سوق العبيد: تجارة الرق في مغرب القرن التاسع عشر
Nineteenth Century Slave Markets: The Moroccan Slave Trade
الملخّص
تتناول هذه الدراسة تجارة العبيد السود المجلوبين من السودان الغربي إلى المغرب في القرن التاسع عشر من خلال بعض الإحصائيات الواردة في مصادر ودراسات سابقة. ونعرض مشكل المقاربة الكمية لظاهرة تجارة العبيد وما تطرحه من أسئلة منهجية. ونتوقف أيضًا عند طرائق البيع في أسواق العبيد بالمدن المغربية وتنظيمها الداخلي وآليات اشتغالها بوصفها مؤسسة تعكس واقع العبيد ومكانتهم، وتَمَثُّل فئة من المغاربة لهم. ونركز على تجارة العبيد وليس العبودية، فتجارة العبيد ليست هي العبودية؛ إذ شهدت جل المجتمعات العبودية، ولكن لم تمارس كلها تجارة العبيد التي تم حظرها، بينما بقيت العبودية سائدة بعدها. لذلك، لن يفوتنا أن نعرج على المواقف المناهضة لتجارة العبيد في المغرب، ومنها ما عبّر عنه علماء مغاربة، من دون أن يعني ذلك نهاية تجارة العبيد، التي اختفت تدريجيًا على إثر التحولات التي عرفها المجتمع المغربي في النصف الأول من القرن العشرين.
Abstract
This paper discusses commerce in Black African slave who were imported from western Sudan to Morocco in the 19 th century. Based on statistics gleaned from previous studies we examine problematics of quantitative approaches to the slave trade phenomenon and arising methodological questions. We also investigate transactional methods in slave markets of Moroccan cities, along with the internal organization and operational mechanisms of these markets, as institutions reflecting the realities and status of slaves, as manifested among Moroccan social groups. Our focus is on the slave trade, not on the varied forms of bondage, servitude and serfdom that "slavery" may gloss. Most societies knew slavery in the above catch-all sense, but not all were party to the slave trade, which generally became outlawed while slavery as such persisted, and persists. We review positions expressed by Moroccan scholars against the slave trade (without their bringing an end to the trade) are reviewed prior to transformations in Moroccan society during the first half of the twentieth century, and the practical disappearance of the phenomenon.
- تجارة الرق
- المغرب
- تاريخ العبودية
- Morocco
- Slave Trade
- Slavery
مقدمة
تفتقر البلاد العربية إلى التراكم العلمي عن الرق والرقيق وتجارة العبيد1 باللغة العربية، مقارنة بالعدد الكبير من المقالات والكتب المنشورة عن العبودية في العالم الإسلامي باللغات الأجنبية. ويبين جرد بيبليوغرافي سريع للدراسات، التي عنيت بالعبودية وتجارة العبيد في العالم العربي الإسلامي، شح كتابات الباحثين المنتمين إلى الثقافة العربية والإسلامية. كما أن الحديث عن تجارة العبيد والعبودية في مجتمعنا يظل مشوبًا بالحذر ويخضع للرقابة الذاتية والرغبة في النسيان، وأحيانًا يكون مقرونًا بمشاعر من تأنيب الضمير من ماضٍ مخجل. نؤكد، في البداية، أن تجارة العبيد ليست هي العبودية؛ إذ إن العبودية عرفتها جل المجتمعات، ولكن لم تمارس كلها تجارة العبيد. ويمكن فهم الفرق بين الإثنين بوضوح في مسألة منع العبودية. فجُل الدول الأوروبية منعت تجارة العبيد مع بداية القرن التاسع عشر، ولكن لم تمنع العبودية إلا عقودًا بعد ذلك2. منذ بداية العلاقات التجارية عبر قوافل الصحراء بين المغرب وبلاد السودان الغربي في العصر الوسيط، كان العبيد من ضمن "السلع" التي تجلبها القوافل في مجتمعٍ كانت فيه العبودية مؤسسة اجتماعية قائمة3. واستمرت تجارة العبيد في المغرب من دون انقطاع بين ضفتي الصحراء من القرون الوسطى حتى أواخر القرن التاسع عشر. وابتداءً من ثلاثينيات ذلك القرن وأربعينياته، شهدت التجارة بين ضفتي الصحراء تطورًا لصالح المغرب، إلى حدّ أن الباحث الأميركي جون رايت وصفه بأنه "آخر أكبر أسواق العبيد"4. وانهارت التجارة مع السودان الغربي في البلدان التي منع فيها الرق في الجزائر5 وبعدها تونس6 وليبيا7 منذ أواسط القرن التاسع عشر، وبقي المغرب وحده السوق المفتوحة لهذه التجارة إلى حدود بداية القرن العشرين، مع العلم أن العبيد الذين كانوا يُجلبون إلى المغرب عبر التاريخ كان عددهم قليلً، مقارنةً بالعدد الذي كان يجلب على الواجهة الأفريقية الشرقية مع ليبيا ومصر، اللتين كانتا منطقة عبور يجري من خلالها تزويد أسواق الشرق الأوسط وتركيا وأوروبا، بينما يبقى العبيد الذين يجلبون إلى المغرب في غالب الأحيان في المغرب نفسه. وكان ميناء طرابلس واجهة رئيسة تنطلق منها السفن محمّلة بالعبيد إلى دول البحر الأبيض المتوسط، وخاصة المشرق. أما مصر فكان طريقها البري قنطرة رئيسة لتزويد الحجاز والخليج وبلاد الرافدين بالعبيد، من دون أن ننسى منطقة البحر الأحمر التي كانت تعرف رواجًا كبيرًا لتجارة الرقيق القادمين من الساحل الأفريقي وزنجبار نحو موانئ اليمن وإلى الهند. وكان
لسلطنة مسقط دور رئيس في هذه التجارة، ولسلطانها نفوذ في أراضي منطقة شرق أفريقيا يجلب عبره العبيد. انخفض عدد العبيد الذين كانوا أيضًا يُجلبون من زنجبار بعد أن تبنّى سلطان مسقط مبدأ إلغاء تجارة العبيد8، بضغوط من بريطانيا، في أواسط القرن التاسع عشر.
أولً: جدل الإحصائيات
شهد القرن التاسع عشر جلب عدد كبير من العبيد إلى المغرب عن طريق التجارة، إلى درجة أن القنصل الفرنسي في الصويرة حينئذ اعتبر العبيد أهم "سلعة" في النشاط التجاري بين المغرب وبلاد السودان في هذا القرن. فالسلع القادمة من السودان، كما كتب: "تتضمن أساسًا الصمغ وريش النعام والذهب تبرًا وحليًّا، خاصة الأساور الصغيرة وأنياب الفيل التي أصبحت نادرة، ولم تعد القوافل في المغرب تحمل منها سوى كمية قليلة تكاد لا تكفي لصناعة البلد، ولكن الأهم من كل هذه الواردات التي تأتي بها القوافل هي تلك المتعلقة بالعبيد السود الذين يمثّلون دائمًا نصف قيمة السلع المجلوبة من السودان. وأضيف في هذا الصدد أن أهم سبب لتراجع قوافل السودان من الجزائر هو منع هذه التجارة اللعينة، الذي أعطى اليوم لهذا البلد، الذي يحظى بتنافسية السلع المصنعة الإنكليزية، تفوّقًا لا جدال فيه في تجارة أفريقيا الوسطى"9. وعلى الرغم من التشجيع والتسهيلات التي قدمتها الحكومة الفرنسية للتجار الجزائريين لإعادة إحياء التبادل التجاري مع بلاد السودان، فإن هذه التجارة لم تعد إلى سابق نشاطها بسبب منع تجارة العبيد10. ساعد هذا الوضع الجديد على انتعاش محاور التجارة الغربية بين المغرب وبلاد السودان التي كانت تنشط منذ العصور الوسطى، والتي كان التجار عن طريقها يجلبون العبيد الذين يباعون في أسواق المغرب. كان عدد هؤلاء العبيد المجلوبين عبر القوافل التجارية من بلاد السودان يختلف من سنة إلى أخرى، ولكن لا تمكّننا مصادر ما قبل القرن التاسع عشر من رصدٍ كمّي، ولو نسبي لهذه التجارة. يعدّ الباحث الأميركي رالف أوستن من بين الأوائل الذين استخدموا المنهج الكمّي في تجارة العبيد عبر الصحراء بشكل عام، فقد نشر دراسته الأولى سنة 197911 وتلتها بعد ذلك مراجعات في مقالتين نشرتا تباعًا، سنة 198812 وسنة 199213، وبعدها خصص كتابًا14، تناول فيه التجارة العابرة للصحراء في التاريخ العالمي، وهو توجه منهجي في حقل الدراسات التاريخية ظهر في أميركا15. طرح سؤال الإحصائيات في البداية بالنسبة إلى تجارة العبيد الأطلسية الأوروبية، وعرف أوجَه بعد صدور كتاب فيليب كورتان16.
