العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإستوغرافيا وبناء الدولة الوطنية الحديثة في تركيا

الإستوغرافيا وبناء الدولة الوطنية الحديثة في تركيا

Historiography and Constructing the Modern Nation-State in Turkey

سعاد بنعلي*Souad

Benali

الملخّص

وجدت الدولة الحديثة في تركيا، منذ إعلان مصطفى كمال عن قيامها سنة 1923، نفسها أمام إشكالية بناء الوطن الجديد من حيث دعائم هويته الأساسية. وفي سبيل البحث عن الرابط بين البعد القومي والجغرافي، وظف التاريخ لخلق تلك اللحمة الضرورية بينهما. فبات مجالًا للتأويل ومنهلًا لنسج معالم أيديولوجية الدولة الوليدة. أحدث المشروع الكمالي قطيعة مع الماضي العثماني، وضمن هذا الإطار جاءت "أطروحة التاريخ التركي" لتعيد النظر في ماضي الترك بما يخدم أيديولوجية الدولة. ولتحقيق ذلك تم تأسيس "جمعية التاريخ التركي" التي جُنِّد لها جماعة من المؤرخين كانت مهمتهم الأساسية إثبات الصلة بين الأتراك والأناضول، وتأويل التاريخ في انسجام تام مع هدف الدولة لصهر المواطنين ضمن قالب هوياتي واحد. قدمت "أطروحة التاريخ التركي" رؤية شوفينية لتاريخ الترك. فهم صناع الحضارة حيثما حلّوا وارتحلوا، وأسلاف كل الشعوب القديمة، بل هم أقدم ساكنة الأناضول. لقد شكلت هذه الأطروحة إطارًا للتاريخ الرسمي للدولة الكمالية. وتجدر الإشارة إلى أن عملية إعادة كتابة التاريخ التركي تجاوزت التاريخ القديم لتشمل القريب منه، حيث حرص مصطفى كمال، عبر خطاب نُطُق الشهير، على فرض روايته لملابسات حرب التحرير. كما أن المراجعات التي شملت العلاقة بالماضي الإسلامي بعد وفاته سنة 1938 وظفت الإسلام للإعلاء من دور العرق التركي في تاريخ الإسلام.

Abstract

Following Mustafa Kemal's 1923 declaration of its establishment, the modern state of Turkey found itself before the issue of erecting the pillars of its fledgling national identity. In investigating what connects the nationalist dimension to the geographic, history is employed so as to bridge the gap between the two. It thereby became a field of interpretation and a source for the weaving-together of the fledgling state's ideological framework. The Kemali project caused a rift with the Ottoman past and, within this framework, the Turkish History Thesis emerged to reexamine the history of the Turks in a way that served the state narrative of events. To make this possible, the "Turkish History Society" was established, for which a number of historians were recruited with the primary objective of proving the link between the Turks and Anatolia, and interpreting history in total congruence with the state objective of fusing all citizens together within a single mold of identity. The Turkish History Thesis offered a chauvinistic vision of the Turks: they were the builders of civilization everywhere they went, the forefathers of all ancient peoples—and the oldest, in fact, ever to inhabit Anatolia. This thesis created a framework for the official history of the Kemali state. It bears mentioning that the process of rewriting Turkish history extended beyond ancient history and included the recent past, where Mustafa Kemal was careful to impose his narrative of the circumstances of the war of liberation, by way of the famous "Nutuk" speech. What's more, the reviews that included the relationship to the Islamic past, after his death in 1938 , made use of Islam to raise the prestige of the Turkish ethnicity within Islamic history.

الكلمات المفتاحية:
  • مصطفى كمال
  • أطروحة التاريخ التركي
  • نُطُق
  • الترك والإسلام
Keywords:
  • Mustafa Kemal
  • Turkish History Thesis
  • Nutuk
  • Turks and Islam

