العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الطريق إلى التجديد: مدرسة الحوليات الفرنسية من الانفتاح إلى التفتت (1)

الطريق إلى التجديد: مدرسة الحوليات الفرنسية من الانفتاح إلى التفتت (1)

The Path to Renewal: The French Annales School from Emergence to Collapse (1)

ناصر الدين سعيدوني | ناصر الدين سعيدوني

الملخّص

فتحت مدرسة الحوليات الفرنسية في التاريخ آفاقًا جديدة أمام الباحثين، بسعيها لتجديد مناهج الكتابة التاريخية وأدواتها ومصادرها وإشكالاتها ومواضيعها، من خلال انفتاحها على العلوم الاجتماعية الأخرى. وكان هدف مؤسسيها كسر جمود المدرسة الوضعية التقليدية وقيودها، فانفتحت على حقول الاقتصاد وعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والديموغرافيا، وأغرقت في تحليل المعطيات الكمية والإحصاءات بوصفها أدوات فعالة لتجسيد مشروعها التجديدي الذي أطلقه رائداها الأولان مارك بلوك ولوسيان فيفر، والذي واصله ورسّخ أسسه فرنان برودال وإرنست لابروس (1895–1988)، وحاول بعث نَفَس جديد فيه أقطاب "التاريخ الجديد". كان ثمن النجاح على الساحة الأكاديمية الفرنسية أزمة هوية التاريخ بوصفه "علمًا" مستقلًا بذاته، بعد أن بدا كأنه يذوب في علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والديموغرافيا التي حاول تسخيرها لفائدته. تتناول الدراسة هذه التجربة التاريخية الفريدة من نوعها، والتي هيمنت على البحث التاريخي في فرنسا قرابة قرن من الزمن، بالرجوع إلى فترات تطورها وأجيالها المتعاقبة والشخصيات البارزة التي كان لها دور مهمّ في أطوار التأسيس والترسيخ ومحاولة التجديد والأزمة. وتُختَتم الدراسة ببيان أهم خصائص مدرسة الحوليات الفرنسية وإضافاتها إلى البحث التاريخي. ننشر هنا القسم الأول من الدراسة، الذي يتناول الجيل الأول من الآباء المؤسسين.

Abstract

The French Annales School opened up new horizons for researchers through its efforts to renew the methodology, tools, sources and objects of historiography by drawing on other social sciences. Its founders Mark Bloch and Lucien Febvre and their successors Ferdinand Braudel and Ernest Labrousse aimed to break with the stagnant and tightly constrained vision of traditional positivist historians, drawing on economics, sociology, anthropology and demography and making heavy use of quantitative data and statistics. The price of their success within French academia, however, was a crisis of identity for history as an "independent" discipline. This paper traces the unique historical trajectory of the Annales School, which remained dominance within French history departments for almost a century, assessing the different stages in its development, the different generations of prominent personalities who played a major role in these different stages, and its remarkable contribution to the discipline of history. In Part 1 , we look at the first generation of Annales historians.

الكلمات المفتاحية:
  • الحوليات
  • الكتابة التاريخية
  • الأزمة
  • التجديد
Keywords:
  • Annales
  • Historiography
  • Renwal
  • Crisis

مدرسة الحوليات الفرنسية من الانفتاح إىل التفتت (1)

The Path to Renewal

The French Annales School from Emergence to Collapse (1)

مقدمة: إشكالية البحث: مدرسة الحوليات من الانفتاح إلى التفتت

عرف البحث التاريخي في العصور الحديثة محاولات عدّة لتقديم الجديد من الرؤى، والمبتكر من المقاربات والمواضيع، والمستجد من الإشكالات والمناهج. ومن هذه المحاولات التي كان لها أثر بالغ في أجيال من المؤرخين خلال القرن العشرين "مدرسة الحوليات الفرنسية " Annales des École ' L التي ذاع صيتها؛ لما قدمته من دراسات نوعية، مكّنتها من الهيمنة على توجهات الدراسات التاريخية في الجامعات الفرنسية على وجه الخصوص. وقد طبعت مدرسة الحوليات بأسلوبها ومنهجها مجال الكتابة التاريخية1، وذلك بفضل جهود نخبة من كبار المؤرخين2 الذين أحدثوا نقلة نوعية في الدراسات التاريخية، لا تقل عن دور المدرسة الوضعية الألمانية والفرنسية في القرن التاسع عشر3، ورائديها فون رانكه Ranke Von (1795 - 1886) وفوستال دو كولانج Coulanges de Fustel (1830 - 1889). حاول مؤرخو الحوليات تخطي عقبة ما عدُّوه جمود المدرسة الوضعية، فلم تتوقف مقاربتهم عند عملية نقد الوثيقة، بل تخطتها إلى تحليل المعطيات التاريخية المتصلة بحياة الإنسان، وحاولوا التحرر من أساليب المدارس الملتزمة والتوجهات الليبرالية واليسارية التي غلب عليها المنظور الأيديولوجي؛ فكانت مدرسة الحوليات بذلك مخرجًا موفّقًا للأزمة التي عرفتها الدراسات التاريخية في أوروبا في مطلع القرن العشرين من حيث المنهج والأسلوب ومعالجة الأحداث. وبغض النظر عن كون مدرسة الحوليات مثَّلت ردَّ فعل على توجهات المدرسة الوضعية positiviste école ' L، فإنها كانت أيضًا حصيلة للتوجهات الفكرية للمدارس التاريخية الأوروبية الملتزمة والرومانسية والبيئية والمدارس ذات المنحى النضالي (الماركسية والليبرالية)، وكانت ثمرة للتجربة المخبرية والممارسة النظرية والتطبيق المنهجي لمؤرخين فرنسيين أعطوا البحث التاريخي طابعًا إنسانيًا من حيث المضمون والمنهج، وأعادوا إلى واجهة البحث والدراسة في مجال التاريخ قضايا الإنسان بأبعادها المختلفة. وهذا ما أهّل هذا التوجه في دراسة التاريخ لأن يصبح مدرسة متميزة، عبّر عنها مؤرخ إنكليزي شاب حينما توجّه في خطابه إلى فرنان برودال Braudel Fernand (1902 - 1985) أحد رواد مدرسة الحوليات، بقوله: "إذا ما وجب علينا في بريطانيا إضفاء جاذبية الإبداع على عملنا التاريخي، فإنه من الراجح أن يأتي ذلك من فرنسا"، وهذا يمثل إقرارًا منه بمكانة مدرسة الحوليات في تطور الدراسات التاريخية4.

غير أن "انتصار" مدرسة الحوليات على مجال الكتابات التاريخية - بل هيمنتها - لم يدم طويلً؛ إذ دبّت الشكوك في العقول منذ ثمانينيات القرن الماضي، وبدأ المؤرخون، الذين ضاق بهم فضاء التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، يبحثون عن كسر القيود وتوسيع الآفاق وإضفاء عمق مفاهيمي على عمل المؤرخ، لتدخل مدرسة الحوليات في أزمة هوية حقيقية. فبعد أن فتحت آفاقًا جديدة من خلال ربط علاقات وثيقة مع العلوم الاجتماعية الأخرى، شعر المؤرخون بأن الإطار المنهجي الذي التزموا به بدأ ينغلق عليهم، ويفقدهم هويتهم بوصفهم مؤرخين. وهذا ما عبّر عنه فرانسوا دوس Dosse François الذي خَلص إلى أن تجربة مدرسة الحوليات تمادت في سعيها لجعل التاريخ مجال تقاطع للعلوم الاجتماعية الأخرى؛ فأدَّت به إلى التفكك.

إن التباين الواضح بين الجوانب الإيجابية لمدرسة الحوليات من خلال القفزة المنهجية النوعية التي أحدثتها وانفتاحها على المجالات المعرفية الأخرى

  1. Raymond Aron, Introduction à la philosophie de l'histoire (Paris: Gallimard, 1938).
  2. كان في طليعتهم مارك بلوك Bloch Marc، ولوسيان فيفر Febvre Lucien، وفرنان برودال Braudel Fernand، وجاك لوغوف Goff Le Jacques (1924 - 2014)، وهنري بير Berr Henri (1863 - 1954)، وجورج لوفيفر Lefebvre Georges (1874 - 1959)، وإرنست لابروس Labrousse Ernest، وهنري هوزير Hauser Henri (1886 - 1946)، وغيرهم.
  3. Fernand Braudel, "Positions de l'histoire en 1950 ," Leçon inaugurale au Collège de France, 1 / 9 / 1950 , in: Écrits sur l'histoire (Paris: Flammarion, 1969), p. 36.
  4. Ibid.

