العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الدراسات التاريخية الأكاديمية المعاصرة في العراق مقاربات نقدية في دراسة التاريخ الحديث والمعاصر

الدراسات التاريخية الأكاديمية المعاصرة في العراق مقاربات نقدية في دراسة التاريخ الحديث والمعاصر

Contemporary Academic History in Iraq: Critical Approaches to the Study of Modern and Contemporary History

جميل النجار | جميل النجار

الملخّص

تمثّل كتابة التاريخ ضربًا من ضروب تحصيل المعرفة التي تختص بالتحرّي عن حوادث الماضي بغية الوصول إلى ضبط تلك الحوادث وتدوينها. وتتخذ هذه العملية أدوات شتى للوصول إلى أهدافها، إلّا أنها لا تخرج عن كونها أدوات لا ينتظمها منهج ثابت، وربما يكون بعضها بعيدًا عن الموضوعية. وتعتمد، في درجة دقتها وضبطها، على مدى سعة الآفاق المعرفية لمن يمارسها، ويتوقف مقياس صدقيتها على رصيد موضوعيته وملكاته الفكرية.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • العراق
Keywords:
  • Histography
  • Iran

مقاربات نقدية يف دراسة التاريخ الحديث والمعاصر

Contemporary Academic History in Iraq

Critical Approaches to the Study of Modern and Contemporary History

مدخل: حول "الكتابة التاريخية"

تمثّل كتابة التاريخ ضربًا من ضروب تحصيل المعرفة التي تختص بالتحرّي عن حوادث الماضي بغية الوصول إلى ضبط تلك الحوادث وتدوينها. وتتخذ هذه العملية أدوات شتى للوصول إلى أهدافها، إلّ أنها لا تخرج عن كونها أدوات لا ينتظمها منهج ثابت، وربما يكون بعضها بعيدًا عن الموضوعية. وتعتمد، في درجة دقتها وضبطها، على مدى سعة الآفاق المعرفية لمن يمارسها، ويتوقف مقياس صدقيتها على رصيد موضوعيته وملكاته الفكرية. تعتمد الكتابة التاريخية في معايير دقتها ومقاربتها "الحقيقة" التاريخية على نوع المصادر والأصول التاريخية التي تستند إليها، والتي قد تتضمن، مثلً، روايات شفوية محرّفة، تعمّد تشويهها بعض الناقلين، أو غفل بعضهم الآخر عن أن يفقه ما فيها من ادّعاءات ومغالطات. وكذلك، قد يساعد غياب قواعد ممنهجة لنقد الأصول والروايات في كتابة تاريخ يثلب موضوعيتَه وتطابقه مع حقيقة حوادث الماضي، المخيالُ السياسي والاجتماعي الذي تصنعه الذاكرة الجمعية لدى الأفراد والجماعات على مدى حقب زمنية طويلة، أو تقدح فيه نوازع الذات، أو الأيديولوجيا، أو الانتماء إلى هوية محددة، إثنية أو دينية، أو سوى ذلك. وقد تثلب موضوعيةَ "الكتابة التاريخية" هذه، تارة أخرى، دوافعُ المدوّنين وأغراضُهم الخاصة، أو ممالأتهم السلطةَ الحاكمة ودورها في صنع تاريخ يتوافق مع توجّهاتها، حتى وإن كان متناقضًا مع "الحقيقة" التاريخية، أو لأسباب عدة لا يتّسع هذا المقام لتفصيل القول فيها. عرف العراق، على مدى تاريخه الحديث الذي كان خلاله ولايات تابعة لحكم الدولة العثمانية، طوال ما يقرب من أربعة قرون، هذا النمط من الكتابة التاريخية، أو ما يمكن أن نطلق عليه مصطلحًا مرادفًا آخر هو "التدوين التاريخي"، وهو الذي خصّص له الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (1724 - 1804) كلمة Geschichte، التي تُرجمت إلى الإنكليزية Historiography، لتمييزها من كلمة تاريخ History التي تعني سيرورة حوادث الماضي، في حين تعني Historiography العملَ الذي يؤدّيه المؤرخ للوصول إلى تلك الحوادث1، ويتمثل في كتابة التاريخ أو تدوينه. ووفق هذه القاعدة، في ما يبدو، أصبحت كلمة "تأريخ" (بالهمزة) تعني في المعجم

  1. أستاذ التاريخ في الجامعة المستنصرية في بغداد. Professor of History at Al-Mustansiriya University in Baghdad.
  2. ينظر: أمانول كنت، "نظرة في التاريخ العام بالمعنى العالمي"، في: عبد الرحمن بدوي، النقد التاريخي (القاهرة: دار النهضة العربية، 1970)، ص 296؛ ج. ف. ف. هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1980)، ص 172.