لقد أبعد التاريخ الكمي تجارة العبيد الأطلسية عن التخمينات، علمًا أنّ ما تقدّمه هذه الإحصائيات المتعلقة بتجارة العبيد الأطلسية غير كافٍ ولا يمثل سوى "تقديرات دنيا "17. وعلى الرغم من تأثّر أوستن بعمل كورتان بخصوص تجارة العبيد الأطلسية، فإنه كان واعيًا بمحدودية منهجه فيما يتعلق بعدد العبيد الذين جلبوا عن طريق تجارة العبيد في العالم الإسلامي. فهو يعترف بصعوبة تقديم إحصائيات دقيقة: "على العكس من تجارة الرقيق الأوروبية الأطلسية، لا تتوافر للباحثين إحصاءات دقيقة جدًّا لمختلف أنظمة الاسترقاق الإسلامية في أفريقيا"18. لن نزعم أننا سنخوض في هذه الدراسة مغامرة الإحصائيات في تكميم تجارة العبيد في المغرب لقناعتنا المنهجية المعرفية أنه من الصعب تدقيق المعطيات والإحصائيات المتعلقة بتجارة العبيد عمومًا؛ إذ لم يكن المغاربة يحتفظون بسجلات المبيعات ولم تكن هناك شركات قائمة بدفاتر الحسابات كما هو حال الأوروبيين في تجارة الرقيق الأطلسية. وكل ما تقدمه الإحصائيات الواردة في بعض الدراسات هو تخمينات، ويتعين إثبات صحة الأرقام المتعلقة بتجارة العبيد في التجارة العابرة للصحراء. اقتصر أوستن على عدد قليل من الأرقام الواردة في الوثائق الأوروبية، لا سيما تلك التي تركها التجار والدبلوماسيون والرحالة، واستقى البعضَ الآخر من دراسات عن تجارة العبيد. لا يمكن مقارنة الدراسات الكمية حول عدد العبيد في التجارة العابرة للصحراء بتلك التي تم إجراؤها بشأن تجارة الرقيق الأطلسية، لأن الوثائق والأرشيفات المتعلقة بها متاحة بكمية كبيرة. إضافة إلى السؤال المشروع حول مدى صحة الإحصائيات الواردة في دراسة أوستن وغيره، كيف يمكن أن يصف المرءُ مأساة شخصية أو عائلية أو اجتماعية عبر أرقام؟ وهل يمكن أن تترجم الأرقام مثل هذه المأساة الإنسانية؟ تطرح مشكلة المنهج الكمي مشاكل منهجية وأخطاء وثغراتٍ عديدة. ومن الباحثين من يرى أنها من دون جدوى: "منذ مدة، تثير مسألة العدد ولع المؤرخين، ولكن يبدو لنا أنها من دون فائدة في حد ذاتها وتافهة [...] في النهاية، ماذا سيفيد الباحثين إنْ كان تم نقل 5 أو 10 أو 15 مليون كائن" إذا لم يكن على معرفة ب "ساكنة أفريقيا والوتيرة السنوية للتجارة، والإثنيات المعنية، وديموغرافية هذه الإثنيات"؟ في ظل غياب كل هذه المعطيات، يتحول عمله إلى مجرد "عنوان جميل لجريدة تبحث عن الإثارة"19. إنّ الإحصائيات التي تقدّم بشأن عدد العبيد الذين جلبوا من بلاد السودان إلى شمال أفريقيا هي موضع نقاش شأنها شأن الإحصائيات عن مجمل ما جلب من أفريقيا جنوب الصحراء من العبيد إلى العالم العربي والإسلامي. وإذا قارنَّا بين الإحصائيات التي قدّمت مثلً بالنسبة إلى القرن التاسع عشر فقط، الخاصة بالعبيد الذين جلبوا من غرب أفريقيا إلى المغرب، فستترسخ قناعتنا بخصوص نسبية تلك الأرقام. وعلى الرغم من تضارب الأرقام بخصوص إحصائيات العبيد المجلوبين سنويًا للمغرب، فإنها تعطينا فكرة تقريبية لعدد العبيد الذي بيع في الأسواق المغربية في القرن التاسع عشر. صادف توافر هذه المعلومات ازدهار التجارة العابرة للصحراء في هذه الفترة، مقارنة بما سبق، وزيادة توافد التجار الغربيين على المدن الساحلية بعد انفتاح المغرب على التجارة الدولية واهتمام الدول الأوروبية وقنصلياتها ورحّالتها وجواسيسها بما يجري في المغرب وبالتجارة الصحراوية، ريش النعام والعلك (الصمغ) والعبيد. كان لتأسيس الجمعيات المناهضة للعبودية في بريطانيا أيضًا دورٌ في توافر معلومات عن العبيد بتركيزها في حملتها الدولية على المغرب، ابتداءً من
أربعينيات القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين مع الاحتلال الفرنسي، مع ما ترتب على ذلك من توافر التقارير التي كان يعدّها أنصارها ومبعوثوها ورسائل قنصلياتها بالمغرب مع السلطان عن موضوع العبودية؛ ما مكّن الباحثين من مادة أرشيفية ومصدرية تتضمن إحصائيات وتقارير كمية أول مرة20. لم تكن تجارة العبيد موجهة إلى أوروبا، فقد كانت سجلات القنصليات والشركات والتجار في موانئ المغرب تشتمل على لائحة السلع وقيمة المبادلات والنشاطات التجارية في الموانئ، ولم يكن العبيد ضمن تلك الإحصائيات؛ أولً، لأن فترة القرن التاسع عشر صادفت حظر تجارة العبيد في البلدان الأوروبية، وثانيًا، حتى قبل منعها، لم يكن المغرب واجهة لتجارة العبيد السود مع الأوروبيين. كانت تجارة العبيد مُوجَّهة إلى المغاربة والأسواق في المدن الداخلية التي لم يكن الأوروبيون يصلون إليها، ومن ثمة فإنّ أعداد العبيد والأثمان المضمنة في السجلات هي أعداد تقريبية لا تستند إلى معطيات دقيقة21. كان جون لوي مييج حذرًا، وهو يقدم إحصائيات عن تجارة العبيد: "إذا كان هناك من منتوج من الصعب تحديد أهميته في التجارة الصحراوية فهو تجارة العبيد السود"22. لقد أكد أكثر من باحث على مشكل الإحصائيات المتوافرة عن العبيد في المغرب مقارنة بمناطق أخرى بما فيها شمال أفريقيا، وأقر جون رايت23، هو الآخر، بأن إحصاءات تجارة الرقيق المغربية في القرن التاسع عشر قليلة ومتفرقة وغير دقيقة. لا يوجد ما يمكن مقارنته بالتقارير التجارية الإحصائية السنوية التي قام بتجميعها، في الموانئ والواحات في ليبيا، المسؤولون القنصليون البريطانيون في أربعينيات القرن التاسع عشر وخمسينياته. ما يوجد في المغرب، كما يواصل رايت، هو ما وفره القناصل والرحالة الأجانب، الذين قدّموا في أحسن الأحوال تخمينات عن حجم التجارة المغربية في أوقات وأماكن مختلفة24. والأرقام المتوافرة غير دقيقة، وهي تتسم إما بالمبالغة في أعداد العبيد في أسواق النخاسة في المغرب، وإما بالتقليل من شأنها. وكما يقول دنييل شروتر: "أنا أزعم أن المؤرخين قد قللوا من تقدير عدد العبيد الذين يتم تداولهم من ناحية، وبالغوا في القيمة الإجمالية للتجارة من ناحية أخرى. كانت تجارة العبيد في القرن التاسع عشر مؤسسة اجتماعية مهمة وليست مؤسسة اقتصادية ذات شأن كبير"25. بمعنى آخر، إن تجارة العبيد لم تكن تجارة مربحة مثل ريش النعام الذي كان يطلبه التجار الأوروبيون قبل أن تتدهور تجارته في القرن التاسع عشر26. كان العبيد المستجلبون خدمًا في البيوت، ولم يكونوا يدًا عاملة فاعلة في الفلاحة والأعمال الحرفية بالمغرب، عدا المجال الواحي أو في خدمة الأراضي الفلاحية لدى القُوّاد الكبار ومشايخ الزوايا27. ومن ثمّ، كان من الصعب جدًّا تتبّع عددهم كما لا يمكن ضبط الأرقام عن أعداد العبيد الذين تجلبهم القوافل سنويًا في القرن التاسع عشر، فعدد القوافل الكبرى التي تنطلق من كلميم جنوب المغرب مثلً، كان مرتين في السنة في اتجاه تنبكت (مالي حاليًّا)،، ولكن لم تكن كلميم وحدها منطلق القوافل ومقصدها، لا نعرف تحديدًا
كم قافلة كانت تنطلق من تندوف وإيليغ وأقا ومن باقي المناطق، كما أنه إلى جانب القوافل الكبيرة كان البعض يخوض مغامرة السفر في الصحراء في قوافل صغيرة. وطوال القرن التاسع عشر، تباينت وتيرة تنظيم القوافل وكمية السلع التي تستورد من بلاد السودان بحسب الظروف الأمنية في الصحراء وأحوال السودان التي كانت تعرف حركات مقاومة، مع ما صاحبها من توترات وفوضى وانعدام أمنٍ. لذلك، تكفي نظرة عامة على الإحصائيات التي وردت في مختلف المراجع كي نكتشف التباين في الأرقام. ففي نهاية القرن الثامن عشر، يشير ميشيل أبيتبول إلى ما بين 3000 و 4000 عبد تم جلبهم إلى المغرب من بلاد السودان، وهو عدد منخفض مقارنة بما كان يصل إلى المغرب قبل وفاة السلطان مولاي إسماعيل (1645 - 1727)28. اعتمد أبيتبول في جزء من معلوماته على وليام لومبيير في رحلته إلى المغرب، الذي قدّم رقم 4000 عبد يخرج من تنبكت في إطار التجارة مع بلاد السودان، وهذا العدد لم تكن وجهته الوحيدة هي المغرب: "عدد العبيد المجلوبين سنويًا من تنبكت حوالى 4000، نسبة كبيرة منهم تذهب إلى مسكرة في الجزائر وتونس. لا يقتني المشترون العبيد الخصيان إلا إذا كان لديهم طلب خاص للسلطان أو بعض الأمراء الأفارقة، يجلب الخصيان في العادة من مملكة بامبارا. إبان حكم السلطان العلوي مولاي إسماعيل كانت التقديرات تصل إلى سبعمئة في المغرب، اليوم يكاد لا يوجد مئة "29. وإذا كان جون لوي مييج يعتبر أن عدد العبيد، الذين شكلوا دومًا أهم سلع القوافل لا يتجاوزون، بحسب تقديرات المعاصرين، 7000 إلى 8000 فرد في السنة"30، فإنه لا يحدد الفترة المعنية بهذه التقديرات. وصلت تجارة القرن التاسع عشر إلى أوجها في المدة 1840 - 1850، نتيجة تدفق عدد كبير من العبيد، حيث تم استيراد ما بين 3500 و 4000 عبد سنويًا إلى المغرب، وعرف هذا العدد تراجعًا ابتداء من سنة 185531. وفي هذه الفترة يزعم مييج أن العدد بدأ في التراجع، وهو ما يؤكده أوغست بومير، القنصل الفرنسي في الصويرة (1865 - 1876)، فيما بين 3000 و 4000 عبد في السنة في المدة 1865 - 187032. وفي عام 1876، قدر القنصل البريطاني سير جون دراموند هاي متوسط عدد العبيد الذي يجلب إلى جميع الأسواق والبلدات ب 2000 عبد، على الرغم من أنه قد يصل إلى 3000 عبد في بعض الأحيان33. قضى دراموند هاي في المغرب 41 سنة (1844 - 1885)، وكان مطّلعًا على أحوال المغرب، وانخرط في حملة منع العبودية في المغرب بتعليمات من حكومته. ويبدو العدد الذي يقدّمه محدودًا، ولكن بالنسبة إلى ساكنة تقدّر في أواسط القرن التاسع عشر ب 7 ملايين نسمة34، فإنها نسبة من العنصر البشري ليست قليلة، دخلت المغرب عن طريق التجارة، علمًا أنّ أغلبية هؤلاء العبيد تبقى في المغرب، على عكس الذين كانوا يجلبون إلى ليبيا ويغادرونها إلى وجهات أخرى عبر مصر والبحر.
وفي نهاية القرن التاسع عشر تقريبًا، تقلّص عدد العبيد المجلوبين من بلاد السودان بعد احتلال تنبكت سنة 1893 وتدهور الأوضاع الأمنية في جنوب المغرب. نخلص إلى أن العدد، على الرغم من الاختلاف بين المصادر بخصوص عدد العبيد المجلوبين سنويًا من بلاد السودان نحو الأسواق المغربية في القرن التاسع عشر، كان يراوح بين 2000 و 4000 نسمة في السنة، وأن منتصف القرن التاسع عشر شكّل فترة وصول أكبر عدد من العبيد السود إلى المغرب. وفيما يلي حصيلة ما قدّمه جون رايت من الإحصائيات المرتبطة بالعبيد السود المجلوبين إلى المغرب35: جدول بتقديرات واردات العبيد السود إلى المغرب (متوسط الأعداد السنوي)
| 3000 | 1840 - 1700 |
|---|---|
| 4000 | 1870 - 1840 |
| 2500 | 1890 - 1870 |
| 500 | 1890 |
المصدر: John Wright, The Trans-Saharan Slave Trade (London/ New York: Routledge, 2007), p. 139.
