العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المؤرخون العثمانيون وإصلاح الدولة: دراسة من خلال المصادر التاريخية

المؤرخون العثمانيون وإصلاح الدولة: دراسة من خلال المصادر التاريخية

Ottoman Historians and State Reform A Study Through Historical Sources

عبد الحي الخيلي*Abdelhay

EL Khili

الملخّص

واجهت الدولة العثمانية منذ أواخر القرن السادس عشر تحديات عميقة بسبب الأزمة التي أثرت في أهم مؤسساتها (السياسية والعسكرية والإدارية والمالية)، وكانت لها تداعيات على السلطة المركزية والولايات التابعة لها أيضًا. واقترح المؤرخون العثمانيون من خلال مؤلفاتهم التاريخية بعض الحلول والمشاريع الإصلاحية لتجاوز أزمة الدولة وإصلاح مؤسساتها. تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على آراء المؤرخين لتجاوز الدولة العثمانية أزماتها وتقديم بعض مشاريع الإصلاحات في الدولة العثمانية، ومن أبرزهم: لطفي باشا بن معين الألباني (ت. نحو 1562)، ومصطفى عالي الغاليبولي (1541-1600)، وحسن كافي الأقحصاري (ت. 1617)، وكاتب ﭽلبي (حاجي خليفة) (1609-1657)، وحسين أفندي الرومي، المعروف باسم "هزارفن" (ت. 1691/ 1692)، وقوﭽﻲ بك (ت. 1648)، وإبراهيم متفرقة (1674-1744). ومع الاهتمام بمراحل تطور الكتابة التاريخية في الدولة العثمانية، نبيّن أهم تصورات المؤرخين الأتراك ومقترحاتهم لإصلاح نُظم الدولة.

Abstract

Since the end of the sixteenth century, the Ottoman Empire faced deep challenges due to crises affecting its most important political, military, administrative and financial institutions, with repercussions on the central authority and its subordinate states as well. Through their historical writings Ottoman historians suggested solutions and projects to overcome the state's crisis and reform its institutions. This research aims to shed light on the most prominent Ottoman historians' views of the Empire's crises and suggestions for reform: Lütfi Paşa Bin Muin Al- Albani (d. About 1562 AD), Mustafa Ali Al-Gallipoli (1541 - 1600 AD), Hassan Kafi Al-Aqsari (d. 1617 AD), Kâtip Çelebi (Haji Khalifeh) (1609 - 1657 AD), Husayn Effendi al-Rumi, known as "Hazarvin" (d. 1691 / 1692 CE), Goji Bey (d. 1648 CE), and İbrahim Müteferrika (1674 - 1744 CE).

الكلمات المفتاحية:
  • الدولة العثمانية
  • الكتابة التاريخية
  • الأزمات
  • الإصلاح العثماني
Keywords:
  • The Ottoman Empire
  • Historical Writing
  • Crises
  • Ottoman Reform

دراسة من خلال المصادر التاريخية

Ottoman Historians and State Reform

A Study Through Historical Sources

واجهت الدولة العثمنية منذ أواخر القرن السادس عر تحديات عميقة بسبب الأزمة التي أثرت في أهم مؤسساتها (السياسية والعسكرية والإدارية والمالية)، وكانت لها تداعيات عى السلطة المركزية والولايات التابعة لها أيضًا. واقرح المؤرخون العثمنيون من خ لاا مؤلفاتهم التاريخية بعض الحلول والمشاريع الإصلاحية لتجاوز أزمة الدولة وإصلاح مؤسساتها. تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء عى آراء المؤرخن لتجاوز الدولة العثمنية أزماتها وتقديم بعض مشاريع الإصلاحات في الدولة العثمنية، ومن أبرزهم: لطفي باشا بن معن الألباني (ت. نحو 1562)، ومصطفى عالي الغاليبولي (1600-1541)، وحسن كافي الأقحصاري (ت. 1617)، وكاتب چلبي (حاجي خليفة) (1657-1609)، وحسن أفندي الرومي، المعروف باسم "هزارفن" (ت. /1691 1692)، وقوﭽﻲ بك (ت. 1648)، وإبراهيم متفرقة (1744-1674). ومع الاهتمم بمراحل تطور الكتابة التاريخية في الدولة العثمنية، نبيّ أهم تصورات المؤرخن الأتراك ومقرحاتهم لإصلاح نُظم الدولة. كلمت مفتاحية:  الدولة العثمنية، الكتابة التاريخية، الأزمات، الإصلاح العثمني.

Since the end of the sixteenth century, the Ottoman Empire faced deep challenges due to crises affecting its most important political, military, administrative and financial institutions, with repercussions on the central authority and its subordinate states as well. Through their historical writings Ottoman historians suggested solutions and projects to overcome the state's crisis and reform its institutions. This research aims to shed light on the most prominent Ottoman historians' views of the Empire's crises and suggestions for reform: Lütfi Paşa Bin Muin Al- Albani (d. About 1562 AD), Mustafa Ali Al-Gallipoli (1541 - 1600 AD), Hassan Kafi Al-Aqsari (d. 1617 AD), Kâtip Çelebi (Haji Khalifeh) (1609 - 1657 AD), Husayn Effendi al-Rumi, known as "Hazarvin" (d. 1691 / 1692 CE), Goji Bey (d. 1648 CE), and İbrahim Müteferrika (1674 - 1744 CE).

Professor of Modern History at the Faculty of Arts and Human Sciences at the Mohammed V University in Rabat, Morocco.

مقدمة

اهتمّ المؤرخون العثمانيون منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر بالتحولات العميقة التي شهدتها الدولة العثمانية بسبب

الأزمة التي مسَّت أهم نظمها وهياكلها، وارتبطت بعوامل ومسبّبات داخلية وخارجية جعلتها تتجدد باستمرار، وانعكست على السلطة

المركزية ومؤسساتها السياسية والعسكرية والإدارية والمالية المختلفة، فضلً عن الولايات التابعة لها. عبَّ رجال الإصلاح العثمانيون، كلٌّ من موقعه وتخصّصه، عن الخلل الذي شهدته مختلف مؤسسات الدولة. وكانت المؤلفات

التاريخية، إلى جانب رسائل الإصلاح السياسي وتقارير السفراء، ذات أهمية كشف من خلالها المؤرخون ورجال الفكر والسياسة عن تصوراتهم وأفكارهم لتشخيص واقع الدولة والدعوة إلى إصلاح مؤسساتها. فما أهم مراحل تطور الكتابة التاريخية في الدولة العثمانية؟ وكيف قارب المؤرخون الأتراك الخلل الذي شهدته مؤسساتها منذ القرن السادس عشر؟ وما حلول الإصلاح التي اقترحوها؟ وهل نجحوا في تقديم مشاريع إصلاحية لتجاوز أزمة الدولة وتحديث مؤسساتها؟

أولً: مراحل تطور الكتابة التاريخية يف الدولة العثمنية

قبل توضيح تصورات المؤرخين لإصلاح نظم الدولة العثمانية وتحديثها بين النصف الثاني من القرن السادس عشر ومطلع القرن التاسع عشر، اعتمادًا على المصادر العثمانية التي اهتمت بموضوع الأزمة والإصلاح، لا بدّ من تقديم أهم مراحل تطور الكتابة التاريخية

في الدولة العثمانية، وأهم مميزاتها والقضايا التي تناولتها، ودورها في التعريف بالتاريخ العثماني. بدايةً، يجب تأكيد أنّ الروايات التاريخية المتعلقة بظهور العثمانيين وبداياتهم في الأناضول كُتبت في مراحل لاحقة. وظهرت أولى

تلك الكتابات في مطلع القرن الخامس عشر، ومال أغلبها إلى الخيال والأسطورة، واستُمدت من الملاحم التركية القديمة والتراث الفارسي

والروايات الشفوية التي مجّدت سيَ الأبطال والغُزاة وفكرتَ الغزو والجهاد، أو ترجمت مناقب الدراويش والأولياء. كما ظهرت بعض

التواريخ خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر، خلال عهد السلطان مراد الثاني تحديدًا (1421 - 1451) التي كان الهدف منها

تأصيل علاقة العثمانيين بأتراك آسيا الوسطى، ومنها كتاب يازجي زاده علي أوغوزنامهأو تواريخ آل سلجوق (1436 / 1437).

1 المقصود ب  "الأزمة" هو بداية تراجع الدولة العثمانية بعد وفاة السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1566، وكان من أهم مظاهرها الهزائمُ العسكرية للجيش العثماني

أمام الجيوش الأوروبية، ووصول عدد من السلاطين الضعاف إلى الحكم؛ ما أدى إلى تدخل "الحريم" في تسيير شؤون الحكم، ثم الفساد الإداري وتراجع موارد خزينة

الدولة. وقد اختلفت الأزمة التي عرفتها الدولة العثمانية خلال تلك المرحلة عن الأزمات السابقة؛ لأنها مسّت أغلب مؤسسات الدولة وهياكلها، وكان لها امتداد في الزمان

والمجال. ووصل الأمر خلالها إلى اغتيال مجموعة من السلاطين والوزراء، أبرزهم عثمان الثاني عام 1622، وسليم الثالث عام 1808. ينظر: محمد فريد بك، تاريخ الدولة

العلية العثمانية، تحقيق إحسان حقي، ط 9 (بيروت: دار النفائس، 2003)، ص 137 - 149؛ خليل إينالجيك، تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، ترجمة

محمد الأرناؤوط (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2002)، ص 30 - 32؛ عبد الحي الخيلي، "النخبة المثقفة وأزمة السلطة في البلاد الإسلامية بين القرنين السادس عشر والثامن

عشر الميلاديين: المغرب والدولة العثمانية نموذجًا (دراسة مقارنة)"، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2012.

Louis Bazin, "La Vie intellectuelle et culturelle dans l'Empire ottoman," in: Robert Mantran, Histoire de L'empire Ottoman (Paris: Fayard, 1989), p. 701.

ينظر الترجمة العربية: لوي بازان، "الحياة الفكرية والثقافية في الإمبراطورية العثمانية" في: روبير مانتران، تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة بشير السباعي، ج 2 (القاهرة: دار

الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1993)، ص 452 - 453.

3 كُتبت معظم الكتابات التاريخية العثمانية في السنوات التي أعقبت معركة أنقرة عام 1402 م. ويُعدُّ ملحق تاريخ أحمدي، وهو بعنوان "دستان تواريخ ملوك آل عثمان"، الذي ذيَّل

به ملحمته الشعرية تحت عنوان إسكندرنامه، أول تاريخ باقٍعن آل عثمان. وقد كُتب للأمير سليمان چلبي (1377 - 1411 م) الذي كان أحد المتنافسين على العرش بعد هزيمة والده

بايزيد الأول (1389 - 1403 م) في معركة أنقرة. وسبق أن كتب يخشي الفقيه بن إلياس (ت. بعد عام 1413 م) (الذي دوَّن ما سمعه من والده، إمام أورخان بك الغازي 1324 - 1362 م)

تاريخًا بعنوان مناقب آل عثمانفي نحو عام 1390 م، الذي عَلِمنا به من خلال كتاب تاريخ عاشق باشا زاده تاريخي. والمناقب مؤلفات تاريخية ترجع إلى مطلع القرن الخامس

عشر للميلاد، وقد شكلت المصادر الأساسية لعاشق باشا زاده، وأوروغ بك بن عادل الأدرنوي، وغيرهما من المؤرخين الذين كتبوا في العقود الأخيرة من ذلك القرن. ينظر: عبد اللطيف

الحارس، "مراجعة كتاب لجمال كفادار، بين عالمين: بناء الإمبراطورية العثمانية"، الاجتهاد (بيروت)، السنة العاشرة، العدد 41 - 42 (شتاء وربيع 1419 ه - 1999 م)، ص 343 - 374.

