المخزن والبايليك: ملاحظات حول مظاهر السلطة وآليات الحكم في البلاد المغاربية: تونس والمغرب نموذجا
Makhzen and Beylik: Observations on the Features of Authority and Mechanisms of Government in the Maghreb: Tunisia and Morocco
الملخّص
يتناول هذا البحث جوانب من آليات السلطة وأساليب الحكم في البلاد المغاربية من خلال المقارنة التركيبية بين التجربتين المغربية والتونسية في مرحلة ما قبل الاستعمار، وذلك عبر فهم دلالات مفاهيم السلطة وكيف جرى تمثُّلُها في الخطابين المحلي والكولونيالي، بالإضافة إلى محاولته الكشف عن المرتكزات التي تأسس عليها أسلوب الحكم، وجوانب من آليات المشروعية السياسية، وأساليب الحفاظ عليها. ويحاول البحث الكشف عن مظاهر التقاطع والتماثل في التاريخ المغاربي، من خلال دراسة إشكالية السُّلطة وآليات اشتغالها، ليخلص إلى وجود تشابهات كثيرة بين التجربتين المغربية والتونسية، على مستوى الثقافة السياسية وأدواتها، إلى جانب وجود تقاطعات كثيرة على صعيد العلاقة بين دوائر الحكم ومكونات المجتمع، رغم اختلاف المؤثرات الخارجية، التي ساهمت في تحديد مسارات التطور التاريخي بالبلدين.
Abstract
This paper assesses various aspects of the mechanisms and styles of government in the Maghreb through a complex comparison of precolonial Morocco and Tunisia. It assesses the concepts of power and asks how they were represented in local and colonial discourse and uncovers the foundations of political legitimacy on which styles of government were built. It looks for intersections and similarities in Maghrebi history, And concludes that there were many commonalities in the political cultures of these two regions despite the different external factors that determined the historical trajectory taken by each country.
- السلطة الرمزية
- المخزن
- البايليك
- المغرب
- تونس
- Symbolic Power
- Makhzen
- Beylik
- Morocco
- Tunisia
| عبد المجيد أيت القايد*Abdelmajid Ait Elcaid | | |
|---|---|
| j ي| ي جمي ب | |
| المخزن والبايليك: ملاحظات حول مظاهر السلطة وآليات الحكم في الب الد المغاربية تونس والمغرب نموذجن Makhzen and Beylik: Observations on the Features of Authority and Mechanisms of Government in the Maghreb Tunisia and Morocco |
مقدمة
اتخذ الاهتمام بدراسة أشكال الحُكم وآليات ممارسة السلطة في الفضاء المغاربي، والعالم الإسلامي عامة، بعدًا أكاديميًا، في سياق مبحث التاريخ السياسي، غير أن النظر إلى مفهوم السلطة من زاوية أبعاده الرمزية أضفى على الموضوع نوعًا من المشروعية في إطار الأبحاث الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، التي تناسلت تزامنًا مع بداية الأطماع الاستعمارية، وما ارتبط بها من توظيف لسلطة المعرفة خدمة للأهداف التوسعية الاستعمارية، على اعتبار أن الاستعمار يقتضي فهم بنى المجتمع المراد استعماره في مقدمة لاستغلاله ماديًا وبشريًا. ومع تطور البحث التاريخي المغاربي، وتأثرًا بتيار التاريخ الاقتصادي والاجتماعي مع مدرسة الحوليات الفرنسية، بدأ إدراج "السلطة" بوصفها إشكالية على قائمة البحوث المختصة في مجال التاريخ الاجتماعي، في إطار الاهتمام بدراسة العلاقات بين السلطة المركزية وباقي شرائح المجتمع. وفي هذا السياق، أسفر الجهد الفكري لجيل المؤرخين المغاربة الثاني بعد الاستقلال عن حصيلة مهمة من الدراسات حول موضوع السلطة ومظاهرها وتجلياتها، علمًا أن معظم تلك الأبحاث اكتسى بعدًا مونوغرافيًا. وبالنظر إلى الفوائد الجمة للبحث التاريخي في مسعاه التركيبي والتنظيري والمقارن، فإن إشكالية هذه الدراسة تتمحور حول رصد التقاطعات الملاحظة بين المغربين الأدنى والأقصى على مستوى آليات الحكم ومظاهره، في مرحلة ما قبل الاستعمار.
أولً: المخزن والبايليك بين المفهوم والسياق التاريخي
يكتسي مجال تحديد المفاهيم أهمية مركزية في البحوث العلمية الحديثة، رغم الصعوبات التي تحول دون ذلك، لا سيما المفاهيم التي تندرج ضمن الحقل الدلالي الاجتماعي، والمرتبطة على نحو أو آخر بالفعل الإنساني، سواء كان ذلك الفعل سياسيًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا أو غيره. فهناك قاعدة مفادها أن لكل المفاهيم مرجعيات محددة، كما أنها تحتمل تأويلات عديدة بحسب قصد مستخدمها. وقد سبق لميشال فوكو أن أكد أن "للمفاهيم تاريخها، تراكماتها، تقاطعاتها وحقول استخدامها، وهي تعرف تداخلً وتشابكًا وتحولً، بل وغموضًا أيضًا"1. ويندرج مفهوم المخزن ضمن الحقل الدلالي الاجتماعي والسياسي والثقافي، فهو يحمل دلالات ومعانيَ متعددة ومتنوعة. فكيف وقع تمثّل هذا المفهوم في كل من المغرب الأقصى والإيالة التونسية؟ وأيّ فروق وتقاطعات يمكن استجلاؤها على مستوى شكل الحُكم وآلياته بين المغربَيْن؟ وأيّ صورة رسمتها الهيستوريوغرافيا التقليدية المغاربية حول المصطلح؟ وما طبيعة التأويل الذي صاغته الكتابات الأجنبية حوله؟
1 ي. محاولة ف ضبط المفاهيم
أ. المخزن
إن كلمة "المخزن" مشتقة من فعل الخَزْن، وهي "مصدر ميمي لفعل خزن بمعنى احترز ومسك المال مثلً في خزانة"2، وتشير إحدى الدراسات إلى أن كلمة المخزن هي الترجمة العربية ل "إغرم" و"أكادير" اللتين تندرجان ضمن تقاليد المصامدة3، أكبر القبائل الأمازيغية في السهول والجبال، والتي ترتكز في الأساس على التنظيم والانضباط4. أما من الناحية السياسية، فالمخزن هو نظامُ حُكمٍ قريب من مختلف النماذج الأخرى التي عرفها العالم الإسلامي، إذ تتشابه بنيته تشابهًا كبيرًا مع البنية التي عرفتها الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى5، مثل الإمبراطورية العثمانية، كما يتشابه أيضًا مع الإمارات الصغرى التي قامت في مختلف أقطار العالم الإسلامي، ومنها نظام البايليك في الإيالة التونسية. فما المقصود بكلمة "بايليك"؟ وفي أي سياق جرى سحبها على نظام الحكم في إيالة تونس؟
ب. البايليك
ظهر مصطلح "البايليك" في الإيالة التونسية منذ القرن الثامن عشر، حين بدأ الفاعلون السياسيون التونسيون تداوله على حساب مصطلح "المخزن" الذي يعود إلى عهد الدولة الحفصية. ويفسِّر عبد الحميد هنية هذا التغيير الجذري بالرغبة لدى السياسيين التونسيين في خلق بناء سياسي جديد يختلف في مضمونه وهياكله عن المخزن الحفصي6. وقد اشتُقّ هذا المصطلح من كلمة "باي"، التي تطلق على حاكم الإيالة التونسية في العهد العثماني، ويُعرِّفها المؤرخ محمد الصغير بن يوسف قائل: "ولما أتت أولاد علي تركي وملكوا عمالة تونس فالمتولى منهم يسمى باي [وما معنى الباي... قيل يا شجاع] وقيل يا أمير"7. فالكلمة، إذًا، تدل على نظام الحكم الذي أسسه الأتراك العثمانيون في الإيالة التونسية، منذ حضورهم الأول بها في النصف الثاني من القرن السادس عشر، وقد تطور ذلك الحكم إلى أن استقر في نظام البايات الذي عمّر طويلً إلى غاية السنين الأخيرة من الاستعمار الفرنسي8 للبلاد التونسية. ويقول بن يوسف عن هذا التطور: "وتوالت الدولة التركية باشا ثم بلكباشية ثم داي ثم باي إلى الزمن الذي نحن فيه [الذي هو القرن الثامن عشر"]9.
