العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المؤرخ والدولة

المؤرخ والدولة

The Historian and The State

حيدر سعيدHaider

Saeed

الملخّص

ربما تلخّص التحديات التي واجهت حقلَ الدراسات التاريخية في العراق الحديث، مجملَ التحديات التي واجهت العلوم الاجتماعية والإنسانية، في سائر الدول الوطنية الناشئة في حقبة ما بعد الاستعمار، غير أنها تظهر في حقل الدراسات التأريخية بشكل أوضح مما هي عليه في سائر هذه العلوم، بسبب أن هذا الحقل لم يكن - في سياق نشأته وتطوره في بلد كالعراق والأطر السوسيولوجيّة لهذه النشأة - مجرد حقل علمي أكاديمي، بل إنه ارتبط - على نحو ما وبهذا القدر أو ذاك - بعملية بناء الدولة الناشئة وإنتاج ذاكرتها والسرديات عنها، وتطورات نظمها السياسية، وأشكال هذه النظم، ولا سيما شكلها السلطوي المزمن. ومن ثم، لم يكن حقلُ الدراسات التاريخية محصنًا من كل هذا السياق.

Abstract

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies, Head of Research Department.

الكلمات المفتاحية:
  • المؤرخ
  • الكتابة التاريخية
  • العراق
  • الدولة
Keywords:
  • State
  • Iraq
  • Histography
  • Historian

مقدمة

ربما تلخّص التحديات التي واجهت حقلَ الدراسات التاريخية في العراق الحديث، مجملَ التحديات التي واجهت العلوم الاجتماعية والإنسانية، في سائر الدول الوطنية الناشئة في حقبة ما بعد الاستعمار، غير أنها تظهر في حقل الدراسات التأريخية بشكل أوضح مما هي عليه في سائر هذه العلوم، بسبب أن هذا الحقل لم يكن - في سياق نشأته وتطوره في بلد كالعراق والأطر السوسيولوجيّة لهذه النشأة - مجرد حقل علمي أكاديمي، بل إنه ارتبط - على نحو ما وبهذا القدر أو ذاك - بعملية بناء الدولة الناشئة وإنتاج ذاكرتها والسرديات عنها، وتطورات نظمها السياسية، وأشكال هذه النظم، ولا سيما شكلها السلطوي المزمن. ومن ثم، لم يكن حقلُ الدراسات التاريخية محصنًا من كل هذا السياق. وعلى نحو عام، تعاملت الدولةُ الناشئة مع العلوم الاجتماعية والأكاديميات التي أنشأتها لتختص بها تعاملً أداتيًا؛ بمعنى أنها لم تنظر إليها بوصفها مراكزَ إنتاج علمي، بل أدوات تُنت ج لها احتياجاتها، وهي في طور التأسيس. وتقف عملية بناء كادر بيروقراطي لإدارة الدولة الناشئة وأجهزتها في صدارة هذه الاحتياجات1، غير أن الأمر تعدّى ذلك إلى الاحتياجات المعنوية والرمزية للدولة. ظلت "الدولة" عاملً أساسيًّا في فهم تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية في بلد كالعراق. الدولة، بأشكال مختلفة، سواء كانت بمعناها المجرّد عن أي إيحاء أيديولوجي أو هوياتي، أو كانت تشير إلى النخبة المسيطرة على إدارتها، أو الحزب والأيديولوجيا الحاكمة. وقد كانت علاقة العلوم الاجتماعية بالدولة تتحرك ضمن هذه المروحة من المعاني.

الدولة فضاءً للعلوم الاجتمعية والإنسانية وموضوعًا للتأريخ

تفتتح الدولةُ الحديثة العلومَ الاجتماعية والإنسانية الموصوفة بأنها "عراقية"، فلا معرفةَ اجتماعية عراقية قبل الدولة الحديثة (إلا على نحو محدود جدًّا وخاص، سأوضحه لاحقًا)؛ ليس فقط لأن "العراق" من حيث هو كيان حديث تشكّل مع تشكّل الدولة الحديثة فيه، ومن ثم، لا معنى لنعتٍ لهوية عراقية قبل هذا التاريخ2، بل لأن الدولة الحديثة غيّرت - بشكل جذري - من المعارف التي يمكن

  1. باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، رئيس قسم الأبحاث في المركز.
  2. فالح عبد الجبار [وآخرون]، وضع العلوم الاجتماعية في الجامعات العراقية: مسح - تقييم - آفاق التطور (بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2007)، ص 37 -
  3. يخضع هذا الأمر إلى سجال كبير. أدرك أن "العراق"، بوصفه تعبيرًا عن وحدة سياسية، يسبق الإعلان الرسمي عن قيام دولة حديثة فيه في الفترة 1920 - 1921. وبحسب متابعتي، تظهر فكرة "العراق" من حيث هو وحدة سياسية واحدة في نصوص أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وأود، هنا، أن أورد مثالً هو نص الأب أنستاس الكرملي (1866 - 1947)، في مقدمة العدد الأول من مجلة لغة العرب، الصادر في عام 1911، وهو نص تظهر فيه - بوضوح لافت - فكرةُ العراق، من حيث هو وحدة سياسية، ووطن، وأمّة، يقول الكرملي: "عقدنا النية على إصدار هذه المجلة الشهرية خدمةً للوطن والعلم والأدب. والغاية من إنشائها: أن نعرّف العراق وأهله ومشاهيره، بمن جاورنا من سكّان الديار الشرقية وبمن نأى عنّا من العلماء والباحثين والمستشرقين من الأقطار الغربية، وننقل إلى وطنيينا العراقيين ما يكتبه عنهم الأفرنج وغيرهم من الكتّاب المشهورين، عن بلادهم وأقوامهم [...] فرأينا من المناسب أن ننشئ مجلة تفي بما في الأمنية، ليدخل العراق في مصاف الربوع المعروفة، بين الأمم المتمدنة المتحضرة." يُنظر: "المقدمة"، لغة العرب، ج 1 (تموز/ يوليو 1911)، ص 1 - 2؛ ويرى عصام الخفاجي (1950 -)، في سياق محاججته الفكرةَ التي مفادها أنّ العراق كيان اختلقته القوى الاستعمارية، أن العراق الحديث تعبير عن ديناميكيات داخلية في الأساس، يمكن أن نرجعها إلى القرن الثامن عشر، مع إجراءات الدولة العثمانية بربط ولايات (أو إيالات) الموصل وشهرزور وبغداد والبصرة بوحدة بيروقراطية مركزية في بغداد، وأن الخطط الاستعمارية كانت استجابة لهذه الديناميكيات الداخلية. يُنظر: عصام الخفاجي، "تشكّل العراق الحديث: الوقائع والأساطير"،  كلمن: فصلية ثقافية، العدد 7 (2012)، ص  14 - 16. للتوسع، يُنظر: نهار محمد نوري، "العراق ليس مصطنعًا: النزعات العراقوية ودحض فرضية الدولة المصطنعة"، أسطور، العدد 8 (تموز/ يوليو 2018)، ص 74 - 108.

عدّها، على نحو من الأنحاء، "معارفَ اجتماعية". فالمعارفُ الناشئة التي استتبعتها الدولةُ الحديثة، وتبدو - ظاهريًا - استمرارًا للشكل القديم من المعارف (في النوع، في أقل التقديرات)، تغيّرت على نحو جذري؛ لا في مقارباتها ومناهجها فحسب، بل في موضوعاتها أيضًا، فصارت هذه المعارفُ تتناول الدولةَ نفسها، وما أحدثته من هوية حديثة، ونظام مركزي، وما إلى ذلك. وبلا شك، أطلقت مجموعة من الدول الوطنية عمليةَ "تأصيل قومي" واسعة، فتبنّت سرديات عن عراقة الهوية الوطنية، طوال مئات أو آلاف السنين، حتى ما قبل تشكّل القومية بوصفها ظاهرة حديثة. ولم تترك عمليةُ التأصيل هذه، في حالات غير قليلة، حتى المعارف الناتجة قديمًا في الحيّز الجغرافي نفسه للدولة الوطنية الحديثة، لتؤمّم الدولةُ الحديثة من ثمّ المعارفَ القديمة، وتعدّها جزءًا من تاريخها (مثال ذلك أن يجري التعامل مع الخليل بن أحمد، ت. 175 ه/ 791 م، بوصفه عراقيًّا، أو مع عبد الرحمن بن خلدون، ت. 808 ه/ 1406 م، بوصفه تونسيًّا). غير أنه ينبغي القول إن عملية التأصيل هذه هي عملية لاتاريخية، ولا قيمة معرفية أو تاريخية لها، سوى قيمتها داخل السرديات القومية الناشئة. والهويةُ التي تجري نسبة هذه المعارف إليها، لا تعدو أن تكون محض هوية جغرافية، لا هوية قومية. لقد قام مؤرخو المعرفة القوميون بعملية واسعة لتأميم المعارف والفنون التي نشأت في العراق ما قبل الدولة الحديثة (بوصفه حيزًا جغرافيًا سيتشكل عليه كيان سياسي حديث)، لتطلق عليها - بسلاسة - وصف "عراقي". فعلى سبيل المثال، ظهرت مجموعة من الأدبيات المهمة، في إطار التاريخ الأدبي، التي أ رَّخت للشعر الذي كُتب في العراق في القرن التاسع عشر بوصفه "شعرًا عراقيًّا"، هذا مع أن أي تحليل نصّي أو مضموني لهذا الشعر سيكشف عن أن "العراق" بوصفه كيانًا سياسيًّا حديثًا ووطنًا ليس من مدركات هذا الشعر، فقيمةُ الوطنية لا تحضر لدى شعراء القرن التاسع عشر كما تحضر لدى شعراء الدولة الوطنية لاحقًا (الجواهري، 1899 - 1997، والسيّاب، 1926 - 1964، وسواهما)3. ويصدق الأمر نفسه على المصنفات "التاريخية" التي ظهرت في العراق في القرن التاسع عشر وسائر الحقبة العثمانية4. وأضع كلمة "التاريخية" بين ظفرين؛ لأن "الخطاب التاريخي" في تلك المرحلة متناثر وموزّع بين مصنفات

  1. يُنظر: محمد مهدي البصير، نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر (بغداد: مطبعة المعارف، 1946)؛ إبراهيم الوائلي، الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر (بغداد: مطبعة العاني، 1961)؛ يوسف عز الدين، الشعر العراقي: أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1965). ولم تتردد هذه الأدبيات في وصف هذا الشعر بأنه "عراقي"، وفي وصف شعرائه بأنهم "عراقيون"، بل إنها لم تفرد مساحة لمناقشة وجاهة هذا الوصف، وتعاملت معه على أنه أمر بديهي، على الرغم من أن أصحاب الأسماء البارزة من هؤلاء الشعراء جميعًا (عبد الباقي العمري، 1788 - 1861، وعبد الغفار الأخرس، 1803 - 1873، ومحمد سعيد الحبوبي، 1849 - 1915)، لم يدركوا الدولة الحديثة، فالبصير - مثل - يناقش، في كتابه المذكور آنفًا، قيمةَ هذا الشعر، ويرى أنه يسجّل الحياة السياسية والاجتماعية في عصره، يُنظر: البصير، ص 326 - 328، ولكنه لا يناقش البتّة إن كانت قيمة "الوطنية العراقية" تحضر في هذا الشعر أم إنها لا تحضر فيه.
  2. يوفّر كتاب عماد عبد السلام رؤوفالتأريخ والمؤرخون العراقيون في العهد العثماني (1983) مادة مهمة عن المصنّفات التأريخية التي ظهرت في العراق في تلك الحقبة، ولا سيما القرن التاسع عشر. أما في وصف المؤرخين بأنهم "عراقيون"، فيعتمد رؤوف تعريفًا إجرائيًا، إذ يقول: "في ظل عدم وجود قوانين الجنسية، وأنظمة الإقامة، وحدود مرسومة للبلاد، وقلة المعلومات أحيانًا عن أصول القاطنين في العراق آنذاك، لم يبق أمامنا إلا أن نعد العراقي هو كل من ولد في العراق، أو وفد إليه صغيرًا، فعاش في أرضه، وتلقى العلم على يد علمائه، وألّف بلغة أهله، ونُسب إلى بعض مدنه، فقيل له الحائري والغروي والبغدادي والإربلي والبصري مثلً، وتوفي فيه". يُنظر: عماد عبد السلام رؤوف، التأريخوالمؤرخون العراقيون في العهد العثماني، ط 2 (لندن: دار الورّاق للنشر، 2009)، ص 8. وبالتأكيد، لا يتطابق هذا التحديد مع مفاهيم القومية والجنسية التي شاعت لاحقًا.