لكنّ بداية الكتابة التاريخية العثمانية الحقيقية تعود إلى عصر السلطان محمد الثاني (1451 - 1481)؛ إذ شهدت عصرها الذهبي في عهد السلطان بايزيد الثاني (1481 - 1512)، وظهرت كتب الأخبار التي تُمجّد مآثر الأسلاف. غير أنّ تلك الكتابات لم تكن موضوعيةً أحيانًا في ذكر الحوادث المتعلقة بظهور العثمانيين إذا ما قورنت بالنصوص اليونانية واللاتينية التي أرَّخت للمرحلة نفسها. وخلال تلك

المرحلة أيضًا، اصطبغت كتابة التاريخ بالصبغة الفارسية التي كانت لغة البلاط والإدارة والأدب، وبرز ذلك من خلال استحداث منصب ال "شاهنامجي" في البلاط العثماني. وألَّف المؤرخ إدريس البدليسي (1455 - 1520) أول شاهنامه عثمانية بعنوان هشت بهشت (1506)، وقد أرّخ فيها للسلاطين الثمانية الأوائل. خلال القرن السادس عشر، تطورت كتابة التاريخ، واتَّسمت بالتركيز على الوثائق أو الشهادات المباشرة للوقائع والأخبار، فضل عن التوجّه نحو كتابة التواريخ المحلية. وألّف عدد من المؤرخين تراجم خاصة للسلاطين العظام؛ منها سليم نامه لشكري البدليسي،

وسليمان نامهلفتح الله عارف چلبي. ومن جهة أخرى، ظهر لونٌ آخر من كتابة التاريخ اهتمَّ بأخبار الحملات البحرية العثمانية، عُرف

ب "غزوات نامه"، تحدث عن مآثر كبار "ريّاس البحر". اتّسم القرن السادس عشر أيضًا ببروز كبار الإخبارييّن، ومنهم كمال باشا زاده (ت. 1534) الذي أحدث طفرة في كتابة التاريخ

العثماني؛ من خلال ترجمته عددًا من الأعمال التاريخية عن الفارسية والعربية إلى التركية، وتأليفه كتاب تواريخ آل عثمان. كما ألّف الصدر الأعظم لطفي باشا (1539 - 1541) كتابًا في تاريخ الدولة العثمانية، بعنوان تواريخ آل عثمان، يُغطي تاريخ الدولة منذ بدايتها

إلى عام 1553؛ أي الجزء الأعظم من حكم السلطان سليمان القانوني (1520 - 1566). ومن أهم ما كُتب في هذه المرحلة أيضًا كتاب تاج التواريخ لشيخ الإسلام سعد الدين خوجة أفندي (ت. 1599) الذي عرض فيه لتاريخ الدولة العثمانية منذ نشأتها إلى نهاية عهد السلطان سليم الأول (1512 - 1520). وأصبح هذا الكتاب مرجعًا لعدد من المؤرخين الأتراك اللاحقين، منهم مصطفى سلانيكي

.(ت 1599) الذي ألّف تاريخًا وثَّق فيه الحوادث والوقائع بين عامَي 1563 و 1599، بوصفه شاهدًا على حوادث المرحلة ومُطّلعًا على

الوثائق والفرمانات وعارفًا، بصفته من رجال الإدارة، بوضعية نظم الدولة، ومُدركًا الخلل الذي بدأت تشهده مؤسساتها.

4 عبد الرحيم بنحادة، بحوث ودراسات في التاريخ العثماني (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2017)، ص 17 - 22؛ عبد الرحيم بنحادة، "لمحة عن الإستوغرافية

العثمانية"، في: عبد المجيد القدوري (تنسيق)، وقفات في تاريخ المغرب: دراسات مهداة للأستاذ إبراهيم بوطالب (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،

2003)، ص 559.

5 الشاهنامه: تاريخ ممزوج بالأساطير ومكتوب شعرًا. وقد ظلّت تُكتب بالفارسية حتى زمن سليمان القانوني (1520 - 1566). وكان تعليقي باشا زاده أول مؤلف بها باللغة

التركية، وهو أحد رجال الدولة الذي خدم السلطان مراد الثالث وشارك معه في كل الحملات العسكرية، وتولّ منصب "شاهنامجي" الدولة، وقد توفي في 25 تموز/ يوليو 1599،

بعد أن ترك ثلاثة مؤلفات تاريخية، هي: روانية وتبريزية وشاهنامهء همايون. ينظر: بنحادة، "لمحة عن الإستوغرافية"، ص 562 - 563.

6 ألّف بيري رايس (ولد بين عامي 1465 و 1470 وتوفي بين عامي 1553 و 1554) كتاب بحرية (كتاب البحر) الذي تميز بثراء المعلومات، واعتمد فيه على خرائط يونانية

قديمة (ولا سيَّما خرائط بطليموس)، وهو ما يدل على معرفته بالأعمال الخاصة في ميدان البحر. وألَّف سيد علي المرادي (ت.  1562) كتاب المحيطالذي عرَّف فيه بالمحيط

الهندي وجهود العثمانيين في مواجهة البرتغاليين، وهو بحث في الجغرافيا الفلكية أيضًا. وهناك كتاب مهم جدًّا ألّفه كاتب چلبي (حاجي خليفة)، هو: تحفة الكبار في أسفار

البحار، الذي وثّق فيه أهم معارك العثمانيين البحرية في البحر المتوسط والبحر الأحمر والبحر الأسود والخليج العربي، وبيّ فيه أقسام مؤسسة البحرية العثمانية، ومنها

ديوان البحرية، وعرَّف بأبرز قادة الأسطول العثماني. يُنظر: كاتب چلبي، تحفة الكبار في أسفار البحار (إستانبول: مطبعة بحرية، 1329 ه)؛ حاجي خليفة، تحفة الكبار في

أسفار البحار، تحقيق وترجمة محمد حرب وتسنيم حرب (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2017).

Mihail Guboglu, "L'historiographie Ottoman des XVe-XVIIIe siècle bref aperçu," Revue des Etudes Sud-est Européenne , tome 3 , no. 1 - 2 (1965), p. 85. Hoca Sadettin Efendi, Tacü'T-Tevarih (Istanbul: Kültür Bakanliği Yayinlari, 1979), p. 301 ;

ينظر: تواريخ آل عثمان لِلُطفي باشا، ترجمة محمد عبد العاطي محمد (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2019). 9 ينظر: مصطفى سلانيكي، تاريخ سلانيكي (فريبورك: [د. ن].، 1970).

يُعدُّ القرن السابع عشر مرحلة تطور كتابة التاريخ العثماني بامتياز، وهو "العصر الذهبي" على مستوى إنتاج المؤلَّفات المختصّة

بالتاريخ التي تميّزت بعدة خصائص، أبرزها: التطور الملحوظ على مستوى الكتابة التاريخية كمًّا ونوعًا؛ إذ أصبحت العودة إلى التاريخ ضرورةً لفهم واقع الدولة والبحث عن حلول

لإصلاح مؤسساتها وتحديثها. التوفيق بين الكتابة التاريخية والكتابة السياسية، وقد برز ذلك عند كبار المؤرخين الذين أرّخوا لحالة الدولة، وكتبوا في الآداب

السياسية رسائل الإصلاح أيضًا، لأنهم عملوا في مختلف فروع الإدارة العثمانية السياسية والمالية والعسكرية، ومن أبرزهم كاتب چلبي وهزارفن، ومصطفى عالي، وقوچى بك، ومصطفى نعيما (1655 - 1716)، وغيرهم. تعيين أول مؤرخ رسمي للدولة العثمانية "وقايع نويس"، وتكليف مصطفى نعيما بكتابة تاريخها. لكنّ إنتاج المؤلفات التاريخية خلال القرن الثامن عشر قد تراجع، واصطبغت بعض الكتابات التاريخية بالصبغة الأدبية والفقهية.

غير أن المهم في هذه المرحلة هو السعي إلى تعميم المعرفة التاريخية من خلال ظهور المطبعة، وسعي إبراهيم متفرقة، المشرف على طباعة

الكتب، إلى الاهتمام بنشر المصادر التاريخية وتوزيعها. وفي هذا الصدد، طُبعت مجموعةٌ من الأعمال التاريخية المهمة، لكنها كانت محدودة النتائج، وانتهت بالفشل. ومن جانب آخر، ركّزت الكتابة التاريخية على إشكالية الحرب والسلم، وانعكاسها على مستقبل الدولة، ما دفع بعض المؤرخين، أمثال راشد أفندي (ت. 1735) الذي تولّ مهمة منصب "وقايع نويس" بعد مصطفى نعيما، وأحمد عاصم أفندي (ت. 1819)، إلى التركيز على تاريخ العلاقات العثمانية - الأوروبية، وعلى المفاوضات السياسية التي تُوّجت بعقد معاهدات

مع الدول الأوروبية الكبرى، ومنها روسيا، كما تمَّ توثيق إرسال البعثات الدبلوماسية إلى الدول الأوروبية ونصوص السفارات التي

كتبها هؤلاء السفراء بعد عودتهم إلى إستانبول. أما خلال القرن التاسع عشر، فقد تأثرت كتابة التاريخ بالتغيرات الجذرية التي شهدتها الدولة في إطار مشروع التنظيمات، وبرز ذلك من خلال الانفتاح على أوروبا بشكل أكبر، وظهور كتابات استفادت من ترجمة بعض الأعمال من اللغات الأجنبية إلى التركية، ومن نشاط حركة الطباعة والصحافة. ومن أهم الأعمال في هذه المرحلة تاريخ جودت الذي أرّخ فيه أحمد جودت باشا (1822 - 1895)

للحقبة التاريخية بين عامَي 1774 و 1826، وبيّ فيه تاريخ الدولة العثمانية في إطار علاقتها بالدول الأوروبية، واستند إلى وثائق

10 عبد الحي الخيلي، النخبة والإصلاح: نماذج من الفكر الإصلاحي العثماني بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين (الرباط: منشورات كلية الآداب

والعلوم الإنسانية، 2014)، ص 69 - 95؛

Virginia H. Aksan, "Ottoman Political Writing 1768 - 1808 ," International Journal of Middle East Studies , vol. 25 (1993), pp. 53 - 69.

11 بشأن تأسيس قلم كاتب الوقائع "وقعه نويسى قلمى"، ضمن أقلام الديوان الهمايوني، والمؤرخين الذين أشغلوا هذا المنصب ومهماتهم حتى مطلع القرن العشرين،

يُنظر: نجيب عاصم، "عثمانلي تاريخ نويسلري ومؤرخلري"، في:   تاريخ عثمانى مجموعه سى، ج 6 (إستانبول: أحمد إحسان وشركاسى، 1329 ه)، ص 425 - 435؛ محمد

إبشيرلي، "التشكيلات المركزية"، في: أكمل الدين إحسان أوغلي [وآخرون]، الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، ترجمة صالح سعداوي، ج 1 (إستانبول: مركز الأبحاث للتاريخ

والفنون والثقافة الإسلامية، 1999)، ص 202 - 203.

12 طبع في مطبعة إبراهيم متفرقة نحو 17 كتابًا بين عامَي 1729 و 1745، ومن أهم كتب التاريخ التي طُبعت: تحفة الكبار في أسفار البحار وتقويم التواريخلكاتب چلبي،

وتاريخ سياح (أفغانستان) للراهب قروزينسكي (ترجمه إبراهيم متفرقة)، وتاريخ الهند الغربي المسمى بحديث نو لأمير محمد بن أمير حسن السعودي، وتاريخ تيمور

كوركان لأحمد بن محمد بن عربشاه (ترجمة نظمى زاده مرتضى أفندي البغدادي)، وأحوال غزوات در ديار بوسنه لعمر أفندي البوسنوي، وتاريخ مصر القديم والجديد

لسهيلي أفندي، وتاريخ نعيما لمصطفى نعيما، وتاريخ راشد لراشد أفندي وتاريخ چلبي زادهلعاصم أفندي. 13 عقدت الدولة العثمانية عدة معاهدات مع الدول الأوروبية؛ منها معاهدات مع روسيا، أبرزها: معاهدة كوﭽك قينارجة عام 1774، ومعاهدة ياش عام 1792، ومعاهدة

بخارست عام 1812، ومعاهدة خونكار اسكله-سى عام 1833 وغيرها. يُنظر:

Reşat Ekrem, Osmanlı Muahedeleri ve Kapitülâsiyonlar: 1300 - 1920 ve Lozan Muahedesi 24 Temmuz 1923 (Istanbul: Türkiye Matbası, 1934), pp. 100 - 161.

