مراجعة كتاب أخبار التونسيين مراجعات في سرديات الانتماء والأصول
Book review of The Adventures of Ibn Battuta: A Muslim Traveler of the Fourteenth Century
الملخّص
المؤلف : لطفي عيسى. عنوان الكتاب : أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتماء والأصول. الناشر : دار مسكلياني للنشر والتوزيع، تونس. سنة النشر : 2019. عدد الصفحات : 350 صفحة.
Abstract
المؤلف : لطفي عيسى. عنوان الكتاب : أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتماء والأصول. الناشر : دار مسكلياني للنشر والتوزيع، تونس. سنة النشر : 2019. عدد الصفحات : 350 صفحة.
- لطفي عيسى
- الهوية
- تونس
- الكتابة التاريخية
- Lotfi Aissa
- Identity
- Histography
- Tunisia
| فهمي رمضاني| Romdhani *Fahmi | |
|---|---|
| فهمي رمضاني | Romdhani Fahmi | المؤلف: لطفي عيسى. عنوان الكتاب: أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتمء والأصول. الناشر: دار مسكلياني للنر والتوزيع، تونس. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 350 صفحة. فهمي رمضاني | Romdhani Fahmi مراجعة كتاب أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتمء والأصول Book review of Tunisian's Tales: Reviews of the Narratives of Aaffiliation and Origins |
| مراجعة كتاب أخبار التونسيين: مراجعات في سرديات الانتمء والأصول Book review of Tunisian's Tales: Reviews of the Narratives of Aaffiliation and Origins |
مما لا شك فيه أن حرفة المؤرخ اليوم لم تعُد متّصلة بتتبّع وقائع الماضي وسرد أخبار الأزمنة الغابرة والعصور السحيقة وأحداثها، بل أصبح دوره أكثر ارتباطًا بقضايا العصر وإشكاليات الحاضر المعقّد الذي ما انفك يطرح مسائل تكتسي أهمية كبيرة، وفي الوقت نفسه يتطلّب الإلمام بها جهدًا معرفيًا ومنهجيًا؛ فخارج حاجات الراهن، لا يمكننا الحديث اليوم عن تاريخ في حقيقة الأمر. ولا مندوحة من الإقرار بأن المؤرخ مطالب بأن يكون عنصرًا فعّالً في المجتمع من خلال انخراطه في النقاش الثقافي والفكري السائدين، من أجل المساهمة في إيجاد إجابات عن المسائل التي قد تطفو على سطح الواقع بين الفينة والأخرى، والمساهمة أيضًا في فهم الماضي وتمثّل الحاضر واستشراف المستقبل. في هذا الإطار، تُعتبَر مسألة الانتماء وقضايا الهوية من أهم الإشكاليات التي أصبحت تحظى باهتمام مجتمعي متزايد، خصوصًا من المؤرخين، فضلً عن كونها تُعدّ من الأسئلة التي تخترق المجتمعات العربية الإسلامية في الوقت الراهن؛ إذ لا يزال النقاش محتدمًا بشأن السرديات والمرويات الجماعية ودور المؤرخ في إعادة تركيبها وصوغها وفق المستجدات الراهنة، تزامنًا مع تحوّل اهتمامات العلوم الإنسانية، وعلى رأسها التاريخ، لدراسة الفرد والبحث في العناصر المشكّلة لشخصيته وانتمائه عبر التاريخ، بدلً من كتابة تاريخ الإمبراطوريات والدول والسلالات، أو التأريخ للحروب والمعارك والأحداث. هذا هو ما يجسّده المؤلَّف الأخير للمؤرخ التونسي لطفي عيسى أخبار التونسيين مراجعات في سرديات الانتماء والأصول؛ إذ حاول من خلاله مراجعة السردية الجماعية للتونسيين بشدّها إلى مختلف انتماءاتها، زمانيًا ومكانيًا، وإعادة تركيبها على نحو يخدم حاجات الراهن وقضايا الحاضر. ويمكن القول إن الكتاب تمثّل ونظر في قضايا مرتبطة بإبستيمولوجيا المعرفة التاريخية وفلسفتها، وفي كيفية كتابة تاريخ تونس من جديد، وهو ما أصبح أقرب إلى تاريخ التونسيين من تاريخ البلاد. وفي هذا الباب، يرى المؤلف أنّ المؤرخين اليوم يجب أن يكتبوا تاريخ التونسيين، وليس تاريخ تونس (ص 336 - 337)، خصوصًا بعد التحولّات الفارقة التي عرفتها البلاد مؤخرًا، منذ عام 2011. اعتمد المؤلف مقاربةً استأنست بأحدث المناهج التي توصّلت إليها الكتابة التاريخية لمعالجة العديد من الإشكاليات؛ إذ تكمُن طرافة منهج المؤرخ في أنه اعتمد على مدوّنات مخصوصة، يمكن نعتُها بالتاريخ الموازي، لم توضَع بغرض التأريخ، إنما من أجل الحفاظ على المخزون التراثي غير المادي، معوّلً في ذلك على خبرته الطويلة في مجال التأريخ وتمكّنه من مقاربات ومناهج حديثة ومعاصرة تستفيد مما وصلت إليه العلوم الإنسانية والاجتماعية من تطور معرفي ومنهجي على حد سواء. لطفي عيسى هو مؤرخ تونسي، حاصل على شهادة التبريز في التاريخ وشهادة دكتوراه دولة في التاريخ الحديث، وهو متخصص في التاريخ الثقافي وتاريخ الذهنيات والتاريخ المقارن لمجال المغارب خلال الفترة الحديثة. نشر العديد من المؤلفات منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، نذكر منها أخبار المناقب في المعجزة والكرامة والتاريخ1؛ ومميزات الذهنية المغاربية في القرن السابع عشر2؛ ومغرب المتصوّفة من القرن العاشر إلى القرن السابع عشر: الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي3؛ وكتاب السير: مقاربات لمدونات المناقب والتراجم والأخبار4؛ وبين الذاكرة والتاريخ في التأصيل وتحولّات الهوية5.