أما محمد بن الخوجة فيعرف لفظ الباي قائلً: "اعلم أن أول الألقاب الملكية الحسينية هو لقب الباي، معرب من لفظ بك في التركية [...] ومعناه السيد العظيم، وهو في أصله عندهم [أي الترك] من ألقاب رؤساء الجيش وأبناء الباشوات، كما أن لفظ باي برسمه هذا معناه أمير في اللغة الفارسية"10. وفي الحصيلة النهائية، نشير إلى أن مصطلحَي "مخزن" و"بايليك" استُخدما في مراحل تاريخية مختلفة، للدلالة على نظام الحكم في البلاد المغاربية، وتحديدًا المغرب الأقصى وإيالة تونس، إذ يُقصد بلفظة البايليك سلطة البايات وأتباعهم من قادة وعائلات مخزنية، تُشكل قاعدة استند إليها الحكم المخزني الحسيني، على غرار عائلة بن عياد والجلولي والمرابط وغيرها. وكان يُشار به إلى كل من تربطه صلة بدوائر البلاط بلفظة "مخزن."
2. السياق التاريخي لبروز منظومة المخزن
تعود الجذور التاريخية لبروز هذا المصطلح إلى عهد الدولة الأغلبية التي حكمت المغرب الأدنى في الفترة الممتدة ما بين القرنين التاسع والعاشر للميلاد، وهو الأمر الذي يؤكده القول المأثور عن محمد بن الحسن الحجوي11، الذي يفيد أن "الأصل فيها [أي كلمة مخزن] أن العرب لما اختطوا القيروان، واختطوا دار الوالي جعلوا بها مخزن المؤن والذخائر والأموال التي تُجبى من الرعية وتُدفع للجيش والموظفين، فصار اسم المخزن يطلق على دار الولاية التي هي مركز الحكومة"12. ويحيل هذا النص على المعنى المتداول لمصطلح المخزن، والمرتبط بالمكان، حيث كانت تُخزَّنُ الجبايات المُحصَّلة من قبل ولاة الخلافة العباسية، كما يحيل أيضًا على العلاقة الجدلية بين مكان الخزن والادخار، ومركز الحكم. فكيف انتقل المصطلح من دلالته البسيطة على المكان إلى تعبير دال على التنظيمات الإدارية والسياسية؟ وإلى أي حد يمكن الحديث عن سلطة مخزنية في عموم المجال المغاربي؟ يطالعنا الحجوي ببعض عناصر الجواب قائلً: "وبقي ذلك الاسم سائرًا إلى أن وصل المغرب الأوسط والأقصى. فهو الآن يطلق في الأقطار الثلاثة بالمعنى المتقارب، أو المتحد، على ما يطلق عليه 'الباب العالي' عند الترك في الأستانة وكما يطلق لفظ الأعتاب الشريفة في المغرب الأقصى، فهي مرادفة لها تقريبًا، وإذ يطلق لفظ مخزن في المغرب الأقصى انصرف إلى رجال الدولة من غير احتياج إلى قرينة، لأنه حقيقة عرفية فيهم فهو إطلاق مغربي عربي إفريقي"13. وهكذا، ظهر مصطلح المخزن، ولأول مرة في المغرب الأدنى (تونس الحالية)، ومع مرور الزمن تطور ليظهر جليًا في المغرب الأقصى، كما أنه "بقي سائرًا في تونس إلى أن وصل المغرب الأوسط والأقصى"14. وتجدر الإشارة إلى أن دراسات لطفي عيسى هي من أبرز الدراسات التي أفردت جانبًا من اهتمامها لتوضيح دلالات هذا المصطلح، وقد خلص المهدي جراد في متابعته مسار مصطلح المخزن إلى أن هذه "اللفظة"، بعد أن كان يقصد بها الصندوق الذي كانت تجمع فيه
"أموال الخراج وتوجه إلى الخلافة الإسلامية بالمشرق"، أضحت تطلق تدريجيًا على مكان خزن الجبايات العينية، ما جعلها تتخذ دلالة إدارية منذ العصر الموحدي ثم مع الحفصيين، لتتخذ الكلمة بعد ذلك دلالة سياسية في أيام البايات المراديين والحسينيين، إذ أضحى المصطلح مرادفًا لجهاز السلطة المركزية15. ويُرجع بعض الدارسين أصول كلمة "المخزن" في المغرب الأقصى إلى عهد الموحدين، لتنتشر بعد ذلك في كامل البلاد المغاربية16، ومع ما تؤكده المصادر من أن المصطلح انطلق أساسًا من إفريقية (تونس الحالية) في العهد الأغلبي، وأصبح يحمل دلالة إدارية مع تراجع تبعية إيالات شمال إفريقية للخلافة العباسية في بغداد، إذ ظهر أول تنظيم سياسي للمخزن المغربي في عهد الأدارسة. ويتضح أن الجهود التحليلية لهؤلاء الباحثين استهدفت توضيح المدلول الإداري للمصطلح، دون معناه الاقتصادي المرتبط بمكان خزن أموال الجباية الذي تعود أصوله الأولى إلى العهد الأغلبي، كما أسلفنا. وشدَّد لطفي عيسى من جانبه على أن لفظة "المخزن"، كما برزت إلى الوجود في أيام الأغالبة، لم يكن معناها يتجاوز نعت الصندوق الذي كانت تجمع فيه الأموال الموجهة إلى بيت مال المسلمين بالمشرق، ولم يتم سحبها على جهاز الحكم إلا عندما تمكّن المغرب الأقصى من الإفلات من التبعية للخلفاء العباسيين في المشرق وممثليهم، سواء في إفريقية أو في الأندلس "على أيام الدولتين المرابطية والموحدية عندما تم إطلاق هذه التسمية على جميع المؤسسات والدواوين الإدارية المركزية التي كانت تعيش من مداخيل هذه الخزينة أساسًا"17. وقد جرى سحب هذه التسمية كليًا على جميع أجهزة الدولة في العهد الموحدي، عندما نقل يعقوب المنصور الموحدي (1184 - 1199 م) مجموعات من القبائل العربية من إفريقية إلى الساحل الغربي للمغرب الأقصى، وأوكل إليها مهمة جمع الخراج أو ما كان يسمى ضريبة "النايبة"18. وقد تواصلت السياسة نفسها مع المرينيين والزيانيين والحفصيين19 الذين "استندوا بدورهم إلى القبائل الهلالية والسليميّة في الحفاظ على واقع الحكم بأيديهم أو تنظيم عملية اقتسام النفوذ معغيرهم"20. لقد طرأت تغييرات وتحولات تدريجية على جهاز الحكم ببلاد المغارب مع نهاية نموذج دولة الخلافة21، واستقلال بلاد المغرب عن المنظومة الإسلامية بالمشرق22، فاستوعبت مؤسسة المخزن مجمل تلك التحولات، والتي اكتملت صورتها النهائية في عهد الدولة السعدية في المغرب الأقصى، حيث تميزت الممارسة السياسية بطقوس احتفالية تعود أصولها الأولى إلى عهد الأمراء الحفصيين في
الإيالة التونسية والمرينيين والوطاسيين في المغرب الأقصى23. فهل تعني تلك التطورات أن في الإمكان مقارنة السلطة المخزنية بنموذج الدولة الحديثة؟
3. السلطة المخزنية بين نموذج الدولة التقليدية والدولة الحديثة