العربي كتابةَ التاريخ، وتماثل في المعنى كلمة Historiography، بينما انحصر معنى كلمة "تاريخ" (بلا همزة) التي تقابل كلمة History في الدلالة على مسيرة حوادث الماضي2. كتب "المؤرخون" العراقيون، في خلال عهود الحكم العثماني في العراق، وفق هذا الأسلوب في تدوين التاريخ (وهو ما يطلق عليه "الكتابة التاريخية" التي كانت سائدة في أوروبا أيضًا حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر)، مؤلفات كثيرة، ناهزت الألف كتاب، كانت موضوعاتها تقليدية غالبًا؛ إذ تناولت التراجم والسيَر والتاريخ السياسي وتاريخ المدن، وقليلٌ منها تطرق إلى التاريخ الاقتصادي والأوبئة والفيضانات والظواهر الفلكية. وكانت الأغلبية العظمى من هذه المؤلفات التاريخية مكتوبة بالعربية، إلى جانب عدد آخر كُتب بالتركية والفارسية، واحتلت آنذاك مساحة واسعة من حركة التأليف3، ربما وضعتها في المرتبة الثانية بعد كتب الفقه والعلوم الدينية الأخرى. ومارس الكتابة التاريخية في العراق خلال تلك العهود علماءُ الدين، أو من تصدّى لدراسة العلوم الدينية وتدريسها غالبًا، الأمر الذي يعكس واقع احتكار هؤلاء للمشهد الفكري والثقافي آنذاك، فضلً عن قيام بعض الأدباء والشعراء، أو سواهم من المتعلّمين والمثقفين4 بتأليف كتب في التاريخ. على الرغم من أن الكتابة التاريخية في العراق خلال عهود الحكم العثماني كان ينقصها، في الكثير من الأحيان، التنظيم ووحدة الموضوع وعدم اتّباعها منهجًا معينًا، وما كان يداخل بعضها من خلل في موضوعيتها بسبب ممالأة الحكم العثماني ورجاله5، فإن الكثير منها أيضًا كان يتّصف بالرصانة والموضوعية، وأصبح أصولً تاريخية لا غنى عنها لدارس عهود الحكم العثماني في العراق. إل أن وجود هذه المؤلفات الرصينة لا يحجب حقيقة أن الكتابة التاريخية في العراق استمرت، إلى ما بعد زوال الحكم العثماني، تسير وفق الأنماط التقليدية التي وُجدت عليها منذ قرون خلت، من حيث توجّهاتها وبُعدها عن التقعيد والمنهجة والاحتراف. وفي مقابل ذلك، كان المؤرخون المتخصصون في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، يحثّون الخطى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للارتقاء بالتاريخ من مجرد "معرفة"، أو "فن"، أو نوع من أنواع "الأدب"، إلى "علم" قائم بذاته، له أصول ومنهج بحث خاص به، تخصص له الجامعات أساتذة وأقسامًا مستقلة لدراسته، الأمر الذي تحقق بإصدار المؤرخيَن الفرنسييَن شارل فيكتور لانغلوا (1863 - 1929) وشارل سينوبوس Seignobos Charles (1854 - 1942)، في عام 1898، كتابهما المدخل إلى الدراسات التاريخية، "الذي أضحى خطابًا عالميًا في المنهج التاريخي"6، على نحو ما يصفه وجيه كوثراني. شكلت الدراسات التاريخية التي تعتمد منهج البحث "العلمي" التاريخي الذي صيغ بشكله النهائي على يد لانغلوا وسينوبوس، مدرسة في الدراسة التاريخية، عُرفت ب "المدرسة المنهجية"، أو "الوثائقية". واستمرت الدراسات التاريخية في أوروبا تعتمد الأصول والقواعد الأساسية التي جاءت بها هذه المدرسة، حتى مع ظهور توجّهات جديدة تختص بطبيعة تلك الدراسات وموضوعاتها أكثر مما تتناول منهجها وقواعدها - كالتي جاءت بها مدرسة الحوليات الفرنسية (1929)، وامتداداتها في ما عرف ب "التاريخ الجديد" الذي كان المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف Goff Le Jacques (1924 - 2014) من أبرز رواده7. ويبدو أن تأثير الاتجاه العلمي المنهجي في

  1. ربما كان قسطنطين زريق أول من ابتكر هذا التفريق الدلالي بين معنيي "تاريخ" و"تأريخ". ينظر: قسطنطين زريق، نحن والتاريخ، ط 5 (بيروت: دار العلم للملايين، 1981)، ص 14. على أن هذا الاختلاف بين معنيي الكلمتين نجده في المعجم الوسيطلمجمع اللغة العربية في القاهرة في طبعته الثانية (1970)، لكننا لا نعلم إن كانت طبعته الأولى (1960)، التي لا توجد بين أيدينا نسخة منها، قد تضمنت ذلك أيضًا.
  2. ينظر: عماد عبد السلام رؤوف، التاريخ والمؤرخون العراقيون في العصر العثماني (لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2009)، ص 7، 15، 48، 76، 84، 86، 106.
  3. المرجع نفسه، ص 27، 41.
  4. المرجع نفسه، ص 41، 43.
  5. وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص 167.
  6. ينظر: جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 84 - 112.