تنتمي إلى حقول ومجالات عدة، منها التراجم، والسير، والمناقب، والرحلات، والمعاجم الجغرافية، وما يدور في هذه الدائرة5. وكلها تنتمي، في نمط التأليف، إلى التقاليد الكلاسيكية للكتابة التأريخية العربية الإسلامية، وهو النموذج الذي كان سائدًا إلى مطلع القرن العشرين، مع لحظة قيام الدولة الحديثة. وحتى بعض المصنفات، التي يرى عماد عبد السلام رؤوف (1948 - 2021)، في دراسته للمصنفات التأريخية في العراق في العهد العثماني، أنها يمكن أن تعبّر عن اتجاهات جديدة (من قبيل المصنفات التي ظهرت بتأثير الدور الثقافي البارز الذي أدّته الكنيسة، ولا سيما دير الآباء الدومينيكان في الموصل، وتناولت التاريخ الكنسي وتاريخ الطوائف المسيحية، ومن ذلك تأريخ بعض المجموعات والأقليات الدينية في العراق، ومن قبيل المصنفات التي تناولت تاريخ العشائر المنتشرة في العراق، أو التي تناولت تاريخ العالم والتاريخ الأوروبي، أو التاريخ القديم، ومنه تاريخ العرب قبل الإسلام)، لا تعدو أن تكون جزءًا محدودًا ويسيرًا جدًّا، وهامشًا صغيرًا، بالنسبة إلى النموذج الكلاسيكي الذي ظل مسيطرًا على الكتابة التاريخية آنئذ. ويشمل هذا الحكمُ حتى المصنفات التي تناولت تاريخ المدن والبلدات، استمرارًا للتقاليد العربية القديمة في هذا المجال، ومنها المجموعة التي تتناول تاريخ بغداد، وظهرت في القرن التاسع عشر، ويشير رؤوف إلى أن مفهوم "بغداد" فيها توسّع ليشمل حواضر العراق الكبرى جميعًا6. ومن ثم، لم يكن "العراق"، بوصفه كيانًا سياسيًّا، موضوعَ هذا الخطاب التاريخي، بخلاف ما سيحدث بُعيد تشكيل الدولة الحديثة7، وبالأحرى، بالتزامن مع قيامها؛ إذ ظهرت عدة مصنفات يمكن عدّها مصنفات تاريخية، حملت داخلها خطابًا تاريخيًا، مغايرًا تمامًا لما شاع في العراق خلال الحقبة العثمانية. إذًا، نقصر حقل "الدراسات التاريخية"، هنا، سواء الذي نصفه بأنه "حديث"، أو "عراقي"، على الحقبة التي تشكلت معها الدولة الوطنية الحديثة، في الربع الأول من القرن العشرين، حتى إنْ كانت ثمة كتابات تاريخية ما قبل الدولة الحديثة تصفها دراساتٌ معاصرة بأنها "عراقية"؛ أي بإسقاط القومية الحديثة بأثر رجعي على الطبقات التاريخية المختلفة لحيّزها الجغرافي، أو حتى إنْ تناولت هذه الكتاباتُ التاريخية بعضَ الموضوعات التي يمكن أن تندرج في العصر الحديث. لقد وضعت الدولةُ الوطنية حدودًا جديدة ل "المجال" الذي تتحرك فيه وتتجه إليه الدراساتُ التاريخية، ستقع في صلب أي نقاش يخص هذا الحقل. ويمكن القول إن الوعي بالحدود الجديدة التي تفرضها الدولةُ الوطنية (وبالدولة نفسها بوصفها متغيرًا جوهريًا)، الذي يرافق تأسيس خطاب تاريخي، أو حقل للدراسات التاريخية، هو أولى من تحديد التحديات والإشكاليات ذات الطابع الإبستيمولوجي التي تواجه هذا الحقل. وبعضُ هذه الإشكاليات سيتمفصل مع ما يمكن تسميته "دولنة" الكتابة التاريخية، على نحو ما سنلاحظ. وهذا الأمر هو ما يهمني تشخيصه أولً هنا. وبقدر ما كان تأسيس الدولة الحديثة هو الحدث المفصلي الأكثر أهمية الذي شهده العراق منذ قرون، ربما كان من الطبيعي أن تقف هذه المصنفاتُ عند نشأة الدولة، والسياقات التاريخية والسياسية التي أوصلت إليها. ومن ثم، تعلَّقَ الخطابُ التاريخي المحايث

  1. المرجع نفسه، ص 67 - 108، 238 - 489.
  2. المرجع نفسه، ص 78 - 79.
  3. تنبغي الإشارة، هنا، إلى ظهور بعض الرسائل، في القرن التاسع عشر، التي تؤرخ لبعض الأحداث المعاصرة ذات الطابع المحلي، وكذلك ظهور مصنّفات تؤرخ لحُكَّام المماليك والحكومات المحلية في المدن، وهو نمط الحكم الذي ساد في العراق ما بين أواسط القرن الثامن عشر وأواسط القرن التاسع عشر، قبل أن يعود العراق إلى الحكم العثماني المركزي. وفي تقديري، لا يمكن عدّ هذه المصنفات جذرًا للتأريخ للدولة الحديثة، الذي ظهر غداة قيامها، فهو لا يؤرخ لمؤسسات، ولا يتبع كرونولوجيا لتأريخ سياسي، كما في التقاليد التأريخية العربية الإسلامية، بل إنه - بحسب رؤوف - نتاج التأثر بأنماط التواريخ الشرقية والفارسية (الساسانية)، التي تركز على تواريخ الملوك والسلاطين. وقد تفشى هذا النمط في الكتابة التاريخية في العراق ما بعد سقوط الدولة العباسية، في القرنين السابع والثامن للهجرة (الثالث عشر والرابع عشر للميلاد)، حين فقد العراق قدرةَ الحفاظ على تقاليد الكتابة التاريخية العربية الإسلامية والمبادرة إلى الإنتاج الثقافي والفكري، لتنتقل - منذ ذلك التاريخ - إلى مصر وبلاد الشام، يُنظر: المرجع نفسه، ص 19 - 22. وتنبغي الإشارة، هنا، إلى أن الأدبيات والوثائق البريطانية الرسمية، وإلى العشرينيات من القرن العشرين، لم تكن تستعمل تعبير "العراق"، بل "بلاد ما بين النهرين Mesopotamia ". ولذلك، يسود هذا التعبير الأخير في هذه الكتب وعناوينها.

لنشأة الدولة بها، لصناعة سردية محددة عن الدولة الناشئة، وهي أنها نتاجُ وثمرة نضال عيني ملموس، ومشروع فكري، ورؤية، بما ينفي أي سردية أخرى. وبالتأكيد، كان أحد العوامل الأساسية لمبادرة المؤرخين العراقيين إلى بناء هذه "السردية الوطنية" عن نشأة الدولة، والتي تتطابق - في كثير من مفاصلها - مع ما تؤمن به النخبةُ السياسية والقومية القائمة، هو سعيهم إلى مواجهة "السردية الاستعمارية" التي دارت على ما يمكن تسميته (بلغة العلوم الاجتماعية اليوم) "ممانعة قوى ما قبل الدولة". وبعد عقود، تطورت هذه السرديةُ الأخيرة إلى "أطروحة"، جرى تداولها كثيرًا في الأوساط الأكاديمية الغربية، منذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين (وكانت بمنزلة "لا مفكّر فيه" لدى المثقفين العراقيين، صنّاع السردية السالفة، التي كانوا منغمرين فيها، ولا يستطيعون - ربما - التفكير خارجها)، وهي أن العراق كيان مصطنع، لفّقه الاستعمارُ البريطاني، ومن ثم، لا نضالَ عينيًّا، ولا هوية، ولا مشروعَ فكريًّا، ولا رؤية، كما تدعي السردية الأولى، التي أرادت أن تكرّس أن العراق هو نتاج كفاح دامٍ لأبنائه ونخبه، يقوم على رؤية واضحة. منذ مطلع العشرينيات من القرن العشرين، ظهر أكثر من مصنَّف بريطاني عن العراق، وكلها كانت معروفة ومتداولة بين المؤرخين والمثقفين العراقيين، على نحو عام، وقد عملوا على ترجمتها إلى العربية في وقت مبكّر. وهي مصنفات مهمة، أسهمت في إنتاجها أسماء بارزة من أقطاب الحملة البريطانية على العراق، سياسيًّا وعسكريًا، فضلً عما أنتجه باحثون ومؤرخون أكاديميون. ومن أبرز هذه الأعمال، الكتاب الذي أصدره الجنرال أيلمر هالدين (1862 - 1950)، القائد العام للقوات البريطانية التي غزت العراق، تحت عنوان التمرد في بلاد ما بين النهرين 19208، وكتاب الحاكم المدني البريطاني على العراق آرنولد ت. ويلسون (1884 - 1940)، الذي صدر في جزأين، الأول حمل عنوان ولاءات، بلاد ما بين النهرين 1914 - 1917: سجل شخصي وتاريخي، من نشوب الحرب إلى موت الجنرال مود12، والآخر حمل عنوان صِدام في الولاءات، بلاد ما بين النهرين 1917 - 1920: سجل شخصي وتاريخي15. وفي أواسط الثلاثينيات، صدر كتاب أكاديمي للباحث البريطاني فيليب ويلارد أيرلاند (1991 - 1902)، حمل عنوان العراق: دراسة في التطور السياسي16، وكان قد صدر قبله كتاب للأكاديمي الأميركي هنري أ. فوستر (1873 - 1940)، يحمل عنوانصنع العراق الحديث: منتج القوى العالمية17. وإلى جانب هذه المصنفات، كانت هناك تقارير رسمية بريطانية، تغلب عليها لغة التحليل، ومنها التقرير الشهير الذي اشترك في كتابته ويلسون ومستشارة المندوب السامي البريطاني في العراق غيرترود بيل (1868 - 1926)، ونشُر في كتاب حمل عنوان تقييم الإدارة المدنية لبلاد ما بين النهرين18. إن ظهور هذه الأعمال سيفسّر لنا، جزئيًا، تسارع وتكثيف الأعمال التاريخية العراقية التي تركّز على نشأة الدولة. وأودّ، أولً، التوقف عند الكتابين الأولين اللذين صدرا بُعيد تأسيس الدولة، ليباشرا بناءَ هذه السردية الوطنية، وهما كتابان مؤسّسان، يبدأ كلاهما عنوانه بكلمة "تاريخ:"  تاريخ القضية العراقية  لمحمد مهدي البصير (1923)، و تاريخ مقدرات العراق السياسية  لمحمد أمين العمري

9  Aylmer Haldane, The Insurrection in Mesopotamia 1920 (London: W. Blackwood and sons, 1922).

10  Arnold T. Wilson, Loyalties, Mesopotamia 1914 - 1917: A Personal and Historical Record, from the Outbreak of War to the Death of General Maude (London: Oxford University Press, 1930). 11  Arnold T. Wilson, A Clash of Loyalties, Mesopotamia 1917 - 1920: A Personal and Historical Record (London: Oxford University Press, 1931).