يعتبر خالد بن الصغير ومحمد الناجي36 أن تجارة العبيد ظلت نشطة جدًّا حتى نهاية القرن التاسع عشر، واعتمد الباحثان على وثائق الضرائب التي كانت تُفرض على الأسواق الحضرية، بما فيها أسواق العبيد التي كانت تحصل منها الدولة على نسبة مئوية من ثمن كل عبد بيع في السوق. إذا كانت أعداد العبيد الذين بيعوا في أسواق المدن الشمالية في انخفاض (فاس، ومكناس، والرباط، وسلا)، فإن سوق مراكش في الجنوب بقيت نشطة، وبقيت ترد إليها من الصحراء أعداد مهمة من العبيد مقارنة بأسواق الشمال، وبقي تجار المدن الأخرى يتزودون منها بما يحتاجون إليه من العبيد. في المدة 1876 - 1880، كان أدنى مبيعات العبيد في مراكش يصل إلى 2000 عبد، ولكن في الثمانينيات عرف هذا العدد ارتفاعًا، وصل أوجه سنتَي 1889 و 1890 ليعرف بعد ذلك تراجعًا في أواخر عهد السلطان الحسن الأول. وقدّر الباحثان عدد العبيد الذين بيعوا في المدة 1890 - 1894 بنحو 7000 حتى 8000 عبد في السنة37. لا تختلف هذه المعلومات عن تقديرات شروتر المتمثّلة في أن من سنة 1870 حتى سنة 1894 بيع ما بين 400 و 7000 عبد38. وقد استفادت تجارة العبيد في المغرب من أوضاع جيرانها في المغارب الذين غدوا في ظل مستعمرات فرنسية، منعت بها رسميًا تجارة العبيد. حينها أصبح المغرب مزودًا للجزائر بما يحتاج إليه بعض أعيانها من عبيد. ففي سنة 1818 مثلً، حملت باخرة من طنجة ما بين 50 و 60 عبدًا، اشتراهم في المغرب حاكم الجزائر39.
وقد كتب أحد ناشطي الجمعية البريطانية المناهضة للعبودية40 في سنة 1891، المهندس والتاجر دونالد ماكينزي، أن تجارة الرقيق في المغرب مزدهرة أكثر من أي وقت مضى. وتجري عمليات البيع في المدن الساحلية سرًّا، خوفًا من إثارة انتباه جمعية مكافحة العبودية، ولكن في داخل البلد يُعرض العبيد في الأسواق العامة. ويتم جلب العبيد من السودان، عبر طرق مختلفة: ف "كل قافلة تجلب نحو 300 عبد. إنه لأمر مؤلم أن ترى الأمهات والأطفال ينفصلون عن بعضهم، وربما لن يلتقوا مرة ثانية في هذا العالم. منذ فترة وجيزة، أهدى القُوّاد المغاربة للسلطان وابنه هدية من 200 عبد وأمَة، احتفالً بزواج ولي العهد. وكانت الأسواق الكبرى لبيع العبيد توجد في مدن المغربَ وفاس وتطوان والرباط. وفي 'الموسم'41 الذي يعقد مرتين42 في السنة 'سيدي أحمد أوموسى' في سوس، يتم بيع نحو 1200 فتى وفتاة. الفتيات، من سن العاشرة إلى الثالثة عشرة، يجلبن بنحو 16 جنيه إسترليني إلى 24 جنيه لكل واحدة منهن، ويجد تجار العبيد الإناث من سن العاشرة إلى العشرين أكثر ربحًا"43. وفي التقرير نفسه، كتب ماكينزي عن وسيلة جديدة لوصول العبيد إلى المغرب عن طريق البحر من السنغال. فإبان رحلته إلى جزر الكناري من الصويرة بواسطة باخرة فرنسية، كان من بين الركاب تاجر مغربي متجه إلى السنغال: "أخبرني بنفسه أن هدفه هو شراء العبيد، وخاصة الإناث، من أجل المغاربة الأثرياء من المغرب". كان هذا التاجر يشتري الإماء من السنغال ويعود بالطريقة نفسها عبر البحر، وكان يقدّم العبيد كأنهم أفراد عائلته، كما كتب ماكينزي، الذي طالب من جمعية مناهضة العبودية التدخل لدى السلطات الفرنسية بمستعمرة السنيغال لمنع تجارة العبيد عن طريق البحر والبر؛ لأن هذه "التجارة المشروعة مع هذا الميناء ستثبت أنها أكثر ربحية في النهاية"44. وقد سبق لدونالد ماكينزي أن زار المغرب سنة 1887 مبعوثًا من الجمعية ومعه رسالة إلى السلطان مولاي الحسن الأول. وكان أيضًا حاملً توصية من الحكومة البريطانية إلى وزير الخارجية محمد المفضل غرنيط (24 آذار/ مارس 1887) كي يحسن استقباله ويساعده في إيصال الرسالة التي كلّفته بها الجمعية البريطانية المناهضة للعبودية. ونقل تفاصيل لقائه مع الوزير ونشر نص الرسالة في كتابه عن المغرب45. وقد أشرف ماكينزي على إنشاء مركز تجاري بطرفاية Juby Cap في جنوب المغرب بالصحراء قبل أن يتدخل السلطان ويضع حدًّا لهذا المشروع. وعلى الرغم من أهمية أسواق المدن الكبرى في المغرب، فإنّ البوادي والقرى في أطراف البلد على الواجهة الجنوبية حافظت على دورها في بيع العبيد. ومن أهم تلك المراكز إيليغ في قلب الأطلس الصغير بسوس جنوب المغرب، التي توقفت أكثر من شهادة عن دورها في تجارة العبيد في القرن التاسع عشر، فقد كان السلطان الحسن الأول بن محمد (1833 - 1894) يقتني العبيد بنفسه من دار
الاتجار بالعبيد في إيليغ46. وفي رسالة من السلطان إلى زعيم دار إيليغ محمد بن الحسين أوهاشم (في 16 آب/ أغسطس 1888)، يذكّره برسالة بعثها إليه، تتضمن تفاصيل تهمّ طلب شراء إماء، مع التأكيد أنه يريد إماءً قويات ويتمتعن بصحة جيدة لأنه يريدهن للخدمة وليس للفراش47. كان السلطان قد بعث برسالة لكنها وصلت متأخرة عن انعقاد الموسم السنوي الذي تَفِدُ فيه القافلة القادمة من تنبكت ببلاد السودان، وتعقد فيه سوق العبيد في آب/ أغسطس ولم يستطع محمد بن الحسين أوهاشم توفير العدد الكافي من الإماء الذي طلبه السلطان. واضطر إلى أن يبحث عنهن في الأسواق الأخرى48. واصل السلطان إلحاحه على محمد بن الحسين أوهاشم، طالبًا إياه (رسالة 27 كانون الأول/ ديسمبر 1888) بمساعدة أحد رجاله، الأمين الروداني، الذين بعثه كي يشتري " 30 أمة". وتظهر الرسالة أن زعيم إيليغ سبق أن بعث إلى السلطان عددًا من الإماء مع فاتورة بالأثمان49. وبعد أيام، وصلت رسالة ثالثة بتاريخ 4 كانون الثاني/ يناير 1889 من السلطان حملها محمد بلعيد الروداني مبعوثًا من السلطان لشراء عدد من الإماء من أموكار (الموسم). ويطلب السلطان من محمد بن الحسن أوهاشم أن يساعد الأمين في شراء الإماء وتوفير كل سبل نقلهن إلى وجهتهن50. وفي رسالة أخرى موجهة هذه المرة من محمد أوالحسين أوهاشم إلى السلطان في أيار/ مايو 1892، يخبره أنه بعث له عبدًا مخصيًّا هدية، كان قد اشتراه من موسم وادي نون51. ومن خلال الكنانيش (السجلات) التجارية التي انكب على دراستها بول باسكون ومحمد الناجي المتعلقة بدار إيليغ52 في المدة 1853 - 1868 أحصيا 19 عملية بيع للرقيق من بينهم ثلاثة ذكور فقط، والأمر نفسه بالنسبة إلى الكنانيش الثلاثة التي اطلع عليها مصطفى ناعيمي53 والخاصة بدار بيروك بكلميم التي تضم 46 عملية بيع للعبيد. اعتمد ناعيمي على ثلاثة كنانيش، يشمل الكناش الأول المعاملات التجارية مدة 22 سنة (من 1833 حتى 1855)، والكناش الثاني من 1843 حتى 1860، والكناش الثالث لعبد الله ولد بيروك، ويشمل المرحلة من 1857 إلى 187254. في تصنيف المعاملات بحسب السلع بالكنانيش الثلاثة، في المدة 1833 - 1869، يمكن حصر عدد الرقيق الذي بيع ب 21 أمة و 24 عبدًا55. ولا يختلف هذا العدد كثيرًا عن عدد العبيد الذي بيع في دار إيليغ بحسب كناش دار إيليغ؛ إذ إنه في المدة 1853 - 1868 بيع 15 أمَة و 3 عبيد. وتبقى النسب الواردة في كنانيش الدارين التجاريتين قليلة جدًّا، مقارنة بما ورد في نص القنصل الفرنسي بالصويرة الذي اعتبر أن نصف القيمة التجارية للسلع القادمة من السودان مكون من العبيد. وهي أيضًا نسبة
تختلف عمّا ورد في جل كتابات الرحالة في القرن التاسع عشر من كون إيليغ أكبر مستودع للعبيد وأكبر سوق في المغرب، خاصة فيما يتعلق بالجنوب المغربي. ولكن ألا يمكن أن نستنتج أولً أنّ تلك الكنانيش التجارية لم تكن تشمل سوى تلك المتعلقة بالبيع بالدين، ولم تكن تغطي كل عمليات البيع التي تتم في السوق أو الموسم أو في المنازل وبين القبائل طوال السنة؟ ثانيًا، ألم تكن السجلات المذكورة تعني فاعل تجاريًا واحدًا فقط، في حين أنّ القافلة كانت تضم مئات من التجار لم نعثر على سجلاتهم؟ ألم يكن لديهم اهتمام أو حاجة إلى توثيق عملياتهم التجارية إلّ في حالة القرض؟ ثالثًا إن ما درسه بول باسكون ومصطفى ناعيمي هي كنانيش منفردة لعائلة أو فرد واحد داخل العائلة نفسها وصل إلينا بعد حوالى قرن من كتابته. والأكيد أنه كانت هناك كنانيش أخرى للشخص نفسه ولأفراد الأسرة الآخرين ضاعت، أو لم تصل إليها بعد أيدي الباحثين. فقد زرت إيليغ سنة 2003 وأطلعني أحد المنحدرين من الدار على كميات كبيرة من الوثائق في صناديق مكدسة لم يطّلع عليها أحد بعد. لهذه الأسباب، لا يحقّ لنا أن نستنبط من كناش أو مجموعة من الكنانيش استنتاجات نهائية بالاعتماد على إحصائيات لا تستند إلى معطيات شاملة. فعلى الرغم من أهمية هذه الكنانيش في تسليط الأضواء على تجارة العبيد، فإنها تظل قاصرة على الإلمام بكل جوانب هذه التجارة. فمن ناحية الكمّ، تعطينا مؤشرات، ولكنها مؤشرات غير كافية، وليس بوسعها أن تخبرنا عن التجارة العابرة للصحراء، وعن تجارة العبيد بالتحديد. سبق للباحثة الكندية ماك دوكال أن عبّرت عن شكوكها في أن تلم الكنانيش التجارية ب "جوهر" التجارة في القرن التاسع عشر. وعقد باسكون وغيره أملً على تلك السجلات التجارية العائلية لإ طلْاعناِ على محتوى التجارة (القروض والسلع والشخصيات)، والتنظيم (الشبكة والفئات الاجتماعية). ولكن الرهان لم يكن في مستوى النتائج المتوصل إليها. لم تكن الباحثة مقتنعة كليًّا بقدرة تلك الكنانيش، بحكم تجربتها في دراسة مجال الصحراء، فاعتمدت الرواية الشفاهية ومصادر أخرى، لذلك سنجدها مثلً تلجأ إلى الرواية في تتبّع مسار "خادم": فيطم بركة56.