دأبت الدراسات التاريخية على تناول موضوع المخزن في المغرب انطلاقًا من كونه مفهومًا دالً على البنى التقليدية التي استعصى تحديثها، ويصعب مقارنتها ببنى الدول الحديثة، على شاكلة ما كان سائدًا في أوروبا24، التي تعود سيرورات بناء الدولة الحديثة فيها إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين25. وقد اعتبر هنية إطلاق مصطلح "المخزن" وتداول الفاعل السياسي بالقُطر التونسي له مؤشرًا على أن الدولة الحديثة التي "تأسست في البلاد التونسية" لم تكن مستوردة في شكل جهاز سبق صنعه في أوروبا، أو في رقعة أخرى من العالم، بل إن نشوءها سابق على القرن السادس عشر وعلى الحضور العثماني كذلك، ورجح أن بوادره الأولى تعود إلى العهد الحفصي، وتحديدًا في القرن الثالث عشر للميلاد؛ إذ يشير توظيف الفاعلين السياسيين الحفصيين لكلمة "المخزن" على نحو صريح إلى "ظهور بناء سياسي مركزي جديد يختلف في مدلوله ومحتواه عن البناءات السياسية السابقة، مما ولد لديهم الحاجة لاستنباط مصطلح جديد يتماشى والواقع المستحدث"26. وإذا كانت كلمة "المخزن" في المغرب الأقصى قد "أصبحت منذ مطلع العصر الحديث تدل على مجموع التنظيمات الإدارية"27، فإننا نسجل، في المقابل، أن تلك التنظيمات والأجهزة الإدارية لم تتسم بالنجاعة والفاعلية الكافيتين، حتى يستقيم وصفها بأجهزة إدارية حديثة وحقيقية، فقد تميزت في معظم فترات التاريخ المغربي بهشاشة البنى الإدارية والسياسية على مختلف الصُعد، باستثناء بعض المحطات التاريخية التي شكلت استثناءات، تهاوت أركان كل ما تم بناؤه خلالها في لمح البصر، نتيجة عوامل بنيوية وأخرى ظرفية28. وفي المقابل، جاءت كلمة "المخزن" لتدل في نظر هنية على وجود أجهزة ثابتة ومتماسكة، وتفيد "تواصل الاستقرار في ممارسة النفوذ، من ناحية، والمركزة في ما يتعلق بالمحاصيل الجبائية واحتكارها من ناحية أخرى، وهو ما لا تتضمنه عبارة الدولة التي تفيد قبل كل شيء التداول وعدم التواصل والاستقرار"29. الحاصل أن ما اتفقت عليه الأبحاث التاريخية التي تناولت بالدرس مؤسسة المخزن من زاوية علاقتها بمفهوم الدولة الترابية، هو أن "المخزن" هو المفهوم الذي تزخر به المصادر الإخبارية بالفضاء العربي الإسلامي، في الوقت الذي برزت فيه الدولة الترابية بوصفها
مؤسسة إدارية وسياسية في أوروبا الغربية30. وهو ما انخرطت في مناقشته أيضًا الكتابات الأجنبية، لكن من وجهة نظر تحكمت فيها الأيديولوجيا، ووفق منطق ارتبطت فيه سلطة المعرفة بالأهداف السياسية الاستعمارية. فما طبيعة التصورات الذي حملتها الكتابات التاريخية المحلية حول جهاز الحكم بالفضاء المغاربي؟ وما حدود وجاهة التأويلات الأجنبية حول جهاز السلطة في الفضاء ذاته؟
ثانيًا: نظام المخزن بين الوصف المحيل والتأويل الأجنبي
يسلط هذا المحور الضوء على بعض ملامح المخزن كما قدمتها الكتابات التاريخية، مع التمييز بين الهيستوريوغرافيا المحلية التي سنقتصر على التقليدية منها، وبين الكتابات الأجنبية التي عُر ف عنها تحاملها الشديد على جهاز السلطة المخزنية، لما لذلك من أهمية بالغة في إماطة اللثام عن بعض التصورات المتضاربة حول جهاز الحكم في البلاد المغاربية.
1 ي. نظام الحكم المغاربي ف مرآة الهيستوريوغرافيا التقليدية
يتضح لدى مطالعة كتب الحوليات السلطانية حول تاريخ تونس والمغرب31 أن أهم صورة احتفظت بها عن جهاز المخزن تُراوح بين كونه ضامنًا لأمن واستقرار الرعايا المُسالمين، ورادعًا لهواة التمرد وإثارة الفتن والقلاقل، غير أن إمعان النظر في ما بين سطور تلك المدونات المصدرية يدعونا إلى التأمل في السمات المميزة لمخزن البلدين كما وصفته الهيستوريوغرافيا التقليدية. فمن ناحية أولى، زاوجت الهيستوريوغرافيا التقليدية في وصفها المخزن بين الثناء على جبروته أثناء التعامل مع "المارقين" والخارجين عن الطاعة، وبين تعداد مآثره ومحاسنه حين يتعلق الأمر بعطاءاته وعطفه على رعاياه من العلماء والفقراء وغيرهم، ما يفيد أن المخزن كان يعتمد على قوة الشوكة وصلابة القبضة، لكن أيضًا يدعمها بهالة رمزية لا تقل عنها فاعلية في تثبيت أركان مُلكه وضمان استمرارية حكمه. وقد انتبه محمد جادور في دراسته حول مخزن أحمد المنصور السعدي (1578 - 1603) والمولى إسماعيل العلوي (1672 - 1727) إلى أن الخطاب الهيستوريوغرافي الرسمي، وتحديدًا كتب الحوليات السلطانية، حرص أشد الحرص على تضخيم جل مواقف المخزن ذات الصلة بما سمَّاه الباحث "سلطة الكرم"، وذلك سعيًا منه ل "رسم صورة ذات أبعاد مزدوجة يعكس أولُها صفات أخلاقية تظهر أبوية السلطانين، وهما يحسنان إلى الرعية، ويتكفلان بها من منظور الرأفة والرحمة، طلبًا للتوبة والجزاء في الدار الأخرى"32، ويبين ثانيها وجاهة الحاكم وتعاليه على المجتمع. ومن ناحية ثانية، دأبت تلك الهيستوريوغرافيا على اجترار رواية تكاد تكون ثابتة، تصاحب فيها مسار حكم كل سلطان أو باي جديد من بداية عهده إلى انحلال مُلكه إما بموت وإما بقتل33. وبين هذه وتلك تبدو التجارب متماثلة وتنحو إلى أن تطابق
نظرية ابن خلدون في عمر الدول، التي تبدأ بالشباب وتنتهي بالشيخوخة والهرم. فهذا الناصري، في الاستقصا، يصف مبدأ حكم أقوى سلاطين المخزن العلوي، المولى إسماعيل (1672 - 1727) قائلً: "ولما تمت بيعته نهض بأعباء الخلافة وضبط الأمور وأحسن السيرة "34، ويصف نهاية عهده بنبرة ملؤها الحسرة على أيامه التي كانت "من الأمن والعافية وتمام الضبط حتى لم يبق لأهل الدعارة والفساد محل يأوون إليه ويعتصمون به ولم تقلهم أرض ولا أظلتهم سماء سائر أيامه"35. وهذا محمد الصغير بن يوسف، صاحب المشرع الملكي، يتتبع عهد الباي حسين بن علي (1705 - 1735)، الذي أرسى دعائم المخزن الحسيني، بادئًا بالقول "ولما استقر على كرسي المملكة التونسية، وتصرف في قطر بلاد إفريقية، وسار في الناس سيرة مرضية، فما اطلع على بر ومعروف إلا وأخذ في اتصاله، ولا علم بمنكر إلا وبالغ في دفعه وانفصاله، وقمع شوكة أهل البغي والفساد، وقمع طائفة الخلاف والعناد، وانقاد له العاصي، وأطاعه الداني والقاصي، ورق بالفقراء والرعية، وساس البلاد بأحوال مرضية، واهتم بإجراء الشريعة المحمدية"36. وقد ختم كلامه مرددًا اللازمة نفسها التي تتكرر في نهاية كل عهد، ونجد شبه تطابق لها في المصادر الأخرى، ما يؤكد أن الرصيد الرمزي للسلطة المخزنية بالبلدين، والذي راهن عليه سلاطين المغرب وبايات الإيالة التونسية بقوة، اضطلع بدور مهم في تحقيق الاستقرار والحفاظ على الحكم، وفي ضمان المزيد من الضبط للمجال والمجتمع. ومن ناحية ثالثة، لا تخلو متون الخطاب الهيستوريوغرافي المحلي من صور رمزية تسعى إلى تكريس نوع من السلطة الرمزية، وطبعها في الذاكرة الجماعية للعامة، ومن ذلك مثلً، احتفاظ تلك الكتابات بأخبار وحوادث تؤكد توظيف السلاطين والبايات ل "سلاح الأدعية"، بوصفه سلطة رمزية مكملة لسلطتهم المادية ومماثلة لها37. ومهما يكن من أمر، فالمطالع للكتب المندرجة ضمن الرواية الرسمية للأحداث، لا بد له من أن يخرج بانطباع مفاده أن تلك الرواية تحاول، كلما أتيحت لها الفرصة، أن تُظهر المخزن في صورة القوي الذي لا يُقهر، من ناحية، والسخيّ الكريم الذي لا يضاهي عطاءه أحد، من ناحية أخرى. وفي كل صفحة من صفحات تلك الكتب نجد نزوعًا نحو تأكيد هذا المعطى وتكريسه. فماذا عن الرواية المحلِّلة والناقدة للأحداث التي جسدها متن الكتابات الأجنبية؟
2. الجدل حول طبيعة السلطة بين الكتابة الأجنبية والأطروحة الوطنية