كما أسهم في مؤلفات جماعية ومشتركة، نذكر منها السلطة وهاجس الشرعية في الثقافة الإسلامية6. وتحقيق كتاب نور الأرماش في مناقب القشاش7 للمنتصر بن مرابط القفصي. علاوة على ذلك، نشر العديد من المقالات والمساهمات العلمية في الدوريات العلمية المحكّمة وأعمال الندوات والمؤتمرات والأعمال المهداة والكتب الجماعية والموسوعات العلمية والمجلات الثقافية والصحف والملاحق الثقافية. كما أنه يدير منذ عام 2011 مدوّنة رقمية تُعنى بتاريخ المغارب وبواقعها الراهن، السياسي والفكري والفني. يُعتبَر لطفي عيسى الذي يُدرِّس في الجامعة التونسية منذ تسعينيات القرن الماضي، من أهم المجددين في الكتابة التاريخية في تونس، حيث يسعى دائمًا للتطرق إلى المواضيع الراهنة والمعقّدة التي يتطلّب الخوض فيها إلمامًا جيدًا بالمعارف الإنسانية والاجتماعية وبالمناهج التاريخية الحديثة والمعاصرة، ويبدو أن كتابه الذي بين أيدينا في هذه المراجعة، والذي نال جائزة الطاهر الحداد للدراسات الفكرية، مغامرة فكرية تكشف عن الهواجس التي تؤرق فكر هذا المؤرخ منذ سنوات؛ إذ ما انفكّ يدعو إلى إعادة قراءة المرويّة الجماعية للتونسيين وإعادة تركيب سرديتنا الجماعية بطريقة تخدم حاجات الحاضر. يقع الكتاب في 350 صفحة، موزّعة على أربعة فصول، مع مقدمة وخاتمة، مستعينًا في ذلك بمنتقيات بيبليوغرافية، وقد ختم كل فصل بمبحث طريف عبارة عن منتقيات مصدرية جاءت على سبيل المرافقة والحاشية والاستطلاع والإهداء. يمكن اعتبار جلّ الفصول التي أثّثت هذا الكتاب تقصّيًا لأخبار التونسيين وانتماءاتهم الجمعية عبر البحث في أزمنة متعددة من الذاكرة الجماعية؛ إذ انطلق المؤرخ عبر "الزمن الأسطوري" أو "زمن الحكاية" الذي حفر من خلاله في مدوّنة الخرافات والأمثال الشعبية، مبرزًا دورها في الكشف عن مميزات الشخصية التونسية، لينتقل بعد ذلك إلى "زمن المجال"، حيث أكد فيه حقيقة التنوّع الذي تنطوي عليه مسألة الانتماء تونسيًا، وربط تاريخ التونسيين وأخبارهم بمجالات جغرافية متنوعة ثبت تأثير تاريخها في صنع انتماءاتهم المختلفة. أما الزمن الثالث الذي وُس م ب "زمن الرزنامة"، فمثّل زمن الاستطلاع وحب المعرفة الجذلى، حيث عالج فيه المؤرخ تنامي فضول النخب ورغبتهم في اكتشاف المعارف والعلوم ومعانقة الفكر التنويري. أما الزمن الأخير، فكان زمن الذات والوجدان، حيث احتوى مراجعات حول شخصية التونسيين من خلال البتّ في مميزاتها وفي العناصر الناظمة لها. وسنتطرق إلى مضامين هذه الفصول الأربعة، محاولين عرض أهم الأفكار التي أوردها المؤرخ في مؤلفه. جاء الفصل الأول بعنوان "ديوان الخرافات الشعبية التونسية"، وهو حفرٌ عميق في أركيولوجيا الخرافات والأمثال الشعبية التي لم تُعِرها الأبحاث التاريخية اهتمامًا جيدًا. ولئن انتمت هذه المدوّنة المصدرية إلى تراث غير مادي وشفوي، فإنّ أهميتها تكمن في أنها تنسج وشائجَ عميقةً بين الماضي والحاضر، باعتبارها "بصمات ثقافية احتفظت بها ذاكرة جماعية حيّة" (ص. 33)، وثّقت للمشترك الجماعي ولمعيش السلف. واعتمد المؤرخ على كتاب سالم ونيس (1948) الحكاية الخرافية والشعبية8، وكتاب محمد رضوان العبادي مجمع الأمثال الشعبية التونسية9، محاولً بذلك البحث عن مميزات شخصية التونسيين وعلاقة مدوّنة الحكايات والأمثال الشعبية بصنع أخبارهم وتشكيل ذائقتهم.