Philip Willard Ireland, Iraq: A Study in Political Development (London: Jonathan Cape, 1937). 13  Henry A. Foster, A Making of Modern Iraq: Product of the World Forces (Norman: University of Oklahoma Press, 1935). 14  Arnold T. Wilson & Gertrude Lowthian Bell, Review of the Civil Administration of Mesopotamia (London: H.M. Stationery Off., 1920).

  1. الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية LSE (1935 / 1936)، وقد نشُرت في كتاب في العام التالي:

(1925)19. وإلى حد ما، يتجاوز هذان الكتابان بناءَ الدولة، الذي كان جزءًا من العملية الواسعة التي كانا يكتبان تاريخها، وهي - على نحو أدق - تاريخ صيرورة العراق، من حيث هي نضال، ورؤية، وفكرة. من هنا، يستعمل البصير، والعمري كذلك، تعبيرَ "القضية العراقية"، وهو مصطلح مقتبس من المصطلحات التي راجت في تلك الحقبة، من قبيل "المسألة الشرقية" و"القضية العربية"، اللتين تعنيان المسألة السياسية التي وُضعت على طاولة القوى الدولية والمحلية لإيجاد ترتيبات سياسية لمنطقة المشرق العربي ما بعد الدولة العثمانية. ويعني "تاريخ القضية العراقية"، في هذا السياق، تاريخ تكوّن العراق؛ ليس بوصفه كيانًا سياسيًّا فحسب، يعمل أبناؤه في سبيل استقلاله، بل بوصفه أيضًا فكرة، ووجدانًا، وثقافة، ورابطة، وجذورًا عميقة. كان البصير (1895 - 1974) والعمري (1889 - 1946) فاعلَيْن ومنخرطين في التاريخ الذي يكتبانه؛ فالبصيرُ ناشط سياسي، وأديب، إلى جانب كونه أكاديميًا، وقد كان أحد المثقفين الذين نشطوا في ثورة العشرين20، أمّا العمري فهو عسكري ومثقف من الموصل، كان ضابطًا في الجيش العثماني، وتبوَّأ مناصب عسكرية رفيعة، ثم التحق بالثورة العربية الكبرى في عام 1916. وبعد قيام الدولة العراقية، أسهم في بناء الجيش العراقي الناشئ، وتبوَّأ مناصب عسكرية رفيعة فيه كذلك، وهو يكتب في الشؤون العسكرية، فضلً عن كتبه الأخرى، التي تنحو منحى تأريخيًا من ضمنها التأريخ العسكري21. وهذا يعني أنهما لم يكونا يصنعان السرديةَ التاريخية من موقع خارجي، بل من الداخل. ومن جديد، يشير هذا إلى أن الخطاب ليس أثرًا انعكاسيًا لاحقًا، بل هو ممتزج بالوقائع نفسها، ولا ينفصل عنها، إنه نوع من تأويلها الآني وتعريفها ومفهمتها وإعطائها هويتها. إنه الأداة التي تجعل الوقائعَ تنطق في اتجاه معيّن. وعلى نحو عام، كانت المصنفات التي أنجزها البصير والعمري وسائرُ النخبة الفكرية والسياسية العراقية آنذاك، منخرطةً، من موقع ما، في عملية بناء الدولة وما رافقها من بلورة للهوية الوطنية وتحديد لمكوّناتها وحدودها؛ ما يعني أن هذه المصنفات كانت جزءًا من هذه العملية، في جانبها التصوري والخطابي، وهي - وإن تضمنت تأريخًا بالمعنى الدقيق - لم يكن مؤلفوها يضعونها بوصفها نتاجًا لاحترافهم الكتابة التأريخية، وأنها مدوّنات تاريخية مجرّدة. ولذلك، لم تَزِد كتب البصير والعمري، في هذا المجال، عن هذين الكتابين.

العراق الحديث وثنائية المدوّن التاريخي - المؤرخ الأكاديمي

بعد سنوات ليست كثيرة، انتقل الأمر من تدوين للوقائع التاريخية، يقوم به فاعلون في هذا التاريخ جزءًا من رسم هويتها وإعطائها معنى، إلى تدوين يقوم به مؤرخون واعون بحرفتهم في التدوين التأريخي، ويعتقدون أن ما يقومون به هو تأريخ محض، لا منتج مرتبط بفاعل تاريخي. ومع أن هذا المنتج قد يكون خاضعًا لتأثيرات شتى، فإن القصد الاحترافي لمنتجيه يقتضي منهم أن يصوغوا منتجَهم بوصفه يتمتع بالقدر الأدنى المقبول من الموضوعية، والحياد، وسلامة المصادر، وتطابق المدوَّن مع وقائع التاريخ الفعلية كما وقعت.

  1. لم تُنشَر الطبعة الأولى من الكتاب باسم مؤلّفه، محمد أمين العمري، الذي اختار نشرَها باسم شقيقه محمد طاهر العمري (1928 -)، بسبب وضعه بوصفه قائدًا عسكريًا. وقد كشف عن هذا ابنُه المؤرخ خيري العمري (1925 - 2003)، يُنظر: خيري أمين العمري، شخصيات عراقية (بغداد: دار المعرفة، 1955)، ص 87؛ ويُنظر: كوركيس عوّاد، معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين: 1800 - 1969 م (بغداد: مطبعة الإرشاد، 1969)، مج 3، ص 105 - 106؛ ومع أن الكتاب أُعيدت طباعته في نشرة غير مرخّصة، فإنّ حفيد العمري أعاد نشره بالاسم الحقيقي للمؤلف، يُنظر: محمد أمين العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.)
  2. في سيرة البصير، يُنظر: رفائيل بطي، الأدب العصري في العراق العربي: قسم المنظوم، ج 2 (القاهرة: المطبعة السلفية، 1923)، ص 93 - 95؛ علي الخاقاني، شعراء الحلة أو البابليات، ج 5 (النجف: دار البيان، 1952)، ص 474 - 476.
  3. عن سيرة العمري، يُنظر: عمر محمد الطالب، موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين (الموصل: جامعة الموصل، 2008)؛ محمد أمين العمري، ص 6 - 7؛ عمر الطالب، موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين، (حرف الميم)، موقع الدكتور عمر الطالب، شوهد في 12 / 9 / 2121، في: E 09 h 0 k 3 / ly. bit:// https

هذه النقلة سينجزها، على نحو أساسي، مؤرخان (بالمعنى التقني)، وضع كل منهما عددًا كبيرًا ومهمًّا من المصنفات بوصفها تأريخًا لنشأة الدولة، لا بوصفها الجانب والتصوري والخطابي لهذه العملية، وإن كانت لهذين المؤرخَيْن ارتباطاتهما السياسية والفكرية، على نحو من الأنحاء، بعملية بناء الدولة. هذان المؤرخان هما: عبد الرزاق الحسني (1903 - 1997) ومجيد خدّوري (1909 - 2007)، اللذان وضعا - في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين - عددًا كبيرًا من المصنفات التاريخية، التي تمثل نتاج "احتراف التأريخ." وارتباطُ هذين الاسمين، هنا، ليس مجرد توصيف لواقع الكتابة التاريخية في العراق آنذاك، بل إنهما يمكن أن يشكلا ثنائية، تعكس تيارَي الكتابة التاريخية آنئذ؛ بمعنى أن ثنائية (الحسني/ خدّوري) لم تكن تعكس واقعَ حال الكتابة التاريخية فقط، بل إنها تعبّر - بشكل مكثف - عن المسارين اللذين مضت فيهما الكتابةُ التاريخية أيضًا. باشر الحسني أعمالَه التاريخية من موقع النخبة القومية التي آمنت بالمشروع الشريفي22 أساسًا لعملية بناء الدولة الناشئة. وقد كان أول كتاب نشره هو رواية، تحمل عنوان تحت ظل المشانق (1924)، تستلهم الثورة العربية الكبرى23 التي تعدّها النخبةُ الشريفية - على نحو عام - مصدرَ العراق الحديث وأنه امتداد لها وثمرة من ثمراتها. ولاحقًا، بدأ الحسني يقترب من الخط القومي المعارض للتوجهات البريطانية، والذي يتقدّمه السياسيان البارزان ياسين الهاشمي (1884 - 1937) ورشيد عالي الكيلاني (1892 - 1955). ومع مطلع الثلاثينيات، وإثر ظهور المصنفات البريطانية عن العراق، ومع أن أعمال الحسني - آنذاك - كانت تركّز على موضوعين، هما: تأريخ المدن العراقية، وتأريخ المجموعات الدينية في العراق، عمل على غرار غيره من المؤرخين العراقيين، ومنهم خدّوري، كما سنلاحظ لاحقًا، على وضع عدة كتب تؤرخ لقيام الدولة العراقية الحديثة، متبنيةً سرديةَ أنها نتاجُ الحركة المناهضة للاستعمار وتعبير عنها. وبالتفصيل، أصدر الحسني، في الثلاثينيات، ثلاثة كتب ذات صلة بالتأريخ للدولة العراقية؛ فمن جهة، أطلق مشروعه تأريخ الوزارات العراقية (1933)؛ إذ أصدر الجزء الأول منه في هذه السنة24، وبعده، أصدر كتابين، هما: تأريخ الثورة العراقية (1935)، وهو أول كتاب يؤرّخ لما سيُعرَف لاحقًا في الأدبيات العراقية "ثورة العشرين"، والعراق في دوري الاحتلال والانتداب (الجزء الأول، 1935؛ والجزء الثاني، 1938)29. وبعد أن انتهى ارتباطُ الحسني بهذا الخط القومي نهايةً مأساوية، تمثّلت بسجنه ثلاث سنوات وفصله من وظيفته الحكومية، إثر تأييده ما عُرف ب "حركة مايس 1941 " وانخراطه فيها، وبعد أن خرج من السجن، بدأت الدولةُ (ما بعد عام 1946 تاريخ تأسيسها الثاني)، حين أطلقت مسعى لاحتواء النخب المعارضة، بالاقتراب من الحسني، فأعاد رئيس الوزراء آنذاك نوري السعيد (1888 - 1958) توظيفَه، ليعمل