وتجديدها للمصادر والأدوات، وبين جوانبها السلبية المتمثلة في تفتت التاريخ والانغلاق في حدود منهجية وموضوعية أفقدت التاريخ هويته واستقلاليته، يفرض طرح أسئلة جوهرية عن نشأة هذه المدرسة وتطورها والآفاق التي فتحتها ومآلاتها وخيبة آمالها، ويمكن إجمال هذه الأسئلة فيما يأتي:

إلى أيّ حدّ شكلت هذه المدرسة مشروعًا تجديديًا أصيلً أنعش النظرة إلى الزمن وسيرورة التاريخ والعوامل المحددة له، من خلال طرح فكرة مفادها أن السبيل إلى تجديد الكتابة التاريخية يكون بتقاطع المعارف الإنسانية والاجتماعية المختلفة؟ وكيف حاولت هذه المدرسة شرعنة مكانة التاريخ بوصفه أحد "العلوم" الإنسانية التي ترتكز على أدوات محددة ومجالات بحث متنوعة وإشكالات تاريخية ظلت مهملة من قبل؟ وكيف حاول مشروع التجديد تجاوز "تحجر" المدرسة الوضعية؟ فقد هيمنت على الكتابات التاريخية في القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين5، وحدَّت من أفق التاريخ، وضيّقت اهتماماته، واستغرقته في الحدث، وقصرته على معالجة الوثائق عن طريق النقد والتحليل بعيدًا عن الحالات الاجتماعية التي تعبر عنها التطورات الاقتصادية والثقافية والعقلية التي ركزت عليها مدرسة الحوليات، لتكون بذلك بديلً من المدرسة الوضعية. في المقابل، كيف انتهى تطور مدرسة الحوليات، بوصفها رد فعل على التاريخ الوضعي، إلى السقوط في فخ المعالجة الجافة الفاقدة للحياة؟ وكيف حوّلت التاريخ إلى هيكل بلباس اقتصادي ومظهر إحصائي، خاصة بعد الإغراق في التحليل الكمي والمعالجة الإحصائية للظواهر؟ وكيف أفقد هذا المنحى التاريخ استقلاليته أمام العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تستوجب الوقوف على مراحل تطور مدرسة الحوليات وإسهامات أبرز أقلامها وأجيالها المتعاقبة6، بهدف استخلاص أهم خصائصها، وفهم تحولها من مشروع تجديدي منفتح على فضاءات معرفية فسيحة إلى أحد مظاهر أزمة الكتابة التاريخية المعاصرة.

أولً: مدرسة الحوليات: زمن الآباء المؤسسين (1945-1929)

نشأت مدرسة الحوليات7 من خلال المقالات التاريخية النقدية التي دأب على نشرها كل من مارك بلوك (1886 - 1944) ولوسيان فيفر (1878 - 1956) في مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي sociale et économique histoire ' d Annales منذ تأسيسها عام 19298. وكان بلوك وفيفر يهدفان من خلال تأسيس مجلتهما هذه، التي أصبحت تُعرَف اختصارًا ب "الحوليات" Annales، إلى فتح آفاق جديدة لتاريخ اقتصادي - اجتماعي ينقذ الكتابة التاريخية من إرث مؤرخي جامعتَي السوربون وبرلين "الوضعيين" الذين لم يستطيعوا تجاوز التاريخ السياسي

  1. ينظر: ناصر الدين سعيدوني، "المدرسة التاريخية الوضعية الأوربية في القرن التاسع عشر"، عالم الفكر، العدد 176 (تشرين الأول/ أكتوبر-كانون الأول /ديسمبر 2018)، ص 207 - 248.
  2. للتعرف إلى النشاط العلمي للأجيال الثلاثة من مؤرخي الحوليات، ينظر: فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص 51 - 59؛ قيس ماضي فِرُّو، المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 199 - 210؛ وجيه كوثراني، الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000)، ص 97 - 166؛ جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 75 - 140؛ Christian Amalvi (dir.), Dictionnaire biographique des historiens français et francophones, de Grégoire de Tours à Georges Duby (Paris: La Boutique de l'Histoire, 2004).
  3. للتعرف إلى ظروف نشأة مدرسة الحوليات في التاريخ، ينظر: André Burguière, "Histoire d'une histoire: La naissance des Annales," Annales. Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 34 , no. 6 (1979), pp. 1347 - 1359.
  4. كانت مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي e social et économique histoire ' d Annales سابقًا والتي تحوّل عنوانها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إلى حوليات.اقتصاديات، مجتمعات، حضارات civilisations , sociétés , Economies. Annales، منبرًا لمعالجة التاريخ من وجهة نظر إنسانية تهتم بأبعاد النشاط الإنساني، وخاصة الجانب الاقتصادي والمحتوى الاجتماعي والاهتمامات الفكرية، وهذا وسّع آفاق البحث التاريخي، وربطه بالمعارف الإنسانية بعيدًا عن الاصطفاف السياسي والميول الأيديولوجية، فتأكدت توجهاتها وتبلورت طريقتها، وهذا ما أخذ به، وعمل على تكريسه العديد من المؤرخين الفرنسيين في بداية القرن العشرين.

والدبلوماسي الضيق الأفق9. وقد عُرِف هذا المنحى التجديدي في تناول التاريخ والبحث في أحداثه، من خلال النشاط الإنساني وجوانب الحياة المتصلة به، ب "مدرسة الحوليات" التي جعلت من الإنسان موضوعًا رئيسًا لأبحاثها التاريخية. وتأثر مارك بلوك ولوسيان فيفر ببول فيدال دو لابلاش Blache La de Vidal Paul (1845 - 1918) صاحب مجلة حوليات الجغرافية، وبمفهوم فريدريش راتزل Ratzel Friedrich (1844 - 1904) في التأثير الجغرافي10.

1. مارك بلوك (1944-1886)

ينحدر مارك بلوك11 من أسرة يهودية فضّلت التحول إلى فرنسا بعد ضم موطنها الأصلي الألزاس إلى ألمانيا، وقد وُلد في ليون عام 1886، وكان أبوه غوستاف أستاذًا للتاريخ الروماني بمدرسة المعلمين العليا؛ حيث درس ابنه مارك (1904)، وحصل على شهادة التبريز في التاريخ (1908). وبعد أن قضى سنتين في ألمانيا للاطلاع على الدراسات التاريخية بها في منحة دراسية (1908 - 1909)، وتواصل مع مؤسسة ثيير Thiers، وتعرّف إلى بعض تلاميذ عالم الاجتماع إميل دوركهايم Durkheim Émile (1858 - 1917) (لوكا جيرني، ومارسيل غراني)؛ فانفتح أفقه الثقافي، وتحددت معالم منهجه في التاريخ. عمل مارك بلوك أستاذًا للتاريخ بثانوية مونبولييه (1912 - 1913) وبثانوية آميان (1913 - 1914)، وناقش عام 1913 أطروحة جامعية عن منطقة باريس" Paris de autour pays Les: France de île ' L  ". وبعد أن شارك في الحرب العالمية الأولى، ومُنِحَ أوسمة عدة، عاد إلى مجال البحث، وأعد أطروحة جامعية عن سكان الريف بمنطقة جزيرة فرنسا في عهد القنانة (1920) بعنوان "ملوك وأقنان: فصل من تاريخ أسرة الكابيتيين" " et Rois

". serfs , un chapitre d ' histoire capétienne

والتحق مارك بلوك بعد الحرب بسلك التعليم بجامعة ستراسبورغ التي استرجعت طابعها الفرنسي (1919 - 1936، 1940 - 1941). وفي ستراسبورغ وُلد له أبناؤه الستة. وقد اختير لكرسي التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بجامعة السوربون (1936)؛ حيث اعتُرِف له بكفاءته العلمية في العصر الوسيط في فرنسا وكذلك في ألمانيا، وعُرِف بمنهجه الاقتصادي والاجتماعي في معالجة التاريخ الوسيط، وقد دفعه ذلك إلى تأسيس حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعيمع زميله لوسيان فيفر (1929)، ونال شهرة عالمية بمحاضراته ومشورته وأسفاره، وفي أثناء ذلك عمل على إصلاح التعليم العالي.