في هذا الإطار، ومن أجل التعمّق أكثر في فهم شخصية التونسيين، يقترح المؤرخ التوقف عند لغة التونسيين أو لهجتهم وضرورة الإمساك بالمدلول الدقيق لها "فروح التونسي لهجته" (ص. 35)، بحسب تعبيره. وأبانت الدراسات المختلفة التي لم يتوان المؤرخ في الاطلّاع عليها والاستفادة منها أنّ التونسيين يتعاملون في ما بينهم وفق شيفرة خطابية تنمّ عن حضور آداب الكياسة والسلوك وتحلّيهم أيضًا بخصلة الكرم التي نجدها خاصةً لدى سكان الحواضر الذين امتلكوا معجم المجاملة عبر التراكم التاريخي، وكذلك بفضل ما اكتسبوه من تجارب وتقنيات عبر الإضافات الحضارية الوافدة. عرض المؤرخ عيسى الخرافات التي تضمّنها كتاب ونيس، وهي خرافات ضاربة في الق دَم، تنتمي إلى أزمنة أسطورية بعيدة، توزّعت بين حكايات الحيوان الخرافية والحكايات العجائبية التي يكون فيها للعجائبي والخوارقي مكانةٌ كبيرة، ثم الخرافة الدينية والشعبية والفكاهية، مؤكدًا أهميتها ودورها في الكشف عن المشترك الجمعي بين التونسيين، وأماطت حكايات الحيوان الخرافية اللثام عن تمثلّات التونسيين، سواء كانوا من سكان المدن أو من سكان البوادي والأرياف، لخصوصيات الوسط الذي عاشوا داخله وتعاملوا مع مختلف مكوّناته. في حين أحالت الخرافات الدينية على معتقدات التونسيين الدينية؛ مثل الإقبال على تحصيل الثواب، وعشق نبي الإسلام، والتبرّك بأهل البيت، وحب الصحابة. وعمومًا، كشف النسيج الخرافي، بكل أصنافه، عن مخصوص ما ترسّب ضمن ذهنيات التونسيين الجماعية، فضلً عما اكتنزه المخيال الجمعي من قيم أرست، من دون شك، المعالم الجوهرية لشخصيتهم، ونحتت القيم المنغرسة في تجاويف شخصيتهم القاعدية. يُنهي المؤرخ هذا الفصل بالإشارة إلى ملاحظة منهجية مهمة مفادها أن في إمكان الخرافة أنْ تتحوّل إلى شكل من أشكال التاريخ الذي يوثَّق عن طريق الذاكرة وفصاحة اللسان، كما أن اعتمادها على الترميز جعلها تنخرط في كل الأزمنة والأمكنة، لتصبح بذلك تراثًا جماعيًا ومعينًا لا ينضب، له وظائف أخلاقية وسلوكية يسهل تعقب مغازيها ودلالتها عبر ثنايا السرد (ص. 69) ينتقل المؤلف في ما بعد إلىالزمن الثاني، "الزمن المجالي" الذي اختار له عنوانًا: "سردية الانتماء في مفتاح التاريخ"، وهو بحث في كتاب البشير صفر (1865 - 1917) (أحد زعماء الحركة الوطنية التونسية في بداية القرن العشرين) مفتاح التاريخ10 - الذي لا يبتعد كثيرًا في رأي المؤلف عن منجز المؤرخ الفرنسي جيل ميشله Michlet Jules (1798 - 1874) في خصوص تاريخ فرنسا - عن تعدد الانتماءات المجالية للتونسيين ومحاولة توسيعها لتُفتح على غيريات جغرافية أليفة وأخرى غريبة، ثبت تأثير تاريخها في صنع انتماءاتهم المختلفة. تطرّق المؤرخ في البداية إلى مسار شخصية البشير صفر (1865 - 1917)، حيث لم يتهيّب من اعتباره أبا النهضة التونسية الثاني بعد خير الدين التونسي (1820 - 1890)، نظرًا إلى فرادة مساره الثقافي والعلمي ودوره في الدفع نحو التنوير والتحديث للخروج من وطأة الركود الذي كانت ترزح تحته البنى الفكرية والمادية. وكان لهذه الشخصية دور في مواصلة المشروع الإصلاحي والتحديثي الذي تجذّر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر في البلاد التونسية. وتميّز نشاط البشير صفر الثقافي أيضًا بكثافته، حيث نشر مقالات عدة في جريدة الحاضرة11، اهتمّت أساسًا بالتعريف بالنظم السياسية والاجتماعية المحدثة، والإحاطة بالأوضاع التاريخية والجغرافية لبلدان أوروبا، كما كان له اتصال مع النخب المشرقية التنويرية الداعية آنذاك إلى تحديث الفكر الديني والأخذ بأسباب التقدم والرقي، من أمثال محمد عبده ومحمد فريد. ألّف البشير صفر أيضًا كتبًا عدة، نذكر منها الجغرافيا عند العرب12؛ ومفتاح التاريخ، وهو مجموع الدروس التي ألقاها على طلاب الجمعية الخلدونية في المدة 1897 - 1908، حيث عرض فيه تواريخ متعددة ومتنوعة؛ إذ تطرق إلى تاريخ المصريين