البحث التاريخي الذي تُبنى على أساسه "الدراسة التاريخية" الأكاديمية اليوم، والذي اكتمل التنظير له في عام 1898 على يد لانغلوا وسينوبوس، وحلّ محل الكتابة التاريخية، أو كان تطويرًا لها، قد وصل إلى العراق بعد منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، على يد عدد من العراقيين الذين نالوا شهادات عليا في التاريخ من الجامعات الأوروبية، حيث أصدر هؤلاء دراسات تاريخية رصينة، وأسهموا إسهامًا فاعلً في تطوير مؤسسات التعليم وتأسيس الجامعات في العراق. وانبثقت على أيدي هؤلاء الأكاديميين الروّاد الدراسات التاريخية الجامعية العليا منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي. ترتب على ذلك كله أن أخذت "الكتابة التاريخية" في العراق تسير نحو الانحسار باطراد لمصلحة "الدراسات التاريخية" منذ ذلك الحين، لا سيما بعد عقد السبعينيات، بعد أن شهدت قبل ذلك تطورًا ملموسًا على أيدي عبد الرزاق الحسني وعباس العزاوي وعبد الرزاق الهلالي وعدد آخر من كتّاب التاريخ الحديث والمعاصر، من الذين دوّنوا "أصولً" تاريخية لا غنى للدراسات التاريخية عنها، إن لم نعد بعضها متماهيًا في كثير من جوانبه مع هذه الدراسات، بما يجعل الكتابة التاريخية تتداخل أحيانًا، في دلالاتها ووظيفتها، مع الدراسة التاريخية، أو مع طبيعة علم التاريخ. وأدى ذلك إلى أن يلتبس مفهوم كل منهما بالآخر لدى غير المتخصصين في علم التاريخ. يمكننا أن نستنتج من ذلك كله أن الانحسار الذي أشرنا إلى أن "الكتابة التاريخية"، في مجال التاريخ الحديث والمعاصر، قد شهدته منذ سبعينيات القرن المنصرم لمصلحة "الدراسة التاريخية"، قد تفاقم باطراد بعد ذلك العقد، الأمر الذي يجعل من الحديث عن اتجاهات "الكتابة التاريخية" في العراق اليوم (بما تعنيه دلالة مصطلح "الكتابة التاريخية"، على نحو ما بيّناها) لا يؤدي إلى بلوغ الهدف المعرفي أو الاستشرافي الذي نبتغيه، بمعزل عن رصد اتجاهات الدراسات التاريخية الأكاديمية، ففضلً عن قلة "الكتابة التاريخية" في عراق اليوم، نسبة إلى "الدراسات التاريخية" (في تقديري، ربما لا تتجاوز هذه النسبة نصف العشرة في المئة)، تتّسم "الكتابة التاريخية" بضعف مستواها بشكل عام، سواء أكان ذلك في تخصص التاريخ الحديث والمعاصر، أم في التخصصات التاريخية الأخرى.

أولً: ما قبل التاريخ الأكاديمي

مثلت نهاية الحكم العثماني ومقاومة الاحتلال البريطاني والثورة على وجوده (1920)، ومن ثم قيام الحكم الوطني (1921)، انبعاثًا جديدًا للشخصية العراقية بعد انعتاقها من عقل قيّدها طويلً، ولم يكن ذلك تأسيسًا لدولة عراقية وطنية فحسب، ذلك أن العراقيين انبروا، عقب ذلك مباشرة، إلى إظهار وجودهم وإثبات ملكاتهم وقدراتهم في مجالات شتى. وكان ميدان "الكتابة التاريخية" من تلك المجالات التي شهدت مثل هذا التطور على أيدي عدد من المثقفين والمتعلمين، فكان أن أنجز هؤلاء، قبل أن تجد "الدراسة التاريخية" طريقها إلى الجامعات، مؤلفات تاريخية رصينة، كنّا قد أشرنا من قبل إلى أنها شكلت ما يمكن عدّه أصولً تاريخية مهمة، لا يمكن الدراسة التاريخية الأكاديمية الاستغناء عنها، لا سيما ما يتعلق منها بالجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتاريخ العراق الحديث والمعاصر، من قبيل مؤلفات عبد الرزاق الحسني وعباس العزاوي وعبد الرزاق الهلالي. ويمكن القول إن بعض هذه المؤلفات التاريخية اقترب من مستوى التاريخ العلمي المنهجي الذي مارسه المؤرخون الأكاديميون العراقيون الروّاد بعدهم، تأليفًا وتدريسًا، ووضعوا له الأسس التي تكفل استمراره وتطويره، فضلً عن أنها ماثلته في توجّهاتها وموضوعاتها، إلّ أنها لم تصل، بطبيعة الحال، إلى المستوى العلمي الذي بلغته مؤلفات المدرسة المنهجية للتاريخ التي وجدت طريقها إلى التطبيق في أوروبا منذ نهاية القرن التاسع عشر، ومن ثم في الجامعات العراقية بعد ذلك؛ إذ لم تختلف كثيرًا "الكتابة التاريخية" التي أنجزها غير أولئك الأكاديميين، في موضوعاتها واتجاهاتها، عن "الدراسة التاريخية" التي مارسها الأكاديميون الروّاد. فقد كانت اتجاهات تلك "الكتابة" وهذه "الدراسة" تركز، غالبًا، على تاريخ الحوادث والوقائع، وعلى التاريخ السياسي وتاريخ الحروب والمعاهدات، من دون إيلاء أهمية تذكر لما