فرضت الحرب العالمية الثانية على مارك بلوك النضال من أجل فرنسا، وقد عدَّ نفسه أحد مواطنيها من دون النظر إلى عقيدته اليهودية، وظلَّ يعلِّم بجامعات ستراسبورغ (1941) وكليرمون فيران ثم مونبولييه، وكتب في أثناء نضاله السري باسم مستعار "فوجار" Fougères، لكنَّ مبادئه الوطنية والاضطهاد الذي تعرض له دفعاه إلى الالتحاق بالمقاومة المسلحة ضد الاحتلال الألماني بمنطقة ليون لاعتقاده أن فرنسا لا يمكن أن تنهض بعد الحرب إلا بتضحية شاملة بأعداد كثيرة من أبنائها12. وقد وقع في قبضة الشرطة السرية الألمانية (الغيستابو)، وعُذِّب، وأُعدِم رميًا بالرصاص في 16 حزيران/ يونيو 1944 بسان ديدييه دو فورمان Formans de Didier - St بالقرب من تريفو Trévoux.

  1. فِرُّو، ص 199.
  2. دوس، ص 78 - 79، 92 - 93؛ كوثراني، ص 204.
  3. للتعرف إلى حياة مارك بلوك، ينظر: دوس، ص 97 - 99، 115 - 117؛ Georges Duby, "Marc Bloch," Encyclopaedia Universalis , 7 ème éd., vol. 25 (Paris: Encyclopaedia Universalis France, 2012), pp. 552 - 553 ; Jean Stengers, "Marc Bloch et l'histoire," Annales. Economies, sociétés, civilisations, vol. 8 , no. 3 (1953), pp. 329 - 337 ; Olivier Dumoulin, "Marc Bloch," in: Amalvi, pp. 28 - 30 ; Carole Fink, Marc Bloch: A Life in History (Cambridge: Cambridge University Press, 1998); Pierre Deyon, Jean-Claude Richez & Léon Strauss (dir.), Marc Bloch , L'historien et la cité: Actes du Colloque Marc Bloch (18 - 19 Novembre 1994) (Strasbourg: Presses universitaires de Strasbourg, 1997).
  4. Henri Baulic, "Entre-nous: Marc Bloch," Information géographique , vol. 11 , no. 1 (Janvier-Fevrier  1947), p. 39.

ترك مارك بلوك أثرًا ملموسًا لدى دارسي التاريخ من مؤرخي الحوليات13، كما ظل نشاطه العلمي ومواقفه الوطنية رصيدًا معنويًّا أسهم في تعميق التعاون الفرنسي - الألماني بعد الحرب، إذ أُطلِق اسمه على المركز التاريخي الفرنسي - الألماني في برلين، وكذلك على جامعة ستراسبورغ الثانية14. ألّف مارك بلوك العديد من الكتابات التاريخية المتميزة التي أهلته لأن يكون في طليعة مؤرخي فرنسا في فترة ما بين الحربين، وغدا رائدًا لمدرسة الحوليات الفرنسية15، وكانت له مجموعة كبيرة من التعليقات والتقارير والقراءات النقدية التي نشرها في العديد من

  1. أسهم هؤلاء المؤرخون بدراساتهم في مجلة الحولياتالتي تطور اسمها كما يلي (: 1929 - 1938): حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي Annales sociale et économique histoire ' d؛ (1939 - 1941): حوليات التاريخ الاجتماعي sociale histoire ' d Annales؛ (1942 - 1944): دراسات في التاريخ الاجتماعي sociale histoire ' d Mélanges؛ 1945: حوليات التاريخ الاجتماعي sociale histoire ' d Annales؛ (1946 - 1993): حوليات. اقتصاديات، مجتمعات، حضارات Civilisations , Sociétés , Économies. Annales؛ منذ 1994: حوليات. تاريخ، علوم اجتماعية sociales Sciences , Histoire. Annales.
  2. Dumoulin, p. 30.
  3. للاطلاع على أهم هذه الإسهامات، يُنظر:. Marc Bloch , L ' île de France: Les pays autour de Paris , thèse (Paris: L. Cerf , 1913) جزيرة فرنسا: البلدان حول باريس ملوك وأقنان: فصل من تاريخ أسرة الكابيتيين، رسالة جامعية ناقشها عام 1920. Marc Bloch, Rois et serfs, un chapitre d'histoire capétienne (Paris: Champion, 1913).. Marc Bloch , Souvenirs de guerre: 1914 -1 9 18 (Paris: Arman Colin , 1969) مذكرات حرب الخصائص الأصيلة لتاريخ الريف الفرنسي (نُشِر الكتاب بأوسلو وباريس في 1931). Marc Bloch, Les caractères originaux de l'histoire rurale française (vol. 1) (Oslo: H. Aschehoug, 1931 ; Paris: les Belles-Lettres, 1952 et Arman Colin, 1952 , 1988). وهو من أهم ما أُنتِج، وأُلحِق به جزءٌ ثانٍ بعنوان المجتمع الفيودالي féodale Société، صدر بباريس (1939 - 1940). ثم ظهرت طبعة ثانية له بعد وفاة مؤلفه عام 1949 في جزأين، ضمّنها دوفيرن Dauvergne ملحقًا، عرّف فيه بأعمال المؤلف (مارك بلوك) مع تعليقات (1952). Supplément établi d'après les travaux de l'auteur, par Dauvergne (vol. 2) (Paris: Arman Colin, 1956).. Marc Bloch , L ' étrange défaite: Témoignage , écrit en 1940 (Paris: Éd. Franc - Tireur , 1946) 1940: وهي شهادة كتبها مارك بلوك عام الهزيمة الغريبة يُمكن الإشارة إلى ترجمة المركز العربي لهذا الكتاب ونشره مؤخرًا، يُنظر: مارك بلوخ، الهزيمة الغريبة:شهادة نُظّمت في عام 1940، ترجمة عومرية سلطاني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021).. Marc Bloch , Apologie pour l ' histoire ou métier de l ' histoire (Paris: Armand Colin , 1949) تقريض التاريخ أو دفاعٌ عن التاريخ أو حرفة المؤرخ كتبه مارك بلوك في أثناء الحرب العالمية الثانية، وضمّنه نظرياته باستعمال الفكر واستخلاص التجربة، وقد احتفظ بنسخته صديقه لوسيان فيفر الذي سلّمه لابنه الأكبر إيتيان (1945)، فظهر الكتاب بعد وفاته 1949 , Colin. A (ط 2  /  1952، ط 3  /  1959، ط 4 / 1963)، كما ظهرت طبعة خاصة منه ضمن كراريس الحوليات (1964). وصدرت طبعة جديدة منقحة بعناية إيتيان بلوك Bloch Etienne (1993). المجتمع الفيودالي: صدر في جزأين بباريس (1939 - 1940) (ط 2 / 1949)، خصّ الجزء الأول منه لتشكل المجتمع الفيودالي وعلاقات التبعية، والجزء الثاني للطبقات الاجتماعية وحكومات الناس. Marc Bloch, La société féodale: vol. 1: La formation, les liens de dépendance (Paris: Editions Albin Michel, 1939); vol. 2: Les classes et le gouvernement des hommes (Paris: Editions Albin Michel, 1940). الكتابة عن المجتمع الفيودالي: رسائل إلى المؤرخ هنري بير. Marc Bloch, Écrire la société féodale: Lettres à Henri Berr (1924 - 1943), Jacqueline Pluet-Despatin (éditeur scientifique), Bronislaw Geremek (Préfacier) (Paris: Institut Mémoires de l'édition contemporaine, 1992). جوانب اقتصادية في عهد لويس الرابع عشر. Marc Bloch, Aspects économiques du règne de Louis XIV , Collection Les cours de Sorbonne (Paris: Centre de documentation universitaire 1939).. Marc Bloch ,  " L ' outillage rural , " Les Cahiers de Radio - Paris , vol. 9 , no. 5 (1938) أدوات العمل الفلاحية. Marc Bloch , Esquisse d ' une histoire monétaire de l ' Europe (Paris: Armand Colin , 1954) موجز التاريخ النقدي لأوروبا. Marc Bloch , La France sous les derniers capétiens (1223 - 1328) (Paris: Armand Colin , 1958)) 1328 - 1223 فرنسا تحت حكم آخر الكابيتيين (الملوك مدَّعو المعجزات: دراسة حول الطابع الخارق للعادة المضفى على القوة الملكية. Marc Bloch, La Rois thaumaturges: Étude sur le caractère surnaturel attribué à la puissance royale , fascicule 19 (Strasbourg: Publications de la Faculté des Lettres de l'Université de Strasbourg, 1924). اعتمد فيها منهج المقارنة بالرجوع إلى علم اللسانيات في دراسة الظواهر الاجتماعية القديمة، مبيّنًا كيفية ظهور الاعتقاد وتطوره بقدرة الملوك على الشفاء. للتعرف إلى مجمل كتابات مارك بلوك، ينظر: Charles-Edmond Perrin, "L'œuvre historique de Marc Bloch," Revue historique , vol. 199 , no. 2 (1948), pp. 161 - 168 ; Bloch, L'historien et la cite , pp. 347 - 354.