ثانيًا: عبيد يف أسواق النخاسة
كانت مدينة مراكش من أكبر أسواق العبيد في المغرب لأنها أقرب المدن جنوبًا إلى مناطق وصول القوافل، ولتوافر شروط سوق تستقطب زبائن من مناطق عدة، وكانت السوق تخضع لمراقبة المخزن ولضوابط توثيق عمليات البيع وتحصيل الضرائب لخزينة الدولة؛ إذ كانت تُؤدَّى للمخزن أعشار عن بيع الرقيق، مع العلم أنّ عددًا لا يستهان به من العبيد كان يباع في الأسواق الصغيرة والمواسم بالقرى والمداشر جنوب المغرب قبل أن يصل إلى مراكش. كان الشيخ بيروك وأبناؤه يبيعون العبيد في كلميم لزبائنهم من دون أن تصل إلى الأسواق الأخرى، والأمر نفسه بالنسبة إلى دار إيليغ. ويبدو أنه لم يكن لسوق مراكش القدرة على توفير ما يكفي من العبيد لسد الطلب، والدليل على ذلك رسالة بعثها السلطان الحسن الأول لزعيم دار إيليغ قصد شراء إماء لخدمة القصر. وكان البحث عن نوعية من العبيد لا توجد في سوق مراكش يدفع التجار إلى البحث في مناطق أخرى. وكان عدد من العبيد الذين يعرضون في أسواق المدن في خدمة عائلات ويعيد أسيادهم بيعهم، بينما ظل الجنوب يزود بشكل متواصل سوق العبيد بالمغرب، بعد أن يكونوا قد قطعوا مسافات طويلة مع القوافل، فضلً عمّا كانوا يتعرضون له خلالها من مشاكل صحية، إضافةً إلى معاناتهم الوضعية المزرية التي تصاحب تنقّلهم من بلدهم الأصلي. وعند وصولهم إلى أولى المحطات للبيع، يعتني بهم التجار بتقديم المزيد من الطعام ليستعيدوا قواهم كي يصبحوا مؤهلين للعرض والبيع.
وابتداءً من القرن الثامن عشر، بدأت تتوافر لدينا نصوص لقناصل ورحّالة أجانب عن العبيد في المغرب، لقد لفت انتباه هؤلاء وجود عبيد سود في البلد، وبعض الأوروبيين كان يتقاسم معهم الوضعية نفسها: أسرى وخدم ورقيق أبيض57، لأنهم وقعوا في الأسر وينتظرون فك أسرهم عبر الفداء. ونشر بعض الرحالة شهاداتهم على أسواق الرقيق التي كانت تقام في عدة مدن مغربية مثل فاس ومراكش والرباط والصويرة وطنجة. ولم يكن ذلك محصورًا في هذه المدن، بل كان في بوادٍ وقرى في أقصى الجنوب المغربي أسواق لبيع العبيد وبالتحديد في سوس. وتتوافر في هذا الصدد نصوص بالغة الأهمية عن هذه التجارة التي كانت سائدة منذ قرون، ولكن لم تكن المدونات التاريخية المغربية توليها اهتمامًا ولم نجد وصفًا كافيًا عنها. فمنذ العصور الوسطى كان العبيد يجلبون من بلاد السودان، وكانت تجارة العبيد نشيطة في شمال أفريقيا عمومًا، ولكن لم نجد وصفًا لعمليات البيع وكيف كانت تتم في المغرب مثلً، مع العلم أن بعض مصنفات النوازل وبعض الآراء الفقهية لا تخلو من أسئلة متعلقة بالعبيد. فقد خصص صاحب أشهر كتب النوازل بالغرب الإسلامي، أحمد بن يحيى الونشريسي.(ت 1508 م)58 أجزاءً للرق، ويُعد كتابه المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغربمرجعًا رئيسًا لجل فقهاء المالكية في فتاواهم المتعلقة بالعبيد. لم تكن الأسواق العمومية بالمزاد العلني إلا إحدى طرائق بيع العبيد، لأن فئة من الرقيق تعرض للبيع في بيوتات خاصة بعيدًا عن الأنظار. فالرقيق الذين يملكون مميزات خاصة من الإماء: كأنْ تكون جمالية أو مهارة في الطبخ والموسيقى والغناء، أو كأنْ يكونوا رجالً مخصيين، لم يكونوا يعرضون في السوق لأن الطلب عليهم كان من فئة الخاصة. ويلجأ المشترون إلى تجار ووسطاء يعملون على توفير "سلع" لهم بحسب الطلب. وكان الطلب على الإناث أكثر من الذكور، وخاصة النساء القادمات حديثًا من بلاد السودان المفضلات على أخريات قضين مدة طويلة ومررن بفراش العديد من الأسياد. وكان العبيد من الذكور بدورهم غير متساوين في القيمة؛ فالخصيان لم يكونوا يُعرضون في الأسواق العامة، لأن الطلب عليهم كان من فئة بعينها من المجتمع، وبالتحديد السلطان والأمراء والوزراء وكبار الأعيان. وكان الإقبال كبيرًا على إثنيات من السود من دون غيرها، ففي شهادة تعود إلى بداية القرن الثامن عشر نقرأ ما يلي: "كانت قيمة العبيد المجلوبين مع القوافل (أكبار) في السوق تختلف بحسب جمالهم وتناسق أشكالهم وسنهم وبلدهم الأصلي: هكذا فإن عبد ونكاري wangari كان أقل قيمة من عبيد من الهوسا، لأن الأول قليل الأدب وغبي [...] بينما الهوسا أذكياء مجدين ودهاة [...]. مرة، إبان وجودي في المغرب بيعت فتاة من الهوسا ذات جمال فائق بأربعمئة مثقال، في حين أن متوسط ثمن العبيد هو حوالى 100 مثقال"59. إن الأحكام الواردة في النص معيارية، وهي تعبّر عن مواقف مؤلفها من دون أن يعني ذلك أنها غير موجودة في الواقع كأحكام قيمة لدى المجتمع المغربي وفي العالم الإسلامي عمومًا. يكفي الاطلاع على الأدبيات التي كتبت حول السود وتجارة
الرقيق مثل رسالة ابن بطلان60، وكتاب للسموأل بن يحيى بن عباس المغربي61، وغيرهما؛ كي ندرك التصنيفات التي كانت مهيمنة في العالم الإسلامي. كانت أسواق العبيد في المدن المغربية تعقد مرة إلى ثلاث مرات في الأسبوع بحسب المدن، مع العلم أن طبيعة الأسواق وعدد الرقيق المعروض يختلفان من مدينة إلى أخرى. كانت أولى الأسواق التي يجري بيع العبيد فيها هي المحطات الأولى التي تتوقف فيها القوافل التجارية القادمة من بلاد السودان، ومن هذه المدن يتوزع الرقيق على مختلف مناطق المغرب. ومن أهم تلك المدن بالنسبة إلى المغرب سجلماسة في العصر الوسيط. وفي القرن التاسع عشر انضافت مدن أخرى مثل تندوف وكليميم وإيليغ وأقا وطاطا وأسرير، وغيرها. وكانت هذه القرى والواحات والمدن التجارية تعيش على تجارة الرق كأسواق للبيع والشراء وكمركز تجاري لبيع المواد التي تحتاج إليها القوافل. لقد كان مصدر ثروتها من التجارة، ومنها تجارة الرقيق التي صنعت شهرة هذه المراكز وجذبت التجار الباحثين عن اقتناء هذه السلع البشرية. يحمل أغلب الأسواق المنتشرة في مدن المغرب في الجنوب والشمال اسم سوق الغزل (مراكش، وفاس، والقصر الكبير)، وهو مكان مخصص لبيع الثوب والصوف أو سوق البركة. كانت بعض المدن يباع فيها العبيد في الشارع، مثل طنجة والصويرة، أو في فترات معينة من السنة فحسب. وفي حديث دانييل شروتر عن أسواق الصويرة في القرن التاسع عشر، سُجل ما يلي: "هناك أسواق أخرى لا تنشط فيها الحركة - كما هو حال سوق العبيد - إلا في المناسبات التي تصل فيها إلى المدينة قافلة تجارية قادمة من بلاد السودان، ولم تكن هناك أماكن قارة مخصصة لبيع الرقيق، بل كان الدلال يسوقهم عبر شوارع المدينة وأزقتها مناديًا بالثمن الذي قد يتغير بحسب المزاد العلني. ولم يتجاوز العبيد الذين كانوا يباعون سنويًا بضع عشرات"62. ونتوقف عند نص نشر سنة 188563 من مذكرات أدولف مارسيت، وهو طبيب فرنسي سافر من طنجة إلى مراكش عبر الجديدة سنة 1882 صحبة وفد رسمي فرنسي في زيارة للسلطان الحسن الأول. كتب مارسيت وصفًا لسوق العبيد بمراكش الذي عاين فيه عملية بيع العبيد التي تتم ثلاثة أيام في الأسبوع: الأربعاء والخميس والجمعة ساعة قبل غروب الشمس: "يقام سوق العبيد في ساحة من ساحات المدينة مجاورة للقيصرية. إنها باحة كبيرة مربعة الشكل [...]الساحة نفسها تستعمل في الأيام والساعات الأخرى لبيع مختلف السلع، وبالأخص الصوف، والبنايات الفارغة الآن تصبح دكاكين [...] الحركة في الساحة نشيطة جدًّا، عدد كبير من الناس حولها، الدكاكين الصغيرة المحاذية تعج بالمرتادين أو الفضوليين [...] شرع الدلالون في العمل ومباشرة المزايدة، كل واحد منهم يقود ثلاث إماء، واحدة في المقدمة تقود الأخريات اللواتي يتبعنها من الخلف، هكذا كانوا عادة يطوفون من دون توقف في ساحة السوق، عارضين بضائعهم، باحثين عن زبائن، يصرخون بأعلى صوت بالثمن المطلوب أو المقترح بالنسبة إلى كل عبد. أشار رجل عربي جالس القرفصاء إلى الدلال، جيء له بالأمة التي أشار إليها. تتخذ أمامه وضعية، إما واقفة وإما جالسة على ركبتيها، بحسب طلب المشتري الذي يتفحصها من أخمص قدميها إلى رأسها، يعاين فمها وأسنانها وعينيها وأنفها، يسأل عن سنها وكل التفاصيل التي يراها ضرورية، وبعد ذلك يقوم بالمزايدة أو يتركها عنه. تقوم الأمة بترتيب لباسها، يجذبها الدلال، يستأنف سيره وهتافه ليقف عند إشارة أخرى ويعرض بضاعته لمعاينة
زبون جديد وتقييمه"64. وفي عدة صفحات يواصل الرحالة وصفه الدقيق لعدة نساء ورجال وأطفال معروضين للبيع في سوق النخاسة، وأغلب المعروضين للبيع نساء في مقتبل العمر. كلهن زنجيات عدا امرأة واحدة بيضاء البشرة "امرأة واحدة ذات بشرة بيضاء، ترتدي لباس نساء البلد، تخفي وجهها تحت ثوب من الصوف، ولا تكشفه إلا عندما يريد أحد معاينتها للشراء"65. تُظهر الشهادة أن سوق النخاسة في المغرب لا يخلو من بيع النساء البيض اللواتي سُبين في حروب بين القبائل أو تم خطفهن وبيعهن للعائلات الميسورة في الوسط الحضري. وفي فترات المجاعات التي عرفها المغرب، يبيع الأب أولاده والبعض يعرض نفسه للبيع، كما ورد في شهادة الحسن الوزان في القرن السادس عشر66. كانت ظاهرة خطف الأطفال وبيعهم في الأسواق منتشرة في مغرب القرن التاسع عشر كما يروي كذلك صاحب الاستقصا، أبو العباس أحمد بن خالد الناصري (ت. 1897): "ومهما رأى أحدهم العبد أو الأمة يسمسر في السوق إلا ويقدم على شرائه [...] لا يسأل إلا عن عيوب بدنه. لا فرق في ذلك بين أبيض وأسود وغيرهما. بل صار الفسقة اليوم وأهل الجراءة على الله يختطفون أولًالأحرار من قبائل المغرب وقراه وأمصاره، ويبيعونهم في الأسواق جهارًا من غير نكير ولا امتعاض للدين. وصار النصارى واليهود يشترونهم ويسترقونهم بمرأى منّا ومسمع"67. وكان بعض القُوّاد ينظمون شبكات مختصة في سبي الأطفال والنساء لعرضهم في أسواق المدن. وانتشرت في سوس هذه الظاهرة واستمرت حتى وصول جيوش المستعمر الفرنسي. وجد أيضًا قطاع الطرق ضالتهم في اعتراض سبيل النساء وخطف الأطفال الذين يباعون في سرية ويصبحون عبيدًا. كان البيض من الرقيق المنتمي إلى قبائل المغرب شائعًا، ولا تختلف طريقة الحصول عليه عن تلك التي كانت تمارس في بلاد السودان، أي الخطف وغصب الأحرار وبيعهم في أسواق النخاسة على الرغم من كونهم مسلمين. لم تكن الظاهرة بالحدة نفسها ولكن ممارسة الاسترقاق كانت متجذرة في المجتمع، وكان الطلب في السوق على مختلف أنواع الرقيق لتلبية طلبات ورغبات ونزوات فئة من المجتمع، لم تكن ترى في استرقاق الآخر كيفما كان لونه أو جنسه أو ديانته أي رادع ديني أو اجتماعي أو أخلاقي. لا يختلف وصف سوق العبيد بمراكش عن وصف آخر نشر على صفحات جريدة فرنسية، يقول صاحبه إنه منذ مدة لم يعد الرقيق يأتي من المستعمرات الأفريقية، وعلى الرغم من ذلك فإن الرق لا زال سائدًا في المغرب، ويجد مصدره في "قطيع البشر" المجلوب بواسطة القوافل من سوس وتافلالت. ويباع العبيد المجلوبون في الأسواق، وفي معظم الحالات بسرّية. يصف صاحب المقال انعقاد سوق العبيد بمراكش قائلً: "في باحة واسعة محيطة ببيوتات منخفضة مبنية بالطين. في الوسط رواق مغطى للمزاد العلني في الأيام الماطرة. لحظات قبل بدء عملية البيع بالسوق يجلب تجار العبيد سلعتهم تاركين للدلّل مهمة المبايعات. نساء وأطفال وفتيان ورجال بالغون يتكدسون في غرف صغيرة. يصلون إلى هنا من دون مقاومة في أغلب الأحيان. يعرفون أن لا حول لهم ولا قوة وأنهم رغبوا أو كرهوا فالبيع سيتم. شيئًا فشيئًا تمتلئ القاعة بالزبائن. كل واحد يستقر في مكان يمكّنه من الرؤية. بعد ذلك يأتي الدلال، يفتتح السوق بصوت عال. في مدخل الساحة، الأيادي مفتوحة في شكل كتاب، يقفون تحت حماية سيدي أبي العباس، وليّ المدينة، ويتلون بصوت عالٍ 'الفاتحة ' [...]. عند نهاية القراءة، يأخذ كل دلال حصته من العبيد ويخضعها لعملية تحضير تكمن في تغيير الملابس البالية بثياب نظيفة لجعل البضاعة لائقة، ويبدأ المزاد. يطوف الدلال في الساحة في كل الاتجاهات بخطوات سريعة جدًّا، ينادي بالمزايدات وخلفه يسير ببطء مجموعة من النساء والأطفال والرجال المعروضين للبيع. حين يقرر أحد الزبائن الشراء يوقف السير ويحسم اختياره. يتفحص أسنان
وشعر وجلد وأعضاء الحيوان (كذا) المعروض للبيع. بعد إتمام عملية البيع يكتب عقد للبيع أمام العدول. يختلف الثمن حسب الجنس والسن والمؤهلات. لقد شاهدت رجلً يبلغ 24 سنة بيع ب 16 دورو حساني أي 70 فرنكًا من عملتنا، بينما الفتيات ذوات 12 سنة يساوون][كذا 120 حتى 150 دورو. الأطفال في سن صغيرة لا يساوون ثمنًا كبيرًا، عكس امرأة تتقن الطبخ قد يصل ثمنها حتى 500 دورو"68. لاحظ فرنسي آخر، أقام في المغرب في بداية القرن العشرين، تراجع عدد العبيد الذي أصبح معروضًا في الأسواق والمنع الذي أصبح يشمل الأسواق العلنية لبيع العبيد بضغط من الأوروبيين: "بمراكش يعقد مرة في الأسبوع سوق العبيد، رافقنا سي عمر في إحدى العشيات، لم يكن معروضًا للبيع إلا عشر زنجيات وزنجي واحد. فقدت تجارة البشر كثيرًا من نشاطها منذ احتلالنا للسودان وبالأخص تنبكت"69. ومقارنة بالوصف السابق، نلاحظ تراجع نشاطات تجارة العبيد بسوق مراكش، بعد انهيار التجارة العابرة للصحراء باحتلال بلاد السودان وخاصة مدينة تنبكت سنة 1894. وعرفت أسواق المدن الأخرى الوضع نفسه، حين زار بيير لوتي سوق العبيد بفاس وجدها فارغة، ولمّا سأل عن العبيد أشار أحدهم إلى خادمة معروضة للبيع في زاوية منعزلة، وعندما اقترب منها وجدها شابة في السادسة عشرة من عمرها وكانت تجلس قربها امرأة مسنّة هي مالكتها. نقل لوتي حواره مع السيدة التي أخبرته بعين باكية أن الخادمة اشترتها وهي طفلة صغيرة وربّتها وأن زوجها توفي ولم يعد لديها من يعيلها وأصبحت فقيرة لا تستطيع أن توفر الطعام للخادمة70.
ثالثًا: سلع برشية
تخضع سوق العبيد للتنظيم المعروف في أسواق السلع الأخرى، ويشرف عليها أمناء يمثلون أصحاب حرفة النخاسة وعدول شرعيون للتوثيق، ومسؤولو رفع ضرائب المخزن عن المبيعات ودلالون. لقد كانت تجارة العبيد في المغرب مندمجة في تنظيم اقتصادي محلي للسوق وجزءًا مهمًّا من الديناميكية الاقتصادية. كانت عملية البيع والشراء تتم في الأسواق عبْر "مهنيين" يقومون بمعاملات تجارية في "سلع" بشرية تخضع للمزاد العلني. وكان العبيد في أغلبيتهم القصوى نساءً للخدمة في بيوتات الأعيان وعلية القوم، ومن بين الشابات من يصبحن سرايا. نادرًا ما يقوم الشخص مالك العبد أو الأمة بعرض بضاعته بنفسه، فعليه أن يلجأ إلى خدمة "دلال" يقوم بالمهمة داخل السوق مقابل نسبة من مبلغ البيع. كان الدلال يخصم تعويضاته من ثمن بيع العبد بنسبة تقارب أربعة في المئة، وإنْ لم يبع تتحول إلى 5. 2 في المئة71. لا تُعرض النساء الشابات الجميلات في الأسواق إلا نادرًا لأنهن يُبعن خارج السوق العلنية، ليس لأنهن كنّ مطلوبات فحسب، بل أيضًا من أجل أن يبقى الأمر سرًّا. من العيب أن تعرض الأمة التي تشترى لغاية التسري في الأسواق، كأن تمر بين أيدي النخاسين ويطوف بها الدلالون ويفحصها مشترون وتتقلب في منازل الخواص. فهن سيصبحن من حريم الأعيان. كان النخاسون يفرقون بين "بضاعتهم" بحسب الطلب لأن لهم زبائن خاصين يعرفون طلباتهم الخاصة. وكانت تنظم بموازاة الأسواق العامة عمليات بيع مغلقة في بيوت الخواص لعرض "أجود" السلع التي بأيدي النخاسين، والباقي يعرض للعوام في الأسواق الأسبوعية. يخضع الرقيق من النساء لتمييز أصناف من الإماء. ومن النخاسين من يقوم بشراء إماء في مقتبل العمر ويشرف على تعليمهن الموسيقى والغناء والرقص ليبيعهن لفئة خاصة تبحث عن هذا النوع من الرقيق. ويخضع الطلب على العبيد لعدة معايير وكل
مشترٍ يبحث عن صنف يناسب رغباته. وقد ورد في وثائق عبد الواحد المراكشي (ت. 647 ه/ 1250 م)، التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي تصنيفات من قبيل: "وخش الرقيق" وهي الأمة التي لا يراد بها الوطء وتراد للخدمة ومقابلها "جوار الوطء اللواتي يصلحن للاتخاذ"72، أي إن الغاية من شرائهن هي المعاشرة، وترد عبارة "المرتفعات من الرقيق"73، وعبارة "العلية من الرقيق"74، وكلتاهما بمعنى غالية الثمن، و"الأمة من الوخش التي ثمنها دون ثمن العلية"75، وتأتي هنا كمقابل للعلية من الرقيق. ولم تكن كل هذه الأصناف تخضع لعملية البيع نفسها. وكان بيع الإماء، خاصة منهن اللواتي كنّ ضمن "جوار الوطء"، يخضع لضوابط صارمة. وكان تقليب النساء يعهد به إلى نساء خبيرات في أمور النساء: "إذا كان العيب في الأمة باطنًا لا يمكن أن يراه الرجال فإنما تنظر فيه وتراه ثقتان من قوابل النساء ومحالات الحرائر وتصفانه صفة تامة بقدر اجتهادهما، ويسأل عن ذلك ثقتان من أطباء الرجال"76. يطرح بيع الإناث أكثر من مشكلة شرعية ودينية وقانونية وأخلاقية. إنّ لب القضية في النساء هو أنهن كنّ مرشحات أن يكن أمهات لأبناء الأسياد (أم الولد). وكان المشتري يحرص على مراقبة البكارة والحمل ودم الحيض ويكلف خبيرة بتقليب الإماء "إن اشترى أمة على أنها بكر فألفاها مفتضة، فزعم البائع أن المبتاع افتضها وأنكر المبتاع ذلك، فإنه تنظر النساء إليها فإن قطعن أن ذلك شيء قديم ردّت، وإن قطعن أنه حديث كان من عند المبتاع ولزمه ذلك"77. وكانت الأبكار من الإماء يخضعن لفحص غشاء البكارة للتأكد من صحة الأمر. وهي عملية حساسة جدًّا لأنّ النساء كنّ مرشحات أن يكنّ سريات، وما ينتج من ذلك من حمل واعتراف ببنوة، أو حتى مطالبة المالك الأول بملكية الطفل الذي سيولد بعد البيع. وتتضمن العديد من الفتاوى قضايا من هذا القبيل. إن جسد المرأة جسد حساس ووضعيتها في العبودية هي امتداد لمكانتها في المجتمع والوظيفة البيولوجية في الإنجاب وتمَثُّل المجتمع لهذه المكانة. ثمّ إن استخدام الرقيق من النساء في المعاشرة الجنسية يجعل عملية التملك مقنّنة شرعًا، فالأمة حين تدخل البيت تغير العلاقات الاجتماعية داخل وسطها، وأول تلك التغيرات العلاقات بين السيد وزوجته، التي ترى في الأمة منافسة لها، تشاركها زوجها في العلاقة الحميمية، وقد تلد مولودًا وتنافسها في الإرث. كانت عملية البيع في الأسواق تتم بواسطة عقد ينجزه عدلان أو قاضٍ، ويحتوي العقد بنودًا تتعلق بسنّ العبد وجنسه ولونه وحالته الجسمانية وخلوّه من أي أمراض وعيوب، ويشترط المشتري إعادة العبد إلى البائع في حالة وجود عيوب في العبد بما فيه (البراء.) وتتضمن الوثيقة هوية الملّكين السابقين للعبد، وأحيانًا يصطحب كل عبد بوثيقة تحتوي معلومات عن انتقاله من مالك إلى آخر. ويوصي المختصون في بيع العبيد وشرائهم أن يحرص المالك والنخاس على ذكر وضعية العبودية للعبيد المجلوبين لأن بعض العبيد ينكرون أنهم عبيد: "للمسافر بالجواري والعبيد أن يشهد بعض عدول المدينة عند وصوله إليها على إقرار المملوك أو الجارية بالعبودية له أو الاحتيال لشهادة قوم عليه بأنه في منزله وخدمته، فهذا القدر كاف في الاحتراز من نشوز الغلام أو الجارية وهروبه وادعائه الحرية أو الرق لأجنبي"78.
كان العديد من العبيد المجلوبين من بلاد السودان أحرارًا مسلمين أُسروا في حروب بين القبائل والإثنيات أو اختطفوا من قراهم كي يباعوا رقيقًا وهم ليسوا كذلك في الأصل، لذلك ظلوا يطالبون بحريتهم من دون جدوى، وأثارت هذه المسألة جدلً في شمال أفريقيا واستفتي فيها الفقيه أحمد بابا التنبكتي (1556 - 1627) الذي ألّف فيها نصًّا شهيرًا في الأدبيات الفقهية يدخل ضمن نوازل الاسترقاق، هومعراج الصعود إلى نيلمجلوب السودان، الذي نشر ضمن أجوبة أخرى79. كان في توثيق عقود البيع الذي يتم عند الوصول إلى المغرب إقرارٌ بوضعية عبودية غالبًا لم تكن موثقة في الأصل، ولكن عند توثيقها عدليًا تصبح واقعًا قانونيًا مفروضًا على الأسير والمختطف. لذلك، اشتهرت أسواق العبيد في المغرب بتوثيقها من عدول في كتاب يسلّمه البائع للمشتري ويظل مرافقًا للعبد في كل انتقال بين عدة مالكين، ويظل ساري المفعول بعد وفاته، لأن أبناءه أنفسهم في وضعية عبودية لدى مالكه ويرثهم هذا الأخير ضمن ما يرث من عبده، لأنه أصلً لا يعترف بالأبوة للعبد، فكل ما ولد العبد والأمَة هم ملك للسيد. تُوثَّق عمليات البيع والشراء بالعقود لإثبات العملية التجارية من جهة، ولضمان توافر شروط السلامة البدنية والأخلاقية للعبد من جهة أخرى، وتشمل العقود تعداد العيوب والأمراض والسلوكات التي توجب البراءة في البيع. وكانت تلك العقود تختلف بحسب المناطق وعلاقة الثقة بين البائع والمشتري. ونعرض لعيّنة من هذه العقود، أوردها روجي لوطورنو في كتابه فاس قبل الحماية: "الحمد لله. اشترى الشريف سيدي هاشم بن الشريف سيدي إدريس الصقلي الحسني من بائعه الحاج العربي بن عبد الغني المومني، الملكية التامة لأمة تسمى الآن الياقوت، لونها لون القهوة الممزوجة بالحليب، وقامتها مائلة إلى القصر، لها شفتان غليظتان، وأنف أفطس جدًّا، وحاجبان كثيفان. وبلغ ثمن البيع ثلاثين ريالً (نقول: ثلاثين). وأبرم الطرفان العقد وتبادلا فورًا الشيء المبيع والثمن بريال 'بو مدفع الجديد'80. وأبرأ كل واحد منهما الآخر، حسب العرف في هذه المادة، ممتنعين عن كل طعن بعد تصفية القضية والانتفاع. وقبل المشتري أن يتنازل عن فوائده العادية، في شأن بيع هذه الأمة، اللهم إذا بالت في الفراش، الشيء الذي لا يقبله هذا الشرط في علم شاهديه اللذين يصدقان العقد (والمتعاقدان) يتمتعان بقواهما العقلية. والمشتري معروف لشاهديه وعرف لهما البائع الذي له حاجبان متقاربان، ثقيل السمع تمري الأنف. في 7 جمادى الثانية 1316 / 23 أكتوبر 1898 "81. الوثيقة العدلية هي ضمان لعملية البيع وبمنزلة شهادة ملكية. ففي حالات معينة، يكون العبد آبقًا، أو مدعيًا الحرية، أو به بعض الأمراض والعيوب التي تستوجب إعادته إلى بائعه. وقد قنّنت عملية بيع العبيد في العالم الإسلامي، وأعدّت نماذج لعقود البيع ونصوص قانونية تحدد شروط بيع العبيد والعيوب التي تستوجب بطلانه. وتحفل النوازل الفقهية بالكثير من الأسئلة عن البيع وشروطه وحالات النزاعات التي كانت تنتج من المعاملات التجارية في أسواق العبيد. وقد خصص عبد الواحد المراكشي فصلً من كتابه بعنوان "نعوت العبيد"، وقدّم نماذج من العقود وضوابط لبيع العبيد ونعوتهم وأنواعهم. وهذا نموذج من تلك الحقبة (القرن الثالث عشر الميلادي): "اشترى فلان بن فلان بن فلان بن فلان مملوكة جليقية تسمى في حين البيع كذا ونعتها نقية اللون أسيلة الخد وجناء رحاء نجلاء حسنة القد ممتلئة الجسم حديثة السن أو كاعب بكذا وكذا أبرأ بها المبتاع فلان إلى البائع فلان من غير شرط في عقده البيع بقبض الثمن في العهدة، وقبضها البائع فلان منه وبان بها إلى
نفسه، وقبض المبتاع فلان المملوكة المنعوتة في هذا الكتب [كذا] في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا بعد معرفتهما بقدر ما تبايعاه ومبلغه، تبايعًا مبتولً بلا شرط ولا ثنيا ولا خيار على سنة المسلمين في عهدة الرقيق لا داء ولا غائلة"82. كانت هذه النصوص بمنزلة دليل للمشتري حتى لا يقع في تدليس النخاسين ل "السلعة". وظهر خبراء في تجارة العبيد مهمتهم اختبار الرقيق بالفراسة وإخضاعهم لفحص جسماني دقيق للتأكد من خلوّهم من العاهات والأمراض، والتحذير من الحيل التي يلجأ إليها النخاس عند بيع العبد بإخفاء عيوبه وبوضع مساحيق أو مواد تجميلية بالنسبة إلى الإماء لعرضهن في أحسن صورة كي يجني أكبر قدر من الربح. ألّف عالم مغربي رحل إلى المشرق، هو السموأل بن يحيى بن عباس المغربي، واسمه العبري شموائيل بن يهوذا بن آبون.(ت 575 ه)83، كتابًا بعنوان: نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب كتاب في المعاشرة الزوجية وآدابها ومتعلقاتها84، وخصص الفصل العاشر للنخاسة بعنوان "وصايا ينتفع بها البيع والشراء". والكتاب في فصله هذا منقول حرفيًّا من مؤلَّف ابن بطلان (1001 - 1063 م) "رسالة جامعة لفنون نافعة في شري الرقيق وتقليب العبيد"85. كما ألف أبو حامد الغزالي (1058 - 1111 م) "هداية المريد في تقليب العبيد"86.
رابعًا: نهاية الأسواق
عرف القرن التاسع عشر حدثًا مهمًّا كان له وقعٌ كبير على تجارة الرقيق التي دامت قرونًا بين شمال أفريقيا وجنوب الصحراء، وقد تجلّى ذلك في إصدار قانون يمنع تجارة الرقيق دوليًا. كانت الدنمارك سنة 1802 والولايات المتحدة سنة 1807 من أوائل الدول التي منعت تجارة الرقيق، لكن كان تصويت البرلمان البريطاني على قانون يحظر تجارة العبيد بداية مسار طويل لمنع تجارة العبيد، ومن ثمّ كانت مسارًا لمنْع العبودية عبر العالم. وكان القرار يهدف بالدرجة الأولى إلى توقيف تجارة الرقيق الأطلسية التي كانت وصمة عارٍ على جبين أوروبا المسيحية، حين كانت موانئ بوردو ونانت بفرنسا وليفربول في إنكلترا نقاط انطلاق البواخر التي تنظم عمليات أسر العبيد واختطافهم وشرائهم وتكديسهم مكبلين في سفن من سواحل غرب أفريقيا إلى مزارع قصب السكر في العالم الجديد، من البرازيل جنوبًا حتى الولايات المتحدة الأميركية، مرورًا بجزر الكاريبي. لقد منعت الدول الأوروبية تجارة العبيد، ولكنها لم تمنع العبودية. ولم تُلغَ العبودية نهائيًا إلا في نيسان/ أبريل 1848 عقب الإعلان العالمي الصادر في لندن. وكان لبريطانيا دورٌ كبير في ذلك لكونها القوة البحرية العظمى، ثم لأنها نجحت في فرض حصار على السفن التي تنقل العبيد من سواحل أفريقيا، وكانت تلقي القبض على كل من ثبت تورطه في تلك التجارة بعد منعها. وفي سنة 1839 تأسست في بريطانيا الجمعية البريطانية والأجنبية لمكافحة الرق Society Salvery - Anti Foreign and British، وهدفها منع تجارة العبيد والعبودية في جميع أرجاء العالم، وحماية حقوق ومصالح المُعْتَقين من السكان المنتسبين إلى المستعمرات البريطانية، فضلً عن العبيد الأسرى عبر العالم.
ضغطت الجمعية على المغرب عن طريق القنصل العام البريطاني إدوارد دراموند هاي سفير الملكة فيكتوريا (1837 - 1901)، المقيم في طنجة لإلغاء تجارة العبيد والعبودية. وبعث القنصل برسائل إلى السلطان عبد الرحمن بن هشام (1822 - 1859) يطالبه بإلغاء تجارة العبيد في الأسواق العمومية. وردّ عليه السلطان بالرفض87. وبعد وفاة القنصل العام تولى ابنه جون دراموند هاي (سنة 1845) منصب قنصل عام لبريطانيا في المغرب (قضى 40 سنة في المغرب قنصلً لبلاده)88. توسط جون دراموند هاي للمغرب في عدة خلافات مع دول أجنبية (الدنمارك والسويد وإسبانيا، وغيرها). وحصل على موافقة السلطان عبد الرحمن بن هشام على معاهدة تجارية جديدة وقّعت سنة 1856، واضطلع بدور رئيس في إقناع المخزن بإدخال إصلاحات على نظامه89. وكانت مسألة العبيد حاضرة في تلك الإصلاحات التي نادى بها القنصل البريطاني. كما بعث جون دراموند هاي رسائل90 إلى السلطان يطلب منه منع بيع العبيد في الأسواق منصّبًا نفسه على أنه الغيور على مصالح المغرب وسمعته في الخارج. وكان جواب السلطان عن طريق الوزير محمد بركاش بالرفض. وبرّر السلطان عدم منع تجارة العبيد والعبودية بأنه مخالف لأحكام الشرع وموقف يعارضه العلماء والرعية. والتنازل الوحيد الذي قدّمه بعد ضغوطات مارستها بريطانيا والدول الأوروبية تمثّل في منع البيع العلني للعبيد في المدن الساحلية التي توجد فيها قنصليات وتجارة لأوروبيين، وبعده أيضًا حتى المدن الداخلية التي يوجد فيها أوروبيون. كانت نصيحة الأوروبيين أنّ المنع في مصلحة السلطان، لأنّ تلك الأسواق تسيء إلى سمعة البلد والسلطان، وأنه معارض للمبادئ الحضارية الأوروبية. فكتابة الرحالة والصحف مستمرة عن أسواق العبيد في المدن مما يثير حفيظة الأوروبيين. وهكذا، فإن على السلطان منع ذلك، على الرغم من استمراره في المدن نفسها سرًّا. لقد جعل الوجود المكثف للتجار الأوروبيين، وخاصة البريطانيين الذين استقروا في الموانئ الساحلية ضمن اتفاقيات التجارة التي أبرمها المغرب مع بريطانيا (ثمانية موانئ)، المغرب تحت مجهر هذه الدول الأوروبية، وكانت الأسواق التي يباع فيها العبيد بالمزاد العلني سلعة تثير اشمئزازها وتعتبرها عملً مشينًا وغير إنساني لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر. كانت هذه الدول تستحضر تجارة الرقيق الأطلسية والاستغلال البشع والمعاملات القاسية التي تعرّض لها الأفارقة الذين حُملوا كالقطيع للعمل في مزارع جزر الكاريبي وأميركا، ومنهم من كان يقارنه بشكل العبودية القديم الذي كان سائدًا في أثينا. لم تكن تجارة العبيد ظاهرة تدينها جمعيات غربية ومجموعات ضغط مسيحية ودول أوروبية فحسب، فقد انبرى رجال من داخل المجتمع المغربي يدينون تجارة العبيد والعبودية، وأثارت ظاهرة الأسواق في المدن وبيع السود حفيظتهم، وكان أبو العباس أحمد بن خالد الناصري صاحب كتابالاستقصا من بين الذين دانوا بشدة عملية استرقاق أهل السودان وجلبهم وبيعهم في أسواق المغرب بدعوى الكفر، على الرغم من أنهم من "أحسن الأمم إسلامًا وأقومهم دينًا"91، واصفًا ظاهرة استرقاقهم ب "البلوى" التي أصابت بلاد المغرب منذ زمن قديم: "وبهذا يظهر لك شناعة ما عمّت به البلوى ببلاد المغرب من لدن قديم، من استرقاق أهل السودان مطلقًا، وجلب القطائع الكثيرة منهم في كل سنة وبيعهم في أسواق المغرب حاضرة وبادية. يسمسرون بها كما يسمسرون الدواب بل أفحش. قد تمالأ الناس على ذلك وتوالت عليه أجيالهم، حتى صار كثير من العامة يفهمون أن موجب الاسترقاق شرعًا هو أسود اللون وكونه مجلوبًا من تلك الناحية. وهذا لعَمْر الله من أفحش المناكر وأعظمها في الدين؛ إذ أهل السودان قوم مسلمون. فلهم مالنا وعليهم ما علينا، ولو
فرضنا أن فيهم من هو مشرك أو متدين بدين آخر غير الإسلام فالغالب عليهم اليوم وقبل اليوم بكثير إنما هو الإسلام والحكم للغالب. ولو فرضنا أن لا غالب. وإنما الكفر والإسلام متساويان هنالك، فمن لنا بأن المجلوب منهم هو من صنف الكفار لا المسلمين"92. ويهاجم الناصري النخاسين الذين يبررون بيعهم للعبيد بأن أهل السودان كفار غير مسلمين ويجوز بيعهم، واتهم الجالبين والبائعين بالكذب، لأن المتاجرين بهؤلاء المجلوبين من بلاد السودان يكذبون في ادعائهم أن هؤلاء غير مسلمين. فمن طباع النخاسين الكذب وعدم الأخلاق من أجل ترويج بضاعتهم كما يقول: "ولا ثقة بخبر الجالبين لهم والبائعين لهم. لما تقرر وعلم في الباعة مطلقًا من الكذب عند بيع سلعهم وإطرائها بما ليس فيها. وفي باعة الرقيق خصوصًا مما هو أكثر من ذلك. كيف ونحن نرى أن الذين يجلبونهم أو يتجرون فيهم إنما هم من لا خلاق لهم ولا مروءة ولا دين، والزمان كما علمت وأهله كما ترى [...]. ورأينا بالمشاهدة أن الجالبين لهم والمتّجرين فيهم من لا خلاق لهم ولا دين لهم لم يبق لنا توقف في أن الإقدام على شراء هذا الصنف محظور في الشرع والمقدم عليه مخاطر في دينه"93. دافع الناصري عن إنهاء بيع العبيد في الأسواق التي كان يلاحظها بنفسه، لقد عمل في مراكش وفاس وغيرها من المدن المغربية التي كانت فيها أسواق العبيد قائمة. وقدّم الحجج الدينية القوية في وجه البائع والمشتري، معللً موقفه بنصوص من القرآن والسنة وكتب الأئمة (مالك بن أنس)، داعيًا إلى الاجتهاد وفق المذهب المالكي في "سد الذريعة"، مبيّنًا أن سبب الاسترقاق الشرعي الذي كان في عهد النبي مفقود اليوم. وحتى إذا حار الإنسان في هذا الأمر، فإن الناصري يوصيه مستندًا إلى الحديث النبوي: "استفت قلبك وإن أفتوك"94؛ فحتى في حالة أنّ قومًا من السودان كانوا كفارًا، لا يجب استعباد البشر والاتجار بهم، لأن "الأصل في نوع الإنسان هو الحرية والخلو عن موجب الاسترقاق، ومدعي خلاف الحرية مدعٍ لخلاف الأصل"95. بهذه الرؤية الإنسية والإنسانية تناول الفقيه والمثقف السلاوي الاتجار بالرق الذي كان سائدًا في مغرب القرن التاسع عشر. انبرى الناصري، على عكس غيره من متعلمي عصره، مطالبًا بنبذ الاسترقاق. ويُطرح السؤال عن خصوصية هذا المؤرخ ذي التكوين التقليدي الفقهي في التميز من سابقيه، وحتى لاحقيه في موضوعٍ ذي حساسية دينية. فقد فرغ من كتابه سنة 1880، وطبعت نسخته الأولى سنة 1894 بالقاهرة التي كانت بدورها تعرف جدلً حول منع الرقيق، والتي عرفت مقاومة كبيرة من الفقهاء لموافقة مصر على منع تجارة العبيد. لقد تلقّى الناصري تعليمًا دينيًا تقليديًا مثل معاصريه في القرن التاسع عشر، ودرس المتون الفقهية في سلا والقرويين، وظل في تكوينه وتدريسه على خطى من سبقه. وتقلب في عدة مهمات إدارية في خدمة المخزن انتقل فيها بين عدة مدن؛ من بينها طنجة والعرائش ومراكش وفاس والجديدة والدار البيضاء وغيرها من المدن. وكان يتولى مناصب تتعلق بالجمارك وتدبير الأملاك المخزنية المالية، وغيرها من المهمات الإدارية96. كانت للناصري علاقات وطيدة بالقناصل الأجانب في هذه الموانئ بحكم عمله، وقد استشاره السلطان الحسن الأول في المعاملة التجارية مع أوروبا وكتب له تقريرًا في هذا الشأن. وكان يقطن هذه المدن الساحلية قناصل وتجار أوروبيون عرفوا بضغوطاتهم على السلطان كي يمنع تجارة العبيد، واستهدفت حملتهم الأسواق بالمدن. تابع الناصري الحملات بوصفه رجلً في إدارة المخزن في الموانئ وشخصًا له علاقة بالقناصل بحكم مهماته، وبوصفه عالمًا وفقيهًا وإنسانًا كان يرى بأم عينه ما يتعرض له العبيد. كان غيورًا على الدين
من دون أن يكون متعصبًا له، وانفتح على المراجع الأجنبية في كتابة تاريخ المغرب. يكتب عنه أحد أحفاده في سيرته أنه لم يكن متعصبًا: "كان واسع الفكر، حر الضمير معطيًا كل ذي حق حقه [...] يحب تعلم اللغات الأجنبية، ومخالطًا رجال الدولة الأوربية، للاقتباس من معارفهم، وكانت له مع بعض قناصل الدول والتجار الأجانب في عصره معاشرة ووداد ومذاكرات ومحاورات ومراسلات علمية في مسائل مختلفة. وطالما كان يهتم بإرسال بعض أنجاله إلى أوربا بقصد أخذ العلم في مدارسها"97. بعد كتابة هذا النص بنحو نصف قرن اعتمدت السلطات الفرنسية الاستعمارية عليه في خوض حملتها ضد تجارة العبيد والعبودية في المغرب. إذ قام إدوارد ميشو بلير بترجمته إلى الفرنسية سنة 1928، وتقديمه حجة لإدارة الحماية الفرنسية في مواجهة بعض الأوساط الدينية بالمغرب التي كانت ترفض منع العبودية مستندة إلى حجج دينية. وأشاد ميشو بلير في تقرير كتبه في السنة نفسها عن الرق في المغرب بأحمد بن خالد الناصري نموذجًا للعالم المستنير98، ونشُرت الترجمة الفرنسية لموقفه عن الرق سنة 1936 تحت عنوان "اعتبارات قانونية عن الرق بالمغرب"99. طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت الضغوطات متواصلة على السلطان المغربي لمنع تجارة الرقيق. وعلى الرغم من تبرير السلاطين ظاهرة الرق بالدين، فإن بعضهم اتخذ قرارات تحاول الحد منه مثل مبادرة السلطان محمد بن عبد الرحمن (1859 - 1873)، الذي قرر سنة 1863 أنّ كل عبد لجأ إلى المخزن طالبًا حمايته لا يعاد إلى سيّده، ويدفع له تعويضًا100. والواقع أن العبد لا يحصل بموجب هذه الحماية على حريته، بل يدمج في جيش المخزن، إنها عملية بيع مضمرة للمخزن كما حدث في جيش البخاري. فالمخزن يشتري بطريقة غير مباشرة، عبر هذا التعويض، العبد من سيّده ويصبح ضمن عبيد المخزن. والملاحظ أن هذه المبادرة نفسها لم تجد تطبيقًا لها على نطاق واسع، وأنها اقتصرت عمومًا على القُوّاد والشيوخ؛ فقد كان العبيد اللاجئون إلى القصر لا يردون إليهم؛ إذ إن هؤلاء الأسياد هم أنفسهم خدام لدى المخزن الذي يمكن أن يسلبهم ثروتهم في أي وقت، فهم "خدام" السلطان لا فرق بينهم وبين الخدم الآخرين في نظر المخزن. كان السلطان في مراسلاته يميز بينهم بعبارات رسمية: "خديمنا الأرضى"، بالنسبة إلى القُوّاد، و"وصيفنا الأرضى"، بالنسبة إلى عبيد المخزن. لم يكن أي قائد يجرؤ على المطالبة باستعادة عبدٍ له طلب حماية المخزن101. وفي سنة 1905، منع السلطان مولاي عبد العزيز الأسواق العمومية في المدن خاصة الساحلية، وظلت الأسواق في البوادي والمناطق الداخلية قائمة مدة سنوات إلى ما بعد دخول الاستعمار الفرنسي.
خاتمة
إذا كانت العبودية من القضايا التي شغلت الرأي العام الغربي، وجعلت قناصل الدول الأوروبية وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا يكثفون ضغوطهم على المخزن المغربي ودفعه إلى إلغاء تجارة العبيد، فإن إعلان الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912 كان فرصة كي تقوم فرنسا بتحقيق هدفها بمنع تجارة الرق العلنية والسرية والعبودية بصفة عامة. ومن خلال تتبع سياسة الدولة الفرنسية الحامية، تبيّن أنها راعت قبل كل شيء مصلحتها السياسية الآنية في تدبير مسألة العبودية في المغرب، وتبنّت سياسة براغماتية تعكس المفارقة
بين الخطاب والممارسة. ففي المناطق التي احتلتها فرنسا، كان البيع العمومي محظورًا، في وقت ازدهرت فيه تجارة سرية تحت حماية المخزن: الباشاوات والقُوّاد والأعيان. واختفت تجارة العبيد والعبودية في المغرب ببطء. هذا الموت البطيء، كما هو الحال في البلدان الأفريقية الأخرى102، كان نتيجة تطور المجتمع المغربي خلال القرن العشرين، عندما لم يعد لأسواق العبيد وممارسات العبودية التقليدية مكان في الدولة الحديثة103. كانت نهاية العبودية في المغرب أمرًا فرضه واقع حال التحولات الاجتماعية، والدليل على ذلك أنه لا يوجد في المغرب أي قانون يمنع العبودية رسميًا، عدا ما نص عليه الفصل الخامس من دستور 1962 من كون المواطنين المغاربة سواسية أمام القانون، ثم توقيع المغرب معاهدات دولية تمنع الرق.
المراجع
العربية
بن الصغير، خالد. المغرب في الأرشيف البريطاني: مراسلات جون دراموند هاي مع المخزن 1846 - 1886. ط 2. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2009.
بنمليح، عبد الإله. الرق في بلاد المغرب والأندلس خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2004.
التنبكتي، أحمد باب بن أحمد أبو العباس. معراجالصعود إلىنيلمجلوبالسودان. تحقيق وترجمة فاطمة الحراق وجون هانويك. الرباط: منشورات معهد الدراسات الأفريقية، 2000.
روجي، لوطورنو. فاسقبلالحماية. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1992.
سارستاين، سارة أبريفايا. يهود في مهب الريش: تجارة ريش النعام الدولية. ترجمة خالد بن الصغير. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2018.
الفاسي، الحسن بن محمد الوزان. وصفإفريقيا. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983.
المراكشي، عبد الواحد. وثائقالمرابطينوالموحدين. تحقيق حسين مؤنس. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 1997.
المغربي، السموأل بن يحيى بن عباس. نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب. تحقيق سيد كسروي حسن. بيروت: دار الكتب العلمية، 2008.
الناجي، محمد. جندوخدموسراري: الرقّ في المغرب. ترجمة محمد الغرايب. بني ملال: منشورات فاليا، 2018.
الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد. الاستقصالأخباردولالمغربالأقصى. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997.
نوادرالمخطوطات. تحقيق عبد السلام هارون. ط 2. القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1973.
الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب. تحقيق محمد حجي. الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية؛ بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1981.
الأجنبية
• Abitbol, Michel. "Le Maroc et le Commerce Transsaharien du XVIIe au Début du XIXe Siècle." Revue de
• _______. "The 19 th Century Islamic Slave Trade from East Africa (Swahili and Red Sea Coasts): A Tentative
• Baumier, Auguste. "Premier Établissement des Israélites à Timboktou." Bulletin de la Société de Géographie.
References
l'Occident musulman et de la Méditerranée. no. 30 (1980).
• Austen, Ralph. Trans-Saharan Africa in world history. New York: Oxford University Press, 2010.
Census." Slavery & Abolition. vol. 9 (1988).
no. 2 (1870).
• Botte, Roger. Esclavages et abolitions en terres d'Islam. Bruxelles: André Versailles Éditeur, 2010.
• Brives, Abel. Voyages au Maroc 1901 - 1907. Alger: Adolphe Jourdan, 1909.
• Brooks, Louisa a E D -H & Alice Emily Drummond-Hay. (eds.). A Memoir of Sir John Drummond Hay. London:
John Murray, 1896.
• Curtin, Philip D. The Atlantic Slave Trade: A Census. Madison: Wisconsin University Press, 1969.
• En-Naciri, Ahmed Ibn Khalid. "Considérations juridiques sur l'esclavage au Maroc." Archives Marocaines. vol.
• Ennaji, Mohamed & Paul Pascon. Le Makhzen et le Sous al-Aqsa: La correspondance politique de la Maison d'Iligh ,
1821 - 18 94. Paris: Editions Toubkal, 1988.
• Ennaji, Mohmed & Khalid Ben Srhir. "La Grande-Bretagne et l'esclavage au Maroc au XIXe siècle." Hesperis
Tamuda. vol. 29 , no. 2 (1991).
• Ennaji, Mohamed. Soldats, Domestiques et concubines: L'esclavage au Maroc Au XIXe siècle. Paris: Balland,
• Gemery, Henry A. & Jan S. Hogendorn (eds.). The Uncommon Market: Essays in the Economic History of the
Atlantic Slave Trade. New York/ London/ San Francisco: Academic Press, 1979.
• Gemery, Henry A. & Charles H. Allen. Tripoli, Tunis, Algeria and Morocco. Report to the Committee of the
British and Foreign Anti-Slavery Society. London: British and Foreign Anti-Slavery Society, 1892.
• Jackson, James Grey. Relation de l'empire de Maroc: Description du Maroc, de la Côte Ouest Africaine et de
Tombouctou, 1789 - 1805. Rabat: Institut des études Africaines, 2007.
• Lempriere, William. Voyage dans l'empire de Maroc et le Royaume de Fez, fait pendant les années 1790 et 1791.
Paris: Tavernier, 1801.
• Lewis, Bernard. Race et Esclavage au Proche-Orient. Paris: Éditions Gallimard, 1993.
• Loti, Pierre. Au Maroc. Paris: Imprimerie Chaix, 1890.
• Lovejoy, Paul & Jan Hogendorn. Slow Death for Slavery: The Course of Abolition in Northern Nigeria, 1897 - 1936.
Cambridge: Cambridge University Press, 1993.
• Mackenzie, Donald. The Khalifate of the West: Being a General Description of Morocco. London: Marshall,
Hamilton, Kent & co., 1911.
• Marcet, Adolphe. Le Maroc: Voyage d'une mission française à la cour du sultan. Paris: Plon, 1885.
• McDougall, E. Ann. "A Sense of Self: The Life of Fatma Barka." Canadian Journal of African Studies. vol. 32 ,
no. 2 (1998).
• Mettas, Jean. "Pour une histoire de la traite des noirs française: Sources et problèmes." Revue Française d'histoire
d'outremer. vol. 62 , no. 226 / 227 (1975).
• Miège, Jean-Louis. Le Maroc et l'Europe 1830-1894. 3 ème ed. Paris: Presses Universitaire de France, 1961.
• Montagne, Robert. Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc. Paris: Librairie Félix Alcan, 1930.
• Naïmi, Mustapha. "La rive Sud-saharienne de 1842 à 1872 dans les registres comptables de la famille Bayruk:
l'Apport de trois nouvelles sources." Paper presented at:Colloque sur les sources arabes de l'histoire africaine,
Unesco, Commission internationale pour une histoire scientifique et culturelle de l'humanité. Rabat, 1-3 Avril
• Pascon, Paul. "Le commerce de la maison d'Ilîgh d'après le registre comptable de Husayn b. Hachem (Tazerwalt,
1850-1875)." Annales. Économies, Sociétés, Civilisations. no. 3 / 4 (1980).
• Samb, Djibril (ed.). Gorée et l'esclavage. Dakar: Université Chiekh Anta Diop, 1997.
• Savage, Elizabeth. (ed.). The Human Commodity. Special Issue of Slavery and Abolition. vol. 13 , no. 1 (1992).
• Vergniot, Olivier. "De la distance en histoire. Maroc - Sahara occidental: Les Captifs du hasard (XVIIe-XXe
siècles)." Revue de l'Occident musulman et de la Méditerranée. no. 48 / 49 (1988).
• Wright, John. "Morocco: The Last Great Slave Market?" The Journal of North African Studie s. vol. 7 , no. 3
• ________. The Trans-Saharan Slave Trade. London/ New York: Routledge, 2007.