من الصحافة إلى الحالة المدنية: أسئلة المؤرخة ومسار البحث عن المصادر
From Journalism to Civil Status: The Historian's Questions and the Path in Search for Sources
الملخّص
تتجه هذه الدراسة إلى مساءلة طبيعة بعض من المصادر التي عالجناها طوال مسارنا البحثي، باختيار الصحافة من جهة، والوثائق العدلية من جهة ثانية، بوصفها نماذج نستنطقها اعتمادًا على مجموعة من الأسئلة والتوجيهات المنهجية. وتقترح عقد مقارنة غير مباشرة بين الجرائد والعقود العدلية بصفتها مصدرًا لدراسة التاريخ، من حيث طبيعة الوثائق، ونوعية المعطيات المستقاة، ومنهجية المعالجة. كيف تنتج الكتابة التاريخية الرصينة؟ وكيف يتم اختيار المصادر أو انتقاؤها لبناء مدونة البحث؟ وكيف يتم تحديد الموضوع الأكاديمي؟ وما السؤال الأساسي الذي يريد الباحث/ة طرحه والإجابة عنه، عند الإقدام على إنجاز بحث في التاريخ؟
Abstract
Professor of History, Constantine 2 University, Algeria.
- المجتمع المدني
- الصحافة
- العقود العدلية
- الكتابة التاريخية
- Civil Society
- Journalism
- Judicial Contracts
- Historical Writing
سئلة المؤرخة ومسار البحث عن المصادرأ
From Journalism to Civil Status
The Historian's Questions and the Path in Search for Sources
مقدمة
تتجه هذه الدراسة إلى مساءلة طبيعة بعض من المصادر التي عالجناها طوال مسارنا البحثي، باختيار الصحافة من جهة، والوثائق العدلية من جهة ثانية، بوصفها نماذج نستنطقها اعتمادًا على الأسئلة والتوجيهات المنهجية الواردة إلينا. وتقترح عقد مقارنة غير مباشرة بين الجرائد والعقود العدلية بصفتها مصدرًا لدراسة التاريخ، من حيث طبيعة الوثائق، ونوعية المعطيات المستقاة، ومنهجية المعالجة. كيف تنتج الكتابة التاريخية الرصينة؟ وكيف يتم اختيار المصادر أو انتقاؤها لبناء مدونة البحث؟ وكيف يتم تحديد الموضوع الأكاديمي؟ وما السؤال الأساسي الذي يريد الباحث/ة طرحه والإجابة عنه، عند الإقدام على إنجاز بحث في التاريخ؟ نشير، في البداية، إلى أن للسياق والظروف دورًا كبيرًا في اختيار الموضوعات، وخصوصًا الأكاديمية (الجامعة، والأستاذ المشرف،
والأسئلة المطروحة على الساحة الفكرية/ السياسية أو التاريخية، وكذا محاور البحث في المخابر). من حيث المبدأ، تُبنى المدونة انطلاقًا من مكونات العنوان. عمليًا، قد يتم تحديد العنوان بناءً على ما هو متوافر من مادة ومصادر
معلومة المكان والمحتوى. وقد تتم المسألة بعد سبرٍ أولّي حول مدى إمكانية جمع المصادر أو الاطلاع عليها، إن لم تكن معلومة بعد، من
خلال الدراسات السابقة. وقد أخذنا بالعاملين معًا، في موضوعي: دكتوراه الحلقة الثالثة بباريس، ودكتوراه الدولة بتونس. ومهما كان المصدر، علينا أن نتساءل عمّا نبحث عندما نحاول جمع شتات المعلومات من قراءة الجرائد، وعما نبحث عندما نفكك،
ونركب معطيات عقود الزواج والطلاق أو الوفاة أو التركة أو الوقف. أما عن طبيعة الوثائق، فقد كانت الجرائد منشورات ورقية وعلنية، وموجهة إلى القراء، وغالبًا ما تحظى برخصة للطبع والنشر
والتوزيع تتيحها الإدارة. ويتمثل عمل أصحاب الجرائد بترويجها ثم الحفاظ على مجموعاتها، من منطلق المحافظة على التراث والإبقاء على شواهد حركة النهضة والإصلاح أو التيارات الفكرية المختلفة التي تتنافس في الساحة؛ ذلك أن الصحافة ظهرت في العالم العربي في القرن التاسع عشر، وتبلورت في مواجهة موجات التوسع الاستعماري والاحتلال الأوروبي. وقد مثّلت، في البداية، المنفذ الأول والوحيد
لإبداعات الأدباء والشعراء، ولمحاولات المفكرين في ميادين شتّى، فضلً عن المواقف السياسية.
1 أستاذة التاريخ في جامعة قسنطينة 2، الجزائر.
في المقابل، تُعدّ الوثائق العدلية عقود معاملات ومبادلات تتم بين الأطراف، أمام شاهدَي عدل، وتحت إشراف القاضي؛ على الأقل بالنسبة إلى فترة ندرسها. وهي وثائق إدارية قضائية، لها قيمة الدليل والإثبات على البحث المدون فيها. وإن كانت تحظى بعملية إشهار للضرورة - الزواج والبيع والعتق والوقف مثل - فهي محدودة النطاق. ومن يحتفظ بالعقود العدلية، فذلك لغرض شخصي أو عائلي أو إداري للدلالة على حقيقة ما وقع. ولذا، قلَّما تمَّ الاحتفاظ بكل العقود عبر الزمن، ولم ينظر إليها بوصفها مصدرًا للتأريخ إلا في القرن
العشرين، تقريبًا. إنها وثائق محايدة، لكنها تتسم بمواصفات المؤسسة المنتجة لها، ولذا يجب إخضاعها، هي الأخرى، للنقد الخارجي،
وللنقد الداخلي خاصةً. وهذا ما قمنا به قبل توظيف معطيات سجلات المحاكم الشرعية في قسنطينة، على سبيل المثال. هل تتساوى المصادر من حيث قيمة المعلومات وصدقيتها؟ يجب تحديد الزمان والمكان، لوضع المصادر في سياقها التاريخي، ثم دراستها في ضوء البيئة الحضارية، فضلً عن الانتباه إلى هدف وضعها وصدورها. في الواقع، لا يميز البحث العلمي الرصين بين مختلف المصادر، إنما يكمن الفرق في أسلوب المعالجة، بعد التعريف بكل مصدر، وتوضيح ظروف إنتاجه، ومدى ما يسمح به من تفكيك وتحليل وتركيب.
أولً: الصحافة موضوع بحث ومصدرًا لدراسة التاريخ
مثلت الصحافة بالنسبة إلى دارسي الفترة المعاصرة مادةً أولية وأولى لأبحاثهم، وذلك لتوافرها في مراكز التوثيق والأرشيف، ولأنها متاحة من دون رخصة، ولأنها مجموعات محفوظة، فاعتبرت سجلً لاهتمامات الصحافيين ورجال الإعلام والثقافة والسياسة في وقت محدد. كما أنها تعبير المجتمع ومرآته التي صدرت عنه ونشرت فيه. وتعبّ الجرائد عن موقف المجموعات الضاغطة والقوى المؤثرة في
المجتمع من حيث المال والجاه والتمكّن الثقافي في الدرجة الأولى، فهي رافد يحمل مختلف الصور عن المجتمع المتعدد، خاصة، في ظل حرية الصحافة. لقد بدأ الباحثون ينهلون من الصحف والمجلات، بوصفها مصدرًا للمعلومات فحسب، وسرعان ما تفطنوا إلى كونها موضوعًا
مستقلً جديرًا بالبحث، من حيث ظروف إنشاء الصحف، وكيفية تقنين عملية النشر والتوزيع، فضلً عن التمويل والإدارة في علاقتها
بالسياسة والاقتصاد. و"لم يغب عن مؤرخي الجزائر المعاصرة أن الصحافة تمثل مصدرًا ثريًا للمعلومات في كل المجالات، وخاصة في
وصف مظاهر الحياة الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية. من ثم اعتمدوا عليها واستشهدوا بمقالاتها. ولكن الصحافة بحكم هدفها منحازة المواقف، ولها أفضليات في الموضوعات ومصادر الأنباء والمعلومات. لذا وجب التعامل معها بكل حذر. فالحذر منهج ينطبق على كل كبيرة وصغيرة وليس حذرًا مبدئيًا نعلنه في البداية ثم نستشهد بما يرد على علّته مما يوقع في المغالطات وحتى التناقضات". فما الأسئلة المطروحة على الباحثين في الصحافة؟ وما نوعية المعلومات الواردة فيها؟ وما محدودية الإجابات؟ تطورت الصحافة إلى مرفق عمومي للإعلام ونشر الخبر، بشيء من الحيادية. ولكن، تبقى الجريدة ناطقة باسم صانعيها. كان هدفها الجامع هو الإخبار والإعلام والترويج لرأيٍ أو موقف أو تيار والدفاع عنه. أما الصحافة، موضوع دراستنا هذه، فهي صحافة رأي ظهرت في الجزائر في ظل الحكم الاستعماري الفرنسي، كانت صحافة نضال سياسي ومجتمعي في الدرجة الأولى. ولذا، وجب الاهتمام بالقائمين عليها والبحث عن أهدافها التي اختلفت، بحسب الظرفية السياسية، وبحسب إمكانيات الناشر والقرّاء. كانت الجرائد تُباع
2 فاطمة الزهراء قشي، "خصائص الصحافة الجزائرية المكتوبة بالعربية"، في: الصحيفة وآثارها في الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين، إشراف محمد
القورصو (وهران: منشورات الكراسك 2017، CRASC)، ص 42.