14 ينظر: أحمد جودت، تاريخ جودت، ج 12 (إستانبول: مطبعة علي بك، 1292 ه.)

ومستندات مهمة جدًّا بحكم عمله في الأرشيف العثماني. وفي هذه المرحلة أيضًا، ألّف عاصم أفندي تاريخًا للدولة العثمانية بين عامَي

1791 و 1808، عرض فيه أهم الحوادث الحاسمة في تاريخ الدولة، مثل حملة نابليون على مصر (1798 - 1801)، وتمرّد الإنكشارية في

عام 1807 على السلطان سليم الثالث (1789 - 1807). لكنّ المهم في كتابات عاصم أفندي، وغيره من مؤرخي هذه المرحلة، هو الدفاع

عن سياسة السلطان سليم الثالث الإصلاحية، ولا سيَّما مشروعَا "النظام الجديد" و"الإيراد الجديد"، واقتراح نماذج الإصلاح الأوروبية

الناجحة، ولا سيَّما التجربة الروسية. وعلى الرغم من أن القرن التاسع عشر شهد استمرار بعض الكتابات التي سجلت تراجم كبار رجال الدولة، مثل الصدور العظام، فإن كتابة التاريخ قد اتَّسمت في نهاية القرن بالاعتماد على المناهج الأوروبية الجديدة في كتابة تاريخ الدولة. ومثّل هذا الاتجاهَ كتابُ نقد

التواريخلرفعت باشا أفندي، وتلخيص تاريخ عثمانى لمحمد توفيق باشا. كما برز الانفتاح على التاريخ العالمي في هذه المرحلة أيضًا؛ ففي عام 1866، صدرت الترجمة التركية للتاريخ الشامل History Universal، واعتمدت وثائق جديدة مثل الخرائط والصور، وظهرت نظرة جديدة في الكتابة التاريخية تقوم على أساس التأريخ باعتماد المراحل التاريخية الكبرى، وهو ما تجلّ في كتاب فذلكه تاريخ عثماني، لأحمد وفيق باشا (1832 - 1890)، الذي استفاد منه المؤرخ عبد الرحمن شرف عند تأليفه تاريخدولت عثمانيه. في إثر ذلك، تبلورت الكتابة التركيبية للتاريخ العثماني التي ركّزت على البحث عن أسباب الوقائع ونتائجها، وعلى الإشكالات الجوهرية التي شهدها التاريخ العثماني، سواء الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية. وخير مَن نجح في تفسير مآل الدولة العثمانية من

هذه الزاوية هو المؤرخ مصطفى نوري باشا (1824 - 1890) عبر ثنايا كتابه نتايج الوقوعات. مع مطلع القرن العشرين، ارتبطت الكتابة التاريخية العثمانية بأعمال موسوعية سعت لتقديم حصيلة عن تاريخ الدولة العثمانية من خلال المادة التاريخية، ومثّل هذا الاتجاه شمس الدين سامي (1850 - 1904) في مؤلفه قاموس الأعلام، وبروسه لى طاهر بك (1861 - 1925) في معجمه. في أوائل القرن العشرين أيضًا (عام 1909) أ سّس مجمع التاريخ العثماني (تاريخ عثمانى انجمنى) وأصدر دورية في عام 1911

عُرفت ب  تاريخ عثمانى انجمنى مجموعه سى، وقد شكلت بداية حقبة جديدة من الكتابة التاريخية العثمانية، استندت إلى وثائق الأرشيف العثماني الغنية. وتحوّل هذا المجمع في ما بعد (عام 1930) إلى هيئة تُعنى بالتاريخ التركي، عرفت ب "مجمع التاريخ التركي"

Kurumu Tarihi Türk، الذي نشر أبحاثًا مهمةً عن التاريخ التركي، ولا سيَّما في ما يخصُّ الحفريات الأثرية. وعلى الرغم من عدم

استعماله وثائق الأرشيف في أبحاثه، فإنه عالج التاريخ العثماني وفق منظور موضوعي، مثلما فعل عددٌ من المؤرخين الأتراك اللاحقين

15 أوكلت إلى جودت باشا مهمة تصنيف الأرشيف العثماني، وقد عرف أحد المصنفات باسمه، تصنيف جودت؛ إذ تشكلت هيئة تصنيف الأوراق الرسمية والتاريخية

برئاسته في عام 1932، واكتمل العمل به في عام 1937، وهو يضم نحو 216572 وثيقة مفهرسة في 34  مجلدًا. ينظر: بهاء عبد القادر الإبراهيمي، "أهمية الوثائق العثمانية في

الأرشيفات العربية"، مجلة الوثائق العربية: الوثائق العثمانية في الأرشيفات العربية والتركية، عربيكا، دارة الملك عبد العزيز (2001)، ص 189 - 269. 16 عاصم أفندي، عاصم تاريخى (إستانبول: جريدهء حوادث مطبعه سى، [د. ت.])، ص 28 - 65. 17 توفيق محمد، تلخيص تاريخ عثمانى (إستانبول: مطبعة شركت مرتبيه، 1305 ه.) 18 ترجم الكتاب أحمد حلمي تحت عنوانتاريخء عمومي، ونشُر هذا الكتاب في إستانبول عام 1283 ه. يُنظر: بنحادة، "لمحة عن الإستوغرافية"، ص 580.

19 أحمد جواد، معلومات كافية في الممالك العثمانية (إستانبول: مطبعة أحمد مدحت، 1289 ه.) 20 مصطفى نوري باشا، نتايج الوقوعات، ج 4، ط 2 (إستانبول: أخوت مطبعه سى، 1327 ه.) 21 شمس الدين سامي، قاموس الأعلام، ج 6 (إستانبول: مطبعة مهران، 1306 - 1316 ه.) 22 محمد طاهر بروسه لى، عثمانلى مؤلفلرى، ج 3 (إستانبول: مطبعهء عامره، 1333 ه.)

ممَّن قرؤوا التاريخ العثماني قراءةً علمية موضوعية شاملة، ومن أبرزهم عمر لطفي برقان (1902 - 1979)، وإسماعيل حقي أوزون جارشيلى (1888 - 1977) وخليل إينالجيك (1916 - 2016) وكمال كاربات (1923 - 2019) وإلبر أرطايلى (1947 -) وغيرهم.

ثانيًا: تصوّرات المؤرخين ومقترحاتهم لإصلاح نُظم الدولة العثمنية

من أجل دراسة تصوّرات المؤرخين العثمانيين لإصلاح نُظم الدولة ومؤسساتها، والتعرف إلى منهجية الكتابة وزوايا التحليل

التاريخي لديهم، ركّزنا على مصادر تاريخية مهمة، ولا سيَّما ما ألّفه كبار المؤرخين أمثال لطفي باشا، وكاتب چلبي، ومصطفى عالي،

وهزارفن وقوﭽﻲ بك، ومصطفى نعيما، وإبراهيم متفرقة، وعاصم أفندي، وأحمد واصف أفندي (ت. 1806)، وأحمد جودت باشا، ومصطفى نوري باشا، وغيرهم، ممَّن كانوا على دراية بالخلل الذي شهدته مختلف النظم الإدارية والعسكرية والمالية في الدولة

العثمانية، لأنهم تولّوا وظائف مهمةً في تلك المؤسسات، وكانوا خبراء في تسيير شؤون الإدارة، وبذلك قدموا مشاريع مهمةً لإصلاح تلك المؤسسات وتحديثها.

1. تشخيص أزمات الدولة

أهم ما ميَّز كتابة التاريخ العثماني منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر هو "النظرة الفلسفية" في تشخيص الأزمات والدعوة

إلى إصلاح المؤسسات. فقد توقف جلُّ المؤرخين العثمانيين عند مظاهر أزمة المركز العثماني، واعتمدوا نظرية عبد الرحمن بن خلدون في تشخيص واقع الدولة "التي ظهرت فيها علامات الانحراف، وعلى قوتها آثار الاختلاف [...] حتى أصبحت تعيش زمان التوقف والانحطاط [...] ووصلت مرحلة الهرم المؤدي إلى الموت". وأكدوا ضرورة البحث عن العلاج وإصلاح مؤسسات الدولة قبل فوات الأوان. كما تنبّهوا إلى خطورة امتداد تلك الأزمة إلى الولايات التي بدأت تتّجه نحو الانفصال التدريجي عن السلطة المركزية، ووصفوا

تلك العلاقة بأنها أصبحت "موجودة الاسم معدومة الجسم"، بمعنى أنها علاقة اسمية أكثر منها فعلية. ومن أجل تجاوز ذلك الخلل، قدّموا تصورات مهمة لإصلاح مؤسسات الدولة وتحديثها في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والمالية والإدارية وغيرها.

2. تصورات المؤرخين العثمنيين للإصلاح والتحديث

أكد أغلب المؤرخين العثمانيين أن التاريخ مدخل أساسي من مداخل إصلاح الدولة، لأن دراسة التجارب التاريخية في الإصلاح، سواء من خلال التاريخ العثماني أو "التاريخ العالمي"، كفيلة باستنباط حلول لمعالجة الخلل الذي شهدته مؤسسات الدولة. وعبّ كاتب چلبي عن هذا التصوّر في مؤلفيه تقويم التواريخ وفذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار. وبيّ إبراهيم متفرقة ذلك من

23 كاتب چلبي، دستور العمل لإصلاح الخلل (إستانبول: تصوير الأفكار، 1280 ه)، ص 120 - 123. 24 مصطفى نعيما، روضة الحسين في خلاصة الخافقين (إستانبول: دار الطباعة العامرة، 1281 ه)؛ كاتب چلبي، فذلكهء كاتب چلبي، ج 2 (إستانبول: جريدهء حوادث

مطبعه سى، 1287 ه)؛ لطفي باشا، تواريخ آل عثمان (إستانبول: مطبعهء عامره 1341 ه)؛ سلانيكي. 25 قوﭽﻲ بك، قوجى بك رساله سى (إستانبول: أبو الضياء مطبعه سى، 1303 ه)، ص 51؛ صاري محمد باشا، نصائح الوزراء والأمراء (برنستون: دار الفنون مطبعه سى،

1935)، ص 118. 26 كاتب چلبي، تقويم التواريخ (إستانبول: مخطوط الخزانة السليمانية، [د. ت.])، رقم 2399.

خلال تصديره كتاب تاريخ نعيما، وفي رسالته أصول الحكم في نظام الأمم، وعبَّ عن ذلك بقوله: "إن التاريخ مدخل أساسي من

مداخل إصلاح السلطنة [...] كما أن تكثير كتب التاريخ ضرورة من ضرورات التجديد والإحياء للدولة العثمانية". ومن أجل ذلك، قدّم المؤرخون مشاريع مهمة لإصلاح نُظم الدولة وتحديثها في مختلف المجالات.

أ. الإصلاح السيايس

أكدت المدوّنات التاريخية العثمانية ضرورة القيام بإصلاحات سياسية عميقة تشمل المؤسسات العليا التي أصابها الخلل والفساد.