المجلات التاريخية المتخصصة16. كانت كتابات مارك بلوك إسهامًا جديدًا في معالجة الأحداث وتحليل المعطيات وصياغة المنظور التاريخي، وهذا ما يتضح لنا من خلال خصائص منهجيته ومميزات مقاربته التاريخية التي سمحت له بفرض مفهومه للتاريخ، والتي يمكن إجمالها في النقاط الآتية: نظرته إلى موضوع التاريخ على أنه دراسة المجتمع بوصفه وحدات متحركة، تتجلى في حالة تبدل مستمر وثابت، فالجديد يبقى نسبيًّا في هذه الحركة؛ لأنه جزء من حركة التاريخ التي تدرس نشاط البشر، وتعالج المجتمع في حركيته وتكامله، وليس بصفته وحدات جامدة17. وفي هذه الحركة يجب على المؤرخ ترك الأحداث تتكلم faits les parler Laisser، ليستخلص منها الدلالات باعتماد الطريقة الاسترجاعية régressive Méthode، وهذا ما يجعل التاريخ حصيلة التطور النوعي والكمي؛ فالتاريخ في نظر مارك بلوك هو قبل كل شيء علم التحولات changement du science la tout avant est histoire ' L18، يقوم على ملاحظة مظاهر الحاضر وتحليلها، لمعرفة التغيرات التي يريد المؤرخ الإحاطة بها19. ومن خلال هذه المقاربة، فإن التاريخ كما يراه مارك بلوك - على الرغم من احتوائه على تنوع لا يُحصى وتفاعل لأوضاع لا نهاية لها - يكشف عن التجانس في المدنيات المختلفة من خلال الأركان الرئيسة وليس في التفاصيل، بحيث يمكن المؤرخ التكهن بالمستقبل من خلال الفرق بين الأمس واليوم، والتناقض بين الحاضر والمستقبل. وبهذه النظرة خلص بلوك إلى أن عدم إدراكنا للحاضر هو نتيجة جهلنا للماضي، كما أن جهلنا للحاضر لا يسمح لنا بفهم الماضي، فما على المؤرخ إلا أن يحب الحياة، ويتفهمها، بحسب ما أسرّ لصديقه هنري بيرين Pirenne Henri حينما كانا في جولة تعرّفا فيها إلى معالم مدينة ستوكهولم20. نظرته إلى التاريخ على أنه الصورة المتكاملة للنشاط الإنساني، وهذا يستوجب دراسة عيّنات من هذا النشاط بالرجوع إلى الوسط الطبيعي والثقافي والميول النفسية، وانطلاقًا من جدلية قائمة على البنيوية أو منطلقة من مقاربة إثنوغرافية. وهذا ما أعطى مكانة مميزة لموضوع معالجة الذهنيات والعقليات ودراسة الثقافات والمجتمعات الخاصة والبنى الاجتماعية، وهو ما طبقه مارك بلوك في تلمس السمات المميزة للمجتمع والاقتصاد عند تناوله تاريخ الريف الفرنسي، اعتمادًا على تحليل العوامل الاقتصادية، رافضًا منظور الحتمية التاريخية المادية أو الحتمية الجغرافية، وغير متقبل للمسلمات أو الافتراضات المسبقة، ما دام التاريخ بالنسبة إليه محض معرفة بالماضي من خلال نظرة المؤرخ؛ وهذا ما جعل بلوك يرى أن المؤرخ هو الذي يعطي التاريخ قيمة بتحليله الأحداث وإدراكه التطورات وتأمله في أعمال البشر وسلوكهم. نظرته إلى التاريخ على أنه "علم الزمان" أو "علم الإنسان في الزمان"، فالزمن أساسي في أيِّ مقاربة تاريخية؛ لأنه الإطار الذي يتحقق فيه التطور التاريخي. وهذا ما أبعده عن الوصف التاريخي الصرف، وجعله يتحفظ على تجزئته إلى فترات، وفرض عليه التعامل مع

  1. أهم هذه المجلات: Cahiers des Annales (C.A.); Annales Histoire de la Révolution française (A.H.R.F.); Annales d'histoire économique et sociale (A.H.E.S.); Revue critique d'histoire et de littérature (R.C.H.L.); Revue de synthèse historique (R.S.H.); Revue historique (R.H.); Bulletin de l'Institut français de sociologie (B.I.F.S.); Bulletin de la faculté des lettres de l'université de Strasbourg (B.F.L.U.S.); Annales. Economies, sociétés, civilisations (A.E.S.C.); Revue de synthèse (R.S.); Annales d'histoire sociale (A.H.S.).
  2. جفري باراكلو، الاتجاهات العامة في الأبحاث التاريخية، ترجمة صالح العلي (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص 353.
  3. Bloch, Les caractères , p. X.
  4. Bloch, Apologie ; Jean Ehrard & Guy Palmade, L'Histoire , Collection U (Paris: Armand Colin, 1965), p. 378.
  5. Ibid., p. 380.