القدامى والرومان والإغريق والفينيقيين والقرطاجيين، مرورًا بالعصور الإسلامية، ووصولً إلى التاريخ الحديث للإمبراطورية العثمانية وتاريخ الأمم الأوروبية. وأبان ذلك كله عن وعي لدى البشير صفر في خصوص ضرورة توسيع الانتماءات الجغرافية للتونسيين وتعريفهم بحضاراتهم القديمة التي كان لها مجد أثيل قبل الحضور العربي الإسلامي فيها. لذلك، اعتبر المؤلف أن العروض التي استجلبها البشير صفر في مفتاح التاريخ، والتي تناولت في جزء منها أصول سكان الإيالة وتاريخ قرطاج والحروب البونية، ثم الحضور الروماني وحركة الرومنة، مرورًا بانتشار اللسان اللاتيني، ووصولً إلى السلم الرومانية، ثم الحضور الوندالي، ثم البيزنطي، عملت كلها على محاولة مصالحة التونسيين مع تاريخهم القديم وتعريفهم بالأدوار الحضارية المهمة التي قامت بها البلاد التونسية خلال الفترة القديمة، وهي أدوار مجيدة، خلّدتها حضارات كان لها إشعاع عالمي، مثل حضارة قرطاج البونية. ولا ريب في أن ذلك يمثل دعوة ضمنية إلى تجاوز المقاربات التي تركن إلى النوازع الإسلامية المركزية وتهمل الفترة القديمة السابقة على الحضور العربي الإسلامي، ولعل ذلك مثّل توجّهًا واعيًا من البشير صفر، يروم من خلاله فتح أعين التونسيين على تاريخهم القديم الذي شهد بزوغ حضارات ازدهرت فيها العلوم والفنون والآداب، لإحاطتهم بتفصيلات هذا التاريخ كلها، وبث روح جديدة تناضل من أجل استعادة هذا الوطن المسلوب، فما أتاه البشير صفر شكّل، من المنظور الخاص بالمؤلف "نقلة فارقة أعادت فتح باب التفكير حول إشكالية الانتماء" (ص. 111) لم يقتصر جهد البشير صفر على محاولة مصالحة التونسيين مع تاريخهم القديم فقط، بحسب رأي المؤلف، بل إنه عمل أيضًا على توسيع مجالات انتماءاتهم ومحاولته تأكيد حقيقة تنوّع هذه الانتماءات الجغرافية والثقافية، وكانت الغاية من ذلك إعادة صوغ تمثّلهم مسألة الانتساب. وفي هذا الإطار، تعلّقت همة البشير صفر في محاولته عرض تاريخ مجالات جغرافية، سمّاها المؤرخ "الغيريات الأليفة"، وهي المجالات التي أحالت إلى انتساب التونسيين إلى "إمبراطورية إسلامية عالمية"، عبر سرد ونقل تواريخ أمم ومجالات تقاطَع تاريخُها مع تاريخ البلاد التونسية؛ إذ عرض البشير صفر تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتواريخ العرب البائدة والعاربة والمستعربة، وتاريخ الدولة الإسلامية منذ ظهور النبوّة حتى العصور الكلاسيكية، كما توسع في استجلاب أوضاع ثلاثة مجالات اعتبارية، شدّت كتلة أخبارها، دون غيرها، المؤلف، وتضمّنت هذه الأخبار بلاد الأندلس من الفتح الإسلامي حتى موعد طرد المسلمين من غرناطة، وأوضاع بلاد المغرب الأقصى من الفتح حتى توقيع سلاطينها معاهدتي الحماية الإسبانية شمالً وجنوبًا، والفرنسية في ما بقي من التراب المغربي، ثم عرض أخيرًا تاريخ السلطنة العثمانية من التأسيس حتى السنوات الأخيرة التي سبقت إعلان الجمهورية التركية وإلغاء الخلافة (3 آذار/ مارس 1924). وأسهم المؤلف بذلك في تسهيل عملية إعادة تمثّل التونسيين إشكالية الانتساب بما يساعدهم، بحسب تعبير المؤرخ، في "تخفيف شعورهم القوي بالدونية الناتجة عن هامشيتهم المجالية التي جعلتهم يتأرجحون باستمرار بين صعوبة تجاهل البصمات الغربية الماثلة على أراضيهم والمتأصلة في ماضيهم البعيد وحاضرهم القريب من جانب وتغلغل الهوية الشرقية ذات المضمون العربي الإسلامي في جانب موازٍ" (ص 111 - 112.) لئن أحالت الغيريات الأليفة إلى انتساب التونسيين إلى إمبراطورية إسلامية عالمية، فإن الغيريات الغريبة تناولت مجالات جغرافية تنتمي إلى الفضاء الأوروبي الغربي، حيث استحضر البشير صفر التواريخ الفارقة التي عاينها بعض الممالك الأوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا والأمة الإنكليزية، وما ارتبطت به هذه الأمم من علاقات عريقة، ضاربة في الق دَم، بالبلاد التونسية، ذلك من أجل تأكيد تعدّد الغيريات الغريبة المتصلة بتاريخ التونسيين وتنوّع انتماءاتهم الجغرافية وانفتاحها على مشترك حضاري وتاريخي كوني؛ إذ ما عاد الانتماء مرتبطًا بالفضاء العربي والإسلامي فحسب، بل أصبح يشمل أيضًا فضاءات غربية وغيريات ثقافية وحضارية، تؤكد انفتاح البلاد التونسية أمام عوامل المثاقفة والاختلاط.