التأريخ للمهمشين في فلسطين منذ الحكم العثماني إلى النكبة وما بعدها
The History of the Marginalized in Palestine: from the Ottoman Rule to the Nakba and Beyond
الملخّص
ظلت فلسطين جزءًا لا يتجزأ من الدولة العثمانية (آخر الإمبراطوريات الإسلامية) حتى الحرب العالمية الأولى، ولم تصبح وحدةً إدارية وسياسية واحدة، منفصلة عما حولها من البلدان العربية، إلا تحت حكم الانتداب البريطاني وسيطرته، أما قبل ذلك، فكانت مقسمة إلى ألوية (سناجق) تتبع إداريًا لولايات بلاد الشام (دمشق وصيدا)؛ لذا يصعب التأريخ لفلسطين وشعبها في العهد العثماني منفصلة ومستقلة عن بقية المناطق المجاورة لها. لكن الرواية التاريخية القومية التي كُتبت خلال القرن العشرين قفزت على ذلك الواقع، في سبيل تمكين جذور الهوية الوطنية، ولمقارعة الروايات الاستشراقية والصهيونية التي أنكرت وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه في وطنه.
Abstract
The History of the Marginalized in Palestine: from the Ottoman Rule to the Nakba and Beyond
- فلسطين
- تاريخ المهمشين
- القدس
- Palestine
- Jerusalem
- History of the Marginalized
ظلت فلسطين جزءًا لا يتجزأ من الدولة العثمانية (آخر الإمبراطوريات الإسلامية) حتى الحرب العالمية الأولى، ولم تصبح وحدةً إدارية وسياسية واحدة، منفصلة عما حولها من البلدان العربية، إلا تحت حكم الانتداب البريطاني وسيطرته، أما قبل ذلك، فكانت مقسمة إلى ألوية (سناجق) تتبع إداريًا لولايات بلاد الشام (دمشق وصيدا)؛ لذا يصعب التأريخ لفلسطين وشعبها في العهد العثماني منفصلة ومستقلة عن بقية المناطق المجاورة لها. لكن الرواية التاريخية القومية التي كُتبت خلال القرن العشرين قفزت على ذلك الواقع، في سبيل تمكين جذور الهوية الوطنية، ولمقارعة الروايات الاستشراقية والصهيونية التي أنكرت وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه في وطنه. ساهم التقسيم الإداري للبلاد إلى خمسة ألوية إدارية، في أواخر العهد العثماني، إلى إنتاج تاريخ محلي لتلك المناطق، أو لعواصمها الإدارية وحكامها2. فلما صارت عكا عاصمةً لشمال فلسطين، إبان حكم ظاهر العمر، منذ عام 1750، كتب مؤرخون محليون تاريخًا لهذه المدينة وحكامها3، فحكم الزيادنة في فلسطين مثل حكم فخر الدين المعني (1572 - 1635) قبلهم في جبل لبنان، وولاة آل العظم في أنحاء بلاد الشام، كان ظاهرة تستحق اهتمام المؤرخين المعاصرين واللاحقين. واستمر ذلك التقليد في كتابة تاريخ ولاة عكا، أيام حكم أحمد باشا الجزار (1775 - 1804)، وسليمان باشا العادل (1804 - 1819)4؛ فقد أدى حكام عكا آنذاك أدوارًا سياسية وعسكرية مهمة، فضلً عن الدور الاقتصادي المرتبط بزراعة القطن، وصل أوجَه في وقف زحف نابليون بونابرت أمام أسوارها عام 1799. وصار ازدهار عكا وناحيتها في القرن الثامن عشر نموذجًا لنمو مدن الموانئ الأخرى على شواطئ بلاد الشام، مثل: بيروت وطرابلس في لبنان، وحيفا ويافا في فلسطين. لكن هذا النموذج أُهمل وهُمّش في الروايات التي ركزت على دور أوروبا في حداثة المنطقة منذ القرن التاسع عشر. وفي أعقاب ازدياد دور عائلات العلماء والأعيان المحليين في حكم البلاد وإدارتها، منذ القرن الثامن عشر، برز مدونون محليون اهتموا بهذه الظاهرة ووثقوها5. كذلك نشأ في نابلس المؤرخ إحسان النمر (1905 - 1985) الذي اهتم بتاريخ المدينة (وجبلها)، ودور
عائلاتها الحاكمة في العهد العثماني6. والشيء ذاته يقال عن مؤرخ القدس، عارف العارف (1891 - 1973)، الذي أرّخها وغيرها من المدن الفلسطينية7، إضافة إلى الشيخ عثمان الطباع (1882 - 1950) الذي كتب تاريخًا لغزة وأعيانها البارزين منذ العهد العثماني8. هذه نماذج لأبرز الكتابات التاريخية المحلية، وليست جردًا شاملً لها. وقد صارت كتابات الجيل الأول مصادر مهمة لمؤرخي القرن العشرين، حين انبروا لكتابة تاريخ فلسطين في العصر الحديث؛ فالهُوية الوطنية لم تأتِ من فراغ، وإنما من مجموع الهويات المحلية السابقة للقومية