بالاشتراك، وبالعدد عند الموزعين والباعة، في زمن كانت الكتب قليلة التداول. ونظرًا إلى أهميتها أو إلى ارتباط القراء بها وبمؤسسيها،
تمّت المحافظة على الجرائد، بصفة انتقائية أحيانًا، واعتباطية أحيانًا أخرى. ورغم أنها كانت تصدر علنًا، صعُب على الباحثين العثور على
كل الصحف في دور المحفوظات؛ فقد توجد مجموعة كاملة من الجريدة أو المجلة أو أعدادًا متفرقة. للظرفية السياسية في الجزائر دورٌ في اختفاء هذه الجرائد، أو إخفائها عن أعين الرقابة، أو التخلي عنها وقت الخطر، خاصة في
مدة ثورة التحرير (1954 - 1962). وإن لم تكن ممنوعة، فقد كان اقتناؤها دليلً أو مؤشرًا على الانتماء السياسي الذي يكون تهمة كافية للمتابعة. في المقابل، عملت بعض الدول على المحافظة عليها، وعيًا بأهمية أرشيف الحركات الإنسانية وتأريخها بمختلف تعبيراتها، وتم
تخزين الدوريات في المكتبات الوطنية. واستفادت مصالح المحفوظات، في الجزائر مثلً، من قاعدة الإيداع القانوني المعمول به في فرنسا، والمتمثل بإيداع أول نسخة من كل منشور في إدارة الولاية، من أجل الرقابة أولً، ثمّ من أجل الحفاظ عليها بوصفها أرشيفًا ثانيًا. كما
وجدت جرائد خضعت للحجز الإداري في الحال التي تكون فيها المنشورات غير مرخصة، أو تجاوزت الخط الأحمر المسموح به في قانون حرية الصحافة. وكانت الصحف الوطنية تُحتجز أو تُسحب من على رفوف المكتبات، وتُفتكّ عنوة من أيدي الباعة المتجولين بتهمة "المساس بأمن الدولة" أو "المعاداة لفرنسا".
1. المنهج الكمي وبناء مدونة الصحافة
كيف تقرأ الأحداث الواردة في الخطاب الصحفي؟ وما مكانة التحقيق والتعليق والرواية الشفهية والنقل عن وكالات الأنباء في الكتابة الصحفية؟ وما نوع المعرفة التاريخية التي يمكن كتابتها انطلاقًا من الصحافة كونها مصدرًا للمعلومات؟ لا يمكن استصغار الصحافة أو احتقارها، بوصفها مصدرًا للبحث وموضوعًا له؛ لأنها تفتح مجالات واسعة للكشف عن الحراك
الثقافي والسياسي، فضلً عن عرضها ومضات من الحياة اليومية. وبناءً عليه، ومن أجل توظيفٍ أمثل للوثائق المدروسة، يلجأ الباحثون إلى وضع خريطة على الطريق، تتمثل بسؤال أولي من قبيل:
هل نريد التأريخ للصحافة على أنها مرآة عاكسة لاهتمامات المجتمع في مجال الفكر والسياسة؟ أم نعتمدها مصدرًا للمعلومات التي تم
تداولها للتأريخ لحركةٍ أو ظاهرة أو مسار؟ أقبلنا على دراسة الصحافة والتعريف بها من خلال ما نشر على صفحاتها. ولتحقيق ذلك، اعتمدنا المنهج الكمي الإحصائي بالجرد والتبويب والتصنيف. ثم تساءلنا عن كيفية استعمال الإحصاءات لقراءة توجهات هذه الجريدة أو تلك. وكيف نقيس عدد المقالات ومساحتها ومكانها بين طيات الجريدة التي كانت لا تزيد على أربع صفحات في جلّ الحالات، باستثناء جريدة البصائر ذات الثماني صفحات؟ وكيف نقرأ مختلف العبارات ونفهمها؟ وما طريقة توظيفها في سياق عرض للأحداث؟ وما المصطلحات التي يتغير معناها مع الزمان أو المكان؟ لقراءة تلك النصوص والوثائق، وظَّفنا أدوات تفكيك الخطاب بشرح المفاهيم وتحليلها في ضوء السياق، والوقوف عند الاستعمالات المختلفة للكلمة الواحدة، وأسباب تواترها. ما معنى الكلمة؟ وما المقصود بتوظيفها في هذا السياق أو ذاك؟ وما مدى كثافة هذه الجملة أو تلك في المقالات والخطب السياسية؟ توقفنا مثلً عند عدد من الكلمات، مثل: الأمة، والبلد، والقطر، والحقوق، والوطن، والمواطنة، والوطني، وغيرها من الكلمات التي تعبّ عن الوضعية القانونية للفرد (الجزائري)، وعن التوجه السياسي، وعن مطالب تياره. لقد اعتبر
توظيف مصطلح "الأقطار الشقيقة" في عنوان ركن صحيفة الجزائر الجديدة (1946 - 1955) لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، تحولً رمزيًا واعترافًا بالعروبة والإسلام مكونًا أساسيًا للشعب الجزائري. إذا ما غيرنا النظرة، وتساءلنا عن الصحفي والصحيفة وظروف نشأتها وأهدافها، انتبهنا إلى أن الجريدة قد تُعَرف بأصحابها أحيانًا،
أكثر مما تدرس الموضوعات المعالجة. كيف نلِج إلى عالم الصحيفة إذًا؟ وكيف نفكك الصورة التي تقدّم للقراء؟ قد نواجه أسئلة كبيرة وعامة من قبيل: ماذا تكشف الصحافة عن المجتمع، واقعه وماضيه؟ في الواقع، لا يكفي الاطلاع على الصحافة لإيجاد الجواب. ولذا، وجب تحديد أسئلة فرعية لضبط الموضوع بدقة، والتركيز على نقاط بعينها يمكن دراستها من هذا المنظور أو ذاك. ثم أخذنا أمثلة من الكتابات الصحفية لتفكيك خطابها من جهة، أو إعادة تركيب معلوماتها من جهة ثانية في سياق اهتمامات تلك المرحلة. تكونت مدونة الصحافة من 16 جريدة و 7 مجلات عربية اللغة أو مزدوجة مع الفرنسية، في حين كانت جلّ المجموعات، وإن كانت غير كاملة، في المدة 1946 - 1954 محفوظة في دور الأرشيف الجزائرية، وكذلك في المكتبة الوطنية الفرنسية التي ورثت ما يسمى ب "الإيداع القانوني"، وما تم احتجازه بشكل غير قانوني، كما سبق ذكره. من ثمَّ، كان البحث عن الجرائد، لاستكمال المجموعات
وتركيب المدونة، من أولى مهمات طلبة شهادة الدكتوراه حينئذ. تم تحديد الموضوع والمدة بناءً على الدراسات السابقة التي تناولت تاريخ الصحافة في الجزائر، منذ ظهورها تحت الإدارة
الاستعمارية في القرن التاسع عشر إلى غاية عام 1939، عندما دخلت فرنسا الحرب، وعلّقت كل الحريات، ومنها حرية الصحافة. وتمثلت الإشكالية بالتعريف بما ينشر في الصحف الجزائرية باللغة العربية، مقارنة بما هو منشور باللغة الفرنسية وكان معروفًا، نسبيًا،
لدى السياسيين والباحثين. وكان التساؤل حول وجود خطاب موجّه إلى الناطقين بالعربية وآخر إلى الجمهور الفرنسي الواسع والسلطات
في فرنسا، وخاصة خطاب الأحزاب والمنظمات التي تنشر باللغتين. ثمّ تبلورت الفكرة واتسعت إلى دراسة شاملة للصحف في شكل جرد
وتصنيف أولّي للتعريف بها، ثم في مرحلة ثانية، من خلال التوقف عند الموضوعات التي نالت اهتمامها من حيث الكمّ والنوع. عندما أقدمنا على هذا البحث (1978)، كانت الدراسة الكمية بالقياسات والحسابات في الجامعة الفرنسية في أوجها، على أساس أنها منهجية تضمن نسبة من الحياد بتطبيق المقاييس نفسها على المسائل والموضوعات المطروحة. وقد تعلّمنا في دروس البحث وحلقاته في دبلوم الدراسات المعمقة أسلوبين لاستغلال الصحافة، نحو تحليل المحتوى بدراسة المفردات والتوجهات السياسية من حيث المعنى، وقياس المحتوى بتصنيف مواد الجريدة بين الافتتاحية والتحقيق والإعلان ومختلف الأركان الإخبارية الخدماتية؛ ما يساعد على تحديد طبيعة طبيعتها، إخبارية كانت أم جريدة رأي ونضال، أم عامة جامعة، أم متخصصة في مجال محدد، ثمّ قياس مدى تداول
الموضوع وتكراره فيها من حيث الكم، بحسب المساحة المحررة بالعمود (طولً وعرضًا بالسنتمتر) ومكانه في الصفحات. ثمّ وجب الانتباه إلى التكرار بوصفه أسلوبًا لتعميق فكرة ما، أو ترسيخها، ولو في جملٍ محدودة، ومقابلة العنوان الكبير والمقال
الاستثنائي الطويل والكثيف من حيث الأفكار والمعلومات. كل هذه التوجيهات المنهجية، تصاغ أسئلةً، ويتم الإجابة عنها بما توافر من مادة.