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلىالزمن الثالث، زمن الاستطلاع وحب المعرفة الجذلى، معتمدًا علىالرزنامة التونسية لمحمد بن الخوجة (1869 - 1942)، وأثر زين العابدين السنوسي (1901 - 1965) تاريخ الأدب التونسي خلال القرن الرابع عشر هجري، ليبُرز لنا تناميِ فضول التونسيين من النخب عند بداية القرن العشرين تجاه المعارف والآداب والفنون الجميلة ورغبتهم في التجديد والتحديث وشحذ العزائم للخروج من التخلف والركود بعد أن ملأت أنفسهم الرغبة في الاستطلاع الشامل والبحث عن المعرفة الجذلى. عرض المؤرخ في البداية مسارات بن الخوجة والسنوسي، حيث كان لكليهما مساهمة فعالة في النهضة الثقافية والحضارية في بدايات القرن العشرين، كما كان لهما دور في تطوير الحركة الأدبية والثقافية والدعوة إلى الإصلاح والتجديد والانشغال بجديد المعارف. بالنسبة إلى بن الخوجة، توقف المؤلف عند إشكالية السياقات الخصوصية لمساره المهني والمعرفي، فهو من جهة مثقف ومؤرخ منشغل بالتاريخ التونسي ومولع به؛ ومن جهة أخرى موظف وإطار تونسي محسوب على الإدارة الاستعمارية، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة تجاوز بعض التقييمات غير المُنصِفة لمساره الفردي، حيث نجح بن الخوجة في تطوير أساليب صوغ المعرفة التاريخية ومراكمتها من خلال تركيب سردية تاريخية جديدة، تمحورت حول توضيح الخصوصيات المحلية لتاريخ التونسيين. وقد ساهمت مختلف أبحاثه التاريخية، بلا جدال، في تبسيط المعرفة بالتاريخ الوطني التونسي، وفي تأثيث محتوى الرزنامةالتونسية والإشراف على صدورها طوال الفترة الفاصلة بين عامي 1900 و 1917. أما في ما يتّصل بسيرة زين العابدين السنوسي، فأشار المؤرخ إلى تأثره بمسار والده الفكري والثقافي، حيث كان منصرفًا إلى الدعوة إلى الإصلاح وتطوير الحركة الأدبية والثقافية ومقاومة الاستعمار. وعلى الرغم من غياب المؤشرات الدالة على التزامه السياسي أو انضمامه إلى تيار أو حزب معين، فإن ما طبع مساره الفردي هو نشاطه الثقافي الدؤوب؛ إذ عمل في الصحافة ونشر مجلة العالم الأدبي، وصدرت له مقالات عدة في مجلة البدر والزهرة والنهضة والحرية، كما كانت له دراية واسعة باللغتين العربية والفرنسية، وتولّى بعد الاستقلال إدارة مؤسسة الرائد الرسميفترة قصيرة. وعمومًا، فإن ما ميّز مسار بن الخوجة والسنوسي هو "الانشغال بجديد المعارف وتقصّي انسلاخ مضامينها المحدثة في أكناف المعارف القديمة التي مثّلتها بطون المؤلفات التونسية أو الأجنبية الموضوعة في اللغة العربية أو تلك المنقولة والمترجمة إليها" (ص. 162)، على حد تعبير المؤرخ. بعد التعرض للمسارات الفردية لكل من بن الخوجة والسنوسي، يتناول المؤرخ ضمن مبحث ثان من هذا الفصل مغامرة الرزنامة التونسية التي يمكن اعتبارها دليلً لضبط التواريخ والتعريف بالمؤسسات السياسية القديمة والمحدثة من الإدارة الاستعمارية، فضلً عما تم تضمينه داخلها من عروض فلكية وفكرية وأدبية وحضارية وتاريخية ذات طبيعة تثقيفية وإعلانات تُعرّف بالمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية وبالعروض الفنية والنشاطات الثقافية والصحف والمنشورات العمومية والخاصة، ويتنزل هذا المشروع ضمن سياق تاريخي اتّسم بوجود وعي جديد لفائدة ضبط الزمن وتحديده، في ظل تسارع التقلبات وتعدّد الابتكارات والاختراعات والاكتشافات؛ إذ صار التقويم من أوكد ضرورات الحياة العصرية، سواء بالنسبة إلى الأمم المتحضرة أم إلى تلك التي لم تزل تعيش في تبعية ولم تستعد سيادتها على أراضيها. يشكل هذا المشروع، من منظور المؤلف، "أبرز إسهام معرفي تجميعي أنجزه ابن الخوجة" (ص. 170)، حيث استفاد منجز الرزنامة من التكوين الموسوعي لصاحبه وثقافته المتينة المتّسمة بالتنوع، ومن معرفته الجيدة والدقيقة بالتاريخ التونسي. هذا فضلً عن مساهماته الكثيرة في الصحف والمجلات العلمية، على غرار الحاضرة؛ وشمس الإسلام؛ والمجلة الزيتونية. وتمثّل مغامرة الرزنامة أيضًا "أداة توعوية غير مسبوقة تونسيًا" (ص. 172)؛ إذ ساهم نشرها الدوري والسنوي في تطوير علاقة النخب المتعلمة والمهنيين من التونسيين بالفضول المعرفي والارتقاء بمستوى الحاجات الجديدة للمتعلم التونسي الطامح إلى ترسيخ الوعي بانتمائه إلى أمة منغرسة في التاريخ،
