صناعة المعرفة التاريخية العربية: سياقات بناء الدلالة وأشكال تأويل الـمُتَمَثَّل
Arab Historical Knowledge Production: Contexts of Constructing Meaning and Forms of Interpreting the Representative
الملخّص
عنوان الكتاب: التأريخ العربي وتاريخ العرب كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة. المؤلف: مجموعة مؤلفين. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. سنة النشر: 2017. عدد الصفحات: 1056 صفحة.
Abstract
The studies contained in this book have provided us with a valuable opportunity to look more closely at the level of knowledge accumulation in this discipline.
- التأريخ العربي
- تاريخ العرب
- التواريخ الوطنية
- الذاكرة والتاريخ
- Arab Historiography
- Arab History
- Nation-state histories
- Memory and History
| لطفي عيسى| *Lotfi Aïssa | |||
| لطفي عيسى | Lotfi Aïssa | صناعة المعرفة التاريخية العربية: سياقات بناء الدلالة وأشكال تأويل المُتمَث ل َّ Arab Historical Knowledge Production: Contexts of Constructing Meaning and Forms of Interpreting the Representative لطفي عيسى | Lotfi Aïssa المؤلف: مجموعة مؤلفين. عنوان الكتاب: التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كتب وكيف يكتب؟ الإجابات الممكنة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. سنة النشر: 2017. عدد الصفحات: 1056 صفحة. | ||
مقدمة
استُهل هذا الكتاب بعرض تقديمي من 20 صفحة خُصص للورقة الخلفية لفعاليات المؤتمر السنوي الثالث للدراسات التاريخية الذي عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت خلال الفترة 22 - 24 نيسان/ أبريل 2016. ثم تبعه تمهيد وضعه رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر ومنسقه، وجيه كوثراني، بعنوان "التأريخ العربي: بين التاريخ الشامل والتاريخ الجزئي"، وافتتاحية بقلم المؤرخ اللبناني خالد زيادة، عرض فيها على نحو تركيبي مختصرًا لجملة من الملاحظات بخصوص "استخدام الوثائق في كتابة التاريخ العربي". مثّلت مختلف محاور هذا المؤتمر إطارًا سانحًا لتبويب شواغل في 32 مساهمة منهجية وتاريخية نُوقشت محتوياتها ضمن أشغال المؤتمر، قبل أن تصاغ نهائيًّا لتتخذ موقعها ضمن مكوّنات هذا الأثر الجامع. وقد آثر منسق المؤتمر ومُعِدّ أعماله للنشر تقسيم مختلف المساهمات التي شغلت مجلدًا واحدًا احتوى على 1056 صفحة (شغل فهرسه العام 39 صفحة)، إلى ثلاثة أقسام، ورَد أولها بعنوان "كتابة التاريخ العربي حقلً وتحقيبًا ومنظورًا"، جامعًا 10 مساهمات امتدت عروضها المعرفية إلى 315 صفحة. في حين عُنون ثانيها ب "مسائل واتجاهات في التواريخ الوطنية"، وقد تضمّن 8 مساهمات امتدت على مدار 270 صفحة، أمّا ثالثها الذي تضمن 384 صفحة فهو بعنوان "التاريخ المقارن ومسائل من حقل الذاكرة والتاريخ"، وتوزّعت مساهماته على شاغلين اثنين؛ اتصل أولهما بالتاريخ المقارن جامعًا 5 مساهمات، بينما خُصّص الثاني لعلاقة الذاكرة بالتاريخ أو لما قد يستقيم تسميته أيضًا ب "أشكال تأويل المُتمثَّل تاريخيًا"، وهو يشتمل على 9 مساهمات.
استهلالات
ناقشت الورقة الخلفية للمؤتمر مجمل الهواجس التي قادت المنظّمين، أو المشرفين على انعقاده، وقد تعلّق جميعها بمسار بناء المعرفة وإنتاج الدلالة التاريخية طوال الفترة المعاصرة عربيًا. واتصل ذلك تحديدًا بأهمية التراكم مشرقًا ومغربًا، وحقيقة حضور عوائق معرفيّة في البحث التاريخي شملت قراءة السياقات الزمنية، أو بناء الحقب التاريخية وتحديد المجالات، أو الأطر المكانية والموضوعات والمصادر والمنهجيات ومناويل و/ أو نماذج البحث المتّبعة، وجميعها "مطبّات" يحسن التفكير مليًّا في أيسر السبل الكفيلة بتجاوزها. ليس من المنطقي في شيء الإصرار على مواصلة محاكاة التقسيم الكلاسيكي الأوروبي بعد تزايد الدعوات إلى إعادة النظر في توجهاته الإثنو-مركزية المعلنة كونيًا. كما أنه ليس من المنتج للدلالة تواصل اللبس المقصود في صياغة التاريخ العربي بالتعويل على مفاهيم الأمة العربية و/ أو الإسلامية، تساوقًا مع ما أنجزته مدرسة الاستشراق في ما ركّبته مؤلفات كارل بروكلمان وألبرت حوراني وغيرهما، تحاشيًا للوقوع في الإسقاط أو "الأناكرونية" حالَ تركيب التواريخ العربية/ الإسلامية الشاملة أو المونوغرافيات الإقليمية الكبرى (الشام والجزيرة والمغرب)، وكذا الأمر بخصوص صعوبة إدراج تاريخ العرب ضمن التواريخ العالمية المقارنة كما جسّمتها كتابات أرنولد توينبي وهنري بيرين وفرناند بروديل وأندري ميكال، وغيرهم، وصاغته أيام ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في الفترة الفاصلة بين القرنين التاسع والرابع عشر الميلاديين، كتاباتُ أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت. 282 ه/ 897 م)، ومحمد بن جرير الطبري (ت. 310 ه/ 923 م)، وعلي بن الحسين المسعودي (ت. 346 ه/ 957 م)، ومحمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت. 548 ه/ 1153 م)، وأحمد بن محمد مسكويه.(ت 421 ه/ 1030 م). على أن المساهمات التي اختصت بالتواريخ القُطرية أو الوطنية قد تأثّرت هي الأخرى بالمسارات المتعثّة للدول الناتجة من تصفية الاستعمار، حيث وُضِعت أساسًا بغرض التنشئة المدنية وصياغة مشاريع الدول الوطنية على نحوٍ شابَهُ التلفيق وانتابَهُ اللبس والترميق،
بحيث لم يُوفّق عامةً في تقديم إجابات دقيقة حول المواضيع المتعلّقة بالحدود وتعدّد الانتماءات والعلاقة بتواريخ ما قبل الإسلام، وبجميع الأساطير المكوّنة للوعي الوطني أيضًا. وهذه حقيقة طفَت على السطح حال تسليط الأجيال الجديدة من المؤرخين العرب الأضواء على موضوعات غير مبذولة، صُنّفت حتى وقتٍ قريب في خانة المسكوت عنه، وهي تحيل على أيام الأفراد وأعمالهم، وكذلك على خصوصياتهم الدينية والإثنيّة والثقافية. واصل كوثراني، ضمن مساهماته التمهيدية، تفكيك مأزق الكتابة التاريخية العربية المعاصرة بين الشمولية والجزئية، وهو ما ألجأ الباحثين الذي قاربوا ذلك التاريخ من الخارج إلى استعمال مصطلحات خاصة تحيل على "تاريخ الشعوب العربية/ الإسلامية"، تلك التي ساهمت جغرافية اللغة والثقافة في صهرها أو بناء تجانسها ضمن "مجتمع معنوي"، وهو ما جسّمته على نحو ملموس تنقلات الجماعات الإثنية الكبرى والنخب التجارية والدينية أو الفكرية بين المشرق والمغرب، وقد حاول المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري (1919 - 2010) الاستدلال على وجوده ضمن مؤلَّفه التكوين التاريخي للأمة العربية. غير أن مثل هذا الجهد التاريخي المعوّل على المنظور التركيبي المنخرط في تقديم سرديات تاريخية كبرى، لم يُستجب له على النحو المؤمّل ضمن مختلف مساهمات واضعي هذا التأليف، أولئك الذين آثروا الخوض في مثيلتها القُطرية أو الوطنية، وعفَوا كليًّا عمّا نعته واضع هذه العروض التمهيدية ب "التاريخ التركيبي أو التوليفي الشامل للأقاليم الواسعة" (الجزيرة، والشام، ووادي النيل، والمغرب) (ص. 33)، تواصلً/ أو نقدًا مع ما سبق لعبد الله العروي في بداية سبعينيات القرن الماضي إنجازه ضمن موجزه التركيبي المقارن، والبديع أيضًا، حول تاريخ المغربوالظن بعد هذا أن ما لقيه محور التأريخ للفرد والأسئلة المتصلة بعلاقة الذاكرة بالتاريخ، وكذلك التركيز على تاريخ الأقليات وتاريخ المهمّشين وفقًا لمعالجات توسّلت بتداخل التخصّصات، بل بعبورها أحيانًا، مُندر - كما قد بات بيّنًا - في محاولة لتجاوز هنات المُنجز، توقّيًا من التكلفة الباهظة ج للتردّد في الانخراط معرفيًّا ضمن ما اصطُلح على تسميته كونيًّا ب "المنعرج التاريخي الثقافي". ولاعتبارات تتصل بمحورية العلاقة التي يتعيّ أن تربط المعرفة التاريخية بمختلف مدوناتها، فضّل منسق المؤتمر والمشرف على التأليف إدراج مساهمة خالد زيادة ضمن العروض الاستهلالية، وذلك باعتبار تلازم محتواها مع ما تضمنته الورقة الخلفية والعروض التمهيدية، فضلً عن تأكيده ضرورة توسيع الاطلاع على الوثائق الأرشيفية والتعويل عليها في بناء الفرضيات التاريخية بخصوص التواريخ العربية، وهو أمر سبق لدراسات المستشرقين المنجزة في الغرض التفطّن له (غوستاف لوبون، وكارل بروكلمان). وقد تواصل التعويل على ما تضمنته الوثائق القنصلية وسجلات المحاكم الشرعية في دراسة مجتمعات العرب واقتصاداتها على شاكلة ما هو ماثل ضمن أبحاث أندريه ريمون لدى المؤرخين العرب لاحقًا، تجاوزًا للعروض المكتفية بمعالجة كتب الأخبار والوقائع السياسية والعسكرية، وتوسّعًا في استقراء المسائل المتّصلة بتطوّر الأسعار والغلاء وحركات الاحتجاج الاجتماعي وغيرها من السياقات الدالة على الانتقال من الواقع التقليدي والتطلّع إلى الاندماج في زمن الحداثة عربيًا، وهي طريق أسهمت مدرسة الحوليات الفرنسية، إثر الحرب العالمية الثانية، في رسم معالمها، ينبغي للمؤرخ العربي الاعتبار بها إذا ما رام تخطّي مختلف السرديات العربية التي لا تزال منشدّة إلى تصوّرات أيديولوجية ضمنية أو معلنة.
صناعة التواريخ العربية بين الكونية والمحليّة
ليس من الهين الإقدام على توظيف جملة من الإضاءات المختلفة بخصوص طبيعة العلاقة التي تربط التحولّات المتسارعة التي أثرت - ولا تزال تؤثّر - في المعرفة التاريخية كونيًا بمختلف الأشكال التي خضعت لها، منذ القرن الماضي، صناعةُ التواريخ العربية ضمن مؤسسات بحثٍ عربية أو أجنبية. وقد جمع هذا الكتاب ما لا يقل عن 10 مساهمات عرضت علينا، وفق تصوّرات منهجية متباينة، جملةً
من المسائل يحسُن - اختزالً للدلالة - تصنيفُ مضامينها نقديًا وفق محورين رئيسين؛ أحدهما حاول تقليب النظر في إشكالية كتابة التاريخ العربي من منظور التاريخ العالمي بالتعويل على نماذج من التواريخ الجامعة أو الكونية، مثلما تعرّضت لذلك مباحث أحمد الشبول، وأحمد أبو شوك، وإبراهيم القادري بوتشيش، ومحمد مرقطن، وعمار السمر، ومحمد الأزهر الغربي، في حين فضّلت بقية النصوص المتّصلة بالقسم نفسه الحفرَ في الموضوع ذاته بالتعويل على عينات مصدرية أو أمثلة حصريّة محدّدة، على غرار ما تولّت إنجازه مساهمات محمد عز الدين، وعبد الرحمن شمس الدين، وأنور زناتي، وأمل غزال. تم استدعاء مدونات علي بن الحسين المسعودي وعبد الرحمن بن خلدون (808 ه/ 1406 م)، بوصفها مساهمات مُمثِّلة لحدود تطوّر المعرفة التاريخية عربيًا طوال الفترة الوسيطة المتأخرة، قصد ردّها إلى منهجيات حديثة تحيل على سياقات تشكّل الحضارات الإنسانية في مؤلفات فرناند بروديل، ووليام ماكنيل، وأوسفالد شبنغلر، وعلى تطبيقاتها في تصوّرات برنارد لويس الاستشراقية وصامويل هنتنغتون الأيديولوجية حول "صراع الحضارات"، أو ضمن ما هو واردٌ لدى المحتفظين عكسيًا بفكرة حوارها. كما أن التطرّق إلى مختلف الصعوبات، التي حالت دون الاتفاق على أمثل السبل لتركيب وقائع التاريخ العربي زمانيًا، قد أعاد فتح ملف كونية الكتابة التاريخية إلى المربع الأول، ودفع إلى البحث عن أمثل السبل المؤدية إلى إدراج تلك السردية التاريخية ضمن امتداداتها الكونية المتضمّنة للحقب الثلاث (القديمة والوسيطة والحديثة)، أو أزمنة بروديل الثلاثة (الأمد الطويل أو زمن البنى، والزمن الدوري أو الاجتماعي، وزمن الوقائع أو الحوادث السياسية السريعة)، وكذا الأمر بالنسبة إلى مساهمات مدرسة الاستشراق في مؤلفات ويل ديوران، ومارشال هُدجسون، وشلومو ديف غويتن، توقيًا من التوجهات العكسية الداعية إلى "أسلمة" تلك التواريخ وفقًا للتصوّرات التي حملتها بعض دعوات الإسلاميين، ودعمًا لتوجهات إبستيمولوجيا الحقب الواردة ضمن مساهمات محمد أركون وعبد الله العروي أساسًا. ويجد هذا التمثّل نقلة نوعيّة لمضامينه ضمن التصوّرات الداعية إلى تجاوز الحقب السياسية المتداول، وردّ معرفة التواريخ العربية إلى أفق يعوّل على مقاربة الحقب الثقافية، تلك التي تفسّ الظواهر الكبرى انطلاقًا من التحولات المعرفية، لا السياسية، مُعتبرة ب "الرجّة" التي عاشها المجال العربي، بوصفها تمهيدًا لنهضة عربية ثانية مكمّلة لما تم إنجازه خلال القرن التاسع عشر. وقد حملت الحقبة الكونية الجديدة في تاريخ البشرية تحولّات عميقة تحت تأثير الثورة الرقمية التي أنتجت فعلً بشريًا جديدًا بعد أن نجحت في تهجين الهويات دينيًّا ولغويًّا وقوميًّا وجنسيًّا. وأنهى "الزمن السيبراني" كليًّا عالمًا قديمًا، ليتحوّل الكون إلى خلق جديد يحتاج معه المؤرخ إلى تطوير أدوات عمله تلاؤمًا مع إكراهات "الحاضرية"، واستشرافًا لما يخبِّئُه المستقبل للبشرية، بالتعويل على استقراء البحوث الميدانية أو الافتراضية ذات الصلة بالدينامية المتعاظمة لشبكات التواصل الاجتماعي. ولعل للاعتبارات المتصلة بحقيقة ظهور أولى الحضارات القديمة بالعالم العربي (حضارات سومر، وبابل، وآشور ببلاد الرافدين، والفراعنة بمصر، وإيبلا وأوغاريت والكنعانيين والآرمية بالشام، ودلمون ومجان بالجزيرة العربية وعمان، والسبئية والقتبانية والمعينية والحميرية غرب الجزيرة، وكندة ولحيان وتيماء والأنباط والحضر