3 الزبير سيف الإسلام، تاريخ الصحافة في الجزائر (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، [د. ت.])؛ محمد ناصر، المقالة الصحفية الجزائرية: نشأتها، تطورها،
أعلامها من 1903 إلى 1931 (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1978)؛ محمد ناصر، الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1939 (الجزائر: الشركة الوطنية
للنشر والتوزيع، 1984)؛
Zahir Ihaddaden, Histoire de la presse indigène en Algérie: des origines jusqu'en 1930 (Alger: E.N.A.L, 1983).
لماذا هذه التواريخ الفاصلة؟ ولماذا ليس 1945؟ ولمَ لا نستمر إلى غاية 1955، تاريخ إيقاف جرائد البصائر والجزائر الجديدة
والجمهورية الجزائرية بقرار إداري؟ إن معرفة السياق الذي صدرت فيه هذه الجرائد - فضلً عن الإطار القانوني الذي ينظمها - هي الكفيلة بمنح جواب موضوعي. لم تعد الصحافة العربية التي توقفت خلال الحرب العالمية الثانية إلى الظهور إلا سنة 1946. أما إعلان ثورة التحرير، فقد صاحبته إجراءات استثنائية وضغوطات على الناشرين، على نحوٍ يجعل تقويم الكتابات بعد ذلك التاريخ صعبًا؛
لاختلاف الأطر القانونية التي تخضع لها. ولأننا اخترنا عنوان "الصحافة الجزائرية الناطقة بالعربية من 1946 إلى اندلاع ثورة التحرير 1954 "، كان علينا أن ندرس توجهاتها السياسية وتحديد تلك التي تنتمي إلى التيار الوطني وغيره بالوقوف على كل التعبيرات الدالة على "الوطنية" من جهة، وتحديد مفهومها عند كل تيار من جهة أخرى. أما اختيار العنوان الفرعي، "بحث في دراسة المحتوى"، فكان توضيحًا للمنهجية وتحديدًا للموضوع، في آن
واحد. فهو يترك المجال للباحثة، بل يفرض عليها مناقشة المسائل المهمة من منظور الجريدة نفسها، كما أفرزها التصنيف الإحصائي. ومن ثمّ، تتغير الإشكالية، وتنتقل الجريدة من مصدر للمعلومات والمعطيات إلى موضوع بحث مكتمل الشروط. تتم دراسة ظروف
إنتاجها وصدورها وانتماء القائمين عليها بوصفها مدخلً ضروريًا قبل التمعن في فحوى ما نشر من حيث الأفكار والمواقف والمعارف.
ويَفترض تحليل المحتوى الإلمام بكل مواد الجريدة وتصنيفها بحسب مقاييس معلنة ومعترف بها علميًا، قبل انتقاء هذا الموضوع أو
ذاك أو تفضيله للوقوف عنده وتحليله بوصفه نموذجًا أو عينة. وتسنى لنا، بعد طول انتظار، نشر هذه الأطروحة، معدلةً ومنقحة بعنوان
مختلف، ومنها نستقي معطيات هذه الدراسة، ولو بتصرف.
2. الجرد وتصنيف الموضوعات
عمليًا، تم الاطلاع على أكثر من 600 عدد من مختلف الجرائد موضوع الأطروحة (1946 ‑ 1954)، وقمنا بجرد شامل لما يزيد
على 280 عددًا، أي ما يقارب نصف أعداد الجرائد. ويتمثل الجرد الدقيق بوضع فهرس لمقالات كل عدد مهما كان حجمها، وقياس
مساحتها وذكر محرريها والصفحة التي صدرت فيها، مع ملاحظة حول الخط المستعمل في العناوين، وإشارة إلى الرسومات والصور والألوان. ولقد اتخذنا "المقال" وحدةً تحريريةً متكاملةً، لاستحالة تقسيمه إلى كل النقاط الواردة فيه. وتم تصنيف المقال من عنوانه غالبًا، وهذا ما سمح بتصنيف الجرائد بحسب اهتماماتها. من جهة أخرى، حدّدنا مواقف كل جريدة من القضايا المطروحة على الساحة
التي نالت مكانة على أعمدتها، فخرجنا بجداول ترصد عدد الأركان وتواترها والقائمين عليها، فضلً عن التوقف عند مدلولات عناوينها المعبرة. كما رتبنا المحررين بحسب مساهماتهم في الجريدة أو في الجرائد، بالتوازي أو بالتتابع. واتضح أنه لا يوجد صحافيون محترفون (باستثناء صحافي واحد) وإنما كانت الجرائد في أيدي المناضلين بالنسبة إلى الأحزاب، وفي أيدي المعلمين والمثقفين بالنسبة إلى صحافة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وتظهر هذه الدراسة اعتماد جريدة البصائر، مثلً، على شخصية مثل أحمد توفيق المدني في تحرير ربع المساحة المكتوبة بتعليقه على "السياسة الدولية"، في صفحتين من بين ثماني صفحات، وقد أضاف إليها "الشؤون المغاربية". وكان عدم التوقيع من بين أساليب التمويه حول عدد المحررين. أما الأسماء المستعارة فهي تهرب من المتابعة القضائية من جهة، وتخفي قلة عدد المحررين أيضًا.
Fatima Zohra Guechi, "La presse algérienne de langue arabe de 1946 au déclenchement de la révolution en 1954: Essai d'analyse de contenu," Doctorat de troisième cycle, Université Paris 12 , 1982. Fatima Zohra Guechi, La presse algérienne de langue arabe, 1946 - 1954 , Enjeux politiques et jeux de plumes (Algérie: Bahaeddine éditions, 2009).
لا تفي المعلومات الواردة في الجرائد وحدها بغرض رسم ملمح شخصية، ولو كانت عامة، أو بتتبع مسارها في محطة أو محطات من حياتها. إنما قد تسمح بوضع المعالم على الطريق في ميدان التراجم. ويمكن أن ينطبق ذلك على المظاهر والحركات، وقد تصبح الصحافة مصدرًا أساسيًا، ولكنه لا يفي وحده بالغرض المنوط بالبحث الأكاديمي. لقد استخلصنا مواصفات الصحافة الجزائرية في المدة 1946 - 1954، وهي عقد حافل بالنشاط الصحافي المعبّ عن تحولات
عميقة في المجتمع الجزائري. لجأت الأحزاب الجزائرية إلى اتخاذ جريدة ناطقة باسمها باللغة العربية، وإن كانت قليلة الدورية، مثل الجزائر الجديدة (1946 - 1955) نصف شهرية، لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، أو غير منتظمة الصدور بسبب القمع، مثل جرائد حركة الانتصار للحريات الديمقراطية المغرب العربي، أو كانت تصدر في شكل صفحات باللغة العربية على جريدة المساواة، ثم الجمهورية الجزائرية (1946 - 1955) للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، أو في شكل جريدة مستقلة بمناسبة الحملات الانتخابية اسمها الوطن. كانت جلُّ الصحف أسبوعية الصدور مع قلة عدد الصفحات. كما اتسمت الصحافة الجزائرية الناطقة بالعربية بالتنوع السياسي، وبقصر العمر والانحسار نحو الجزائر العاصمة، مقارنة بالبدايات التي ظهرت فيها جرائد في عديد المدن الداخلية، مثل عنابة ووهران وتلمسان وقسنطينة وبسكرة. بعد عرضٍ لملفات الجرائد في شكل مقاربة مونوغرافية للتعريف بها، كرسنا الجزء الثاني من الأطروحة لتحليل الموضوعات المحررة بدراسة الأركان، من حيث التسمية والوتيرة والانتظام والمحررون في كل جريدة. كما استخرجنا الموضوعات المتداولة بكثافة وعالجناها في فصول البحث، وهي: "فصل الدين عن الدولة"، و"الاستعمار بمختلف أوجهه"، و"مناقشة القضايا المغاربية"، و"البعد المغاربي بين العروبة والاتحاد الفرنسي ورهانات السياسة الدولية"، ومكانة "الدين، التربية والمجتمع" في الصحافة، وكذا "التاريخ والثقافة والمجتمع". وختمنا فصول الأطروحة بدراسة وافية حول "تحقيق جريدة المنار " التي فتحت صفحاتها في المدة (6 شباط/ فبراير 6 - تشرين الأول/ نوفمبر 1953) من العدد 36 إلى العدد 48، لعشرات الإجابات عن ثلاثة أسئلة، بادر إليها السيد محمود بوزوزو، مدير الجريدة والقائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية في ذلك التاريخ. إنه تحقيق فريد من الناحية الصحفية، وجريء من حيث الأسئلة، مس شّريحة واسعة من أعيان المجتمع. كان "استفتاء" بحسب تعبير الجريدة نفسها
حول مدى إمكانية الاتحاد (بين الأحزاب) في الجزائر. فكان الإجماع في الرد على السؤال الأول مفاده أن الاتحاد أكثر من ممكن، بل ضروري أيضًا. يترك السؤال الثاني، وكذا الثالث، مجالً للتعبير عن الحساسيات المختلفة بتقديم "قاعدة أو قواعد الاتحاد" والوسائل الكفيلة بتحقيقه. نشرت الجريدة 68 إجابةً (مع ذكر الاسم والوظيفة مرفقًا بصورة)؛ من بينها إجابات 10 طلبة وامرأتين. واعتبر التحقيق عرضًا ذكيًا لقضية حيوية، وطنية، قومية في فترة احتدم فيها الصراع ضد الاستعمار، وأنه لزم علينا توحيد صفوفنا لمواجهة الأوضاع الجديدة.
وأسفر الاستفتاء عن ضرورة اتحاد الحزبين (حركة الانتصار، واتحاد البيان)، وأنه لا داعي لإنشاء حزب جديد. كشف التحقيق عن درجة
عزوف المستجيبين عن النشاط الحزبي وما كان يميزه من تنافس وفرقة. بل منهم مِثل أحمد رضا حوحو الذي لخّص الوضع، واستنتج أنه "لم يبق لدينا إذن إلا أن نبنيه [الاتحاد] على أساس شعبي متين، تتقدمه دعاية واسعة [اعتبر هذا الاستفتاء فاتحتها المباركة] حتى
Fatima Zohra Guechi, "La presse algérienne et l'Union Française," in: Les Chemins de la décolonisation de l'empire français 1936 - 1956 (Paris: Editions du CNRS, 1986), pp. 377 - 385. Guechi, La presse algérienne de langue arabe, 1946 - 1954 , pp. 318 - 346.
ما إذا نضجت الفكرة عقد مؤتمر شعبي عظيم تقرر فيه الأمة اتحادها وتضع فيه أسسه الصالحة، وتفرضه فرضًا على الأحزاب ولا يسعها حينئذ إلا أن ترضخ لإرادة الأمة أو تتنحى عن طريقها إلى غير رجعة". نلاحظ من هذا الموقف مدى النضج الذي بلغته النخب في الجزائر عشية اندلاع ثورة التحرير. وآثرت ذكر هذا الاستفتاء لما له من تميز من حيث المعالجة الصحفية ومن حيث تنوع الآراء المعبر عنها. كانت هذه معالم على الطريق حول ما توصلنا إليه في أطروحتنا حول الصحافة، ومن خلال المقالات الصحفية. ولكن مهما كان ثراء المادة في مصدر ما، فإنه غالبًا ما يجب استكماله أو مقارنته بمعلومات من مصادر مغايرة قد تتكامل وقد تتضارب. وهنا تتدخل أدوات
التحليل والتفكيك والتركيب.
3. المعطيات الدفينة: أركان الخدمات والإعلانات الإشهارية
في هذا السياق، نقدم لمحة خاطفة حول أركان الخدمات بوصفها مصدرًا ثريًا عندما تصدر الصحافة بانتظام على مدى فترة طويلة
مع إبراز محدوديتها في الوقت نفسه، عندما تتسم الجريدة بقصر العمر (بضعة أشهر أو بضع سنوات) وقلة الإمكانيات المادية والبشرية، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى صحافة مدونتنا. وتندرج هذه المعلومات في خانة "المعطيات الدفينة" التي لا ينتظر فحواها ولا يتوقع إلا بعد الاطلاع عليها والكشف عنها. وهذه نبذة مقتضبة عمّا تسمح المعلومات المتناثرة في الصحافة بدراسته. ففي الحالة الأولى، كان انتظام النشر لدى جريدة البصائر
عاملً قويًا، ساعد على رواجها وجعلها وعاء إعلانات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الخاصة بالتربية والتعليم. لقد مثّلت قوائم
الطلبة الناجحين في مختلف الامتحانات، ومنها المتعلقة بالطلبة الموفدين سنويًا إلى جامع الزيتونة بتونس، على سبيل المثال، مادة ثرية
لدراسة سياسة الجمعية في التعليم والتكوين، وتقويم مكانة الطلبة الجزائريين في الزيتونة في الحركة الوطنية الجزائرية، وتنافس الأحزاب على تأطيرهم. كما سمحت أخبار الشُعَب عبر الجمعيات الخيرية بقياس مدى انتشار مدارس جمعية العلماء عبر التراب
الوطني. وتفيد المقالات والتقارير حول تأسيس معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة عام 1947 من متابعة جهود الجمعية لضمان المستوى التكميلي من التعليم، بإرسال وفود الطلبة إلى الزيتونة أساسًا، ثم الأزهر وإلى الجامعات العربية للمستويات العليا. إذًا، كان
لأركان الخدمات هذه دور إعلامي في وقتها، وبُعد توثيقي أرشيفي بعد عشرات الأعوام، وخاصة في غياب الوثائق الأصلية أو ضياعها أو
صعوبة الرجوع إليها، لقد ألهمت الجرائد عديد الباحثين لسبر التوجهات الفكرية لرواد الجمعية وغيرهم من زعماء الحركات السياسية والثقافية، من ذلك - على سبيل المثل لا الحصر - الربط بين محمد عبده وعبد الحميد بن باديس. كانت فكرة مغرية أن ندرس أهمية الإشهار الذي بدأ يظهر على صفحات الجرائد والمجلات الجزائرية العربية بناءً على مختلف
الإعلانات. وقد اتضحت لنا محدودية المعطيات لافتقادنا أسعار الإشهار الذي يخضع للمفاوضة بين الناشر والزبون، والظروف التي تحكم هذه المعاملة الجديدة على الصحافة الجزائرية، وإن كانت تدرّ بعض الأرباح المساعدة على تحمّل أعباء الطبع والتوزيع الثقيلة. وكان لمقابلة المعطيات المستقاة من الجرائد بآراء الفاعلين أهمية كبرى في توضيح المشهد حول مسائل تبدو محسومة. في هذا السياق، روى لي المرحوم إسماعيل العربي مدير مجلة إفريقيا الشمالية (1948)، في مقابلة في بيته في مدينة الجزائر (1980)، حول
8 محمود بوزوزو، "استفتاء المنار"، جريدة المنار، 6 / 2 / 1953، العدد 17 (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، سلسلة التراث، 1982.) 9 عبد الكريم بوصفصاف، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى (الجزائر: دار مداد يونيفارسيتي براس، 2009)؛ عبد الكريم
بوصفصاف، الفكر العربي الحديث والمعاصر: محمد عبده وعبد الحميد بن باديس نموذجًا (الجزائر: دار مداد يونيفارسيتي براس، 2009.)
تجربته بوصفه ناشرًا، تفاصيل مثيرة ومريرة مع الإدارة الاستعمارية ومع الإشهار. وكانت "المعركة" مع الإدارة الاستعمارية حول تمكينه من الورق الضروري لطبع المجلة من جهة، والاستفادة من الإعفاء الضريبي لتوزيع المجلة بحسب القواعد المطبقة على الدوريات، وليس بحسب الوزن المعمول به مع البضائع العادية عبر البريد. وهذا وضع اشتركت فيه عديد المنشورات غير المرخص لها التي لم تعمر، مثل مجلة إفريقيا الشمالية. وفي إجابة طريفة وغريبة عن استفسار طرحته حول سبب محو ما كتب على صفحة الغلاف الأخيرة من ثالث عدد من المجلة بالحبر الأسود، قال لي الأستاذ إسماعيل العربي رحمه الله إن صاحب الإشهار كان قد منح المجلة مبلغًا ماليًا للانطلاق في طبعها. اعتبر مدير
المجلة هذا المبلغ دعمًا خيريًا، واعتبره التاجر بمنزلة عربون لعملية إشهار لبضاعته. لم يمانع المدير، ونشر الإعلان. ولكن التاجر توقف
عن الإمداد، وكان ينتظر أن تستمر المجلة في نشر الإعلان. تفاقم الوضع واستفحل الخلاف وكان رد صاحب الجريدة بأن صبّ الحبر
الأسود على الإعلان الإشهاري بعد طبع العدد الثالث. وبقي فحوى النص واضحًا إلى حد ما، رغم سواد الصفحة وسواد حروف النص.
وتعتبر تجربة مريرة؛ لأن صاحب المجلة كان يعاني ضائقة مالية خانقة اضطرته إلى بيع ما لديه من أشجار زيتون لتمويل المجلة. إلا أن الأعباء فاقت طاقته، فأوقف المجلة بعد أربعة أعداد واعدة بالتفتح العلمي والثقافي. كان الإشهار، من حيث المساحة، لا يفوق 5. 0 في المئة في جريدتَ المغرب العربيوالجزائر الجديدة، في المدة 1947 - 1948. وليس لعدد اللوحات الإشهارية ومساحتها تأثير مباشر في مردودها المالي الذي لم نتمكن من قياسه، إنما كانت بداية تعامل الصحافة العربية مع الإعلانات الإشهارية وكانت، من دون شك، ذات مردود مكمل للاشتراكات وثمن البيع بالنسخة؛ ذلك أن جريدة البصائر - لسان حال جمعية العلماء الجزائريين المسلمين - التي تأففت منه من حيث المبدأ، لجأت إليه ابتداء من أيار/ مايو 1954. في الواقع، كانت تأخذ في بعض الأحيان شكل مساندة ودعم (إحسان) مقابل دعم بنشر الإعلانات. وكانت الإعلانات تخضع لمفاوضات مع إدارة الجريدة. وما رواه لنا الأستاذ إسماعيل العربي معبرٌ جدًّا، بغض النظر عن طرافة الموقف لولا جانبه المأساوي. تنوعت تلك الإعلانات بحسب المجالات، فمن الأدوية والمواد الغذائية والأدوات الكهرومنزلية إلى ستوديوهات التصوير الفني والمكتبات والوراقات. وإذا كان مردود الإشهار ضعيفًا، فإن الأمر أساسًا، يعود إلى قلة انتشار الجرائد والمجلات الحاملة لها. فكان الدخل الأول للجرائد
هو مردود البيع بالاشتراك السنوي أو بالعدد. لقد وردت، في عديد الجرائد المدروسة شكاوى وطلبات بتسديد الاشتراكات في وقتها، وإلا تخلّف صدور الأعداد الموالية لقلة السيولة المالية. وفي السياق نفسه، يطالب أصحاب الجرائد بإرجاع النسخ التي لم يتم بيعها؛ لتسهيل عملية المحاسبة وتقدير ما يجب طبعه مستقبلً، وقد بلغت عمولة البائع، أو الموزع، 20 في المئة من سعر النسخة الواحدة عام 1950 مثلً. كانت الجرائد تقدم حصيلتها السنوية وتقريرًا ماليًا تركز فيه على الصعوبات التقنية، وعلى أسعار الورق والطبع المتزايدة دومًا التي
تضاعفت مرتين خلال عام واحد هو عام 1948. وبناءً على دراسة أسعار الجرائد باللغتين العربية والفرنسية مقارنة بحجم كل منها، أمكن
قياس درجة النقص في المطابع العربية. إن التنديد بالرقابة المسبقة، وبالقمع المسلط على الصحافة والصحافيين، وحتى الباعة أيضًا، كانت له مكانة معتبرة في صفحات الجرائد. كما مثل الحجز الاحتياطي أداة للضغط، عندما أصبحت اللغة العربية لغة رسمية (القانون العضوي للجزائر 1947) تتمتع بحرية الرأي، فضلً عن تحديد كمية الورق بوصفه أسلوبًا للضغط والتقليل من الرواج بإيعاز من مصالح الشرطة.
10 Guechi, La presse algérienne de langue arabe, 1946 - 1954 , pp. 111 - 116.
11 فاطمة الزهراء قشي، "إشكالية الكتابة والنشر في الجزائر قبل 1954 كما عولجت في الصحافة المعاصرة "، في: الكتاب أداة انفتاح الثقافة الإسلامية، تنسيق فاطمة
الزهراء بوعياد (الجزائر: المجلس الإسلامي الأعلى، 2017.)
كثيرًا ما تنبّه الدراسات المنهجية من خطر قبول المعطيات على علتها، وتُذكّر بضرورة مقابلتها وتقاطعها مع ما يوجد في مصادر
أخرى. وكان الحذر قائمًا في دراسة رواج أي جريدة بناءً على عدد النسخ المسحوبة، لعلمنا أن نسبة منها كانت لا تباع؛ لضعف شبكة
الموزعين والباعة ولقلة عدد القراء المشتركين. في المقابل، كان الرواج الفعلي أكبر كثيرًا من عدد النسخ المبيعة؛ وذلك لأن العدد الواحد
من أي جريدة كان يقرؤه مجموعة من الأشخاص، في العائلة الواحدة، في النوادي والمقاهي وبين الأصدقاء، وخاصة أنها صحافة رأي أسبوعية، نصف شهرية أو شهرية؛ ما يترك مجالً لتداول العدد الواحد. وهو ما يفسر انتشار الأفكار الوطنية بالسمع والمجالسة في المقاهي والنوادي، وحتى الأسواق أيضًا. من خلال العودة إلى الصحافة مصدرًا للبحث التاريخي، يمكن القول إنّ الصحافة، إجمالً، تسمح بلفت انتباه الباحثين إلى
مسائل وموضوعات قد لا تكون على قائمة التساؤلات عند الانطلاق في البحث. وقد تكشف قراءة الصحف والمقابلات عن الجو العام الذي يحيط بالنشر أو بحدث، من دون الإجابة الشافية عن المسألة المطروحة للنقاش. كانت "الصحافة الجزائرية عمومًا والمكتوبة بالعربية خصوصًا، تعيش في وسط معادٍ ومنافس وكانت واعية بهذا الوضع الذي
تتخبط فيه وتسعى للكفاح على جبهتين: نشر الروح الوطنية لصد الاستعمار، ونشر اللغة العربية لمنحها الصدارة المسلوبة. ويُفهم من هذا
أن إصدار جريدة بالعربية هو في حد ذاته موقف سياسي وحضاري لم تغفل السلطات الاستعمارية عن تأويل أبعاده". صحيح أن الصحافة تُظهر للقارئ الباحث تنوّع التركيبة الاجتماعية والثقافية وتعدد الاهتمامات وتحصي الآفات والمشاكل
وتناقشها بأساليب مختلفة؛ من التقرير، إلى النقد والوعظ، إلى النكتة السياسية التي برعت فيها جريدة الشعلة مثلً. ومع هذا، تبدو الصور التي تقدمها الجرائد عن المجتمع سطحية بالمعنى الأولي للكلمة، أي ما يرى من السطح، أو ما يمكن ملاحظته من مواقف، وتسجيله من أقوال، وأنّ هذه الجرائد لا تغوص في مقومات المجتمع وتراكيبه القاعدية؛ فبماذا تبوح، أو عما تكشف المصادر المحفوظة بعيدًا عن أنظار العامة، وحتى المؤرخين؟
ثانيًا: الوثائق العدلية والمعطيات "الدفينة"
هل يمكن كتابة تاريخ رصين بناءً على الأرشيفات المحلية؟ وهل تفي هذه الوثائق بالغرض من حيث النوعية والكمية؟ وكيف
يمكن تجاوز شح المعلومات وثغرات المجموعات الوثائقية؟ وهل تسمح الوثائق العدلية بالتعرف إلى بنى المجتمع وآلياته أو تُمكّن من ذلك؟ هذا ما حاولنا القيام به، في جامعة تونس، في أطروحة دكتوراه الدولة، تحت إشراف الأستاذ القدير والمتميز المرحوم محمد الهادي الشريف (1932 - 2021)، فاتفقنا على دراسة "قسنطينة المدينة والمجتمع في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري 'من نهاية القرن 18 إلى منتصف 19 م'" اعتمادًا أساسًا على سجلات المحكمة في المدينة التي سلّمت إلى مصلحة الأرشيف الولائي لمدينة قسنطينة
في تلك الفترة. وهذا ما دفع بي إلى الإقدام على هذا الموضوع. لقد استخرجت من هذه الأطروحة التي ناقشتها في شباط/ فبراير 1999، كتابين وعدة مقالات، كما انفتحت لي مجالات بحثية جديدة مثل الأسماء والحالة المدنية.
12 قشي، "خصائص الصحافة"، ص 46. 13 فاطمة الزهراء قشي، قسنطينة في عهد صالح باي البايات (الجزائر: ميديا بلوس، 2004)؛ فاطمة الزهراء قشي، الزواج والأسرة في قسنطينة في القرن 18 (الجزائر:
دار القصبة للنشر، 2007.)
1. مواصفات سجلات العدول بقسنطينة (1856-1787)
تصنف الوثائق العدلية ضمن الأرشيفات العائلية، الإدارية والشرعية في الوقت نفسه. وكانت في شكل سجلات في قسنطينة أواخر العهد العثماني، تم تجليدها بعد نقلها إلى مصلحة الأرشيف. لماذا لا توجد سجلات بهذه العقود في كل المدن التي كانت فيها محاكم شرعية؟ لماذا حفظت عقود مدينة الجزائر في لفافات ودوّنت معاملات محكمتي قسنطينة المالكية والحنفية في سجلات ابتداء من عام
1202 ه/ 1787 م؟ لماذا لم يتم التدوين بالأسلوب نفسه في مدينتي الجزائر وقسنطينة؟ هل يدل هذا على استقلالية البياليك في تنظيم الإدارة، أم أنها بصمة صالح باي الذي أمر بتسجيل كل أملاك المساجد الموقوفة، ومن ثمّ انسحب الأمر على كل العقود المبرمة في
المحكمتين المالكية والحنفية بداية من 1202 ه/ 1787 م إلى غاية 1273 ه/ 1857 م تاريخ فرنستها؟ تبدو عقود محكمة مدينة الجزائر أشدّ تنوعًا من حيث المعلومات، وقد اتخذت عقود قسنطينة الخاصة بالزواج والطلاق شكلً
نمطيًا محدود المعلومات، وكأنه ملخصٌ للعقد الذي تم تسليمه إلى المعنيين بالأمر. لاحظنا الاختصار نفسه في تحرير عقود الأحباس،
أو الأوقاف، التي لا تزيد على ثلاثة أسطر أو أربعة، وكانت تقتصر على ذكر ألقاب معدودة للباي الحاكم في التاريخ: "الحمد لله بعد أن استقر على ملك المعظم الأرفع الفاضل الشهير الأمنع سيدنا صالح بي أيده الله جميع الأراضي المعروفة بالوطا، المذكورة بمحوله، التي صارت الآن جنة"... إلخ. تعتبر الوثائق العدلية (التي تشمل كل أنواع العقود والمعاملات التي نالت تزكية قاضٍ أمام شهود عدل) أشد حيادية؛ لأنها كتبت ونقلت لأغراض نفعية يحتاج إليها المتعاملون. هل يعني هذا أن حرص المتعاملين والهيئة المراقبة (القضاء والعدول) كفيل بضمان صحة المعلومات وصدقيتها؟ الجواب نعم، من حيث المبدأ. ولكن على الباحثين أن يدركوا أن القاضي والعدول يشرفون على تدوين المعلومات كما يدلي بها أصحابها، وبناءً عليه يجب التمييز بين الوثيقة الصحيحة والسليمة وبين المعلومات الواردة فيها التي تحتمل
الهفوة أو الخطأ. على الباحثين أن يسائلوا هذا الواقع الذي يتجلى من الممارسات المسجلة. فعندما تسجل عديد الهبات أو التنازل عن مناب في الإرث من النساء لفائدة الإخوة مثلً، يجب دراسة السياق قدر الإمكان، ومحاولة فهم وضعية الورثة - الإخوة والأخوات - بعد وفاة الأب. إلى أي مدى تتنازل المرأة عن حقها في الميراث بمحض إرادتها؟ ومتى تبرِّئ زوجها أو طليقها من "كالي" صداقها؟ وماذا
تكسب في المقابل؟ في نادر الحالات وجدت إشارات إلى أنها تقوم بالهبة مقابل تكفّل أخيها بالنفقة عليها؛ لأنها مطلقة. وسأعرض فيما يلي نبذة عمّا استقيته من "معطيات دفينة" لم تكن منتظرة في تلك المصادر؛ "دفينة" الخزائن هي الأخرى. ويقصد
بها تلك التي يجمع منها الباحثون معطيات مختلفة، يمكن تفكيكها وتركيبها في غير السياق الذي وضعت من أجله عند إنتاجها. ولذا، لم ينتبه المؤرخون إليها إلا في القرن العشرين. كانت كتب الطبقات والنوازل والمناقب وسجلات المحاكم معلومة ومحفوظة، ولكنها لم تُستغل من منظور التاريخ الشامل؛ لأنها لا تؤرخ للأمراء والحكام، ولا تسرد الأحداث، ولا تهتم بالحوليات. لقد ظهر الاهتمام بمثل هذه المصادر عندما تطورت مناهج الحساب والإحصاء، وتم توظيفها في العلوم الإنسانية والاجتماعية لدراسة الظواهر الطبيعية، مثل المناخ وأثره في الإنتاج الزراعي أو الأسعار والحركة التجارية، وصولً إلى التحولات الاجتماعية من زاوية الديموغرافيا.
14 البياليك هي المناطق الإدارية الثلاث في الجزائر العثمانية، وعلى رأس كل منها باي يعينه باشا الجزائر الذي يقيم في مقاطعة رابعة، عرفت باسم "دار السلطان"، وهي
تشمل مدينة الجزائر وضواحيها الكبرى. 15 فاطمة الزهراء قشي، سجل صالح باي للأوقاف، تحقيق وتقديم وتصدير عبد الجليل التميمي (الجزائر: بهاء الدين للنشر والتوزيع، 2009).
16 مؤخر صداقها الذي لم يدفع إليها حالً عند الزواج. 17 فاطمة الزهراء قشي، "الهبة ومؤخر الصداق: ممارسات قسنطينة في القرن الثامن عشر "، مجلة سيرتا، جامعة قسنطينة، عدد خاص حول النساء والسلطة
(تشرين الأول/ أكتوبر 2000)، ص 33 - 40.
طمحنا إلى أن نستفيد من معطيات الزواج والطلاق لإعادة النظر في تعداد سكان المدينة عشية الاحتلال الفرنسي، لكن طبيعة المعلومات المدونة، وإهمال بعضها، نحو عمر المتزوجين، إضافة إلى غياب التصريح بالولادات في مجتمعاتنا، عوامل جعلتها لا تفي بالغرض الإحصائي للسكان. ومع هذا، يمكن استغلال عقود المحكمة الشرعية لدراسة المجتمع من زوايا عدة، مثل تكرار الزواج وكان واردًا بين الرجال والنساء
على السواء، وتشجع الأيامى والمطلقات على زواج ثانٍ، وثالث إن لزم الأمر. ولكن تعدد الزيجات لا يمس سوىشريحة ضئيلة جدًا،
تمامًا مثل تعدد الزوجات عند الرجال الذي لا تفوق نسبته عشرة في المئة. إنما اللافت في النتائج هو ما يخص الطلاق الذي تبين أنه
عنصر مؤسس للزواج يمس كل الشرائح ومختلف الأعمار. في المقابل، تبيَّ أيضًا أن أكثر من نصف الزيجات - الخاصة بالأبكار فقط؛
لأنها هي التي تمثل الزواج الأول - لم تعرف الافتراق بالطلاق، في الفترة (1202 ‑ 1208 ه/ 1787 - 1794 م). كما بينت الدراسة أن الزواج بابنة العم نادر جدًّا؛ وبناءً عليه، كانت دوائر المصاهرات منفتحة، على غرار ما سجل في عديد المدن العربية في الفترة الحديثة. أما زواج
الأقارب، فلا يمكن قياسه لاعتمادنا على أسماء الأزواج فقط، بوصفها عنصر تصنيف. ليس هدف الدراسة التذكير بنتائج البحث، بل عرض جوانب هامشية منه، لكنها مكملة، ومعطياتها لم تكن متوقعة، أو كانت دفينة وغير مباشرة، مثل شطر الأمة في الصداق أو زواج العتقاء.
2. ظاهرة الاسترقاق والعتق
عندما يفكك المؤرخ المعطيات في غير الهدف أو السياق الذي وضعت من أجله عند إنتاجها، قد يخرج من المسالك المعبدة، ويكشف
مظاهر غير معروفة من قبل. لنأخذ بعض الأمثلة؛ عن الإماء، وعن العتقاء والمُعْتقات. تُعدّ ظاهرتا الاسترقاق والعتق من الموضوعات الجادة والخطيرة التي لا يمكن اختزالها فيما تكشف عنه هذه العقود من حيث
العدد، ومن حيث المحتوى. ثمّ إنها تفيد في طرح المسألة، ثم تناولها بحسب إشكالية البحث وبحسب المعلومات المتوافرة. عندما درسنا عقود الزواج واستخرجنا منها ما يهم مكونات الصداق في المدة المدروسة، اكتشفنا أن المجتمع القسنطيني ما زال يمارس الاسترقاق ب "اشتراط أمة من جنس الرقيق الصالح للخدمة". وإنْ كانت النسبة قليلة جدًا، لا تفوق اثنين في المئة، فإنّ الظاهرة
موجودة ومسجلة. لا يفكر المؤرخ، أول وهلة، في البحث في هذه المصادر لدراسة تجارة الرقيق التي فترت، وإنما أصبح اقتناء الإماء خاصة للخدمة في البيوت وضمان رفاه العيش لفئة محدودة. ولذا، كان عديد الملاك يقدمون على تدبير إمائهم، أي يوصون بعتقهن
بعد وفاتهم. ومنهم من أعتق أمته، أي حررها تحريرًا نافذًا عند صدور العقد. وعلى احتشامها، تبدو موجة العتق في نمو وتزايد أثناء نهاية
القرن الثامن عشر. ففي قسنطينة، خلال نهاية هذا القرن، في مدونة فاقت 3400 عقد زواج ومراجعة، حضرت الأمة في مكونات صداق
46 امرأة في حين منحت 6 نساء خديمًا ذكرًا بدلً من الأمة. وبناءً عليه، فإنّ هذا المطلب قد كان استثنائيًا، حكرًا على العائلات الميسورة
والنافذة. أما عدد عقود العتق والتدبير المسجلة في الفترة نفسها بالمدينة، فلا تمكن من دراسة الظاهرة بصفة مستقلة. ومن الممارسات التي أثارت الدهشة، لإهمالها تمامًا في وقتنا الحاضر، تلك المتمثلة بتأجيل إنجاز شطر من المهر وبعض بنود
الصداق إلى تاريخ معلوم، يحدد بالفصول أو السنوات. وغالبًا ما بقي شرط الأمة، على ندرته، معلَّقًا مع مؤخر الصداق، ولم ينجز فعلً
إلا لعدد قليل منهن لا يفوق العشر، ما يجعل امتلاك الأمة عملية رمزية للتفاخر، أكثر من الاستفادة من خدماتها فعلً، إلا فيما ندر. حاولنا استخلاص مواصفات الزيجات التي وجدت "أمة" في صداقها. فمن حيث مبلغ النقد نجد توافقًا واضحًا بين المهور النقدية
العالية التي تفوق عادة المئة ريال (بلغ معدل الصداق في المدونة 62 ريالً) وبينشرط الأمة. أمّا من حيث الألبسة المرفقة، فقد ورد
القفطان والحزام في تواتر مع الأمة، وإن بأعداد مختلفة. بل ربما اجتمعت المطالب كلها مع بعض الشروط التفصيلية في النوع والسعر، مثل "الحزام حرير" و"القفطان موبر". أما من حيث الحالة المدنية، فوجدت "المجبرة" و"المهملة" اليتيمة من الأبكار، وكذلك المطلقة والأيم في قائمة من طمحن في خدمة أمة. وكان توزيع الإماء أو الخدم مناصفة بين الأبكار والثيبات. وهكذا يتأكد أن مبلغ المهر ومكونات الصداق لا تتبع بالضرورة "الحالة المدنية" للمرأة فحسب، وإنما يؤخذ في الحسبان مبدأ "الكفاءة" في "الحسب والنسب" أيضًا؛ بمعنى "المستوى الاجتماعي" للمتصاهرين. من منبع المعطيات الدفينة، تم استخراج قائمة العتقاء والعتيقات الواردة في عقود الزواج والطلاق، فبدا المجتمع القسنطيني في حركية نشطة نحو استيعابهم في زواج داخلي بين المعتقين، أو في انفتاح تدريجي على "الأحرار" بالمولد، إن صح التعبير. كما سجلت زيجات عديدة مع بنات أهل الذمة، غالبًا بعد إسلامهن، ومع حديثي العهد بالإسلام من اليهود "الإسلاميين". لقد تم عقد قران ثلاثين عتيقًا وعتيقة، وهي أكبر نسبة تزاوج داخل الفئة الواحدة، إذ شملت نصف عدد العتيقات وثلاثة أرباع المعتوقين في المدونة. وتزوج الباقون من "الأحرار". وراوح صداق العتيقات بين حد أدنى قدره عشرة ريالات، وبلغ أقصاه مئة وخمسة ريالات. وقد كان الحد الأقصى من نصيب "فاطمة بنت عبد الله عتيقة عز الدين بن حسين التي تزوجت مبارك بن عبد الله الجناوي، المملوك، الذي التزم لها ألا يتزوج عليها وإلا فهي طالق"، وقد زوجها منه ابن سيدها "محمد بن عز الدين" وهو الذي يكون قد حرص على هذا الشرط لسببٍ نجهله، وقد يكون زوجها هذا ما زال تابعًا (مملوكًا) للعائلة نفسها "عز الدين". يطرح هذا العقد والعقود المماثلة
مكانة الأمة والمعتقة في بيت سيدها أو سيدتها، ويحيل على تساؤلات أخرى من قبيل وضعية أم الولد، وإنْ تعذرت دراسة الظاهرة لانعدام الوثائق، ولكن سُجل عقد فريد يثبت هذه الحالة. إذًا، يمكن المنهج الكمي، بالجرد والحساب والقياس، أن يساعد على رسم التيارات الكبرى التي لا تظهر جلية عبر دراسة نماذج مختارة، وتفرض على الباحثين محاولة شرح المنحى الذي اتخذته موجة العتق أو ثروة النساء أو استقرار مكونات الصداق على مدى عشرات السنين، أو تطور دوائر المصاهرات في المدينة على سبيل المثال. كما تفيد الحسابات في الخروج بنتائج تسمح بالتمييز بين الشاذ اللافت للانتباه، والظاهرة المتواترة، أو كثافة الحرف الجلدية في قسنطينة على مر الأجيال. وللقيام بالمهمة على أكمل وجه، يجب على المؤرخ "التزود بالأدوات المنهجية الأساسية التي تمكنه من مساءلة هذه المادة"؛ كما ذكّر بها الأستاذ عبد الحميد هنية في ورقة بحثية لهذه الندوة، وكما سبق له أن أشار إلى المسألة في تقديمه للأعمال المهداة إلى الأستاذ
18 Fatima Zohra Guechi, "Le çadaq à Constantine au XVIIIe siècle," in: Dalenda Largueche, L'histoire de la vie matérielle au maghreb (Tunis: C.P.U., 1998).
19 قشي، الزواج والأسرة، ص 45 - 46. 20 المرجع نفسه، ص 168. 21 للمزيد، ينظر: عائشة غطاس، الحرف والحرفيون في مدينة الجزائر 1710 - 1830 (الجزائر: الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، 2010)؛ خليفة حماش، الأسرة في
مدينة الجزائر في العهد العثماني (الجزائر: منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، 2017)؛ ليلى خيراني، المرأة في مجتمع مدينة
الجزائر 1818 - 1830 م، سلسلة دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني (الجزائر: كوكب العلوم، 2017)؛ سهام بوديبة، "دوائر المصاهرات في مدينة قسنطينة
في الربع الأول من القرن التاسع عشر"، رسالة دكتوراه، جامعة قسنطينة 2، الجزائر، 2019.
محمد الهادي الشريف، "مسار مؤرخ وتجربة تاريخية". ومن هذه الأدوات المعلوماتية والتاريخ الكمي التي تعلمتها في الجامعة التونسية أساسًا، بإشراف الأستاذين الجليلين، ووظفتها في أطروحتي وفي بحوثي بعد ذلك.
3. دفتر الوفيات وتقاطع المعطيات
غالبًا، لا تحتوي المصادر على المعطيات المنتظرة من الباحثين للإجابة عن أسئلة بعينها. وهذا شأن دفتر الوفيات التي سجلت
في قسنطينة ثلاث سنوات بعد استقرار الإدارة الاستعمارية في المدينة، سجلٌّ دُونت في ورقاته تصريحات 475 وفاة حدثت عام 1252 ه (في المدة آب/ أغسطس 1840 ‑آذار/ مارس 1841) بحسب تاريخ التصريح بها في المحكمة. كان المصرح يُحضر، في كل مرة، شاهدَين
لإثبات أقواله. وقد تضمن العقد بعد الحمد لله، وذكر التاريخ بالتقويم الهجري (1252 ه) اسم المصرح وسنّه ووظيفته أو حرفته وعنوانه، ثم
يأتي اسم المتوفّ، عمره (بالسنوات أو بالشهور إن كان رضيعًا)، وحرفته (إن أمكن) وخاصة عنوان دار سكناه، فضلً عن سبب الموت
أو المرض الذي أدى إلى الوفاة، وتوقيت الوفاة باليوم والساعة. ويشهد على هذا التصريح شاهدان بالاسم والحرفة والسن وعنوان المسكن. ويضع القاضي فوق السجل توقيعه وختمه في نهاية كل شهر، فضلً عن ختم الإدارة الاستعمارية للمدينة في التاريخ. ولذا، يتسم هذا الدفتر/ الوثيقة بالطابع العدلي والإداري معًا. إنه، إذًا، دفتر ثري يمكن استغلاله من عدة جوانب، وعلى المؤرخ/ة أن ينطلق من أسئلة كبيرة توجيهية، وأن يترك الباب مفتوحًا
أمام ما تقدمه المصادر من مادة ومعطيات معرفية لا يمكن الاستفادة منها بصفة مطلقة، وإنما يستطيع إدراجها في سياق تساؤلات فتنير قضايا وتفسر مسارات. كانت نوعية المعلومات المسلسلة وعددها مغرية لدراسة اجتماعية، ديموغرافية مرتكزة مثلً على تعداد الأمراض وأسباب الوفيات من جهة، وتعداد الحرف المزاولة في المدينة من جهة ثانية، لكن السجل يتيم، وحيد. لم نعثر على ما قبله وما بعده من سجلات، إن وجدت. ولذا راجعنا طموحنا وعدّلنا المطلب نحو عدد الحرفيين المذكورين في السجل وخريطة سكناتهم عبر أحياء المدينة. واعتبرنا عينة الحرفيين التي جمعناها من هذه التصريحات، عينة "اعتباطية"، رغم الجرد الكامل، بحكم الظروف التي جعلت هذا الحرفي يصرح، وهذا يشهد بوفاة قريب أو قريبة أو جار. وبناءً عليه، لا يسعنا تعميم نتائجها حول قائمة الحرف الإجمالية، إلا
أنها تبقى عينة ذات صدقية، وتفي بالغرض في توزيع سكنات الحرفيين على النسيج العمراني للمدينة، ومدى تجمع أصحاب الحرفة
الواحدة في حي بعينه أو تحت سقف واحد. ن صف المصرحين والشهود ذكروا اسم حرفتهم وبلغ عددهم 700 حرفي، موزعين على مساحة مدينة لا تفوق 40 هكتارًا داخل الأسوار. وفي الحصيلة، تعتبر هذه العينة كافية ومعبرة من حيث الكمية أيضًا. وما يزيد من قيمة هذه
المعلومات أنها مركزة على فترة قصيرة (8 أشهر من عام 1252 ه) فتمدنا بصورة أو لوحة واقعية عن الحرف والحرفيين بقسنطينة؛ بالاسم وعنوان المسكن. أكدت نتائج هذه الدراسة ما ورد في دراسات سابقة، وإشارات في وثائق أخرى إلى أهمية الحرف في المدينة وتنوعها، وخاصة الدباغة ومشتقاتها من الحرف الجلدية.
22 عبد الحميد هنية [وآخرون]، مسار مؤرخ وتجربة تاريخية (تونس: مخبر دراسات مغاربية ومركز النشر الجامعي، 2008)، ص 14.
كما سمح السجل بطرح مسألة ملكية دار السكنى، والمسكن العائلي والسكن الجماعي بالأجرة، بناءً على تصريحات من قبيل:
"يسكن في داره"، "سكن في دار فلان". فاستخرجنا قائمة للدور القسنطينية والمعالم العمرانية الكبرى من مساجد وفنادق وحمامات وأسواق. وبذلك أثرينا قائمة الحرف المعروفة في المدينة، وقاموس المعالم العمرانية. وبصفة غير مباشرة، بدت لنا علاقات التضامن واضحة بين الجيران عند التصريح بالوفاة أو الإشهاد عليها. وتبقى الدراسة قابلة للإثراء من زوايا أخرى إذا ما عثُر على معطيات
مماثلة، أو تم البحث عنها في فترات لاحقة. في سياقات أخرى، تكمّل هذه المعطيات ما ورد في عقود البيع والشراء، وكذا في عقود الزواج والطلاق التي لا تذكر الحرفة إلا
نادرًا. كما تضيء ما يمكن استقاؤه من عقود الأوقاف التي تذكر اسم الواقف ‑ وأحيانًا حرفته - مع التركيز على موقع الأملاك الموقوفة.
وقد سمحت لي عقود البيع والشراء والمعاوضة التي سبقت عمليات التحبيس برسم ملامح سياسة صالح باي (1771 - 1792) العمرانية، كما شرحناها في الأطروحة. وقد تتفتح وثائق الأوقاف عن مسائل قضائية ونوازل فقهية، نحو محاولة التراجع عن الحبُس أو فسخه أو - على العكس - العمل
شرعي مثلما فعل ذلك صالح باي لمصلحة ابنته آمنة على تأكيده وتثبيته بحكم. ما من شك في أن المؤرخ يبني مدونته المصدرية بإيحاء من سؤال يطرحه أولً. ومن ثمَّ، فإنّ السؤال هو في صميم المنهج الذي
يوجه المؤرخ نحو البحث عن السبل التي من شأنها أن تطور الكتابة التاريخية. فمن سجلات الزواج والطلاق استخرجنا قائمة بأسماء الرجال والنساء الذين أقدموا على الزواج أمام القاضي، من سكان قسنطينة أواخر القرن الثامن عشر. وصادفت نتائج هذه الدراسة،
بروز مسألة الألقاب العائلية في الجزائر بوصفها موضوع بحثٍ، من زاوية لغوية واجتماعية وتاريخية. ومن النتائج غير المباشرة، تلك التي تخص تركيبة الأسماء الثلاثية بنسبة تفوق ال 75 في المئة، ومنها الأسماء العائلية التي قاومت الزمن وقانون التلقيب الاستعماري (1882)، وما زالت في التداول بين عائلات المدينة والجزائر. لتخطي طبيعة الوثيقة التي لا تتلاءم وشروط السبر العشوائي للإحصاء، لجأنا إلى الجرد الكامل، واستعمال الحاسوب، وبرنامج تنظيم الملفات وتطبيقه على وثائق ما قبل عهد الإحصاء، قصد بناء قاعدة بيانات ذات صدقية. كانت السجلات غير مرقمة الصفحات والعقود تتابع من دون فضاء فاصل بينها، ومن دون ترقيم، ومن دون هوامش؛ لا على اليمين واليسار، ولا من الأعلى والأسفل. ولم تتميز عقود الزواج من عقود الطلاق والمراجعة إلا بقراءة العقد وفكّ رموز خطه المغربي
(الواضح إجمالً، لولا قدم الأوراق، وحواشيها المهترئة). لكنْ نلاحظ، في المقابل، أن الألقاب نحتت من قاموس أسماء القبائل والفرق، فضلً عن الأماكن والحرف، وكانت الألقاب
متداولة شفاهة، ولا تدون إلا الأنساب، وهذا ما قد يفسر ظاهرة الأسماء القبيحة أو البذيئة ‑ على ندرتها عدديًا - بترسيخها ألقابًا عائلية
تحت تعنت بعض أعوان الإدارة الاستعمارية في تطبيقها للقانون أو ترك العائلة من دون اسم لقبي SNP، وقد تعددت الدراسات الآن وتنوعت حول هذه الإشكالية، ولا مجال لذكرها في هذا السياق.
23 Fatima Zohra Guechi, Artisans et métiers à Constantine en 1840: voisinage et solidarité , Mélanges Charles Robert Ageron (Tunis: FTERSI, 1996).
24 فاطمة الزهراء قشي، "قراءة في حياة صالح بن مصطفى، باي قسنطينة"، في: المغارب في العهد العثماني، تنسيق عبد الرحمن المودن (الرباط: منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية، 1995)، ص 67 - 89؛ قشي، سجل صالح باي، ص 263.
25 Fatima Zohra Guechi, "Du nasab au laqab, héritages controversés," in: Fatima Zohra Guechi, Constantine, une ville des héritages (Algérie: Media-Plus, 2004), pp. 31 - 75.
وتطرح تركيبة الأسماء الجزائرية مسألة التقنين لفرض التداول باللقب العائلي في الجزائر في الوقت نفسه الذي صدر فيه قانون تأسيس الحالة المدنية للأهالي. وفي المقابل، فصل التصريح بالولادات والوفيات عن التداول باللقب العائلي في تونس والمغرب، رغم مناقشة المسألة طوال فترة الحماية الفرنسية، وهذا ما دفعني إلى الاهتمام بالحالة المدنية في البلاد المغاربية وتطبيقاتها المتباينة وهو موضوع كتابي المقبل، بإذن الله.
خاتمة
إذا ما عدنا إلى سؤالين مطروحين في هذه الندوة: كيف للمؤرخ العربي أن ينهض بالمعرفة التاريخية؟ وهل للمصادر دور في ذلك؟ فإننا نجيب بما يلي: لكي ينتج المؤرخ معرفة تاريخية رصينة وطريفة يحتاج إلى مادة مصدرية متنوعة ومتجددة. إن تجديد الأسئلة التاريخية يدفع إلى البحث عن المصادر، وقد تفرض بعض المصادر حضورها فيُلهم الاطلاع عليها الباحثَ في كشف أغوارها وخباياها.
وللمنهج أيضًا، أهمية وتأثير مباشر في نتائج البحث. فكلما كان المنهج دقيقًا، واعتمد إشكالية واضحة، أمكن الباحث مساءلة مدونته بوعي ورصانة. ومع ذلك، قد لا يصل الباحث إلى إجابات شافية من حيث المعلومات. في الختام، نلاحظ أنه بتداعي الأفكار وتوسع الاهتمامات وتداخلها مع ظروف البحث، يمكن الانطلاق من الصحافة في الجزائر والوصول إلى "تأسيس الحالة المدنية في البلاد المغاربية" في رحلة بحث عن المعنى والتفكير في "السياقات التي تولّد الأسئلة التاريخية"، ومن ثم البحث عن المصادر وبناء المدونات؛ للإسهام ولو بالنزر القليل في كتابة تاريخ بلادنا.
المراجع
العربية
بوديبة، سهام. "دوائر المصاهرات في مدينة قسنطينة في الربع الأول من القرن التاسع عشر". رسالة دكتوراه. جامعة قسنطينة 2. الجزائر، 2019. بوصفصاف، عبد الكريم. الفكر العربي الحديث والمعاصر: محمد عبده وعبد الحميد بن باديس نموذجًا. الجزائر: دار مداد
يونيفارسيتي براس، 2009. ________. جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى. الجزائر: دار مداد يونيفارسيتي براس، 2009. حماش، خليفة. الأسرة في مدينة الجزائر في العهد العثماني. الجزائر: منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، 2017. خيراني، ليلى. المرأة في مجتمع مدينة الجزائر 1818 - 1830 م. سلسلة دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني. الجزائر: كوكب العلوم، 2017. سيف الإسلام، الزبير. تاريخ الصحافة في الجزائر. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، [د. ت.]. الصحيفة وآثارها في الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين. إشراف محمد القورصو. وهران: منشورات الكراسك 2017، CRASC. غطاس، عائشة. الحرف والحرفيون في مدينة الجزائر 1710 - 1830. الجزائر: الوكالة الوطنية للنشر والإشهار، 2010. قشي، فاطمة الزهراء. "الهبة ومؤخر الصداق: ممارسات قسنطينة في القرن الثامن عشر ". مجلة سيرتا. جامعة قسنطينة. عدد خاص حول النساء والسلطة (تشرين الأول/ أكتوبر 2000). ________. الزواج والأسرة في قسنطينة القرن 18 م. الجزائر: دار القصبة للنشر، 2007. ________. سجل صالح باي للأوقاف. تحقيق وتقديم وتصدير عبد الجليل التميمي. الجزائر: بهاء الدين للنشر والتوزيع، 2009. ________. قسنطينة في عهد صالح باي البايات. الجزائر: ميديا بلوس، 2004. الكتاب أداة انفتاح الثقافة الإسلامية. تنسيق فاطمة الزهراء بوعياد. الجزائر: المجلس الإسلامي الأعلى، 2017. المغارب في العهد العثماني. تنسيق عبد الرحمن المودن. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995. ناصر، محمد. الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1939. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1984. ________. المقالة الصحفية في الجزائرية: نشأتها، تطورها، أعلامها من 1903 إلى 1931. الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1978. هنية، عبد الحميد [وآخرون]. مسار مؤرخ وتجربة تاريخية. تونس: مخبر دراسات مغاربية ومركز النشر الجامعي، 2008.
References
الأجنبية
• Guechi, Fatima Zohra. Artisans et métiers à Constantine en 1840: voisinage et solidarité. Mélanges Charles Robert Ageron. Tunis: FTERSI, 1996. • ________. Constantine, une ville des héritages. Algérie: Media-Plus, 2004. • ________. "La presse algérienne de langue arabe de 1946 au déclenchement de la révolution en 1954: Essai d'analyse de contenu." PhD. Dissertation. Université Paris. Paris, 1982. • ________. La presse algérienne de langue arabe. 1946-1954 , Enjeux politiques et jeux de plumes. Algérie: Bahaeddine éditions, 2009. • Ihaddaden, Zahir. Histoire de la presse indigène en Algérie des origines jusqu'en 1930. Alger: E.N.A.L, 1983. • Largueche, Dalenda. L'histoire de la vie matérielle au maghreb. Tunis: C.P.U., 1998. • Les Chemins de la décolonisation de l'empire français 1936-195. Paris: Editions du CNRS, 1986.