  1. أي المشروع العربي الذي قاده شريف مكة، الحسين بن علي (1853 - 1931) وأنجاله.
  2. فليح حسن علي، عبد الرزاق الحسني مؤرخًا (بغداد: المركز العلمي العراقي، 2010)، ص 75.
  3. هذا المشروع سيستمر عقودًا، بطبعات مختلفة، وأجزاء عدة ستصل إلى 10، تغطي سائر الوزارات العراقية إلى نهاية الحقبة الملكية في عام 1958.
  4. من عادة الحسني أن ينشر مادةَ كتبه على شكل مقالات في عدد من الدوريات العراقية والعربية قبل أن ينشرها في الكتب. وكان قد نشر أجزاءً من هذه الكتب السالفة في مجلةالعرفان، بدءًا من عام 1930، ونصّ في بعض هذه المقالات على أنها فصول من هذه الكتب (تأريخ الوزارات العراقية والعراق في دوري الاحتلال والانتداب، تحديدًا). ولذلك، يمكن القول إن مشروعه في التأريخ للدولة العراقية بدأ منذ ذلك العام، وإنه جزء مركزي في بناء السرديات الوطنية. نشر الحسني مقالً من ثلاث حلقات بعنوان "تأريخ الوزارات العراقية"، يُنظَر: عبد الرزاق الحسني، "تاريخ الوزارات العراقية"، العرفان، مج 19، ج 1 (كانون الثاني/ يناير 1930)، ص 25 - 31؛ مج 19، ج 2 (شباط/ فبراير 1930)، ص 177 - 185؛ مج 19، ج 3 (آذار/ مارس 1930)، ص 328 - 333، ونشر مقالً من حلقتين، بعنوان "دولة العراق"، يُنظَر: عبد الرزاق الحسني، "دولة العراق 1: كيف نشأت وكيف استقلت؟"، العرفان، مج 24، ج  1 (حزيران/ يونيو 1933)، ص 50 - 57؛ عبد الرزاق الحسني، "دولة العراق  2: قضية الموصل وامتياز النفط"، العرفان، مج 24، ج 2 (تموز/ يوليو 1933)، ص  166 - 175. ويُنظر أيضًا: عبد الرزاق الحسني، "الوزارة الهاشمية"، العرفان، ج 4 - 5، مج 21 (نيسان/ أبريل 1930)، ص 450 - 468؛ عبد الرزاق الحسني، " تأريخ القضية الكردية"، العرفان، مج 24، ج 3 (تشرين الأول/ أكتوبر 1933)، ص 247 - 252؛ وعبد الرزاق الحسني، "الوزارات العراقية"،  العرفان، مج 25، ج 1 (نيسان/ أبريل 1934)، ص 29 - 41؛ عبد الرزاق الحسني، "دور المفاوضات والمظاهرات"، العرفان، مج 25، ج 8 (شباط/ فبراير 1935)، ص 839 - 844.

في مجلس الوزراء، وليسلّمه السعيد محاضرَ مجلس الوزراء، طالبًا منه استكمال مشروعه عن تاريخ الوزارات العراقية30. لقد كان هذا الارتباطُ نقطةَ تحوّل جديدة لدى الحسني، أسهمت في تشكيل واحدة من السمات الكبرى للكتابة التاريخية في العراق، فأعمال الحسني - منذ نهاية الأربعينيات - بدأت تتبنى السرديةَ الرسمية للطبقة السياسية الحاكمة (وليس الدولة، بمعناها العام المجرد). ولعل المثال الأهم الدالّ على ذلك كتابهالثورة العراقية الكبرى (1952) الذي تبنّى فيه سردية تختلف، في بعض توجهاتها، عن السردية التي تبناها في كتابه الأول عن الثورة  تاريخ الثورة العراقية، لتقترب سرديتُه من سردية الطبقة الشريفية الحاكمة. لقد كانت لحظةُ لقاء الحسني بالسعيد هي اللحظة التي أصبح فيها الحسني "مؤرخَ الدولة". و"مؤرخُ الدولة" ليس منصبًا رسميًّا، ك "مفتي الدولة"، و"القاضي"، و"المدعي العام"، ولكن الصلات (التي قد تكون منظّمة ومهيكلة) بين الدولة والمؤرخ الفرد (الذي قد يكون، في لحظة أخرى، مؤسسة) ستمنح الأولى ثقةً مطلقة بالمؤرخ، تفوّضه أنْ يكتب التاريخَ من منظورها هي، لا من منظور نقدي، ولا من منظور "الشعب" أو المجموعات السكانيّة خارجها. لقد بات ارتباط الحسني بالدولة واضحًا للجميع. وقد جسّد، بكفاءة، فكرة "مؤرخ الدولة"31. أما مجيد خدّوري فقد بدأ بنشر مؤلفاته الأولى مع مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، إثر عودته حاملً شهادة البكالوريوس في التاريخ من الجامعة الأميركية في بيروت. وقد كانت هذه المؤلفاتُ تدور حول تاريخ الدولة العراقية الحديثة، جزءًا من التيار العام آنئذ. وتحديدًا، ركّزت هذه المؤلفات على مرحلة الاحتلال والانتداب البريطاني، فنشر ثلاثةَ كتب في هذا المجال، هي: نظام الانتداب (1933)، و أسباب الاحتلال البريطاني للعراق (1933)، وتحرر العراق من الانتداب (1935). غير أن ما يختلف فيه خدّوري عن مجايله الحسني، الذي بدأ بالنشر في الوقت نفسه، هو أنه يقدم من خلفية أكاديمية، بل يمكن القول إنه أول مؤرخ عراقي أكاديمي. وإذا كان ما يميز جهود الحسني في تدوين تاريخ الدولة العراقية هو استعمال الوثائق والمقابلات مع الفاعلين الأساسيين، فإن ما يضيفه خدّوري (بسبب تكوينه الأكاديمي) هو وضع هذا التدوين في إطار المعرفة العالمية. ويظهر هذا الأمر في المؤلفات السالفة الذكر؛ إذ وضعها خدّوري في إطار القانون الدولي، ويظهر هذا الأمر أكثر في كتابه نظام الحكم في العراق (1946)33 الذي ألّفه بعد أن أكمل دراسته للدكتوراه في أحد المراكز الأكاديمية البارزة في هذا الحقل المعرفي. وإذا كانت الدولة قد سيطرت على رواية الحسني، فإن هذا قد حصل بقدر ما مع رواية خدّوري؛ إذ عمل أستاذًا في الكليات الحكومية (1939 - 1947)، وتعاون لاحقًا مع وزارة الخارجية التي أرادت أن تفيد من تحصيله في القانون الدولي، فأصبح مستشارًا لها وعضوًا في فرق التفاوض التي بنتها (1940 - 1947). وفي هذا الإطار، كان خدّوري عضوًا في الوفد العراقي الذي شارك في مؤتمر سان فرانسيسكو (1945)، وقد أفضى هذا المؤتمر إلى تأسيس ميثاق الأمم المتحدة. وكتابُه المذكور آنفًا، نظام الحكم في العراق، صدر في أثناء تعاونه مع الخارجية. وهذا يعني، بكل تأكيد، مطابقته للرواية الرسمية.

ف:ي  or 9 L 3 k 3 / ly. bit:// https James Piscatori, "The Life and Work of Majid Khadduri," in: James Piscatori & George S. Harris (eds.), Law, Personalities and Politics of the Middle East: Essays in Honor of Majid Khadduri (Washington: West View Press, 1987), pp. 3 - 16.

  1. في سيرة عبد الرزاق الحسني، يُنظر: عبد الرزاق الحسني، السيد عبد الرزاق الحسني وآثاره الكتابية في بحر ستين سنة من حياته 1920 - 1980، بقلمه (بغداد:].[د. م، 1983)؛ حميد المطبعي، المؤرخ عبد الرزاق الحسني (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1989.)
  2. كنت رأيت أن رواية الحسني لثورة العشرين تغيّرت بحسب تغيّر موقعه، من الإيمان بالمشروع الشريفي، إلى الانخراط في النخبة القومية المعارضة للنفوذ البريطاني، إلى التحول إلى "مؤرخ الدولة"، فالحسني كان - في كتابه تاريخ الثورة العراقية - صاحب أول شكوى من أن الثورة سُرقت من أهلها، وكان يقصد إنكار دور عشائر الفرات الأوسط، التي أشعلت الثورة، أو التقليل من شأنه. ومع أنه، في هذا الكتاب، تحدّث عن تأثير الثورة العربية الكبرى، فإنه عاد - في كتابه الثورة العراقية الكبرى (الذي صاغ عنوانه قياسًا على الثورة العربية الكبرى) - إلى التركيز على دور النخبة القومية في المدن، واستهجان تضخيم دور المكوّن العشائري للثورة (يُنظَر: حيدر سعيد، "قبل أن تطوي المئوية صفحتها: ثورة العشرين وصراع الذاكرة في العراق"، محاضرة، سيمنار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، موقع يوتيوب، 30 / 12 / 2020، شوهد في 12 / 9 / 2021،
  3. مجيد خدوري، نظام الحكم في العراق، ترجمة فيصل نجم الدين الأطرقجي (بالتعاون مع المؤلف) (بغداد: مطبعة المعارف، 1946)، وفي سيرة مجيد خدوري، يُنظَر:

غير أن خدّوري سرعان ما غادر عملَه في الدولة العراقية؛ إذ هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1947؛ ما قصّر فترة سيطرة الدولة على روايته. وبعد هجرته، لم يؤلّف خدّوري من المصنّفات التأريخية إلا القليل، فأصدر ثلاثيتَه عن تاريخ العراق: العراق المستقل: دراسة في السياسة العراقية منذ عام 193236، والعراق الجمهوري: دراسة في السياسة العراقية منذ ثورة 195841، والعراق الاشتراكي: دراسة في السياسة العراقية منذ عام 196842. ولاحقًا أصدر كتابين، أحدهما تناول الحرب العراقية الإيرانية، وعنوانه حرب الخليج: أصول النزاع بين العراق وإيران وآثاره43، والآخر تناول غزو الكويت (1990 - 1991)، وعنوانه الحرب في الخليج 1990 - 1991: النزاع بين العراق والكويت وآثاره44. وإذا عددنا ما أصدره من كتب بالعربية في الثلاثينيات يغطي مرحلتي الاحتلال البريطاني للعراق (1914 - 1920)، ثم الانتداب (1920 - 1932)، فإنه - بما أصدره من كتب بالإنكليزية ما بعد هجرته العراق - يكون قد غطّى تاريخ البلاد، من بدء الاحتلال البريطاني (1914) إلى غزو الكويت؛ ف العراق المستقليغطّي حقبةَ ما بعد نهاية الانتداب، ونيل العراق استقلاله، ودخوله عصبة الأمم (1932)45. ويغطي كتاب العراق الجمهوريحقبة ما بعد ثورة 1958 حتى انقلاب البعث الثاني (1968). ويغطي كتاب العراق الاشتراكيما بعد انقلاب البعث الثاني وحقبة السبعينيات، ثم يغطي كتابُه عن الحرب العراقية الإيرانية حقبة الثمانينيّات. ويقف كتابه الأخير عند غزو الكويت. كتاب العراق المستقل، الذي أنجزه خدّوري قبل هجرته من العراق على الأرجح46، والذي يركّز فيه على حقبة الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات، التي شهدت لحظتَي اهتزاز في النظام السياسي (انقلاب 1936، وحركة مايس والحرب العراقية البريطانية  1940 - 1941)، يمثّل امتدادًا للسردية التي تبناها عن نشأة الدولة، فيما أصدره من كتب قبل أن يهاجر، ورأيتُ أنها تتطابق مع ما تتبناه الطبقة الشريفية الحاكمة: أن العراق هو نتاج المشروع الشريفي، بل إنه يركّز، في هذا الكتاب، على نحو لافت، على دور الملك فيصل الأول (1883 - 1933) في تأسيس العراق وبنائه، فلا يكاد يذكر الحوادثَ الأساسية التي قادت إلى بناء الدولة العراقية وتأسيس الحكم الوطني، ولا ترتبط بالشريفيين بشكل مباشر، وفي صدارتها ثورة العشرين47. وحتى تركيزُه على لحظتَي اهتزاز النظام السياسي هاتين إنما ينبع - في تقديري - من موقعه، الحريص على استقرار النظام، وليس المفسّ ر لصراعات القوى داخلهِ. وما عدا ذلك، لم يعد خدّوري إلى الكتابة في تأريخ العراق، بل يكاد يكون انصرف عن الكتابة التاريخية، أو مزجها بالكتابة عن السياسة والدبلوماسية وتطورات النظم السياسية. وقد انهمك، على نحو كبير، في تطوير الخط، الذي بدأه في أطروحته للدكتوراه، عن إمكانية تطوير نموذج قانوني معاصر مستمد من الشريعة الإسلامية، ولا سيما في مجال القانون الدولي والعلاقات الدولية، وهو موضوعه الأثير، الذي أطلق عليه مصطلح "الشريعة الإسلامية للأمم" Nations for Law Islamic48، والذي يقيّم المختصون إسهامَه فيه بأنه