سواها من جوانب اقتصادية واجتماعية وثقافية. ومارس كثير من المتعلمين والمثقفين العراقيين كتابة تاريخ العراق الحديث والمعاصر، من قبيل محمد أمين العمري الموصلي (1889 - 1950)، وطه الهاشمي (1888 - 1961)، وصديق الدملوجي (1880 - 1958)، ورفائيل بطي (1901 - 1956)، وعلي البازركان (1887 - 1958)، وفريق المزهر آل فرعون (1890 - 1965)، وجعفر الخياط (1910 - 1973.) يبرز أيضًا من غيرالأكاديميين، من بين واضعي الأصول الرصينة لتاريخ العراق الحديث والمعاصر التي تكاد تتماهى مع المنجز العلمي للتاريخ المنهجي، اسمان لرائدين عراقييَن شهيرين معاصرين من كتّاب التاريخ، هما عبد الرزاق الحسني (1903 - 1997)، وعباس العزّاوي (1971 - 1891) الذي خصص خمسة أجزاء (4 - 8) من كتابه تاريخ العراق بين احتلالين (المغولي والبريطاني 1258 - 1917)، تناول فيها تاريخ العراق خلال عهود الحكم العثماني التي بدأت في أوائل القرن السادس عشر (1534)، القرن الذي تعدّ بداياته منطلقًا للتاريخ الحديث. وقد كانت المادة التاريخية التي جمعها العزّاوي في الأجزاء الخمسة، فضلً عمّا يمكن الاستفادة منه من تعليقاته عليها أحيانًا وتحليلاته المقتضبة لها في أحيان أخرى، مادة أساسية ذات أهمية كبرى، لكونها تشكل مصدرًا مهمًا لتاريخ العراق الحديث. ويمكننا عدّها عملً فريدًا في بابه وطريقته وثراء معلوماته وتنوّعها، لا يمكن دارس هذا التاريخ أن يستغني عنه. كذلك، يُعد تاريخ العراق بين احتلالينعملً مميزًا أيضًا من بين المؤلفات العديدة التي وضعها العزّاوي في موضوعات مختلفة أخرى (وتختصّ كلها أيضًا بالعراق)، في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ بعض المعتقدات والمدن، والأدب والتراجم والرحلات8. جمع العزّاوي مادة الأجزاء الخمسة من عدد كبير ومتنوّع في موضوعاته، من المصادر الأصلية في معظمها، مثل التواريخ الرسمية العثمانية التي كان يدوّنها كتّاب الوقائع (وقعه نويسلك). وكان الكثير من هذه المصادر مكتوبًا باللغتين العثمانية والفارسية9. لذلك، ضمّت تلك الأجزاء معلومات غزيرة عن تاريخ العراق الحديث. وفي ما عدا ما قد يؤاخذ به العزّاوي من اتّباعه المنهج الحولي الذي قد لا يفي الواقعة التاريخية حقها من المعالجة والإيضاح10 وأسلوب الجمل القصيرة، المبهمة أحيانًا الذي اتبعه، فإنه جمع، بجهوده المميزة، مادة مصدرية مهمة عن تاريخ العراق الحديث، لا تقتصر على التاريخ السياسي والعسكري فحسب، بل شملت الأوضاع الاجتماعية للعشائر العراقية والمجتمع والمدن العراقية والحركة العلمية والثقافية والاقتصادية والقضاء والحركة الأدبية. وذلك على الرغم من أنه كان لا يتوقف، كما لمحنا، عند كل حادثة تاريخية تحتمل التحليل لتحليلها بغية الوقوف على درجة صحتها، فهو في بعض الأحيان يريد من قارئه أن يشاركه في التحليل للوصول إلى النتائج المبتغاة11. ويكتفي في أحيان أخرى بتحليل حوادث التاريخ بالتفسيرات الغيبية، من قبيل "الأمر بيد الله يصرفه كيف يشاء"12. من جانب آخر، يبدو أن العزّاوي كان يرغب في أن يتوسع في تناوله الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالمنهج الذي يقترب من منهج الحوليات الفرنسية (وقد عاصر انبثاقها من دون الاطلّاع عليها)، الذي يدعو إلى الخروج من أطر التاريخ السياسي والعسكري، إلّ أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك بسبب أن المصادر، وفق ما يقول، "لا تعيّن إلّ علاقة حروب أو صلة بالحكومة [...] فلا تبيّن أحوال القطر مفصَّل"ً13، هذا فضلً عما يشير إليه من شُحّ مصادر التاريخ غير السياسي، بسبب تلفها، مثل غيرها من المصادر،

  1. ينظر: عباس العزاوي، تاريخ العراق: بين احتلالين، ج 8 (بغداد: شركة التجارة والطباعة المحدودة، 1956)، ص 357 - 358.
  2. يذكر العزّاوي مصادر ويعّرف بها في بداية كل جزء من الأجزاء الخمسة هذه. ينظر: عباس العزاوي، تاريخ العراق: بين احتلالين، ج 5 (بغداد: شركة التجارة والطباعة المحدودة، 1953)، ص 4 - 11؛ العزاوي، ج 8، ص 6 - 10.
  3. ينظر أيضًا: طارق نافع الحمداني، التدوين التاريخي في العراق (بغداد: بيت الوراق، 2010)، ص 225.
  4. المرجع نفسه، ص 226.
  5. العزاوي، ج 8، ص 6.
  6. المرجع نفسه، ج 4، ص 4.