أو تدمر شمال الجزيرة وأطرافها، واللوبيين والأمازيغ بمجال المغارب)، آصِةً وثيقة بضرورة تجديد التفكير في منهجية كتابة تواريخها والتساؤل عن مدى اشتمال أمة العرب على هوية تخصّها. غير أن الاعتراف بقلة النجابة وتواضع المراكمة وهيمنة المنجز الأثري الغربي بتصوّريه الدنيوي الاستعماري والديني التوراتي يدعونا - حاضرًا - إلى الانخراط بثبات في مساهمات الاكتشافات الأثرية والنقيشية خلال العقود الثلاثة المنقضية، ونقصد نقوش الجزيرة العربية وكتاباتها؛ كالرقم الآشوري والبابلي، وكذا المصادر السريانية والأكادية والأوغاريتية والسبئية في إنجازه، تخطّيًا للصورة التاريخية القاصرة أو النمطية التي وفّرتها مصادر التراث العربي الإسلامي حول تاريخ جزيرة العرب القديم وحضاراتها، وهو في تقديرنا الهدف ذاته الذي عملت على تحقيقه المساهمتان المتبقيتان ضمن هذا الشاغل، وقد تم تخصيصهما لتقييم التجارب الرسمية في كتابة التاريخ العربي،
وتوضيح مدى انخراط تلك الكتابة تحديدًا، في إنتاج معرفة دقيقة وأصيلة أيضًا حول تاريخ العرب الاقتصادي. ولئن تمّت الإشادة بالجهد المبذول من قِبل المساهمين في التجارب الرسمية في سورية (تلك التي لم يتم استكمال أبحاثها)، وبمنجز المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بعد صدور أجزاء الكتاب المرجع في تاريخ الأمة العربية السبعة، تساوقًا مع تعدّد الإكراهات التي عاشها واضعوها، فإن حصيلتها تشي باستحالة بلوغها الأهداف المعلنة من وراء إنجازها، وفقًا لما شدّدت عليه تقييمات المؤرخة الألمانية أولريكه فرايتاغ ضمن مؤلفها الإسطوغرافيا السورية 1920 - 1990: بين المقاربة العلمية وهيمنة الأيديولوجيا. كما أن التساؤل عن الحيّز الذي شغله التاريخ الاقتصادي في صلب المعرفة التاريخية العربية، ومدى مشاركة مؤرخيها في توخّي مختلف مقارباته، قصد مزيد فهمٍ للحقب أو المراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها البلاد العربية، مسألة حَرِيّة بالتدبر، ثبت بالحجة والبرهان تواضع بَاعِ المعرفة التاريخية العربية في إتمامها، ويعود ذلك - وفقًا لما تم إقراره - إلى المشاكل المتصلة بفتح الأرشيفات أمام الباحثين، أو انعدام وجودها كليًّا، فضلً عن زُهد الثقافة العربية في الاعتبار بقيمة المادي، والانقطاع عن التفكير في الاقتصاد السياسي الذي تبلور منذ عصر النهضة أوروبيًا، بل اعتباره تصرّفًا "مكروهًا" "أو "غير مندوب"، مع عجز الحركات الإسلامية حاضرًا عن بلورة فكرٍ اقتصادي إسلامي وإخفاق حركات التحرّر عربيًا في عرض بديل اقتصادي، وتواضع سياساتها في الغرض، إذا ما قارناها بالتركيز المشطّ على التواريخ السياسية المشوبة بتوجهات أيديولوجية غير خافية. ومهما يكن من أمر، فإن عروض بقيّة المساهمات المحسوبة على القسم نفسه قد آلت على نفسها التثبّت، على نحو تفصيلي أو جزئي، في ما قدّرته العروض التي كنّا بصددها حول أشكال انخراط كتابة التواريخ العربية وتطوّر مناهجها ضمن التصوّرات الناظمة لصناعة التواريخ الكونية. وقد بيّنت المساهمة المنجزة بخصوص طبيعة المنهجية التي احتذاها كمال الصليبي (1929 - 2011) ضمن مختلف عروض مؤلَّفِه التوراة جاءت من جزيرة العرب، مثلً، اعتمادَ الباحث على الجغرافيا التاريخية للتوراة، وكذا أسماء الأماكن، بغرض البرهنة على أن مجال شبه الجزيرة (الحجاز واليمن)، لا بلاد الشام ومصر، هو الذي عاين وقوع مختلف الحوادث المؤسّ سة للرسالة الكونية للديانات التوحيدية. ولذلك، احتاجت المنهجية المتّبعة من قِبَلِه، وفي المقام الأول، إلى معرفة جيّدة باللغة العبريّة الساكنة أو القديمة الخالية من الحركات الصوتية، تلك التي مثّلت العربية مرجعًا في دراستها بوصفها اللغة السامية الحيّة حاضرًا، مع الاعتبار في جميع ذلك باختلاف التصويت وتحوّل الحروف في استكشاف معاني مختلف الأماكن الواردة في الكتاب المقدس بوصفه حكاية للخلق قُدّت من لغات سامية تقع بين العبرية والعربية والسريانية والآرمية القديمة، وخضعت عملية تفكيك شفرتها لتقنيات الاستبدال والتعريب والترجمة. وتبدو حصيلة التدقيق في طبيعة المساهمة التي يوفّرها الحفر في مدونات النوازل مغربًا، ودور التنظيم الشبكي في تعزيز قدرات المقاومة والانتشار على كامل المجال العربي لدى الأقليات المذهبية الإباضية، عناوينَ فرعيةً لجملة من التطبيقات التقنية والمنهجية العاملة على استدرار مَعِين مدوّنات مخصوصة ساهمت، ولا ريب، في توسيع أفق الدراسات التاريخية العربية، وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها، سامحةً بتغيير أفق التركيز المشطّ حول المشرق والاعتراف لمجالات المغارب والصحاري الطرفية بأهمية مُنجَزِها في صياغة سرديّة عربية تُؤثر نهج التشبيك، مُقرّبةً في حق الإباضية بين عمان وزنجبار والمشرق والمغرب، سواء على أيام النهضة العربية والإصلاح الإسلامي أو الوحدة العربية بعد تصفية الاستعمار؛ إذ لا ينبغي أن يُبتسر تركيب مرويّة الترابط التاريخي العربي في اللغة والثقافة والدين، بل يتعيّ أن يطرح على نفسه مهمة صياغة جغرافيا عربية جديدة. ويستدعي استكشاف مختلف هذه الزمنيات المتصلة بصياغة السردية التاريخية العربية، في عملية "عود على بدء تبحث في الزمن الضائع"، غلقَ حلقة علاقة كتابة التاريخ العربي بصناعة التاريخ الكوني عبر التوقّف عند عمق تحولات زمانيات ما بعد التسلطية
العسكرية مصريًا، وفكّ شفرة علاقتها بثنائي التاريخ والذاكرة، وفقًا لما جسّمته التصوّرات التي صاغها بندكت أندرسن ضمن مؤلَّفه الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. لذلك، تم اللجوء إلى توضيح الأدوار التي عادت إلى ما وُسم ب "الخبرة التزامنية"، و"التمثّل"، و"عجلة الإنتاج"، في صياغة الانتماءات القومية، والكشف - تبعًا لذلك - عن فشل الدولة المصريّة في "إنتاج الزمن اليومي"، ودوران شرعيتها زمن حكم محمد حسني مبارك ضمن خطاب ممجوج حول النماء، مع الدفع نحو الانخراط في دوامة "التذكّر الباعث على النسيان Remembrance " (ص. 203)، وتعمّد تغيير الحقائق أو تذكّرها على نحو منقوص ومغلوط، وهي حقيقة مُفزعة كشفت الثورة عن كارثيتها، بمجرد فتح الأرشيفات السرية، والاطلاع على وثائق الحروب العربية - الإسرائيلية، والتبص - نتيجةً لذلك - بزيف الخطاب الرسمي، مع إشراع الباب أمام زمنية مُحرجة أرّقت مضاجع الفاعلين السياسيين والمدنيين بعد أن ثبت تورّط جميعهم، على نحو أو آخر، في المصادقة على ممارسات مُخزية تحت غطاء بناء مشاريع الدول الوطنية عربيًا وتحصينها.
"الخروج إلى النهار": كتابة السردية الوطنية ومأزق التوظيف السيايس
توزعت الأبحاث التي تضمّنها هذا القسم جغرافيًا على مجالين كبيرين، اتصل أولهما بعينات من التواريخ الوطنية لبلدان المشرق العربي (فلسطين ومصر والأردن والعراق)، بينما خاض الثاني في تواريخ بلدان المغارب (تونس والمغرب الأقصى وموريتانيا). كشفت مساهمة نهى خلف، بالاستناد إلى مذكرات الصحافي الفلسطيني عيسى العيسى (1878 - 1950) والتعويل على المقاربة التاريخية المجهرية، عن جوانب غير مبذولة من تاريخ فلسطين، امتزج داخلها الذاتي بالموضوعي، والتبس ضمنها الماضي بالحاضر، بحيث منح وقوع التحليل المجهري عند نقطة الالتقاء بين الزمان والمكان فرصةً سانحة لملء شواغر التاريخ الفلسطيني، وخاصة ذلك الذي يمتد من العهد العثماني إلى تأسيس ركائز الكيان الصهيوني، مرورًا بالحكم العثماني والثورة العربية الكبرى. وقد بيّنت المعالجة التاريخية المجهرية لمحتوى مذكرات العيسى مسايرة العثمانيين للحركة الصهيونية، ودعمهم للإقطاعيين في سطوهم على أراضي الفلاحين من دون حق قبل التفريط فيها بالبيع للمهاجرين الصهيونيين. كما أثبتت تعاون الحركة الصهيونية مع الأنظمة العربية إبان الثورة الفلسطينية عام 1936، ووعي الجيل الأول من الفاعلين السياسيين بوجود فروق بين التيارات الصهيونية أيام الانتداب البريطاني، وتضرّر الفلاحين بسبب خطّة التقسيم التي دفعتهم إلى تشكيل النواة الصلبة للمقاومة، ومناصبة المحافظين من كبار الملاك، بالنظر إلى الغياب التام للبرجوازية، العداءَ لهم. وتنهض مختلف هذه الحدوس المجدّدة، وغيرها، حُجّةً دالّة على أن الاهتمام بالمكان والذاكرة والجماعة والثقافة والهوية أمرٌ مُعتبرٌ في الكشف عن المنافسات والصراعات المُعلنة، أو المكتومة، بين مختلف الفاعلين التاريخيين، وذلك قصد مزيد فهمٍ للأسباب التي تقف، ولا تزال، وراء إخفاق فعل المقاومة فلسطينيًا. وقد عرضت مساهمة نجلاء مكاوي للتحولّات التي شكّلت التأريخ لمصر الحديثة والمعاصرة "اتجاهًا ونظرية ومنهجًا وقيادة"، وذلك منذ أن تحوّلت الجامعة المصرية، مع حلول عام 1925، من طابعها الأهلي إلى طابع حكومي. وتساءلت الباحثة عن مستويات التحوّل، أو الانتقال، في صياغة المعرفة التاريخية وبناء التراكم المعرفي، منذ الالتزام بمحوريّة دور الفرد في صياغة الفعل التاريخي إلى علاقة تلك الصناعة نفسها بفعل الجماعة، توافقًا مع التفسير المادي للتاريخ في تصورات مؤرخي اليسار المتأثرين بالنظرية الماركسية، فالاستجابة لمقتضيات الهوية في مراجعات الباحثين الإسلاميين وتفسيراتهم. هدفت تلك السيرورة إلى توضيح دور المؤرخ في التحولات الفكرية والخصوصيات السياقية التي مثّلت نبراسًا لبحوثه الأكاديمية، مع تحديد طبيعة الأدوار التي عادت إليه في توظيف معارفه، قصد خدمة أهداف ثقافية وسياسية متباينة، وكذا حقيقة دفعه في اتجاه
التأسيس لبروز مدارس في الكتابة التاريخية مصريًا. وتُقرّ الباحثة بأن الاشتغال على فعل القادة والعظماء - بوصفهم محرّكين للتطوّر التاريخي المصري - أو الاشتغال بسياقات بناء مختلف الأنظمة السياسية الحاكمة، والتبصّ بروافع ومسارات تاريخ الحركة الوطنية وطبيعة التطوّرات التي عاينتها بنية الذات التاريخية، قد أضحى كلّه مثار شكٍّ بعد الرجّة العنيفة التي أحدثتها وقائع بداية عام 2011 الفارقة، وهي أحداث دفعت الأجيال الجديدة إلى مناوَأة توجّهات السلطة المستبدة، ولا سيما في وصايتها على مختلف شرائح المجتمع؛ من تزويرٍ للذاكرة الحيّة، وتعمّدٍ لمحو سجلات الثورة وصورها وأحداثها، وتعتيمٍ على مختلف الملابسات التي سبقتها وحدّدت حصولها على الحقيقة، فكأنَّ الإصرار على استدعاء الخطاب القومي، والدفع نحو إعادة إنتاج مقومات زمن التسلّط والإقصاء، قد حفّزا تشوّف الأجيال الجديدة، بل إصرارها على التحرّر من ذلك الإرث، وعلى الدعوة المعلنة إلى القطع مع مخلّفاته الكارثية، من خلال إعادة قراءةٍ معافاةٍ من جميع نوازع التضليل والتلفيق لتاريخ مصر الحديث والمعاصر. وتكشف بقية المساهمات الخاصة بالمجال المشرقي، تلك التي عادت مهمة خطِّها بخصوص علاقة الأردن بالتاريخ الوطني إلى مهند مبيضين، وفي ما يتصل بالسياقات المتحوّلة للكتابة التاريخية ومناهجها بالعراق إلى نصير الكعبي، عن اتسام المعرفة التاريخية بحالة من الاستمرارية المفتعلة، أو الركود المخاتل أردنيًا. ويبدو التوجّس من فتح ملفات سياسية مُحرجة للأسرة الهاشمية الحاكمة وللأطراف القريبة منها باعثًا أساسيًا له، حتى إن ثبت انخراط فعل تركيب تلك التواريخ في ظلال القضيّة العربية أو حول إشكالية تكوّن الشخصية الأردنية وإعلاء دور الحركة الوطنية، مع تفرّع تلك الكتابة إلى أربع مؤسسات متضامنة، هي: الجامعات، واللجان الوطنية، ومراكز البحوث والدراسات، والأبحاث التاريخية المستقلة، تلك التي غلب عليها نفَس أدبي واجتماعي غير خافٍ. على أن حصيلة ما تراكم من بحوث في التاريخ السياسي تبعث على الاعتقاد بقلة نجابة المؤرخين (مع حضور استثناءات) في مبارحة المواقع المباحة رسميًا، وتشكيل خلفيّة فلسفية أو فكرية تنمّ عن حضور اختيارات مستقلة، فضلً عن التعامل النقدي مع تاريخ الحركة الوطنية أو البحث في تاريخ الكوارث والجوع والسجون والأمراض، وغيرها من الإشكاليات المتفرّعة عن المقاربات المحسوبة على مختلف تيارات الكتابة التاريخية المحدثة أو المجدِّدة. ولا يخرج مسعى المبحث المخصّص لعرض سياقات الكتابة التاريخية العراقية ومقارباتها المنهجية عن الإطار ذاته، محاولً إعادة تقويم الصورة النمطية المتمثلة داخليًا في تحولات الأيديولوجيا الرسمية المهيمنة على المسار الجمعي، وباعتبار تأثير التحولّات التي اعترت نمط الإنتاج المهيمن على تصريف الشأن الاقتصادي عراقيًا في توجهات إنتاج المعرفة التاريخية. في حين اتصل الأمر خارجيًا بتعدّد الحواضن التكوينية والمنهجية الغربية للآباء المؤسسين لتلك المعرفة. ولذلك، يصبح من غير الدقيق إطلاقًا، في غياب التراكم المعرفي وانعدام المجايلة والتداول المبني على الجدارة والتأهيل الأكاديمي الحديث، وجودُ مدرسة تاريخية بمواصفاتها المهنية ووظائفها التنظيرية والتأصيلية بالعراق، حتى إن عاينت الكتابة حضور عدة "أنماط راسخة"، على غرار ما وسمه الكعبي ب "النمط الوطني المحلي"، و"النمط الماركسي"، و"أنماط متحوّلة"، على شاكلة ما وسمه أيضًا ب "الكتابة التاريخية القومية الإسلامية"، و"التاريخ الوطني"، و"تاريخ الطائفة"، و"نمط الكتابة الاقتصادية القومية"، تناول جميعها "سيرة الأمة ودورها في التاريخ" مع توضيح مساهمات أبرز الفاعلين التاريخيين بالتعويل على تركيب مساراتهم الحياتية، على شاكلة ما هو ماثل ضمن مؤلَّف عبد العزيز الدوري التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي. شكلت المساهمات الأربع المتّصلة بالمجال المغاربي (عددها عرضان بخصوص المغرب، وعرض مفرد لتونس ومثله لموريتانيا) رجع صدى للإشكالية ذاتها المخصّصة لمختلف القراءات التي دقّقت في طبيعة الشواغل الواسمة لسرديات الدول الوطنية وأشكال تركيب الروايات المؤسسة لمشاريعها المدنيّة والتنموية.
عرض عبد الرحيم بنحادة لمختلف أجيال منتجي المعرفة التاريخية (ثلاثة أجيال) وللمجالات البحثية التي اهتموا بها؛ كالتحقيق، والمونوغرافيا، والتاريخ العلائقي مع المشرق وأوروبا وأفريقيا، فضلً عن مساءلة الغيريات، والاشتغال بتاريخ الزمن الراهن، وصياغة العروض التركيبية، مع التعرّض لمختلف أُطر النشر الجامعي ومؤسساته وطبيعة العوائق التي تعترضه مغربًا. وانتهت حصيلة أبحاثه إلى اعتبار أن تمكّن المؤرخين المغاربة من الانفراد بقرابة ثلث إنتاج المعرفة في حقلي الإنسانيات والاجتماعيات مغربًا، لا ينبغي أن يحجب عن أنظارنا اتسام التراكم المعرفي التاريخي بالهشاشة، مع انعدام القدرة على تجديد الأجيال على نحو يضمن الجودة والصدقية المأمولة وتراجع الإنتاج المعرفي، بل انحصاره منذ عشريتين. في حين عوّل محمد حبيدة، في تواصلٍ مع ما كنّا بصدده، على المضمون الغائم لمفهوم "ما قبل الكولونيالي"، للتساؤل عن وظائف التقسيم الزمني الاعتباري ومختلف الإمكانيات المتاحة لتناوله، انطلاقًا من مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ بُغية مواءمته مع مقتضيات الزمن الطويل وتطبيقاته كونيًا، بحيث عكس مقترحه رغبة في مراجعة استخدامات الزمن التاريخي المشدود لمفهوم "ما قبل الاستعمار"، سواء لدى المؤرخين أو عند المشتغلين بالمعارف الاجتماعية، ومساءلة مختلف تلك العروض في ضوء ما وسمه ب "اتجاهات الإستوغرافيا راهنًا". لينتهي، بعد استيفاء تحليل مختلف محاور بحثه الذي تعرّض تباعًا لمختلف تطبيقات الزمن ما قبل الكولونيالي ورصد استعمالاته في استقراء تاريخ بلدان المغرب وأنثروبولوجيا مجتمعاتها، إلى أشكال توظيف الأمد الطويل من خلال الانحياز الكليّ إلى ضرورة التجسير بين العصور الوسطى ومثيلاتها الحديثة، قصد مزيد فهم واقع الضفة الجنوبية الغربية للمتوسط عامةً، والمغرب الأقصى تحديدًا، وذلك حتى احتلال الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830، تساوقًا مع ما نقله فرناند بروديل عن إدمون فارال من أن الخوف من التاريخ العريض هو ما يغتال ذلك التاريخ على الحقيقة. وحتى إن كان لفاطمة بن سليمان - حالَ طرحها ما وسمته ب "سياقات مسألة الدولة في الإستوغرافيا التونسية الحديثة ومقارباتها" - رأيٌ مكمّل بهذا الخصوص، فإنّ اتكاءها على المقاربات المنهجية المنشدّة إلى ما وسمته ب "الدراسات الثانوية" (أو مشغل التابع)، وعلى "الدراسات ما بعد الاستعمارية" في مقاربات المختصيّن في الدراسات العثمانية أيضًا، هو ما مكّنها من التفطّن إلى النقلة التي امتدَّت إلى المعالجة التاريخية لموضوع الدولة وأشكال مقاربة مسائل الهوية، والمواطنة، والديمقراطية، والتنمية، تونسيًا. فقد عاينت دراسة مختلف تلك المسألة إثر تصفية الاستعمار، نقلة جوهرية في النظرة والتأويل، بحيث أمكن المرور من اعتبار الدولة من قِبل الجيل الأول للمؤرخين التونسيين كيانًا ناجزًا ومصدرًا لكل فعل، أو تحوّل مفترض، إلى إدراج مختلف مبادراتها ضمن الشبكة المتشعّبة للفاعلين التاريخيين، وفق الحصيلة التي انتهت إليها مختلف التصوّرات التي أقرتها مراجعات عدد من ممثلي الأجيال اللاحقة ومباحثهم. وأدرجت الباحثة تقييمها المعرفي ومراجعاتها المنهجية لمجمل التوجهات المستجلبة ضمن أفق توقف عند سياقات القراءة في ما سمّته "أركيولوجيا الدولة الوطنية التونسية" لدى الجيل الأول "المهووس" بما نعتته ب "هاجس الدولة" بوصفها منظومةَ عنفٍ وهيمنة، ونتاجًا لحداثة مستوردة، وولادةً لدولة سلالية محليّة، فانبعاثًا ل "أمة" مستقلة بذاتها من رحم دولة الخلافة أو الإمبراطورية العثمانية، لتنتهي - في محور مقابل - إلى إدراج النقلة المعرفية الحادثة ضمن تحولّات التاريخ الاجتماعي الذي عالج تاريخ الدولة من الداخل، ونوّع المناهج، وغيّ سلّم المقاربات، عاملً على ردّ كل قراءة لواقع بناء الدولة التونسية إلى "سقف" لا يفصلها عن حقيقة ارتباط تاريخها الحديث ومجمل ديناميته بوضعيتها القانونية، بوصفها إيالة تابعة للإمبراطورية/ الخلافة العثمانية. وهو المنحى ذاته الذي جذفت في اتجاهه عكسيًّا مختلف دراسات عبد الجليل التميمي، وعمّقته لاحقًا مراجعات كل من أسماء معلى وليلى بليلي، لتفكّك بنيته الداخلية الأبحاث المنجزة بخصوص الأدوار التي عادت إلى مختلف الفاعلين داخل الجهاز الحاكم من أعوان مركزيين ومحليين، ومماليك،
وزوجات ومحظيات أو محظيين وقريبات، وغيرهم؛ وذلك في انتظار توسيع أفق ذلك التوجّه من خلال العمل على مقارنته بما عاينه نشوء الدولة ببقية الولايات العربية زمن الحضور العثماني. بيد أن ما انتهت إليه مساهمة حماه الله ولد السالم من استنتاجات، بخصوص ما سماه "أزمة التاريخ الوطني في موريتانيا"، يعيدنا - بطريقته الخاصة - إلى المربع الأول المتصل بتألب مؤسسات ما قبل الدولة القبلية والمناطقية و/ أو الجهوية على جميع ما هو سواها، تكريسا ل "الهوية الوطنية القلقة" الناتجة من أزمة مشروع الدولة وأزمة كتابة تاريخها ومراكمة المعارف الموضوعية المحكّمة بخصوصها في آنٍ. والحقيقة أن مثل هذا المرض الطفولي الذي شابَ المعرفة التاريخية لم يقتصر على التجربة المشار إليها، بل شمل جميع السرديات الموضوعة بشأن نشوء الدولة وتشكّل الذات الوطنية أفريقيًا أو بمجال المغارب، بحيث كاد ابن خلدون أن يصير موضع نزاع "عقاري" بين مختلف بلدانه. وقد تقصّت تلك المساهمة منجز المباحث المتصلة بمختلف حقب التاريخ الوطني الموريتاني، مع التوقف عند مصادره العربية والمحليّة، ومدارسه المعاصرة، وعوائق كتابته، وفي مقدمتها إرث السوسيولوجيا الاستعمارية الفرنسية، وأشكال إنجاز المقررات المدرسية والأعمال التركيبية والأطروحات الجامعية، والترميق الذي شمل المرويات السياسية الأيديولوجية، إضافةً إلى صعوبة صياغة الهوية الجمعية وضبط الحدود الترابية وسلطان القبيلة، فضلً عن حساسية المسألة الثقافية حول التعريب وزنوجية من نعتهم هيرودوت ب "أصحاب الوجوه المحروقة"، ومعضلة التاريخ المحلي، وغير ذلك من المحبطات والمعوّقات. وهذا الأمر يشي، عامة، بإخفاق مشروع الدولة الوطنية، وضعف مؤسساتها الحادثة إزاء سيطرة التواريخ القبلية والأسرية، وهو ما يدعو إلى المسارعة إلى تجديد معايير الثقافة الوطنية؛ تأسيسًا للوعي التاريخي العقلاني والانشغال بالموضوعات التاريخية الحقيقية، وتشوّفًا لبناء تاريخ وطني "يسمح بالتوازن بين الخصوصيّة والكونية، والقطرية والقومية" (ص. 524). ومهما يكن من أمر، فإن الأبحاث التاريخية المتصلة بتشكّل تجارب الانتقال نحو توطين المفردات الترابية الحديثة، ثم الوطنية بعد تصفية الاستعمار، على الرغم من أهمية التفاصيل التي وفّرتها والتنويعات التي اختبرتها على صعيد السياقات التاريخية، تبقى في حاجة إلى التعرّف، تفصيليًا، إلى بقية التجارب العربية التي خصّت الكيانات السياسية المُحدثة ببلاد اليمن وشبه جزيرة العرب والخليج العربي، وكذا بقية البلدان العربية الأخرى (سورية ولبنان وليبيا والجزائر)، وهي تجارب يساهم التعرّف إلى ما انتابها من تحولات، ومقارنة بعضها ببعضها الآخر، في تعيير الظواهر المختبرة بطريقة تُنصف تنوّع السياقات التاريخية وتبين حقيقة المراوحة في مسيرة التحديث عربيًا؛ بين تقديم التوجهات المدنية الحديثة، أو شدّ تجارب المركزة الترابية والسياسية إلى تصوّرات محافظة عروبية الهوى أو سلفية التوجه.
واقع المراكمة المعرفية يف التواريخ المقارنة عربيًا أو "القريب الفقير"
لم تعدم الأبحاث المدرجة هذا ضمن الأثر الجماعي، الذي نحن بصدد قراءة محتوياته نقديًا، توقّفًا عند إشكالية المراكمة في التواريخ المقارنة عربيًا، وذلك من خلال تخصيص خمس مساهمات تولّ صياغتها كل من سامر عكاش، وعز الدين جسوس، وطارق مداني، وصالح علواني، وفقيد المؤرخين العرب محمد الطاهر المنصوري؛ بغرض الوقوف على إمكانيات تطويرها، وتحديد البعض من مراجعاتها الفارقة أيضًا. خاضت تلك الأبحاث تباعًا في الإشكاليات الجديدة التي يطرحها التأريخ عربيًا للعلوم، توافقًا مع النّقلة التي عاينتها أشكال تقليب تلك المسألة لدى المؤرخين الغربيين. كما قيّمت، في ثلاثة أبحاث متضامنة معرفيًا، حصيلة التأريخ لمجال "الغرب الإسلامي" و/ أو "أفريقيا الشمالية"، وأشكال استلهام القراءة الخلدونية في صياغة تاريخ تلك المنطقة، ماضيًا وحاضرًا. وتناولت بالتقييم، أيضًا،
تطوّر البحوث حول تاريخ الأندلس، وموقع ذلك ضمن المراكمة المعرفية عربيًّا وغربيًّا، محاولة - ضمن آخر مساهماتها - إبراز مضمون الاشتغال، من بوابة المعجمية اللغوية، بصورة البيزنطيين في المدونة التراثية والحضارية العربية. فلئن تبيّ بالحجة والدليل تجاوز الدوافع التي كانت وراء الاشتغال بتاريخ العلوم عربيًا الدوافعَ التي تمثّلت في الرد على تجاهل الرواية الغربية لمساهمات العرب العلمية والإبداعية، فإن إدراك الغرب لهنات تلك القراءة، بل اعترافه بالتقصير وتغييره للمناهج المعتمدة - من خلال التشديد على الدور المهم الذي عاد إليهم في تطور العلوم - هو ما يفرض اليوم تجاوز القراءة النمطية التي لا يتعدّى أفقها موقع المناكفة أو السجال التقليدي، قصد كتابة رواية جديدة لتاريخ العلوم تخلو من الردود الانطباعية، ومن كل نزعة استعلائية غربية لازمت تلك الأبحاث وثبت حضورها ضمن مركّبات المنجز العلمي الغربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولا سيما أن الأبحاث التاريخية الغربية وثّقت بالحجة والدليل، أيضًا، دورَ الشعوب الشرقية في تطوير المعارف عمومًا والارتقاء بالرياضيات والفلك في حق الشعوب العربية الإسلامية على نحو مخصوص، علمًا أن "توثيق المعلومة العلمية شيء وطرائق توظيفها في كتابة تاريخ العلوم شيء آخر" (ص. 633). وتتمثل المفارقة في هذا الصدد في أن مقاومة تهميش دور العرب ضمن المنجز العلمي الكوني قد ترتب عليه عكسيًا تطويق ذلك الدور، بل ابتساره في الحقبة الوسيطة دون ما سواها. ولذلك، فإن مؤرخي العلوم العرب مدعوون، حاضرًا، إلى قراءة مرحلة ما بعد كوبرنيكوس عربيًا بعين المقارنة، قصد تحديد إحداثيات موقع العرب الفكري المتغيّ في مسيرة التطوّر العلمي وبناء رواية عربية توضّح الأسباب الحقيقية التي حفّزت، بعد النقلة التي أفضى إليها اكتشاف موقع الأرض ضمن المجموعة الشمسية، تحقيقَ ثورة فكرية وعلمية غربًا، بينما قُوبل ذلك الحدث الجلل نفسه بلامبالاة داخل المجال الثقافي العربي الإسلامي. كما ينبغي الحرص على تفادي الوقوع في التبريرات الانطباعية التي لا تخدم سوى القراءة النرجسية الغربية، وكذا النظرة السلفية الرافضة لفكرة الثورة العلمية الغربية، والتشديد - في مقابل ذلك - على مدلول "الاقتناء" لا "الاستعارة"؛ ذاك الذي أسعف العرب على أيام ازدهارهم في نقل المعارف عن الحضارات السابقة، وتملّكها، وحرية التصرّف فيها، بغضّ النظر عن هُويّة صانعيها. وهو ما أكدته، بطريقتها الخاصة، الأبحاث التي بتّت في طبيعة الصورة التي عرضتها اللغة العربية للبيزنطيين طوال الفترة الوسيطة، وهي عروض شدّدت على نحو بليغ، ومنتج للدلالة أيضًا، على انتقال اللغة اليونانية في القاموس العربي وانصهارها ضمنه كما لو أنها نتجت منه. والطريف في هذا الصدد أن البحث عن بدائل، أو عن مطابقات؛ تقريبًا للواقع البيزنطي من ذهنية العربي، أو تعريبًا ودمجًا لمصطلحاته مباشرة في اللغة العربية، قد توازى مع انتشار جاليات رومية في المجال الإسلامي ووجود علاقات متأصّلة بين الطرفين أحالت عليها وفرة المصطلحات والمفردات اليونانية ضمن القاموس اللغوي العربي، سواء في ما يتعلّق بالتسميات العامة أو المؤسسات السياسية؛ كالإدارة المركزية، والإمبراطورية، والمؤسسات العسكرية، وأسماء الأعلام، والمصطلحات الدينية والمالية، توسيعًا للاطلاع، وتأصيلً لقيم الفضول، وتشوّفًا لمزيد التعرّف إلى الغيريات المسيحيّة، كالروم أو بني الأصفر، عملً بمأثور العرب: "من تعلّم لغة قوم أمن شرّهم". ابتغت المساهمات المخصّصة للخوض في مناهج المقاربات التاريخية الموضوعة في واقع المجال المغاربي والأندلسي التدقيقَ في حصيلتها، من بوابة تأثُّر مَن أنجزوها بالاستشراق الغربي زمن الحضور الاستعماري، وتوضيح مستويات تحرّر عروضها من تلك النظرة القاصرة عبر معاينة التطورات التي امتدّت مقارباتها ومراجعاتها إلى مختلف الحقب التاريخية، وخاصة الإسلامية منها. وتم التعويل في ذلك على العديد من المدونات المصدرية الموضوعة في اللغة العربية، وهي مدونات لامست شتى ضروب المعرفة الدينية العالمة بمختلف أجناسها، وقد ثبت بالبحث والتقصّ العزوف عن استدرار مضامينها من قِبل غيرهم من الدارسين الغربيين- بل قلة نجابتهم في معالجتها معرفيًّا - بشأن تطوير نظرتهم، وتوسيع أفق مراجعاتهم التاريخية، في ما يتعلق بتواريخ ذلك المجال. وهذا الأمر يثير كثيرًا من الاستغراب، ولا سيما أن الاحتجاج بالنقص في امتلاك اللغة العربية لا يتعارض بالضرورة مع الحرص على الاطلاع على تلك الجهود،
بل الاستفادة من مستوى مراكمتها؛ دفعًا لمزيد تطوير حركة الأفكار وتجويد الحصيلة العلمية بين ضفتَي المتوسط، وكذا ما جاوز تلك الضفتين جغرافيًا. ذلك عين ما أوردته المراجعات الموضوعة في حق البحوث المنجزة منذ تصفية الاستعمار حول تاريخ بلدان المغرب، والتدقيق في حقيقة تذيّلها للمقاربات الغربية التي تنازعتها توجّهات استشراقية غير خافية، مع انعدام القدرة على تجاوز المنزلقات الأيديولوجية للسرديات الوطنية، وهو تقييم منزوع من الجدّية، بل مُجانب للدّقة في مواضع عدة منه، على أن سياقات التجاوز أو الخلاص، وفقًا لتلك المراجعات نفسها، تكمن في استعادة قراءة المدونة الخلدونية (المقدمة، والعبر، والرحلة، وشفاء السائل)، بتوجيهها نحو ما شددت عليه مدرسة الحوليات، وخاصة ضمن الأبحاث المنهجية التي وضعها مارك بلوك حول محوريّة التعويل على تغيير المقاييس الزمنية ومراجعة واقع الهياكل الطبيعية والثقافية والاجتماعية، قبل التفرّغ للتدقيق في زمن الأحداث حالَ اغتنائه بالمفردات الفارقة لفلسفة التاريخ. وجميعها تصوّرات بدت لنا هي أيضًا، على طرافتها، متعسّفةً على الأزمنة التاريخية، ودافعةً نحو تأويل ذلك المتن العميق الذي راجع أسس المعرفة التاريخية كونيًا، في اتجاه دفعه إلى قول ما لم يفكّر واضعه نفسه في قوله مطلقًا. ويبدو الأمر متشابهًا تمامًا إذا ما استقرأنا واقع الدراسات المخصّصة لتاريخ الأندلس، تلك المساحة المشتركة حضاريًا بين الغرب والشرق، التي عانت طويلً من حالة إعلاء مَرضي حول ماضيها بتحويله إلى ما يشبه أسطورة أزرت بتاريخه، ونقلت سرديته الجامعة إلى مجال ملتبس أعلى من فعل الذاكرة وزاد في أهمية المتمثّل على ما سواهما، وهو ما يشي بطريقته الخاصة بعدم خلو الحصيلة العلمية التاريخية المتصلة بمسار البحوث الموضوعة في تاريخ الأندلس، شرقًا وغربًا، من كثير من التهافت، سواء في ما يتعلق بتحديد المفاهيم ومراجعتها (إسبانيا المسلمة، والأندلس، والاسترداد، والاستبداد الشرقي، ومأزق الأصول)، أو في ما يتصل بالقطع مع فكرة "الفردوس" الضائع، وإثارة إشكاليات بديلة تضع حدًّا لردود الفعل الانطباعية المشوِّهة للحقائق، ليصبح البحث في تاريخ الأندلس "مُعتبرًا لذاته لا لما يراد له أن يكون" (ص. 707)، ولا سيما أنّ المعرفة التاريخية قد خطَت في ماضي إسبانيا الأندلسي، وخصوصًا بعد انقشاع سحب الدكتاتورية حالَ وفاة فرانشيسكو فرانكو سنة 1975، خطوات مهمة في اتجاه المكاشفة والمصالحة مع الذات، توافقًا مع ضرورات الانفتاح، وتأصيلً للتعدّد الثقافي وبناء الديمقراطية. بات واضحًا أن مختلف المساهمات التي خُصصت للتاريخ المقارن قد استهدفت على نحو مركّز، غيرياتٍ - أو أخريات - مفارقة لا تنتسب إلى المجال الحضاري نفسه، أو إلى الأعراض الجغرافية ذاتها، أي إنها لم تطرح على نفسها، منهجيًا، معالجة الموافقات والاختلافات من موقع التناسب الأفقي لا العمودي، وكأن الانتساب إلى المجال الاعتباري السياسي أو الثقافي والحضاري ذاته يُعفي من تمثّل الفوارق داخل مختلف مركبات المجال العربي الواحد، قصد تدبّر خصوصيات سياقاتها وعرض مساراتها الخاصة على محكّ القراءة المقارنة.
أشكال تأويل المُتمثَّل يف التواريخ العربية
جمعت العروض المخصّصة لهذا البعد الختامي المشتغل بتأويل المتمثَّل تاريخيًا 9 مساهمات، يستقيم ردّها إلى مجموعتين متكاملتين، حاولت أولاهما معالجة متونها التي تحيل على المروية الأسطورية (يحيى بولحية)، وطبقات الصحابة الأوائل (محمد حمزة)، والسِّيَ التأسيسية (عبد الله علي إبراهيم)، والسِّيَ الشعبية (عمرو عبد العزيز منير وعبد العزيز لبيب)، من خلال تأويل مضامينها، وسياقات إنتاجها باعتباره محاولةً لإعادة تركيب الخبر التاريخي إلى مجال التمثلات الذهنية التي تحيل على الاندساس العميق للذاكرة في تلافيف متصوّر الأفراد، كما الجماعات، حول شخصياتهم التاريخية وحقيقة انتماءاتهم أو أصولهم. في حين اشتغلت بقية
المساهمات بتقييم علاقة الذاكرة بالتاريخ وأشكال كتابة تاريخ المدركات الفكرية، أو التمثلات، ضمن ما راكمته التجارب المغربية (عبد العزيز الطاهري)، والجزائرية (مسعود ديلمي) والسودانية (محاسن عبد الجليل)، ثم تُغلَق دفتا الكتاب بمحاولة لتعيير المستوى العلمي للإنتاج المعرفي في الأنثروبولوجيا التاريخية، والتفحّص المجهري للمواضيع المطروقة من قِبل المؤرخين والباحثين الجامعيين، والمنشورة ضمن أعداد مجلة إنسانياتالجزائرية (عبد الواحد المكني). استفاد حضور الذاكرة ضمن كتابات المؤرخين المغاربة من السياقات الخصوصية؛ لفتح باب الحريات السياسية والاجتماعية، وإنجاز العدالة الانتقالية من قِبل هيئة الإنصاف والمصالحة منذ بداية القرن الحالي، فضلً عن تزايد الطلب الاجتماعي على هذا النوع من التواريخ، وخاصة في ما يتصل بالماضيين القريب (الاستعمار) والراهن (الاستقلال) دون غيرهما من المراحل التاريخية السابقة؛ الأمر الذي يدعو إلى تأصيل مثل تلك المعالجة وتطوير تغطيتها لبقية الحقب التاريخية من خلال مساءلة الإسطوغرافيا التقليدية والاستعمارية والوطنية وتقييم ما ركمته الأبحاث الأكاديمية للجامعيين، واتصال ذلك بتاريخ الزمن الراهن في علاقة الشاهد بالمؤرخ، حتى تتبين لنا الفواصل بين التمثلات الانفعالية والانطباعية والأسطورية الانتقائية للذاكرة، مقارنةً بمحاولات عقلنة الماضي ونقده من قِبل الكتابة التاريخية. ولا يختلف الأمر كثيرًا في ما يخص تقييم العلاقة الملتبسة للمعرفة التاريخية حول الجزائر بإشكالية إحياء الذاكرة وعدم خلو منجزها من شبهة الترميق، بل التدليس أيضًا، سواء خلال مرحلة الاستعمار الطويلة أو ضمن مُنجز المؤسسات الجامعية بعد ظهور دولة الاستقلال، فضلً عن مختلف محاولات التسلّط على التاريخ وتوجيهه أيديولوجيًا، قبل أن تنفرج الأوضاع نحو مزيد من الانفتاح وصون الحريات الأكاديمية ومراجعة منجز الباحثين الجزائريين و/ أو مَن سِواهم حول تاريخ الجزائر نقديًا منذ تسعينيات القرن الماضي. وتأسيسًا على ذلك، تمت إثارة حصيلة ما وُسم ب "منعطف الأنثروبولوجيا التاريخية" داخل مجال المغرب وانتقال الكتابة التاريخية من مضامينها "الساخنة" التي تحيل على "المقاومة والثورات وحركات التحرّر"، إلى مضامين "باردة" تحيل على "الأنساق والذهنيات أكثر من الشخصيات والمنعطفات والحوادث" (ص. 997). وقد تمحورت عملية التقييم على القراءة في "المنعطف الأنثروبولوجي" والتعرض لأرشيفاته ومناويله/ بارديغماته بخصوص إشكاليات التصوّف (وهي مجالات تم غضّ الطرف، على نحو لافت، عن ذكر من توجّهوا نحو مقاربتها مقاربةً مقارنة)، وكذا العائلة والأوبئة والجوائح والمجاعات، وعلاقة ذلك كلّه بالتغذية النباتية. في حين استهدف التحليل المَوْضعِي تقييم المضامين المدرجة ضمن مجلة إنسانياتالجزائرية الصادرة بانتظام منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي (1997)، والمكّملة لنظيراتها الواردة ضمن أعداد مجلتَي إيبلا التونسية (1937) وهيسبيرسالمغربية (1927)، مع سحب مختلف الاستنتاجات الخاصة بمجال المغارب على ما عاينته المجالات المشرقيّة، وذلك قصد الدفع نحو تطوير ذلك المنعطف الحاسم في اتجاه مزيد تطوير الأبحاث المتّصلة ب "الحقب التاريخية والمقارنة وعلاقة المحلي بالمركزي والقطري بالقومي [...] وتجديد أمثولات البحث بتكثيف مسائلة [كذا] المألوف منه أو الثابت" (ص. 1015). وليس بعيدًا أن يمثّل تعهّد مسألة "التاريخ المطموس" بالتوضيح، باعتباره دعوة صريحة إلى الحجب والتشويه والمحو، محاولةً طريفة وجريئة جدًّا في مزيد تأصيل المراجعات المنجزة حول تاريخ الجنون، وتاريخ الرق، وعلاقات ما بعدهما، في اتصال جميعها بالمتمثَّل والإنكار والإهمال الاجتماعي والطمس وارتسام "التابو"، بل عصيانه على الفسخ والتجاوز، وعلاقة ذلك بتاريخ الجنسانية والنوع الاجتماعي وإعادة الإدماج؛ تفكيكًا لعلاقات النبذ والتهميش والإقصاء، وتوسيعًا لمجال الحفريات في "أركيولوجيا" المعرفة التاريخية، من بوابة جمع وثائق تاريخ المطموس سودانيًا، وفتح سجلاته، وتدبّر محتوى المذكرات والرسائل الخاصة، والمقابلات الشفهية، والبحوث الميدانية، واستدرار مضامينها، ومساءلتها بخصوص معاني الطمس وعلاقتها بالتاريخ، وبتاريخ الجنون والرق خصوصًا (خلف
البحار، وداخل الديار، وتوقيعًا على الجسد، واسم مصير)، حتى تتبيّ لنا حقيقة تماهيه مع التاريخ ذاتيًا واجتماعيًا، واندساسه في الذاكرة ضمن منطوق المدونة الشفوية ومسرحة الخبر وتكثيفه وتعقيده بطريقة يحتاج معها المؤرخ إلى "تجديد أدواته واجتراح جديدها"؛ "تذليلً لتحديات بناء المعرفة التاريخية" (ص. 922). لكن ما الحدود الفاصلة بين الأسطورة والتاريخ؟ وكيف يمكن الاستفادة من الخبر الميثولوجي في صياغة المعطى التاريخي؟ وما الحدود الفاصلة بين الدرسين غربًا وفق ما أوضحته أبحاث كل من كلود ليفي ستروس البنيوية، وإدغار موران المعرفيّة، وموريس هلفاكس المُفردة للذاكرة الجمعية؟ ثم ما السبيل إلى توظيف المناهج الجديدة (الأنثروبولوجيا تحديدًا) في قراءتها؟ وما مسوّغات عرض الميثولوجيا الأندلسية (أسطورة بيت الحكمة) ومثيلاتها التحديثية المتصلة ب "الأماتيراسو" يابانيًا، اقتناصًا للّحظات الإيجابية المؤسِّسة لفعل التنمية حالَ إعادة قراءة التاريخ وتجنّب مختلف الألغام المندسّة عميقًا في ذاكرتنا الجماعية. ذاك ما قامت عليه بقية الدراسات التي أُفردت تباعًا لسِير الصحابة الأوائل، أو الدراسات التي تم تخصيصها لقراءة المُتمثَّل في ثنايا السِيّر والمرويات الشعبية المتصلة ب "فتوح مصر" وب "التغريبة الهلالية"، باعتبارهما من الوقائع المشحونة ملحميًا، والجدل الذي أثارتاه، والذي اتصل بتشكيل صورة بَعْدِيّة للعصور الإسلامية، وكذا كيفية تركيبها لثابت معاييرها وقيمها من خلال تطهير الأخلاق الجمعية من المقاصد السياسية، فضلً عن معالجة مُفخَّخِ النصوص حول المجموعات العرقية والطرفية (ذات الأصول المزدوجة الواقعة بين العروبة والأفريقانية)، والقدرة على فضّ النزاع؛ بوصفه "طقسًا ثقافيًا" و"حادثًا تاريخيًا"، يُتيح كتابة "تاريخ آخر"، والدخول إليه من بوابة "الشهادات الهامشية المارقة عن القراءات المركزية المحتفلة بعالم الجماعة بأقاصيصه العجيبة وجنون شعراء سِيَه " (ص. 991). لا مراء في حضور تنوّعٍ شمل منجز المؤرخين العرب، ومكّن - حالَ تشكّل الدول الوطنية وتصفية الاستعمار - من صياغة مضامين عالمة قطعت مع أفق الهواية أو التبحّر الكلاسيكي في كتابة التواريخ، حتى إنْ بدا منجزها عامةً متأثرًا بالمناهج المعتمدة من قِبل المدارس الغربية. فقد وفّرت لنا العروض الواردة ضمن هذا المؤلَّف الجماعي الذي تم إفراد إشكاليته للبتّ في كتابة التاريخ العربي وتاريخ العرب، فرصة ثمينة للوقوف عند مستوى المراكمة المعرفية في هذا الاختصاص، وذلك بالتعويل على أربعة محاور أو مضامين اتصلت تباعًا بشواغل سياقية تعيد التفكير في الحقب الاعتبارية للتاريخ الغربي، وتقرأ في مدى انخراط المعرفة التاريخية العربية في التصوّرات الكونية الملازمة لصناعة الأخبار، كما تبُتّ في صعوبات تحرّر تلك المعارف في مضامينها الوطنية من هيمنة السردية الرسمية المنحازة سياسيًا إلى مشاريع الدول الوطنية، أو تلك المُنقطعة عن تلك السرديات المُتكئة على تصوّرات وحدويّة عربية أو سلفية إسلامية معلنة أو مُضمرة وخفيّة، على أن تحيل بقية الشواغل المرصودة على مدى رسوخ التواريخ المقارنة الأفقية بين البلدان العربية، وكذا الاشتغال بالجوانب الأثرية والتراثية والأنثروبو-تاريخية في مقاربة العلاقات المتشعّبة الرابطة بين الذاكرة والتاريخ. وجميعها محاور تم تقييم منجزها أو مراجعة مضامينها وتوجهاتها المنهجية على نحو مفيد جدًّا يحسُن بالقائمين على المعرفة التاريخية عربيًا، أو المحسوبين عليها، الاستفادة منها قصد تنويع مناهج الكتابة التاريخية وتطوير مناويلها والتفكير، على غرار ما أنجزته مدرسة الحوليات على أيام آبائها المؤسسين، في طرح سؤال التاريخ المقارن العربي، تساوقًا مع ما راكمه منجزها أوروبيًا منذ صدور مقال مارك بلوك التوجيهي في الغرض في غضون الثلث الأول من القرن الماضي.