25  Majid Khadduri, Independent Iraq: A Study in Iraqi Politics since 1932 (New York: Oxford University Press, 1951). 26  Majid Khadduri, Republican Iraq: A Study in Iraqi Politics since the Revolution of 1958 (New York: Oxford University Press, 1969). 27  Majid Khadduri, Socialist Iraq: A Study in Iraqi Politics since 1968 (Washington: The Middle East Institute, 1978). 28  Majid Khadduri, The Gulf War: Origins and Implications of the Iraq-Iran Conflict (New York: Oxford University Press, 1988).

Majid Khadduri & Edmund Ghareeb, War in the Gulf 1990 - 1991: The Iraq-Kuwait Conflict and its Implications (New York: Oxford University Press, 1997).

32  Khadduri, Independent Iraq , p. 9.

الشيباني (ت. 189 ه/ 805 م)، ينظر: (Baltimore: Johns Hopkons Press, 1966) Islamic Law of Nations: Shaybani's Siyar.Majid Khadduri,

  1. ألّف خدّوري هذا الكتاب بالاشتراك مع إدمون غريب، يُنظَر:
  2. في عام 1960، أصدر خدّوري طبعة ثانية من هذا الكتاب، تمد الحقبةَ الزمنية التي يغطّيها حتى ثورة 1958، وسأحيل عليها لاحقًا.
  3. يشير خدّوري، في كتابه نظام الحكم في العراق، إلى أن كتاب Iraq Independent يوشك أن يصدر، يُنظر: خدّوري، نظام الحكم في العراق، ص ج.
  4. جعل خدّوري هذا التعبير (المصطلح) عنوانًا لتقديمه وترجمته إلى الإنكليزية بابَ "السيَر" من كتاب الأصل، الذي وضعه أحد مؤسسي الفقه الحنفي، محمد بن الحسن وكان خدّوري قد بدأ الإشارة إلى الشيباني في: وفي وقت لاحق، حقّق كتابَ الشيباني  السير الصغير، وأصدره مع مقدمة تتحدث عن إسهامه في القانون الدولي، يُنظَر: مجيد خدّوري،  القانون الدولي الإسلامي: كتاب السير للشيباني  (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1975). و"السير" مصطلح تراثي يشير - بلغة الفقه الإسلامي - إلى "علم يبحث المسائل والأحكام التي تبيّن طرقَ تعامل الدولة الإسلامية (دار الإسلام)، مع غيرها من الدول والجماعات والأفراد - من أهل الملل الأخرى - في الداخل والخارج"، يُنظَر: سعد بن مطر العتيبي،  فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين: دراسة تأصيلية تطبيقية مع موازنة بقواعد القانون الدولي المعاصر، ج 1 (الرياض: دار الفضيلة والمنصورة؛ مصر: دار الهدي النبوي، 2009)، ص 70. وفي الحقيقة، يسبق الاهتمامُ العالمي بالشيباني، بوصفه أحد "آباء" حقل القانون الدولي، عملَ خدّوري، وكذلك محاولة تبيان ما يمكن أن تقدّمه الشريعةُ الإسلامية إلى حقلَي العلاقات الدولية والقانون الدولي، إذ ثمة سيل من الأعمال المبكّرة في هذا المجال، بدأها عدد من شيوخ الأزهر الكبار، كلّها تسبق عملَ خدّوري، منها - مثل - كتاب محمود شلتوتالإسلام والعلاقات الدولية في السلم والحرب (1951)، وكتاب علي قراعة العلاقات الدولية في الحروب الإسلامية (1955)، وكتاب محمد أبو زهرة العلاقات الدولية في الإسلام (1964). غير أن ما يميز عمل خدّوري، ليس فقط أنه انطلق من حقل القانون الدولي والعلاقات الدولية، لا الدراسات الإسلامية، على نحو ما يغلب على المحاولات العربية، وليس فقط أنه كتب بالإنكليزية وترجم نص الشيباني التأسيسي إليها، بل لأنّ هذين الأمرين (الانطلاق من حقل القانون الدولي، والكتابة بالإنكليزية) مكّناه من أن يحاول نمذجة عمل الشيباني بلغة القانون الدولي الحديث، ليدمجه - من ثم - في النقاش القانوني العالمي المعاصر. وهذا يتضمن أن خدّوري يعتقد أن أهمية الشريعة الإسلامية (من خلال نموذج الشيباني) ليست أهمية تاريخية تأسيسية، بل أهمية راهنة ومعاصرة، يُنظَر: , p. 57 Islamic Law of Nations.Khadduri, ولذلك، هناك من يحاجج - دائمًا - بأن خدّوري لم يثبت على "النزعة التوفيقية" (كما وصفتُها في المتن)، بشكل مطّرد، بل إنه ظل يفكر بثنائية (الإسلام/ الغرب)، وأنه - في أحيان غير قليلة - ذهب أبعد، وانجر إلى موقف "دفاعي" عن الحضارة الإسلامية، شبيه بموقف العلماء الذين انطلقوا في نقاش الأمر من دائرة الدراسات الإسلامية، يُنظَر: وأنا أتفق، جزئيًا، مع هذا الرأي، وأضيف إليه أن خدّوري - في هذا - هو الأساس الذي سيتطور عنه عمل لاحق، دفاعي هو الآخر عن الشريعة الإسلامية، وأعني أعمال وائل حلاق (1955 -) في هذا المجال، ولا سيما كتابه الشريعة: النظرية، والممارسة، والتحولات (2009)، الذي أعاد تخلّف الشريعة الإسلامية عن النقاش القانوني العالمي إلى المركزية الغربية. ولا تفوتني الإشارة، أخيرًا، إلى أن خدّوري - مع ذلك - فُهم عربيًا - في أحيان غير قليلة - بأنه يتبنى مقاربة استشراقية للشريعة الإسلامية (يُنظَر الهجوم عليه في: علي علي منصور، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام (القاهرة: المجلس الأعلى للشئون [كذا] الإسلامية، 1971)، ص 238 - 239، وهي - بلا شك - قراءة نمطية منقوصة.

إسهام أصيل49. وكان هذا جزءًا من مسعى خدّوري العام للتوفيق بين إرث الحضارة الإسلامية (من حيث هو إرث أخلاقي، وليس عقيدة دينية، على نحو ما يرى) والنظام العلماني الغربي50، وهو موقف ينتمي إلى تيار واسع في الثقافة العربية الحديثة، كان جوابه عن إشكالية العلاقة بالغرب بتبني موقف توفيقي، بين "الأنا" (الذات العربية الإسلامية) و"الآخر" (الغرب)51. كتب خدّوري أطروحة الدكتوراه، التي نشرها كتابًا بالإنكليزية في مطلع الأربعينيات تحت عنوان قانون الحرب والسلام في الإسلام: دراسة في القانون الدولي الإسلامي، ثم أصبح هذا الموضوعُ مساره البحثي الأساسي؛ إذ أعاد نشر الكتاب السالف، بشيء من التوسعة، وبعنوان يختلف قليلً، ليكون: الحرب والسلم في الشريعة الإسلامية، وليصبح هذا الكتابُ أشهرَ كتبه، ثم أصدر عددًا من الكتب، التي تدور حول الموضوع نفسه. وفي كل الأحوال، وبسبب هذا التداخل بين التخصصات، لم يُصنّف خدّوري في الولايات المتحدة في صنف المؤرخين، بل عُدّ جزءًا من الحقل الذي يُعرَف هناك باسم "دراسات الشرق الأوسط" (وهو، بالفعل، مؤسّس برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة جون هوبكنز). وثمة مَن عدّه قانونيًا، بسبب انهماكه في موضوع الشريعة والقانون الدولي، واطلاعه من أجل ذلك على العديد من المدونات

Majid Khadduri & Herbert J. Liebesny (eds.), Law in the Middle East: vol. I: Origin and Development of Islamic Law  (Washington: The Middle East Institute, 1955).

David A. Westbrook, "Islamic International Law and Public International Law: Separate Expressions of World Order", Virginia Journal of International Law, vol. 33 , no. 819 (1993), pp. 832 - 834.

34  Piscatori, p. 9. 35  Ibid., pp. 14 - 15.

37  Majid Khadduri, Law of War and Peace in Islam: A Study in Muslim International Law (London: Luzac & Co., 1940). 38  Majid Khadduri, War and Peace in the Law of Islam (Baltimore: Johns Hopkons Press, 1955). 39  Piscatori, p. 3.

  1. هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب، ط 2 (بيروت: دار النهار للنشر، 1978)، ص 21. ويذكر الباحث أن خدّوري التقى القانوني المصري عبد الرزاق السنهوري (1895 - 1971)، وتأثر به، حين كان الأخير في بغداد مبعدًا مرتين: الأولى (1935 - 1937) كان فيها عميدًا لمدرسة الحقوق، والأخرى في عام 1943، حين عمل على القانون المدني العراقي، يُنظر: 6 - 5. , pp. Ibid.