جراء عدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية. وجاءت محاولته الخروج عن ربقة التاريخ السياسي والعسكري في إطار فهمه، في ما يبدو، وظيفة الكتابة التاريخية، فهو يرى أن "التاريخ بيان حياة الأمم [و]سجل حوادثه الحربية والسياسية [...] وكذا دوّن [أي التاريخ] ثقافةَ العصور أو تاريخ الفكر"14. بيد أنه، خلافًا لرؤية التاريخ المنهجي الذي يَعدّ التاريخ علمًا يُدرَس لذاته من دون أي أغراض براغماتية، لا يغادر مفهوم العزّاوي وظيفة التاريخ، وهي تحقيق "المنافع" التي يراها كثيرة ومتعدّدة. وهو إذ أفرد جانبًا من جهوده لكتابة تاريخ العراق، كان يرى أن العراقيين في حاجة إلى "الاستفادة" من هذا التاريخ لإدراك "الأخطار التي انتابتنا لنتوقّى تكرارها، ولا شك أننا نستفيد منه أكثر من تلقين الناصحين"15. قابلت ريادة العزّاوي في مجال "كتابة التاريخ" منهجًا مماثلً لعبد الرزاق الحسني في كتابة التاريخ المعاصر. فقد كان الحسني، في تدوينه تاريخ العراق المعاصر، صنوًا للعزّاوي في تدوينه تاريخ العراق الحديث، و"معادلً موضوعيًا" له، ذلك أنه وضع في العقائد والأدب والتاريخ، خصوصًا تاريخ العراق المعاصر، مؤلفات عدة، بلغت بضعة وعشرين كتابًا مطبوعًا16. إلّ أن أبرز تلك المؤلفات كان في تاريخ العراق المعاصر: تاريخ الوزارات العراقية، في عشرة أجزاء، تناول فيه تشكيل هذه الوزارات وبرامجها وأعمالها منذ قيام الدولة العراقية في عام 1921 حتى نهاية الحكم الملكي في عام 1958. يرى الحسني أن كتابه هذا "كتاب عظيم الفائدة، كبير الأهمية يصف الأحداث [...] وصفًا دقيقًا مؤيدًا بالوثائق ومدعمًا بالمستندات، لا يفارق صغيرة وكبيرة إلّ ذكرها"17. وهو محقّ في ذلك، حيث يُعدّ كتابه هذا - بلا شك - مصدرًا مهمًا قد لا يضارعه في تاريخ العراق السياسي المعاصر مصدر آخر، على الرغم من أن الحسني ذكر في مقدمة الجزء الثاني منه وجود "نقص" في مباحثه، بسبب ما يراه "أن مؤسساتنا لم تبلغ بعد أوج الكمال [...] من حيث ضعف الإسعاف الذي يستلزمه نضوج التحقيق"18، وهو يشير بذلك إلى صعوبة الحصول على الوثائق. وفي الموضوع نفسه، يقرّر الحسني، ما يمكن أن يُفهَم، أنه يعدّ كتابه هذا عملً هستوريوغرافيًا وأصلً من الأصول التي تُبنى عليها أي "دراسة" تاريخية تتناول تاريخ العراق السياسي المعاصر، فأبحاثنا فيه، كما يقول، "غير مستكملة لشروط التحقيق العلمي الذي يرضاه العصر الحاضر"19. جمع الحسني مادة تاريخ الوزارات، وكتبه الأخرى أيضًا عن تاريخ العراق السياسي المعاصر، من مظان كثيرة ومتنوعة، تأتي في مقدمها الوثائق الرسمية العراقية والبريطانية، وأهمها مقررات المجلس التأسيسي ومجالس الوزراء والنواب والأعيان، وتقارير دار الاعتماد البريطاني المرفوعة إلى عصبة الأمم خلال سنوات الانتداب (1921 - 1931)، فضلً عن الصحف والمجلات والكتب المرجعية العربية والأجنبية، ومعايشته التطورات السياسية شاهدَ عيان، والاحتكاك بصانعيها من السياسيين والعسكريين20، الأمر الذي يجعل اعتماده على مثل هذه الوثائق والأصول التاريخية متماهيًا مع "التاريخ المنهجي" الأكاديمي في تأكيده أهمية الوثائق. وكان الحسني يبذل الأموال والجهود الحقيقية في سبيل الحصول على هذه الوثائق، الأمر الذي انعكس، من خلال اعتماده عليها، رصانة في الأعمال التاريخية التي أنجزها، وفي مقدمها تاريخ الوزارات العراقية، وأناله ثقة الحكومة العراقية التي عيّنته مديرًا لدائرة استحدثتها من

  1. المرجع نفسه، ج 8، ص 3.
  2. المرجع نفسه.
  3. ينظر: عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج 3، ط 7 (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1989)، ص 17 - 18.
  4. عبد الرزاق الحسني، ثورة النجف بعد مقتل حاكمها الكابتن مارشال، ط 2 (بيروت: مطبعة دار الكتب، 1978)، ص 159.
  5. عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 2 (صيدا: مطبعة العرفان، 1934)، ص 3.
  6. المرجع نفسه.
  7. ينظر: الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج 1، ص 2 - 5؛ الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 1 (صيدا: مطبعة العرفان، 1933)، ص 8؛ الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 2، ص 3 - 4.