واقترح المؤرخون القيام بإصلاحات سياسية اعتمادًا على ما يمكن تسميته "ميثاق سياسي" يحدّد العلاقة بين السلطة والمجتمع، وقد تطوّر إلى إصلاحات سياسية أعمق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. أجمعت أغلب المصادر التاريخية منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر (لطفي باشا، وحسن كافي الأقحصاري، وقوچى بك، وهزارفن، وكاتب چلبي، ومصطفى نعيما، وغيرهم) على ضرورة القيام بإصلاحات سياسية لتجاوز الخلل الذي شهدته نُظم الدولة المختلفة، مثل مؤسسة السلطنة والصدارة العظمى والإدارة والجيش. وحُدّدت أصول تلك الإصلاحات السياسية في إطار ميثاق سياسي

يحدّد علاقة السلطان بالرعية بوصفه أعلى هيئة في الدولة. وتضمّن ذلك الميثاق بنودًا عِدّة، أهمها: إقامة العدل السياسي والاجتماعي

باعتماد حسن السياسة والتدبير، والعمل بمبدأ الشورى في الحكم، والحرص على تلازم السياسة العقلية والشرعية، إلى جانب مراعاة مصلحة الدولة. أجمع المؤرخون في تصوّرهم الإصلاح السياسي على فكرة أساسية، هي كيفية ضمان "نظام السلطنة وامتدادها"؛ إذ بيَّ

الأقحصاري أن "العدالة وحسن السياسة" عمادُ الإصلاح السياسي، وذلك بتفويض الأمور إلى أهلها، وأكد ذلك من خلال استحضار

المقولة الشهيرة "لا سلطان إلّ بالرجال، ولا رجال إلّ بالمال، ولا مال إلّ بالعمارة، ولا عمارة إلّ بالعدل وحسن السياسة". فمفهوم العدل يعني العدل السياسي والاجتماعي والمالي والإداري. أما طورسون بك (1426 - 1492)، فأبرز أن نظام السلطنة يقوم على أساس حكم السلطان الحازم الذي يُعَدُّ وجوده ضرورة لتحقيق النظام، واشترط فيه أربعة شروط: العدل والصبر والحكمة والاعتدال. فالعدل

هو الضامن لحقوق الرعيّة من الجور والظلم؛ من أجل نظام متوازن للعالم العثماني. في حين حثّ لطفي باشا على اقتران العدل بالتقوى

في علاقة السلطان بالرعيّة، وهو نهج السلف الصالح من سلاطين آل عثمان، ولا سيَّما السلطان سليم الأول (1512 - 1520)؛ إذ أشاد

بتجربته السياسية في تحقيق العدل، وحذّر من الاستبداد المؤذن بخراب الدولة وفراغ الخزينة. فعلاقة السلطة بالرعية يجب أن تؤسّس على العدل لضمان خدمة الرعيّة للدولة، وهو ما يضمن موارد قارة للخزينة.

27 إبراهيم متفرقة، أصول الحكم في نظام الأمم (إستانبول: دار الطباعة العامرة، 1144 ه/ 1731 م). وتوجد أيضًا في خزانة نور عثمانية في إستانبول تحت رقم: 3153.

وصدرت في دراسة محققة بالتركية الحديثة. ينظر:

Adil Şen, İbrahim Müteferrika ve Usülü'l Hikem fi Nizam'i-Ümmen (Ankara: Turk Diyanet Vakfi Yayinlari, 1995).

نظرًا إلى أهمية هذه الرسالة، نشُرت لها ترجمةٌ فرنسيةٌ في فيينا بعنوان:

Ibrahim Muteferrika, Traité de Tactique , Karl Emerich Alexander Reviezky von Revisnye (trad.) (Vienne: Trattner, 1769).

28 إبراهيم متفرقة، مقدمة تاريخ نعيما (إستانبول: دار الطباعة العامرة، 1281 ه)، ص 12 - 13. 29 حسن كافي الأقحصاري، أصول الحكم في نظام العالم، دراسة وتقديم إحسان صدقي العمد (الكويت: منشورات دار ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع، 1987)، ص 121. 30 ذكر أغلب رجال النخبة العثمانية هذه المقولة في رسائلهم بصيغ مختلفة تؤدي المعنى نفسه. ينظر: الأقحصاري، ص 123؛ چلبي، دستور العمل، ص 123 - 124؛ نعيما،

ج 1، ص 39 - 40. 31 لطفي باشا، آصف نامه، ص 7 - 22. نشر متن رسالة آصف نامه للوزير لطفي باشا في:

Rudolf Tschudi, Das Asafnâme des Lutfi Pascha (Berlin: Mayer & Müller, 1910).

أما قوﭽﻲ بك، فأكد ضرورة التلازم بين العدل السياسي والاجتماعي، ولا سيَّما في علاقة السلطة المركزية بالولايات التي يعاني

فقراؤها الجور الضريبي المؤذن بالخراب. في حين تؤدي العدالة السياسية والاجتماعية إلى انتظام أحوال الفقراء وطول عمر السلطنة وتوجب الجنة للسلطان. وبيّ أيضًا أن قوة الدولة من قوة العسكر، وبقاء العسكر ببقاء الخزينة، والخزينة تُحصّل من الرعية، وبقاء

الرعية لا يكون إلّ بالعدل. فالعدل السياسي والاجتماعي هو الضمان لقوة الدولة واستمرارها. في حين قدّم كاتب چلبي تحليلً للإصلاح السياسي، اعتمادًا على نظرية ابن خلدون، وفقًا لمقاربة "علم الاجتماع السياسي"؛ إذ

قال: "إن أساس اجتماع النوع البشري من أجل تأسيس الدولة والملك يُبنى على أساس قانون العدل" الذي يجب أن يحكم جُلّ

مكونات المجتمع؛ ف "لا ملك إلّ بالرجال، ولا رجال إلّ بالسيف، ولا سيف إلّ بالمال، ولا مال إلّ بالرعية، ولا رعية إلّ بالعدل". فمعيار العقل وقانون العدل يقتضيان إحقاق الحق وتنفيذه وإبطال الباطل. إن إقامة العدل واجتناب الظلم هما الرابط الذي يجب أن يجمع السلطة بالرعية في المركز والولايات، مثلما كان الأمر في زمن سلف السلطنة، وهو ما يجب العودة إليه؛ كما يقول كاتب چلبي. فالسلطان هو المسؤول الأول عن تطبيق قانون العدل، ويجب أن يتميز بالاستقامة والحزم والعدل وحُسن تدبير أمور الدولة. أبرزَ هزارفن، أيضًا، تصوّرًا مهمًّا للعدالة؛ إذ دعا إلى ضرورة عدل السلطة في علاقاتها بولاياتها. غير أن أهم ما ميّز تصوره هو

مقارنته عدل الأمم غير المسلمة بعدل الدولة العثمانية، ليخلص إلى قاعدة مهمة، هي أن الدولة تستمر بالعدل ولو مع الكفر، ولا تستمر بالظلم ولو مع الإسلام. ويقول في ذلك: "إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة". أكد مصطفى نعيما ما قاله كل من قوﭽﻲ بك وكاتب چلبي وهزارفن؛ أن العدل هو العاصم من اختلال التركيبة الاجتماعية المؤسسة على "العسكر والمال والرعية والعدل"، وحذّر من "إهمال قانون العدل ونهج مسلك الجور والظلم من طرف الوكلاء ورجال الدولة، لأن ذلك يؤدي إلى زوال الشوكة وانقراض الدولة". أما إبراهيم متفرقة، فيمكن القول إن تصوّره للإصلاح السياسي شكَّل فاتحة الإصلاحات الدستورية الحديثة في الدولة العثمانية،

وقد عبّ عن ذلك من خلال نظريته المتميزة والمتكاملة في الإصلاح السياسي والعسكري؛ إذ تحدث عن قانون ودستور من أجل الإصلاح

السياسي بقوله: "إن مدار أمور السياسة مؤسَّسٌ على رعاية قانون العدالة"، وإن "تقويم سلوك المُلك يحتاج إلى دستور، لأن وكلاء الدولة

وأعيان الديوان حصل لهم قصور في قانون السياسة، وفتور في الأمور المهمة، وكانت النتيجة بمقتضى العدالة الإلهية والطبيعة الكونية والتمدن البشري أن شهد نظام العالم خللً والدولة العلية علامات انحراف".

32 قوﭽﻲ بك، ص 67. 33 المرجع نفسه، ص 71. 34 چلبي، دستور العمل، ص 123 - 128. 35 المرجع نفسه. 36 المرجع نفسه، ص 123 - 128. 37 المرجع نفسه، ص 136.

38 Hüseyin G. Yurdaydın, "Düşünce Hayati Hezârfen Hüseyin Efendi'nin," in: Metin Kunt et al. (eds.), Türkiye Tarihi, Osmanli Devleti 1600 - 1908 , Cilt 3 (Istanbul: Cem Yayinevi, 2005), pp. 287 - 291.

39 نعيما، ج 1، ص 29. 40 متفرقة، أصول الحكم، ص 1 - 4.

وفصّل إبراهيم متفرقة في قانون العدالة وبيَّ الهدف منه، وهو تجديد قواعد النظام في الدولة العثمانية، ومن أجل ذلك لا بد من

أن يحافظ "الحاكم العادل على مراسيم الدين والملك، وفقًا لقوانين السياسة، ومنع التعدي واعتماد الحكمة والاتحاد، واتباع الجماعة وطاعة الأوامر، والانتهاء عن النواهي من طرف الرعية، والعمل بالنظام والانتظام في الرأي والتدبير، كما دلّ على ذلك العقل والشرع، والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى في تأسيس قواعد الدول وقانون العدل". وقد استقرأ التاريخ السياسي لليونان واللاتين ليُعرّف

الأنظمة الثلاثة: الملكي، والأرستقراطي، وصولً إلى الديمقراطي الذي يعدُّه أنموذجًا مهمًا في تأسيس قانون العدالة، كما هو عند الإنكليز

والفلمنك (الهولنديون). وتوقف عند التاريخ السياسي في دعوة ضمنية منه إلى تبنّي الخيار الديمقراطي في الحكم، وخلص إلى "أن نظام

الدولة العليّة رهينٌ بدستور العمل المبني على قانون العدل وحُسن التدبير في السياسة من أجل حفظ الدولة وصَوْنِها". وخلال القرن التاسع عشر، طُرحت تصورات جديدة تحثّ على ضرورة التجديد السياسي وفق منظور "النظام الجديد"؛ إذ شدّدت بعض الكتابات على ضرورة تأسيس قواعد السلطنة على أساس "التجديد السياسي" برعاية رائده السلطان سليم الثالث، فهو المجدد الباعث الذي لا ينجح الإصلاح السياسي وتتحقق مصلحة الدولة إلّ بطاعته. وبيّ مصطفى نوري باشا أن الإصلاح السياسي

الحقيقي رهينٌ بصلاح النظم السياسية، ومنها مؤسسة السلطان التي يجب أن تكون لها إرادة قوية للإصلاح. غير أن انفتاح السفراء العثمانيين على التجارب السياسية الأوروبية، أحدث تحولً جذريًا في تصورات المؤرخين ورجال الدولة

للإصلاح السياسي. فمثلً، بعد أن لاحظ السفير أحمد رسمي أفندي (1700 - 1783) التنظيم المحكم للمؤسسات الإدارية والسياسية في الدول الأوروبية، دعا إلى إصلاح داخلي عن طريق إصلاح مؤسسات الدولة، وإصلاح خارجي بتبني سياسة حكيمة. من جهة

أخرى، أُعجب السفير العثماني في برلين أحمد عزمي أفندي (ت. 1821) بالتنظيم المُحكَم لحكومة بروسيا. وكان أبو بكر راتب أفندي (1750 - 1799) أجرأ في طرح مسألة الإصلاح السياسي؛ إذ بيّ في تقريره كيف تُدار الدولة الحديثة في أوروبا، وعرض لآراء المفكرين

الأوروبيين بشأن الحكم والدولة. وتبعًا لذلك، طرح مسألة "حرية الفرد السياسية" في مقابل تقليص الصلاحيات السياسية للدولة،

بمعنى الحدّ من تفرّد الحاكم بالسلطة واتخاذ القرارات. وفقًا لهذه التصورات الجديدة للإصلاح السياسي التي وسمت الإستوغرافية العثمانية، أقيمَت إصلاحات دستورية حقيقية على

يد ثُلّة من رجال التحديث، منهم مصطفى رشيد باشا (1800 - 1858)، وعالي باشا (1815 - 1871)، وفؤاد باشا (1814 - 1869)، ومدحت باشا (1822 - 1884)؛ إذ ركّز مشروع التنظيمات، ولا سيَّما خطشريف كلخانة (3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1839)، على نقطتين: عدم

تفرُّد السلطان بإصدار القرارات السياسية وخضوعه لقوانين الدولة من جهة، وتحويل النظام الاستشاري إلى حكومة دستورية من جهة

41 المرجع نفسه، ص 5 - 6. 42 المرجع نفسه، ص 4 - 20.

