يديه من مادة تاريخية متنوعة، خاصّةً تلك المتعلقة ب "البدء"
تمييزًا له من التاريخ؛ فالمصنِّف سيُعمِل في "البدء" مبادئ النظر العقلي والمناظرة، في الوقت الذي سيظلّ فيه التاريخ محطّ عناية الإسناد
الذي تُردّ به الروايات أو تُقبل99.
3. تحقيق الأخبار والعناية بالبعد القيمي أساسًا للنظر التاريخي
لقد أسقط مسكويه جزءًا كبيرًا من تاريخ المبتدأ الذي ألِف المؤرخون تصدير مصنفاتهم به، فأعرض كليًّا عمّا كان قبل الطوفان
من الأخبار، وقرّر هذا الأمر بنفسه، حين قال في مقدّمة كتابه: "وأنا مبتدئ بذكر الله ومنّته، بما نقل إلينا من الأخبار بعد الطوفان"100،
انسجامًا مع منهجه في تحرّي الصدق في الأخبار، وبناء سياقات تاريخية تتمتّع بقدر وافر من الضبط. إنّه منهجٌ لا يستقيم و"قلّة الثقة
89 المرجع نفسه. 90 المرجع نفسه. 91 المرجع نفسه، ص 54. 92 المرجع نفسه. 93 المرجع نفسه، ص 18. 94 المرجع نفسه. 95 لقد سيق هذا التقسيم بناءً على تحليل ما ضمنه المصنف نفسه في مقدمته، أمّا التحقق من مدى انضباطه لهذا الأمر في ثنايا كتابه، فإنّ ذلك بعيدٌ عن اهتمام هذا البحث
الذي يقتصر على المقدمات فقط. ولعلّ من الباحثين من سيتصدّى في قابل الأيام لمقارنة ما هو موجود في المقدّمة بحقيقة عمل المؤلف في فصول الكتاب ومادته.
96 مسكويه، تجارب الأمم، ج 1، ص 0 5.
بما كان منها قبله"101 من الأخبار التي لا يُجدي معها نظرٌ في المتون ولا تحقيق الأسانيد، إلى جانب عدم انسجام ما كان قبل الطوفان
مع مقصوده من التاريخ "لأنّ ما نقل [إلينا]102 أيضًا لا يفيد شيئًا ممّا عزمنا على ذكره وضمنّاه في صدر الكتاب "103، حيث إنّ المؤلف،
لا يعنى إلّ بما هو داخل في مسمّى "الخبر التجربة" كما سبق ذكر ذلك أثناء الكلام على فوائد التاريخ. أمّا ابن الجوزي، وإن أورد ما أسقطه مسكويه، فإنّه ضمّن مقدمته تعليلً لهذا الإيراد، على نحو ينسجم مع منهجه في التصنيف،
فحديثه عن بدء الخلق، وذِكر آدم عليه السلام ومن جاء خلفه من ذريته إلى مبعث النبي- صلى الله عليه وسلم - من إنّما يندرج ضِ
"عظائم الحوادث"104، التي حملته، إلى جانب ذكر أخبار العظماء من الملوك والعلماء والحكماء، على الالتفات إلى أولئك "العوام" من الناس، الذين يعرض عنهم المؤرخ في العادة، ليتتبع أخبارهم وينقل أفعالهم، وإن كان قد خصّ بالذكر منهم "من له خبرٌ يصلح إيراده
من العوام، وما يحسن ذكره من الأمور والحوادث في كل زمن"105، وكأن ما يعني ابن الجوزي أحداث التاريخ ذاتها، وليس صانعيها، والعبرة عنده بنفاسة الخبر وأهميته، وهذه مزية تحسب لهذا المؤرخ. استعمل ابن الجوزي الأنباء؛ إذ قال: "ورأيت المؤرخين يختلف مقادهم في هذه الأنباء"106، لذلك فعنايتهم تنصرف إلى تلك "الأنباء" بوصفها مادة المؤرخ، اعتمادًا على أنّ النبأ "خبرٌ ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظنّ"107، بينما الأخبار تطلق ويراد
بها ما تحبّ النفوس سماعها108. فالتاريخ بهذا البيان، خلّص لنفسه مجال اختصاصه، ونأى عن مجالٍ نشأ في حضنه، وظلّ أسيرًا له
مرحلةً غير قصيرة، فقد نشأ التاريخ باعتباره "علم الرجال" الذي يستعان به في تخليص الحديث من الكذب والتدليس. فإذا كان القصد
إلى البحث في الرجال جرحًا وتعديلً، فإن تخصص التاريخ تحوّل في اتجاه الاهتمام ب "الخبر النبأ" على نحو يبحث في طبيعته وحيثياته
وتفاصيله وظروف نشأته، والعوامل التي أدت إلى قيام الأحداث، فضلً عن تفسيرها، لبناء قوانين من أجل التعامل مع أشباهها في قابل الأيام. لهذا، فكم من أخبار عن الملوك والعظماء لا وزن لها في ميزان التاريخ؛ إذ لا فائدة من أخبار تناقلتها كتب التاريخ عن نزهة أمير،
أو رحلته للصيد، أو بنائه لجسر، رغم أنّها أخبار لعظماء، وفي المقابل ثمّة أحداث من صُنع "العامة" ترقى إلى مصافّ "الأنباء" حينما يتعلّق
الأمر بثورة الجياع، وانتفاضة المقهورين، وحراك المهمشين، لأنّها تؤثّر في مسار الشعوب، وتحوّل مجرى التاريخ. إلى جانب العناية ب "الخبر النبأ"، عزّز ابن الجوزي منهجه ببيان نمط عرض الأحداث، ابتداءً من هجرة النبي109 - صلى الله عليه
وسلم - وهو عرضٌ يقوم على الترتيب وفق السنين "ذكرنا ما كان في [كل]110 سنة من الحوادث "111. غير أنّ ابن الجوزي، وإن نحا
في اتجاه جمع الأخبار وعرضها وفق ترتيب زمني دقيق، فإنه أخضع مادته التاريخية لمعايير دفعته إلى قبول أخبار، وردِّ أخرى. فضمّ
إلى مؤلّفه "الحوادث المستحسنة والمهمّة وما لا بأس بذكره"113 فقط، ونأى عن الإسهاب في ذكر ما يرى فيه تطويلً غير مُجدٍ. وهذا
97 المرجع نفسه. 98 زيادةٌ من المحقق، ليستقيم المعنى. 99 مسكويه، تجارب الأمم، ج 1، ص 50. 100 ابن الجوزي، ج 1، ص 116. 101 المرجع نفسه. 102 المرجع نفسه، ص 115. 103 أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان الداودي (بيروت: دار القلم، 412 1 ه)، ص 788. 104 المرجع نفسه. 105 يشير ابن الجوزي إلى أن الهجرة تعتبر بداية التأريخ عند المسلمين فقال "وهي التي عليها التاريخ إلى اليوم"، ينظر: ابن الجوزي، ج 1، ص 116. 106 أضاف المحقق كلمة "كل" ليستقيم المعنى. 107 ابن الجوزي، ج 1، ص 116. 108 المرجع نفسه.
أمرٌ أكّده حين قال: "نضرب عن ما لا طائل في الإطالة به تحته ممّا يضيع الزمان بكتابته"114، فأسقط المؤلف كلّ خبرٍ مطوّلٍ ورد لغير
مقصدٍ يرتجى أو نفعٍ يبتغى، كما أبعد ما كان مختلقًا ملفّقًا؛ لذلك يلاحظ اهتمام ابن الجوزي بتحقيق متون تلك الأخبار، وإعمال العقل لتحييد "المستهجن ذكرها عند ذوي العقول"115 ممّا ورد في مضامينها مع إخضاعها للمنطق السديد، فتأسَّس منهجه على نقد الخبر في
ذاته، لتخليصه من الزيادات والمبالغات، حتى صار التمييز بين المقبول وبين المردود من الأخبار إنّما يتمّ بناءً على معيارين اثنين، أحدهما
صدق الخبر وفائدته؛ وهذا ما طبّقه المؤرّخ حين وقف على وقائع في مبتدأ وهب بن منبه116، فعمد بدايةً إلى إبطال ما أدرجه "غيره من
الأخبار التي تَجري مجرى الخرافات"117، ثم نظر، ثانيًا، في باقي الأخبار، وحين رأى فيها من الإطالة والحشو الزائد أعرض عن "ذكر
حوادث لا معنى لها ولا فائدة"118. إذا كان ابن الجوزي قد جعل نقد المتون من أولوياته، فإنه في المقابل أضاف لمسةً دقيقة إلى منهجه ذلك، حين أدخل "المعيار
القيمي" ضمن محدّدات النظر في نصوص التاريخ؛ إذ يعمله معيارًا "حاكمًا" على سابقيه ليسقط به الأخبار المتعلقة بمن عُرِف عنه معاقرة
الخمور وارتكاب الفواحش من الملوك والسلاطين، لأنّ نقلها، مع افتراض بطلانها، يُدخِل ناقلها "فِ مرتبة القذف"، ومع افتراض
صحتها عدّ "ذلك من إشاعة الفواحش"، وهذا كلّه في نظر ابن الجوزي تطبيعٌ مع الفاحشة، وتجريءٌ للناس على إتيانها، واستهانةٌ
بخطورتها بحيث "يهون على أبناء الجنس ما هم فيه من الزلل"119 فيتخذون مثل هذه الأخبار تعِلّةً للاستمرار في غيّهم، ودعواهم في
ذلك أنّ التاريخ يخلّد كلّ عظيم بصرف النظر عن عربدته ومجونه وتفحّشه، وهذا زعمٌ ينقض مقصد الاعتبار الذي من أجله تصنّف
كتب التاريخ حين "يتأدّب المسلط، ويعتبر المتذكّر، ويتضمّن ذلك شحذ صوارم العقول"121، كما قد يفصم هذا التطبيعُ عرى التلاحم
القائم بين فاعلية الإنسان الحضارية وبين أساسها الأخلاقي والقيمي، ويدفع بالأمة نحو الإخلاد إلى الأرض، ويخمِد فيها كلّ جذوةٍ تنزع نحو الترقي. ورغم ثقافة ابن الجوزي الموسوعية المتنوعة، التي جعلته أكثر علماء المسلمين تأليفًا، فإنّه قد تعامل، في منتظمه، مع الأحداث
تعامل المؤرخ الناقد؛ ذلك أنّه وقف عند حدود تخصصه يردّ الأخبار وينتقدها، ولم يخضع لتأثير تمكُّنِه من بقية العلوم ليشحن كتابه
بالحشو الزائد والاستدراكات المطوّلة، ولم يحِد عن منهج المؤرّخ المحقّق المدقّق، بل استهدى في كلّ ذلك بقاعدةٍ أصّلها بنفسه تقوم على
أنّه "ليس كلّ خبرٍ تاريخ"، لذلك جاء منتظمهمنتظمًا ب "الأخبار اللائقة بالتواريخ"122 فقط.