وتطمح إلى إثبات ذاتها والخروج من واقع الوصاية الذي تردّت فيه. وعمومًا، يهدف ما جاء به بن الخوجة في الرزنامة، إلى توسيع فضول النخب تجاه شتى تصانيف المعرفة، وشحذ فضولهم للاطلاع على تاريخهم الخاص وتاريخ باقي أمم المعمورة حتى يتسنّى لهم الالتحاق بركب الحضارة والانخراط في التاريخ مع الأمم المتقدمة. يشير المؤرخ أيضًا إلى فكرة مهمة تتمثل في أن من بين أهداف من عكفوا على تحرير مواد الرزنامة "محاولة التجاوب والتفاعل مع ما كانت تعرفه الأمم المتحضرة من جذوة في الإقبال على المعرفة الجذلى والرغبة في الاكتشاف والاستطلاع ومراكمة المعارف وتوسيع دائرة الثقافة العامة" (ص. 201)، والتعرّف إلى كل ما هو جديد، وبذلك تكون مغامرة الرزنامة التي خاضها بن الخوجة نافذة مفتوحة على العالم الجديد الرحب ودعوة للتونسيين حتى ينفتحوا على جديد المعارف ويُقبلوا عليها بكل شغف؛ إذ لم يعد لمدلول الرقيّ من معنى إذا ما تم اختزاله في ما حصّله السلف. لا تختلف كذلك مضامين الموسوعة التي أنجزها زين العابدين السنوسي المتعلقة بالأدب التونسي خلال القرن الرابع عشر الهجري عن العروض التي احتوتها الرزنامة؛ إذ عبّرت هي الأخرى عن مشروع ثقافي يرنو إلى التغيير واستيعاب سُنن الزمان وتوسيع آفاق المعرفة والتعريف بالآداب التونسية، فقد كان لزين العابدين السنوسي نشاط ثقافي وفكري مكثف، تجلّى من خلال مبادرته بإنشاء الصحف وإصدار المجلات ودعوته إلى تجديد مناهج المعرفة التاريخية وتدبّر واقع الأدب التونسي وتاريخه. وهذا ما نجده في ثنايا الموسوعة التي أنجزها حول الأدب التونسي في القرن الرابع عشر الهجري، حيث حاول التطرّق إلى تاريخ الأدب التونسي والتعريف بأعمال الشعراء والأدباء التونسيين؛ مثل محمد الشاذلي خزندار (1881 - 1954)، وحسين الجزيري (1894 - 1974)، وأبي القاسم الشابي (1909 - 1934)، وغيرهم، كما جمع بين النقد الأدبي والإبداع القصصي، وهذا ما يدل بوضوح على شغفه بالمعارف وتاريخ الثقافة التونسية والآداب الجميلة. واستعان المؤلف بمقالة مخطوطة للكاتب والروائي التونسي شكري المبخوت (1962) حول "قصة الأدب العربي في عهد النهضة"، لبيان نضج فكرة البحث التاريخي عند السنوسي وطرافة إنتاجه الأدبي، حيث أكد فكرة مفادها أن الغرب تحوّل بحداثته العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والإبداعية إلى مرجعية مطلوبة لقيام أدب عربي مناسب للوضعية الجديدة التي صار يعيشها العالم العربي في بداية القرن التاسع عشر، وهذا ما كان يسعى له السنوسي؛ إذ كشفت مختلف إنتاجاته الفكرية وإبداعاته الأدبية قدرات استثنائية "بوصفه مؤلِّفًا مُلهمًا ومؤرخًا وناشرًا آمن بالانتماء إلى وطن وفكر وأمة" (ص. 209)، من جهة، واستيعابه مختلف تصورات وتوجهات نقّاد الأدب المشارقة والغربيين، من جهة أخرى. وقاد ذلك المؤرخ إلى الدعوة إلى ضرورة "تعديل الرؤية الحدية المنقوصة التي استندت عليها السردية التاريخية لمشروع الدولة الوطنية وذلك عبر توضيح أشكال اشتراك النخبة الزيتونية المنحازة إلى معاني الإصلاح والتحديث والعمل على تحرير الوطن واستعادة السيادة" (ص. 233) يمثل الفصل الرابع (الأخير) "زمن الذات أو الزمن الوجداني"، وهو فصل أراد من خلاله المؤرخ البحث في العناصر الناظمة الشخصية التونسية، من خلال التعويل على العروض التي وردت في مؤلف محمد بن عثمان الحشايشي (1853 - 1912) العادات والتقاليد التونسية13، وما خطّه الأب ديمرسمين (1901 - 1993) في مقالاته. لئن عمل الحشايشي على البحث في مضمون الثقافة المادية ومختلف المعارف والقيم والمعايير التي طبعت تصرّفات التونسيين، محاولً في ذلك توسيع اطلّاع الإدارة الحامية على ما شكّل الشخصية القاعدية للتونسيين، فإن ما خطّه الأب ديمرسمين، يعتبر محاولة لوضع أسس نظرية للشخصية التونسية والعناصر الناظمة لها من أجل فهم واقعهم المعيش أكثر فأكثر والتعمّق فيه.