43 Dihkanizade Ubeydullah Kusmani, Zebire-i Kusmani Fi Ta'rif-i Nizam-i Ilhani, Hazirlayan Omer Isbilir (Ankara: Turk Tarih Kurumu Yayinlari, 2006), pp. 8 - 31.

44 فاضل بيات، دراسات في تاريخ العرب في العهد العثماني: رؤية جديدة في ضوء الوثائق والمصادر التاريخية (بيروت: المدار الإسلامي، 2003)، ص 106 - 107.

45 Virginia H. Aksan, An Ottoman Statesman in War and in Peace: Ahmed Resmi Efendi 1700 - 1783 , vol. 3 (Leiden/ New York/ Kӧln: Brill, 1995), pp. 195 - 205.

46 بنحادة، بحوث ودراسات في التاريخ العثماني، ص 78 - 79.

47 Faik Reşit Unat, Osmanlı Sefirlerı ve Sefaretnameleri (Ankara: Türk Tarih Kurumu Yayınları, 1992), pp. 112 - 184 ; Hadiye Tuncer & Hüner Tuncer, Osmanli Diplomasisi ve Sefaretnameler (Ankara: Ümit Yayιncιlιk, 1997), pp. 105 - 116 ; Hüner Tuncer, "Osmanlı Elçisi Ebubekir Ratip Efendi'nin Ozan Yönü," Belleten , Cilt: XLVII, Sayı 186 (Nisan 1983), pp. 169 - 170.

48 شالمل لاقور، تركيا رجال دولتي: رجال سياسيه - دن أثريدر (إستانبول: اقدام مطبعى سى، 1326 ه)، ص 8 - 32.

أخرى. وبذلك تطوّرت الكتابة التاريخية من التركيز على مبدأ العدل، لتجاوز الفساد السياسي في إطار ميثاق سياسي بين السلطة

والمجتمع من أجل تحقيق الإصلاح خلال القرن السابع عشر، إلى مشروع حقيقي للإصلاح الدستوري خلال القرن التاسع عشر.

ب. إصلاح الجيش والمؤسسة العسكرية

شخَّصت المؤلفات التاريخية العثمانية إشكالية الجيش العثماني وعدَّت تدخّله في السلطة من خلال تنصيب السلاطين وعزلهم،

إلى جانب إخفاقاته أمام الجيوش الأوروبية، أحد أسباب أزمة الدولة، وقدّمت حلولً لإصلاح تلك المؤسسة. واختلفت تصوّرات المؤرخين

لإصلاح الجيش بين النظرة التقليدية خلال القرن السادس عشر والنظرة الواقعية التجديدية التي استشعرت الخلل، مقارنة بنظيرتها الأوروبية خلال نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر؛ إذ قدّم حسن كافي الأقحصاري حلولً لإصلاح الجيش والمؤسسة العسكرية العثمانية بوصفه مرافقًا له في حملاته على البلقان، وأكد في رسالته أن عملية الإصلاح تمر ب "استعمال آلات الحرب وتدبير العسكر"، وركَّز على ثلاثة أسس من أجل ذلك: تأهيل الجيش والقيادة العسكرية القوية، ثم ضرورة استعمال الأسلحة المتطورة، مقارنًا وضعية السلاح العثماني بنظيره الأوروبي. أما كاتب چلبي، فبعد أن شخَّص الخلل الذي شهده جيش الإنكشارية وعدَّه منبع

الفساد، أكد ضرورة معاقبة الجُناة والمتمرّدين المسؤولين عن ضعف الدولة، وألحَّ على تنظيم الجيش وترتيبه، واعتماد أهل الكفاءة،

وتقليص عدد الإنكشارية الذين يشكلون عبئًا على ميزانية الدولة، وحُسن تدبير النفقات وترشيدها، وضبط نظام التيمار، وتجنُّب

ظلم الفلاحين من السباهية، ثم دعا إلى تبني التجربة الإصلاحية للسلطان أحمد الأول (1603 - 1617) الذي اعتمد على العقلاء والفضلاء والخبراء. ولإصلاح الجيش، اقترح قوﭽﻲ بك "وضع الرجل المناسب في المكان المناسب"، ومنح التيمار لمستحقيه وضبطه وتنظيمه، ثم تقليص عدد المنخرطين في الجيش، لتحسين وضع الخزينة. أما هزارفن، فطالب هو الآخر بخفض عدد الجيش ومعاقبة المقصّين من الضباط. في حين ركّز مصطفى نعيما على ضرورة توافر القيادة القوية والحكيمة والحرص على انضباط الجيش

في الحروب والتخطيط والعزم، ثم اعتماد العقلاء من أهل الرأي السديد. يمكن القول إن تصوّرات المؤرخين لإصلاح الجيش خلال هذه المرحلة، كانت متشابهة؛ إذ ركّزت على ضرورة العودة إلى تجارب

الإصلاح السابقة، باستثناء إشارة الأقحصاري إلى التفاوت في استخدام التقنية العسكرية بين الأوروبيين والعثمانيين الذي لم تولهِ السلطة العثمانية اهتمامًا.

49 أورخان أوقاي، "دراسة أولية عن الحياة الفكرية خلال عهد التغريب"، في: أوغلي [وآخرون]، ج 2، ص 271؛

Reşat Kaynar, Mustafa Reşit Paşa ve Tanzimat (Ankara: Türk Tarih Kurumu Basimevi, 1991), pp. 128 - 224.

50 الأقحصاري، ص 151 - 163. وألَّف الأقحصاري أيضًا تاريخ غزوة اكرى، على شكل تقرير عن حصار العثمانيين قلعة اكرى في البلقان وفتحها.

51 چلبي، فذلكهء، ج 1، ص 12 - 13. 52 المرجع نفسه، ج 2، ص 359. 53 چلبي، دستور العمل، ص 129 - 132. 54 التيمار: هو نظام توزّع فيه الدولة الإقطاعات من الأراضي الميرية على الجنود وبعض أرباب العمل الذين يتفانون في خدمة الدولة، فتعترف لهم بحق جمع الضرائب

العرفية والشرعية المفروضة على تلك الأراضي. ويضم نظام التيمار ثلاثة أطراف: الرعايا (أي الفلاحين والعاملين في التيمار)، والسباهية، والدولة. وتقسم التيمارات قسمين:

تيمارات حرة وأخرى غير حرة. لمزيد من التفصيل، يُنظر: إبشيرلي، ص 217 - 267.

55 هم أصحاب التيمار في الولايات في مقابل خدماتهم العسكرية، وهم فرقة من فرسان البلاط. يُنظر: إينالجيك، ص 342.

56 قوﭽﻲ بك، ص 23. 57 خالد زيادة، اكتشاف التقدم الأوروبي: دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر (بيروت: دار الطليعة، 1981)، ص 28 - 29. 58 نعيما، ج 1، ص 44 - 45.

بعد سلسلة من الهزائم التي شهدها الجيش العثماني أمام الجيوش الأوروبية خلال القرن الثامن عشر، طرح المؤرخون تصوّراتٍ

جديدةً لإصلاح المؤسسة العسكرية العثمانية، ولا سيَّما بعد الانفتاح التدريجي على الغرب عن طريق إرسال عدد من السفراء وتسجيلهم

تقارير عن القوة العسكرية الأوروبية. ويُعدُّ إبراهيم متفرقة رائد المنهج الجديد في إصلاح الجيش العثماني وتحديثه بالاعتماد على

الأنموذج الغربي، وقد أكد ذلك خلال دعوته إلى تبني "نظامٍ جديد"، أثمر في عهد السلطان سليم الثالث مشروعًا عسكريًا متكاملً.

ومن المؤكَّد أنه استفاد في ذلك من خبرته الطويلة في الحملات العسكرية والمهمات الدبلوماسية التي تولّها، ومنها التفاوض مع الروس والنمساويين؛ إذ ركّز في كتاباته على ضرورة استيعاب التقنية الأوروبية الحديثة لتحقيق الإصلاح العسكري، وخلص إلى ضرورة أن يكون للدولة: "جيش قوي الأعضاء والقلب، يتميز بالمقابلة والمدافعة والمبادرة والمقاتلة، واعتماد آلات الحرب، كما هو الحال عند الأمم الأوروبية". ولتجاوز الهزائم العسكرية التي شهدتها الدولة، اقترح تنظيم الجيش على الهيئة الأوروبية وصورتها "حتى تصبح العساكر بنيان الدولة وقوتها"، كما اقترح "تحصيل القوة العسكرية، والاستعانة بأهل التجارب من العساكر، ثم الاستفادة من العلوم الأخرى كالجغرافية (الطوبوغرافيا) والهندسة العسكرية لإصلاح الجيش". عبَّ أحمد جودت باشا عن رؤية مماثلة؛ إذ أكد ضرورة الاستعداد والمماثلة (أي مقابلة الأوروبيين بالمثل)، ويقتضي ذلك تنظيم

الجيش وتعلّم المعارف والمهارات الحربية والاجتهاد في هذا الشأن، وترتيب العساكر في الأوجاق، واستعمال القوانين وآلات الحرب والتقنية العسكرية، وتعلّم الصنائع الحربية والتشديد على الانضباط، وتوفير الذخائر والعُدَد والموارد المالية لإنجاح الإصلاح. أما محمود رئيف أفندي (ت. 1807) الذي يُعدُّ مهندس النظام الجديد والإيراد الجديد في عهد السلطان سليم الثالث، فتميّزت

نظرته إلى إصلاح الجيش وتحديثه بالدقة والشمولية والمقارنة بالنماذج الغربية أيضًا؛ إذ أكد ضرورة تعليم الجيش وإصلاح نظام الذخائر من خلال ضبط معارف صنع المدافع، وتحديث عساكر الأوجاق على مستوى العدة والعتاد، وإتقان أعمال الصناعات الحربية والاهتمام بآلات الحرب، والمهمات الحربية في المركز والولايات، وإرسال فرمانات إلى الولايات من أجل ذلك، والاعتناء بمخازن البارود (البارود خانه) وإنشاء المصانع والاستعانة بالأوروبيين ما دام ذلك في مصلحة الدولة، وإعطاء الأولوية لعلوم الهندسة العسكرية، ولا سيَّما الهندسة

الصناعية من خلال العناية ب "المهندسخانه" (دار الهندسة) وإصلاح دور صناعة السفن (الترسانة العامرة) عن طريق ترميم السفن وتجهيزها وتوفير الآلات اللازمة لذلك، وإنشاء السفن الحربية والتجارية، إضافة إلى تعمير المنشآت والتجهيزات وترميم القواعد العسكرية، ثم الاهتمام بكوادر "النظام الجديد" وأساتذته من أجل إنجاح الإصلاح. عبَّ المهندس سيد مصطفى أفندي (1679 - 1745) عن تصور مماثل أيضًا؛ إذ أكد ضرورة تطبيق الرياضيات والهندسة العسكرية في

التكتيك وإصلاح المؤسسة العسكرية، ودعا إلى استعمال العلوم في سائر فروع الميكانيك، وأكد ضرورة إنشاء مدرسة للرياضيات التطبيقية والهندسة لتحصيل العلوم الحربية، وتدريب وتخريج عدد من الضباط والخبراء والكوادر العسكرية المدربة والمؤهلة، والاهتمام بعلم

59 يتحدث متفرقة عن النظام الجديد بتفصيل؛ إذ يقول إن هذا النظام الجديد "عجيب الأساس بديع البنيان يقوم على تأسيس جيش جديد، وعلى ضرورة تحصيل العلوم

دون تعصب، معتمدًا حسن النظام والانتظام وترتيب العسكر والحزم والتيقظ والاحتياط، ثم مراعاة قواعد الهندسة العسكرية والتناسب والتساوي والضبط والانتظام."

ينظر: متفرقة، أصول الحكم، ص 18 - 19.

60 Şen, pp. 25 - 39.