4. المفاصلة بين القشر واللب عند ابن الأثير
يبدو أنّ منهج التصنيف التاريخي سيتخذ مسارًا آخر مع ابن الأثير (ت. 30 6 ه)، الذي عمد بداية إلى عملية مسح واعية لما بين
يديه من التآليف التاريخية، فأخضعها للنظر والمراجعة. وهي عملية لا غنى عنها لأيّ مؤلِّف، بوصفها مرحلة تقييمٍ لجهود السابقين،
حتى يُحدّد منطلقًا لما يقصد إلى جمعه وتصنيفه، من غير أن يعيد إنتاج ما ألّفه غيره. هذا المسح مكّن ابن الأثير من تحرير خصائص
109 المرجع نفسه. 110 المرجع نفسه.
111 يكنى بأبي عبد الله الصنعاني، كان صدوقًا عالمًا. قرأ كتب الأولين، وعرف قصص الأنبياء عليهم السلام، وكان يشبّه بكعب الأحبار في زمانه. توفي سنة 4 11 ه، ينظر:
شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، حققه وضبط نصه وعلق عليه بشار عواد معروف، ج 3 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 003 2)، ص 334. 112 ابن الجوزي، ج 1، ص 611. 113 المرجع نفسه. 114 المرجع نفسه، ص 117. 115 المرجع نفسه. 116 المرجع نفسه، ص 118.
التأليف التاريخي في عصره. فعلى الرغم من تباين هذا التأليف من حيث طبيعة مادته التاريخية، فإنّ جمع الأحداث وحشدها كان سمة
بارزةً في نظره؛ حتى "يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض"123، بين مسهبٍ مطنبٍ، حشد كلّ غثٍّ وسمينٍ، وبين مخلٍّ مختصرٍ،
أعرض عن كثيرٍ من الوقائع والأحداث، وبين هذين المنهجين ضاعت حقيقة التاريخ بعد أن "ترك كلّهم العظيم من الحادثات والمشهور من الكائنات، وسوّد كثيرٌ منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى"124 ممّا قرّره ابن الجوزي سابقًا، إلى جانب المحليّة التي
طبعت عمل المؤرّخين؛ بحيث لا تكاد تقف على مؤلف إلا وجدته يهتم بتاريخ منطقته، لا يجاوزها إلى غيرها. هذا التشخيص حفز ابن
الأثير على تصنيف تاريخ يراعي فيه أمرين اثنين: التكامل التاريخي بين الأحداث، وسد الثغرات.
أ. التكامل التاريخي بين الأحداث
لقد عاش ابن الأثير لحظةً فارقةً من مراحل التاريخ الإسلامي، مرحلة ما قبل سقوط بغداد في يد المغول بعقودٍ قليلة، بحيث شهدت
أرض الخلافة الإسلامية تشظيًا واضحًا. فبعد أن انفصل الجناح الغربي من العالم الإسلامي واستقلّ بالأمر قبل قرونٍ خلَت، دخل
الجناح الشرقي في مواجهة الغزو الصليبي لمصر وبلاد الشام، وزحف التتار على مقرّ الخلافة ببغداد، فانفصمت عرى التواصل بين أقطار
الكيان الإسلامي الواحد، وصار كلّ قُطرٍ ينشد الخلاص لنفسه، وهذا ما انعكس على التأليف التاريخي. فمنذ الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري حيث تنتهي أحداث تجارب الأمملمسكويه، إلى حدود الثلث الأول من القرن السابع الهجري، زمن تأليف ابن الأثير
لكامله، سيلاحظ أنّ التصانيف في علم التاريخ اتخذت مسار "التاريخ القُطري" حيث انصرف المؤرّخون، نتيجة التشظّي السابق، إلى
العناية بالتاريخ المحلي. ولعلّ إطلالةً على المكتبة التاريخية ستزكّ هذا الزعم125. هكذا وجد ابن الأثير أنّ الشرقي لا يهتم بأخبار أهل الغرب، كما أنّ الغربي لا يُلقي بالً إلى أحوال الشرق، لذلك عزم على جمع
المتفرّق في عشرات المجلدات ب "تأليف تاريخ جامع"126 يسعى إلى إعادة صياغة الأحداث التاريخية "متتابعةً يتلو بعضها بعضًا إلى وقتنا
هذا"127، بحيث تشكّل في مجموعها سياقًا منسجمًا، ف "جاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقًا واحدًا"128 يجلي
سيرورة التاريخ المتجدّد الذي يعكس أثر تفاعل الإنسان مع مجمل محيطه.
ب. سد الثغرات
لقد نظر ابن الأثير إلى سابقيه من المؤرّخين، فرأى منهم من يكرّر الأحداث ويعيد إيرادها، لذلك عمد إليها فاختار أتمّها، إذ يقول:
"فقصدت أتمّ الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها"130، وذلك بعد أن وجد تجزيئًا للحادثة التاريخية نتيجة المنهج
المتداول القائم على الترتيب بحسب السنين، فكان المصنِّف يقسم الوقائع في الحادثة الواحدة بحسب سنوات وقوعها، فتراه ينتقل من
117 ابن الأثير، ج 1، ص 6. 118 المرجع نفسه. 119 إذا استثنينا المنتظم في تاريخ الملوك والأمملأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت. 97 5 ه)، فإنّ المصنّفات التاريخية اقتصرت في معظمها على بلدان
أو مناطق بعينها؛ ومن أمثلة ذلك بالمشرق الإسلامي: المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية لأبي البقاء الحلّ (ت. ق. 6 ه) وقد أرّخ فيه لملوك بلاد فارس؛ وتاريخ بيت
المقدس، لأبي الفرج ابن الجوزي (ت. 97 5 ه)؛ وكتاب التدوين في أخبار قزوين، لأبي القاسم القزويني (ت. 3 26 ه)؛ أمّا في بلاد المغرب فنجد المقتبس من أنباء الأندلس
لابن حيان القرطبي (أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان الأموي بالولاء) (ت. 469 ه)؛ والصلة في تاريخ أئمّة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم
وأدبائهملأبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال (ت. 78 5 ه). 120 ابن الأثير، ج 1، ص 6. 121 المرجع نفسه. 122 المرجع نفسه، ص 7. 123 المرجع نفسه.
جزئية إلى غيرها ليتناغم مع منهج المصنِّف المعتمد على السنين، فضاع بذلك الغرض من عرضها. لهذا، توجّه ابن الأثير إلى جمع ما تفرّق
من تلك الأحداث في سياقٍ واحدٍ: "فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كلّ شيء منها"131. فأخرج ابن الأثير الكاملبمعنيين؛ فهو "كاملٌ" من حيث جمعه لشتات ما تفرّق في غيره، و"كاملٌ" بتمام توثيق المجموع فيه، مشفوعًا بما تصوَّره المؤرّخ من صحّة المنقول
وصدق الناقل "ممّن يعلم بصدقهم فيما نقلوه وصحّة ما دوّنوه"132، وإلا صار كغيره ممّن نقدهم، حين بيّ مواضع سقطهم بأن
أصبحوا "كالخابط في ظلماء الليالي"، فزايلهم بقدرته على المفاصلة بين حقيق الأحداث وبين بهرجها، قدرة الخبير على تمييز اللآلئ من الحصباء133. وهو المعنى نفسه الذي أكّده صاحب ذيل مرآة الزمانوهو يقيِّم مجمل تصانيف التاريخ، بعد قرن كامل من زمن ابن
الأثير قائلً: "وساروا بأفكارهم فجلبوا من أخبار الأمم حطبًا وذهبًا "134.