التي سادت أواخر العهد العثماني. لقد غلب على معظم أعمال المؤرخين الذين عاشوا في العهد العثماني، أو عاصروا أواخر ذلك العهد، الاهتمام بالتاريخ السياسي للحكام والنخب الحضرية من العلماء والأعيان، وغاب عن تلك الكتابات دور الفئات الشعبية، من عمال وفلاحين وتجار وحرفيين، في الريف والمدينة. ولم يبدأ الاهتمام بتاريخ تلك الفئات التي تؤلّف الأغلبية الساحقة من السكان، إلا حين نما الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي بين مؤرخي فلسطين، في النصف الثاني للقرن العشرين. وقد ساهم تهميش أخبار فئات واسعة من أهالي فلسطين مدةً طويلة في التعتيم على دورهم في تاريخ وطنهم، ثم كان لاستبدال حكم عثماني "بغيض" باحتلال بريطاني منحاز إلى دعم المشروع الصهيوني في إقامة دولة لليهود أثرٌ كبيرٌ في الرواية التاريخية العربية. بدأ الصراع على فلسطين ومستقبلها في المخيال الأوروبي بتجنيد السماء، لإعادة صوغ تاريخها، قبل أن يكون مشروعًا عمليًا لاحتلال أرضها؛ ففي أعقاب الحملة الفرنسية على مصر وفلسطين (1798 - 1801) اشتد الصراع بين الدول الأوروبية في الشرق الأوسط، وصار لفلسطين نصيبٌ عالٍ من محاولات أوروبا مدّ نفوذها في المنطقة، بحجة حماية الأقليات (غير المسلمة) وأماكنهم المقدسة. وكان الأوروبيون أول من كتب تاريخ البلاد، في معركة تنافسهم على وراثة أرض الحكاية التوراتية التي كتبوها، ثم تلاهم زعماء الحركة الصهيونية في نشر روايتهم عن "أرض الميعاد" التي تنتظر عودة أولادها اليهود. وهكذا، وُضعت الأسس الأيديولوجية والدينية للتعاون بين الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، قبل أن يتبلور التعاون السياسي المتمثل في وعد بلفور. لم تتفق الدول العظمى، حتى أواخر العهد العثماني، على كيفية اقتسام المشرق العربي، فاختارت ما سُمي "التنافس السلمي". وبدلً من الاحتلال العسكري المباشر، عززت الدول الأوروبية نفوذها بإقامة جمعيات وإرساليات تبشيرية، ومؤسسات تعليمية وصحية، ثم بسط قناصل تلك الدول حمايتهم على الأقليات اليهودية والمسيحية للهدف نفسه. وكان المؤرخ ألكسندر شولش Scholch Alexander (1943 -) قد أطلق، في كتابه، مصطلح "الحرب الصليبية السلمية" على أوجه ذلك النشاط الأوروبي في القرن التاسع عشر9. لكن الهدف النهائي لتلك "الحرب الناعمة" لم يختلف عن أهداف الاستعمار الأوروبي خلال القرون السابقة، ألا وهو السيطرة على المنطقة، والتحكم في سكانها ومواردها الطبيعية. وتجدر الإشارة إلى أن شولش أثبت في كتابه حقيقة أن "التحولات الجذرية" في فلسطين قد بدأت خلال فترة التنظيمات العثمانية (1856 - 1876)، قبيل بداية الاستيطان الصهيوني. لقد رافق التغلغل الأوروبي في فلسطين (الأماكن المقدسة) نشر سردية تاريخية، تتكئ على الأساطير التوراتية، وأبحاث ميدانية حاولت إثبات صحة تلك السردية. وتعزَّز ذلك التوجه في التأريخ التوراتي لفلسطين بأدب الرحالة الأوروبيين، ولا سيما البروتستانت الذين
تبنّوا الرواية نفسها، وأضافوا إليها دعمهم لعودة اليهود إلى "أرض الأجداد"، لأغراض مسيانية تتعلق بعودة المسيح المنتظر. كذلك نشطت "صناديق اكتشاف"، سعى ناشطوها لنشر أبحاث تعزز السردية التوراتية10. وهكذا، وُضعت الأسس الأوروبية الاستشراقية لتأريخ فلسطين، قبيل نشوء الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، ثم جاءت الكتابات الصهيونية منذ أواخر ذلك القرن، لتضيف إلى تلك الرواية أساطير "الوعد الإلهي" لليهود، وحقهم "التاريخي" في العودة بعد ألفي عام إلى "أرض الآباء والأجداد"، وعنيت هذه الرواية بدور الاستيطان الصهيوني المهم في إنعاش الاقتصاد، وإحياء البلاد من الركود الذي خيّم عليها قرونًا مديدة. أما أهل فلسطين، ولا سيما المسلمون منهم، فقد جرى تجاهلهم، وهُمّش وجودهم ودورهم في تاريخ بلادهم، فساهم هذا التهميش في الوجدان الأوروبي الاستعماري، والصهيوني الإحلالي، في نشر مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، فضلً عن أن أغلبية العرب ساهمت في تغييب نفسها عن التاريخ، حين تبنّت الرواية الاستشراقية والماركسية عن الاستبداد الشرقي و"الحكم التركي". ولما نشأت الحركات القومية العربية عشية الحرب العالمية الأولى، تبنّى روادها كثيرًا من مركّبات السردية الأوروبية الصهيونية، عن غير قصد11، فدحض العرب للروايات الاستشراقية والصهيونية لم يُنتج، في البداية، سرديةً بديلةً تؤكد حقوق السكان الأصليين في وطنهم، لتواجه الهجمة الاستعمارية، ومشروع الاستيطان الكولونيالي الذي تبنّته الصهيونية؛ فالرواية التاريخية العربية المعادية لحكم "الأتراك" خلال أربعة قرون غيبت دور الفلسطينيين عن تاريخهم، بما في ذلك القدر الكبير من الحكم الذاتي، ومشاركة نخبهم في حكم وطنهم وإدارته تحت المظلة العثمانية12. ذكرنا آنفًا أن المستشرقين كانوا أول من أرّخ للمنطقة العربية، بما فيها فلسطين، خلال سنوات أواخر الحكم العثماني. واتكأت السردية الصهيونية على كتب المستشرقين ومصادرهم، لإثبات علاقة اليهود التاريخية والمستمرة بالبلاد. وعُتّم دور أهل فلسطين في تاريخهم، فجاءت معظم الأبحاث عن موضوعات تتعلق بالحكم والإدارة، بدلً من واقع حال السكان وتاريخهم، إضافة إلى أن ثنائية التحديث، مقابل المجتمع التقليدي، سلطت الأضواء على دور الأوروبيين في نهضة المشرق، ومكانة الأقليات والنخب المغتربة في التحديث والتغيير، وبقيت عامة الشعب خارج مجال الضوء، مهمَّشة وشفافة، في أغلبية الأبحاث التي كتبها المستشرقون والصهاينة عن "الأراضي المقدسة" في العصر الحديث13. وهكذا، سُيطر على تاريخ فلسطين وذاكرتها قبل أن تبدأ الصهيونية، عمليًا، مشروعها الاستيطاني الكولونيالي. وكان إدوارد سعيد (1935 - 2003) أول من "فضح" العلاقة المتينة (والخفية في الوقت نفسه) بين الاستعمار الأوروبي وسيطرته على كتابة تاريخ الشعوب المستعمَرة في كتابه الاستشراق14.
أولً: مرجعيات المؤرخ ومصادره
من المعروف أن هوية الباحث ذات أثر كبير في الرواية التاريخية التي يكتبها، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بتاريخ شعبه، والصراعات التي يخوضها مع شعوب أخرى؛ فالتاريخ القومي مزين بالأساطير والبطولات التي لا بد منها، لبلورة هوية وحكاية يلتفّ حولها الناس،
والمؤرخ هو نتاج تلك الثقافة الجمعية، وقيم اجتماعية وسياسية توجّه عمله، مثل كل باحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فضلً عن أن الباحث يعمل ضمن سياق من التوقعات يصعب عليه تجاهلها تمام التجاهل، وهذا ما يقيد حريته النقدية والفكرية. يبدأ تأثير المؤرخ في نتاجه البحثي باختيار الموضوعات التي تُسلّط عليها الأضواء، بينما يختار السكوت في موضوعات أخرى، يظللها الكتمان والتعتيم في حاضنته الاجتماعية. وكما يختار الباحث موضوعات اهتماماته، فإنه يحدد مصادر المعلومات التي سيفتش عنها أيضًا، ثم يُسائلها ويؤطر مضامينها في سردية تاريخية. ويكون للتحقيب، وأسئلة البحث التي يطرحها المؤرخ سلفًا، أثرٌ كبير في المصادر التي يبدأ التفتيش عنها في سبيل الإجابة عن تلك الأسئلة. والباحث في التاريخ، كما العلوم الاجتماعية، لا يملك ترف الحرية التامة في اختيار موضوعات بحثه، ولا المصادر التي يستطيع الوصول إليها ومعاينتها15. ويعاني الباحث الفلسطيني، على وجه التخصيص، حالةً من التشظي منذ النكبة عام 1948، وفقدانه الوطن والمواطنة والدولة السيادية التي ترعى شؤون البحث العلمي. تواجه الباحث العربي في تاريخ فلسطين الحديث، بدايةً، مشكلة عدم توافر الأرشيفات المتاحة لمعاينته. لقد خسر الفلسطينيون عام النكبة، إضافة إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم، كثيرًا مما كانت تحتويه بيوتهم ومؤسساتهم من مصادر المعرفة ووثائقها. وحتى بعض مصادر المؤرخ التي نجت من المصادرة والفقدان عام 1948، أو عام 1967، فإنها ظلت حبيسة البيوت والمكتبات العائلية؛ فعدم قيام دولة فلسطينية حال دون إنشاء أرشيفات ومؤسسات حكومية تُعنى بجمع الوثائق والمخطوطات، وغيرها من مصادر الأبحاث التاريخية، فضلً عن أن بعض من كتبوا يومياتهم ومذكراتهم أحجموا عن نشرها، فضاع بعضها، وظل بعضها الآخر مدفونًا في بيوت الورثة الذين ترددوا كثيرًا في نشرها17. فكيف السبيل إلى التغلب على هذه المعضلة، والوصول إلى تلك "المصادر الدفينة" أو البديلة، لكتابة تاريخ الفلسطينيين، ولا سيما المهمشون والمنسيون منهم. ترتبط الإجابة عن هذا التساؤل المطروح بهوية المؤرخ، وثقافته ومرجعيته النظرية. ونقصد بمرجعية المؤرخ المنظومة المنهجية والنظرية التي تعدّ وعاءً حاملً للمعلومات والحقائق التي يجدها، أو ينتشلها من مصادره التاريخية. فعمل المؤرخ الجاد لا يقتصر على جمع المعلومات وتقديمها للقراء كرونولوجيًا، أو تصفيفها بحسب ترتيب آخر يرتئيه، بل عليه الإبداع في القراءة النقدية للنصوص، ووضعها في سياقها العام. لقد رفض ابن خلدون، مثلً، أن يكون التاريخ "حوادث لم تعلم أصولها وأنواعًا لم تعتبر أجناسها"، وانتقد منهج الإخباريين الذين اكتفوا بنقل أخبار الدولة وتنسيقها، من دون الوقوف عند علتها18. فالباحث الجاد لا يكتفي بتقديم معلوماته عما حدث، بل يقدم تحليله وفهمه لأسباب الأحداث وتوقيتها، وأثرها القريب والبعيد؛ فالتأويل وتفكيك روايات تاريخية سائدة، وتقديم بدائل الفئات المغلوبة والمهمشة ووجهات نظرها، يجب أن يكون ذلك في صلب عمل المؤرخ المبدع الذي لا يكتفي بتجميع المعلومات وتدويرها. يكون المؤرخ عادة أسير المصادر والمراجع المتوافرة عن موضوعات أبحاثه، والبحث عن مصادر المعرفة البديلة خطوة ضرورية لإعادة المهمشين إلى الذاكرة والتاريخ، إضافةً إلى أن طرح أسئلة بحثية جديدة، وإعادة قراءة المصادر القديمة في ضوء الجديد منها، يتيحان تحبير سردية أعمق وأشمل. وقد وجدت في سجلات المحاكم الشرعية المتبقية من العهد العثماني كمًا هائلً من الوثائق التي توثق حياة الناس اليومية، فضلً عن احتفاظ بعض العائلات المقدسية بوثائق ومخطوطات تثري وتعزز ما جاء في سجلات المحاكم الشرعية، وهذه المصادر المحلية المرتبطة بنبض الحياة اليومية للناس العاديين تتيح كتابة تاريخ اجتماعي، لا يغفل دور الفئات غير النخبوية من السكان.
هذا إضافة إلى أن طرح أسئلة جديدة، وتسليط الأضواء على أزمنة وأمكنة محددة، يمكّنان المؤرخ من التعمق في أبحاثه، ورسم صورة مركبة ومتعددة الألوان لحياة الناس خارج منظومة السلطة المهيمنة وسرديتها. لقد نجح الطرف المنتصر مدةً في نشر روايته المواربة عن تاريخ فلسطين عامةً، وعن حرب 1948 خصوصًا، بدعم أحفاد الثقافة التوراتية الكولونيالية. لكن تغوّل الاستيطان الصهيوني في عصر ما بعد الكولونيالية يسمح بكشف زيف السردية الصهيونية، بالتزامن مع انتصار الرأي العالمي لحقوق المهمشين والمستضعفين في فلسطين، وغيرها من البلدان. ومن واجب الباحثين العرب عدم الاستكانة أو الاستسلام، ومخاطبة الرأي العام الغربي بلغته، وتأطير القضية الفلسطينية ضمن منظومة الاستيطان الكولونيالي؛ فهذا الاستيطان يُعدّ إطارًا نظريًا عالميًا لظاهرة تهميش مجتمعات المهاجرين للشعوب الأصلية في كل من الأميركتين، وفي أستراليا ونيوزيلندا وغيرها من القارات والدول. ومن المعروف أن مجتمعات الاستيطان الكولونيالي أبادت، في بعض الحالات، السكان الأصليين، واندمجت في بعض حالات أخرى معهم19. ويجدر التنبيه أخيرًا إلى أهمية معرفة اللغات الضرورية لقراءة المصادر والوثائق الأولية بنصوصها الأصلية، وعدم الاكتفاء بالترجمات، أو الاقتباس من مصادر ثانوية، فليس معقولً أن يختص باحث إسرائيلي بتاريخ فلسطين والصراع الصهيوني - الفلسطيني، من دون أن يتقن اللغة العربية. لكن هذا حال كثير من الباحثين اليهود في الدراسات الإسرائيلية، وحتى في أقسام تاريخ الشرق الأوسط20. والشيء ذاته ينطبق على الباحثين العرب المختصين بالدراسات الإسرائيلية من دون معرفة اللغة العبرية. كذلك لا يعقل أن يختص باحث جاد بتاريخ فلسطين، أو غيرها من البلدان العربية، خلال العهد العثماني، من دون معرفة باللغة التركية. لكن هذه القاعدة الأساسية في معرفة اللغات الضرورية للبحث لا تُراعى دائمًا، حتى داخل بعض مؤسسات التعليم العالي.
ثانيًا: تجربتي يف تأريخ فلسطين خلال العهد العثمني
اكتشفت حين جعلت تاريخ فلسطين في العهد العثماني مجال تخصصي أن الصراع على الذاكرة والتاريخ مع الآخر لا يقل حدة عن الصراع على الأرض؛ فطالب التاريخ في الجامعة العبرية التي درست فيها (في السبعينيات) كان يستمع من أساتذته إلى الرواية الاستشراقية التقليدية، عن الاستبداد والانحطاط العثماني، حتى فترة التنظيمات والإصلاح، بتأثيرٍ أوروبي. أما فلسطين، فكانت حصة الأقليات اليهودية في تاريخها يفوق دور أهلها العرب الذين كانوا على مدار أربعة قرون الأغلبية الساحقة من السكان21؛ فالرواية الصهيونية غيّبت الفلسطينيين عن تاريخ وطنهم، قبل أن تهمشهم على أرض الواقع، ولما جاء الوقت لاختيار موضوع رسالة الماجستير، شجّعني أحد أساتذتي على الابتعاد كثيرًا عن الصراع العربي - الإسرائيلي، والبحث في موضوع "آل فروخ: حكمهم وأعمالهم" مثلً22. كان كل ما هو معروف عن فروخ باشا، وابنه محمد، أنهما توليا إمارة قافلة الحج الشامي في أوائل القرن السابع عشر23، وأضافت بعض المصادر أن الابن تولى حكم لواء القدس ونابلس خلال تلك الفترة. وبما أن فترة حكمهما في فلسطين كانت موازية لسيطرة فخر الدين المعني على جبل لبنان، فإن الدولة العثمانية استعانت بهما، لوقف توسّع الأخير والوصول إلى القدس24. وركزت الكتابات العبرية
حول حكم محمد بن فروخ على ظلم هذا الحاكم "العربي" للأقلية اليهودية في القدس، فلاحقهم واعتقل زعماءهم، في سبيل ابتزاز المال منهم. وقد كنت محظوظًا باحتفاظ محكمة القدس الشرعية بسجلاتها منذ أوائل العهد العثماني، فكانت مهمتي البحثية الأساسية "تتلخص" في قراءة أكثر من خمسين سجلً، تغطي فترة حكم آل فروخ، والكشف من خلال وثائق هذا الأرشيف، عن حقيقة سياستهم المطبقة على السكان25. اكتشفت سريعًا أن الكتابات العبرية أهملت كثيرًا مما جاء في المراجع العربية المنشورة عن آل فروخ، وهي التي أكدت أصولهم المملوكية الشركسية27. لكنها أيضًا، وهذا هو الأهم، سلّطت الأضواء على ما لحق الأقلية اليهودية في القدس من قمع وظلم محمد بن فروخ، متجاهلة أن ما عانوه كان جزءًا لا يتجزأ من سياسته تجاه السكان عامةً. أما اكتشافي الأهم، خلال تحضيري رسالة الماجستير، فكان استغراب كثير من المثقفين في القدس وغيرها اختياري موضوعًا كهذا للبحث. اعتقد بعضهم أن ما كتبه عارف العارف في المفصل يغطي العهد العثماني "البغيض"، ولا حاجة إلى مزيد28، وقال آخرون علينا الاهتمام بتاريخ واقعنا المأساوي المعاصر، وترك "حكم الأتراك" وعهدهم في حاله. وقد دفعتني تلك الأقوال، وغيرها من الأمور التي سأعود إلى ذكرها لاحقًا، إلى قراري باستمرار البحث في تاريخ فلسطين أيام العثمانيين. انتقلت في أطروحة الدكتوراه إلى بحث مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين خاصة، والمشرق العربي عامة، ألا وهي تاريخ القدس ولوائها بين حملتين (1798 - 1831). بدأت تلك المرحلة بحملة نابليون بونابرت على مصر، ثم على فلسطين، واعتبرها كثير من المؤرخين بدايةً لتاريخ الشرق الأوسط الحديث29. أما خاتمتها، فحملة إبراهيم باشا على بلاد الشام، وبداية عقد (1831 - 1840) من الحكم المصري لهذه المنطقة. إن هذا العقد شهد تطبيق ما يسمى "إصلاحات" محمد علي باشا في بلاد الشام، وازدياد النفوذ الأوروبي في فلسطين، وشهد في أواخره بداية ما يُطلق عليه "عصر التنظيمات العثماني". وكان جليًا لي، قبل التفتيش عن المصادر لأطروحتي، أني سأعالج فيها مدى صحة تلك الآراء الاستشراقية من وجهة نظر أهالي البلاد، وبحسب مصادرهم المحلية30. اختلفت أطروحة الدكتوراه عن رسالة الماجستير في أنها لم تؤرّخ للحكام وسياساتهم فحسب، بل عالجت بعض جوانب حياة الناس اليومية، أضف إلى ذلك أنها بحثت في دور علماء القدس وأعيانها، وكذلك مشايخ الريف الذين أدّوا دورًا مهمًا في حكم اللواء وإدارته، وظل سجل محكمتها الشرعية المصدر الأساسي للبحث. ولما عاينت سجل محكمة يافا الشرعية، وجدت أن الجزء المتعلق بالحملة الفرنسية منه مفقود، لكن ما يتعلق بالسنوات التي تلتها موجود31.
ولما كان محمد علي باشا (1769 - 1849)، والي مصر، قد أدى دورًا مهمًا في تاريخ بلاد الشام، إلى جانب السلطان العثماني، فإني سافرت إلى القاهرة وإسطنبول، لمعاينة وثائق أرشيفاتهما32، واستفدت من أرشيف "دار الوثائق"، وكذلك "دار المحفوظات" المصرية، والأرشيفات العثمانية. لكن المصادر المتوافرة في القدس ظلت المصدر الأهم للتاريخ المحلي، ثم اكتُشفت أن بعض العائلات المقدسية (الخالدي، والحسيني، وأبو السعود، والإمام، وغيرها) تحتفظ بأوراق ووثائق عائلية، أضافت معلومات مهمة عن العلماء، أصحاب الوظائف، وعلاقاتهم بالحكم المركزي في إسطنبول ودمشق33، وقد صارت تلك العائلات، وأمثالها من النخب الحضرية، القيادات السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية بعد زوال الحكم العثماني. لقد عكست المصادر العربية المعاصرة للأحداث في القدس، وغيرها من أنحاء فلسطين، وجهة نظر مخالفة لروايات المستشرقين الأوروبيين، والقوميين العرب؛ فقد صار أعيان المدن ومشايخ الريف شركاء في الحكم خلال أوائل القرن التاسع عشر، ولم ينظروا في تلك الحقبة إلى العثمانيين على أنهم غرباء محتلون للبلاد العربية، وإنما اعتبروهم استمرارًا طبيعيًا للدول الإسلامية الحاكمة في المشرق العربي منذ العصور الوسطى. ولما جاءت الحملة الفرنسية لاحتلال البلاد، اعتبرها كثيرون عودةً إلى الغزوات الصليبية، فهبّوا لمقاومة تلك الحملة، ملبيّن نداء السلطان للجهاد ضد "الفرنجة"، ولما أخفق نابليون بونابرت في احتلال مدينة عكا المحصنة، كتب الشعراء قصائد تشيد بحاكمها الجزار، على الرغم مما عرف عن ظلمه وبطشه بالأهالي34. ولما زحفت جيوش محمد علي لاحتلال بلاد الشام من العثمانيين، لم يُبدِ كثير من الأهالي تأييدًا لحاكم مصر، بل إن أعيان القدس وقفوا ضد هذه الحملة لما كانت تحاصر عكا مدة ستة أشهر35، إضافة إلى أنهم شقّوا عصا الطاعة عام 1834، في أنحاء مختلفة من فلسطين، ضد حكم محمد علي الذي حاول تجريدهم من الحكم الذاتي، من خلال الضرائب المباشرة وجمع السلاح من الأهالي36. فالثورة ضد "مؤسس مصر الحديثة" كانت دفاعًا عن مصالح الأهالي ضد الحكم المباشر القمعي، وليس ضد إصلاحاته، كما يدّعي كثير من المؤرخين العرب الذين تبنّوا الرواية الاستشراقية الحداثوية. إن هذه النماذج من الأبحاث في تاريخ فلسطين، خلال العهد العثماني، تثبت عدم دقة الرواية القومية العربية التي ما زالت تتوالد في كتابات مؤرخي ذلك العهد37.
ثالثًا: النكبة الفلسطينية وتاريخ الباقين المنسيين
اختلفت تجربتي البحثية في موضوع نكبة عام 1948 وأثرها، خلال العقد الأول الذي تلاها، في من بقي في حيفا والجليل، عن تجربتي في التأريخ للعصر العثماني38؛ فبخلاف العهد العثماني المديد الذي كان وانتهى، فإن النكبة وتبعاتها ما زالت جرحًا مفتوحًا في
الذاكرة الحية، ومصادر المعرفة العصرية المتنوعة. لكن المشترك في التجربتين لا يقل عن أوجه الاختلاف والتنوع في المصادر المتوافرة، لإعادة الفلسطينيين إلى فاعليتهم في تاريخ وطنهم. فالتاريخ الاجتماعي، والبحث في الاقتصاد السياسي، يمكّنان المؤرخ من طرح أسئلة بحثية جديدة، تعيد المهمشين إلى التاريخ. والباقون في شمال فلسطين بعد النكبة عانوا مدةً طويلة التهميش على جانبي خط الصراع، أي من الإسرائيليين والعرب في الوقت نفسه؛ لذا قررت إنجاز بحث عن هؤلاء الباقين، يُؤنْسن حكايتهم ويخرجها من ثنائية البطولة والخيانة التي تغمر كتابات كثيرة حُبّت عن النكبة وتبعاتها على الفلسطينيين. تمحورت أغلبية الكتابات العربية عن النكبة وتبعاتها حول عدالة قضية فلسطين، والقليل منها عالج مصير المنكوبين أنفسهم. وأدت سياسة المقاطعة العربية لإسرائيل، حتى نكسة حزيران/ يونيو 1967، إلى إهمال المعرفة عن الأقلية العربية الباقية فيها. وتوجهت الأنظار إلى مصير الباقين في "الداخل"، بعد اكتشاف شعراء المقاومة، وعلى رأسهم محمود درويش (1941 - 2008) وسميح القاسم (1939 - 2014)، ثم نشر إميل حبيبي (1922 - 1996) روايته المتشائلعام 1974؛ إذ كشف فيها بلغة ساخرة ولاذعة بعض المستور في حكاية الباقين في حيفا والجليل تحت الحكم العسكري. لكن الأبحاث الأكاديمية وإنتاج المعرفة الجادة عن هذه الأقلية الفلسطينية التي ظلت تعيش في ما صار "الدولة اليهودية" ظلّت نادرة الوجود. فما أسباب إهمال التاريخ للبقية الباقية من الفلسطينيين في الوطن المحتل بعد النكبة؟ لم يعرف جيل الباقين في الوطن، بعد عام 1948، ولا سيما الفلاحون منهم، القراءة والكتابة؛ لذا لم يكتبوا يوميات أو مذكرات، فباتت شهاداتهم الشفوية المصدر الرئيس لتقديم رواياتهم ووجهات نظرهم لأحداث النكبة وتبعاتها عليهم. والذاكرة، كما هو معروف، مصدر إشكالي لكتابة التاريخ، إذا ما اعتمدنا عليها من دون فحص أو تمحيص. لكن الرفض القاطع للتوثيق الشفوي بسبب إشكاليات الذاكرة، عقبة تخطاها البحث التاريخي. وفي ظل غياب أرشيفات عربية، بات شهود العيان لأحداث النكبة وما تلاها مصدرًا لا يمكن الاستغناء عنه. ولما كانت مذكرات أبناء جيل النكبة الباقين في حيفا والجليل محدودة، أضحى الاستماع إلى الشهادات الشفوية ضرورة ملحّة قبل رحيلهم عن هذه الدنيا، وقد نجحتُ في مقابلة نحو 120 شخصًا في حيفا والناصرة وقرى الجليل، ممن عايشوا أحداث النكبة وما تلاها من سنوات الحكم العسكري. استند كتاب نكبة وبقاء إلى الرواية الشفوية لشهود العيان، وكتابات التاريخ المحلي، مدعومة بكمّ لا يستهان به من المصادر والمراجع الأولية والثانوية. إن هذا الدمج بين المصادر المتوافرة كافة من جميع الأطراف مكّن الباحث من تقديم قراءة شاملة ومتكاملة لحكاية الباقين في شمال فلسطين. وأضافت قرارات محكمة العدل العليا في القدس، في العقد الأول بعد النكبة، صدقيةً إلى الروايات الشفوية التي سمعتها من شهود العيان؛ فقد حضر بعض الملتمسين وشهودهم إلى المحكمة حينذاك، وأدلوا بشهاداتهم عن المجازر وطرد السكان، عام 1948 وما تلاه، وكانت تلك الشهادات التي اعتمدها القضاة قد سُمعت في المحكمة بعد حلف اليمين على قول الحقيقة، في وقت قريب جدًا من الأحداث. وقد وجدت في حالات عدة أن الشهادات التي سُمعت في المحكمة، وتلك التي سمعتُها من الرواة أنفسهم، بعد مرور أكثر من خمسين عامًا، متطابقة في مضامينها وتفاصيلها إلى حد بعيد. باتت النكبة الفلسطينية علامة فارقة في تاريخ الفلسطينيين الذين خسروا وطنهم، وأضحوا جاليات متفرقة ومهمشة داخل الوطن وخارجه، وظلت حكاية المهمشين في شمال فلسطين مغيبة عقودًا عدة، حتى بعد "اكتشاف" شعراء المقاومة، وحدوث هبّة يوم الأرض في 30 آذار/ مارس 1976، ولما قررتُ كتابة هذه الحكاية وجدتُني مضطرًا إلى الكشف عن مصادر المعرفة أولً، وكان العمل الميداني،
والتحدث إلى شهود عيان عاصروا النكبة وما بعدها، في شمال فلسطين، تجربة مميزة تعلمت منها كثيرًا. وقد ساعدني الرواة الذين قابلتهم في اكتشاف بعض اليوميات والوثائق المحفوظة في خزائن مغلقة؛ فمصادر المعرفة ليست حكرًا على الأرشيفات الصهيونية ووثائقها. هذا إضافة إلى أن التزود بالمعرفة البديلة التي تعبّ عن وجهة نظر المهمشين ساعدني في قراءتي النقدية لتلك الوثائق، وتوظيفها في بلورة رواية المهمشين وتدقيقها. اختلفت حالة إسرائيل عن مثيلاتها من مجتمعات الاستيطان الكولونيالي في القرون السابقة، لأنها جاءت متأخرة، في حقبة علو شأن حقوق الإنسان والمواطن، بغضّ النظر عن لونه وعرقه. والحكم العثماني، على الرغم من ضعفه ومساوئه، منع سقوط فلسطين تحت حكم الاستعمار الأوروبي حتى الحرب العالمية الأولى، فضلً عن أنه وضع قيودًا وحدودًا لنشاط جمعيات الاستيطان الصهيوني، منذ عام 1882، بعكس الاحتلال البريطاني الذي جعل دعم تلك الجمعيات جزءًا لا يتجزأ من سياسته. ولما تبلورت الحركة الوطنية الفلسطينية، قاومت تلك السياسة بشدة في ثورة 1936 - 1939. وعلى الرغم من النكبة عام 1948 وما بعدها، ظلت أغلبية الشعب الفلسطيني تعيش على تراب الوطن أو قريبًا منه، من دون أن تستسلم للاحتلال الصهيوني ونظامه العنصري، ورافق الصمود وتحدي احتلال بقية المناطق الفلسطينية، عام 1967، بلورة فهم جديد للمشروع الصهيوني الإحلالي، ومقاومته الفكرية أيضًا.