الزمن بمرونة تتناسب مع المتغيرات، مع الأخذ في الاعتبار التفاوت الزمني والعلاقات النسبية، لكونها أداة للمعرفة التاريخية. ومن خلال هذه النظرة، فإن البعد الزمني عند مارك بلوك هو أزمنة متعددة ومتفاوتة من حيث السرعة، بحسب طبيعة الأحداث وحالة المجتمع. فمن خلال الزمن التاريخي يمكن الانطلاق من الحاضر؛ لأن المعرفة التاريخية هي استكشاف للمجهول، وهذا ما حاول تطبيقه في كتابيه الخصائص الأصيلة للتاريخ، والمجتمع الفيودالي؛ فتمكَّن بفضل تعرُّف أصول المجتمع الريفي الفرنسي من معرفة أبعاده الشاملة. ومن خلال التطور الزمني، درس بلوك المجتمع الفيودالي في فرنسا في العصر الوسيط بتداخلاته وروابطه العصبية وتبعية القنانة، ورأى أن "كل استعمال فلاحي هو قبل كل شيء تعبير عن حالة نفسية". كما استطاع أن يميز بفعل مفهومه للزمن التاريخي بين العصر الفيودالي الأول féodal âge premier Le الذي تسوده الروابط الفردية والتبعية الشخصية التي تشكل لحمة النسيج الاجتماعي القائمة على قوة النسب lignage والطبقية، وهي عوامل تؤكد العلاقات الحميمية بين الإنسان ووجوده اليومي القائم على البنى الزراعية وأساليب استغلال الأرض واستثمارها21. نظرته إلى التاريخ على أنه "علم الإنسان الاجتماعي"، الذي يسمح بتكوين صورة متكاملة للنشاط البشري. فالمصائر الإنسانية لا يمكن أن يحددها إلا نشاط الإنسان نفسه، وهي حصيلة تراكم الإنجازات السابقة في فترات محددة، شاركت في صياغتها عوامل عدة تضافرت في تكوين بنى المجتمع، وهذا يوجب على المؤرخ مقاربة المعطيات وتفسيرها، عبر مساءلة دائمة تجمع بين الحدث ومجاله المكاني وبعده الزمني. وقد شارك بلوك في هذه النظرة زميله لوسيان فيفر الذي رأى أن الحدث التاريخي لا يقوم على محض دراسة الأحداث في زمن وقوعها، بل يقوم على دراسة البناء الاجتماعي الذي تنبثق منه Structure، وكذلك البناء الذهني للحالة التاريخية المدروسة؛ لأن البناء الاجتماعي شبه ثابت لا تغيره الأحداث الفردية بسهولة22. رجوعه في دراساته التاريخية إلى الوثائق بمفهومها الواسع من شهادات ووثائق وآثار، ورأى أن المؤرخ لا يستطيع العمل خارج الشهادات التي تصبح وثائق من خلال عمل المؤرخ وتفسيره. على أن الاستفادة من هذه الشهادات مرهونة بعمليتي التحليل ثم التركيب، بحيث يتم استنطاق الوثيقة وتجاوز المعطى والتوصيف لبلوغ مستوى التفسير، مع الحرص على فهم الماضي في ضوء القضايا التي يطرحها الحاضر من خلال جدلية زمنية متجددة، وهذا ما يجعل الأحداث تخضع لنظرة المؤرخ، فتصبح الوقائع ظواهر موضوعية؛ لكونها نتيجة عمل المؤرخ الذي هو في الواقع خالق أو متصوّر للوقائع التاريخية. وهذا ما جعل مارك بلوك يولي حدس المؤرخ وملاحظاته أهمية كبيرة23؛ لأنهما يبعثان الحياة في الأشياء، وتلك هي خاصية المؤرخ المبدع القادر على بعث الحياة في جفاف الرفوف، وهو ما أوضحه بلوك بقوله: "إن الحدس الذي يبعث الحياة في الأشياء، إنما هو المميِّز للمؤرخ الكبير، وقد حاز هذه الصفة أكبر مؤرخينا"24. واهتم مارك بلوك بالأخطاء المتربِّصة بالتاريخ، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأخطاء تأتي ببساطة من الجهل أو الهفوات المترتبة عليه، وقد يتسبب فيها تحايل شهود التاريخ25؛ فيكون الحدس ضروريًّا في تعامل المؤرخ مع الأحداث والمصادر. فحدس المؤرخ وملاحظته الصادرة عن الشك المستوحى من المنهج الديكارتي والمستند إلى المعرفة هما أساس دراسة التاريخ، وهذا يتطلب تجربة واسعة لدى

  1. كوثراني، ص 168.
  2. فِرُّو، ص 199.
  3. Bloch, Apologie , p. 38.
  4. جوزف هورس، قيمة التاريخ (دراسة فلسفية)، ترجمة نسيب وهيبة الخازن (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1964)، ص 51.
  5. Bloch, Apologie , p. 262.

المؤرخ، فهذا الأخير "وإن كان قاضي جهنم المكلف بتمجيد الأبطال أو توبيخهم، فإنه يجب ألا يتجرّد من المشاعر، شريطة أن يتخلى عن دور الملك المضلل"26. تركيزه على ملاحظة التغيرات والتحولات الاقتصادية والتشريعية والذهنية والإنسانية التي تعرفها المجتمعات، في إطار متكامل ومتجانس، فالتاريخ بالنسبة إلى مارك بلوك كأنه علم التغير والتحول changement du Science، الذي يفقد دونه التاريخ معناه الحقيقي27، فهو لا يتوقف عند دراسة الماضي فقط، بل يتناوله من خلال دراسة البشر في الماضي، في حركة لا تتوقف بين الماضي والحاضر ذهابًا وإيابًا28. وهذا ما يفرض على المؤرخ الاهتمام بالتحولات العميقة والتطورات العامة من دون التوقف عند التفاصيل؛ لكون التاريخ في نظره هو علم التبدل الذي تحدث من خلاله أحداث لا تتكرر وظروف غير متماثلة، ويكشف عنها تطور الإنسان الذي تحكمه نواميس وعوامل مؤثرة في المدى الطويل، وإن لم تكن دائمة ومستمرة29. تلمّسه الدلالات التاريخية ومحاولة فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية، وقد رجع في ذلك أساسًا إلى الأنثروبولوجيا لكونها علم الإنسان، وهذا يتطلب دراسة مكونات بنى المجتمع من حيث الذهنية والأيديولوجية وفهم الحياة وطريقة العيش ووسائله. فانفتاح المؤرخ بالنسبة إلى مارك بلوك على الأنثروبولوجيا ضروري؛ لأن هدفه دراسة الإنسان دراسة شاملة، بما يتعلّق به من مشاغل وهموم وقضايا، والمؤرخ الذي يسعى للتعرف إلى حقيقة الإنسان عليه أن يركز على حقيقة السلوك الإنساني، وأن يتجاوز كل المظاهر التي يتخفَّى وراءها ذلك الإنسان، سواء كانت أوصافًا أو كتاباتٍ أو آلاتٍ أو أدوات إنتاج أو مؤسسات، وكأن المؤرخ صياد يعرف أين تكمن الطريدة الجيدة. ولا يقتصر هذا المسعى على الأنثروبولوجيا، بل يتطلب استغلال العلوم المساعدة للتاريخ من لسانيات وعلم آثار وجغرافيا وفيلولوجيا، والتحليل والتركيب لإعادة تصور الأسس التي تقوم عليها بنية المجتمع وملاحظة الثوابت والمتغيرات والتنوعات التي تطبعها30. وبهذه المقاربة استطاع مارك بلوك تحديد مكانة الحضارة الفرنسية في إطارها الأوروبي، وتفكيك بنية المجتمعات الفرنسية من حيث خصوصيتها. وقد انتهى إلى أن فرنسا كباقي البلدان هي نسيج مجموعات حضارية حيّة Constellations، تتطلب معرفة العلاقات بين عناصرها Éléments من أصغرها إلى أوسعها، وكيف أنها تداخلت وتأثر بعضها ببعض، وخبت، وازدهرت عبر الزمن لتفرز خصائص أصيلة مميزة31. ومن هنا يصبح واجب المؤرخ في رأي بلوك هو إظهار العلاقات الاجتماعية والبنى الأساسية وتحديد طبيعة التطور ومدى فاعليته باعتماد الدراسة التحليلية المقارنة32.

  1. Ibid., pp. 157 - 159.
  2. Bloch, Les caractères , vol. 1 , p. X; كوثراني، ص 166.
  3. Bloch, Apologie , p. 15 ; كوثراني، ص 166.
  4. هورس، ص 108؛ 196 - XIX. pp , L'étrange défaite , Bloch.
  5. Marc Bloch, La société féodale. La formation des liens de dépendance , 2 ème éd. (Paris: Albin Michel, 1949), pp. 220 - 221.
  6. Bloch, Les caractères , pp. 7 - 10.
  7. Le Monde en devenir (Histoire, évolution, prospective), Encyclopédie française, Tome XX (Paris: Société nouvelle de l'Encyclopédie française, 1959), p. 291.

2. لوسيان فيفر (1956-1878)

وُلد لوسيان فيفر Febvre Lucien33 بمدينة نانسي (شرق فرنسا) لأبٍ يعمل أستاذًا بالتعليم الثانوي، تفاعل في شبابه مع قضية درايفوس Dreyfus34، وعُرِف بميوله الديمقراطية والاشتراكية من دون أن يؤثر ذلك في منهجه العلمي. درس في مدرسة المعلمين (1898)، وبعد حصوله على شهادة التبريز، انخرط في سلك التعليم الثانوي (1907 - 1911) في بارلودوك Duc - le - Bar وبيزانسون Besançon، ثم شغل منصب أستاذ بجامعة ديجون Dijon مدة ثلاث سنوات، ثم إنه التحق بالجيش خلال الحرب العالمية الأولى، وتقلَّد أوسمة عدة، وبعد الحرب التحق بجامعة ستراسبورغ التي أُسند له بها كرسي التاريخ الحديث (1919.) وفي جامعة ستراسبورغ، تعرّف فيفر على نخبة من الأساتذة الباحثين في علم الاجتماع والجغرافية وعلم النفس والتاريخ الوسيط؛ فتعامل مع مارك بلوك الذي التحق هو أيضًا بالجامعة نفسها بعد الحرب، وتأثر بالمؤرخ الهولندي جون هويزينغا Huizinga John (1872 - 1945). وشارك في المجلات العلمية؛ مثل حولية علم الاجتماع sociologique année ' L التي كان يشرف عليها دوركهايم (1896)، و مجلةالتركيب التاريخي historique synthèse de Revue لهنري بير Berr Henri (1900.) جمعت بين لوسيان فيفر ومارك بلوك صداقة متينة، وأصدرا مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي (1929) التي حوّر اسمها عام 1946 إلى حوليات. اقتصاد، مجتمع، حضارة، وهو الذي شجع فرنان برودال على تطوير نظرته إلى التاريخ، وأشرف على أطروحته حول عالم البحر الأبيض المتوسط. التحق لوسيان فيفر بالكوليج دو فرانس France de Collège (1933)، وترأس دائرة المعارف الفرنسية، ووضع تصورًا لها، وأصبح رئيس تحريرها منذ 1932، وعمل على تطوير البحث التاريخي حينما أشرف على إنشاء القسم الرابع بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا (1946 (E. H. P. E , études hautes des pratique École التي تحولت لاحقًا إلى مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية) 1968 (S. S. E. H. E , sociales sciences en études hautes des École35. كما انتسب إلى أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية (1949)، وأسهم في إنشاء المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي S. R. N. C , scientifique recherche la de national Centre، وشارك في إصدار مجلة تاريخ الحرب العالمية الثانية، واختير مستشارًا في اللجنة الاستشارية لليونسكو (1945 - 1950.)

  1. Dominique Biloghli, "Lucien Febvre," in: Amalvi, pp. 101 - 103.
  2. قضية درايفوس Dreyfus Affaire: نسبة إلى عقيد فرنسي يهودي (1859 - 1935)، كان يعمل بهيئة أركان الحرب العامة الفرنسية، اتُّهِم بتسريب وثائق تخص الدفاعات الفرنسية للملحق العسكري الألماني، بحجة أن ملف الإرسال يحمل إمضاءً يشبه توقيعه، فحُكِم عليه بالسجن المؤبد، ونُزِعَت رتبته (1894)، ونُف ي إلى إحدى الجزر. وعلى الرغم من طلب مجلس الشيوخ الفرنسي آنذاك مراجعة الحكم، وتصريح رئيس المخابرات بأن المتهم في القضية ضابط آخر يدعى إسترهازي والذي برّأه مجلس الحرب (1898)، فإن المسألة أصبحت قضية رأي عام، بعد أن وجه الكاتب إيميل زولا Zola Emile في جريدة الفجر رسالة إلى رئيس الجمهورية فيليكس فور Félix Faure يهاجم فيها الحكم، وقد أثار هذا الأمر موجة من الاستياء بفرنسا، وتسبب في انقسام الفرنسيين إلى درايفوسيين (اليسار) المتكتلين في رابطة حقوق الإنسان والمطالبين بإعادة المحاكمة، وإلى المعادين لدرايفوس (اليمين) المجتمعين وراء رابطة العمل. ومع أن التحقيق أثبت أن الوثائق الأساسية في ملف درايفوس لفَّقها الضابط هنري هوبير Hubert. H في تموز/ يوليو 1898، فإن مجلس الحرب أصر على التهمة مع تخفيفها إلى 10 أعوام سجنًا (1899). ثم أصدر الرئيس الفرنسي عفوًا عنه، وأطلق سراحه عام 1906، لكن محكمة الاستئناف برَّأته، وأعادت له رتبه، ومُنِح وسام جوقة الشرف، فكان ذلك انتصارًا للعدالة ولروح المواطنة والديمقراطية بفرنسا.
  3. مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية التي أصبحت تُعرف بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا منذ 1968. حُدِّدت مهمتها بمرسوم 31 تموز/ يوليو 1968، في العمل على تقدم العلم بوساطة البحث الأساسي والبحث التطبيقي وتقديم المعلومات للباحثين لتحضير شهادات التعليم العالي بالمدرسة في أقسامها الخمسة: 1. الرياضيات. 2. الفيزياء والكيمياء. 3. علوم الحياة وعلوم الأرض. 4. العلوم التاريخية الفلسفية. 5. العلوم الدينية. وقد أسهم فرنان برودال منذ عام 1947 في تكوين القسم الرابع، بناءً على جهود مارك بلوك ولوسيان فيفر، بهدف العمل في إطار التاريخ الشامل، انطلاقًا من ثقافته الواسعة في المعارف الإنسانية، فكان برودال بعد وفاة لوسيان فيفر (1956) الشخصية العلمية المؤثرة، كما أصبح الموجه والمرشد في مدرسة الحوليات التي هيمنت على الكتابة التاريخية بفرنسا في فترتي الخمسينيات والستينيات.

أعطى لوسيان فيفر مع مارك بلوك شرعية جديدة للتاريخ في المجال الواسع للعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ فعمل على إيجاد نقاط التقاطع وخيوط التواصل بين هذه العلوم والتاريخ، وانفتحت آفاق واسعة أمامه من خلال تفاعله مع علوم النفس، والإثنوغرافيا، واللسانيات36(. كما أدرك أن للجغرافية تأثيرًا بالغًا في علوم الإنسان، وهذا دفعه إلى ربط التاريخ بالجغرافية37. وقد بيّن لوسيان فيفر في كتابه معارك من أجل التاريخ histoire ' l pour Combats أن مستقبل التاريخ بوصفه علمًا يرتبط بانفتاحه على العلوم الإنسانية والاجتماعية وخروجه من قوقعة التعامل مع الوثيقة، فانتقد المدرسة الوضعية الملتزمة بالنقد والمقيدة بالوثائق، والتي رأى أنها ترسم لوحات للأحداث لا فائدة منها، وتعطي نظرة سطحية عن الماضي، بينما يتطلب التاريخ الحقيقي منظورًا طموحًا وشاملً للمعرفة التاريخية. ومما جاء في هذا الكتاب "لا يقدم التاريخ للناس مجموعة من الوقائع المعزولة، فهو ينظم هذه الوقائع ويفسرها، وحتى يفسرها يقوم بتنظيمها في شكل متتاليات، لا يولي لكل منها الأهمية نفسها. فالتاريخ شاء أم أبى يتعامل مع هذه الوقائع الماضية بحسب حاجاته الحالية، ويجمعها بطريقة ممنهجة، ثم يصنفها ويحللها. إن التاريخ يستنطق الموت انطلاقًا من الحياة"38. وهذا ما جعل فيفر يتناول التاريخ تناولً كليًّا بمختلف عوامله وجوانبه؛ نظرًا إلى تفاعل تلك العوامل وتداخلها؛ فأشار إلى ضرورة تحليل العوامل الاقتصادية والطبيعية والفكرية في بنية المجتمع، وعدم حصر جهود المؤرخ في الوثيقة، وهذا ما عبّر عنه في مجلة الميتافيزيقا والأخلاقبقوله: "التاريخ يُصنَع من الوثائق، هذا حق عندما توجد الوثائق، لكن لا بد من كتابة التاريخ حتى في حال انعدام الوثائق، فعلى المؤرخ أن يعمل أو أن يحاول العمل بأي شكل [...]، فكل ما هو من عمل الإنسان يرتكز إلى الإنسان، ويفيده، ويعبر عنه، ويشهد على وجوده وذوقه وظروف معيشته"39. قام لوسيان فيفر بدور مهم في توجيه البحث نحو تحليل المعطيات التاريخية المتصلة بحياة الإنسان؛ إذ تمكن من فرض تصور مدرسة الحوليات في كتابة التاريخ وتبلور منهجها وتوجهاتها40. فأسهم بذلك في نقل التاريخ من علم جامد إلى تاريخ إنساني يهتم بالذهنيات، وفي دمج الجغرافية بالتاريخ، وجعله منفتحًا على المعارف الإنسانية ومتضمنًا العواطف المعبرة عن التصورات والأحاسيس41. وفي هذا السياق، تندرج كتاباته في مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعيعن المواضيع الاجتماعية والمسائل الاقتصادية، انطلاقًا من وثائق خاصة تتعلق بدقائق النشاط الإنساني، وتتصل بحاجات الإنسان الضرورية والأولية وصراعه من أجل الحياة. وقد ترك فيفر العديد من المؤلفات والكتابات التي أكسبته مكانته الخاصة بين رواد مدرسة الحوليات42.

  1. Lucien Febvre, "Histoire et linguistique," Revue de synthèse historique , vol. 23 , no. 2 (1911), pp. 131 - 147.
  2. فِرُّو، ص 200.
  3. Lucien Febvre, Combats pour l'histoire (Paris: Armand Colin, 1953).
  4. Lucien Febvre, "Vers une autre histoire," Revue de métaphysique et de morale , vol. 54 , no. 3 - 4 (1949), p. 232.
  5. Aron.
  6. Benoît Le Roux, "Promenades chez Clio," in: Jacques Frémeaux & Bernard Valette (eds.), L'écriture de l'histoire (Paris: Ellipses, 1980), pp. 32 - 33.
  7. Febvre , " Histoire et linguistique , " pp. 119 sq. التاريخ وعلم اللغة  يُنظر: 42 مقاطعة فرانش كونتي، ثم صدرت بعنوان تاريخ فرانش كونتي. Lucien Febvre, La Franche-Comté (Paris: L. Cerf, 1905). Lucien Febvre, Histoire de la Franche-Comté (Paris: Boivin, 1912). فيليب الثاني ومقاطعة فرانش كونتي (وهي أطروحته التي نوقشت عام 1911 ونشرت عام 1912.) Lucien Febvre, Philippe II et la Franche-Comté (Paris: Champion, 1912). ملاحظات ووثائق عن حركة الإصلاح ومحاكم التفتيش بفرانش كونتي. Lucien Febvre, Notes et documents sur la Réforme et l'Inquisition en Franche-Comté, extrauts des archives du parlement de Dole (Paris: Champion, 1912). Lucien Febvre , Un destin: Martin Luther (Paris: Rieder , 1928) مصير: مارتن لوثر مسألة عدم الإيمان (الكفر) في القرن السادس عشر: عقيدة رابليه. Lucien Febvre, Le problème de l'incoryance au XVIè siècle: la religion de Rabelais (Paris: Albin Michel, 1942).. Lucien Febvre , Origène et Des Périers ou l ' énigme du Cymbalum Mundi (Paris: Droz , 1942) أوريجين ودي بيرييه أو لغز سيمبالوم موندي. Lucien Febvre , Recuil d ' articles (Paris: Arman Colin , 1953) مجموعة مقالات. Febvre , combats pour l ' histoire معارك من أجل التاريخ. Lucien Febvre , Pour une histoire à part entière (Paris: S. E. V. P. E. N. , 1962) من أجل تاريخ متكامل. Lucien Febvre , " Histoire et dialectologie , " Revue de Synthèse historique , vol. 12 , no. 3 (Juin 1906) , pp.  245 - 261 التاريخ وعلم اللهجات

3. مؤرخون آخرون من الجيل الأول (1945-1929)

إضافة إلى مارك بلوك ولوسيان فيفر، عرف زمن الآباء المؤسسين عددًا من المؤرخين، منهم من مهّد لظهور مدرسة الحوليات في مطلع القرن العشرين، ومنهم من ارتبط نشاطه العلمي بمجلة الحوليات منذ نشأتها عام 1929، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1945). وقد أبدى مؤرخو هذا الجيل اهتمامًا خاصًّا بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والذهنيات الجماعية Mentalités، بتأثير من مؤسسَي مجلة الحولياتلوسيان فيفر ومارك بلوك.

أ. جورج لوفيفر (1959-1874)

وُلد جورج لوفيفر43Lefebvre Georges في مدينة ليل بفرنسا عام 1874، وتوفي ببولون Boulogne (فرنسا) عام 1959. نشأ في وسط اشتراكي عمالي. درس بمدرسة المعلمين وجامعة ليل، وحصل على شهادة التبريز في التاريخ (1899)، واشتغل مدرسًا في التعليم الثانوي، ومال إلى دراسة الاقتصاد واللغات. وبعد أن أنجز أطروحته حول "الفلاحين في الشمال خلال الثورة الفرنسية" " Révolution la pendant nord du paysans Les française "، التحق جورج لوفيفر، بتشجيع من مارك بلوك ولوسيان فيفر، بجامعة ستراسبورغ عام 1927. ثم انتقل إلى السوربون عام 1935، وظل فيها حتى تقاعده عام 1945، وقد تعاون مع بلوك في مجلة الحوليات. كان لوفيفر يؤمن بالاشتراكية، كما كان يمجّد الثورة الفرنسية، فاهتم بالتاريخ الاجتماعي للثورة الفرنسية، وتأثر في تحليله الإحصائي بكارل ماركس، وخلص إلى وجود حركة فلاحية ثورية داخل الثورة الفرنسية. كما حاول صياغة نموذج المعرفة التاريخية اعتمادًا على معالجة الوثائق والتاريخ الكمي والنوعي القائم على فرق البحث، وضمن هذا المسعى لتطوير البحث التاريخي عمل على إنشاء معهد تاريخ الثورة الفرنسية française Révolution la de histoire ' d Institut عام 1937، وقد ظل يشرف عليه حتى بعد تقاعده. من مؤلفاته: الثورة الفرنسية (ج 1، 1951؛ ج 2، 1957) Révolution La Française، و الجماهير الثورية foules Les révolutionnaires (1934)، والخوف الكبير عام 1789) 1932 (1789 de peur grande La.

ب. هنري بير (1954-1863)

كان لهنري بير Berr Henri إسهام في معالجة مفهوم التاريخ وتحديد ماهيته في كتاباته في مجلة التركيب التاريخي historique synthèse de Revue بداية من عام 1900. ورأى أن الفهم الصحيح للتاريخ يقتضي تواصل التاريخ مع العلوم المساعدة له أو

  1. Alice Gérard, "Georges Lefebvre," in: Amalvi, pp. 185 - 186.

القريبة من موضوعه، مثل علم الاجتماع والجغرافية. ورأى أن التاريخ يقوم على عمليتي التحليل Analyse والتركيب Synthèse، كما أوضح ذلك في كتابه التركيب التاريخي وعلاقته مع التركيب العام44. كان له اهتمام بتطور فلسفة التاريخ التي هي مثار نقاش لدى المؤرخين والفلاسفة، فيما كتبه في سلسلة "تطور البشرية" évolution ' L humanité ' l de، وهي سلسلة من المحاضرات أُدرجت في المدونة الإنكليزية "تاريخ الحضارة " Civilisation of History The.

ج. فرانسوا سيميان (1935-1873)

اهتم فرانسوا سيميان Simiand François بالجانب الاقتصادي والاجتماعي من التاريخ، فوضع المبادئ الأساسية المنطقية التي تسمح بتحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية تحليلً علميًّا يتعلق بمردود الأجرة والتطور الاجتماعي والنقد. وقد كتب سيميان في المنهج التاريخي: منهجية التاريخ المطبقة على العلوم الاجتماعية sociales sciences aux appliquée historique méthode La عام 1903، داعيًا المؤرخين لتجاوز الحادثة المعزولة وتناول الظواهر المنتظمة والعلاقات الثابتة التي تسمح باستنباط قوانين علمية ومنظومات سياسية45، كما انتقد في منشور السنة الاجتماعية sociologique année ' L مفهوم الحتمية لدى كبار الجغرافيين.

د. غابريال مونو (1912-1844)

أسس غابريال مونو Monod Gabriel مع غوستاف فانييز Fagniez Gustave (1842 - 1927) المجلة التاريخية historique Revue (1876)، وحدد توجهاتها وأهدافها في المنشور التأسيسي للمجلة المعروف بالبيان Manifeste، ودعا فيه إلى التزام الحياد تجاه السياسات والنظريات الفلسفية46، وأدرك بحسّه التاريخي روح العصر وتوجهاته، فكتب في العدد الأول من المجلة التاريخية (1876): "إن الأحداث التي فرقت الوحدة الوطنية التي بنيت ببطء عبر القرون، توجب أن نُحيي داخل روح الأمة وعيها بذاتها من خلال الوعي العميق بتاريخها"47. حذّر مونو من تعميم الأحكام قبل الإحاطة بالموضوع، ومن تأثير المذاهب الفلسفية في الحقائق التاريخية. ورأى أن أكبر خطأ يرتكبه المؤرخ هو التعميم المتسرع والمسلمات الأيديولوجية والأبحاث الاستطلاعية من دون إعمال الفكر؛ فعلى المؤرخ، بحسب متطلبات المنهجية، أن يتحرى، ويتمهل، ويتدرج من التفاصيل إلى العموميات، وأن يجلو الغموض لتقديم صورة أو لوحة تامة، مؤكدًا أن البحث العلمي في مجال التاريخ يجب أن يعتمد على تقنيات دقيقة، ويقوم على جمع المصادر ونقدها وتنظيم خطوات البحث48. وقد). 1872 (Etudes critiques sur les sources de l ' histoire mérovingienne ف مونو بدراساته النقدية لمصادر تاريخ الميروفانجيين عُرِ

ه. كامي جوليان (1933-1859)

وُلِد كامي جوليان Jullian Camille بمرسيليا، ودرس بمدرسة المعلمين، وتابع دروس فيدال دو لابلاش وفوستال دو كولانج، ودرس ببوردو، ثم اشتغل أستاذًا بالكوليج دو فرانس (1908 - 1926). وتخصص في التاريخ القديم، واهتم بتاريخ فرنسا خاصة.

  1. Henri Berr, La Synthèse en histoire: Son rapport avec la synthèse générale (Paris: Albin Michel, 1953 [1911]), p. 146.
  2. دوس، ص 94.
  3. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس- مناهج، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 166.
  4. دوس، ص 63؛ Gabriel Monod, "Du progrès des études  historiques  en France depuis le XVIè siècle," Revue historique , no. 1 (Janvier-Mars 1876), p. 38.
  5. كوثراني، تاريخ التأريخ، ص 166.

عبارة عن هيكل عظمي49.

(1915)، و من غاليا إلى فرنسا: جذورنا التاريخية historiques origines Nos. France la à Gaule la De (1922).

و. بول مانتو (1956-1877)

). 1906 (La révolution industrielle au XVIIIè siècle

ز. بيار لاكومب (1919-1834)

وعالج فيه التاريخ من خلال منظور اجتماعي وقوانين منظمة.

ح. وليام لانجر (1977-1896)

(1890 - 1902) (1935)، تتبع فيه أسباب الحرب الاقتصادية في تصرف الدول الكبرى.

ط. جيمس هارفي روبنسون (1936-1863)

للعلوم الاجتماعية في دراسة التاريخ، وتوجيه البحث نحو أعمال الحاضر.

ي. لويس بيرنشتاين نامير (1960-1888)

العرش III George of Accession the at Politics of Structure The (1930)، بيّن فيه بنية الطبقية.

وكان ذا توجه وطني، وأ ولْى الجوانب الاجتماعية أهمية، فكان يرى أنه من دون أن نتصور كيف كان الناس يعيشون، يصبح التاريخ

من مؤلفات جوليان: تاريخ مدينة بوردو حتى عام 1895 1895 en ' jusqu origines les depuis Bordeaux de Histoire، وتاريخ بلاد الغال Gaule la de Histoire (1908 - 1921)، و نهر الراين الغالي والفرنسي français Rhin Le: gaulois Rhin Le

كتب بول مانتو Mantoux Paul في مجلة التركيب التاريخي (1908)، ورأى أن مهمة التاريخ هي إحياء الماضي، وأن كل ما هو خاص وفردي، وكل ما يحدث مرة واحدة، هو من اختصاص التاريخ50، من مؤلفاته: الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر

بيار لاكومب Lacombe Pierre مؤرخ فرنسي، ألّف كتاب التاريخ بوصفه علمًا science considérée histoire ' l De (1894)،

وليام لانجر Langer William مؤرخ أميركي، له كتاب دبلوماسية الإمبريالية (1890 - 1902) Imperialism of Diplomacy The

جيمس هارفي روبنسون Robinson Harvey James مؤرخ أميركي، له كتاب تاريخ جديد: أبحاث حول النظرة التاريخية

الجديدة Outlook Historical Modern the Illustrating Essays: History New The (1912)، دعا فيه إلى استخدام أوسع

لويس بيرنشتاين نامير Namier Bernstein Lewis مؤرخ إنكليزي، له كتاب بنية السياسة عند صعود جورج الثالث على

  1. Le Roux, p. 32.
  2. دوس، ص 50.

المراجع

العربية

باراكلو، جفري. الاتجاهات العامة في الأبحاث التاريخية. ترجمة صالح العلي.بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984.

دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.

سعيدوني، ناصر الدين. "المدرسة التاريخية الوضعية الأوربية في القرن التاسع عشر". عالم الفكر. العدد 176  (تشرين الأول/ أكتوبر- كانون الأول / ديسمبر 2018).

فِرُّو، قيس ماضي. المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية.الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.

كوثراني، وجيه. الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2000.

_______ تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس- مناهج. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013.

لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007.

هورس، جوزف. قيمة التاريخ (دراسة فلسفية).ترجمة نسيب وهيبة الخازن. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1964.

الأجنبية

• Amalvi, Christian (dir.). Dictionnaire biographique des historiens français et francophones, de Grégoire de

• Baulic, Henri. "Entre-nous: Marc Bloch." Information géographique. vol. 11 , no. 1 (Janvier-Fevrier 1947).

• Berr, Henri. La Synthèse en histoire. Son rapport avec la synthèse Générale. Paris: Albin Michel, 1953 [1911].

• Burguière, André. "Histoire d'une histoire: La naissance des Annales." Annales. Économies, Sociétés, Civilisations.

References

Tours à Georges Duby. Paris: La Boutique de l'Histoire, 2004.

• Aron, Raymond. Introduction à la philosophie de l'histoire. Paris: Gallimard, 1938.

• Bloch, Marc. Apologie pour l'histoire ou métier d'historien. Paris: Armand Colin, 1949.

• _______. L'étrange défaite: Témoignage écrit en 1940. Paris: Société des Éditions Franc-Tireur, 1946.

• _______. La société féodale. La formation des liens de dépendance. 2 ème éd. Paris: Albin Michel, 1949.

• _______. Les caractères originaux de l'histoire rurale française. Paris: Armand Colin, 1952.

• _______. Les caratères originaux de l'histoire rurale française. vol. 1. Paris: Armand Colin, 1960.

• _______. Écrits sur l'histoire. Paris: Flammarion, 1969.

vol. 34 , no. 6 (1979).

• Deyon, Pierre, Jean-Claude Richez & Léon Strauss (dir.). L'historien et la cité: Actes du Colloque Marc Bloch

(18-19 Novembre 1994). Strasbourg: Presses universitaires de Strasbourg, 1997.

• Ehrard, Jean & Guy Palmade. L'Histoire. Collection U. Paris: Armand Colin, 1965.

• Encyclopédie Universalis. vol. 25. 7 ème éd. Paris: Encyclopaedia Universalis France, 2012.

• Febvre, Lucien. "Histoire et dialectologie." Revue de Synthèse historique. vol. 12 , no. 3 (Juin 1906).

• _______. "Histoire et linguistique." Revue de synthèse historique. vol. 23 , no. 2 (1911).

• _______. "Vers une autre histoire." Revue de métaphysique et de morale. vol. 54 , no. 3-4 (1949).

• _______. Combats pour l'histoire. Paris: Armand Colin, 1953.

• Fink, Carole. Marc Bloch: A Life in History. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.

• Frémeaux, Jacques & Bernard Valette (eds.). L'écriture de l'histoire. Paris: Ellipses, 1980.

• Le Monde en devenir (Histoire, évolution, prospective). Encyclopédie française - Tome XX. Paris: Société

nouvelle de l'Encyclopédie française, 1959.

• Monod, Gabriel. "Du progrès des études historiques en France depuis le XVIè siècle." Revue historique. no. 1

(Janvier-Mars 1876).

• Perrin, Charles-Edmond. "L'œuvre historique de Marc Bloch." Revue historique. vol. 199 , no. 2 (1948).

• Stengers, Jean. "Marc Bloch et l'histoire." Annales. Economies, sociétés, civilisations. vol. 8 , no. 3 (1953).