ثالثًا: التحليل التاريخي بين خصائص العمران ومراعاة المعيار الحضاري
إذا كان التنوع قد مسّ مناهج عرض المادة التاريخية وتنسيقها، ومعايير تعليل إيراد أحداث تاريخية بعينها، والإعراض عن أخرى،
فإنّ المقدمات التاريخية تضمّنت كذلك تفاصيل تعامل المؤرّخ مع تلك الأحداث من حيث استدعاء أسبابها، والبحث عن مآلاتها، والنظر
في مقاصدها، تفسيرًا وتعليلً وبيانًا. 1. المعيار الحضاري أساسًا للتحقيب التاريخي عند ابن العِبري لقد شهد القرن السابع الهجري تأليفًا تفرّد به صاحبه على مستويات عدّة، فابن العِبري135 صاحب تاريخ مختصر الدولاعتمد،
وهو يجمع شتات كتابه، على مصادر لم يذكرها غيره من المؤرّخين، حيث أسعفته ثقافته الواسعة وتمكّنه من لغاتٍ أخرى، في إثراء
موارد تصنيفه، فتتبّع الأخبار السابقة، والأحداث المتفرّقة المبثوثة في المصادر غير العربية "على سبيل الالتقاط من الكتب الموضوعة في
هذا الفن بلغاتٍ مختلفة سريانية وعربية وغيرها"136. فكان لتنوّع الموارد أثرٌ بالغ في إبداع المنهج الذي اعتمده المؤلف في عرض مادته
التاريخية، وهو عرض يعكس نظرةً ثاقبة لمفهوم التطوّر التاريخي، يتجاوز به تعاقب الملوك والدول، ليجعل من التاريخ علمًا يتتبّع
"التداول الحضاري" الذي يُعنى برصد انتقال "مركزيّة التحضّ" من أمّةٍ إلى أخرى: "داولها الله تعالى بين الأمم فتداولتها تداولً بعد
تداول"138؛ لذلك عمد المؤلّف إلى تبويب مؤلّفه، بعناوين تترجم هذا التحوّل الحضاري الذي شهده العالم كله، من قبيل "الدولة المنتقلة
من [...]" في تنبيه، لا يخفي، إلى ضرورة عناية دارس التاريخ، بما يطرأ على الأمم والشعوب من تحولّات تمسّ دورتها الحضارية، قصد
تتبّع عِلل هذا التحوّل وعوامله، ورصد نتائجه.
124 المرجع نفسه. 125 المرجع نفسه. 126 المرجع نفسه. 127 قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، ذيل مرآة الزمان، عناية مراجعة وزارة التحقيقات الحكمية والأمور الثقافية الهندية، ج 1 (القاهرة: دار الكتاب
الإسلامي، 992 1)، ص 2.
128 هو غريغوريوس، أبو الفرج بن أهرون، المعروف بابن العِبري، قصد دمشق فحظي عند الملك الناصر ورفع مكانته. عاصر دخول المغول تحت قيادة هولاكو إلى بغداد
وقتل الخليفة العباسي. كان ابن الع بري رجل كدٍّ وعمل، لم ينقطع طول حياته كلها عن المطالعة والتأليف. ألّف ما يزيد على ثلاثين كتابًا بالعربية والسريانية، توفّ سنة 85 6 ه،
ينظر: غريغوريوس أبو الفرج بن هارون الملطي بن العبري، تاريخ مختصر الدول، تحقيق أنطون صالحاني اليسوعي (بيروت: دار الشرق، 992 1)، ص 3. 129 المرجع نفسه، ص 1. 130 المرجع نفسه.
إنّ ما أصاب مسقط رأس ابن العِبري؛ من دخول الجيوش الإسلامية الفاتحة، وتعاقب الخراب عليها بسبب غارات الفرنج والروم
ثم التتار المغول الذين عاثوا في الأرض فسادًا وساموا الناس الخسف والهوان، حتى استحال موطن ابن العبري إلى دمار، حمل الرجل
على أن يلوذ بأنطاكية فارًّا بنفسه وبعائلته، حيث اختار الانقطاع عن الناس وملازمة الزهد والتنسك، فآثر أن ينفرد بنفسه في مغارة منعزلة
بالبرية، يتأمّل هذا الانقلاب المتسارع للأحداث، ويستجمع تتابع الوقائع التي تعكس تعاقب حضارات متباينة الخصائص والمقاصد، في
زمنٍ قياسيّ، فهذه بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، ورمز الحضارة تتداعى أمام ناظريه، على يد المغول.
إنه تحوّلٌ حضاريّ عميق أسهمت فيه قبائل منغوليا "البداوة" المتحالِفة مع الترك "حضارة القوة" بحسب تصنيف ابن العِبري؛
تحالف مؤسّس على مبدأ "التدافع الحضاري" القائم على سعي هذا التحالف نحو تحييد كلّ حضارةٍ منافسة، وهي النتيجة التي وقف
عندها ابن العِبري بعد أن استقصى تعاقب "الدول". لذلك صنّف الشعوب إلى حضارات تلتئم ضمن خصائص مشتركة جامعة تميّز كلّ
حضارة من أخرى. وفي مقابل ذلك، يعرض عن عوامل العرق والجنس والجغرافيا بوصفها معايير لتصنيف الحضارات، بسبب ما شهده بنفسه من صدع واضح في صرح حضارة المسلمين التي أسهمت الأجناس والأعراق المختلفة في تشييدها. لقد عزّز ابن العِبري منهج تتبّعه للتحولّات الحضارية، باستهلالات نفيسة فصل بها بين عناوين الأبواب، وبين تفصيل الكلام
عن تلك الحضارات المتعاقبة، وهي استهلالات تعكس بعد نظر المؤرخ، ودقّة تحليله لطبيعة التداول الحضاري، بعد أن استعاض عنها
ب "الدافع الحضاري المشترك" حتى لو تعلّق الأمر بجمع أجناس بشرية متباينة تحت مسمّى واحد، بالنظر إلى العامل الفكري والثقافي
والعقدي الجامع لشتات هذا المتفرّق. لذلك، فإنّ ابن العبري وإن أقرّ منذ البداية بتعدّد أصول الأمم السابقة، حين أرجعها إلى سبعة139،
فإنّ إعمال معيار "الفكرة الحضارية" دفعه إلى ضمّ تلك الأصول السبعة في طبقتين اثنتين، بحسب ما صرّح به، حتى صارت بلاد المعمور
تحت تأثير حضارتين؛ "حضارة العلم" و"حضارة اللاعلم". تجاوز التحليل التاريخي عند ابن العِبري، حدود "التاريخ السلّالي" وتعاقب "الأسر" والملوك، وغاص بعيدًا في عمق التحولات
الحضارية الكبرى. ورغم أنّ المقدمة الجامعة ل تاريخ مختصر الدوللا تجلي هذه التحولّات، فإنّ بيانها يتطلب مراجعة عناوين فصول
الكتاب؛ إذ يلجأ ابن العِبري إلى ذكر ما يطرأ على "الدول" كما سمّاها صاحب المختصر، ليقسِّم التاريخ البشري العالمي منذ آدم إلى العقد
الأخير من القرن السادس (اجتياح المغول) إلى عشر دول، بحيث يضمّ تارةً مجموعةً من الأمم ضمن دولة واحدة، أو يقسّم تارةً أخرى
الأمّة الواحدة إلى مراحل مستقلّة في شكل دولٍ؛ فهو حينما جمع أممًا شتّى من قبيل الفرس والكلدانيين واليونانيين والقبط والترك
والهند والصين ضمن دولةٍ واحدة، علّل هذا الجمع بأنهم "كانوا جميعًا صابئة يعبدون الأصنام تمثيلً للجواهر العلوية والأشخاص
الفلكية"140، لأنّه جمعٌ أساسه الفكرة المشتركة الجامعة لشتات هذه الشعوب. فبناءً على العوامل الثلاثة لقيام الحضارات، المتمثّلة في عامل البيئة وعامل الفكرة وعامل الدافع141، يبدو أنّ مفهوم الدولة عند ابن
العِبري يتجاوز "الأمّة" الواحدة، ليشمل أممًا كثيرة، تجمع بينها "وحدة الفكرة" التي سبقت الإشارة إليها، وبناءً عليها أسس "تحقيبه".
لذلك يكون التحوّل من دولة إلى أخرى نتيجة تحوّل من فكرة إلى أخرى. وجعل ابتداء "الدولة الثانية" بالعِبرانيين من "عصر القضاة"
وعلّل اختلافهم عن سائر الأمم الأخرى بأنهم زايلوا "تعلّم الحكمة" واقتصروا مقابل ذلك "على علوم الشرائع وسير الأنبياء". فإذا كانت
بعض الأمم عند ابن العِبري قد الْتأمت على فكرة الدين "الوثنية"، فإنّ أخرى اجتمعت على فكرة "الحكمة"، المقصود بها الفلسفة، كما
عند أمة اليونان، وطائفة من الأمم الأخرى اعتصمت بفكرة "التوحيد" كما عند العِبرانيين في بداية نشأتهم الأولى.