أجله ملحقة برئاسة الوزراء، مهمتها "تنظيم سجلات خاصة بتاريخ الدولة"21، فمكّنه ذلك من الاطلّاع الواسع على الوثائق الرسمية، والاستفادة منها في تدوينه تاريخ العراق المعاصر، لا سيما الأجزاء الأخيرة من تاريخ الوزارات العراقية. على الرغم من أن نقاط الالتقاء العديدة التي جمعت طريقته في كتابة التاريخ بالتاريخ المنهجي الأكاديمي، وأهمها اعتماده الرئيس على الوثائق التي تستلزمها عملية كتابة التاريخ المعاصر ودراسته بوجه خاص، فإن الحسني كان يدوّن الأحداث في نطاق النصوص التي جاءت بها مصادره ووثائقه، من دون إخضاعها للتحليل والنقد للوقوف على درجة صحّتها ودقّتها. فقد فضّل، بحسب ما يقول، "بسط الوقائع كما هي، وسرد الحوادث كما جمعتها دون أن يكون لي رأي خاص بها"22، وذلك بسبب ما يراه "أن الصكوك والوثائق التي سردتُها عن كل حادثة وقعت أو معاهدة أبرمت أو اتفاقية عقدت كافية بنظري لأن تعطي القارئ فكرة إجمالية عن سرُ ما وقع وسبب ما حدث"23. إلّ أن الحسني تحرر من إطار النقل فحسب في مؤلفات أخرى تناول فيها تاريخ العراق السياسي المعاصر، لا سيما في كتابه تاريخ العراق السياسي الحديث (= المعاصر) الذي مارس فيه قدرًا من التعليل والتحليل لحوادث التاريخ24. ويبدو أن الحسني كان في منهجه الذي اهتم فيه بجمع وقائع التاريخ ورواياته من دون نقدها، مدركًا حدود أعماله وأهميتها، بوصفها مصدرًا أساسيًا في دراسة التاريخ دراسة علمية منهجية؛ ففي كتابه عن ثورة العشرين، يرى أنه قد فتح "الباب على مصراعيه لمن يريد أن يكتب في هذا الموضوع"25. وهو، في هذا، يكشف عن عمق موضوعيته، ليس في تدوينه تاريخ العراق المعاصر، بل في أعماله التاريخية كلها، وهي موضوعية عزّزها بُعدُه في تلك الأعمال عن الأغراض، سوى ما تعلّق منها بخدمة تاريخ وطنه، كما يقول26.

ثانيًا: الدراسات الأكاديمية: روّاد وبدايات

أشرتُ في المدخل إلى أن رصد اتجاهات "الكتابة التاريخية" التي تتناول تاريخ العراق الحديث والمعاصر، قد لا يحقِّق فائدةً يُعتد بها، تصبّ في مصلحة تطوير آليات الكتابة، فضلً عن تطوير منهجية "الدراسة التاريخية" وتحديد اتجاهاتها، وذلك لتراجع ميدان الكتابة التاريخية وقلّة عدد من يمارسها من غير المتخصصين الأكاديميين في التاريخ، في مقابل اتّساع نطاق الدراسات التاريخية الأكاديمية وتعدّد اتجاهاتها. ومع اطّراد هذا الاتساع والتعدّد في الاتجاهات الذي مرّ عليه نصف قرن من عمر التاريخ الأكاديمي، والتراجع المطرد المقابل ل "الكتابة التاريخية"، كمًّا ونوعًا، عمّا كانت عليه خلال الحقبة الزمنية نفسها والتي أفرزت "مؤرخين" مرموقين في تدوين تاريخ العراق الحديث والمعاصر، من قبيل العزّاوي والحسني، لا يبدو البحث عن اتجاهات الكتابة التاريخية في العراق اليوم مجديًا، بل يبدو أنه قليل الفائدة أيضًا، حتى في حال مقاربة اتجاهات التاريخ الأكاديمي باختصاصاته المختلفة: القديم والوسيط (الإسلامي) والحديث والمعاصر، على وجه الإجمال، من دون تناول كل تخصص منها وحده، بغية إدراك الأيديولوجيات التي ربما تتحكم في موضوعات كل تخصص منها، أو في منهجيته على سبيل المثال، الأمر الذي جعلنا نحصر رصد اتجاهات التاريخ، في هذه الدراسة، في المنجز التاريخي الأكاديمي الذي يختص بالدراسات التي تتناول التاريخ الحديث والمعاصر.

  1. الحسني، ثورة النجف، ص 154.
  2. ا  لحسني، تاريخ الوزارات، ج 1، ص 8؛ الحسني، تاريخ الوزارات، ج 2، ص 4.
  3. الحسني، تاريخ الوزارات، ج 1، ص 8.
  4. الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج 3، ص 3.
  5. الحسني، الثورة العراقية، ص 4.
  6. الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج 1، ص 7 - 8.