عمدت الكتابات الأجنبية إلى تناول مجتمعات العالم النامي من دون الالتفات إلى خصوصياتها الاجتماعية والثقافية، ومثال ذلك ما قام به إفانس-بريتشارد Pritchard - Evans. E حين تناول قبائل النوير في السودان وطبق عليها النظرية الانقسامية Segmentarity Theory، مستعيرًا مفاهيم دوركهايم حول التقسيم الاجتماعي للعمل38، وكذلك إرنست غيلنر Gellner Ernest، إذ قام باستعارة انقسامية بريتشارد وطبقها على تاريخ المغرب39، ومثله فعل جون واتربوري Waterbury John حين عمل على الارتقاء بالنظرية الانقسامية من
مستوى القبائل إلى مستوى النخب السياسية والأحزاب في المغرب المستقل40. ومثلهم فعلت لوسيت فالنسي Valensi Lucette حين انطلقت من مفاهيم ماركسية لصياغة نظرية العتاقة التي وَسمت بها المجتمعات المغاربية41. وفي هذا السياق، تندرج الأفكار التي صاغتها الهيستوريوغرافيا الكولونيالية42 حول المخزن، إذ ركزت جهودها على إبراز وظيفة من وظائفه مختزلة وجوده في تلك الوظيفة، متغاضية عن باقي أدواره الأخرى، فوصفته بنظام من العنف المستمر43، وربطت وجوده بالجباية واستخلاصها، حيث قدمته بوصفه جهازًا طفيليًا جاثمًا على رقاب القبائل يسلبها ثرواتها، كما وسمته بالاستبداد44 والمحسوبية والزبونية وحصرت "دوره في قمع القبائل وردعها بواسطة حملات مخزنية عسكرية لاستغلال ثرواتها وإخضاع المناطق السائبة"45. ويضيف واتربوري، في هذا الصدد، أن قوة المخزن كانت رهينة بقوة حلفائه، مما كان يحتم عليه أن يقوم بين كل "عمليتين عسكريتين" بتجديد تحالفاته؛ فالمخزن كان يستند إلى شبكة معقدة من العلاقات، على اعتبار أن السلالات الحاكمة لم تكن تحكم مجالً خاصًا بها ومجردًا من مكونات أخرى، وإنما كانت تعتمد "على فسيفساء من العناصر البشرية"، التي كانت في الغالب تضطلع بدور الوساطة بين الدولة والرعية46، وهو ما اعتبره واتربوري الوجه الآخر لأسلوب ثابت في الحكم لدى المخزن، وهو الأسلوب الذي تلخصه عبارة "فرِّق تَسُد"، إذ نادرًا "ما كان المخزن في حاجة إلى استعمال العنف، بل كان يلجأ إليه عند فشل أساليب أخرى أقل كلفة وأكثر سلمية"47. وهذا القول يتماشى تمامًا مع ما ألحّ عليه جرمان عياش في مختلف أعماله، وإن اختلفت أهدافه عن أهداف واتربوري، فهو يؤكد أن المخزن لم يكن يلجأ إلى خيار القوة إلا عندما يستنفد جميع خياراته الأخرى، والتي من جملتها تدخله المستمر حكَمًا بين القبائل المتناحرة على الدوام، خصوصًا القبائل غير الخاضعة لسلطته. أما واتربوري فقد لخّص الأساليب غير العنيفة التي كان يلجأ إليها المخزن في أسلوب الاختراق عن طريق نهج سياسة التحيز في النزاعات المحلية، وإذكاء الصراعات والمنافسات48، وإعطاء الأفضلية لطرف على حساب آخر، بواسطة نهج ثنائية الامتياز والمعاقبة49. وهذا الأمر يصبّ في صميم الأطروحة الكولونيالية التي ألحّت على أن نظام المخزن كان قائمًا على زرع المكائد بين القبائل والتدخل للفصل بينها، بهدف كسب رصيد رمزي إضافي. وغالبًا ما كان يتحيز لصالح المجموعات القبلية الموالية له. ولئن كان هذا الحُكْم فيه نوع من المبالغة، خصوصًا إذا تم سحبه على كل البلاد المغربية، على اعتبار أن المخزن لم يكن دائمًا في حالة تسمح له بأن يتدخل في
كل مناطق البلاد، لاعتبارات مرتبطة بضعف وسائله التقنية50، فإن من الثابت أن قوة المخزن في بعض الفترات، عهد الحسن الأول (1873 - 1900) مثلً، كان يستمدها من قدرته على زرع المكائد بين القبائل والتدخل حكَمًا بينها في ما بعد51، الشيء الذي أثبتته خاصية التنقل في المجال في عهد هذا السلطان، حتى إن الكتابات التقليدية نفسها نعتته ب "السلطان الذي كان عرشه فوق صهوة جواده"، ومعروف لدى المهتمين بدراسة تاريخ المغرب مدى انبهار الكتابات الاستعمارية بهذه المقولة52. وإذا كانت أطروحة ميشو بيلير53، التي تعكس آراء المدرسة الاستعمارية، أثارت جدلً واسعًا بين الباحثين المهتمين بالموضوع، وخصص بعضهم صفحات من أبحاثه للرد على آرائه وتفنيدها54، فلأنَّ هذا الباحث اقتصر في تحديده مصطلح المخزن على جانب من الجوانب المتعددة المكونة لهذا الجهاز، وحصر كل وظائفه في وظيفة واحدة55. وإن كانت ردود الأطروحة الوطنية هي الأخرى مطبوعة بنوع من الوطنية الزائدة والمبالغة في الدفاع عن المخزن56، خاصة دراسات مرحلة ما بعد الاستقلال. إن المتتبع لأطوار الصورة التي رسمتها الكتابات الاستعمارية حول جهاز المخزن يتضح له انفراد التجربة المغربية بوجود أطروحة طبعت الخطاب العلمي حول نسقه السياسي والاجتماعي، ويتعلق الأمر بنظرية "بلاد المخزن وبلاد السيبة"57؛ إذ دأبت الهيستوريوغرافيا الاستعماريةعلى تقسيم المجال السياسي المغربي إلى مجالين رئيسين: مجال مُتحكم فيه وتناله سلطة المخزن وهو لا يتعدى، في تقدير الباحثين الأجانب، ضواحي المدن، ومجال ثان مترامي الأطراف سائب ولا تسوده سلطة المخزن، ويُعبَّر عنه في المصادر والوثائق ب "المجال الذي لا تناله الأحكام" أو "بلاد النفاق والمخالفة على السلطان"58، وإن كانت هذه النظرية، في جانب منها، واقعًا ملموسًا تؤكده المصادر التاريخية المغربية59، فإن الإيالة التونسية لم تكن بعيدة عن هذا النموذج؛ إذ اعتبرت الأبحاث الفرنسية المجالات الجبلية حاجزًا طبيعيًا عجزت السلطة المركزية عن اختراقه، كما وسمت المجالات البعيدة عن المركز ب "التوحش والانغلاق والإفلات من أي شكل من أشكال المراقبة"60، متجاهلة أشكال المراقبة الأخرى التي خضع لها المجال في المغرب وتونس
قبل الاستعمار، وهي أشكال لا تتماشى في مجملها مع التصور الأوروبي61، غير أن بعض الأبحاث الإنكليزية قدّمت مراجعة نقدية للتصور الفرنسي حول العلاقة بين المركز والمجالات الداخلية62، على غرار المراجعة النقدية والاعتراضات التي أبداها إدموند بورك الثالث III Burke Edmund حول نظرية بلاد المخزن وبلاد السيبة في المغرب63. ورغم الدعم المتواصل الذي حظيت به مؤسسة المخزن من المراديين (1610 - 1702) ثم الحسينيين (1705 - 1957) من بعدهم، ومحاولاتهم المتكررة لضبط المجال وإخضاعه، كما هو الشأن بالنسبة إلى السعديين (1510 - 1659) والعلويين في المغرب الأقصى، فإن المخزن المرادي وبعده الحسيني لم يصلا إلى مرتبة الدولة الترابية "بما أن البايليك يتحكم في مناطق محدودة، وهي المدن ومناطق الاستقرار بصفة عامة، لكن معظم الفضاء كان خاضعًا للقبائل التي لا تعترف بسلطة المخزن إلا لحظة مرور المحلة، أو بواسطة القوة"64. كما أن انتشار ظواهر مثل اللصوصية وقطع الطرق في الإيالة التونسية والمغرب في النصف الأول من القرن التاسع عشر، من المؤشرات التي اعتبرها بعض الباحثين65 دليلً على استقلالية القبائل عن الدولة. وفي المقابل ذهب بعض الباحثين التونسيين مذهبًا يحمّل فيه مسؤولية حالات السيبة تلك للمخزن الحسيني الذي ترك، في نظرهم، هامشًا قانونيًا وأمنيًا للتعامل مع مثل تلك الأنشطة من "دون أن تغفل عن مراقبته ومحاولة السيطرة عليه، وكأنه مثل نوعًا من التوازن المفقود الذي غضت الدولة عيونها عنه، فلا هي نفته ولا هي تركت له حرية التوسع والانتشار"66. وإذا كنا قد أكدنا في البداية تعقد وتشابك دلالات مفهوم المخزن وصعوبة تحديده، ففي المقابل يمكن اعتبار التعريف الذي قدّمه عبد الله العروي لهذا المصطلح تعريفًا دقيقًا ومستوعبًا لدلالات المصطلح على نحو كبير، وإن كان هو الآخر قد صرّح بتشعب دلالاته وتنوعها، مميزًا بين مستويين للمخزن. المستوى الأول وسمه بالضيق ويعني الجيش و"البيروقراطية" في مغرب القرن التاسع عشر، وكل من كان يتلقى راتبًا من بيت المال، وهذا الجانب هو الذي شملته تحليلات الباحثين الأجانب لأنه واضح وبارز للعيان67. أما المستوى الثاني، وهو الذي أغفلته الأطروحة الكولونيالية، فيسميه العروي المعنى الواسع لمفهوم المخزن68، ويشمل المجموعات التي ينحدر منها رجال المخزن، أي فئة الخاصة وقبائل الجيش والمرابطين69، وكل من كانت تناله إنعامات المخزن من هدايا وامتيازات،
وهذه الفئة الأخيرة اضطلعت بدور مهم في بلورة الوظيفة التحكيمية للمخزن، التي أكّدها عياش في رده على الأطروحات الأجنبية، إذ أغفلتها هذه الأخيرة واعتبرت المخزن نظامًا مبنيًا على العنف، ولم يكن يعنيه سوى تحصيل الجباية70. كما ينطوي تعريف المهدي جراد لهذا المفهوم على أهمية بالغة، بالنظر إلى تناوله إياه من زاوية اجتماعية، ما مكنه من الإحاطة بجزئيات أغفلتها العديد من الدراسات الأخرى، وإنْ حصر بنية النظام في شبكة العلاقات المنفعية التي ربطت بين الأوساط الحاكمة وبعض النخب الاجتماعية الأخرى، فقد اعتبر المخزن من جهة "ممثلً في النخب التي ربطت مصيرها بالمركز، والتي تكون نظام الحكم ووسائل الهيمنة على المجتمع برمته، والتي عقدت أيضًا علاقات متميزة ذات صبغة منفعية مع الأوساط الحاكمة"71، واعتبره من جهة أخرى يشمل مجموع الأشخاص الذين كانوا يقدمون خدمات للسلطة الحاكمة وربطتهم بها علاقات ولاء، "والذين يمارسون نوعًا من السلطة الدينية والعسكرية والاقتصادية والسياسية بواسطة الرأسمال الذي يوفرونه، مقابل حصولهم على امتيازات"72. وإجمالً يمكن الخلوص إلى أن المخزن، سواء في الإيالة التونسية أو في المغرب الأقصى، هو نظام من العلاقات المتشعبة والمعقدة تقوم على أساس تبادل المصالح والمنافع الشخصية بين عناصر مختلفة ومتباينة، ويندرج في سلكه كل من يمتلك نفوذًا أو جاهًا ماديًا أو رمزيًا يُسخره في سبيل تدعيم هياكل السلطة. ومن طبيعة نظام المخزن كذلك، قدرته على الحفاظ على ولاء عدد من العناصر التي تشكّل الأساس الذي يستمد منه قوته وحضوره، إذ يستند رمزيًا إلى عدد من الشارات والرموز والإيحاءات والممارسات التي يوظفها لبصم الذاكرة الجماعية بحضوره المستمر، وتعضده أيديولوجيًا فئات مُشكّلة لسلكي العلماء والكتّاب أو أصحاب القلم والأشراف73 الذين تُناط بهم مهمة منحه شرعية التأسيس والاستمرار في الحكم، بينما يستمد قوته المادية من عنصري الجيش بمكوناته المتنوعة المشارب والأصول، ومن الجباية بوصفها مصدرًا أساسيًا لتمويل خزائنه، وهو ما يُفسر الطبيعة الخراجية للدولة في بلاد المغارب. وكثيرًا ما كان المخزن يراهن على قدرته على التكيف المستمر مع المستجدات، ما ضمن له الاستمرارية عبر الزمن رغم الهزات العنيفة التي تعرّض لها، فإلى أي حد استطاع المخزن أن يكسب الرهان، وأن يفرض وجوده على المجال والمجتمع؟ وما طبيعة الآليات الرمزية التي اعتمد عليها في تثبيت ركائزه؟
ثالثًا: ملاحظات حول بعض آليات السلطة الرمزية يف البلاد المغاربية
يمكن اعتبار السلطة الرمزية من المقومات الأساسية التي ارتكز عليها الحكم المخزني بالبلدين؛ ذلك أن رموز أي حكم تعدّ من مستلزمات وجوده وآليات الحفاظ عليه، على اعتبار أن "الجبروت وحده لا يخول الزعامة الكاملة، ما دام يمكنه ممارسة قوة الإكراه وليس الإقناع الذي لا يتم تحقيقه إلا بالسلطة الرمزية"74، فما أبرز المرتكزات الرمزية لنظامي الحكم في الإيالة التونسية والمغرب الأقصى خلال العصر الحديث؟
1. مسألة البيعة
حظيت البيعة في تاريخ المغرب بمكانة بارزة على مستوى تأمين الشرعية للنظام السياسي، وهي تعاقد بين مختلف الأطراف والفاعلين الاجتماعيين، ويعرّفها هنية بأنها "عقد يربط بين مكونات المجتمع السياسي لإعادة بناء السلطة مع إضفاء صبغة القداسة عليها"75. وبذلك، تكون البيعة عبارة عن تعاقد سياسي واجتماعي بين طرفين؛ حاكم تناط به مسؤولية ولاية أمر رعيته والدفاع عن حوزة البلاد وحمايتها من الفتن، ومحكوم من واجباته طاعة ولي الأمر ودفع الأداء الذي أقره الشرع، بمعنى أن البيعة تترتب عليها التزامات على طرفي العقد معًا76. أما عقد البيعة فيحرره كبار قضاة الحواضر الكبرى، مع إشهاد جماعة أهل الحل والعقد، من علماء وشرفاء وأعيان، وهم الوسطاء الذين يأخذون البيعة للحاكم الجديد من الرعية77. ومن الدلالات الرمزية للبيعة أنها تضفي نوعًا من القداسة على سلاطين المغرب الأقصى وبايات الإيالة التونسية78، قداسة مستمدة من النصوص الدينية، كما تبُرز أهمية الدين في فرض سلطة الحاكم في كلا البلدين خلال الفترة الحديثة، وتتجلى هذه الأهمية بالأساس في الديباجة التي تتصدر وثيقة البيعة التي يتم التذكير فيها بأهمية الولاية ووجوبها شرعًا، خاصة في المغرب الأقصى الذي كان فيه عقد البيعة مكتوبًا79. ومن جهة أخرى، فالبيعة عبارة عن رباط مقدس بين العاهل ورعيته، وتختلف تمامًا عن مفهوم الشرعية المبنية على الإرادة وفق التحديد الهيغلي، بل هي قائمة على أسس قدسية80، فالحاكم يستمد سموه على المجتمع من "الحق المقدس" الذي يمنح العائلة الملكية خصالً رفيعة، ويضفي على منجزاتها نوعًا من الرفعة81. لقد جرت العادة أن تُعقد البيعة للحاكم الجديد على مرحلتين؛ بيعة خاصة بمن يمكن نعتهم بالحلفاء السياسيين للمخزن المركزي، أي جماعة أهل الحل والعقد التي تضم العلماء والشرفاء والأعيان، ثم البيعة العامة وهي لعامة الناس، وكان يشرف عليها أهل الحل والعقد في المساجد، وكانت تتم في اليوم الموالي لتولّي السلطان أو الباي الجديد مقاليد الحكم82. ورغم أن حكام الإيالة التونسية يستمدون مشروعية حكمهم السياسية من التعيين الذي يحظون به من الباب العالي، عن طريق الفرمان السلطاني الذي كان يرد من عاصمة الحكم العثماني كلما تولى باي جديد حكم تونس، فعقد البيعة بدوره كان يحظى بفعالية كبيرة خاصة على المستوى الداخلي، فمن خلاله يتمكن البايات من إسباغ حكمهم بالشرعية الدينية التي يستمدونها من الفقهاء، بوصفهم حماة للشريعة، و"منتجين حقيقيين لأحكامها"83، وباعتبارهم كذلك الساهرين على تنفيذ تلك الأحكام.