انطلق المؤلف، في مبحث أول من هذا الفصل، من فكرة الشخصية التونسية بين المعارف الإنسانية والعروض المدرسية. وقد بيّن في البداية اهتمام علماء الاجتماع والمؤرخين ورجال الآداب والحضارة بالبحث في مسألة الشخصية التونسية، حيث ألّفوا في شأنها العديد من الدراسات التي يُمكن أن نذكر منها مؤلَّف المؤرخ هشام جعيط (1935 - 2021) الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي14. ومؤلَّف المفكر ووزير الثقافة الأسبق البشير بن سلامة (1931)- الشخصية التونسية: مقوماتها وخصائصها15. وكذلك مؤلَّف أستاذ علم الاجتماع المنصف ونّاس (1956 - 2020) الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية16، وأخيرًا الدراسة الطريفة للمؤرخ الهادي التيمومي (1949)- كيف صار التونسيون تونسيين؟17. وعالج هؤلاء جميعهم مفهوم الشخصية التونسية وفق مناهج مختلفة، مثل المنهج الثقافي والمنهج التحليلي النفسي الثقافي والمنهج السوسيو-تاريخي. وعلى الرغم من ذلك، فإن مسألة الشخصية القاعدية التونسية تبقى مفهومًا غامضًا، يصعب تعريفه بدقة، أو الإلمام بمختلف جوانبه، كما أشار إلى ذلك المؤرخ. في إطار إلقائه نظرة على تصوّرات العروض التاريخية المدرسية وعلاقتها بالهوية التونسية، من خلال الاستعانة ببعض الدراسات والبحوث الجامعية، يبُرز المؤلف العلاقة الوطيدة بين الشخصية الوطنية التونسية والكتب المدرسية للتاريخ، ويعود ذلك - في نظره - إلى الاختيارات السياسية من جهة، حيث تحاول السلطة دائمًا فرض قراءة معيّنة للتاريخ، توظّفها لمصلحتها وللتحديات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية من جهة ثانية. ويُقرّ كذلك بأن الذاكرة المدرسية ما زالت تقدم إلى الناشئة التونسية مقاربة أقرب إلى القراءة السياسية للتاريخ من المعالجة المعرفية المتوازنة، "تجسيدًا لاختيارات الفاعلين السياسيين الرامية إلى إضفاء مزيد من الشرعية على السلطة الحاكمة من دون أن يحصل تصالح بينها وبين الواقع التاريخي" (ص. 273) يتخيّر المؤرخ في ما بعد الوقوف عند جوانب من سياقات مسار الأب ديمرسمين وعثمان الحشايشي اللذين كانت لهما توجّهات تراثية غير خافية؛ إذ كان الأب ديمرسمين منفتحًا على التراث التونسي ومولعًا بالبحث الدقيق في واقع التونسيين ومميزات شخصيتهم، على الرغم من تمسّكه بالهوية الدينية وسيطرة الشاغل التبشيري الكاثوليكي عليه. أما الحشايشي، فعلى الرغم من انبهاره بمنجز الدولة الحامية وانحيازه إلى الوعود التي قدّمتها الحماية الفرنسية في خصوص نشر رسالتها الحضارية وانتشال التونسيين من الجهل، فإن مساره يؤكد انخراطه ضمن مشروع حرص على متابعة شخصية التونسيين وعاداتهم وصنائعهم وتقاليدهم وكل ما يمتّ بصلة لمعيشهم اليومي. لذلك، يستنتج المؤرخ أنه على الرغم من اختلاف مسار تكوين الشخصيتين، فإنهما تشتركان في كونهما قد عملتا على تعقّب نسق التونسيين اليومي ومحاولتهما التعمّق أكثر في سَمت شخصيتهم على صعيد التاريخ، وعلى صعيد الموروث المادي والثقافي أيضًا. لا ريب في أن فهم شخصية التونسيين يتطلّب البحث في ما راكموه من موروث ثقافي، من أجل فهم خصوصيات المجال الذي استوطنوه، وكيفية تمثّلهم واقعهم المعيش، وللقيام بذلك، يستند المؤرخ إلى العروض التي اكتنزها كتاب الحشايشي، الذي لا يختلف كثيرًا عن أساليب البحوث الإثنولوجية التي قام بها المستكشفون والمولعون بالرحلة من الأوروبيين، حيث عرض فيه الحشايشي كل ما يميز التونسيين من تقاليد وعادات تخص التنشئة وأساليب التحصيل، وكل ما يتعلق بأعمالهم وأخلاقهم وطباعهم أيضًا "منذ بروزهم في الأرحام إلى أن يوضعوا في الرغام" على حد قوله، ما يحيلنا على المشترك الثقافي للتونسيين الذي يكشف، بلا شك، عن ثوابت الشخصية التونسية وتحولّاتها.