الفقهية الإسلامية، وعمله عليها تحقيقًا وترجمة. ولعل هناك من يحاجّ بأنه هو نفسه ربما لم يكن يرى، فيما أنجزه من أعمال تأريخية في الثلاثينيات، أنها تنتمي إلى حقل التأريخ، قدر انتمائها إلى السياسة وتطور النظم السياسية والقانون الدولي. وفي تقديري، إنّ هذا السجال ليس فقط مؤشرًا من مؤشرات الانتقال من نمط "المدوّن التاريخي" إلى "المؤرخ الأكاديمي"، بل هو أيضًا مؤشر دال على الديناميكية (الحتمية) التي ستفضي بحقل الدراسات التأريخية إلى أن ينفتح على حقول معرفية مجاورة، من قبيل الأنثروبولوجيا، والقانون، والعلوم السياسية، وسواها، وهو ما سيقوم به - لاحقًا - مؤرخون آخرون (عبد العزيز الدوري، 1919 - 2010، وصالح أحمد العلي، 1918 - 2003، على نحو ما سنلاحظ) من خلال مرجعية نظرية أخرى. في الخلاصة، إذا كان الحسني قد قدم من خلفية صحافية، وكان مثقفًا وكاتبًا، وخصّص جهدَه لإنتاج مدوّنات تأريخية عن العراق الحديث - بمعنى أنه لم يتلقَّ تدريبًا أكاديميًا في التاريخ - فإن خدّوري، الذي يشكّل الطرف الآخر من الثنائية، خضع لتكوين مختلف؛ إذ درس التاريخ في بغداد وبيروت، ودرّس التاريخ في المدارس الثانوية في الموصل وبغداد. ومع أن دراسته للدكتوراه كانت في تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون الدولي، وقد يكون ثمة سجال على مساره البحثي ما بعد هجرته العراق متمثّل بالسؤال: أخرجَ من حقل الدراسات التأريخية، أم فتح الحقل على التفاعل مع حقول معرفية قريبة؟ فإنّ الأكيد أن عقدَي النشاط المعرفي اللذين عاشهما في العراق قبل هجرته (وحتى سنواته الأولى بعد الهجرة)، والسجال المعرفي الذي خاضه آنذاك، كان كلّه يموضع جهودَه البحثية الأساسية في حقل التأريخ (وتأريخ العراق ودولته الناشئة تحديدًا)، إلى الحد الذي يصفه بعض المؤرخين العراقيين بأنه مؤسس حقل الدراسات التأريخية في العراق. وهكذا، يشكل كل من الحسني وخدّوري رأس تيار من تيارين حكمَا الكتابة التاريخية في العراق آنئذ، التي تمحورت حول الدولة الناشئة، بحسب ما قدّمنا: تيار يقوم بتدوين تاريخ هذه الدولة وما يرتبط بهذه الدائرة، من موقع المؤرخ/ المثقف، من دون تدريب أكاديمي، وتيار مارس هذا التدوين من موقع الأكاديمي.

40  Ibid., pp. 4 - 5.

  1. من اللافت للانتباه أن الربط بين التأريخ والعلاقات الدولية والقانون الدولي كان أشبه بتيار في حقل الدراسات التأريخية في العراق، ولا سيما لدى هذا الجيل من المؤرخين الأكاديميين، الذين أكملوا دراساتهم العليا في التأريخ في الولايات المتحدة تحديدًا. ويحضر، هنا، عملان لمؤرخَيْن من هذا الجيل، الأول هو كتاب فاضل حسين مشكلة الموصل: دراسة في الدبلوماسية العراقية - الإنكليزية - التركية وفي الرأي العام (1955)، وهو - في الأساس - أطروحة دكتوراه للمؤلف في التاريخ من جامعة لويزيانا في الولايات المتحدة في عام 1952، وكتاب زكي صالح بريطانيا والعراق حتى عام 1914: دراسة في التاريخ الدولي والتوسع الاستعماري (1968)، وهو - في الأساس - أطروحة دكتوراه للمؤلف في التاريخ من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة في عام 1941. ويصنّف صالح كتابه وأطروحته في حقل "التاريخ الدبلوماسي"، ويشرح - نظريًا - طبيعةَ العلاقة بين التأريخ والعلاقات الدولية، يُنظَر: زكي صالح، بريطانيا والعراق حتى عام 1914: دراسة في التاريخ الدولي والتوسع الاستعماري (بغداد: مطبعة العاني، 1968)، ص 26 - 28.
  2. سيّار الجميل، "المؤرخ مجيد خدوري.. ابن الموصل يرحل عنّا"، إيلاف، 9 / 2 / 2007، شوهد في 2 / 9 / 2021، في: zEpWqt 3 / ly. bit:// https
  3. هذا التوصيف لا يعني أن هذا التيار كان يمارس الكتابةَ التاريخية من دون ضوابط في تحري "الوقائع" التاريخية، بل هناك - بالفعل - جملة من القواعد التي يمكن أن تناقش إبستيمولوجيًا، كاعتماد الوثائق الرسمية والمقابلات وما إلى ذلك. وشخصيًا، وعلى الرغم من ملاحظتي العامة المتعلقة بالحسني من جهة أنه أصبح "مؤرخ الدولة"، وهذا يفتح البابَ لإمكانية ما للتحيز وما إلى ذلك، وعلى الرغم من أنّ باحثين كثيرين يتعففون عن وصفه ب "المؤرخ"، ذلك أنه إذا افترضنا أن الكتابة التاريخية، بالمعنى العام، تضم ثلاث دوائر كبرى، الأولى هي تدوين الوقائع التاريخية، والثانية هي تفسير هذه الوقائع، والثالثة هي دراسة طرق الكتابة التاريخية "الهيستوريوغرافيا"، فإن الحسني يقف عند الدائرة الأولى فقط، أقول: على الرغم من كل ذلك، قدّم الحسني جهودًا مهمة، وليس ذلك في "تدوين الوقائع التاريخية" فقط، التي تُفهم - في العادة - على أنها عملية آلية: الوقائع متوافرة، وفي انتظار من يدوّنها بشكل آلي، بل إنه أسهم إسهامًا كبيرًا أيضًا في "صنع المادة التاريخية". شخصيًا، حين عملت على تأريخ ثورة العشرين، لاحظت الأهمية القصوى للمادة التي وفّرها الحسني، حينما استجوب عددًا كبيرًا من الفاعلين التاريخيين، وهي مادة لا غنى عنها؛ ليس فقط لأنها تقترب مما بات يعرف الآن "التاريخ الشفوي"، بل لأنها أيضًا تأريخ للتصورات والتمثلات للوقائع التاريخية.

ولذلك، أقصد بتعبير "حقل الدراسات التاريخية"، في هذه الورقة، الدراسات التي نشأت في الإطار الأكاديمي، واعيةً بانتمائها الحقلي، ويتجه جزء من عملها إلى هذا الانتماء (في مناقشة النظريات، والمنهجيات، والجوانب الإبستيمولوجية)، وكذلك الدراسات التاريخية التي جرت خارج الحقل الأكاديمي، ولا سيما التي كان مؤلفوها واعين بأنهم ينجزون كتاباتهم بوصفهم "مؤرخين"، وأنها جزء من الكتابة التاريخية المعاصرة في العراق. غير أن نموذج الحسني سينحسر، شيئًا فشيئًا، أي المثقف الذي يبادر إلى احتراف الكتابة التاريخية من دون تكوين أكاديمي، لمصلحة نموذج المؤرّخ الأكاديمي. وإذا أردنا أن نضع الأمر في منظور أكثر عمومية، فينبغي لنا القول إن هذا الانحسار ليس خيارًا كان يمكن تجنبه، وهو ليس خيارًا خاصًا بالعراق، بل هو أشبه بالتحول الحتمي الذي يفرضه انخراط العراق في العالم الذي شكّله الاستعمارُ الغربي، والذي لم يكن من نتائجه فقط تبني الحداثة الغربية بوصفها مسارًا وحيدًا ينبغي أن يسير فيه تطور المجتمعات اللاغربية، بل كذلك تبني نمط المعرفة الذي أنتجته الحداثةُ الغربية (وهو نمط العلم الوضعي، آنئذ)، بوصفه نمط المعرفة الممكن، الذي سيجبُّ سائرَ التراث المعرفي اللاغربي، ليكون - منذ تلك اللحظة - تراثًا تقليديًا، ما قبل وضعي، في حاجة إلى المزيد من التنقية والفحص والنمذجة، حتى يكون مؤهلً لدمجه بالمعرفة الغربية الحديثة. وينطبق هذا الأمرُ على كل ما يمكن تصنيفه في "العلوم الاجتماعية والإنسانية" (بلغة المعرفة الغربية) من التراث المعرفي اللاغربي، ومنه التاريخ. وهكذا، يكون من الحتمي أن يتحول إرثُ المعرفة التاريخية، الذي خلّفته الحضارة العربية الإسلامية، إلى القواعد الوضعية الحديثة، وإن كانت هناك عناصر منهجية من هذا الإرث، يمكن نمذجتها، ليجري نقاشها بلغة ومنطق الإبستيمولوجيا الحديثة. وإذا كنّا، فيما تقدّم، قد عزلنا الكتابةَ التاريخية في العراق في القرن التاسع عشر، من جهة أنها لم تَدُرْ على موضوع "الدولة"، كما جرى في الكتابة التاريخية التي زامنت الدولة الوطنية الحديثة، فإننا - هنا - ينبغي أن نمضي أبعد، لنقول إن التيار التقليدي، الذي وصفتُه بأنه يأتي من خارج الأكاديمية، ورافق تشكيل الدولة الحديثة، وجعل منها موضوعًا (بل موضوعه الأساسي) للتدوين التاريخي، وتعبّر عنه جهود الحسني، في الثنائية السالفة، كان بمنزلة تيار انتقالي، انتهى إلى الاندماج - بالضرورة - في التيار الأكاديمي الناشئ. من هنا، يمكن القول، إن انحسار تيار الحسني ليس أمرًا حتميًا فحسب، بل إن الثنائية السالفة نفسها، (المدوّن التاريخي/ المؤرخ الأكاديمي)، ليست خيارًا من بين خيارات عدة، بل هي خيار وحيد فرضته مرحلة العبور الانتقالية إلى العصر الحديث، التي صمّمتها - بقصد أو بغير قصد - اللحظةُ الاستعمارية.

الدوري ومجايلوه: الانشداد بين التجديد الإبستيمولوجي وأدلجة التاريخ

اضطلعت الجامعةُ (الحكومية)، بل احتكرت، مهمةَ إعداد المؤرخين. وهنا، ستتحول الصلات المنظّمة بالمؤرخين التي أقامتها الدولةُ، إلى دولنة كاملة لحقل الكتابة التاريخية. وإذا كان خدّوري قد ترك البلاد مبكرًا، وبات خارج نطاق سيطرة الدولة، فإن الجيل اللاحق من المبتعثين للدراسة في الخارج في الدراسات التاريخية، ما بين أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين ومطلع الخمسينيات (جواد علي، 1907 - 1987، وزكي صالح، 1908 - 1986، وعبد العزيز الدوري، وصالح أحمد العلي، وفاضل حسين، 1914 - 1989، وسواهم)، هو الذي شغل الجهاز الأكاديمي الرسمي. وبلا شك، قدّم هذا الجيلُ أعمالً أكثر وعيًا بالقواعد الإبستيمولوجية للكتابة التاريخية (لاحظ، مثلً، كتاب زكي صالحمقدمة في دراسة العراق المعاصر، الذي يخصص الجزء الأخير منه لمناقشة المصادر التي يُستقى منها

تاريخ العراق المعاصر وقيمتها)، إلا أنها لا تخرج عن دائرة السرديات الرسمية للدولة، ولا سيما تلك التي اختصت بتاريخ الدولة العراقية المعاصرة. ناقش بعض المؤرخين من هذا الجيل مجموعة من التحديات المنهجية والإبستيمولوجية التي تواجه الكتابة التاريخية العربية الحديثة وموروثها. وقد مكّنهم من ذلك تكوينُهم الأكاديمي في الأكاديميات الأوروبية والأميركية، فناقشوا الإشكاليات المنهجية المطروحة من خلال مفاهيم بعض مدارس التاريخ العالمية. غير أن هذا النقاش، الذي فتحته المعرفةُ الحديثة التي حصّلها هذا الجيل، لم توضَع في مواجهة ما كان يروج من كتابات تاريخية في العراق آنئذ، بل في مواجهة إرث الكتابة التاريخية الذي خلّفته الحضارة العربية الإسلامية بمجمله. ولذلك، عُدّ هذا النقاشُ  تجديدًا ومنعطفًا في الكتابة التاريخية العربية، ولا سيما ما قام به الثنائي الدوري والعلي اللذان فتحَا إمكانيةً لنقل الكتابة التاريخية، من التاريخ السياسي، حيث لا ينبغي للكتابة التاريخية أن تقف عنده، إلى التاريخ الاجتماعي، أي أن يكون التأريخُ تأريخًا للبنى الاجتماعية والاقتصادية وتحولاتها، وهي النقلة التي نهلاها من أهم مدرسة تاريخية في أوروبا، آنئذ: مدرسة الحوليات. تناول كل من الدوري والعلي، في أطروحته للدكتوراه، جانبًا من هذا التأريخ البديل: الدوري في كتابه تاريخ العراقالاقتصادي في القرن الرابع الهجري (1948)، والعلي في كتابه التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري (1953). من هنا، كانت أعمالُ هذا الجيل بمنزلة لحظة قطيعة مع إرث الكتابة التاريخية الذي خلّفته الحضارة العربية الإسلامية، وتأسيس شكل جديد. وفي الحقيقة، لا ينفصل هذا التحدي عن الدولة الناشئة، التي قلنا إنها تقف خلف كل التحديات، فهذا الجيل ابتعثته الدولة، حين أرادت أن تبني جهازَها البيروقراطي. ومن ثم، لم تُفضِ هذه الديناميكية إلى استنبات العلوم الاجتماعية والإنسانية، غربية الأصل، فقط، وهي نتيجة ضرورية، بل أفضت كذلك إلى وضع هذه العلوم في مواجهة الإرث الثقافي الخاص للبلاد. ودائمًا، كانت هذه الديناميكيةُ تضع التجديدَ المنهجي في سياق أسئلة وإشكاليات أكبر من طابعه الأكاديمي، بل إنها أبقته مفتوحًا على سياقات متعددة المستويات، فقد كان هذا التجديد يتنفس في بيئة أيديولوجية وسياسية نشطة. ولذلك، لم يكن هذا الجيلُ المجد دِ وكتاباتُه التاريخية بعيدًا عن التيارات الأيديولوجية الصاعدة في البلاد، والمتنافسة فيما بينها. وقد فُهمت أعمال العديد من هذا الجيل المؤسّس على أنها متحيّزة أيديولوجيًا، وأنها قومية الطابع بشكل يتخطى حدود الموضوعية، مع الأخذ في الاعتبار أن الأيديولوجيا القومية لم تكن نافذةً فقط، بل كانت أيضًا أيديولوجيا السلطة على امتداد حقبة طويلة (1963 - 2003)، وأن عددًا من هؤلاء المؤرخين انخرط في إدارة أجهزة الدولة الأيديولوجية.

  1. زكي صالح، مقدمة في دراسة العراق المعاصر (بغداد: مطبعة الرابطة، 1953)، ص 185 - 235.
  2. المرجع نفسه؛ فاضل حسين، مشكلة الموصل: دراسة في الدبلوماسية العراقية - الإنكليزية - التركية وفي الرأي العام (بغداد: مطبعة الرابطة، 1955.)
  3. المفارقة أنّ الإثنين لم يتحدثا قَطُّ، عن علاقتهما بمدرسة الحوليات، وهما درسا في بريطانيا، وليس في فرنسا. يلاحظ وجيه كوثراني أن أطروحة الدوري كانت تتزامن مع نضال مؤرخي الحوليات ضد المدرسة التاريخية الوضعية في فرنسا، التي حصرت الكتابةَ التأريخية في الأيديولوجيا القومية، فضلً عن أن أساتذة الدوري (هاملتون جب، 1895 - 1971، وبرنارد لويس، 1916 - 2018، وسواهما)، تناولوا جوانب من التاريخ الاقتصادي في الحضارة الإسلامية. وفي كل الأحوال، يعيد كوثراني إسهام الدوري إلى السياق نفسه الذي ظهرت فيه مَدرسة الحوليات، وهو سياق أزمة الكساد العالمي أواخر العشرينيات من القرن العشرين، وما خلّفته من إعادة فهم للاقتصاد وإعادة ربطه بالسياق التاريخي، يُنظَر: وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص 280 - 281.
  4. الأطروحة كُتبت بالإنكليزية. وقد ناقشها الدوري في عام 1942، غير أنها لم تصدر مترجمة إلى العربية إلا في عام 1948.
  5. الأطروحة كُتبت في الأصل بالإنكليزية، وناقشها العلي في عام 1949 في جامعة أكسفورد. وقد ترجمها بنفسه إلى العربية، وصدرت في كتاب عام 1953.
  6. كوثراني، ص 278 - 280.

وإذا كنّا نتحدث عن الثنائي (الدوري/ العلي)، فينبغي أن نقول، هنا، إن هذا الأفق الإبستيمولوجي، الذي أتاحه التكوين الأكاديمي الغربي، لم يمنع كلا العَلمين من مسايرة سرديات الدولة وإعادة إنتاجها فقط، بل كذلك من أدلجة الكتابة التاريخية، إلى حد ما؛ فالنزعة القومية أو العروبية في كتابات الجيل السابق من المؤرخين، ستتحول إلى تصور أيديولوجي لدى بعض مؤرخي هذا الجيل، ولا سيما الدوري، وستتحول الهوية العربية من هوية للدولة الحديثة، إلى مفهوم جوهراني عابر للتاريخ. وفي تقديري، إنّ النزعة القومية لدى الدوري تطورت مع تطور الأيديولوجيا القومية؛ بمعنى أنها لم تكن بهذا الشكل الأيديولوجي الواضح في أعماله الأولى، بل بدأت تتضح وتنضج منذ أواخر الخمسينيات، حين بات الدوري وما يكتب جزءًا من الصراع الأيديولوجي في العراق، آنئذ، بين التيار الماركسي والتيار القومي، ولا سيما كتبه الجذور التاريخية للقومية العربية (1960)، والجذور التاريخية للشعوبية (1962)، والجذور التاريخية للاشتراكية العربية (1965)، التي يظهر فيها الدوري الأيديولوجي، أكثر من المؤرخ المحترف؛ إذ يقع في نزعة لاتاريخية Anachronism، حين يعيد القوميةَ العربية، أو الهوية العربية من حيث هي هوية سياسية، إلى جذور في القرون الإسلامية المبكرة، وحين يعدّ الشعوبيةَ في القرون الإسلامية المبكرة؛ إذ ظهرت هذه النزعة، جذرًا لبعض مظاهر السجال السياسي الحديث، وللتيارات اليسارية المناهضة للقومية. وهذا هو الأكثر أيديولوجية، فهو لا يكتفي بوصف هذه التيارات ب "الشعوبية"، جزءًا من هذه المناكفة السياسية، بل إنه يعد هذه "الشعوبيةَ المعاصرة" هي الظاهرة، والشعوبيةَ التي وصفتها المصادرُ العربية القديمة مجرد "جذر تاريخي." لقد قاد هذا الجوُّ الأيديولوجي الدوري، بعد أن انخرط فيه، وكانت هذه الكتبُ جزءًا مباشرًا منه، إلى أن يطوّر - لاحقًا - بعض أعماله التاريخية بتأثير من هذه النزعة، ولا سيما عملان أساسيان له، هما: مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي (1969)، والتكوين التاريخي للأمة العربية (1983). إن هذا التوجه، الذي طبع به الدوري الكتابةَ التاريخية العراقية، وشمل مجايلين له وعددًا ليس قليلً من تلامذته، أخذ ذيوعًا عالميًا فيما كُتب عن الدراسات التاريخية في العراق، وبدا كأنه وصمة تلازم هذه الدراسات، تتمثّل بأنها ذات نزعة أيديولوجية قومية.

خاتمة: أي أفق لتحرّر التأريخ؟

يمكن إيراد العديد من الأمثلة، في حقبة ما بعد الدوري في حقل الدراسات التاريخية في العراق، ومن الأجيال اللاحقة له، عن دولنة هذا الحقل، بالتدرجات التي سبق وصفها، ووصلت إلى تحويل التاريخ فضاءً أيديولوجيًا، تتنفس فيه الأيديولوجيا وتعبّر عن نفسها.

Peter Gran, Beyond Eurocentrism: A New View of Modern World History (Syracuse: Syracuse University Press, 1996), pp. 55 - 87 ;

  1. في سيرة الدوري، يُنظَر: أسامة عبد الرحمن الدوري، "سيرة حياة المؤرخ عبد العزيز الدوري"، مجلة الآداب، كليّة الآداب، جامعة بغداد، ملحق العدد 125 (حزيران/ يونيو 2018)، ص 149 - 178.
  2.  ينظر مثل: كوثراني، ص 129 - 130. وفي مقابلة (لم تُنشَر) أجراها الباحث مع المؤرخ صالح أحمد العلي (بغداد، 2001)، سألتُه - بشكل مباشر - عن "التهمة" التي تُتّهم بها الكتابة التاريخية العراقية بأنها ذات نزعة قومية أيديولوجية، وأنه هو والدوري مسؤولان عنها، فنفى أن يكون هو من هذا التوجه، وقال تحديدًا: "إن هذه النزعة مسؤول عنها الدوري وتلامذته من البعثيين." وينبغي أن أشير، هنا، إلى أن الدوري لم يكن على وفاق مع البعث وحكمه، وقد غادر العراق مباشرة بعد انقلاب البعث الثاني في عام 1968، في سياق الصراع بين البعث وحركة القوميين العرب والناصريين، وبعض نخب هذا التيار، ولا سيما تلك التي ارتبطت بالحكم العارفي (1963 - 1968). وكان الدوري قد شغل، في تلك الحقبة، منصبًا أكاديميًا رسميًّا رفيعًا، هو رئيس جامعة بغداد.

وفي الحقيقة، تتجاوز علاقةُ الدولة بالتأريخ الأيديولوجيا، فالمنطق الداخلي للدولة (في ثقافة سياسية قريبة من الثقافة السياسية التي نمت فيها الدولةُ في العراق)، بغضّ النظر عن الأيديولوجيا التي تتبناها، يحفّزها إلى محاولة السيطرة على حقل الدراسات التاريخية وضبطه، وهو أمر يندرج - بلا شك - في مسعاها العام للسيطرة على المؤسسات الأكاديمية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، على نحو خاص، إلا أنّ حقل الدراسات التاريخية يبدو الأكثر إغراء لمنطق السلطة في السيطرة، من جهة أنه يرتبط بالصورة التي تريد أن تقدّمها الدولةُ عن نفسها. وقد شهد العراقُ الحديث، منذ تأسيس دولته في عام 1921، محاولات سيطرة مستمرة من الدولة على حقل التاريخ. وما هذه الورقة إلا محاولة لوصف تدرجات سيطرة الدولة على الحقل. ولا تقف هذه التدرجات عند الحد الموصوف آنفًا: أن يعتنق مؤرخ ما أيديولوجيا الحزب الحاكم، ويُخضع عملَه في حقل الدراسات التاريخية لهذه الأيديولوجيا، أو يتبنى مؤرخ ما - حتى من دون إيمان - هذه الأيديولوجيا ليفعل الشيءَ نفسه، ولا تقف، أيضًا، عند صياغة مناهج مدرسية في التاريخ، فيها الكثير من المناطق المحرَّمة، أو المعمّاة، أو المجتزأة، والجزءُ المسموح تعرضه الدولةُ من خلال سردياتها، بل إنها ذهبت أبعد من ذلك؛ بأنْ تدخلت - بشكل مباشر - في عملية كتابة التاريخ وتوجيهها. وتتضمن الأوراق المقدّمة في هذه الندوة العديد من الأمثلة المهمة عن هذه الحالة. غير أن ما حدث هو أن هذه التجربة التاريخية في العلاقة بين الدولة والمؤرخين، والتي اتخذت (أو أسّست) نمطًا معيّنًا، يبدو أنها تحولت إلى تقليد، أو ثقافة تشكّل وعي كلا الطرفين (أو أحدهما) في تعامله مع الآخر، فباتت العلاقة بين الطرفين يحكمها "تلازم منطقي." وحين تأسست دولة جديدة، في أعقاب الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003، ختمت ثمانيةَ عقود من عمر دولة عاشت تموجات متنوعة، من الليبرالية النسبية، إلى السلطوية الشديدة، لم يستطع النظامُ الناشئ أنْ يغير طبيعة العلاقة (أو التقليد) بين الدولة والمؤرخ. لقد شهد العقدان الماضيان (وقد جرى إعادة تعريف العراق من كونه دولة - أمّة، بالمعنى الكلاسيكي، إلى أن يكون دولة متعددة الهويات) صراعًا على رواية التاريخ بين النخب المعبّرة عن هذه الهويات. ويتعدى الأمر، في تقديري، التنافس في بناء الذاكرة الجمعية، إلى أن يكون جزءًا من الصراع على السلطة، يستصحب التاريخَ بالضرورة، الذي لم ينفك عن السلطة/ الدولة بعد. وإذا كان المجال لا يتسع، في هذه الخاتمة، لإيراد أمثلة دالّة على ذلك، فسأكتفي بإيراد مثال واحد، قدّمت جزءًا منه ولا أزال أعمل عليه، عن تحول رواية ثورة العشرين (التي ما انفكت الأدبياتُ العراقية تتعامل معها بوصفها "مأثرة وطنية كبرى") من كونها الحادث المؤسّس للحكم الوطني، إلى أن تكون "منجزًا فئويًا"، لا يرتبط، بذات وطنية عامة ولم تنتجه هذه الذات. ومن ثم، لا يزال الفضاءُ الحر عسيرًا أمام حقل الدراسات التاريخية في العراق لأنْ ينمو على نحو مستقل، ونقدي. من المؤكَّد أنّ هذا لا ينفي وجود العديد من الأعمال الفردية التي تسعى في هذا المسار. ولكن المهم هنا، بالنسبة إلي، أن ندرك أن شرك العلاقة بالدولة، بتنوعاتها المختلفة، الذي وجد حقلُ الدراسات التاريخية نفسَه فيه، لا يزال يمثل التحدي الأساسي أمام هذا الحقل، لأنْ يضع منعطفًا نحو أفق آخر.

المراجع

العربية

البصير، محمد مهدي. نهضة العراق الأدبية في القرن التاسع عشر. بغداد: مطبعة المعارف، 1946.

بطي، رفائيل. الأدب العصري في العراق العربي: قسم المنظوم. القاهرة: المطبعة السلفية، 1923.

الحسني، عبد الرزاق. "تاريخ الوزارات العراقية (1.") العرفان. صيدا. مج 19، ج 1 (كانون الثاني/ يناير 1930.)

________. "تاريخ الوزارات العراقية (2.") العرفان. مج 19، ج 2 (شباط/ فبراير 1930.)

________. "تاريخ الوزارات العراقية (3.") العرفان. مج 19، ج 3 (آذار/ مارس 1930.)

________. "دولة العراق (1): كيف نشأت وكيف استقلت؟." العرفان. مج 24، ج 1 (حزيران/ يونيو 1933.)

________. "دولة العراق (2): قضية الموصل وامتياز النفط." العرفان. مج 24، ج 2 (تموز/ يوليو 1933.)

________. "الوزارة الهاشمية." العرفان. مج 21، ج 4 و 5 (نيسان/ أبريل 1930.)

.________ " تأريخ القضية الكردية." العرفان. مج 24، ج 3 (تشرين الأول/ أكتوبر 1933.)

________. "الوزارات العراقية."  العرفان. مج 25، ج 1 (نيسان/ أبريل 1934.)

________. "دور المفاوضات والمظاهرات." العرفان. مج 25، ج 8 (شباط/ فبراير 1935.)

الخاقاني، علي. شعراء الحلة أو البابليات. النجف: دار البيان، 1952.

.________ القانون الدولي الإسلامي: كتاب السير للشيباني. بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1975.

الخفاجي، عصام. "تشكّل العراق الحديث: الوقائع والأساطير". مجلة  كلمن. العدد 7 (2012.)

يونيو 2018.)

شرابي، هشام. المثقفون العرب والغرب. ط 2. بيروت: دار النهار للنشر، 1978 [1971.]

.________ مقدمة في دراسة العراق المعاصر. بغداد: مطبعة الرابطة، 1953.

References

.________ السيد عبد الرزاق الحسني وآثاره الكتابية في بحر ستين سنة من حياته 1920 - 1980، بقلمه. بغداد، 1983.

حسين، فاضل. مشكلة الموصل: دراسة في الدبلوماسية العراقية - الإنكليزية - التركية وفي الرأي العام. بغداد: مطبعة الرابطة، 1955. خدّوري، مجيد. نظام الحكم في العراق. ترجمة فيصل نجم الدين الأطرقجي (بالتعاون مع المؤلف). بغداد: مطبعة المعارف، 1946. الدوري، أسامة عبد الرحمن. "سيرة حياة المؤرخ عبد العزيز الدوري." مجلة الآداب. كلية الآداب، جامعة بغداد. العدد 125 (حزيران/ رؤوف، عماد عبد السلام. التأريخوالمؤرخون العراقيون في العهد العثماني. ط 2. لندن: دار الورّاق للنشر، 2009 [1983.]

صالح، زكي. بريطانيا والعراق حتى عام 1914: دراسة في التاريخ الدولي والتوسع الاستعماري. بغداد: مطبعة العاني، 1968..________ بريطانيا والعراق حتى عام 1914: دراسة في التاريخ الدولي والتوسع الاستعماري. بغداد: مطبعة العاني، 1968.

الطالب، عمر محمد. موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين. الموصل: جامعة الموصل، 2008.

.________ موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين، موقع الدكتور عمر الطالب، في: E 09 h 0 k 3 / ly. bit:// https

عبد الجبار، فالح [وآخرون.] وضع العلوم الاجتماعية في الجامعات العراقية: مسح - تقييم - آفاق التطور. بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2007.

العتيبي، سعد بن مطر. فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين: دراسة تأصيلية تطبيقية مع موازنة بقواعد القانون الدولي المعاصر. الرياض: دار الفضيلة والمنصورة؛ مصر: دار الهدي النبوي، 2009.

عز الدين، يوسف. الشعر العراقي: أهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر. القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1965.

علي، فليح حسن. عبد الرزاق الحسني مؤرخًا. بغداد: المركز العلمي العراقي، 2010.

العمري، خيري أمين. شخصيات عراقية. بغداد: دار المعرفة، 1955.

العمري، محمد أمين. تاريخ مقدرات العراق السياسية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017 [1925.]

عوّاد، كوركيس. معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين: 1800 - 1969 م. بغداد: مطبعة الإرشاد، 1969. المطبعي، حميد. المؤرخ عبد الرزاق الحسني. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1989.

"المقدمة". مجلة لغة العرب. ج 1 (تموز/ يوليو 1911.)

منصور، علي علي. الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام. القاهرة: المجلس الأعلى للشئون [كذا] الإسلامية، 1971.

نوري، نهار محمد. "العراق ليس مصطنعًا: النزعات العراقوية ودحض فرضية الدولة المصطنعة". دورية أسطور، العدد 8 (2018.) الوائلي، إبراهيم. الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر. بغداد: مطبعة العاني، 1961.

كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013

الأجنبية

• Foster, Henry A. A Making of Modern Iraq: Product of the World Forces. Norman: University of Oklahoma

• Gran, Peter. Beyond Eurocentrism: A New View of Modern World History. Syracuse: Syracuse University Press,

Press, 1935.

• Haldane, Aylmer. The Insurrection in Mesopotamia 1920. London: W. Blackwood and sons, 1922.

• Ireland, Philip Willard. Iraq: A Study in Political Development. London: Jonathan Cape, 1937.

• Khadduri, Majid & Herbert J. Liebesny (eds). Law in the Middle East: Vol. I: Origin and Development of Islamic

Law. Washington: The Middle East Institute, 1955.

• Khadduri, Majid & Edmund Ghareeb. War in the Gulf 1990-1991: The Iraq-Kuwait Conflict and its Implications.

New York: Oxford University Press, 1997.

• _______. Independent Iraq: A Study in Iraqi Politics since 1932 to 1958. New York: Oxford University Press, 1951.

• _______. Islamic Law of Nations: Shaybani's Siyar. Baltimore: Johns Hopkons Press, 1966.

• _______. Law of War and Peace in Islam: A Study in Muslim International Law. London: Luzac & Co., 1940.

• _______. Republican Iraq: A Study in Iraqi Politics since the Revolution of 1958. New York: Oxford University

Press, 1969.

• _______. Socialist Iraq: A Study in Iraqi Politics since 1968. Washington: The Middle East Institute, 1978.

• _______. The Gulf War: Origins and Implications of the Iraq-Iran Conflict. New York: Oxford University Press,

• _______. War and Peace in the Law of Islam. Baltimore: Johns Hopkons Press, 1955.

• Piscatori, James & George S. Harris (eds.). Law, Personalities and Politics of the Middle East: Essays in Honor

of Majid Khadduri. Washington: West View Press, 1987.

• Westbrook, David A. "Islamic International Law and Public International Law: Separate Expressions of World

Order." Virginia Journal of International Law. vol. 33 , no. 819 (1993).

• Wilson, Arnold T. & Gertrude Lowthian Bell. Review of the Civil Administration of Mesopotamia. London: H.M.

Stationery Off., 1920.

• _______. A Clash of Loyalties, Mesopotamia 1917-1920: A Personal and Historical Record. London: Oxford

University Press, 1931.

• _______. Loyalties, Mesopotamia 1914-1917: A Personal and Historical Record, from the Outbreak of War to the

Death of General Maude. London: Oxford University Press, 1930.