مقدمة

ما إن تمّ الإعلان عن قيام الجمهورية التركية سنة 1923 تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك (1923 - 1946)، حتى وجدت الدولة الجديدة نفسها أمام تحدي بناء الوطن وتحديد أبعاده بل صناعتها أحيانًا. فبعد أن اتخذ الانتماء إلى الوطن طابعًا رومانسيًا خلال القرن التاسع عشر1، دفعت معطيات الربع الأول من القرن العشرين في اتجاه إعادة تشكيل الهوية بأبعادها الجغرافية والتاريخية واللغوية. وبعد أن تبينت الجغرافيا النهائية لتركيا إثر معاهدة لوزان في تموز/ يوليو 1923، انخرط أتاتورك في سلسلة من الإجراءات التحديثية الثورية التي أحدثت قطيعة مع الماضي العثماني بأطره السياسية ورموزه الثقافية، فتناسلت إشكالات عدة كان الدافع من ورائها خلق لحمة بين الدولة والمجتمع عبر إنتاج ثقافة جديدة من شأنها نسج روابط بين الدولة الجديدة والثقافة الوطنية. لتحقيق ذلك، كان التاريخ مجالً نهلت منه الدولة الحديثة لإيجاد تلك اللحمة الضرورية التي تجعل مجموعة من المواطنين يشعرون بالانتماء إلى الوطن بمفهومه الحديث. وفي الحالة التركية نلمس تأثرًا كبيرًا بالحركات القومية التي عرفتها أوروبا منذ القرن الثامن عشر، وما نتج منها من انتقال من الملكيات المطلقة نحو الجمهوريات الحديثة. وقد واكب ذلك توظيف كبير للتاريخ، سواء في بعده الأكاديمي، أو في بعد الاحتفاء بالذاكرة الجماعية القريبة أو البعيدة. لذلك، فإن أبرز الإشكالات التي طرحت في الطريق نحو بناء الدولة الوطنية المركزية الحديثة في تركيا، هي العلاقة التي ينبغي نسجها مع الماضي وموقع التاريخ من كل ذلك، خاصة في مرحلة من مراحل تطور الحضارة الإنسانية تم فيها تجاوز النظرة إلى الذات الجماعية كمركز للكون ولخريطة العالم2، حيث أصبحت الدولة الحديثة تدرك حدود رقعتها الجغرافية ضمن خريطة تضم دولً أخرى ذات حدود معلومة. بالنسبة إلى مجال هذه الدراسة، كان من الضروري أن ترسي الدولة الكمالية أسسًا واضحة لهويتها التي أصبحت موقع جذب بين الوطنية في بُعد الارتباط بالأرض بحدودها الجديدة، وبين البعد القومي الذي فرض ضرورة وجود رابط بين الأرض والشعب الذي يعيش فوقها، خاصة أمام الإعلاء من الانتماء إلى عرق دون آخر ضمن مجالات تعرف تعددية إثنية. مما طرح عدة إشكالات وجدت في التاريخ مجالً خصبًا للتأويل لأغراض سياسية أو لبناء الشرعية. وبالنتيجة، فإن إعادة كتابة التاريخ الجمعي لبناء الحاضر بالنسبة إلى دول في طور البناء شكلت أحد أعمدة بناء الهوية الجديدة3. ويرى برنارد لويس (1916 - 2018)، أن الدولة الوطنية الحديثة في عدة أصقاع من العالم4 وجدت نفسها أمام "تاريخ متذكر" History Remembered، لا يزال يشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمواطنين، وتاريخ آخر منسي استدعت ضرورة بناء الدولة تذكره،

  1. تأثر العثمانيون في القرن التاسع عشر بالنزعات القومية التي ظهرت في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، حيث أصبح الانتماء القومي القائم على العرق والتراب والتاريخ عناصر جديدة للهوية الجماعية اتخذت لها تعبيرات في الشعر والمسرح. حول تطور الهوية وظهور مفهوم الانتماء إلى الوطن خلال القرن التاسع عشر، ينظر: سعاد بنعلي، "الهوية في عالم متغير: الدولة العثمانية وإيران خلال القرن التاسع عشر"، هسبريس - تمودا، مج 1، العدد 51 (2016)، ص 151 - 172، شوهد في 5 / 7 / 2020، ف:ي PfYj 0 e 3 / ly. bit:// https
  2. نسجت الحضارات القديمة نظرة مبنية على الاعتقاد بأنها مركز للعالم. وقد استمر هذا الاعتقاد لدى البعض إلى حدود بداية العصر الحديث عبر تبني أطر مرجعية، في معظمها دينية، تجعل من شعوبهم محركًا للتاريخ، ينظر: Marshall G. S. Hodgson, "In the Center of the Map: Nations See Themselves as the Hub of History," in: Marshall G. S. Hodgson, Rethinking world History: Essays on Europe, Islam, and World History , Edmond Burke (ed., intro. & Concl.) (Cambridge: Cambridge University Press, 2002), pp. 29 - 34.
  3. حول توظيف التاريخ في بناء حاضر الدولة الوطنية الحديثة، ينظر: Bernard Lewis, History: Remembered, Recovered, Invented (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1975).
  4. ركز "برنارد لويس" في دراسته لعلاقة الدولة الناشئة بالماضي المنسي على نموذجي إيران وإسرائيل، وعلى هامشهما قدم أمثلة متعددة شملت الولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا وروسيا وصربيا وتركيا ومصر، ينظر:.Ibid., pp. 3-41

وهو "التاريخ المستعاد" History Rocovered، الذي بات محط دراسة ونبشٍ في حفرياته ونقيشاته. وتتجلى خطورة هذا النوع من التاريخ في ظهور نوع جديد على هامشه كاستمرارية لعملية الاستعادة. ويتعلق الأمر ب "التاريخ المختلق" History Invented، نتيجة لمختلف التأويلات المرتبطة بالتاريخ المستعاد من أجل خدمة أهداف بناء الوطن الجديد5. فهل نجت الدولة الوطنية الحديثة في تركيا من محاذير تأويل التاريخ المستعاد؟

أولً: أطروحة التاريخ التريك

كان عقد المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجمهوري سنة 1931 بداية لتبلور مشروع أتاتورك الوطني ولصعود الكمالية، وضمنها ما عرف بأطروحة "التاريخ التركي" Tezi Tarih Türk. ومن أجل توضيح الخطوط العريضة لهذه الأطروحة ودراسة عناصرها تم تأسيس "جمعية دراسة التاريخ التركي" cemiyeti tetkik tarih Türk خلال السنة نفسها6، والتي ضمت مؤرخين ومثقفين على رأسهم يوسف أكشورا Akçura Yusuf (1876 - 1935) ورشيد غالب Galip Reşit (1897 - 1934)، وفؤاد كوبرولو Köprülü Fuat (1890 - 1966) إضافة إلى ابنة أتاتورك بالتبني عفت إنان Inan Afet (1908 - 1985)7. انطلق مشروع أطروحة التاريخ التركي من ضرورة إعادة النظر في ماضي الأتراك، خدمة لأهداف المشروع الكمالي الذي سعى لصياغة هوية جديدة، عمل من خلالها أتاتورك على إثبات مشروعية وجودها بصفتها معطى طبيعيًا، خاصة أن الأتراك اضطروا إلى تبرير ثلاثة انتماءات: الانتماء إلى الأناضول من جهة، وإلى آسيا الوسطى الموطن الأصلي من جهة أخرى، إضافة إلى الماضي العثماني القريب الذي شكل امتدادًا لنموذج الإمبراطوريات الإسلامية في العصور الوسطى8. لذلك، فإن أول مهمة كلّف بها أتاتورك جمعية دراسة التاريخ التركي هي التصدي لما سمي ادعاءات الغرب حول انتماء الأتراك إلى العرق الأصفر، وعدم انسجام جذورهم مع وجودهم في الأناضول9. لتحقيق ذلك، وجد أتاتورك أرضية جاهزة انطلق منها، خاصة أن الجمهورية التركية في بداياتها احتضنت مجموعة من الباحثين في الدراسات التركية. كان هؤلاء نتاجًا لموجات الهجرات التي عرفتها الدولة العثمانية عبر دفعات، ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر نتيجة للتوسع الروسي في تركستان. فقد ساهمت السياسة القيصرية الروسية ضد الدولة العثمانية في تقوية الوعي بوجود رابطة تجمع الترك في آسيا10. وضمن هذا الإطار، عرفت إسطنبول تشكل نخبة من هؤلاء اللاجئين تبلورت لديها نزعة قومية تأسست على رفض كل ما له علاقة بالثقافة الإسلامية، سواء كانت عربية أو فارسية أو عثمانية التي اعتبرت "كوسموبوليتية" Cosmopolitain، ومن ثمّ فإنها غير صالحة لأن تكون أساسًا لأي رابطة قومية11.

  1. Ibid., pp. 11 - 12.
  2. غير اسم الجمعية بعد ذلك إلى مؤسسة التاريخ التركي Türk Tarih Kurumu، ينظر: Soner Cagaptay, Islam, Secularism, and Nationalism in Modern Turkey: Who is a Turk? (London and New York: Routledge, 2006), pp. 50 - 51.
  3. Ibid., p. 50.
  4. Lewis, pp. 38 - 39.
  5. Gölen, pp. 136 - 169.
  6. Etienne Copeaux, Espaces et temps de la nation Turques: Analyse d'une historiographie nationaliste (1931 - 1923) (Paris: CNRS, Editions 1997), p. 38.
  7. Ibid., p. 34.

فتحت الصحف والدوريات المنشورة آنذاك المجال لنشر مقالات هؤلاء. وقد سارت الكتابات المنشورة منذ أواخر القرن التاسع عشر في اتجاه النبش في تاريخ الترك القديم ما ساهم في نسج معالم أطروحة تقوم على أن أصل اللغات اللاتينية هو اللغة التركية12، وتفوّق العرق التركي على غيره من الشعوب المجاورة، "ففي الوقت الذي كان فيه الأتراك والمغول سادة الأمم، كان العرب والإيرانيون والصينيون واليونان والرومان محصورين داخل حدودهم وغارقين في الجهل"13. تبنّى أتاتورك أفكار هذه النخبة وأسند إليها، في إطار مؤسسة التاريخ التركي، مهمة إنتاج كتابة تاريخية تتوخى تبرير وجود الترك في الأناضول، والانخراط في عملية تأويل مساراتهم عبر مراحل زمنية بما ينسجم مع الخط الأيديولوجي للمشروع الكمالي. اتضحت معالم أطروحة التاريخ التركي، منذ مؤتمر التاريخ الأول الذي انعقد في أنقرة في الفترة 2 - 11 حزيران/ يونيو 1932 برئاسة يوسف أكشورا المشتهر برؤيته للوحدة الطورانية14. وقد طمح المؤتمر إلى بناء قاعدة صلبة من الأطر التاريخية، عبر قيام أساتذة التاريخ بدور أساسي في ذلك، من خلال نقل العناصر الأساسية للأطروحة إلى الكتب المدرسية التي ألفت بعد ذلك. وتعتبر عفت إنان من أبرز المساهمين في وضع معالم أطروحة التاريخ التركي. ففي ورقة قدمتها خلال المؤتمر، أكدت أهمية التاريخ في التربية على المواطنة، ومن ثم فإن كتابة التاريخ هي مهمة وطنية أيضًا15. ومن أجل شرح العناصر الأساسية للأطروحة، انطلقت من عناصر أساسية16. وهذه العناصر هي: الترك أسلاف لكل الشعوب القديمة، بما فيها الشعوب الهندية - الأوروبية. العرق التركي هو صانع الحضارات في كل الأراضي التي حطوا فيها الرحال. الترك هم ورثة أمجاد السومريين والمصريين واليونان، ومؤسسو الحضارات الأوائل في الأناضول من خلال وجود "الحثيين" الذين اعتبرتهم إنان حضارة تركية. الترك هم سكان الأناضول الأقدمون، ومن ثمّ فالأناضول أرض تركية. والجدير بالذكر أن عفت إنان خلال تلك المرحلة سجلت أطروحة للدكتوراه في الأنثروبولوجيا تحت إشراف أوجين بيتارد17حول العرق التركي، عملت من خلالها على الإجابة عن مجموعة من التساؤلات صبت في اتجاه إثبات انتماء الترك إلى الأعراق الهندية - الأوروبية، ووجودهم القديم في الأناضول، ودورهم في نقل الحضارة إلى شعوب العالم18. وهي الخطوط الأساسية نفسها التي قامت عليها أطروحة التاريخ التركي التي شكلت الإطار الأساس للمؤتمر وللكتب المدرسية التي صدرت منذ ذلك الوقت.

  1. Cagaptay, p. 50.
  2. Copeaux, p. 42. pp. 175 - 180.
  3. يوسف أكشورا (1878 - 1935). من تتار روسيا المهاجرين نحو تركيا حيث انضم إلى القوميين بالأناضول، وأصبح عضوًا في حزب الشعب الجمهوري، بعد تأسيس الجمهورية التركية، كما تولى رئاسة مؤسسة التاريخ التركي، ينظر: Copeaux, pp. 44 - 45 ; Bușra Ersanli, Iktidar ve Tarih: Türkiye'de 'Resmi Tarih 'Tezinin olușumu (1929 - 1937) (Istanbul: Iletișim yayıncılık, 2003),
  4. Ersanli, p. 147.
  5. Cagaptay, p. 51. 102 (1962), pp. 22 - 25 , accessed on 1 / 7 / 2020 , at: https://bit.ly/ 38 gunuE
  6. أوجين بتارد (1867 - 1962)، أنثروبولوجي سويسري يهتم بأنثروبولوجيا ما قبل التاريخ، ينظر: Marguerite Lobsiger-Dellenbach & Georges Lobsiger-Dellenbach, "Eugène Pittard 1867 - 1962 ," Le globe: Revue genevoise de géographie , vol.
  7. Ersanli, p. 152.

أما رشيد غالب، فقد خصص ورقته لإلقاء نظرة عامة على العرق وتاريخ حضارة الترك، من أجل إثبات انعدام وجود علاقة بين الترك والمغول، وانتماء هؤلاء إلى العرق الأصفر في الوقت الذي ينتمي فيه الترك إلى العرق الأبيض، متأثرًا في ذلك ببعض الدراسات الأنثروبولوجية حول تركيا19. تعرض التصور الإستوغرافي الجديد كما طرح في المؤتمر لانتقادات بعض المشاركين فيه، خاصة فيما يتعلق باستناده المفرط إلى أطروحات غربية، ودعت إلى عدم التسرع في التأويل والانزلاق وراء تبني افتراضات باعتبارها أجوبة نهائية. وهو ما فجّر سجالً محتدمًا في اليوم الثاني للمؤتمر على هامش عرض رشيد غالب لورقته التي نقدها زكي وليدي توغان Togan Validi Zeki20، حيث دعا إلى التروي والحذر؛ الشيء الذي لم يتقبله الساهرون على تنظيم المؤتمر الذين أرادوه أن يكون منصة لوجهة نظر وحيدة أكثر من مناسبة فتح باب النقاش العلمي الرصين، ولا سيما أن جمهوره كان يتشكل في معظمه من أساتذة التاريخ للمرحلة الإعدادية والثانوية إضافة إلى بعض الجامعيين. وهو ما يعطي الانطباع بأن وظيفة المؤتمر كانت تقنية محضة، وتدخل في إطار شرح وتقديم الأطر المرجعية لمقررات دراسية أعدت سلفًا21. كان فؤاد كوبرولى22 بدوره من أشد المنتقدين لأطروحة التاريخ التركي خلال المؤتمر، حيث دعا إلى تحري الدقة في استعمال الوثائق التي ظهرت إلى حدود تلك الفترة23، مشككًا في المصادر التي اعتمدتها عفت إنان في ورقتها. وأنها لو كانت موجودة فإنها للفحص والدراسة، وليست لاستخلاص نتائج متسرعة. وفي هذا الصدد، دعا إلى الانفتاح على الوثائق الصينية ودراستها؛ إذ لا يمكن بناء أطروحة للتاريخ في غيابها. لذلك فإن أول خطوة ينبغي للدولة التركية أن تقوم بها، بعد تحقيق الاستقلال المادي، هي الانتقال نحو الاستقلال المعنوي الذي لن يتم، إلا عبر جمع كل الوثائق التي تخص تركيا في الخارج واسترجاعها24. تحدث كوبرولى من منطلق المؤرخ العالم العارف بالتاريخ ومناهجه، ومن باب حرصه على عدم تسييس الأطروحة. وهو ما اتفق معه فيه زكي وليدي توغان الذي اعتبر التاريخ علمًا لا ينبغي للمؤرخ أن يخضع فيه للضغوطات السياسية25. وبالنسبة إلى دولة في طور التأسيس، وتنطلق من منطلقات قومية، فإن خلق "ماضٍ رسمي" يصبح أولوية من أولوياتها. لذلك، فإن السياسي المؤرخ ليس ظاهرة خاصة بتركيا، خاصة خلال المرحلة التي تحول فيها رجال السياسة إلى مؤرخين، وأصبح التأريخ مهمة سياسية26.

ثانيًا: "نطق" شهادة سيايس للتاريخ

لم تكن أطروحة التاريخ التركي وحدها الوسيلة لبناء خطاب تاريخي يروم استيعاب وتحقيق الأهداف الأيديولوجية للدولة الكمالية. كما لم يكن المؤرخون وحدهم الأداة الوظيفية التي خضعت للتوجيه السياسي خدمة لها. فرئيس الدولة نفسه عمل قبل ذلك على

  1. Cagaptay, p. 51.
  2. زكي وليدي توغان من أتراك روسيا الذين غادروها بعد الثورة البولشفية نحو تركمانستان وإيران والهند ثم باريس، ليحط الرحال في تركيا سنة 1924، وهناك درس في جامعة إسطنبول، ومارس مهمته بصفته مؤرخًا، من أهم أعماله كتابه التاريخ العام لتركيا الصادر سنة 1928:. ينظر.Copeaux, p. 47
  3. Ibid., pp. 67 - 68.
  4. فؤاد كوبرولى من المعارضين لأطروحة التاريخ التركي وفرضياتها التاريخية القومية المتطرفة، ينظر:.Ersanli, pp. 153-159
  5. Ibid., p. 155.
  6. Ibid., pp. 156 - 157.
  7. Ibid., p. 175.
  8. Ibid., pp. 108 - 109.

تقديم روايته للتاريخ الراهن للحركة الوطنية التركية وبدايات العهد الجمهوري. فأتاتورك يرى أن كتابة التاريخ تكتسي أهمية صناعته نفسها، خاصة أنه أحد أبطاله الأساسيين المساهمين في هذه الصناعة. لذلك يعتبر الخطاب الذي ألقاه أتاتورك سنة 1927، في الفترة 15 - 20  تشرين الأول/ أكتوبر، داخل المجلس الوطني الكبير، والشهير ب "نطق" Nutuk، محاولة منه لتقديم شهادته للتاريخ باعتبارها الحقيقة الوحيدة التي لا تناقش، والمرجع الأساس لتاريخ تركيا فيما يتعلق بحرب التحرير وميلاد الجمهورية27. اعتكف أتاتورك على كتابة الخطاب بأنقرة وأتمه في إسطنبول بقصر "دولمه بخجه" Dolmabahçe، وخصصه لتاريخ تركيا الجديد منذ حرب التحرير (الاستقلال) في أواخر أيار/ مايو 1919 إلى حدود تاريخ إلقائه سنة 192728. وقبل تناول العناصر الأساسية لهذا الخطاب، لا بد من وضعه ضمن السياق التاريخي الذي دفعه إلى القيام بخطوة من هذا النوع، والتي تشبه إلى حدٍ ما ما يقوم به السياسيون عادة عبر كتابة مذكرات. غير أن الأمر هنا يختلف بعض الشيء؛ فخطاب "نطق" كان أشبه بمرافعة من دون مدعٍ عام، نصّب فيها نفسه شاهدًا وحيدًا، ليتحول السياسي إلى مؤرخ فرض روايته للأحداث وجعل منها رواية رسمية عمل على تصريفها عبر مؤسسات الدولة بدءًا من "مؤسسة التاريخ التركي" Kurumu Tarih Türk، وانتهاء بالمقررات الدراسية التي وضعت منذ الثلاثينيات. إن فهم الدواعي التي كانت وراء خطاب بهذا الشكل يفرض ضرورة العودة إلى الأحداث والملابسات التي أحاطب به، خاصة أنه جاء في مرحلة علا فيها صوت معارضة المشروع التحديثي الكمالي، منذ الإعلان عن تفاصيله وتوجهاته الكبرى. كما تحول رفاق أتاتورك القادة في حرب الاستقلال إلى معارضته، فمن داخل البرلمان وحّدت المعارضة السياسية، ذات التوجه الليبرالي المناهض لمركزية السلطة، صفوفها في إطار الحزب التقدمي الجمهوري سنة 1924، كما عرفت المناطق الكردية ثورة الشيخ سعيد سنة 1925. يضاف إلى ذلك محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها أتاتورك صيف 192629. دفعت الأحداث السابقة أتاتورك إلى الشروع في كتابة خطابه بعدها بأشهر قليلة. وقد خصصه في معظمه لانتقاد المعارضة وزعمائها. وفي هذا الإطار، حظي حسين رؤوف أورباي (1881 - 1964) زعيم الحزب التقدمي الجمهوري بالحظ الأوفر من هذا النقد، حيث اتهم بمحاولة الانقلاب على النظام. لذلك من الطبيعي أن ينهي خطابه عند بداية 1925 تاريخ سحق المعارضة. أما الأحداث التي تلت ذلك، فقد لخصها في فقرة واحدة ركزت على القضاء على المتمردين وفضل قانون الحفاظ على النظام في إنقاذ الجمهورية من أعدائها30. من الواضح أن أتاتورك، من خلال هذا الخطاب، أراد أن يضفي طابع المشروعية على مختلف الإجراءات التي من شأنها أن تصنف في خانة التعسف والاستئثار بالسلطة وإسكات صوت المعارضة. كما أراد أن يخلف وثيقة للتاريخ تثبت مشروعيته ومشروعية حزب الشعب الجمهوري في قيادة المرحلة على أنها استمرارية لحرب التحرير؛ وهو ما مهد لمرحلة أعلن فيها عن الحزب الوحيد بصفته نظامًا للدولة. ويلخص إريك زوركر انتقاداته للرواية التاريخية التي تضمنها الخطاب فيما يلي31:

  1. Gölen, p. 176.
  2. Erik J. Zürker, The Young Turk Legacy and Nation Building: From the Ottoman Empire to Atatürk's Turkey (London & New York: I.B. Tauris, 2010), pp. 6 - 7.
  3. حول الاتجاه نحو مركزة السلطة وسياسة الحزب الوحيد، ينظر: Mete Tunçay, Türkiye Cumhuriyeti'nde tek parti yonetimin kurulması (1923 - 1931) (Ankara: Tarih vakfi yurt yayınları, 1981).
  4. Zürker, p. 13.
  5. Ibid., pp. 14 - 15.

غموض الصلة بين نهاية الحرب العالمية الأولى والحركة الوطنية. تحديد الهدف من الحركة الوطنية في بناء الدولة الوطنية التركية، في الوقت الذي كان شعارها يتلخص في تحرير ما تبقى من الدولة العثمانية وحماية الخليفة الذي استمر الاحتفال بعيد ميلاده بأنقرة إلى حدود سنة 1922. تماهي الحركة الوطنية مع حزب الشعب الجمهوري وكأنه ممثلها الوحيد. ومن أجل تمحيص المعطيات الواردة في الخطاب، لا بد من مقارنتها بمختلف الوثائق المتعلقة بحرب التحرير وميلاد الجمهورية التركية. لذلك ينبه زوركر إلى ندرة المعلومات المتوافرة حول تلك المرحلة داخل أرشيف رئاسة الوزراء وعدم سهولة الوصول إلى المجموعات الخاصة ك "أرشيف أتاتورك" الذي لا يسمح بالاطلاع عليه لعموم الباحثين32. أما الصحافة، فلا يمكن الاعتماد عليها بعد القمع الشديد الذي تعرضت له المعارضة. لذلك، فإن الحل الوحيد هو الاستئناس بالمذكرات التي نشرها رفاق أتاتورك المعارضون في ظل الانفراج السياسي الذي عرفته تركيا خلال مرحلة التعددية الحزبية، ومقارنتها برواية الأحداث كما وردت في "نطق"33. انطلاقًا مما سبق، نفهم جيدًا مكانة التاريخ في صناعة حاضر الدولة الوطنية في تركيا من جهة، وفي الأيديولوجية الكمالية من جهة أخرى. فقبل تقديم أطروحة التاريخ التركي، كان لا بد من تصفية الحساب مع تاريخ تفرض راهنيته تجاوز ثغرات من شأنها عرقلة مسار بناء الهوية الوطنية الحديثة. ومن أجل ذلك، سارع أتاتورك إلى تقديم رواية رسمية للأحداث التي عايشها وساهم في صناعتها. في نفس الوقت دفع في اتجاه اعتبار الدراسات التاريخية من أهم وسائل إدراك الشعب التركي لهويته وقوميته34، ووسيلة تحقيق ذلك هي العودة إلى الجذور، أي إلى آسيا الوسطى من حيث جاء الأتراك. فماذا عن التاريخ العثماني، ذلك الماضي القريب الذي اعتبر صفحة لزم طيّها من غير رجعة؟

ثالثًا: الترك والإسلام: خطوات نحو المراجعة

همّش مؤتمر التاريخ الأول التاريخ العثماني وتاريخ الترك في علاقتهم بالإسلام. ومما فرض ذلك السياق العام الذي جعل من التغريب شرطًا من شروط التحديث، ومن ثمّ، فإن أطروحة التاريخ التركي تتعدى مجرد إثبات للذات في بعد هوياتي وطني محض، حيث كانت أداة من أدوات تحدي الغرب وأطروحاته؛ الشيء الذي استدعى تبني مشروع استهدف تحسين الصورة عبر تقديم كل الأدلة والبراهين التي من شأنها إبراز الترك بصفتهم حاملي مشعل الحضارة، وعنصرًا فاعلً فيه وليس مجرد متفاعل مستجد لا أصالة له. بعد وفاة أتاتورك سنة 1938، والانفراج السياسي الذي تلا ذلك منذ منتصف الأربعينيات، خاصة مع الانتقال من نظام الحزب الوحيد إلى التعددية الحزبية، حدث تراكم نتج منه السماح ببعض الحريات الدينية التي منعت سابقًا. وقد أفرز ذلك تيارًا فكريًا دعا إلى ضرورة خلق نوع من المصالحة مع الماضي الإسلامي للأتراك. إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفهم على أنه مؤشر على التراجع عن الأيديولوجية الكمالية في خطوطها الأساسية وعلى رأسها العلمانية، بل يتعلق الأمر بتيار نتج من مراجعات فكرية دعت إلى فتح نقاش هادئ حول ضرورة إعادة النظر في التغريب المتطرف، وفي العلاقة مع مكون أساسي من هوية الترك، خاصة أن هؤلاء كانوا قادة لأجزاء واسعة من العالم الإسلامي من خلال الدولتين السلجوقية والعثمانية35.

  1. Ibid., p. 10.
  2. ناقش زوركر روايات أتاتورك من خلال بعض المذكرات، ينظر في هذا الصدد:.Ibid., pp. 17-25
  3. Gölen, pp. 178 - 179.
  4. إيريك زوركر، تاريخ تركيا الحديث، ترجمة عبد اللطيف الحارس، مراجعة سعد ضاروب (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2013)، ص 411 - 412.

برز، ضمن ذلك السياق، جيل جديد من المؤرخين الشباب حمل المشعل بعد جيل الثلاثينيات من الرواد، تبنى أطروحة جديدة قامت على خلق تركيب بين المكون التركي والإسلامي للهوية الوطنية. ويعتبر إبراهيم قفص أوغلو36Kafesoğlu Ibrahim (1914 - 1984)، تلميذ فؤاد كوبرولى وزكي وليدي توغان، من أبرز المدافعين عن هذه الأطروحة. لم تحِد دراساته التاريخية عن أطروحة التاريخ التركي الكمالية، غير أنه قدمها في قالب أكثر موضوعية وتشذيبًا؛ ما ساهم في تقريبها من العامة37. يعكس المقرر الدراسي، الذي سهر قفص أوغلو على إصداره سنة 1976، إرادة تقديم هذه الرؤيا عبر قناة التعليم الثانوي. وهو المصدر الذي أصبح مرجعًا للمقررات التي اعتمدت بعده38. وضمنه أكد على التفاعل الذي جرى بين الإسلام، باعتباره مكونًا من مكونات الثقافة الوطنية التركية، والعنصر التركي. وهي علاقة أحدثت فارقًا بحكم أن الأتراك أضافوا إلى الثقافة الإسلامية الكثير. وفي هذا الإطار ميز إبراهيم قفص أوغلو بين الدولة الإسلامية والدولة الإسلامية التركية؛ بحكم أن هذه الأخيرة أحدثت قطيعة مع الأولى التي كان العنصر العربي فاعلً أساسيًا فيها. فالترك، على خلاف العرب، حققوا تراكمًا امتدَّ عبر الزمن فيما يخص تنظيم الدولة والمجتمع؛ ما جعل الدولة التركية الإسلامية تتميز بطابعها الخاص في تسيير شؤونها وتنظيمها، إضافة إلى طابعها العسكري وتطور منظومة للحقوق الاجتماعية فيها39. لقد تجاوز الأمر ذلك نحو الحديث عن بذور العلمانية في الدولة التركية الإسلامية. فبحسب إبراهيم قفص أوغلو، فإن الدولة السلجوقية40 عرفت فصلً بين السلطة الدينية والزمنية على خلاف الدولة العباسية. إضافة إلى التسامح الديني والتعددية التي عرفتها المجتمعات التابعة لها41. وهكذا، فإن الإصلاحات الكمالية تعود بتركيا إلى خراسان حيث اكتشفت ألواح أورخون42، وإلى مختلف المراحل التي شكل فيها الترك دولتهم. وفي ضوء ذلك، فإن أوروبا ليست المرجع الوحيد للقيم الحضارية الكبرى43. شملت المراجعات التي عرفتها أطروحة التاريخ التركي منذ الأربعينيات الدولة العثمانية، التي كانت محط علاقة متوترة وبالغة الحساسية ضمن الأيديولوجية الكمالية. فهي الماضي المراد الانسلاخ عنه للحاق بركب الحضارة. وضمن هذه المراجعات صدرت دراسات تناولت هذا التاريخ بأكثر موضوعية. ويعتبر عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876 - 1909) المرحلة الأكثر تجسيدًا لذلك، فلطالما اعتبرت من صفحات تاريخ تركيا "السوداء". لذلك تمت إعادة تقييم عهده، بما له وما عليه، ضمن نظرة متوازنة اعتبرت عهده امتدادًا للتنظيمات التي تبلورت أكثر خلال مرحلة حكمه. بل إن المرحلة الكمالية انبنت على إرث التنظيمات عامة، وجهود السلطان عبد الحميد بخاصة44.

  1. حول دور إبراهيم قفص أوغلو في الإستوغرافيا التركية، ينظر:.Copeaux, pp. 251-253
  2. Ibid., p. 88.
  3. Ibid., p. 183.
  4. Ibid., p. 185.
  5. يعتبر إبراهيم قفص أوغلو من المتخصصين في الدولة السلجوقية، ومن أهم دراساته في الموضوع: Ibrahim Kafesoğlu, Selçuklular ve selçuklu Tarihi: üzerine Araștırmalar (İstanbul: ötüken Neșriyat, 2014), p. 376.
  6. Copeaux, pp. 187 - 188.
  7. ألواح أورخون اكتشفت بعد الحفريات التي أجراها علماء الآثار الروس. وتعتبر أول وثيقة مكتوبة للترك. كتبت على مجموعة من الصخور تم العثور عليها جنوب بحيرة بايقال قرب نهر أورخون حيث توجد منغوليا الحالية. حول أهمية اكتشاف ألواح أورخون في التاريخ التركي، ينظر: pp. 20-21.Copeaux,
  8. Ibid., p. 185.
  9. Kemal Karpat, The politization of Islam: Reconstructing Identity, state, faith, and community in the Late Ottoman State (Oxford: Oxford University Press, 2001); Nadir Özbek, "Modernite, Tarih ve Ideologi: II. Abdülhamid Dönemi Tarihçiliği üzerine Bir Değerlendirme," Türkiye Araștırmalar Literatür Degisi , vol. 2 , no. 1 (2004), pp. 71 - 90.

إن التصالح مع الماضي الإسلامي تجاوز العمل الأكاديمي، الذي أطرته مؤسسات وضعت تحت الإشراف المباشر للدولة، نحو الاحتفاء بالذاكرة الجماعية بما يخدم رؤية الدولة لتحديث المجتمع. فمن أجل بناء ذاكرة جماعية تساهم في تزكية الانتماء في بعده القومي والحداثي، تم انتقاء أحداث من الماضي لتخليد ذكراها سنويًا. وضمن هذا السياق، نستحضر الاحتفاء بالذكرى الخمسمئة لفتح القسطنطينية منذ سنة 1453، والذكرى التسعمئة لمعركة ملاذكرد منذ سنة 1071، وقد اعتبرت هذه الأخيرة نقطة تحول في تاريخ الترك والأناضول معًا، وشهادة ميلاد للأناضول التركية45. وإذا كانت المراجعات التي عرفتها أطروحة التاريخ التركي، ابتداء من منتصف القرن العشرين، تصب في اتجاه إعادة النظر في العلاقة مع مكون أساسي في هوية تركيا المعاصرة، فإنها وظفته هو الآخر في سياق إثبات التمايز عن الغرب الأوروبي والرد على أطروحاته عبر تقديم الأدلة على تركية الأناضول. ليصبح مكون الإسلام مؤشرًا آخر على دور العنصر التركي الريادي في العالم الإسلامي والغرب. وهذا الأخير الذي كانت أجزاء كبيرة منه ضمن الممتلكات الترابية للدولة العثمانية. إن وجود تركيا في قلب مشاريع التحديث، منذ تأسيس الجمهورية، جعلها تدخل في عملية تصفية حساب مع الماضي وإعادة بناء مراحله وأحداثه على نحوٍ يصب في اتجاه انتقاء كل ما من شأنه أن يقدم مشاريعها التحديثية بصفتها مشاريع أصيلة. فهي ليست مجرد تقليد للغرب، ما دام ماضي الأتراك يحمل في طياته بذور الحضارة46 التي تعرضت للطمس في إحدى دوراتها. لذلك، فإن مشروع جمعية البحث في التاريخ التركي كان محاولة لاستعادة ماضٍ منسي لسبب أو لعدة أسباب، ثم الدخول في عملية إعادة لكتابة التاريخ كان الانتقاء والتأويل أداتيها الرئيستين. ويدخل ذلك ضمن مساعي تحقيق أهداف المشروع الكمالي الذي جعل من الإستوغرافيا أداة من الأدوات التي وظفت في تحديث الدولة والمجتمع.

  1. Lewis, p.  3.
  2. انتقد برنارد لويس محاولات الدول الوطنية الناشئة توظيف التاريخ في اتجاه البحث عن وجود عناصر في التاريخ القديم، من شأنها تقديم تلك الدول ذات سبق في مجالات الحرية وحقوق الإنسان والتعددية وغيرها من المفاهيم المرافقة للمجتمعات الحديثة. فهو يرى أنه من المبالغ فيه نعت قبائل بدوية عاشت على الترحال في وسط آسيا بالديمقراطية، ينظر:.Lewis, pp. 67-68

المراجع

العربية

بنعلي، سعاد. "الهوية في عالم متغير: الدولة العثمانية وإيران خلال القرن التاسع عشر". مجلة هسبريس - تمودا. مج 1، العدد 51 (2016:). في PfYj 0 e 3 / ly. bit:// https زوركر، إيريك. تاريخ تركيا الحديث. ترجمة عبد اللطيف الحارس. دار المدار الإسلامي، 2013.

الأجنبية

• Burke, Edmond (ed., intro. & Concl.). Rethinking world History: Essays on Europe, Islam, and World History.

• Cagaptay, Soner. Islam, Secularism, and Nationalism in Modern Turkey: Who is a Turk? London & New York:

• Ersanli, Bușra. Iktidar ve Tarih: Türkiye'de “Resmi Tarih” Tezinin olușumu (1929-1937). Istanbul: Iletișim

• Copeaux, Etienne. Espaces et temps de la nation Turques (1831-1923). Analyse, d'une historiographie nationaliste.

• Gölen, Zafer. "Atatürk'üm Tarih Anlayıșı." Atatürk Araştırma Merkezi Dergisi. 18  /  52 (2002). at: https://rb.gy/

• Kafesoğlu, Ibrahim.Selçuklular ve selçuklu Tarihi: üzerine Araștırmalar. İstanbul: ötüken Neșriyat, 2014.

• Karpat, Kemal. The politization of Islam: Reconstructing Identity, State, Faith, and Community in the Late

• Lewis, Bernard. History: Remembered, Recovered, Invented. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1975.

• Lobsiger - Dellenbach, Marguerite & Lobsiger - Dellenbach, Georges. "Eugène Pittard 1867-1962." Le Globe:

• Özbek, Nadir. "Modernite, Tarih ve Ideologi: II. Abdülhamid Dönemi Tarihçiliği üzerine: Bir Değerlendirme."

• Tunçay, Mete. Türkiye Cumhuriyeti'nde tek parti yonetimin kurulması (1923-1931). Ankara: Tarih vakfi yurt

• Zürker , Erik J. The Young Turk legacy and Nation Building from the Ottoman Empire to Atatürk's Turkey. London

III. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.

Rotledge, 2006.

yayıncılık, 2003.

Paris: CNRS Editions, 1997.

wid 5 r 9

Ottoman State. Oxford: Oxford University Press, 2001.

Revue genevoise de géographie. vol. 102 (1962). at: https://bit.ly/ 38 gunuE

Türkiye Araștırmalar Literatür Degisi. vol. 2 , no. 1 (2004).

yayınları, 1981.

& New York: I.B. Tauris, 2010.