اقترن انبثاق الدراسات التاريخية في الجامعات العراقية، التي تقوم على ما يعرف ب "التاريخ المنهجي" وقواعده الغربية التي اكتمل التنظير لها، كما ذ كر، مع المؤرخيَن الفرنسييَن لانغلوا وسينوبوس، بثلة من المؤرخين الرواد الحاصلين على درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر من الجامعات الغربية، وكان في طليعتهم مجيد خدوري (الولايات المتحدة، 1938)، وزكي صالح (الولايات المتحدة، 1941)، وفاضل حسين (الولايات المتحدة، 1952)، وعبد القادر أحمد اليوسف (الولايات المتحدة، 1954)، وعدد آخر ممن تلاهم من الحاصلين على الدرجة نفسها من بريطانيا وروسيا. وقبل تأسيس أول جامعة عراقية في بغداد في عام 1957، عمل هؤلاء الروّاد في مؤسسات علمية وتعليمية مختلفة، من قبيل دار المعلمين العالية، وأنجزوا منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين دراسات تاريخية استندت غالبًا إلى معايير التاريخ العلمي التي اكتسبوها من الجامعات التي تخرّجوا فيها. ولم يكن لتلك الدراسات أيُّ اتجاهات تتقاطع مع موضوعية البحث التاريخي. يلاحظ أن تلك الاتجاهات التاريخية العلمية كانت تدور حول دراسة تاريخ العراق الحديث والمعاصر، الأمر الذي يشير إلى اتجاه وطني لدراسات أولئك المؤرخين الروّاد، كان يتحرّى البحث في تاريخ البلاد خلال حقَب مهمة من تاريخها، شهدت خلالها تحولّات كبرى، إلّ أنها اتّسمت في الوقت نفسه بتركيزها على الجوانب السياسية من تاريخ العراق، ولم تغادر توجهات المدرسة المنهجية الغربية التقليدية في دراسة التاريخ. ويمكننا أن نلاحظ أيضًا، أن إنجاز أولئك الروّاد دراساتٍ علميةً رصينةً في تاريخ العراق الحديث والمعاصر، لم يقترن بخطوة لاحقة تؤسّس، مثلً، لقيام "مدرسة" تاريخية عراقية، سواء في تبنّي اتجاهات بحثية تجعل من أولى اهتماماتها دراسة تاريخ العراق دراسة موضوعية شاملة (تاريخ الأمد الطويل، وفق مفهوم مدرسة الحوليات الفرنسية)، أم في إدامة استيعاب قواعد الدراسة التاريخية التي اكتسبوها في الجامعات الغربية، ومن ثم تطويرها بما يتواءم مع الاتجاهات التي أشرنا إليها، فضلً عن وضع منطلقات لمنهجية في العمل التاريخي العلمي، تكيّفها مع متغيرات الزمان والمكان وطبيعة الدراسات التاريخية في جامعاتنا. وقد لا نلمس لهذا التطوير المنهجي المروم للدراسة التاريخية وجودًا حتى لدى المؤرخين العرب الذين أعقبوا ظهور رائدَي المنهجية التاريخية العربية أسد رستم وحسن عثمان في ثلاثينيات القرن الماضي وأوائل أربعينياته اللذين أضافا إلى منهج البحث التاريخي الأوروبي إضافات تنظيرية وعملية مستمدّة من التراث النقدي العربي للروايات ومن ممارسة البحث التاريخي27. نخلص بذلك إلى أن تفاعل المؤرخين الأكاديميين العراقيين الروّاد مع قواعد المدرسة المنهجية الغربية للتاريخ كان محدودًا، عند انطلاق الدراسات التاريخية في الجامعات العراقية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وربما اقتصر على تدريس هذه القواعد فحسب. ولم يوسّع ذلك التفاعل آفاق الفكر التاريخي وممارساتنا البحثية في مجال التاريخ الحديث والمعاصر، الأمر الذي يتماهى إلى حدّ بعيد مع الحالة العامة للدراسات التاريخية الأكاديمية العربية التي كانت تعاني، على حدّ تشخيص عبد الرحمن بدوي في ستينيات القرن الماضي، "الافتقار إلى المنهج الدقيق والنقد العلمي النزيه المتمرس بطرق البحث العلمية التي استقرت مبادئها وتقعّدت قواعدها في أوروبا منذ النصف الثاني من القرن الماضي [التاسع عشر"]28، ما يحيل جانبًا من هذه "الدراسات" الأكاديمية إلى أعمال هستوريوغرافية فحسب. يمكن القول إن الرواد من المؤرخين العراقيين الذين تخصصوا في التاريخ الحديث والمعاصر، كانوا أساتذة ماهرين في مجال تخصّصهم، وتخرّجت على أيديهم ثلة من الباحثين الجادّين الذين أنجزوا دراسات رصينة في هذا المجال خلال سبعينيات القرن الماضي وأوائل ثمانينياته؛ إذ خرجت هذه الدراسات من دائرة التاريخ السياسي الذي دارت حوله دراسات أساتذتهم، فتناولت موضوعات

  1. يمكن أن نلاحظ أن هناك استثناءاتٍ قليلةً تتعلق بتطوير ملحوظ لمنهجية البحث التاريخي في تخصص التاريخ الإسلامي الوسيط، من قبيل: حسن علي إبراهيم، استخدام المصادر وطرق البحث في التاريخ المصري الوسيط (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1949)؛ عبد المنعم ماجد، مقدمة لدراسة التاريخ الإسلامي:(القاهرة مكتبة الأنجلو المصرية، 1953)؛ سيدة إسماعيل كاشف، مصادر التاريخ الإسلامي ومناهج البحث فيه (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1960.)
  2. لانجلوا وسينوبوس، "المدخل إلى الدراسات التاريخية"، في: بدوي [مترجم]، ص 15 - 16؛ ينظر أيضًا مقدمة المترجم في: لوغوف، ص 23.