خاتمة
إن المصادر الجديدة والموثوقة هي المواد الخام الضرورية لعمل المؤرخ. لكنها وحدها غير كافية لضمان النتاج الجاد والجيد للباحث، فعمل المؤرخ يحتاج إلى الأسئلة البحثية الملائمة، والمنهج النظري القويم لتأطير الحكاية، قبل الغوص في تفاصيلها. إضافة إلى أن الباحث في تاريخ فلسطين يواجه أيضًا نجاح المشروع الصهيوني في محو الرواية الفلسطينية، وتغييب كثير من مصادرها الأولية؛ لذا يواجه هذا الباحث تحدي اكتشاف مصادر بديلة من تلك التي نُهبت وصودرت، في سبيل إعادة الفلسطينيين عنصرًا فاعلً في تاريخ وطنهم، منذ العهد العثماني إلى يومنا هذا. لقد قدمت هذه الورقة نماذج من تجربتي البحثية الممتدة على أربعين عامًا ونيف، منذ إنجاز رسالة الماجستير عن حكم آل فروخ في فلسطين في القرن السابع عشر. علمتني هذه التجربة أن الأرشيفات العثمانية المركزية، كما سجلات المحاكم الشرعية، وغيرها من المصادر المحلية، هي مناجم غنية، ما زالت تنتظر المنقبين الجادين. إن هذه المصادر تلقي الضوء على التاريخ الحقيقي، بعيدًا عن الروايات الاختزالية القومية، والرؤية الاستشراقية والصهيونية المهمشة لأهل البلاد الأصليين، ودورهم في تاريخهم. ولما قررتُ كتابة حكاية الباقين في حيفا والجليل بعد النكبة، اكتشفتُ أن ذاكرة أهلنا في الداخل تختزن معلومات ثمينة، ظن الجلادون أن ضحاياهم قد نسوها. وبعد الاستماع إلى شهادات العشرات من الباقين، بتُّ أكتشف يوميات ووثائق عائلية، وأرشيفات وصورًا، أكدت صدقية التاريخ الشفوي؛ فالباحث مطالب أحيانًا بإنتاج مصادر جديدة للمعرفة، بمعنى اكتشافها وتوظيفها في قراءة نقدية للمصادر المعروفة، وعدم الاكتفاء بما هو مريح ومتاح منها. وعمل المؤرخ، في إعادة المهمشين إلى التاريخ، هو جزء مهم من عملية بناء الهوية والوعي الوطني في مواجهة محاولات التجريف والمحو لوجود الفلسطينيين على أرض وطنهم.
المراجع
العربية
ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. بيروت: دار الكتاب، [د. ت.].
الحسيني، حسن بن عبد اللطيف. تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري. مخطوط حصلت على نسخة منه من المرحوم الدكتور إسحاق الحسيني عام 1980.
سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، 1997.
الشريف، ماهر وعصام نصار. تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018.
الشهابي، حيدر أحمد. تاريخ أحمد باشا الجزار. بيروت: مكتبة أنطوان، 1955.
شوفاني، إلياس. الموجز في تاريخ فلسطين السياسي. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996.
شولش، ألكسندر. تحولات جذرية في فلسطين، 1856 - 1882: دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ترجمة كامل جميل العسلي. عمان: الجامعة الأردنية، 1988.
الصباغ، ميخائيل. تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني حاكم عكا وبلاد صفد. حريصا، لبنان: [د. ن.]، [د. ت.].
الطباع، عثمان مصطفى. إتحاف الأعزة في تاريخ غزة. تحقيق عبد اللطيف زكي أبو هاشم. غزة: مكتبة اليازجي، 1999.
العارف، عارف. المفصل في تاريخ القدس. القدس: مطابع دار الأيتام الإسلامية، 1961.
العورة، إبراهيم. تاريخ ولاية سليمان باشا العادل: يشتمل على تاريخ فلسطين ولبنان ومدنه وبلاد العلويين والشام. نشره وعلق عليه وألحقه بعدة سندات قسطنطين الباش. صيدا: مطبعة دير المخلص، 1936.
عوض، عبد العزيز. الإدارة العثمانية في ولاية سورية: 1864 - 1914. القاهرة: دار المعارف، 1969.
المحبي، محمد. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. بيروت: مكتبة خياط، 1966.
مناع، عادل. "آل فروخ: حكمهم وأعمالهم". رسالة ماجستير غير منشورة (بالعبرية). الجامعة العبرية، القدس، 1978.
________. تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني: 1700 - 1918. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1999.
________. لواء القدس في أواسط العهد العثماني: الإدارة والمجتمع منذ أواسط القرن الثامن عشر حتى حملة محمد علي باشا سنة 1831. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2008.
________. نكبة وبقاء: تاريخ فلسطينيين ظلوا في حيفا والجليل (1948 - 1956). بيروت/ رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2016.
النمر، إحسان. تاريخ جبل نابلس والبلقاء. ج 1. دمشق: مطبعة ابن زيدون، 1937.
________. تاريخ جبل نابلس والبلقاء. ج 1. ط 2. نابلس: مطبعة جمعية عمال المطابع التعاونية، 1975.
يزبك، محمود. مدينة البرتقال يافا: حضارة ومجتمع (1700 - 1840). بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018.
الأجنبية
• Ben Arieh, Yehoshua. The Rediscovery of the Holy Land in the Nineteenth Century. Jerusalem/ New York: The
Magnus Press - Hebrew University; The Israel Exploration Society, 1979.
• Doumani, Beshara. "Rediscovering Ottoman Palestine: Writing Palestinians into History." Journal of Palestine
Studies. vol. 21 , no. 2 (Winter 1992).
• Mansour, Camille & Leila fawaz (eds.). Transformed Landscapes: Essays on Palestine and the Middle East in
Honor of Walid Khalidi. Cairo/ New York: American University in Cairo Press, 2009.