131 عدّد ابن العِبري هذه الأمم كما يلي: الفرس والكلدانيون واليونانيون والقبط والترك والهند والصين، ينظر: المرجع نفسه، ص 3.
132 المرجع نفسه. 133 بشأن تفاصيل هذه العوامل، ينظر: عبد المجيد النجار، فقه التحضر (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 006 2) ص 25 - 34.
لهذا، وبناءً على الفكرة الجامعة التي تشكّل أحد عوامل التحضّ كما تمّ بيانها، عمد ابن العبري إلى رسم خريطة العالم القديم،
بناءً على تحديد الفكرة التي تحرك الجماعات البشرية بعيدًا عن التصنيف الكلاسيكي، وقد استعان في تحليله بعاملين؛ عامل البيئة،
وعامل "الدافع الحضاري" المتمثّل في الاهتمام بالعلم ورعايته، وعلى أساسهما صنّف الأمم والأجناس "على كثرة فرقهم وتخالف
مذاهبهم"142، حتى أمكن له الوقوف على معالم العالم القديم بمنظورٍ حضاريّ، يركّز على الخصائص التي تجمع بين أكثر من أمة، أو
أكثر من تجمّع بشريّ يجمع بين أفراده عامل العرق والنسب، وإلا لماذا يجمع الفرس واليونان والترك والصين في مرحلة تاريخية معينة؟
ثم يخرج من هذا الجمع كلّ أمّةٍ استقلّت بفكرةٍ حضاريّة تميّزها؛ كفكرة الدين، أو فكرة العلم، أو فكرة الصنعة، وهو ما سيأتي مفصّلً
في تحقيب ابن العِبري. هذا الخروج إنّما يتوقّف على أحداثٍ عظيمة، لذلك لا يقيم ابن العبري وزنًا إلا لتلك الأحداث التي تعكس "فاعلية الإنسان" في ارتفاقه بالكون من حوله، وسعيه لتحقيق الترقي الحضاري، الذي يمكن تلمّس معالمه عبر الانتقال من فكرة "البداوة" عند الشعوب
المفارقة للحضارة المعتمدة على حياة التنقل والرعي عند الرعاة الرحّل، الذين لم يعرفوا الاستقرار الذي يؤسِّس لقيام التحضّ، ويدفع
إلى التنظيم الاجتماعي وتقسيم العمل، وسنّ القوانين والأنظمة، إلى فكرة "القوّة" التي تعتبر الشعوب الحاملة لهذه الفكرة أرقى من
سابقتها، لأنّها عرفت الاستقرار وسنّت القوانين، ومكّنت لبقائها عبر القوّة، بعد أن درّبت أفرادها على الحرب والمنازلة، وتقوية الأبدان.
غير أنّها أقلّ ترقّيًا من حضارة فكرة "الصنعة" التي اعتنت بتأهيل أفرادها للعمل الحِرفي، فتحسّنت الأوضاع الاجتماعية، وأُتِيح لها أن
تمدّ نفوذها بفضل سلطان التجارة على عديد الشعوب المجاورة كما كان الأمر في حضارة الصين القديمة. إلا أنّ حضارة فكرة "العلم" تظلّ أرقى الحضارات السابقة؛ لأنّها تأسّست على "الاعتناء الصحيح بفنون الحكمة من العلوم
الرياضية والمنطقية والمعارف الطبيعية"143، ولأنّ حضارةً استوعبت سابقتيها، وصارت قادرةً على توفير الصناعة وتأهيل الأفراد للمعارك
والحروب، كما أنّ أثرها باقٍ، يمتدّ على مدار القرون والعصور. ففلسفة اليونان ومنطقهم وحكمتهم وسائر علومهم ما تزال تؤثّر في عالم الحضارات اللاحقة لها، ومنها الحضارة الإسلامية. وممّا يعزّز هذا التحقيب الحضاري أنّ ابن العِبري جعل "المجهود الإنساني" معيار التصنيف، وعامل مفاضلةٍ بين تلك الشعوب؛
فالأمم التي عُنيت بالبعد العقلي حكمةً وعلمًا، إلى جانب البعد المادي عمرانًا جعلها في صدارة الأمم والشعوب كما سيرد قريبًا، تتبعها
تلك الأمم التي حذقت الصنعة والعمل الحِرفي دون غيره، بينما جعل أقلّها تحضًّا من انصرف من الأمم إلى التغلّب وبناء الأجساد، وكلّها في دائرة التحضّ. وهذا هو عين الترقي الحضاري الذي يأخذ في الاعتبار قدرة الإنسان على التفاعل مع البيئة من حوله استثمارًا
وارتفاقًا، حتى ليبلغ من درجات التقدّم الحضاري بقدر حسن انتفاعه من المقدّرات المتاحة بين يديه. في حين تظلّ تلك الشعوب التي لم
تتمكّن من التفاعل مع بيئتها خارج نطاق التحضّ، لأنّ مبلغ تعاملها مع البيئة من حولها هو القطف والصيد والالتقاط، فإذا استزفت
ما بين أيديها من مصادر الطعام والماء انتقلت إلى بيئةٍ أوفر وأنعم، فصارت هذه الشعوب تابعةً لبيئتها، بدلً من أن تكون البيئة في خدمة حاجاتها ومتطلّباتها. وتأكيدًا لمبدأ التراكم، أمكن من خلال البحث الدقيق في مصنّفات التاريخ، قبل ابن العِبري، الوقوف على إرهاصات تصنيف
الشعوب والأمم بالمعيار الحضاري ذاته الذي وظّفه ابن العِبري، وإن لم يبلغ مستوى ما سطّره في كتابه تاريخ مختصر الدول. إرهاصات
134 المرجع نفسه.
135 ابن العِبري، ج 1، ص 57.
تبدّت واضحةً عند المقدسي، وإن لم يضمّنها مقدّمة تصنيفه145، فإنّه استشعر وعيًا حضاريًا رغم أنّ "رؤيته للحضارة يجدها من صنع
الملوك والأنبياء"146؛ إذ مايز المقدسي بين الشعوب بحسب كسبها العلمي والحِرفي، فجعل العرب وفارس والروم والهند في قمّة السلم
الحضاري، "وما سواهم رعاعٌ وهمجٌ سافلو الرتبة عن رتب من قدّمنا"147، لأنّهم لم يقووا على الانعتاق من أسر الطبيعة وقوانينها،
بل لعلّ التعبير بلفظ "الهمج" ما يدلّ على اختلاط واضطراب148، وانعدام النظام الذي يعدّ من مظاهر التحضّ؛ إذ على الرغم من أنّ المقدسي لم يذكر لفظ الحضارة، فإنه ذكر لوازمها، فوصف بلاد الشعوب المتحضرة، ممّا ذكر سابقًا، بأنّها "موضع عمران الأرض"149،
بينما نعت الأخرى التي تقع خارج نطاق هذا الموضع بوصفين يعدّان وجهين لازمين لكلّ تحضٍّ قائلً: "إنّهم أناس لا يفهمون قولً
ولا يعلمون شيئًا من الصناعات والعلامات"150، فعدم الفهم يُنبئ عن قصورٍ واضحٍ في الجانب اللّمادي للحضارة؛ علمًا وفكرًا ممّا
يدخل في المنتج الفكري والثقافي. ويحيل جهلهم بالصناعات والعلامات على ضمور تفاعل الناس مع بيئتهم ارتفاقًا واستثمارًا ممّا له
تعلّق بالجانب المادي لكلّ تحضّ. وهكذا أمكن، أوّل مرّة، من خلال الخصائص الحضارية للشعوب، ابتكار "تحقيب تاريخيّ" يصنّف الأمم بحسب "نضجها"
الحضاري كما يلي151:
أ. حضارة الفكرة
تضم شعوبًا تنتمي إلى نطاقٍ مناخيٍّ يتسم بالاعتدال بين انغلاق بيئيّ تام، يعيق الفعل الإبداعي والمبادرة إلى العمل، وبين تكشّف
كامل يغيّب دواعي التحدّي، ويدفع نحو الدّعة والخمول، فتهيَّأ لتلك الشعوب ما بوَّأها ريادةً علمية. وقد مثّلت هذه الحضارة، أممٌ
مختلفةٌ، كالفرس والكلدانيين واليونانيين، ممّن شكّلوا "طبقةً عُنيت بالعلوم152".
ب. حضارة الصنعة
تضمّ هذه الحضارةُ الشعوبَ ذات الأعداد الغفيرة، مثل الصين التي برعت في "إتقان الصنائع العملية وإحكام المهن التصويرية"153،
ورغم أنّ حظّها من المعرفة اقتصر على حرصٍ ظاهرٍ على المهارات الحِرفية، فإنّ أثر ذلك الحرص بدا واضحًا في سائر أحوالها، وأنماط
عيشها، حتى صارت من أرغد الأمم عيشًا "وأفخمهم مملكةً وأوسعهم ديارًا"154.
136 إنّ ما أثار فضول الباحث لتتبّع متن كتاب البدء والتاريخللمقدسي هو غياب البسملة والحمدلة في بداية الكتاب سيرًا على عادة المسلمين في تآليفهم، ليقف الباحث
في ثنايا هذا الكتاب على مقدّمات قصيرة أخرى، في مستهلّ بعض الأجزاء، ولم يدرج التحميد والصلاة على النبي إلا في مقدّمة المجلّد الثالث، لذلك واصلت البحث عن فوائد
أخرى سأذكرها في المتن. 137 محل، ص 221. 138 المقدسي، ج 1، ص 57. 139 أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج 6 (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 979 1)، ص 64. 140 المقدسي، ج 4، ص 53. 141 المرجع نفسه، ص 54.
142 إن هذا التقسيم لم يورده ابن العِبري بهذا التصنيف، بل هو تقسيم استنتجه الباحث عقب استقراء ما عبّ عنه ابن العِبري من خصائص انفردت بها أممٌ ذكرها في
مقدّمة تاريخه.
143 ابن العِبري، ج 1، ص 3. لقد فصّل ابن العِبري في بيان أصناف هذه العلوم، وطبيعتها، وذكر منها الإلهيات والرياضيات والحكمة وعلم الفلك. غير أنّ طبيعة هذا
البحث الذي اختصّ بالمقدّمات فقط، جعل إيراد تلك التفاصيل أمرًا متعذّرًا بالنظر إلى أنّ ابن العِبري لم يورد تلك العلوم في مقدّمتهِ.
144 المرجع نفسه. 145 المرجع نفسه.
ج. حضارة القوة
تقع هذه الحضارةُ، مثل سابقتها، خارج طبقة من اهتمّوا بالعلم، بحسب ابن العِبري، وهي أمّة من ذوات العدد الهائل أيضًا ممثّلةً
بالترك. ورغم أنّها تشترك مع سابقتها في عنايتها بالصنعة، فإنّ المؤلِّف جعل لها فضيلة التوجّه إلى آلة الحرب ومعالجتها، حتى صارت من
"أحذق الناس بالفروسية وأبصرهم بالطعن والضرب والرماية"155، الأمر الذي مكّنها من رخاءٍ في العيش، وصيّها "فخمة المملكة".
د. البداوة
هي حالة كانت عليها الشعوب المُوغلة في أقصى شمال المعمورة، أمثال الصقالبة، ممّن أثّرت البيئة الباردة في أجسامهم؛ فابيضت
جلودهم، وعظمت أبدانهم، وطالت شعورهم، وانعكس ذلك على أمزجتهم وأخلاقهم حتى "غلب عليهم الجهل والبلادة وفشا فيهم الغيّ والغباوة"156، وشملت هذه الحالة كذلك، أهل مناطق الحرّ الشديد، من الأحباش وسكّان السودان الذين غلبت عليهم جلافة
الطباع، وغلظة الأخلاق، وفساد الأمزجة "فعدموا بهذا الأناة وثبوت البصائر"157، وهي حالة حملت ابن العبِري على إخراج هؤلاء من دائرة الحضارة، فضلً عن نزع صفة الآدمية عنهم، لأنّهم في نظره "أشبه بالبهائم منهم بالناس"158. بناءً على ما سبق يتبين أنّ التاريخ عند ابن العِبري، هو تداول حضارات، وتدافع بين الأمم بحيث تسعى كلّ حضارة للتمكين
لنفسها، وبسط أخلاقها وعوائدها، ونمط عيشها، أكثر من مجرّد أفول سلالة وقيام أخرى، ضمن الحضارة الواحدة.
2. العمران البشري والتحليل التاريخي عند ابن خلدون
إذا كان الدافعُ إلى التحضّ عنوانَ التحليل التاريخي عند ابن العبري، فإنّ المبتكر عند ابن خلدون من خلال مقدمته ليس دعوته
إلى تحقيق الأخبار والتثبت من صدقها فقط، لأنها دعوة تكرّرت عند سابقيه منذ قرونٍ عدّة، وإنّما تكمن جِدّة منهجه في التحليل
التاريخي، إلى جانب ما تداوله من سبقه من المؤرخين فيما يتعلق بضرورة النظر في الروايات خاصة ليصير "الناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم"160، وذلك في اعتماد ابن خلدون على مرجع وسمه ب "العمران" باعتباره معيارًا أساسيًّا في التعامل
مع الأخبار. فلا ينبغي للمؤرّخ أن يلغي خصائص التجمّعات البشرية، وطبائعها الاجتماعية والثقافية، في تأطير الحدث ضمن سياقه
العام؛ إذ إنّ عدم مراعاة هذا السياق بإيراد الوقائع ضمن "صور قد تجرّدت عن موادها، وصفاحًا انتضيت من أغمادها"161 يدفع في
اتجاه تعميم أحكام لا تستقيم وطبيعة المرحلة التاريخية، لأنّ "للعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار"162، فتحقيق الأسانيد لا يرقى بمفرده إلى تحقيق الدقة المرجوة في الحدث التاريخي، ما لم يؤازر بالنظر في متون الخبر، وعرض مضمونه على طبيعة الحياة الاجتماعية، والسمات الحضارية المميزة للمرحلة التي ينتمي إليها الخبر.
146 المرجع نفسه. 147 المرجع نفسه. 148 المرجع نفسه. 149 المرجع نفسه. 150 عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، ج 1 (الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 005 2)، ص 7. 151 المرجع نفسه، ص 8. 152 المرجع نفسه.
لذلك، كان حديث ابن خلدون عن هذا المعيار في مستهلّ مبحث سمّاه "قصور المؤرّخين" في تنبيهٍواضحٍ منه لعموم المؤرّخين إلى أنّ
انتفاء هذا المعيار لدى المؤرّخ وهو "يذهل عمّا أحالته الأيام من الأحوال، واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال"163، يُعتبر من مظاهر
القصور المنهجي الذي سيؤثّر، لا محالة، في مجمل النتائج التي يتوصّل إليها كلّ مهتمٍّ بالتاريخ، بل إنّ ابن خلدون ذهب بعيدًا وهو
يرفع من شأن هذا "العامل"، لأنّه "سابقٌ على التمحيص بتعديل الرواة"164. فإذا كان المعتمد في صحّة الأخبار الشرعية حصول الظنّ
بصحتها من خلال "صحّة الظن الثقة بالرواة للعدالة والضبط"165، فإنّ خلاف ذلك معمولٌ به في التاريخ؛ إذ لا يعمد إلى "تعديل الرواة
حتى نعلم هل ذلك الخبر في نفسه ممكنٌ أو ممتنع"166، وهذا قانونٌ سمّاه ابن خلدون "المطابقة" بالنظر إلى أنّ استحالة وقوع الخبر
تجعل النظر في التعديل والتجريح أمرًا عاريًا من كلّ فائدة. يبدو أنّ الوعي بضرورة مراعاة مقتضيات "العمران"، بوصفه من مقوّمات المنهج التاريخي يظلّ قاصرًا عند ابن خلدون للوقوف
على حقائق التاريخ، في غياب شرط "الموضوعية" التي تعكس حياد المؤرّخ وهو يتعامل مع وقائع التاريخ؛ فالولاء للطائفة يثلم شهادة
المؤرّخ عمومًا، وينأى به عن العلمية والتحقيق، لأنّ النفس كلّما خامرها تشيّع لرأي أو نِحلة، دفعها إلى قبول ما يوافق ميلها، وردّ ما
يخالف هواها، فيصير "ذلك الميل والتشيع غطاءً عن بصيرتها من الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله"167. ولعلّ ما يميّز ابن خلدون، خلافًا لسابقيه ولاحقيه من المؤرّخين، أنّه لم يقف في مقدّمتهعند حدود وضع القواعد، وتحديد المعايير
المعتمدة في منهجه، وإنّما اتجه نحو تنزيل تلك القواعد والآليات، المتمثّلة في الموضوعية والحياد، ودقّة النقل ومراعاة مقتضيات العمران، التي سبق أن أرساها في تعامله مع أحداث التاريخ. فجمع بذلك في مقدمتهبين الجانب النظري لقواعد المؤرّخ، وبين تطبيقها
على أحداثٍ بعينها، لذلك أورد في المقدمة نفسها، رغم أنّ المقدّمات تقتصر على بناء التصوّرات والرؤى فقط، نماذج طبّق عليها ما سبق
أن حدّده من القوانين والقواعد، وهي نماذج استغرقت التاريخ البشري، وانسحبت على مجمل مراحله، حيث أورد أمثلةً من مراحل
ما قبل البعثة ممّا له تعلّق بحضارات عاد وإرم وبني إسرائيل، إضافةً إلى مرحلة بني أمية وبني العباس والأدارسة والموحدين، كما أنّ
الأمثلة شملت مناطق الغرب الإسلامي وشرقه، فضلً عن تنوّع القضايا التي أخضعها ابن خلدون للنظر والتحقيق؛ فدقّق في الأعداد
وبيّ غلطها اعتمادًا على قواعد العقل والمنطق، وردّ أخبار اليمن وغزوها استنادًا إلى طبيعة الموقع وقوانين الجغرافيا، وبيّ تهافت ما
ألصق بالرشيد من مطاعن القصاص والسمّار، وحقّق نسب العبيديين والأدارسة والموحدين، فكان بذلك نموذجًا عمليًّا شاملً متكاملً
من حيث الجغرافيا والتاريخ والموضوع.
رابعًا: استقلال التصنيف يف مقدمات علم التاريخ
يبدو أنّ المقدّمات المتعلقة ب "علم التاريخ" كان يلزمها القرون الطويلة، لتستقلّ بنفسها عن كتب التاريخ العامّة والخاصّة، وصار
صاحب المختصر في علم التاريخمن أوائل من صنّف في مقدّمات علم التاريخ خاصّة، وأضحى إعلان السخاوي الجامع لما تفرّق في
مقدّمات التاريخ يبيّ جدوى العلم، وينبّه على قيمته، ويوبّخ من سعى لينتقص من فوائده.
153 المرجع نفسه. 154 المرجع نفسه، ص 55. 155 المرجع نفسه. 156 المرجع نفسه. 157 المرجع نفسه، ص 52.
1. "مختصر" الكافيجي: نحو نظرية للتاريخ168
يُعد الكافيجي (ت. 879 ه) أوّل من ألف في مصطلح "علم التاريخ" قياسًا على علم "مصطلح الحديث" وغيرها من علوم الشرع
الأخرى. وتمكّن من التوفيق بين الجانبين: النظري والتطبيقي للتاريخ. لقد ربط الكافيجي التاريخ ربطًا وثيقًا بالزمن، وهو بذلك يقصر هذا المفهوم في بعده الزماني المتعلق بالوقت؛ إذ إنه "علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوثيقه"169، وهو ربطٌ تعزَّز إلى جانب التعريف السابق، باستطراد
ملحوظ تعرّض فيه المؤلّف بإسهاب إلى تدقيق "المعجم" ذي الصلة بتحديد الوقت، وتعيين مقادير الأيام والأشهر والسنوات، على نحو
بيّ فيه الفروق الدقيقة بين تلك المصطلحات. غير أنّ المؤلف لم يسِ طويلً على هذا النهج، بل أورد تعليليَن لافتيَن؛ إذ علّل ردّ المسلمين التأريخ بما عُرِف عند الأمم السابقة،
وأعرضوا عن تاريخ اليهود "لما فيه من الطول"، وزايلوا تاريخ الفرس، لكونه "غير مستند إلى مبدأ معيّ"، إلى جانب عدم ثبات مسيرة
التأريخ عند الفرس، ف "كلّما قام فيهم ملك ابتدؤا [كذا] من لدن قيامه وطرحوا ما قبله"170، كما علّل اتخاذ الهجرة بداية التاريخ عند المسلمين بأنّ عمدته تضارب الآراء حول مولده ومبعثه، وبنأيهم عن اتخاذ وفاته مبدأ تاريخهم، لأنّ الهجرة حدثٌ تعلقت به "تحولّات"
ارتبطت بالحياة الحضارية للمسلمين، بوصفها مناسبة توّجت مسيرة الرسالة الخاتمة، و"توالي الفتوح وترادف الوفود"، حتى أضحت
حدثًا "يعظم وقعه في النفوس"، وصار التأريخ بالهجرة ذكرى تتجدّد كلّ عام، تبعث على استنهاض الهمّة والدفع في اتجاه مواصلة
المسير، بتشوفٍ نحو الريادة. يُعد هذا الرتق بالجمع بين "الزمن" و"الحدث"، ما ميز انطلاق التاريخ الإسلامي، حين وسم المسلمون سنواتهم الأولى بأحداثها،
فنعتوا السنة الأولى بسنة "الإذن بالرحيل"، وجعلوا الثانية سنة "الأمر بالقتال" وعدوا الثالثة "للتمحيص". فكأنّ طبيعة الحدث المؤرّخ
بتلك السنة، هو الذي يحدّد أهميتها، لذلك أصبح التاريخ يُعنى ب "الحوادث الصائلة العظام، والأمور الهائلة الجسام"171، وكأنّ العناية
بعظيم الحدث، إنّما تعكس عِظم هذا العلم وشرف طلبه. يتحدّد الحدث التاريخي عند الكافيجي بالنظر إلى دقة الخبر المتعلق به وضبطه بناقل الخبر نفسه من حيث الوثوق به من عدمه،
لذلك يتطلّب التعامل مع الناقل خمس قواعد172 تحدِّد قيمة الوقائع التاريخية، اعتمادًا على قربها من "عصر الناقل". فالوجه الأول من
هذه القواعد، يخرج عن مسمّى الخبر، ويفاصل دائرته، حيث يتبوّأ صدارة "الدقّة التاريخية"؛ إذ "ليس الخبر كالعيان"173 لأنّ "المؤرّخ
الناقل للحدث" يصبح جزءًا من الواقعة، أي إنه يعاينها، ويعيش تفاصيلها حضورًا ومعاصرة، وهذا وجهٌ من أرفع الوجوه وأعلاها،
لذلك كانت العناية به آكد من العناية بغيره. ويقف على الطرف المقابل لهذا الوجه، تهافتًا وضعفًا، وجهٌ خامسٌ يجدر بالمؤرخ ألَّ يورده،
وإن فعل، فإنّما يكون بقصد فائدة مرجوّة مستقبلً حين يظهر في قابل الأيّام ما يعين على تحقيق هذا الخبر، وتتبين سبل تمييزه بأن
يتحصّل ما يسعف على كشف مجاهيل الأحداث وفتح مغاليقها؛ إذ "ربّما يحصل الاطلّاع عليه فيما بعد، وإن لم يحصل الاطلّاع عليه
158 اعتمد الباحث في صياغة هذا العنوان على ما ذهب إليه فرانز روزنتال حين وسم مختصر الكافيجي بأنه "أقدم رسالة إسلامية معروفة في نظرية التاريخ"، ينظر:
روزنتال، ص 318. 159 الكافيجي، ص 55. 160 المرجع نفسه، ص 62. 161 المرجع نفسه، ص 66.
162 لقد أسهب الكافيجي في بيان هذه الأوجه الخمسة بيانًا مستفيضًا، وقد عزّزه بالأمثلة واستدلّ عليه بنصوص القرآن الكريم، ينظر: المرجع نفسه، ص 76 وما بعدها.
163 المرجع نفسه، ص 77.
في الحالة الراهنة"174. ولعلّ هذا الوجه الأخير يشارك وجهًا رابعًا بحيث يحصل تعارضٌ بلا ترجيح، فلا يرتجى من وراء إيراده غير
"التقميش" الذي به يُحفظ عموم التراث من الضياع، وتُهيَّأ القرائح "للتفتيش" الذي بواسطته تُنقّى الأخبار المجموعة، ويُميّز سقيمها
من صحيحها. بينما أُلحِق الوجه الثاني حيث العلم واليقين، والثالث الذي يغلب عليه الظن، بالأول في ضرورة الاهتمام بهما، والسعي في طلبهما. أفرد الكافيجي، قبل أن يختم مؤلفه، بابًا لبيان فوائد علم التاريخ، فذكّر بما عُرف عند سابقيه من عبر التاريخ وفِكره؛ عِبر
لأولي الأمر، ملوكًا ووزراء، وللعامّة أيضًا، حتى صيّ التاريخ موسوعةً تتداخل فيها جملةٌ من الفنون والآداب والعجائب والغرائب
والأمثال وغيرها. إذا تمكّن الكافيجي على المستوى النظري التأصيلي، من لمّ شتات أسدية العلم المتفرقة ونجح في ربط أوصالها، وتمكّن كذلك
من تلمّس عضوية العلاقة بين الخبر وناقله وزمن وقوعه، وهي الأضلاع الثلاثة التي إذا أطلق علم التاريخ انصرف إلى أحدها. إلا أنّه
سجّل ضعفًا كبيرًا في الجانب التطبيقي، ولم يحالِفه التوفيق في اختيار النماذج العملية المناسبة، فانساق يورد الغرائب والعجائب، إيرادًا
لا يتناسب وما أشار إليه في الشقّ النظري، حين اشترط ضرورة الاهتمام بما كان في ذرى التحقيق والصدق؛ إذ ما جدوى سوق "عوج
بن عنق" و"العنقاء" مع نبي الله سليمان، وغيرها كثير ممّا لا ينسجم مع أدنى أوجه التحقيق التاريخي التي ذكرها في الوجه الخامس؟
وهل ظنّ الكافيجي أن يحقّق المؤرّخون من بعده خرافاتٍ كهذه إذا توافرت لهم المعطيات التي لم تكن بين يديه؟ لقد أخفق الكافيجي
في تعزيز أصوله النظرية بالنماذج اللائقة لتنزيل تلك الأصول عليها، وإخضاعها لجملة القواعد التي فصّلها، على خلاف ابن خلدون
الذي انسجم في اختياراته مع تعريفه للتاريخ في بعده الباطن الذي يُعنى بالبحث في الأسباب والعِلل.
2. "إعلان" السخاوي: حاجة العلوم إلى التاريخ
غير بعيد عن زمن الكافيجي، وعلى بعد عقدين من الزمن، أسّس السخاوي (ت. 902 ه) معالم مقدّمة متكاملة في علم التاريخ،
أوسع مجالً، وأكثر استيعابًا، حتى أمكن تسميتها ب "جامع المقدّمات" حيث تتبّع كتب التاريخ، والطبقات والفهارس والسيرة والأدب
وما اختصّ بالترويح والتفكّه، فجمع منها ما تضمنته من نصوصٍ ذات صلة بعلم التاريخ، من حيث تعريفه وموضوعه وفوائده، ممّا سبق
ذكر معظمه في مباحث سابقةٍ من هذا البحث. غير أنّ السخاوي وهو يُفرِد نحو ثمانين صفحةٍ للحديث عن فوائد التاريخ، ويستقصي أقوال المؤرّخين وغيرهم، ويُفتّش عن ذلك
في كتب الفنون والآداب وسائر العلوم، إنّما كان منسجمًا مع مقصده من التأليف، حيث حاول أن يبيّ بدايةً أهمية هذا العلم الذي
انبرى البعض من الناس إلى التنقيص من قيمته، والاستهانة بجدواه "بحيث تتطرّق للتنقيص له ولأهله بعض أولي البليات"، فكان
لا بدّ من تعزيز ردّ المطاعن عن هذا العلم، بحشد نصوص تتباين من حيث الطول، استقاها من تآليف تتبّعها منذ عصورٍ متقدّمة من
تاريخ الحضارة الإسلامية، تتبّعًا لا يروم من خلاله بيان فائدة هذا العلم بتكرار النصوص المؤكدة لقصده فقط، بل هو تتبّعٌ يقصد به
إجلاء فضل التاريخ على سائر العلوم؛ فعلم التاريخ لا يكاد يستغني عنه المحدّث، والفقيه والنوازلي والطبيب والأديب والمهتمّ بالسياسة
من الأمراء والوزراء والولاة، كما لا يكاد يُعرض عنه أهل السلوك في التربية والتزكية وعلوّ الهمّة، فضلً عن عوام الناس ممّن يطلبون
فيه الاعتبار، إلى جانب أثره العظيم في صيانة تراث الأمة وذاكرتها الحضارية، صيانةً لا تتحقّق إلّ بتأريخ جهد العلماء والمجتهدين
164 المرجع نفسه، ص 80. 165 في تفصيل ذلك، ينظر: المرجع نفسه، الباب الثالث ص 09 1 وما بعدها. 166 السخاوي، ص 16.
وأهل الفضل ممّن لهم أيادٍ بيضاء على النّاس والأمّة جمعاء. لذلك اشتهى كثيرون تخليد أسمائهم وتأريخ ذكراهم عند المؤرخين، حتى
لو كان ذلك في زمرة المذمومين، وفي هذا السياق قال ابن البنّاء القرشي الحنبلي (توفّ أواخر القرن الخامس الهجري): "ليت الخطيب
البغدادي ذكرني في تاريخه ولو في الكذابين". يقتضي هذه الحاجة إلى التاريخ موضوعُ هذا العلم نفسه الذي يستوعب الإنسان والزمان، وما يتعلّق بهما من مسائل تعرض
لهما في سائر أحوالهما. بل تقتضيها أيضًا طبيعة العلم الذي يتعلق به التاريخ، وهو اقتضاء جعل هذا العلم مدار أقسام الحكم الشرعي
الخمسة، أمرًا ونهيًا وتخييرًا؛ أمرًا لازمًا بتحقيق الرواة وأخبارهم وردع الكذّابين، واستحبابًا ل "إعمال الفكر في تدبّر العواقب"، ونهيًا
عن الزيادة في مقدار الجرح، وكراهة بالعناية "بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى، وترك تسطيرها أحرى وأعلى" وتخييرًا بإباحة
الاشتغال به للسمر والتفكّه. يبدو أنّ السخاوي قد أدرك كُنْه التاريخ الحقيقي، بالمعنى نفسه الذي عناه ابن الأثير في تتبّع الأسباب والبحث عن العِلل، غير أنّ
انشغاله بالانتصار لعلم التاريخ، دفعه إلى حشد النصوص المفنّدة لمزاعم المنتقصين، على نحو شغله عن صقل عديد الدرر التي أوردها في
ثنايا كتابه، حيث ساقها عرضًا، مجملةً من دون أن يفصّلها. فمن سعة أفق السخاوي ووعيه بماهية التاريخ أن يقول: "إنّ من أنصف
يعلم أنّه ليس من العلم [أي من التاريخ] فتح البلد الفلاني في سنة كذا، ولا عدد الجيش كان كذا"، إلا أنّه سكت حيث كان يلزمه الحديث، فلم يعقِّب بما هو جدير ببيان تصوّره لحقيقة هذا العلم، رغم أنّ حديثه السابق عن علاقة العلم بالإنسان والزمن قد يشفع له
في توقّفه هذا، ولا سيّما أنّه قد أحال على ثنائية "القشر واللّب" عند ابن الأثير في مواضع من مؤلّفه. كما أنّ قصد السخاوي إلى "تبرئة"
التاريخ دفعه إلى حديثٍ مطوّل عن شروط المؤرّخ، وما ينبغي له من تحرّي الضبط والإتقان، ومعرفةٍ بطرق النقل، وما يلزمه من توخّي
الموضوعية التي تقتضي مزايلة "المحاباة المفضية للعصبية، المعبّ بعضهم عنه [كذا] بتجنب الغرض والهوى"، مثلما تقتضي مراعاة
الدقة في استعمال الألفاظ المناسبة لسياق المقام، على نحو يُكسِب المؤرّخ لغةً "تاريخيّةً" دقيقةً تقطع مع عبارات المدح أو الانتقاص،
بحيث يتحوّل المؤرّخ إلى ناقل أمين يتجرّد من ذاتيّته، بل يتغاضى عمّا نشأ بينه وبين من يؤرّخ له من اختلاف وخصومة.
خاتمة
تتمثّل السمة المشتركة في كلّ مقدمات التاريخ في الوعي بماهية التاريخ ومنهج المؤرّخ في عرض مادته التاريخية، وضرورة النظر في
منهج بناء أحداثه، وفق ما يظهر للمؤلِّف من مقتضيات الوقت. ويستعين على ذلك بثقافة عصره، بحسب ما يحقّقه هذا العلم من مقاصد
يراها المؤرّخ ملحّةً لخدمة قضايا هذا العلم وأولوياته الوقتية. والاهتمام اللافت بفوائد التاريخ والتوسع في تفاصيلها، لا يروم - كما يغلب الظن - تحقيق مقصد وعظيّ أخلاقيّ بقدر، ما يعكس تعبيرًا
مضمرًا عن طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية التي يحياها الناس في كل عصر، فكان حديث المؤرّخ عن أهميّة التاريخ في حمل الملوك
على الاعتبار من عواقب الظلم التي لحقت بمن كان قبلهم، تعبيرًا عن حالة قائمة من خفوت العدل، لأنّ المؤرخ غالبًا ما يكون "واقعيًّا" في
167 المرجع نفسه، ص 33. 168 المرجع نفسه، ص 19. 169 المرجع نفسه، ص 85. 170 المرجع نفسه. 171 المرجع نفسه، ص 86. 172 المرجع نفسه، ص 119.
حديثه، فلا يورد الفوائد إلّ بعد رصد خصائص مجتمعه وعصره، وهذا ما يفسر انتقال المؤرّخ من عرض الفوائد الدنيوية نحو الإسهاب في
عرض الفوائد الأخروية، حين يلحظ الإعراض عن الاعتبار بما وقع في سالف الدهور، فينتقل من حديث العقل، إلى حديث العاطفة يستحثّ
النفوس، ويروم رقّة القلوب، مستجديًا ما تبقى فيها من بقايا الإيمان لعلّه يفتح الأبصار على ما لحق الناس من صنوف الظلم، وما أصابهم
من أشكال الضيم، وما اعترى أسباب عيشهم من ضيق وحرج. وما كان للمؤرّخ، أيضًا، أن يعرِض لأثر التاريخ في ترشيد سلوك العامّة وسائر
شرائح الناس من العمال والحرفيين وأهل الصنائع، وحثّهم على مزايلة ما يأتونه من شائن السلوك، إلا بعد أن تفحّص فعالهم ونظر في
مجموع تصرفاتهم، وقد بدا منهم من معيب الفعال، وكريه الخصال ما أفسد الذوق العام، ممّا تبدّلت به أحوال الأمة، وتغيّت أصالة معدنها. إنّ تتبّع ما توافر من مقدّمات كتب التاريخ، أتاح إعادة النظر في التسليم بأسبقية بعض المؤرّخين إلى "ابتكار" مفاهيم لم يسبق
إليها غيرهم؛ إذ يلاحظ أنّ عديد المؤرّخين قد تفرّدوا بابتكار أدوات التحليل والتحقيب في أزمنة مبكرة. فثنائية "القشر واللّب" عند
ابن الأثير، تسبق ثنائية "الظاهر والباطن" عند ابن خلدون، وابن العِبري بحديثه عن "الانتقال الحضاري" وخصائصه، وأثر الدافع والفكرة نحو التحضّ، بوصفه معيارًا للتحقيب التاريخي، وأداةً للنظر في السنن والقواعد التي عليها قيام الدول وأفولها، إلى جانب مسألة
"الاعتبار" في النّظر التاريخي بشقيه؛ الاعتبار الوعظي عند الطبري، والاعتبار التجريبي عند مسكويه. إذا كانت مقدمات علم التاريخ ما تزال تحتفظ بأثر علم الرجال، ومعالم منهج المحدّثين، حتى وجدنا عناية السخاوي بضبط
الحدث التاريخي على شروط ناقل الخبر من حيث ضبطه وعدالته وسلامته من الكذب، أكثر من عنايته بالخبر في ذاته، وإن كان قد ألمّ ببعض ما له علاقة بحقيقة الخبر المعتدّ به عند المؤرّخين، فإنّ الباب مفتوح أمام الباحث عن مقدّمات علوم أخرى، ليستزيد من درر
العديد من قضايا التاريخ؛ تعريفًا، ومنهجًا، وفوائد، في غير كتب التاريخ، تتسم بالإبداع والتميّز على نحو يبعدها تمامًا عمّا ألِفه السابقون
وأعادوه، حين نظروا في أحوال الدول وخصائصها، ومن أظهرِ ذلك، ما ساقه ابن حزم في مؤلّفه عن السيرة النبوية وهو يحدِّد خصائص
الدول "السلّاليّة" التي تعاقبت بعد نهاية الخلافة الراشدة؛ حيث يتحدث عن بني أمية باعتبارها "دولة عربية، لم يتخذوا قاعدة"،
بينما كانت دولة بني العباس "أعجميةً سقطت فيها دواوين العرب". فبهذه الكلمات القليلة الدالّة، تمكّن ابن حزم، برؤية المؤرّخ،
من أن يحدّد معالم الروح العامّة في حياة دولتين كبيرتين، وبتحليلٍ وقف فيه عند دقائق الحقائق التاريخية. ويمكن للتأليف التاريخي من خلال المقدمات، أن يوجّه الباحث نحو تلمّس الحياة السياسية، والمعالم الحضارية للأمّة الإسلامية
في مراحل من تاريخها، فتوجّه التأليف التاريخي نحو البلدان والأقطار، إنّما يعلّل في بعض جوانبه بانفصام عرى الخلافة الجامعة، الأمر
الذي دفع المؤرّخين نحو الانكفاء على الذات والتعلّق بالانتماء القُطري الضيّق، فظهرت كتب التاريخ التي اهتمت ببلدان وبقوميات
وبأعراق وبمناطق بعينها، وكأنّ المؤرّخ حينما شعر بانحسار الفكرة الجامعة، تشبث بالجغرافيا فأراد أن يحافظ على رقعته الضيقة ويعزّز
انتماءه إليها، بعد أن كان الانتماء في تصوّر المؤرّخين القدامى واسعًا يضمّ المشترك الإنساني. فبعد أن أرّخوا للإنسان منذ بدء الخليقة،
انحسرت رؤيتهم وضاق أفقهم، وأصبح التعبير عن الانتماء ضيّقًا جدًّا، ومنحصًِا في بقعة جغرافية، أو عِرق فقط، بعد أن كانت "الفكرة
الحضارية" عنوان الانتماء.
173 أبو محمد بن علي بن أحمد بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، جوامع السيرة، تحقيق عبد الكريم سامي الجندي (بيروت: دار الكتب العلمية، 003 2) ص 10. 174 المرجع نفسه.
المراجع
الحياة، [د. ت.]. ابن الأثير، علي بن محمد. الكامل في التاريخ. تحقيق عمر عبد السلام تدمري. بيروت: دار الكتاب العربي، 997 1.
ومصطفى عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية، 992 1.
الشرق، 992 1.
الكتب العلمية، 003 2. ابن خلدون، عبد الرحمن. تاريخ ابن خلدون. تحقيق خليل شحادة. بيروت: دار الفكر، 988 1.
________. المقدمة. تحقيق عبد السلام الشدادي. الدار البيضاء: بيت الفنون والعلوم والآداب، 005 2.
الكتب، 985 1.
الوحدة العربية، 994 1. الحصري، ساطع. دراسات عن مقدمة ابن خلدون. ط 3. القاهرة: مكتبة الخانجي؛ بيروت: دار الكتاب العربي، 967 1. الخضيري، زينب. فلسفة التاريخ عند ابن خلدون. القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 989 1. خليل، محمد رشاد. المنهج الإسلامي لدراسة التاريخ وتفسيره. القاهرة: دار المنار، 984 1. الدوري، عبد العزيز. نشأة علم التاريخ عند العرب. أبوظبي: مركز زايد للتراث والتاريخ، 000 2.
________. سير أعلام النبلاء. تحقيق شعيب الأرناؤوطي [وآخرون]. بيروت: مؤسسة الرسالة، 985 1.
ابن أبي أصيبعة، موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق نزار رضا. بيروت: دار مكتبة
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك. دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا
ابن العبري، غريغوريوس أبو الفرج بن هارون الملطي. تاريخ مختصر الدول. تحقيق أنطون صالحاني اليسوعي. بيروت: دار
ابن حزم الأندلسي، أبو محمد بن علي بن أحمد بن أحمد بن سعيد. جوامع السيرة. تحقيق عبد الكريم سامي الجندي. بيروت: دار
________. تاريخ ابن خلدون. ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس خليل شحادة. مراجعة سهيل زكار. بيروت: دار الفكر، 001 2.
ابن خياط، أبو عمرو خليفة. تاريخ خليفة بن خياط. تحقيق أكرم ضياء العمري. دمشق: دار القلم؛ بيروت: مؤسسة الرسالة، 397 1 ه. ابن فارس، أحمد أبو الحسين. معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام هارون. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 979 1. ابن قتيبة الدينوري، أبو محمد عبد الله بن مسلم. المعارف. تحقيق ثروت عكاشة. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 992 1. البغدادي، محمد بن حبيب بن أمية بن عمرو الهاشمي. المنمق في أخبار قريش. تحقيق خورشيد أحمد فاروق. بيروت: عالم
الجابري، محمد عابد. فكر ابن خلدون: العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلاميٍ. بيروت: مركز دراسات
الذهبي، شمس الدين. تاريخ الإسلام. حققه وضبط نصه وعلق عليه بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 003 2.
الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد. المفردات في غريب القرآن. تحقيق صفوان الداودي. بيروت: دار القلم، 412 1 ه. روزنتال، فرانز. علم التاريخ عند المسلمين. ترجمة صالح أحمد العلي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 983 1. السخاوي، محمد بن عبد الرحمن. الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ. تحقيق فرانز روزنتال. ترجمة التحقيق صالح أحمد العلي. بيروت: مؤسسة الرسالة، 986 1. الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الطبري: تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. بيروت: دار التراث، 967 1. القزويني، أبو القاسم. التدوين في أخبار قزوين. تحقيق عزيز الله العطاردي. بيروت: دار الكتب العلمية، 987 1. الكافيجي، محيي الدين. المختصر في علم التاريخ. تحقيق محمد كمال الدين عز الدين. بيروت: عالم الكتب، 990 1. محل، سالم أحمد. المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب. سلسلة كتاب الأمة 0 6. الدوحة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 997 1. المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي. التنبيه والإشراف. تصحيح عبد الله إسماعيل الصاوي. القاهرة: دار الصاوي، [د. ت.]. ________. مروج الذهب ومعادن الجوهر. مراجعة كمال حسن مرعي. بيروت: المكتبة العصرية، 005 2. مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب. تجارب الأمم وتعاقب الهمم. تحقيق أبو القاسم إمامي. طهران: دار سروش للطباعة والنشر، 000 2. ________. تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. تحقيق ابن الخطيب. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.]. مصطفى، شاكر. التاريخ العربي والمؤرخون. بيروت: دار العلم للملايين، 983 1. المطلبي، محمد بن إسحاق. السير والمغازي. تحقيق سهيل زكار. بيروت: دار الفكر، 978 1. المقدسي، المطهر بن طاهر. البدء والتاريخ. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، [د. ت.]. النجار، عبد المجيد. فقه التحضر. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 006 2. وافي، علي عبد الواحد. عبقرياتابن خلدون. الرياض: مكتبة عكاظ، 984 1. ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله. معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 993 1. اليونيني، قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد. ذيل مرآة الزمان. عناية مراجعة وزارة التحقيقات الحكمية والأمور الثقافية الهندية. القاهرة: دار الكتاب الإسلامي، 992 1.