61 متفرقة، أصول الحكم، ص 10 - 12. 62 المرجع نفسه، ص 22 - 23. 63 جودت، ج 8، ص 1 - 3.

64 Kemal Beydilli & Ilhan Şahin,  Mahmud Raif Efendi ve Nizam-i Cedid'e Dair Eser i (Ankara: Türk Tarih Kurumu, 2001), pp. 121 - 155 ;

محمود رئيف، جدول التنظيمات الجديدة في الدولة العثمانية، ترجمة وتحقيق خالد زيادة (طرابلس، لبنان: جروس برس، 1985.)

الجغرافيا من خلال تأسيس مدرسة للجغرافيا ورسم الخرائط، وخلص إلى ضرورة انفتاح الدولة العثمانية على التقنية العسكرية الأوروبية لتجاوز الهزائم العسكرية. وبذلك، استطاعت المؤلفات الجديدة التي دُوِّنت خلال القرن الثامن عشر ومطلع التاسع عشر تصحيح التصورات التقليدية عن

إصلاح المؤسسة العسكرية وتجديدها، وكان ذلك على يد إبراهيم متفرقة ومحمود رئيف أفندي وسيد مصطفى الذين رسموا معالم نظام عثماني حديث لإصلاح المؤسسة العسكرية. واعتمدت السلطة على تلك النظريات والتصوّرات لإنجاز مشاريع تحديثية، غير أن قلة

الموارد المالية وسعي الدول الأوروبية الكبرى لإجهاض مشاريع تحديث الجيش أدّيا إلى إجهاض تلك المحاولات الإصلاحية.

ج. الإصلاح المالي

ارتبط الإصلاح المالي في تصوّرات المؤرخين بالإصلاح العسكري ارتباطًا وثيقًا؛ لكونهما سببين رئيسين لحدوث الأزمات السياسية.

كما توقف نجاح جُلِّ المشاريع الإصلاحية على هذا العامل المركزي في منظومة التغيير، فهو من الضرورات الخمس التي أشار إليها

ابن خلدون وشبّهها بعصب الحياة ومن أسس قيام الدول. ومن منطلق الخبرة والتخصص في الشؤون المالية، استوعب رجال الإدارة

مركزية المال في عملية الإصلاح، وأولوه عناية خاصة في مؤلفاتهم، من خلال التركيز على أهمية حسن تدبير الخزينة. فمثلً، أكَّد لطفي باشا في الباب الثالث من رسالته آصف نامه أهمية الخزينة للدولة، وبيّ سُبل الإصلاح المالي، وحدّده في الحفاظ على المال العام

ومراقبة الأسعار وتفعيل دور الحسبة والموازنة بين موارد الخزينة ومداخيلها، عن طريق تقليص نفقات الجيش وحُسن التدبير المالي

وإلغاء ضريبة "العوارض"، وتكليف موظفين متخصصين في جمع الضرائب بدلً من الملتزمين، ومنع كبار موظفي الدول من مزاولة التجارة وعدم السماح بتوريث التيمار، وحمَّل السلطانَ والصدرَ الأعظم مسؤولية تنفيذ الإصلاح. أما مصطفى عالي، فاقترح محاربة المضاربات المالية وإعادة توزيع الثروات، في حين ربط قوﭽﻲ بك إصلاح المالية بإصلاح نظام التيمار وتقليص عدد الجنود الذين أصبح الراتب همَّهم الوحيد؛ إذ شكلوا نزيفًا لخزينة الدولة، على الرغم من الضرائب المفروضة على

الرعية، والاستعانة بأهل الخبرة والتخصص والاستقامة من كتّاب المالية، كما أكدّ ضرورة الإعفاء الضريبي وتقليص ضريبة الجزية. وخَلص إلى أن بقاء السلطنة رهينٌ بقوة الجيش، وبقاء الخزينة التي تحصّل مواردها من الرعية التي يجب أن تُساس بالعدل.

65 مصطفى سيد، الإصلاح العثماني في القرن الثامن عشر: نقد حالة الفن العسكري والهندسة والعلوم في القسطنطينية 1803 م، تحقيق خالد زيادة (بيروت:

المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979)، ص 61 - 73؛

Berrak Burçak, "Modernization, Science and Engineering in the Early Nineteenth Century Ottoman Empire," Middle Eastern Studies , vol. 44 , no. 1 (January 2008), p. 70.

66 أَوْلَ ابن خلدون في عدد من فصول مقدمتهالمال والجباية أهميةً، واعتمدت النخبة العثمانية في تحليلها الإصلاح المالي على ما  أورده، بل إن بعض رجال النخبة، مثل

نعيما وغيره، اقتبس نصوصًا كاملة منه، منها أنه "لا عز للملك إلّ بالرجال، ولا قوام للرجال إلّ بالمال، ولا سبيل للمال إلّ بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلّ بالعدل"، وهي المقولة

التي أخذها عنه كل من الأقحصاري، ولطفي باشا، وقوﭽﻲ بك، وكاتب چلبي، ومصطفى نعيما، وعلي برتوي، وصاري محمد باشا، وغيرهم. يُنظر: عبد الرحمن بن خلدون،

مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار الجيل، [د. ت.])، ص 308 - 320. 67 لطفي باشا، آصف نامه، ص 35 - 40.

68 ضريبة العوارض: هي ضرائب عارضة كانت الدولة العثمانية تلجأ إليها في بعض الحالات التي تضطر إليها، خاصةً في أوقات الحاجة والضرورة. ينظر: إينالجيك،

ص 333.

69 Tschud, pp. 24 - 35.

70 عبد الرحيم بنحادة، "المثقفون والأزمة في العالم العثماني"، في: العثمانيون والعالم المتوسطي: مقاربات جديدة (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،

2001)، ص 183. 71 عن أهمية الخزينة، ينظر: قوﭽﻲ بك، ص 16 - 71.

تحت وطأة الأزمة المالية التي شهدتها الدولة العثمانية خلال القرن السابع عشر، استشار السلطان محمد الرابع (1648 - 1687) خبراء المالية بشأن كيفية تجاوز تلك الأزمة وتحقيق الإصلاح. وكان كاتب چلبي من بين المستشارين بوصفه متخصصًا في الشؤون

المالية. لذا، قدّم إجابة علمية دقيقة من خلال رسالته التي ركّز فيها على ثلاثة أسس لإصلاح مالية الدولة، هي: ضرورة التراجع عن

السياسة الضريبية الجائرة بشأن حق الفلاحين من الرعايا، وحسن تدبير الخزينة من خلال إقامة توازن بين النفقات والإيرادات، بعد أن قدَّم إحصاءات دقيقة عن اختلال التوازن بين عامَي 1564 و 1650؛ إذ تحوّلت النفقات من 6. 189 مليون أقجة إلى 2. 687 مليون

أقجة، إضافةً إلى زيادة واردات الخزينة وتقليص نفقاتها إلى حدّ الاعتدال. ودعا السلطان إلى تدارك الأمر والتدخل لإصلاح الخزينة بتقليص عدد الجيش الذي يشكل عبئًا على الميزانية، واعتماد كادر

تقني متخصص في الشؤون المالية، ثم التعامل بالعدل وحُسن التدبير والتنظيم لما فيه مصلحة الدين والدولة. أما مصطفى نعيما،

فاعتمد على ما جاء عند أسلافه، من خلال تأكيده ضرورة زيادة العائدات والاقتصاد في النفقات، إلى جانب حُسن تدبير شؤون المصاريف

واعتماد أمناء ومتخصصين من الدفتردارية وترشيد النفقات عن طريق الحدِّ من التبذير والإسراف والبذخ. تغيّت تصوّرات المؤرخين والمعنيين بالمسألة المالية خلال القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر؛ إذ أصبحت مركزية المال

مقترنةً بنجاح المشاريع الإصلاحية الأخرى، مثل مشروع تحديث الجيش والإدارة. وتبعًا لذلك، ظهرت دعوات تؤكد ضرورة توظيف

استعمال المال توظيفًا عقلانيًا. وبيّ إبراهيم متفرقة أن المال أصلٌ من أصول نجاح الإصلاح العسكري، ودعا إلى ضرورة الضبط والنظام

وحُسن التدبير لضمان موارد مالية للخزينة لتمويل "النظام الجديد"، وذلك لن يتأتّ، بحسب رأيه، إلّ عن طريق تقوية العملة والذخائر

والتجهيز. أما المؤرخ مصطفى نوري باشا، فبعد استقرائه الأزمات المالية التي شهدتها الدولة منذ القرن السادس عشر، قدّم تصورًا

مهمًا أكد فيه أن نجاح المشاريع الإصلاحية يتطلّب شرعًا وقانونًا لزوم المال، ومن أجل ذلك لا بد من توافر الكوادر الخبيرة والمؤهّلة في

الشؤون المالية لإنجاح مشروع "الإيراد الجديد"، وتبنّي سياسة السلم لتوفير المال، وإصلاح نظام التيمار وتحديث بنية الخزينة ونظامها

عن طريق التدقيق في الحسابات، ومحاسبة المراقبين وضمان موارد داخلية وخارجية كافية للخزينة، وإعادة النظام الضريبي إلى ما كان عليه من العدل، ثم إصلاح العملة العثمانية. وبذلك، قدَّمت كتابات رجال الإصلاح وتصوّراتهم حلولً مهمة لتجاوز الأزمات المالية وإصلاح النظام المالي وخزينة الدولة من

منطلق الخبرة والتخصص؛ إذ ركّزت على ضرورة تقليص عدد الجيش العاجز والقيام بإصلاح نظام التيمار وترشيد النفقات وتبني سياسة السلم لتوفير سيولة مالية، إلى جانب القيام بإصلاح النظام الضريبي. غير أن الأزمات السياسية والمالية، والضغط الأوروبي الخارجي كان يعصف بالمحاولات الإصلاحية، كما ارتبط الخلل بطبيعة تصوّرات رجال الدولة التي لم تستطع إدراك التفاوت الاقتصادي والتجاري

بين الدولة العثمانية والعالم الأوروبي، وكان لذلك انعكاسات واضحةٌ على المجال المالي. وافتقد الوعي بمركزية المال في عملية التحديث والإصلاح في كثير من الأحيان النظرة التركيبية والتجديدية التي تربط الإصلاح المالي بالإصلاح السياسي والفكري.

72 چلبي، دستور العمل، ص 123 - 134؛ بنحادة، بحوث ودراسات في التاريخ العثماني، ص 61. 73 يتحدث كاتب چلبي عن أهمية الخزينة للدولة بقوله: "إن النفس الناطقة - للسلطنة - هي السلطان، والقوة العاقلة هي الوزير، والقوة المدركة هي مقام المفتي، والقوة

الهاضمة هي المعدة وهي خزينة الدولة"، چلبي، دستور، ص 133. 74 بخصوص أهم المؤسسات المالية وطرائق اشتغالها في الدولة العثمانية، يُنظر: مباهات كوتوك أوغلي، "النظام المالي عند العثمانيين"، في: إحسان أوغلي [وآخرون]، ج 1،

ص 621 - 627. 75 نعيما، ج 1، ص 30 - 40. 76 متفرقة، أصول الحكم، ص 10 - 22. 77 نوري باشا، ج 2، ص 98 - 116.

د. الإصلاح الإداري

دعا عدد من المؤرخين إلى الإصلاح الإداري لتجاوز الخلل الذي شهدته جُلّ المؤسسات والنظم الإدارية في المركز والولايات والأقاليم على حدٍّ سواء. وعبَّت مؤلفات الإداريين عن الخلل الذي شهدته تلك المؤسسات من منطق الخبرة والتخصص، وبحكم عملها في المصالح الإدارية، المركزية منها والمحلية، ومن بينها الوزارة والكتابة والحسبة والدفتردارية والقضاء والمحاسبة وغيرها. فبعد أن شخَّصت أسباب الرشوة والمحسوبية وانعدام الكفاءة، تقدمت بحلول لتصحيح الوضع وإصلاح بنية الجهاز الإداري المركزي والمحلي. فمثلً، ركّز لطفي باشا في تصوّره لإصلاح الإدارة العثمانية على ضرورة محاربة إهدار المال العام والرشوة، بما فيها الهدية التي عُدَّت وجهًا من أوجه الرشوة بين صفوف كبار الموظفين، ودعا إلى تعيين الأكفاء في المناصب الإدارية المهمة واعتماد الاستحقاق في التعيين والترقية، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب في المركز والولايات، وحمَّل الوزير والسلطانَ مسؤوليةَ نجاح الإصلاح

الإداري. في حين حدد المؤرخ مصطفى عالي، الحلولَ الكفيلة بإصلاح الإدارة العثمانية في العودة إلى التجارب الإصلاحية للسلاطين السابقين، والقضاء على المضاربات المالية، ثم تأهيل الكوادر الإدارية عن طريق تبنّي الاستحقاق في الترقية والتعيين في المناصب العليا في المركز والولايات. أما مستشار السلطان مراد الرابع (1623 - 1640) قوﭽﻲ بك، فدعا إلى إصلاح مؤسستَي السلطنة والصدارة العظمى، بوصفهما أعلى مؤسستين في الدولة، ولارتباط الوظائف الإدارية الأخرى بهما، واقترح محاربة المحسوبية في التعيين في المناصب الحساسة (مثل القضاء، والحسبة، ومحاربة الرشوة التي استشرت في الإدارتين المركزية والمحلية)، وإصلاح مؤسسة العلماء والجهاز التعليمي المرتبط بها، ومنع تدخّل "الحريم" في شؤون السلطة، والاهتمام بنظام التيمار تدبيرًا وتسييرًا. ويمكن القول إن قوﭽﻲ بك كان يسعى إلى إعادة مركزية الدولة وقوتها الإدارية والقانونية. أما كاتب چلبي، وهو أحد رجال الإدارة والخبير بخباياها، فعرض أفكاره لإصلاح الإدارة العثمانية في مؤلَّفَيه ميزان الحق في اختيار الأحقودستور العمل في إصلاح الخلل؛ إذ كشف النقاب فيهما عن أخطر ظاهرة تهدّد الإدارة العثمانية، المركزية منها

والمحلّية، وهي ظاهرة الرشوة التي اتخذت أشكالً عِدَّة، منها الهدية التي شملت كبار رجال الإدارة، مثل الوزراء ورؤساء المصالح الإدارية. وحلّل تلك الظاهرة تحليلً علميًّا، وبيّ خطورتها على بنية الإدارة والمجتمع، قائلً إنها تؤدي إلى انعدام الكفاءة في تولّ

المناصب الإدارية عن طريق توظيف أصحاب المحسوبية، وتأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغيره. أما الحلول التي قدّمها، فتمثّلت في

78 باشا، آصف نامه، ص 6 - 37.

79 Cornell H. Fleischer, Bureaucrat and Intellectual in The Ottoman Empire the Historian Mustafa Âli (1541 - 1600) (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988), pp. 13 - 70 ;

عيني علي، "قوانين آل عثمان در خلاصهء مضامين دفتر ديوان"، نشر متن الرسالة باللغة العثمانية في:

Ayn-ı Ali Efendi, Kavânîn-i Al-i Osman der Hülâsa-i Mezâmin-i Defter-i Dîvân , Ӧnsӧz Tayyib Gӧkbilgin (Istanbul: Kalem Yayınları Matbaası, 1979), pp. 70 - 90.

80 قوﭽﻲ بك، ص 117 - 126. 81 عمل كاتب چلبي في الكتابة بالديوان، قبل أن يشغل وظيفة محاسب في وحدات الجيش، ثم الخليفة الثاني لرئيس الخزينة، وغيرها من المهمات الإدارية التي تبيّ أن

له دراية دقيقة بالخلل الذي شهده الجهاز الإداري العثماني.

82 Kâtip Çelebi, Mizanu'lhakk fi Ihtiyari'l-ahakk , Hazirlayan Orhan Şaik Gökyab (Istanbul: Milli Egitim Basimevi, 1972), pp. 99 - 102.

محاربة ظاهرة الرشوة، لأنّ فيها ضررًا على المجتمع، واعتماد حُسن تدبير الإدارة لمصلحة الدين والدولة، والعمل باعتماد الكفاءة المهنية

والأحقّية في التوظيف والتعيين، ثم إصلاح نظام التيمار ومنحه لمستحقيه. أمّا هزارفن فقد ركز على كيفية إدارة أراضي الدولة التي شملها الخلل بسبب سوء التصرّف، واقترح العمل بسياسة السلطان سليم

الأول (1512 - 1520) في هذا الشأن، ومن الحلول التي قدّمها: ضرورة استرجاع قوة السلطة المركزية (السلطان والوزير) والاستعانة بخبراء ومفتّشين من أجل تشخيص وضع الإدارة المحلية في الولايات، وإسناد المناصب لأهل التخصص والخبرة، ومعاقبة المقصّين

والمخالفين من كبار الإداريين، وإصلاح مؤسسة العلماء ومشيخة الإسلام. ذهب مصطفى نعيما في تحليل موضوع إصلاح الإدارة العثمانية إلى ما قدّمه أساتذته من قبل، مثل كاتب چلبي وقوﭽﻲ بك، واعتمد في ذلك على تفسير ابن خلدون لتشخيص الوضع قبل تقديم الحلول. وفسّ الخلل الذي شهدته الإدارة بالترف والبذخ

اللذين سار عليهما كبار الموظفين الإداريين وعدم قيامهم بواجباتهم. ومن بين الحلول التي اقترحها لتجاوز الخلل الإداري حُسن

التدبير والتنظيم من أجل حماية أسس الدولة وتحقيق مصلحتها، والاستعانة بالعقلاء وأصحاب الرأي والفكر والخبرة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والاستعانة بالوزير العادل، والحدّ من تدخّل "الحريم" في الحكم، ومحاربة الرشوة، واعتماد دستور للعمل وعَدّه أساسًا للدولة، وتعهُّد العلماء وأهل الرأي بالإصلاح لصَوْن نظام الدولة وحماية السلطنة من موجبات الانتقال من القوة إلى

الضعف والتفكك. إذا كانت نظرة رجال الإدارة قد ركّزت خلال القرن السابع عشر على ضرورة محاربة ظاهرة الرشوة التي مسّت أعمدة الدولة في

المركز والولايات، ثم انتقلت إلى المجتمع وعدَّتها خرابًا وفسادًا للدولة والدين، وأجمعت على ضرورة القيام بإصلاحات إدارية في المركز

والولايات لتجاوز الفساد الإداري والسياسي، فإنها قدمت تصوّرات جديدة لتحقيق الإصلاح الإداري خلال القرن الثامن عشر وبداية

التاسع عشر. فقد أكد إبراهيم متفرقة ضرورة تطبيق القانون بعد أن انتقد كبار مسؤولي الدولة من وزراء وموظفين وحمَّلهم مسؤولية

وَهن السلطنة، ودعا إلى الاستفادة من التجارب الأوروبية لإصلاح الإدارة العثمانية التي يجب أن تعتمد على النظام وحُسن التنظيم.

وتعزّزت تلك الدعوة بزيارة السفراء العثمانيين إلى عواصم دول أوروبا وتأثرهم بطريقة عمل مؤسساتها الإدارية والسياسية، وبيّنوا في

تقاريرهم السُّبل الكفيلة بتجاوز الخلل الذي تشهده السلطنة من خلال اعتماد التجارب الأوروبية في الإصلاح الإداري. وكانت تلك

التقارير أساس مشاريع الإصلاح السياسي والإداري التي بدأها السلطان سليم الثالث، وقد تبلورت بشكل فعلي في عهد التنظيمات الخيرية، وشملت إصلاحات إدارية جذرية. وبذلك ربطت الكتابة التاريخية في الدولة العثمانية الإصلاح الإداري بالإصلاح السياسي من خلال الدعوة إلى إصلاح المؤسسات العليا في البلاد، مثل السلطنة والصدارة العظمى، وقدمت حلولً مهمة ركّزت على ضرورة اقتران إصلاح الإدارة المركزية بالإدارة

83 چلبي، دستور العمل، ص 124 - 136.

84 P. Fodor, "State and Society, Crisis and Reform in 15 th - 17 th Century Ottoman Mirror for Princes," in: Pál Fodor, In Quest of The Golden Apple: Imperial Ideology, Politics, and Military Administration in the Ottoman Empire (Istanbul: The ISIS Press, 2000), pp. 21 - 44. 85 Yurdaydın, p. 287.

86 نعيما، ج 1، ص 30 - 45. 87 متفرقة، أصول الحكم، ص 3 - 12. 88 عبد الرحيم بنحادة، "بين الرحلة السفارية والتقرير الدبلوماسي: السفارتنامه العثمانية"، في: عبد المجيد القدوري (تنسيق)، التاريخ والدبلوماسية قضايا المصطلح

والمنهج (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003)، ص 113 - 122؛ 104. p , Tuncer & Tuncer.

الإقليمية؛ من أجل تجاوز الفساد الإداري، وتعزيز مركزية السلطة من جهة، ثم التشديد على حسن التدبير والاستفادة من التجارب الأوروبية لتحديث الإدارة العثمانية من جهة أخرى.

خاتمة

كشف الإنتاج التاريخي في الدولة العثمانية خلال العصر الحديث تطورًا في تصوّرات المؤرخين الأتراك للإصلاح والتحديث، أثمر

مشاريع إصلاحية مهمة، شملت مختلف نُظم الدولة، السياسية والعسكرية والمالية والإدارية وغيرها. وأولَت المؤلفات التاريخية منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر أهمية كبيرة لتشخيص أزمات الدولة باستحضار نظرية ابن خلدون والدعوة إلى تقويم الخلل، وعدَّت العودة إلى التاريخ وتجارب الإصلاح الناجحة مدخلً أساسيًّا من مداخل إصلاح مؤسسات الدولة وتحديثها. وفي السياق نفسه،

اجتهد المؤرخون في البحث عن مصلحة السلطنة، وقدّموا كتابات تسويغية لتبنّي سياسة الصلح والسلم وإيقاف الحروب التي استنزفت

الخزينة، ولا سيَّما بعد الهزائم العسكرية التي انتهت بمعاهدات قلّصت حدود الدولة الجغرافية، ومنحت امتيازات جديدة للقوى

الأوروبية؛ ما دفع رجال الدولة والمؤرخين إلى الدعوة إلى الانفتاح على العالم الغربي، وإرسال السفراء إلى العواصم الأوروبية للاطلّاع على التجارب الناجحة، ومحاولة فهم التفاوتات العميقة بين نظم الأمم الأوروبية ونظام السلطنة العثمانية. وأسفر ذلك عن تبني السلاطين العثمانيين مشاريع تحديثية مهمة، أبرزها تأسيس المطبعة التي أسهمت إسهامًا كبيرًا في تعميم المعرفة التاريخية عن طريق طباعة

المؤلفات التاريخية ونشرها، والسعي لإحياء المراحل الذهبية من تاريخ الدولة، وصولً إلى تبني مشروعَي "النظام الجديد" و"الإيراد

الجديد" في عهد السلطان سليم الثالث. وانخرطت الكتابة التاريخية في هذه الحركة التجديدية من خلال دفاعها عن هذه المشاريع بعد اطلّاع أصحابها على التقارير التي كتبها أولئك السفراء. وازدادت قوة الكتابة التجديدية بعد تبني مشروع التنظيمات الخيرية، وارتبطت بتلك المنظومة من خلال الاعتماد على المناهج الأوروبية الجديدة في كتابة تاريخ الدولة، ولا سيَّما منهج النقد العام والانفتاح على تاريخ

العالم. ومن جهة أخرى، تبلورت الكتابة التركيبية للتاريخ العثماني المعنية بالبحث عن أسباب الوقائع ونتائجها من أجل حَلِّ الإشكالات

الجوهرية التي شهدها التاريخ العثماني، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو إدارية. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها السلطة العثمانية لترجمة التصورات، التي عبَّ عنها المؤرخون الأتراك بالكتابة والتأليف،