ينتقل المؤلف في ما بعد إلى الحديث عن ثوابت الشخصية التونسية وتحولّاتها؛ إذ اعتمد على بعض المقالات التي نشرها الأب ديمرسمين في المدة 1958 - 1961، المتعلقة بمحددات الشخصية التونسية، حيث يُقرّ المؤرخ في البداية بضرورة تبنّي أشكال التداخل بين المعارف الإنسانية والاجتماعية لدراسة مكوّنات الشخصية التونسية التي تبقى مهمة عسيرة جدًّا، نظرًا إلى صعوبة تمييز العناصر الثابتة من العناصر المتحوّلة، مؤكدًا في الوقت نفسه على تفرّد شخصية التونسية:ين؛ إذ يظهر ذلك من خلال امتلاكهم لهجة تحيل على معانٍ مخصوصة، وتتّسم بمرونتها وتشعّبها وينتظم فيها الخطاب وفق شيفرة خاصة. انتهى المؤرخ إلى بيان الأبعاد التي أسهمت بحظ وافر في بناء الشخصية القاعدية للتونسيين، وهي الوحدة والتنوع والتواصل. فالشخصية التونسية تتّسم في الوقت نفسه بالوحدة والتنوع؛ إذ نجد عند المجتمع التونسي قدرة على إنجاز تجانس مذهل، على الرغم من تنوّع العناصر الناظمة لانتمائه وتعددها، وهي متمثلة في الأصول العرقية واللغة والدين والحضارة. وفضلً عن ذلك، تتّسم الشخصية التونسية بالامتداد والتواصل، وهذا ما يظهر من خلال توافر الموروث التاريخي في أبعاد ثلاثة ثابتة: ذاكرة الأساطير المؤسسة، والإسهام في الحضارات المتوسطية، والتعبير عن التمسك بالتقاليد. ويُستنتَج من خلال ذلك أن خاصية المرونة تشكل عنصرًا محوريًا ضمن الشخصية القاعدية للتونسيين مع قدرتهم الفائقة على التأقلم. على الرغم من ذلك، فإن المؤرخ لا يتوانى في الإقرار بتشعّب الشخصية التونسية واشتمالها على تصورات سلوكية متناقضة ومتضاربة في بعض الأحيان؛ "إذ يحرص التونسيون على تحقيق توازن بين الأضداد، فهم يزاوجون بشكل لافت ومربك حقًّا بين الكياسة والخشونة والمرونة والتصلّب والرجولة والاتزان" (ص. 320). وعمومًا، ختم المؤرخ هذا الفصل بالإشارة إلى أن ما خطّه الحشايشي من أفكار تعلّقت بتقاليد التونسيين وعاداتهم، يتوافق مع مشاغل الأب ديمرسمين، حيث انخرط الاثنان في البحث عن الجينوم الثقافي للتونسيين من خلال سبر مختلف تصرفاتهم وإدراك مكوّنات شخصيتهم وخصوصيات عوالمهم السطحية. مثّلت خلاصة الكتاب مراجعات منهجية وإبستيمولوجية في خصوص راهن الكتابة التاريخية، حيث أكد ضرورة تسلّح مؤرخ اليوم بأدوات معرفية ونظرية جديدة لمقاربة إشكاليات مختلفة ما انفكّت تتزايد، وتكمن أهمية هذا المؤلف في أنه نجح في استقراء مصادر محسوبة على التاريخ الموازي، وذلك لإعادة قراءة ماضي التونسيين والغوص في أخبارهم لبناء مرويّة جماعية جديدة تستجيب لمتطلّبات المرحلة الراهنة، وتعيد صوغ السردية الوطنية بالبحث في الأزمنة المفقودة داخلها. وقد لا نبالغ إنْ قلنا إن الكتاب لا يعدو أن يكون تأكيدًا من المؤرخ على فكرة طريفة مفادها أن الهوية لا يمكن أن تكون إلّ أرضًا متحركةً متجددةً تأبى الثبات، وتنزع دائمًا إلى احتضان التنوّع والتعدد والاختلاف.
المراجع
بن سلامة، البشير. الشخصية التونسية: مقوماتها وخصائصها. تونس: مؤسسات بن عبد الله، 1974.
بن مرابط القفصي، المنتصر. نور الأرماش في مناقب القشاش. تحقيق لطفي عيسى. تونس: المكتبة العتيقة، 1998.
التيمومي، الهادي. كيف صار التونسيون تونسيين؟ تونس: دار محمد علي الحامي، 2014.
جعيط، هشام. الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. بيروت: دار الطليعة بيروت، 2008.
الحاج يحيى. تقديم محمد اليعلاوي. تونس: سراس للنشر، 1994.
رضوان العبادي، محمد. مجمع الأمثال الشعبية التونسية. تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 2018.
صفر، محمد البشير. الجغرافيا عند العرب. ترجمة حمادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1987.
عيسى، لطفي. أخبار المناقب في المعجزة والكرامة والتاريخ. تونس: سراس للنشر، 1993.
.___________ مميزات الذهنية المغاربية في القرن السابع عشر. تونس: سراس للنشر، 1994.
مركز النشر الجامعي وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 2005.
.___________ كتاب السير: مقاربات لمدونات المناقب والتراجم والأخبار. تونس: دار المعرفة للنشر، 2007.
.___________ بين الذاكرة والتاريخ في التأصيل وتحولّات الهوية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2016.
ونّاس، المنصف. الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية. تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2010.
ونيس، سالم. الحكاية الخرافية والشعبية. تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 2016.
References
الحشايشي، محمد بن عثمان. العادات والتقاليد التونسية: الهداية أو الفوائد العلمية في العادات التونسية. تحقيق الجيلاني بن.___________ مفتاح التاريخ: مفكرات ومقالات تاريخية. تقديم وتحقيق حمادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2009. عمامو، حياة ولطفي عيسى ومنصف التايب. السلطة وهاجس الشرعية في الثقافة الإسلامية. تونس: دار أمل للنشر، 2005 .
.___________ مغرب المتصوّفة من القرن العاشر إلى القرن السابع عشر: الانعكاسات السياسية والحراك الاجتماعي. تونس: