العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الأغنية الشعبية والرواية الأدبية: هل هما من مصادر كتابة التاريخ؟

الأغنية الشعبية والرواية الأدبية: هل هما من مصادر كتابة التاريخ؟

Popular Song and Literary Fiction: Sources for Writing History

عبد الواحد المكني

Abdelwahed Mokni

الملخّص

رسّخت المدرسة الوضعية قناعة متداولة إلى اليوم مفادها تقديس "المكتوب والموثّق"، وما سماه عبد الله العروي "التاريخ بالعهد". وعندما يتعلق الأمر بفضاء الكتابة التاريخية عند العرب أو في بلاد العرب يصعب الأمر نسبيًا، بحكم طغيان الثقافة الشفوية وشيوعها. والمؤرخ مطالب بتجديد مناهجه، ولكن عليه في الآن ذاته أن يحرص على تنويع مصادره وإغناء مدونته وإثرائها. جادت قريحة عدة باحثين فآبوا إلى كتب الفقه والنوازل والمناقب، ومنهم من تجاسر أكثر فاشتغل على إعلانات الصحف في أوائل القرن العشرين، لما كانت الجرائد وسيلة وحيدة تقريبًا للإعلام والأخبار. وفي المقابل، استنبط مؤرخون أوروبيون مصادر نادرة وطريفة؛ فمنهم من اشتغل على لائحات أسعار المآكل بمطاعم المدن الكبرى ليحلل من خلال ذلك تطور الأسعار وتجدد الأذواق وتنوع المنتج الغذائي ... إلخ، ومنهم من اشتغل على بطاقات الزيارات Cartes visites حينما برزت بوصفها وسيلة تعريف بالأشخاص ومراتبهم ومهاراتهم، وفي إطار المزيد من تقسيم العمل والأدوار بالمجتمعات العصرية. والسؤال ها هنا: أيدل البحث عن مصادر جديدة يدل على القلق المعرفي وعقم المصادر المتوافرة أم أنه يتعلّق بشغف التجديد المنهجي، وما يتبعه من ضرورة تنويع المصادر وإثراء المدونة البحثية؟

Abstract

Professor of Contemporary History and Historical Anthropology, President of the University of Sfax, Tunisia.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • الأغنية الشعبية
  • الرواية الأدبية
  • مصادر المؤرخ
Keywords:
  • Historical Writing
  • Folk Songs
  • Novel
  • Historian Sources

كتابة التاريخ؟ هل هم من مصادر

Popular Song and Literary Fiction

Sources for Writing History

رسّخت المدرسة الوضعية قناعة متداولة إلى اليوم مفادها تقديس "المكتوب والموثّق"، وما سماه عبد الله العروي "التاريخ بالعهد."

وعندما يتعلق الأمر بفضاء الكتابة التاريخية عند العرب أو في بلاد العرب يصعب الأمر نسبيًا، بحكم طغيان الثقافة الشفوية وشيوعها. والمؤرخ مطالب بتجديد مناهجه، ولكن عليه في الآن ذاته أن يحرص على تنويع مصادره وإغناء مدونته وإثرائها. جادت قريحة عدة باحثين فآبوا إلى كتب الفقه والنوازل والمناقب، ومنهم من تجاسر أكثر فاشتغل على إعلانات الصحف في أوائل القرن العشرين، لما كانت الجرائد وسيلة وحيدة تقريبًا للإعلام والأخبار. وفي المقابل، استنبط مؤرخون أوروبيون مصادر نادرة وطريفة؛

فمنهم من اشتغل على لائحات أسعار المآكل بمطاعم المدن الكبرى ليحلل من خلال ذلك تطور الأسعار وتجدد الأذواق وتنوع المنتج الغذائي... إلخ، ومنهم من اشتغل على بطاقات الزيارات visites Cartes حينما برزت بوصفها وسيلة تعريف بالأشخاص ومراتبهم ومهاراتهم، وفي إطار المزيد من تقسيم العمل والأدوار بالمجتمعات العصرية. والسؤال ها هنا: أيدل البحث عن مصادر جديدة على القلق المعرفي وعقم المصادر المتوافرة أم أنه يتعلّق بشغف التجديد المنهجي، وما يتبعه من ضرورة تنويع المصادر وإثراء المدونة البحثية؟ لقد تخيرنا أن نستقرئ بعض المفاصل من التاريخ الاجتماعي لبلاد المغارب وتحديدًا تونس من خلال مصدرين اثنين، هما: مدونة الأغنية الشعبية: وهي رغم لهثها وراء مستلزمات القافية والإيقاع، كانت أحيانًا مصدرًا ثمينًا أرّخت لأحداث وظواهر منسية

أو مغمورة أو غير معروفة. الرواية الأدبية: وهي المهتمة بتاريخ حقبة أو جهة أو مفصل ما من الحياة الجماعوية.

أولً: الأغاني والأزجال الشعبية تحيك التاريخ، فهل ترتقي إلى أن تكون مصدرًا لكتابته؟

لا يأتي الخيال من خيال، فلا بد له من قاعدة مادية ينطلق منها. والأغاني بما هي تنفيس وفن وتذكار لا تنشأ من عدم، تمامًا مثل نظم

الشعر، وهي في آخر الأمر أشعار ملحونة يسميها المبسّطون شعبية، والأصح أنها فلكلورية؛ "فن الشعب" الذي يخلِّد ملاحمه ومنعطفاته

1 أستاذ التاريخ المعاصر والأنثروبولوجيا التاريخية ورئيس جامعة صفاقس، تونس.

1 ي. ف أغراض الثورة والمقاومة

الحدث وانتظمت مباشرة له، وليس بعد فترة زمنية طويلة؛ إذ تفقد الأغنية حينها مدلولها بوصفها شاهدة مواكبة للأحداث.

أ- مثال ثورة جبل وسلات بالبلاد التونسية

نا بكرتي شردت مع العزّابة

يا سالمة مكتوب ربّي راده

يا سالمة مكتوب ربّي قدّر

يا سايقين البل يا جمّالة

يا تونس الخضراء يا مسمّية

هاك الجبل الأزرق جبل والدتي

ها يا جبل وسات وسّع بالك

يا لندره مكتوب وإلاّ دعوة

يا لندره يا ضيم تتاجاشي

نا بكرتي شردت مع العزّابة

يا سالمة مكتوب ربّي راده

2 محمد الصادق الرزقي، الأغاني التونسية، ط 2 (تونس: الدار التونسية للنشر، 1989)، ص 244 - 245. 3 جمع رمية، وهي الخطية غير المبررة والاعتباطية، وقد عانى سكان الساحل رميات الجنرال زروق عامي 1864 و 1865.

4 مراسلة من قايد الوسالتية إلى رستم وزير العمالة، صندوق 93، ملف  498.

على الرغم من التحريف والتصحيف، فقد وصلت إلينا عدة أغان وأزجال وأهازيج من المشرق كما من بلاد المغرب، أرّخت بصفة

واعية أو خفية لمنعطفات التمرد والثورات ومقاومة الغازي والمحتل. وتخيّنا أن نصطفي من المدونة تلك الأغاني التي كانت قريبة من

** خشّت باد الشيح والقطّابة

** على الحي بعد ابياضهم سواده

** فراق الحبايب في الجبين مسطّر

** تونس بعيدة والعرب قتّالة

** باد بعيدة والعرب قطعيّة

** يا ليتها عقرت ولا جابتي

** اللّي جرى للحامّة يجرالك

** وإلا خروجي من بادي شهوة

** وإلا نموت بعلي في جاشي

تؤرخ هذه الأغنية لعنف التشتيت الذي لحق بجبالية وسلات عام 1762، بعد أن تتالت ثوراتهم وتمرّداتهم على السلطة المركزية.

وترنّمت بهذه الأغنية الفنانتان صليحة وحسيبة رشدي، وقد هُذِّبَت الأغنية، وجمعها محمد الصادق الرزقي في مدونته الخاصة بالأغاني

التونسية، وكان قد اشتغل مع البارون ديرلانجي (1872 - 1932) Erlanger ' d Baron، وهو من المغرومين بالفن التونسي والأغاني تحديدًا. كان جبل وسلات في العصر الحديث أكبر تجمع بشري بالإيالة (30000 - 40000 نسمة بحسب مختلف التقديرات) بعد مدينة تونس. وتعرض سكانه "الوسالتية" للاضطهاد عبر عنف التشتيت والتهجير القسري من بداية عام 1762، فكانوا عرضة منذئذ للنهب الجبائي والخطايا و"الرميات"، ومُنزلً عليهم عمال البلدان، وهناك من طولب في المجبى وعمره ثماني سنين، إضافة إلى "النبذ والكره"

"كما تعلم يا سيدي رعاك الله أن الوسالتية مكروهون في البلدان"، فضلً عن التجنيد المكثف الذي شمل تقريبًا سُبع ذكور الشتات

الوسلاتي في القرن التاسع عشر، في حين أُجبِ بعضهم الآخر على امتهان الأشغال الشاقة (التجديف في موانئ وكراكات حلق الوادي وغار الملح وحفر قناة الماء من عين الجبل الأحمر)، وامتهان الأشغال الوضيعة ومحدودة الكسب في المدن الكبرى (حمّالة وجيّارة وبيّارة وخدّامة

حزام … إلخ)، بل وصل الأمر إلى حد النيل من عرض المرأة الوسلاتية مثلما يدل على ذلك هذا الزجل الشعبي الذي أرّخ للحدث في حينه:

** خشّت باد الشيح والقطّابة

** على الحي بعد ابياضهم سواده

Khalifa Chater, Insurrection et répression dans la Tunisie du XIX e siècle: La Mehalla de Zarrouk au Sahel (1864) (Tunis: Publication de l’université de, 1978)

لقد مر عنف التشتيت وأزمة التهجير عبر المرأة التي تعدّ أضعف حلقات تلك المجموعة، وهكذا مثلت جالية الوسالتية منذ سنة 1762 حتى مطلع القرن العشرين نموذجًا لمسيرة التحطيم الذاتي لخلايا المجتمع الحية من المجموعة الجبلية، فقد اقتضى هاجس فرض

الطاعة وتمهيد سبل الأمن لدولة الحسينيين الزجّ بهذه الجزيرة البشرية في دروب التخريب والتهجير والتهميش والتفقير. يقع جبل وسلات على بعد 40 كيلومترًا غرب القيروان، وعُرف عن أهله أنهم من أصول بربرية. وقد تميز هذا الجبل بكثافة

سكانية مهمة في أواخر العصر الوسيط؛ حيث كان ملجأً للمزارعين والسكان المحليين في الفترات التاريخية الحرجة، خاصة فترة زحف القبائل الهلالية على وسط إفريقية وتخريب القيروان والمدن المجاورة، وقد كان لجبالية وسلات دور مهم مع بداية الوجود العثماني بتونس في النصف الثاني من القرن السادس عشر في الصراعات القبلية في الوسط التونسي، كما شاركوا في أغلب التمرّدات ضد الأتراك

العثمانيين برفضهم الخضوع لنظام الضرائب، مستغلين وعورة جبلهم واستعصاءَه عن أمحال العسكر. وقد أشارت المصادر إلى مشاركة الوسالتية في أغلب الانتفاضات والثورات، خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فكان

الجبل المنيع ملاذًا وملجأً لكل ثائر وخارج عن السلطة المركزية؛ فاحتضن أبا القاسم الشوك الذي قاد انتفاضة الوسالتية عام 1674، ومن بعده مراد الثالث (بوبالة) عام 1699، ثم علي باشا عام 1728، وأخيرًا حفيده إسماعيل بن يونس عام 1759. ومثلت حادثة التحاق علي

باشا بجبل وسلات والاحتماء به نقطة تحول مهمة في تاريخ الجبل وسكانه؛ ففي عام 1728 فرّ علي باشا مع ابنه يونس ومناصريه إلى

جبل وسلات لينظم صفوفه استعدادًا للانقضاض على عرش عمه حسين بن علي، ولكن بهزيمة الباشا وفراره إلى الجزائر أمر حسين باي بإجلاء الوسالتية من الجبل، فكانت أول عملية تهجير تعرَّض لها الوسالتية، واستمرت إلى عام 1735؛ تاريخ عودة علي باشا مع عسكر

الجزائر والحنانشة إلى تونس والجلوس على العرش الحسيني، فأمر بعودة الوسالتية إلى موطنهم. واقتداء بجده، لجأ إسماعيل بن يونس إلى جبل وسلات عام 1759، وأعلن الثورة ضد علي بن حسين، فاجتمعت حوله بعض القبائل الباشية، مثل أولاد عيار والوسالتية وماجر وأولاد سعيد. ولكن تمكّن علي باي من القضاء على هذه الثورة، وذلك بمحاصرة الجبل من جانب القبائل الحسينية، مثل جلاص وأولاد عون ودريد، وخاصة الكعوب والقوازين العدو الأساسي للوسالتية، فقطعوا المؤونة عن سكان الجبل الذين عانوا الكثير من هذا الحصار الذي تواصل ثلاثة أعوام. وفي عام 1762، فرّ إسماعيل بن يونس إلى الجزائر، وترك أهل وسلات لمواجهة مصيرهم، بعد أن أدرك الفرق الكبير في موازين

القوى، خاصة بعد حملة علي باي على أولاد عيار وهزيمة أولاد إسماعيل أمام أولاد عون. ولما شاع خبر هروب إسماعيل بن يونس إلى الجزائر، تفرق الوسالتية "شذر مذر"، واستسلم أغلبهم، وأعلنوا خضوعهم للسلطة المركزية، وطلبوا الأمان؛ فأمّنهم علي باي على

أرواحهم شرط أن يُخلوا الجبل ويتفرقوا في البلاد؛ فكانت ثاني عملية تهجير وتشتيت يتعرض لها الوسالتية في العصر الحديث. تفرق الوسالتية على ثمانين تجمعًا سكنيًا من مداشر جبلية تحاكي ماضي الجبل، وقرى ومدن موزعة على مناطق مختلفة من

البلاد، من أهمها مدينة القيروان ومدن الساحل ومدينة تونس وتستور وبنزرت والكاف والوطن القبلي وجهة باجة وزغوان. لم تُستقَ كل هذه المعلومات من الأغنية الزاجلة والشجية، لكنها كانت مصدرًا مكملً لما دونّه القلم المخزني والجبائي، وقد أعطت

نظرة مغايرة نسبيًا عن الخطاب الرسمي الذي تحدث عن خروج سلمي من الجبل بلا أذية ولا تشفٍّ.

5 ذكرت في الكتاب الباشيلحمودة بن عبد العزيز في وصفه تشتيت الوسالتية. 6 عبد الواحد المكني، شتات أهل وسلات بالبلاد التونسية من 1762 حتى مطلع القرن العشرين (تونس: دار سحر للنشر، 1999.)

عاش جبالية تونس أوضاعًا مشابهة في جهات خمير ومقعد وعمدون، كما في أقصى الجنوب بسلسلة جبال نفوسة ودمّر وحمادة

الظاهر. ولا يتضمن لفظ الجبالية مدلولً جغرافيًا فقط، بل يوحي بمدلول سياسي يتقاطع فيه وهج الاحتراب ومشاحنات الجباية مع

تضاد الثقافات، فقد برزت المجموعات الجبلية في تاريخ تونس الحديث وكأنها جزر بشرية منفردة بخصائص عرقية (بربر) ومذهبية (إباضية)، ونزعت إلى ضرب من الاستقلالية وصل إلى حد التمرد الدائم، فشُبِّهَت ب "بلاد السيبة" و"الغصة في الحلق"، وشبّه مؤرخو

السلطة الرسميون سكانها ب "القرود والكلاب"، حتى أحمد ابن أبي الضياف المصلح والمتنوِّر وصفهم ب "الوعول". شكلت مجموعات جبالية دمر والجبل الأبيض والمشّ وعرباطة وماجورة وكسرى ووسلات وبرقو وخمير وعمدون جماعات

متشابهة في نمط العيش، فكثيرًا ما نُعِت سكانها بأهل المنعة، وشُبِّهَت مساكنهم ب  "عشوش النسر" كناية عن تحصّنهم واستفادتهم من

وعورة المكان وتحديهم المتواتر للأمحال العسكرية الجامعة للضرائب والخطايا والدوايا. حاولنا استنطاق الوثائق للإلمام بظاهرة تشتيت الجبالية في تاريخ تونس المعاصر، ولم يكن مثال وسلات وحيدًا، بل كان الأكثر شهرة، ثم إن تفصيل الحديث عنه لا يجب أن يلهينا عن جماعات جبالية أخرى عرفت مصير التهجير والتشتيت، فقد عرف أهل جبل ماطوس بالجنوب التونسي مصيرًا محزنًا في مطلع القرن الثامن عشر أدى بهم إلى ترك معتصمهم الجبلي والرحيل إلى حوض مجردة

الأوسط، حيث أسسوا حياة جديدة. وقد سُئل"المواطيس" عن سبب هجرتهم من جبلهم، فبرروا ذلك بالأسباب الآتية:

"الريح تالي وتعليق المخالي وهات يا جبالي"

يُقصد من هذا الإيجاز البلاغي الذي ورد في شكل جزل أن تتالي الجدب، وخاصة هبوب الرياح الغربية على الجبل (الشهيلي

والسموم) لم يأتِ للجماعة بالفرج أو بالفرح، وكانت مطالب الفرسان العرب للبربر الجبالية بمنزلة العادة الراسخة التي تتطلب ملء الزنابيل والمخلاة حتى يوفي الفارس حق الحماية والصحبة، فكانت فوائض الحبوب والزيوت والثمار والتين في تناقص متزايد، أما مطالب الدولة الجبائية فكانت متكررة وشديدة الوطأة، وقد التقى هذا الثلاثي: الطقس الجائح والفارس الطامح والمخزن الجامح ليحدّ من حرية الجبالي البربري، ويدفعه نحو "الجلاء" عن أرضه، فلم يكن الإرهاق الجبائي والمخزني وضيق الموارد بسبب الجدب وتتالي مطالب الفرسان البدو سببًا في تهجير ماطوس فحسب، بل أيضًا في خلاء وسلات وبرق وتراجع كسرى وعرباطة والمشّ وعمدون وخمير.

ولم تحتفظ الكتابات والأرشيفات الرسمية إلّ بتاريخ الانتفاضات التي لا نراها إلا رد فعل من مجموعات متميزة ثقافيًا وعرقيًا واجتماعيًا

ومحاولات من أجل البقاء؛ فأهل الجبال لم يُجبَلوا على التمردات بل دُفِعُوا إليها. وإذا أردنا أن نقترب من تاريخ هذه المجموعات علينا

ترك المسلّمات والأحكام العامة، فقد شُبه الجبالية بنصارى البر، ومُثلت مواطنهم بأبواب جهنم، واعتبُر النيل من مجالهم فتحًا مبينًا،

واستنقص الناظرون تاريخهم، وقللوا من شأن إيمانهم، "يعملون أعطل دون الشريعة [...] وعقلهم خصيص [كذا] في الطاعة، ولا يعرفون خدمة الدولة".

7 عبد الواحد المكني، شتات أهل وسلات بالبلاد التونسية: مقاربة في الأنتروبولوجبا التاريخية (تونس: دار سحر للنشر، 2020.)

8 عام 2000 أنتجت التلفزة التونسية مسلسلً دراميًا حول تهجير "ماطوس" من تأليف علي دب، وقد استنجد بالروايات الشفوية والأغاني الشعبية للتأريخ للمواطيس

الذين شُِّدوا في أواخر العهد المرادي، والتحقوا بجهة مجاز الباب.

9 وثيقة من الأرشيف الوطني التونسي (صندوق 29، ملف 346 مراسلة من عامل العطاطفة تتعلق بجبالية خمير) ذُكِرت ببحث: فاطمة بن سليمان: "مجال خمير

والسلطة المركزية بتونس في القرن التاسع عشر: من التخوم إلى الحدود ومن المخزن إلى الدولة"، مجلةروافد، العدد 5 (2000)، ص 21.

كانت جماعات الجبالية طائعة للسلطة ما دامت تعفيها من المكوس؛ "يحيا الباي بدون ضرائب"، وهذا كان شعار الجماعات الجبالية قبل غيرها؛ لأنها لم تغنم من نظام البايات أي مكسب مادي ملموس، بل إنها لم ترتقِ حتى إلى مرتبة الرعية في تعامل السلطة معها.

ب- الأغنية الشعبية والسيطرة الاستعمرية

تسهم الأغنية الشعبية أيضًا في كشف النقاب عن معاناة الجماعات والأفراد في ظل السيطرة الاستعمارية. وقد تمكّنا من جمع عدد من المصنفات الغنائية والشعرية في كتاب نادر طُبِع عام 1902 بمطبعة فرنسية وصاحبه "سونك" الذي كان مديرًا بالمدرسة الكتانية بقسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، وقد سمى كتابه الديوان المغرب في أقوال عرب أفريقية والمغرب، ونشره لما عاد للتدريس والبحث بباريس؛ ما يدل على تشبِّعه بالثقافة العربية في شمال أفريقيا. الصورة (1) غلاف كتاب الديوان المغرب في أقوال عرب أفريقية والمغرب الصادر سنة 1902 (باللغة العربية)

المصدر: قسطنطين لويس سونك، الديوان المغرب في أقوال عرب أفريقية والمغرب (قسنطينة: مطبعة أجوست بوردان، 1902.)

ومن بين الأغاني التي تؤرخ لاضطهاد الجزائريين وهضم خصوصياتهم الدينية والقومية في أرض كاليدونيا الجديدة ما تبينه الوثيقة المصورة في الصورة (4).

المصدر: المرجع نفسه، ص 79 - 81.

فعلت سنوات الاستعمار فعلها، وأثرت في منسوب اللغة بعد ستة عقود من "الفرنسة"، ويتضح ذلك جليًا في الألفاظ المستعملة في

كلمات الأغنية على غرار: passé "مباصي" و"كاشو" cachot و"جرنان" Journal "الصرفيصات" services les "الڤرديان" gardien le. يشتكي المُبعد إلى كاليدونيا الجديدة "كاليدون" كما كان ينطقها المنفيون العرب (ولم تكن الوجهة الوحيدة لإبعاد المنفيين من أهالي المستعمرات في شمال أفريقيا) من سوء المعاملة في منفاه البعيد، فهو يستشعر الظلم والضيم وجور الأحكام القضائية، كما أنه يخضع للخدمة الشاقة، ويبيت مصفدًا في الأغلال "دارولي سلاسل حديد في رجلية"، عاريًا حافيًا بلا "شاشية"؛ أي بلا غطاء الرأس، لباسه

"شكارة"، أي كيس من القماش، ويركز المبعد على تفاقم البؤس مستعملً لفظ "الميزيريا" Misère للدلالة على ضنك حياة السجن. كما يصور مشقة الرحلة من الجزائر إلى كاليدونيا الجديدة، حيث يقضي المبعد أكثر من شهرين للوصول إلى أرض تبعد أكثر من 20 ألف كيلومتر بالنقل البحري في ظروف غير إنسانية. وبين عامي 1864 و 1897 نُفي إلى كاليدونيا الجديدة أكثر من ألفي شخص من

المغاربة، جلّهم من الجزائر، وهم مجموعة شاركت في انتفاضة المقراني، ومجموعة من الأشراف وزعماء بعض القبائل المتمردة في الغرب والشرق الجزائريَيّن، أما الباقون فهم من منفيي الحق العام والمشاغبين في نظر القانون الفرنسي. بلغة أخرى  ومغايرة، تكلّم منصور الهوش عن " التڨبيل " (نسبة إلى اتجاه القبلة) إلى ليبيا للهروب من المستعمر الفرنسي ومواصلة المقاومة، بعد أن اختاروا الغربة وضنك العيش في طرابلس الغرب على الخضوع للمحتل الذي تنعته الأغنية ب "الكافر". والمعلوم أن القبائل التونسية في الجنوب والوسط عقدت ميعاد الحامة في تشرين الأول/ أكتوبر 1881، واتخذت قرار التحصن بطرابلس في انتظار نصرة الباب العالي، ولمواصلة المقاومة من هناك تحت قيادة علي بن خليفة النفاتي.

الصورة (5)

صورة للمساجين العرب في كاليدونيا الجديدة

المصدر: مقتطفة من الوثائقي التلفزيوني: “ Sur les traces du passé - Les ‘ arabes ’ de Nouvelle - Calédonie (1 / 2),” YouTube , min. 9: 22 ,

15 / 5 / 2014 , accessed on 31 / 1 / 2021 , at: https:// bit. ly / 39 Up 6 eL

الصورة (6)
صورة لمحاكمات عرب الجزائر المنفيين في كاليدونيا الجديدة
الم د
196
المصدر:
Ibid., min. 4: 35.

الصورة (7)

صورة للحياة اليومية للمنفيين العرب في كاليدونيا الجديدة

المصدر: Ibid., min. 4: 42.

الصورة (8)

زنزانات السجن في كاليدونيا الجديدة

المصدر: Ibid., min. 8: 34.

ومنصور الهوش من قادة ورغمة وفرسانها الأشاوس وقد اتبع مبدأ التكفير والهجرة متخيرًا فتوى الإمام سيدي عليش الذي يبيح

دم وأرزاق من يستسلم ويخضع للمحتل "الكافر". وعدَّ منصور الهوش حركة القبائل ضد التخوم التونسية جهادًا ضد الكفّار: "واجب علينا الهجرة فرض وعام بالشرع مولى الخايبة يتكافى" وكان المقاومون "ما بين زوج ضوارٍ"؛ حيث فكَّا الجيش الفرنسي وتسلّط الباشا العثماني في طرابلس الغرب. الصورة (9)

قصيدة تصف حال المقاومين التونسيين اللاجئين إلى طرابلس

المصدر: سونك، ص 136.

وبعد رواج نبأ معاهدة الحماية في قصر السعيد تجنَّد الشعراء لتحفيز المقاومة والجهاد؛ ومنهم شاعر أصيل قفصة حمّل الباي

الذي باع الوطن و"دخل سوق العدامة" المسؤولية، داعيًا إلى الحرب والمقاومة ضد "النصارى" وضد قوات الجنرال "بريار" وهو قائد

الإنزال العسكري، وأثنى على قبائل دون أخرى على غرار بني زيد والهمامة وقفصة والجريد ونفزاوة والساحل وجبالية عمدون وخمير والشياحية، لكنه عاب على عروش دريد خذلانهم المقاومة.

10 فتحي ليسير، من الصعلكة الشريفة إلى البطولة الوطنية: دراسة في سير بعض "المستبعدين" من تاريخ تونس المعاصر (تونس: ميديا كوم/ كلية الآداب والعلوم

الإنسانية بصفاقس، 1999.)

الصورة (10) قصيدة لأحد الثوار التونسيين يندد فيها بالباي حاكم تونس وببعض القبائل التي خذلت المقاومة

بحسب رأيه

حمّل الشاعر من قبيلة الهمامة باي تونس محمد الصادق باي المسؤولية، واتهمه بالخيانة "الصادق الغدّار" و"الباشا علّق

بورطلة"؛ أي إن حاكم البلاد لبس قبّعة إفرنجية، وخرج من قشرته المحلية، وطاوع المستعمر والمحتل، ومن ثم فهو قد خان أمانة

الوطن، و"باع البلاد للروامة"، وهي العبارة التي أطلقتها عامة الناس، وكانت عبارة عن شعار التعبئة العامة، وكلمة سر المقاومة الشاملة التي انطلقت بتنسيق من زعماء القبائل التونسية وبزعامة علي بن خليفة النفاتي.

2. تاريخ التقنيات والذهنيات: البحرية نموذجًا

تكتنز هذه المدونة بمعطيات مهمة عن تاريخ البحرية بولايتي (إيالتي) تونس والجزائر خلال القرن التاسع عشر، والمعلوم أن البحرية في العصر الحديث كانت عالمًا في البحر شكّل دومًا مصدر استرزاق وبوابة خطر بالنسبة إلى الإيالات العثمانية في شمال أفريقيا،

وكانت البحرية تشمل ثلاثة اختصاصات: بحرية عسكرية وقرصنية وتجارية.

أ- البحرية القرصنية: نهاية عهد

أغنية صوفية شهيرة حول الولي أبي سعيد الباجي الذي تُنسب إليه ضاحية سيدي بوسعيد شمال العاصمة تونس، والتي كانت تُسمَّى جبل المنار قبل شهرة الولي الذي يشرف مقامه على خليج تونس، وكان القراصنة يتبرَّكون به في جهادهم البحري:

شيلة من الأدراك داويني بدواك يا باجي نوب نما المكتوب يا باجي هات زيّارك جات يا باجي فز وحل وفي الخز

والباجي هو الولي أبو سعيد الذي كان يمتدحه الأتباع والمريدون، ويزوره مجهزو مراكب القرصنة قبل الخروج للبحر طلبًا للبركة

وتبريرًا لذاك "الجهاد البحري" ضدّ "الكفّار"، وكان الباجي بالنسبة إلى القراصنة التونسيين عبارة عن الولي الحامي ومصدر البركة. من خلال الأغنية نكتشف نمط الذهنيات، فالقرصنة تسبقها بركة الولي الحامي، وعرفت إلى حد نهاية حكم حمودة باشا باي الحسيني (1782 - 1814) ازدهارًا، ودرَّت أرباحًا وفيرة، ولكن خلال القرن التاسع عشر تراجعت القرصنة البحرية، بل خمدت نهائيًا

خاصة مع حملة للورد اكسماوث في 27  آب/ أغسطس  1816، وحلَّ عصر تطور التقنيات البخارية والميكانيكية، وهو ما تشهد به هذه المصادر الغنائية التي تتحدث عن قطع الأسطول التونسي في عهد محمد باي، وكان "أسيطلً" متواضعًا، أغلب قطعه مقتناة من طولون

ورياسه وقباطينه في مرحلة بحث عن الذات، بعد أن انتهى عصر الرياس "العروجيين والدرغوثيين".

11 الرزقي، ص 94.

يا باجي نوب علية على الله يبرا اللي بية جيب شكارة بالمحبوب والفاضل للخرجية هات البيوت مع الخيمات عاونهم في البحر شوية مراكب في البحر تدز عاونهم في البحر شوية

ب. البحرية العسكرية والتجارية

ج ري
ري و
ب ري
ب
الصورة (12)
أغنية حول أسطول البحرية التونسية في عهد محمد باشا باي 1855 - 1859

المصدر: المرجع نفسه، ص 155 - 157.

بحسب هذه الأغنية، لا تتجاوز قطع الأسطول خمسًا، وهي فرقاطات (جمع فرقاطة): الحسينية نسبة إلى حسين بن علي مؤسس

العائلة الحاكمة بتونس منذ عام 1705، والبشير والمنصور، وهما اسمان للتفاؤل بالنصر والبشارة، والمحرزية نسبة إلى الولي الصالح سيدي محرز الذي حباه المخيال العام لسكان الحاضرة تونس بالتقديس ورسخ الاعتقاد ببركته، واعتبره سلطان المدينة وحاميها من الأعادي (يقول المثل العامي الرائج: "يحرز محرز يا تونس")، والساف (مكتوبة الصاف)، وهو طائر كاسر يوجد بالوطن القبلي من تونس. ولم يقع اختيار تسميات القطع بصفة اعتباطية، فهي تجمع بين التفاؤل والتبرك بالأولياء الصالحين إما من سلالات الأتراك (دالي واعر) الذين ينتسبون رمزيًا إلى درغوث رايس (رانا أولاد سيدي درغوث)، وإما من مهرة رياس البحرية القراقنة (سيدي حسين اليانقي

وبن عطية) نسبة إلى جزيرة قرقنة التي كانت تمد العسكر التونسي بالعنصر البشري المختص في البحرية. ودعمًا للتبرك وخوفًا من أهوال البحر، تمعن الأغنية في الإشادة بدور زعماء الطرق الصوفية (عبد القادر الجيلاني والتيجاني)

والأولياء الصالحين (بوسعيد الباجي وأم الزين الجمّالية وسيدي عقارب)، وتتغنى بشجاعة عسكر البحرية (الكور والسناجق والبندقية

والرجولية... إلخ)، لكنها تلمح أيضًا إلى التطور والعصرنة؛ فالسفن صارت بخارية سريعة (يا كربونجي في الماكينة أعطي النار بالعقلية) نسبة إلى الفحم الحجري الذي يزود المحرك البخاري، ومجهزة بالمدافع (ستون مدفعًا)، والقطعة البحرية لها نظامها وطاقمها من ذلك

ترتيب الموسيقى العسكرية والفرقة التي تشحذ عزيمة البحرية، وتطرد عنهم الملل: (مولى الطبل يزهينا)، (يا طبال جيب نوبة البحرية/ قوي الغيطة يا غربال شد الزكرة با بن كالية قوي حسك يا غناي اشكر سيدنا والبحرية). ولم يكن أسطول الجزائر بأفضل حالً، فالأنواء والعواصف كانت تخيف الطاقم وتزعجه.

(حتى الماكينة عجبتني ترتيب شغل).

إن كان جفل).

وكان التحديث الاستعماري في النقل البحري العمومي بإدخال "بطّاح" مدينة بنزرت يثير فضول الأهالي، ويفتح أعينهم على عظمة التطور التقني لفرنسا والأقطار الأوروبية. والبطاح هو ناقلة بحرية كبيرة تربط بين ضفتي مضيق أو بوغاز وهي حالة رادس وأجيم في جربة وبنزرت، وتتبجح الأغنية بفضائل هذا الاختراع ومزاياه، فهو ينقل كل ساكني بنزرت بمختلف أجناسهم وأديانهم وقوافلها وعرباتها (بنزرت كفاها بلدية وعرب بكل قوافل وكرارط ونصارى ويهود الكل)، ويشيد بجدّة القطعة البحرية العصرية وبمحركها البخاري العجيب

و"البطاح" يسير في كل الاتجاهات، وعلى الرغم من الضيق فهو يسير أيضًا إلى الوراء (بطّاح جديد/ يقدم ويوخّر فوق منه سكة وعجل) ومجهز (بكراسي وبيبان وسلاسل تتحل)، وتشيد الأغنية بصانع المركبة البحرية (اللي بدعه معلم مهندس ما صار قبل)، ومع ذلك فللبطاح بعض العيوب خاصة عندما يرسو فهو يثير ارتجاجًا مرعبًا للعابرين (أما فيه حويجة دونية إذا يوصل يركز يرعبني مثل بغل

الصورة (14)

أغنية حول البطاح الذي يعبر ضفتي بحيرة بنزرت

المصدر: المرجع نفسه، ص 179 - 180.

ثانيًا: نماذج من الرواية الأدبية وكتابة التاريخ

هل الرواية والتاريخ خطّان متوازيان لا يلتقيان أبدًا؟ هذا ما رسّخته نظريًا سلطة المدرسة "التاريخانية"، وأوحت به "المدرسة" الوضعية، لكن الواقع وتطوراته أثبت عكس ذلك،

و"خلخل" ما تم التسليم به. الأدب يؤثر في التاريخ، والتاريخ ينمّي الخيال الأدبي، ولا يولد الخيال من خيال، بل لا بد من حاضنة واقعية له، وعندما نقول

(الواقعية)، فهي التسليم بمعطيات التاريخ؛ أي الوثيقة أو المعاينة الميدانية. هل يمكن فهم تاريخ مصر وعالم حاراتها من دون روايات نجيب محفوظ؟ وهل يمكن النفاذ إلى مجتمع الصعيد المصري وثقافاته اللامادية واختلاجاته من دون العودة إلى عبد الرحمن الأبنودي؟ وهل يمكن العودة إلى تغريبة بني هلال من دون محمّد المرزوقي؟ ومن في إمكانه أن يتجاوز كتابات جرجي زيدان حول الحجّاج وشجرة الدر وفتاة القيروان، وهو لم يلتقط عناصرها من خياله، بل بعد أن

جال في المصنفات وأمهات المصادر، وغاص فيها غوصًا عميقًا، وبعد نُفرة وتحقير عاد القرّاء إليها يتكشّفون ما لم يحسنوا تلقّفه في مطاويها من قبل؟ خصّصت مجلة " الأنال " (الحوليات) الفرنسية، ذات الصيت الذائع والتبصّ المنهجي الموروث والمتجدد منذ عصر مارك بلوخ ولوسيان

فيفر وفرنان بروديل، عددًا خاصًّا حول علاقة الرواية بالتاريخ، وفيه تم التبحّر المنهجي من خلال أمثلة في علاقة الأدب بالذاكرة والعادات

والتقاليد والفلكلور الشعبي، من ذلك كيف يتمثّل الناس السماء في العصر الكلاسيكي؟ وحدود العلاقة بين التأريخ والرواية وبين التأريخ والخيال. ولم يكن هذا التنقيب المنهجي خاصًّا بالمؤرخين الفرنسيين ومجلة الحولياتفقط، بل عُقِدَت ندوات ومؤتمرات حول علاقة

التاريخ بالأدب والأدب الروائي تحديدًا في الهند والصين وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وأميركا الشمالية في كبرى المدارس التاريخية التي اهتمت بالتاريخ المجهري وتاريخ الأشياء العادية أو "اليومي" وتاريخ "التابع". وفي ورشة كتابة التاريخ الحديث والمعاصر في البلاد العربية، طرحت مرارًا مسألة تنويع المصادر وتجديدها، بل ابتكارها؛ لأن

أرشيفات الدولة أو السلطة المركزية وما استتبعها من كتب المصنفات بقدر ما ساعدت على كشف جوانب من التاريخ العام المفصلي، فإنها لم تساعد على كشف "الجمال المخبوء تحت الأشياء العادية". ومثال تطبيقي لذلك تطرح أعمال روائية عدة نفسها بوصفها مصدرًا مجدّدًا للتعمّق في التاريخ اليومي للمجموعات المحلية:

1 ي. مثال رواية "الدقلة ف عراجينها" للبشير خريّف

في هذه الرواية يستعذب القارئ أهمية الأرض والنخيل والماء والملكية الفردية وخطر "البلترة" ونزيف التجنيد الاستعماري، لكن من دون العودة إلى مراسلات القيادة أو إلى تقارير القلم الأمني أو مقتطعات الصحف، بل من خلال حبر يأتي من عمق الذاكرة بأسلوب أدبي وسخرية لاذعة. البشير خريّف (1917 - 1983) أديب تونسي من مواليد نفطة بالجريد في الجنوب الغربي، وهي منطقة واحيّة بامتياز، اشتُهِرت

بالحركة الصوفية وأهمية الحركية الأدبية بها حتى سماها بعضهم الكوفة الصغرى. ومثل كل أبناء الجريد، بدأ خريّف تعلمه في الكتّاب،

12 Etienne Anheim & Antoine Lilti (coordination), "Savoirs de la littérature,” Annales: Histoire, Sciences sociales , vol. 65 , no. 2 (2010).

ثم انتقل إلى الدراسة بالزيتونة، ومنها إلى الخلدونية التي اكتسب منها المعارف العصرية واللغات، بعد تجربة روائية أولى حبك دربانيعام 1954 خصصها للأحاسيس، وكتب عام 1960 رواية تاريخية بديعة برق الليلحول نهايات العهد الحفصي في تونس، وهي فترة شحَّت

حولها الوثائق والكتابات، وأنهى كتابة روايته الدقلة في عراجينها عام 1966، جامعًا فيها بين ركام التجربتين؛ أي الأحاسيس والتاريخ،

فأتت روايته التي قسّمها إلى عراجين (جمع عرجون) وشماريخ (جمع شمروخ) انعكاسًا لحبه لبيئته الواحيّة في منطقة الجريد التي تدور

فيها الحياة حول النخلة والتمر، وتتويجًا لواقع تونس بين الحربين في فترة الاستعمار الفرنسي. لقد صوّر الحياة الاجتماعية الجماعية وانقساماتها بواحات نفطة من الجريد التونسي ودقائق الحياة اليومية وخاصة الصراع

على الأرض بين الملاكة والخماسة وبين العائلات والأسر الجريدية بأسلوب مكثف دقيق الوصف، فيه لمسة من السخرية والفكاهة. لا تكفي قراءة الدقلة في عراجينها وحدها لفهم توازنات المجتمع الجريدي وتقاليده وخصائصه. لكن كتابات المختصيّ (عبد الحميد

هنية بخاصة وجمال بن طاهر ومصطفى التليلي) تكتسب بعدًا استثنائيًا عندما تُضاف إليها حمولة الرواية التي نحن بصددها،

وهي ليست الوحيدة التي اهتمت بشأن الجريد. للرواية جاذبية كبرى خاصة لمن درس تاريخ المجموعات الواحية، ففي كل سطر من أسطرها تزداد دقة المعرفة بتفاصيل الحياة اليومية، ويتحول البديهي والمنسي منه إلى حقيقة متجددة على الرغم من أن الرواية في آخر الأمر خيال، لكن زادها استعمال اللهجة المحلية حلّةً من الصدق، يقول في شأنها الطيب صالح (الأديب السوداني الكبير) عندما قدّمها للنشر عام 1990: "عالم الجريد في الجنوب التونسي عالم تعرفه ولكنك نسيته أو نسيت بعض جزئياته كما ينسى المرء أبناء عمومة له [...] يستيقظ الجريد النائم على أبواب الصحراء أشعث أغبر يستيقظ عند ذلك كمن نضجت فيه الروح [...] هذه الرواية تعمل في الخيال كما يحدث حين تلقي حجرًا في بركة

ساكنة تنطلق دوائر وراء دوائر [...] وحسبك اللغة فإن لغة الجنوب التونسي الدارجة التي يستعملها الكاتب دون تحفظ تشهد بأن اللغة العربية الفصحى بعد أكثر من ألف عام من الغربة ظلت محتفظة بفصاحتها وطلاوتها [...] كما حدث في كل بيئة حلّت فيها ولا عليك من هذا اللجج عن العامية والفصحى فإن اللغة في هذه الرواية دارجة أو عامية تقوم وحدها برهانًا على عظمة هذا العمل الفني". تبدأ أحداث الرواية في عيد "مايو" أي يوم 15 أيار/ مايو في الحساب "العربي"، وما هو بعربي بل أعجمي موروث من عهد أفريقيا الرومانية، وفي عادات أهل الجريد دعاء لفرعون على ضفاف الوادي طلبًا للخصب، ويذكرنا مقطع الرواية بنص بديع لابن أبي دينار

القيرواني حول استقبال" النوروز" بمدينة تونس في العهد المرادي في التاريخ نفسه.

2 ي. مجتمع الجريد: ف حراكه وسكونه

وفقًا لما جاء في الرواية يعيش أهل الجريد على "بورصة" التمر، وتحت رحمة تقلبات الطقس: "على أنهم أبدًا في وجل من تقلبات الجو فإن أمطرت دقائق فوق ما ينبغي يتبلل التمر ويتعفن فلا تقبله السوق ولا يستسيغه الطاعم، سرعان ما يتكون فيه الدود وينتثر منه البعوض، فعلى صاحبه أن يستأجر من يريحه منه في الزبالة".

13 Abdelhamid Henia, Le Jérid: Ses rapports avec le beylik de Tunis 1676 - 1840 (Tunis: Publications de l'Université de Tunis, 1980).

14 جمال بن طاهر، الملكية بواحات نفزاوة من خلال دفاتر القانون (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1982.) 15 مصطفى التليلي، قفصة والقرى الواحية المجاورة: حول الحياة الجماعوية من بداية القرن 18 إلى 1881، تقديم عبد الحميد هنية (تونس: جمعية صيانة مدينة

قفصة، 2009.) 16 البشير خريّف، الدقلة في عراجينها، تقديم الطيب صالح (تونس: دار الجنوب للنشر، 1990)، ص 7 - 18.

17 المرجع نفسه، ص 28.

وفي سنوات الرخاء كما في سنوات الشدّة: "هناك فئة ناشطة هي فئة العدول، فذلك زمن الاقتراض والرهن والبيع والطلاق"،

تشخيص دقيق لفئة مهمة في المجتمع دورها التوثيق العدلي، وقد فطن المؤرخون في المغرب إلى أهمية الأرشيف العدلي، ومن مدونتهم انبثقت أعمال جامعية عديدة. ومن خلال دفاتر العدول التي اشتغل عليها المؤرخون، وممارسات بعضهم التي صوّر نزرًا منها خريف في روايته؛ تتضح معالم الأرض

وعلاقات الإنتاج بالواحة: "خرج حفّة فصبّح عليه الخمّاسة باحترام، فرد عليهم، ثم سألهم عن الأشغال الفلاحية، وقرّعهم على كسلهم". اعتمل جدل كبير حول طبيعة المجتمعات في المغرب، وكان نظام الخماسة محلّ جدل بين المحللين والمؤرخين، ولم تلغَ الخماسة في تونس رسميًا إلا عام 1981. وفي الرواية تفصيل مدقّق لاسترسال نظام "الخماسة" بالجريد وظواهر الإكراه الاقتصادي والأخلاقي، غير أن الخمّاس

الجريدي لم يكن فقيرًا معدمًا ولا شبيهًا بأقنان العصر "الإقطاعي - السنيوريالي"، ويعدّل البشير خريف الصورة وهو ابن تلك البيئة التي خبرها. وفي مفصل آخر يفصّل البشير خريف في أثر التمدّن الفرنسي ماديًا وثقافيًا في المجتمع المحلّ، وكيف غيّ من اللهجة والمظهر السائد

التقليدي: "الطاهر الطرايور" Tirailleur (كان بجيش الرماة) والزلاميتا لمروكي allumettes Les (الولاعة بالفرنسية) والفكتور Facteur (ساعي البريد) والزوفري ouvriers Les (العامل في تصنيف تقزيمي وتحقيري) والشركة "الكبانية" Compagnie و"الكانطينة" (المقصف) Cantine و"مونيفر" عامل يدوي مختص Manœuvre. وتصف الرواية بواقعية شديدة وأسلوب عذب صعوبة الجندية ومرارة التجنيد عند شباب بلاد الجريد: "وأخذ يتكلّم على العسكر وتراتيبه ووقعة فردان Verdun والعيش في فرنسا [...] وأخذوا ما يفعل الشباب الحاصلون في العسكر ليفسدوا أجسامهم فيتخلصون؛ كتعاطي الحشيش فيعتل الصدر والتبخير بالبنّ ليلة المقابلة فيصفرّ الوجه، وأكل البطاطة النيئة فتفسد المعدة". وتسرد الأغنية الشعبية في الجريد أهوال الحرب ووقعها على المجندين في جبهات القتال من أبناء الجريد:

يا أميمة ما زلت صغير ما زلت صغير

يوصل عمري للعشرين

ادوني للدردنيل

ذقت أعذابوا وأهوالوا

تبدأ أحداث الرواية عام 1928، وتنتهي تقريبًا مع الحرب الثانية، وكان للتجنيد وقعه على الشبان والعائلات وخصوصًا أن تجربة

الحرب الكبرى كانت قاسية، وخلفت عدة ضحايا من سكان القرى والمداشر والأرياف، ويبذل الشباب قصارى جهدهم لتفادي الجندية خوفًا من جبهات الحرب، ومنهم من يلجأ إلى العوض، أي دفع مبلغ مالي في إطار المعاوضة، ويتنزل مكانه شاب آخر من أوساط اجتماعية فقيرة، ويكون ذلك وفق عقد عدلي موثق به كل الشروط: "أنت قول لعمك يعاوض عليك، أنت بنخلك ولاباس عليك".

18 المرجع نفسه، ص 29. 19 مسار مؤرخ وتجربة تأريخية: أعمال مهداة إلى محمد الهادي الشريف، إشراف عبد الحميد هنية (تونس: مخبر دراسات مغاربية/ مركز النشر الجامعي، 2008.) 20 خريف، ص 30. 21 الهادي التيمومي، الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية: الكادحون الخمَّاسة في الأرياف التونسية 1861 - 1943 (تونس: دار محمد

علي/ كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1999.) 22 خريف، ص 123. 23 خريف، ص 191.

ثم ينتقل الروائي من الجريد وعالم النخل والخماسة والتمر إلى شمروخ جديد من عراجينه هو:

3. منجم المتلوي: "البلترة والمقاومة"

في المنجم الذي تحول إلى مدينة سماها بعضهم "باريس الصغرى" Paris Petit انبثقت حاضرة المتلوي وجزؤها الأوروبي "فيليب طوماس"، وهو اسم المهندس الذي اكتشف ثروة الفوسفات بتلك التلال الجرداء الشاحبة و"المتلوي المحطة" Gare Metlaoui؛ أي محطة أرتال سكة الحديد لشركة فوسفات صفاقس - قفصة، "الكبانية" تعريبًا للفظ Compagnie، والمكون الثالث هو أحياء

الأهالي والعمال. في المتلوي تنتظم الحياة حول صافرة المنجم: "وعلى الخامسة صباحًا أطلقت العياطة صياحًا كخوار عجل مستغيث وبقيت ترسله

كل نصف ساعة حتى السابعة، كذلك يبدأ يوم المنجم مؤقتًا مضبوطًا". حياة المنجم عبارة عن حياة عسكرية صارمة لخليط من العمّال والأجناس واللهجات والأديان؛ منهم أصيلو عروش الهمامة من

أولاد معمّر (أولاد بويحي وأولاد الديناري) والعبيدية والصوافة أصيلي الجزائر والطرابلسية والجريدية، لكن المراتبية كانت واضحة،

فالفنيون الفرنسيون كانوا في أعلى السلم، وأحياؤهم لا يدخلها الدخلاء وبعدهم في المرتبة باقي العمال الأوروبيين من إيطاليا ومالطا "تحدثوا عن تصرفات الشركة وعما يشاهدون من حرمان التونسيين وتقديم كل أجنبي، وكلما كان أبعد جنسية كان أوفر حظًا، فاليوناني والمالطي ثم المروكي والطرابلسي والجزائري، أما التونسي فقد جعلوا قسمه في ظلمات الأرض". تصوير دقيق لواقع المدن والقرى المنجمية التي نشأت غداة هيمنة الاستعمار المنجمي بالجنوب الغربي التونسي؛ مثل الرديف والمظيلة وأم العرائس ومثيلاتها في الجزائر والمغرب. يدقق السرد والوصف والحوار لتصوير معاناة المنجميين، وخاصة النازحين من بلاد الجريد، وسرعان ما ينتقلون من الوعي العروشي المحلّ إلى الوعي العمّالي: "الزيادة في الأجر، الزيادة في الأجر إلى أمته الواحد يتحشّم"، في البداية أعاقت التركيبة العروشية والعرقية

تكتّل العمّال، وقد فشل محمد علي الحامي في آخر عام 1924 في جمع شتات العمال المنجميين بالمتلوي: "إن محمد علي القابسي حاول

ذلك ولم يفلح [...] موش عيب الرجل يجيكم ويتمرمد عن حالكم ويقول لكم هيا، ولوا كيف العباد لا من بغى منكم". يتبحّر البشير خريف ويروي كيف نجح "الدبنجق" والمكّ في لمّ شتات العملة، وتجاوز الفُرقة والاختلاف لتوحيد أصواتهم

ومطالبهم أمام إدارة الشركة: "نجفل [أي نضُرب] الكلّ لا من يخدم تقعد نهار اثنين ثلاثة عشرة وكيف الكبانية ما تلقى بيها واين تعطينا مطالبنا وترجعنا لخدمتنا الكبانية قوية بمالها وحنا أقوياء بأذرعتنا".

24 خريف، ص 148. 25 المرجع نفسه، ص 152.

26 Noureddine Dougui, Histoire d'une grande entreprise coloniale: La compagnie des phosphates et du chemin de fer de Gafsa, 1897 - 1930 (Tunis: Faculté́ des lettres de la Manouba, 1995).

27 خريف، ص 192. 28 المرجع نفسه، ص 204. 29 المرجع نفسه، ص 216.