إلى مشاريع لإصلاح نظم الدولة وتحديثها، في مختلف الميادين العسكرية والمالية والإدارية والسياسية، لتجاوز الأزمات التي شهدتها الدولة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، فإن تلك المشاريع واجهت عراقيل وتحديات داخلية وخارجية، أدّت إلى إجهاضها. فمن

العوامل الداخلية ما هو مرتبطٌ بتصوّرات رجال الدولة (ومنهم المؤرخون أنفسهم)، وقد ركّزت على إصلاح المؤسسة العسكرية أساسًا

وجعلها أولوية من أجل تحديث الدولة، في حين لم تنل سائر المجالات ما يكفي من الاهتمام لإنجاح عملية الإصلاح، مثل التعليم والمعرفة اللذين وُظِّفا لخدمة الهدف العسكري أساسًا، وليس لنشر أفكار التحديث ومبادئه في الدولة على نطاق واسع، ما جعلها تبقى

تصوّرات نخبوية. على المستوي يْ الاقتصادي والمالي، لم ينتبه المؤرخون الأتراك إلى خطورة الامتيازات الأجنبية، وسياسة الباب المفتوح التي سلكتها

الدولة العثمانية تجاه الدول الأوروبية؛ من خلال معاهداتها التجارية والسياسية مع الدول الأجنبية التي وظَّفت تلك المعاهدات، خلال القرن التاسع عشر، للتغلغل في الدولة العثمانية. ولذلك، لم ت شِ المؤلفات التاريخية إلى ذلك خلال تلك المرحلة، ولم يظهر لدى العثمانيين أيّ استيعاب للتحولّات التي شهدتها التجارة والاقتصاد العالميان، ولم يدركوا المنافسة الجارية حينذاك بين الشركات العالمية

الكبرى (مثل شركة الهند الشرقية والغربية)، واكتفت الحلول والنظرة إلى الإصلاح بالتركيز على المشكلات المالية والاقتصادية الداخلية.

أما على مستوى السياسة الخارجية والتحوّل الذي شهدته الدولة العثمانية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من خلال تبني

خيار السلم وفقًا لمصلحتها حينذاك، فإن ذلك لم يكن خيارًا استراتيجيًا من الدولة كما حاول بعض المؤرخين تفسيره، بل إنه كان، على

العكس من ذلك، خيارًا مفروضًا جاء تحت وطأة الضغط الأجنبي المتزايد على الباب العالي من القوى الأوروبية في إطار ما يمكن تسميته

"السلم المفروض" الذي ظهر من خلال بنود بعض المعاهدات السياسية التي فُرضَت على الدولة العليّة ونالت من سيادتها واستقلالها. في الختام، لا شك في أن الحلول والمقترحات الإصلاحية التي نظَّر لها المؤرخون من خلال مؤلفاتهم وحاولت السلطة العثمانية ترجمتها إلى مشاريع سياسة تؤدي إلى إصلاح وتحديث نظم الدولة ومؤسساتها، لم تكن واقعيةً في أغلب الأحيان، بل ارتبطت بصراع مرير بين النخب المتنوّرة من أنصار التجديد والحداثة؛ أي "النظام الجديد" من جهة، والنخب المحافظة وحلفائها من أنصار "النظام

القديم" من جهة أخرى، وهو ما كان يجهض عملية الإصلاح التحديثية، ويساهم في استمرار أزمات الدولة العثمانية.

المراجع

العربية والمعرَّبة والعثمنية

الإبراهيمي، بهاء عبد القادر. "أهمية الوثائق العثمانية في الأرشيفات العربية". مجلة الوثائق العربية: الوثائق العثمانية في الأرشيفات العربية والتركية. عربيكا. دارة الملك عبد العزيز (2001). ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. بيروت: دار الجيل، [د. ت.]. أفندي، عاصم. عاصم تاريخى. إستانبول: جريدهء حوادث مطبعه سى، [د. ت.] الأقحصاري، حسن كافي. أصول الحكم في نظام العالم. دراسة وتقديم إحسان صدقي العمد. الكويت: هالي للطباعة والنشر والتوزيع، 1987. أوغلي، إحسان أكمل الدين [وآخرون]. الدولة العثمانية: تاريخ وحضارة. ترجمة صالح سعداوي. إستانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، 1999. باشا، لطفي. تواريخ آل عثمان. إستانبول: مطبعهء عامره، 1341 ه. ________. تواريخ آل عُثمان لِلُطفي باشا. ترجمة محمد عبد العاطي محمد. القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2019. بروسه لى، محمد طاهر. عثمانلى مؤلفلرى. إستانبول: مطبعهء عامره، 1333 ه. بنحادة، عبد الرحيم. بحوث ودراسات في التاريخ العثماني. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2017. بيات، فاضل. دراسات في تاريخ العرب في العهد العثماني: رؤية جديدة في ضوء الوثائق والمصادر التاريخية. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2003. تاريخ عثمانى انجمنى مجموعه سى. إستانبول: أحمد إحسان وشركاسى، 1329 ه. التاريخ والدبلوماسية: قضايا المصطلح والمنهج. عبد المجيد القدوري (تنسيق). الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003. توفيق، محمد. تلخيص تاريخ عثمانى. إستانبول: مطبعة شركت مرتبيه، 1305 ه. جواد، أحمد. معلومات كافية في الممالك العثمانية. إستانبول: مطبعة أحمد مدحت، 1289 ه. جودت باشا، أحمد. تاريخ جودت. إستانبول: مطبعة علي بك، 1292 ه. چلبي، كاتب [خليفة، حاجي]. تقويم التواريخ. إستانبول: مخطوط الخزانة السليمانية، رقم 2399. ________. دستور العمل لإصلاح الخلل. إستانبول: تصوير أفكار، 1280 ه. ________. فذلكهء كاتب چلبي. إستانبول: جريدهء حوادث مطبعه سى، 1287 ه. ________. تحفة الكبار في أسفار البحار. إستانبول: مطبعة بحرية، 1329 ه.

References

________. تحفة الكبار في أسفار البحار. ترجمة محمد حرب وتسنيم حرب. القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2017.

العدد 41 - 42 (شتاء وربيع 1419 ه - 1999 م).

والدولة العثمانية نموذجًا (دراسة مقارنة)". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط، 2012.

منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2014.

الطليعة، 1981. سامي، شمس الدين. قاموس الأعلام. إستانبول: مطبعة مهران، 1306 - 1316 ه. سلانيكي، مصطفى. تاريخ سلانيكي. فريبورك: [د. ن].، 1970.

تحقيق خالد زيادة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979. صاري، محمد. نصائح الوزراء والأمراء. برنستون: دار الفنون مطبعه سى، 1935.

الإنسانية، 2001. فريد بك، محمد. تاريخ الدولة العلية العثمانية. تحقيق إحسان حقي. ط 9. بيروت: دار النفائس، 2003. قوچى بك. قوچى بك رساله سى. إستانبول: مطبعة أبو الضياء، 1303 ه. لاقور، شالمل. تركيا رجال دولتي: رجال سياسيه - دن أثريدر. إستانبول: اقدام مطبعى سى، 1326 ه. متفرقة، إبراهيم. أصول الحكم في نظام الأمم. إستانبول: دار الطباعة العامرة، 1144 ه/ 1731 م. ممدوح، محمود. خلعلر إجلاسلر. إستانبول: المطبعة الخيرية، 1329 ه. نعيما، مصطفى. روضة الحسين في خلاصة الخافقين. إستانبول: دار الطباعة العامرة، 1281 ه. نوري باشا، مصطفى. نتايج الوقوعات. ط 2. إستانبول: أخوت مطبعه سى، 1327 ه.

والعلوم الإنسانية، 2001.

الحارس، عبد اللطيف. "مراجعة كتاب لجمال كفادار، بين عالمين: بناء الإمبراطورية العثمانية"، الاجتهاد (بيروت). السنة العاشرة.

الخيلي، عبد الحي. "النخبة المثقفة وأزمة السلطة في البلاد الإسلامية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين: المغرب

________. النخبة والإصلاح: نماذج من الفكر الإصلاحي العثماني بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر الميلاديين. الرباط:

رئيف، محمود. جدول التنظيمات الجديدة في الدولة العثمانية. ترجمة خالد زيادة. طرابلس، لبنان: جروس برس، 1985. زيادة، خالد. اكتشاف التقدم الأوروبي: دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن عشر. بيروت: دار

سيد، مصطفى. الإصلاح العثماني في القرن الثامن عشر: نقد حالة الفن العسكري والهندسة والعلوم في القسطنطينية 1803 م.

المودن، عبد الرحمان وعبد الرحيم بنحادة. العثمانيون والعالم المتوسطي: مقاربات جديدة. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم

وقفات في تاريخ المغرب: دراسات مهداة للأستاذ إبراهيم بوطالب. عبد المجيد القدوري (تنسيق). الرباط: منشورات كلية الآداب

الأجنبية

• Aksan, H. Virginia. "Ottoman Political Writing 1768-1808." International Journal of Middle East Studies. vol. 25 (1993). • ________. An Ottoman Statesman in War and in Peace: Ahmed Resmi Efendi 1700-1783. Leiden/ New York/ Kӧln: Brill, 1995. • Ali Efendi, Ayn-ı. Kavânîn-i Al-i Osman der Hülâsa-i Mezâmin-i Defter-i Dîvân. Ӧnsӧz Tayyib Gӧkbilgin. Istanbul: Kalem Yayınları Matbaası, 1979. • Burçak, Berrak. "Modernization, Science and Engineering in the Early Nineteenth Century Ottoman Empire." Middle Eastern Studies. vol. 44 , no. 1 (January 2008). • Ekrem, Reşat. Osmanlı Muahedeleri ve Kapitülâsiyonlar: 1300-1920 ve Lozan Muahedesi 24 Temmuz 1923. Istanbul: Türkiye Matbası, 1934. • Fleischer, Cornell H. Bureaucrat and Intellectual in The Ottoman Empire the Historian Mustafa Âli (1541-1600). Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988. • Fodor, Pál. Quest of The Golden Apple: Imperial Ideology, Politics, and Military Administration in the Ottoman Empire. Istanbul: The ISIS Press, 2000. • Guboglu, Mihail. "L'historiographie Ottoman des XVe-XVIIIe siècle bref aperçu." Revue des Etudes Sud-est Europ. tome 3. no. 1-2 (1965). • Hoca Sadettin Efendi. Tacü'T-Tevarih. Istanbul: Kültür Bakanliği Yayinlari, 1979. • Kaynar, Reşat. Mustafa Reşit Paşa ve Tanzimat. Ankara: Türk Tarih Kurumu Basimevi, 1991. • Mantran, Robert. Histoire de L'empire Ottoman. Paris: Fayard, 1989. • Muteferrika, Ibrahim. Traité de Tactique. Karl Emerich Alexander Reviezky von Revisnye (trad.). Vienne: Trattner, 1769. • Beydill, Kemali & Ilhan Şahin.  Mahmud Raif Efendi ve Nizam-I Cedide Dair Eseri. Ankara: Turk Tarih Kurumu Basmevi, 2001. • Şen, Adil. Ibrahim Muteferrika ve Usulu'l'Hikem fi Nizami'l'Ummen. Ankara: Turkiye Diyanet Vakfi, 1995. • Tschudi, Rudolf. Das Asafnâme des Lutfi Pascha. Berlin: Mayer & Müller, 1910. • Tuncer, Hüner. "Osmanli Elçisi Ebubekir Ratip Efendi'nin Ozan Yönü." Belleten. Cilt: XLVII, Sayı 186 (Nisan 1983). • Unat, Faik Reşit. Osmanlı Sefirlerı ve Sefaretnameleri. Ankara: Türk Tarih Kurumu Yayınları, 1992. • Kunt, Metin et al. (eds.). Türkiye Tarihi , Osmanli Devleti 1600-1908. Istanbul: Cem Yayinevi, 2005. • Çelebi, Katip. Mizanu'lhakk fi Ihtiyari'l-ahakk. Hazirlayan Orhan Şaik Gökyab. Istanbul: Milli Egitim Basimevi, 1972.