وإضافة إلى وظيفة البيعة الأساسية المتمثلة في دعم الحكم المخزني، فقد تتضمن أيضًا شروطًا تقيد سلطات الحاكم الأعلى وتحد منها، كما حدث في البيعة المشروطة التي عُقدت للسلطان المولى عبد الحفيظ في المغرب الأقصى سنة 1908. عطفًا على ما سبق، يمكن تحديد ملامح التشابه ومستويات الاختلاف في ما يتعلق بمسألة البيعة بين البلدين، باعتبارها مظهرًا من مظاهر الحكم ومصدرًا من مصادر المشروعية السياسية، على النحو التالي: من حيث المبدأ، تعدّ البيعة مصدرًا أساسيًا من مصادر المشروعية في الحكم، ولحظة تعاقد بين الحاكم والمحكوم لا غنى عنها لتفويض السلطة من عامة الناس إلى خاصتهم في كل البلاد الإسلامية، ولا تشذ الإيالة التونسية والمغرب الأقصى عن هذه القاعدة، وإن وجدت اختلافات طفيفة بخصوص آليات تنزيلها على أرض الواقع؛ ففي البلاد التونسية اضطلع الفقهاء بدور محوري في عملية عقد ما يعرف بالبيعة العامة التي ينخرط فيها رؤساء القبائل وأعيانها، في حين اختص بعضهم بدور أساسي في عقد البيعة الخاصة التي يتم من خلالها إسباغ الشرعية الدينية على الحكم من قبل مجموعة من الفقهاء الذين اصطلح على نعتهم بجماعة أهل الحل والعقد. وقد رصد عبد الحميد هنية عناصر التشابه ومستويات الاختلاف في أسس البيعة وآلياتها في بلاد المغرب، وحددها في العناصر التالية: كان للبيعة في المغرب الأقصى شأن وقيمة سياسية كبيران، لا نظير لهما في الإيالة التونسية، وهو ما تعكسه وفرة عقود البيعة المكتوبة في المغرب الأقصى، والتي تناقلتها المصادر التاريخية84، في الوقت الذي لا يحتفظ فيه الأرشيف الوطني التونسي إلا ببيعة واحدة، هي لمحمد الصادق باي (1859 - 1882)85. تختلف البيعة في المغرب الأقصى عن نظيرتها في البلاد التونسية في كون الأولى دائمًا كتابية، في حين أن الثانية كانت تجري شفويًا، ويمكن تفسير هذا الأمر أنثروبولوجيًا، وذلك أن الحقوق المثبتة كتابيًا تكون دائمًا ملزمة لطرفي العقد، كما أن الطابع الكتابي للبيعة إجراء احتياطي في حالة حدوث تنكّر للبيعة، ومن هذا المنطلق يؤكد هنية أن محاولة إثبات حق معين كتابيًا هي دليل ضمني على وجود إمكانية لحدوث خلاف حوله؛ ذلك أن التفكير في إنتاج وثيقة كتابية لحق من الحقوق لا يمكن أن يتم إلا بوجود من له مصلحة إقامة الخلاف، وبما أن احتمال وقوع الخلاف حول السلطة في المغرب الأقصى كان أكبر مما كان عليه الأمر في الإيالة التونسية، بحسب منظور هنية، فإن البيعة اتخذت دائمًا طابعًا كتابيًا في المغرب عكس ما هو حاصل في الإيالة التونسية86. لم يكن الفاعلون السياسيون في المغرب الأقصى والبلاد التونسية ينظرون إلى البيعة بالطريقة نفسها، ففي الوقت الذي شدد فيه "المخزن العلوي على البيعة وخصها بمكانة محورية في تثبيت مشروعية كل سلطان يتولى العرش"87، لم يكن الفاعلون السياسيون في
الإيالة التونسية ينظرون إلى البيعة "على أنها عقد بأتم معنى الكلمة، وأن هذا العقد يربط ضمنًا صاحب السلطة والأهالي كما هي الحال في المغرب الأقصى"88.
2. سُلطة الإكرام والإنعام والإحسان
مثّلت استراتيجية الإنعام والإحسان والإكرام، أو ما نعته بعض الدارسين ب "سلطة الكرم"89، ثابتًا من ثوابت الحكم في البلدان المغاربية، إذ أثبتت نجاعتها داخل المجتمعات التقليدية خاصة في العصر الحديث، وتجسدت نجاعة هذا الاختيار لدى المخزن في كونه كافيًا "لاستقطاب العناصر الفاعلة على المستوى المحلي، وجعلها في الغالب أداة طيعة لتنفيذ سياسات الحكم المركزي"90، ومن هذا المنطلق لم يتوانَ سلاطين المغرب منذ العصر الوسيط عن الإغداق بالمال والكسوة والمأكل على عدد من الفاعلين الاجتماعيين، ممن يمتلكون نفوذًا رمزيًا من شأنه أن يزيد تزكية سلطة المخزن ومنحها شرعية التأسيس والاستمرار. تبرز الأهمية الملحة لهذه الممارسة تحديدًا في وقت الشدائد التي كانت تهدد الحكم المخزني في استمراريته، إذ يشير إبراهيم السعداوي في هذا الصدد إلى أن "علي باي طبّق هذه السياسة على نطاق واسع في بداية عهده حينما اندلعت انتفاضة القبائل بزعامة إسماعيل بن يونس باي، ولم يستثنِآنذاك خلال استعداداته الأولية أعيان القبائل المحسوبة على الصف الباشي "91، مستهدفًا من وراء ذلك عزل الأمير علي باشا عن الأعيان المحليين تمهيدًا لإضعاف حركته. وعن كرم علي باي يقول حمودة بن عبد العزيز: "وأما كرمه فشيء لم تسمح به الأيام. ولا اهتدت إلى مواقعه الأفهام، ولا عثرت عليه في سالف الحقب الكرام"92، ولتأكيد كلامه يسوق صاحب الكتاب الباشيرواية يُظهر فيها ولي نعمته، وهو يجود على من حوله حتى في أوقات الضيق والشدة، وهو يؤْثر على نفسه ولو كان به خصاصة، فيقول: "وها هنا حكاية غريبة في بابها أقدمها بين يدي ما نقصه من مكارمه لما اشتملت عليه من الدلالة على الكرم، والنزاهة، وكبر النفس، والمواساة، والإيثار: وهو أنه كان في بعض أيام تجولاته في الصحراء قد نفد الزاد عنده وانقطعت عليه الميرة، فكان يؤتْى إليه كل يوم برغيف [...] فيقسم ذلك في أصحابه فينال كل واحد منهم قطعة من الرغيف وتمرات، ويناله من ذلك حصة كأحدهم لا يزيد على ذلك، حتى بلغ منه ذلك كل مبلغ وأضر به الضعف"93. بينما ميز جادور بين بعدين لسلطة الكرم لدى السلطانين أحمد المنصور والمولى إسماعيل؛ الأول أخلاقي يكرس السلطة الأبوية للسلاطين على الرعايا، والآخر سياسي تمثل في ضمانها لولاء العناصر المتمردة، واستقطاب القوى المعارضة، وإخضاع الخارجين عن السلطة94، وفي هذا السياق عدّد كاتب أحمد المنصور، عبد العزيز الفشتالي، بعض فوائد سلطة الكرم في نص معبّر نقله عنه جادور يقول
فيه وهي خصلة "تعنو لها الوجوه، وتذل لها الرقاب، وتخضع الجبابرة، وتسترق بها الأحوال، ويستمال بها الأعداء، ويستكثر بها الأولياء، وتحقن بها الدماء، ويحسن بها الثناء وتملك بها القرباء والبعداء، ويسود بها في غير عشائرهم الغرباء "95. كما يظهر أيضًا طابع أبوية نظام الحكم في الإيالة التونسية إلى حدود القرن التاسع عشر، وقد جسد الباي ذلك الطابع من خلال إغداقه بالهبات والعطاءات وكذا الإعفاءات على مختلف الفاعلين96، وتظهر سمة الكرم لدى البايات التونسيين أيضًا من خلال الوصف الذي قدّمه القنصل بليسييه دي راينو Raynod de Blissier، إذ أكد أن الباي حتى وإن كان ينفق على نفسه باتزان ملحوظ، فهو مع المحيطين به شخص ذو كرم، وهو ما اعتبره بليسييه "علامة نفس رفيعة"، غير أنه تحفّظ في منحها صفة "الفضيلة" إلا إذا لم تكن تقع على حساب "الشعب"97. من الثابت، إذًا، أن استراتيجية الجود والكرم، التي دأب المخزن بكلا البلدين على توظيفها، تحمل في طياتها، من جهة، دلالات وأبعادًا رمزية تحيل على مسألة المتخيل السياسي بين الحاكم ورعاياه؛ فعطاءات المخزن مؤشر من المؤشرات الدالة على حضوره في صلب المجتمع98، كما أن كلً من الحاكم والمحكوم لا يتصور وجود سلطة من دون عطاء وتوزيع للنعم99. ومن جهة أخرى، يمكن اعتبار مسألة الجود والكرم أداةً في يد المخزن يضعها في متناول كل من أثبت ولاءه لسلطته، ويحرم منها كل من سوّلت له نفسه الخروج عن طاعته، بل قد تتحول في هذه الحالة من نعمة إلى نقمة. ويجدر بنا في هذا الصدد الإشارة إلى أن المخزن، في الوقت الذي كان فيه يُغدق على حلفائه من العائلات المخزنية والصلحاء بالهدايا والإنعامات، كان في المقابل يمتلك سلطة موازية تقوم على أساس التغريم وفرض الرزايا والخطايا، وهكذا كانت ثنائية العقاب - الثواب ثابتًا من ثوابت الحكم في البلدين. لقد اضطلع نظام العطايا بوظيفة إقناعية مهّدت السبيل أمام المخزن لضمان استمرارية حكمه، ويسّرت له سبل تسيير شؤون الحكم، إذ عن طريقه يتبدّى لأعوان المخزن مدى سموه، وعن طريقه أيضًا يتمكن "من استقطاب المترددين على طرق أبواب قصره والتهيؤ لخدمته طلبًا في الحصول على الامتيازات وبناء شبكة من العلاقات المنفعية"100، ولذلك فإن منظومة تبادل الهبات والهدايا تندرج ضمنها الصلات والروابط بين المخزن وخدامه، كما أنها تساهم في تجديد العلاقات بينه وبين رعاياه، ومن هذا المنظور ينبغي فهم حرص سلاطين المغرب وبايات تونس على استغلال كل مناسبة تجمعهم برعاياهم لإظهار جودهم وكرمهم. فما أنسب الأوقات بالنسبة إلى المخزن لممارسة سلطة الكرم؟ رصد جادور العديد من المناسبات التي حرص المخزن المغربي في العصر الحديث على الظهور أثناءها بمظهر قوامه الجود والكرم، واعتبرها من مظاهر استمرارية أسلوب الحكم في تاريخ المغرب، وهكذا فإن أنسب مناسبة لممارسة سلطة الكرم عند المخزن هي الظرفيات الناتجة من المجاعات وموجات الغلاء والجفاف، فضلً عن مناسبة شفاء السلاطين مما قد يلمّ بهم من وعكات صحية، وأخيرًا مناسبات الاحتفالات الرسمية بالقصور السلطانية، والتي يحرص فيها المخزن على غرار المناسبات الأخرى على إظهار كرمه
و"المبالغة في إطعام الحضور، خاصة من العلماء"101. ووفقًا للمنظور نفسه دائمًا، مثّلت الأعياد الدينية فرصًا سانحة للمخزن لممارسة كرمه وجوده المعهودين، إذ شهدت منظومة الكرم وتخليد المناسبات الدينية وحتى السياسية تلازمًا بيّنًا102. ويذهب هذا التصور أبعد من ذلك، فيؤكد أن المخزن لا ينفك يمارس الكرم حتى في أبسط المناسبات، فمثلً حرص المخزن أثناء حركاته على المبالغة في إطعام وكسوة أعيان المناطق التي ينزل بها، "كما لو كانوا ضيوفًا لديه في العاصمة"، وهو ما اعتبره التصور ذاته الذي يرغب المخزن في الحفاظ على التراتبية نفسها السائدة في العاصمة، وعلى التمثل المترسخ في أذهان الرعايا والخدام على حد سواء، والذي مفاده أن المخزن هو مصدر العطاء الدائم والذي لا ينضب103. أما في الإيالة التونسية، فيمكن التمييز في الهبات التي كان يمنحها البلاط خاصة للفقهاء، بين هبات منتظمة تتخذ صفة شهرية تقريبًا، وأخرى غير منتظمة، وغيرها كانت سنوية بمناسبة الأعياد الدينية خاصة عيدي الفطر والأضحى، "وهو ما يعرف ب 'العيدية"'104. كما مثّلت مسألة كرم السلطة أيضًا في الإيالة التونسية وسيلة للحد من تجاوزات بعض أعوان المخزن، فبحسب شهادة القنصل بليسييه، كان الباي يغدق على أعوانه من الضباط السامين في الجيش بعلاوات، خاصة عندما يكون مزاجه جيدًا، وذلك لتفادي لجوئهم إلى وسائل غير مشروعة للحصول على المال105. وإلى جانب القوى الدينية، كالفقهاء والزوايا، التي مثلت الفئة الأكبر التي يُنعم عليها المخزن باستراتيجية الكرم، فقد نال الأعيان المحليون ومختلف أصحاب النفوذ حظهم الوافر من تلك الإنعامات، إذ لم تكن الخدمات التي كان شيوخ وأعيان المناطق المحلية يؤدونها لفائدة المخزن مجانية، وإنما كانوا يتلقون في مقابلها صلات وإنعامات وسمتها المصادر التونسية ب "العوايد"106. وفي مقابل الجوانب الإيجابية التي أظهرتها استراتيجية الإنعام والإكرام، كشفت بعض الدراسات التاريخية الحديثة حول الإيالة التونسية عن الوجه الآخر لتلك الممارسة، وأكدت على تلاعب كبار الإنكشارية، واستعمالهم الحيل والتجاوزات للحصول على تلك الإنعامات، ما حوَّل ذلك التقليد، الذي تعود أصوله إلى العهد الحفصي، إلى كارثة يصعب مجابهتها "والتقليص من فداحة السلبيات المترتبة عليها"107. وعلاوة على كل هذا، تجدر الإشارة إلى أن أصحاب التواريخ الأخبارية، من أمثال الفشتالي والناصري في المغرب، وبن عبد العزيز في تونس ومن نحا نحوهم من المؤرخين، وظفوا أقلامهم في تلميع صورة الدولة ومدح الحاكم وبطانته وتعداد منجزاته والتغطية على مثالبه وتجاوزاته، وذلك طمعًا في إنعاماته، ولا أدل على ذلك من اعتراف حمودة بن عبد العزيز بعد أن أطنب في التأكيد على خُلق الكرم لدى ولي نعمته، بما ناله من كرم علي باي، إذ يقول: "ولقد وصل إليّ من إحسانه - أيده الله تعالى - في أقرب مدة ما لا أذكره لئلا أنسب إلى التزيُّد"108.
خاتمة
تأسيسًا على ما سبق، لا بد من الاعتراف بصعوبة المتابعة الدقيقة لكل القضايا المتصلة بموضوع هذا البحث، في الحيز المتاح له، ولا سيما أن طبيعة السلطة وآلياتها وتمظهراتها في بلاد المغارب موضوع شائك ومتداخل، نظرًا إلى تعدد الفاعلين السياسيين فيها، وخصوصية نظام الحكم وتفرده. لقد أتاحت متابعة بعض مفاهيم منظومة السلطة في المغرب وتونس، بالعودة إلى أصولها وتتبّع تطورها عبر الزمن واستشراف مآلاتها، الوقوف عند مظاهر عديدة للتماثل بين تجربتي الحكم في البلدين، وبلورة بعض الخلاصات، انطلاقًا من منهج تاريخي ينفر من مبدأ الإطلاق في بناء الحقائق التاريخية. وقد مكن الانتباه إلى الوجه الآخر للسلطة، الكامن في بعدها الرمزي، من فهمٍ أكثر عمقًا لطبيعة التصورات المتضاربة حول السلطة بالمجتمع المغاربي. كما خلص البحث إلى أن مجمل الأفكار التي كان المخزن يسعى إلى ترسيخها في الذهنية العامة، من خلال منظومة الممارسات ذات الأبعاد الرمزية، ولا سيما في تعامله مع أصحاب النفوذ الرمزي كالفقهاء والأولياء، كان الهدف من ورائها التأكيد على أبوية الحاكم، وعلى كونه الملاذ الأوحد والأخير أمام كل من أوصدت في وجهه الأبواب. أما آليات تنظيم العلاقات بين الأوساط الحاكمة ومختلف الفاعلين الاجتماعيين، فقد ميزتها خصوصيةٌ قلّما نجد نظيرًا لها في المجتمعات المجاورة، إذ تحكم فيها عنصر المصلحة والمنفعة المتبادلة بين طرفي المعادلة، حتى أقل الفئات وجاهة وأدناها من حيث التراتبية الاجتماعية، كان المخزن يتعامل معها من منظور يكفل له بعض المكتسبات الرمزية. ومن هذا المنطلق، يمكننا فهم الحد الذي بلغته السلطة من مركزية في تونس والمغرب، وذلك من خلال توظيفها سلطة الكرم لتدعيم هياكل السلطة وتسهيل عملية إخضاع المجتمع والمجال.
المراجع
العربية
عياش، جرمان. دراسات في تاريخ المغرب. ترجمة محمد الأمين البزاز وخلوق عبد العزيز التمسماني. الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986.
بلقاسم، إبراهيم بن جمعة. الاقتصاد والمجتمع في الإيالة التونسية من 1861 إلى 1864: من خلال محاضر محاكم الجنايات والأحكام العرفية. تونس: منشورات كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2002.
بن أبي الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية. تونس: الدار العربية للكتاب، 2001.
بن الخوجة، محمد. صفحات من تاريخ تونس. تقديم وتحقيق حمادي الساحلي والجيلاني الحاج يحيى. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986.
بن زيدان، عبد الرحمن. العز والصولة في معالم نظم الدولة. الرباط: المطبعة الملكية، 1961.
بن سليمان، فاطمة. "مجال خمير والسلطة المركزية بتونس في القرن التاسع عشر: من التخوم إلى الحدود ومن المخزن إلى الدولة." مجلة روافد. العدد 5 (1999 - 2000.)
بن عبد العزيز، حمودة. الكتاب الباشي. ج 1: قسم السيرة. تحقيق محمد ماضور. تونس: الدار التونسية للنشر، 1970.
بن يوسف، محمد الصغير. المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي. تقديمتحقيق أحمد الطويلي. تونس: المطبعة العصرية، 1998. بنسالم، ليليا [وآخرون.] الأنتروبولوجيا والتاريخ: حالة المغرب العربي. ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. ط 2. سلسلة المعرفة التاريخية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007.
بنعدادة، آسية. الفكر الإصلاحي في عهد الحماية (محمد بن الحسن الحجوي نموذجًا). الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003.
بورك، إدموند. الاحتجاج والمقاومة في مغرب ما قبل الاستعمار (1860 - 1912). ترجمة محمد أعفيف. سلسلة نصوص وأعمال مترجمة 17. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013.
بوشنتوف، لطفي. "المغرب على عتبة الحداثة: قراءة بالزمن الاحتمالي." مجلة رباط الكتب. العدد 14 (شتاء 2014:). في
https:// bit. ly / 3 qLTpey
بياض، الطيب. المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب 1880 - 1915. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011.
التوفيق، أحمد. المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (اينولتان 1830 - 1912). ط 2. سلسلة أطروحات ورسائل 1. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1983.
جادور، محمد. مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب. سلسلة أبحاث. الدار البيضاء: منشورات عكاظ، 2011.
References
الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر. معلمة المغرب. ج 9. سلا: مطابع سلا، 1998.
.________ معلمة المغرب. ج 21. سلا: مطابع سلا، 2005.
العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2011.
للعلوم الاجتماعية. العدد 141 (2013.)
حبيدة، محمد. "عطب التحديث في تاريخ المغرب." الأوان. 1 / 9 / 2013:. في yldzOY 3 / ly. bit:// https
عبد المجيد جحفة. ط 4. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010.
العدد 147 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2012.)
المركز الوطني للترجمة، 2010.
المأثورات، 1986.
السبتي، عبد الأحد. التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012.
بنسعيد العلوي. سلسلة أبحاث ودراسات 57. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013.
عيسى، لطفي. "الجذور الوسيطية للدولة الحديثة ببلاد المغرب." مجلة معهد الآداب العربية. مج 61، العدد 2 (1998.)
الجامعي، 2005.
مطابع الرباط نت، 2013.
والشؤون الإسلامية والثقافة، [د. ت.].
جراد، المهدي. عائلات المخزن بالإيالة التونسية خلال العهد الحسيني (1705 - 1881). تونس: الأرشيف الوطني التونسي؛ كلية _______. "السلطة الحسينية وأعيان الدين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: عائلة البارودي نموذجًا." المجلة التونسية حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة يليه مقالة في النقد والتأويل. ترجمة دالي، حمادي. "البايليك والإحاطة بالفقهاء في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: المظاهر والآليات." المجلة التاريخية المغاربية. دي راينو، إرنيست بليسييه. وصف إيالة تونس. ترجمة محمد العربي السنوسي. مراجعة توفيق العيادي ومصطفى التليلي. تونس: الرباطي، محمد الضعيف. تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة). تحقيق وتعليق وتقديم أحمد عماري. الرباط: دار السعداوي، إبراهيم. "المخزن والمجال الجبلي التونسي بين 1630 ونهاية القرن الثامن عشر." مجلة بصمات. العدد 3 (2008.)
عبد اللطيف، كمال (إعداد وتقديم.) في الدفاع عن الاجتهاد والتحديث في الفكر العربي الإسلامي: أبحاث مهداة للأستاذ سعيد.________ مغرب المتصوفة (الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي من القرن 10 م إلى القرن 17 م). تونس: مركز النشر الغرايب، محمد وعبد العزيز بل الفايدة وعبد العزيز عينوز (تنسيق.) السلطة والفقهاء والمجتمع في تاريخ المغرب: الائتلاف والاختلاف: أعمال تكريمية مهداة للأستاذ أحمد عزاوي. القنيطرة: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة؛ الرباط: الفشتالي، عبد العزيز. مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا. دراسة وتحقيق عبد الكريم كريم. الرباط: مطبوعات وزارة الأوقاف فوكو، ميشال. المعرفة والسلطة. ترجمة عبد العزيز العيادي. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1994.
القائد، عبد المجيد أيت. "التحديث وعوائقه في تاريخ المغرب." الأوان. 22 / 4 / 2014:. في qMaJQJ 3 / ly. bit:// https
القدوري، عبد المجيد. المغرب وأوروبا: ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر (مسألة التجاوز). الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000.
المجال البدوي في المغرب الخصوصيات والتحولات: أشغال الندوة المنعقدة بالقنيطرة أيام 6 و 7 مارس 2002. القنيطرة: مجموعة البحث في تاريخ البوادي المغربية، 2007.
الناصري، أحمد بن خالد. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1997 [1894.]
هنية، عبد الحميد. تونس العثمانية: بناء الدولة والمجال من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. سلسلة دراسات مغاربية: الذاكرة التاريخية للبلاد التونسية. تونس: تبر الزمان، 2012.
________. "بناء الدولة المجالية في البلاد التونسية والمغرب الأقصى، وآليات الاندماج فيها خلال الفترة الحديثة." عمران. العدد 4 (ربيع 2013.)
هويدي، سلوى. "علي باي وإدارته للأزمات (1759 - 1782.") المجلة التاريخية المغاربية. العدد 147 (2012.)
واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. ط 3. الرباط: مؤسسة الغني للنشر، 2013.
الأجنبية
• Dakhlia, Jocelyne. "Dans la Mouvance de prince: La symbolique du pouvoir itinérant au Maghreb." Annales.
• Laroui, A. Les origines sociales et culturells du nationalisme marocain (1830-1912). Casablanca: Centre Culturel
Histoire, Sciences Sociales. vol. 43 , no. 3 (May-June 1988).
• Encyclopédie de l'Islam. Nouvelle édition. Paris: Maisonneuve et Larose, 1991.
Arabe, 1993.