انتهت الحركة الإضرابية بالقمع والمحاكمات والسجن، وقد كان خريف 1936 خريف الإضرابات العمالية التي تواصلت إلى الإضراب

الشهير في 4 آذار/ مارس 1937ًالذي خلف ثمانية عشر قتيلً وأكثر من ثلاثين جريحًا وعشرين معتقل، ولكنها رسخت ثقافة الوعي

الطبقي المنجمي في وسط كان أميل إلى التضامنات التقليدية القائمة على العرش والعشيرة والزاوية والطريقة، فانتقل إلى النقابة والجمعية والحزب والإضراب، تحولات عميقة صورتها ريشة سلسة وبسيطة تجاذبت فيها موهبة الخيال الروائي وعمق المعرفة التاريخية. ليس مثال الدقلة في عراجينها وحيدًا، فقد كان من الممكن أن تكون رواية توفيق عوّاد الرغيفلتوفيق عوّاد حول تجنيد شباب لبنان في

الحرب الأولى "السفر برلك"، أو رواية الخبز الحافيللمغربي محمد شكري، وهي تصور حياة المهمشين بمدينة طنجة والحواضر المغربية الكبرى. تواترت ألفاظ التهميش والإقصاء والتغييب نعوتًا وصفية في دراسات عديدة من دون أن ترفق بتعريف متكامل لفحواها وتاريخيتها، وقد قامت أعمال أدبية بهذا الدور بنجاح. فالتهميش أو الإقصاء الناتج منه ظاهرة تاريخية مادية اقتصادية، ولكنها أيضًا ظاهرة نفسية ومعنوية، والأدب الروائي والغنائي يحسن تصويرها وينافس فيها قلم المؤرخ. تلمح أغلب الدراسات التي اعتنت بتاريخ المغرب المعاصر إلى احتداد الهامشية في ثلاثينيات القرن العشرين من جرّاء أزمة 1929 التي

عصفت بالتوازنات التقليدية، ورمت بجحافل النازحين الريفيين إلى المدن وخاصة الحواضر الكبرى؛ مثل: الدار البيضاء وتونس الحاضرة وعاصمة الجزائر، وتكونت أحزمة الصفيح ومدن القصدير بوصفها أقطابًا للتهميش والهامشية، ومثل هذه الأحكام على صحتها تتطلب تنسيبًا وتدقيقًا. أمّا بخصوص الحيّز الزماني فلا جدال في أن فترة ما بين الحربين، وتحديدًا ثلاثينيات القرن العشرين التي ينعتها بعضهم بفترة "الطفرة"،

قد مثلت زمن ذروة التهميش وتفاقم البؤس الاجتماعي. لم يكن من باب المصادفة أن يثير النابهون الوطنيون موضوع المساعفة الاجتماعية والشفقة على البؤساء في فترة ما بين الحربين، لقد خلّف الاستعمار بؤسًا وتهميشًا وتفقيرًا شمل شرائح جديدة كانت بمنأى عن تلك الشرور. شرائح اجتماعية ضعيفة ومفقرة ينعتها المختصون بالفئات السفلى وقد جرفت الهامشية الاستعمارية عدة، غير أن المهّمش

ليس دائمًا الفقير والمحتاج فقط. وفي كل الأحوال، يرمز لفظ الفقر المتداول في بدايات الاستعمار إلى فقراء الزوايا والطرق والمتزهدين

روحيًا ودينيًا لا إلى فقراء الجيوب فحسب.

خاتمة

لا شك في أن الأغنية التراثية - على غرار المدونة الروائية الواقعية - ساهمت في تبصير المتبحرين في الأرشيفات والمقدسين لها بأن كتابة التاريخ يمكن أن تستفيد كثيرًا من هذه المصادر الموازية والمكملة، بل الضرورية أحيانًا، وتساهم أيضًا في إضفاء حيوية على كتابة

التاريخ، فبين الصرامة المنهجية والملل الرتيب خيط رفيع. وعلى المؤرخ أن يجدد مصادره، ويكمن التجديد أحيانًا في إعادة النظر وبعث الروح فيما يبدو بديهيًا ومنسيًا، ومن ذلك الأدب

والثقافة والمأثور الشفوي أو ما يُسمَّى الفلكلور؛ أي التراث الشعبي.

30 حفيظ الطبابي، الحركة النقابية في مناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية (تونس: المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية - جامعة منوبة، 2005.)

31 Jacques Berque, Le Maghreb entre les deux guerres (Paris: Le Seuil, 1962); Ali Mahjoubi, Les origines du mouvement national en Tunisie, 1904 - 1934 (Tunis: Faculté des sciences humaines et sociales de Tunis, 1982). 32 François Furet, "Pour une définition des classes inférieures à l’époque moderne,” Annales: Histoire, Sciences Sociales , vol. 18 , no. 3 (1963), pp. 459 - 474.

المراجع

العربية

مجلةروافد. العدد 5 (2000). بن طاهر، جمال. الملكية بواحات نفزاوة من خلال دفاتر القانون. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1982.

هنية. تونس: جمعية صيانة مدينة قفصة، 2009.

1861 - 1943. تونس: دار محمد علي/ كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1999. خريف، البشير. الدقلة في عراجينها. تقديم الطيب صالح. تونس: دار الجنوب للنشر، 1990. الرزقي، محمد الصادق. الأغاني التونسية، ط 2. تونس: الدار التونسية للنشر، 1989.

ميديا كوم/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، 1999.

_______. شتات أهل وسلات بالبلاد التونسية: مقاربة في الأنتروبولوجبا التاريخية. تونس: دار سحر للنشر، 2020.

مركز النشر الجامعي، 2008.

الأجنبية

References

بن سليمان، فاطمة. "مجال خمير والسلطة المركزية بتونس في القرن التاسع عشر: من التخوم إلى الحدود ومن المخزن إلى الدولة."

التليلي، مصطفى. قفصة والقرى الواحية المجاورة: حول الحياة الجماعوية من بداية القرن 18 إلى 1881. تقديم عبد الحميد

التيمومي، الهادي. الاستعمار الرأسمالي والتشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية: الكادحون الخمَّاسة في الأرياف التونسية

الطبابي، حفيظ. الحركة النقابية في مناجم قفصة خلال الفترة الاستعمارية. تونس: المعهد العالي لتاريخ الحركة الوطنية - جامعة منوبة، 2005.

ليسير، فتحي. من الصعلكة الشريفة إلى البطولة الوطنية: دراسة في سير بعض "المستبعدين" من تاريخ تونس المعاصر. تونس:

المكني، عبد الواحد. شتات أهل وسلات بالبلاد التونسية من 1762 حتى مطلع القرن العشرين. تونس: دار سحر للنشر، 1999.

مسار مؤرخ وتجربة تأريخية: أعمال مهداة إلى محمد الهادي الشريف. إشراف عبد الحميد هنية. تونس: مخبر دراسات مغاربية /

• Anheim, Etienne & Antoine Lilti (Coordination). "Savoirs de la littérature.” Annales: Histoire, Sciences sociales. vol. 65 , no. 2 (2010). • Berque, Jacques. Le Maghreb entre les deux guerres. Paris: Le seuil, 1962. • Chater, Khalifa. Insurrection et répression dans la Tunisie du XIX e siècle: La Mehalla de Zarrouk au Sahel (1864). Tunis: Publication de l’université de Tunis, 1978. • Dougui, Noureddine. Histoire d'une grande entreprise coloniale: La compagnie des phosphates et du chemin de fer de Gafsa, 1897-1930. Tunis: Faculté́ des lettres de la Manouba, 1995. • Furet, François. "Pour une définition des classes inférieures à l’époque moderne.” Annales: Histoire, Sciences Sociales. vol. 18 , no. 3 (1963). • Henia, Abdelhamid. Le Jérid: Ses rapports avec le beylik de Tunis 1676-1840. Tunis: Publications de l'Université de Tunis, 1980. • Mahjoubi, Ali. Les origines du mouvement national en Tunisie, 1904-1934. Tunis: Faculté des sciences humaines et sociales de Tunis, 1982.