اقتصادية واجتماعية وثقافية، كان معظمها عن تاريخ العراق الحديث والمعاصر29. ولم يكن لهؤلاء اطلّاعٌ، في ما يبدو، على توجّهات مدرسة الحوليات الفرنسية التي كان من أولوياتها الانفتاح على الجوانب الحضارية المتعددة للتاريخ، من دون التركيز على التاريخ السياسي وتاريخ الحروب والمعاهدات. وكان من أبرز تلك الجوانب ما تناول منها تاريخ التعليم والأراضي والنفط والصحافة، فدرستها بموضوعية غالبًا، من دون أن تنعكس عليها اتجاهات أيديولوجية (ماركسية أو قومية أو ليبرالية)، بدأت تدبّ آنذاك في الوسط التاريخي الأكاديمي. ولعل دراسة الجوانب الحضارية التي أشرنا إليها كانت بتأثير وجود بعض الأساتذة المصريين المتخصصين في التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعات العراقية، مثل محمد أنيس وأستاذنا عبد العزيز نوار اللذين كانا يهتمان بدراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من التاريخ. ولم تقتصر توجّهات الجيل الذي أعقب الروّاد على ذلك، بل تجاوزتها إلى محاولات توسيع دائرة الاطلّاع على تخصصات أخرى، مثل الاجتماع والتربية والفلسفة وعلم النفس30، في محاولة، ربما لم تكن مقصودة، لتطوير منهج البحث التاريخي وآفاق الدراسة التاريخية، ذلك أن توجّهات بعض المؤرخين الغربيين ومدارس التاريخ الغربية، كانت ترى ضرورة تداخل المعرفة التاريخية مع مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية31، وأن التاريخ، كما يقرّر مارك بلوخ، ليس علم الماضي فحسب، بل هو "علم البشر في الزمن، والزمن ماضٍ وحاضر ومستقبل، والتاريخ هو حركة ذهاب وإياب دائمًا بين الماضي والحاضر، أو بين الحاضر والماضي"32. بيد أن غياب الأسس التي تكفل ديمومة رصانة البحث التاريخي وتطوير منهجه، فضلً عن إعادة إنتاجه واستنباط أدوات جديدة له، وكذلك ضعف التواصل مع التقدم العالمي المطرد لعلم التاريخ ومناهج دراسته أو انعدامه، أدى إلى أن تتّجه دراسة التاريخ الحديث والمعاصر بعد ذلك نحو "الحَرْفية" التي يأخذ فيها اللاحق ممارسة العمل التاريخي عن السابق، من دون إحاطة بحدود العلم التاريخي وضوابط منهجيته، إلّ في بعض شكليات الضبط والإخراج، وسواها مما يُبقي مثل هذا العمل، في النهاية، في نطاق "الكتابة التاريخية."

ثالثًا: واقع التاريخ الأكاديمي: مقاربة يف منهجه واتجاهاته

تراجعت دراسة التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعات العراقية منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن كانت تبشّر بآفاق واعدة على يد الرعيل الذي تخرّج على أيدي الأساتذة الرواد. وكانت في مقدمة الأسباب التي دعت إلى ذلك، التطورات السياسية في البلاد، من الحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988) إلى غزو الكويت (1990 - 1991) والعقوبات الدولية (1990 - 2003) التي انتهت باحتلال العراق، وتداعيات ذلك كله السلبية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وممارسات السلطة الحاكمة التي أقحمت نفسها بعنف في شؤون الجامعات، فضلً عن انقطاع التواصل مع التطورات العالمية في مجال علم التاريخ والبحث التاريخي من خلال الدوريات المتخصصة والمؤتمرات العلمية. وكان تراجع المستوى العلمي لتلك الدراسات آنذاك، لا يختلف في طبيعته وأسبابه عما كانت تشهده الدراسات العلمية والإنسانية في مجملها، فكان من أولويات السلطة الحاكمة خلال عقدَي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين إعداد أكاديميين في مختلف التخصصات، وفق معايير خاصة، كانت الكفاءة العلمية في آخرها، وذلك لمواجهة انحسار عدد هؤلاء، لا سيما منذ مطلع التسعينيات، الأمر الذي أوجد جيلً من الباحثين غير الأكفاء في التاريخ، من دون أن نستثني وجود بعض الباحثين الذين تميّزوا بالموضوعية والرصانة العلمية. وبقي هذا الجيل، حتى وقتنا الراهن،

  1. ينظر: إبراهيم خليل العلاف، "الموجة الصاخبة في الدراسات التاريخية العراقية الحديثة "، الحوار المتمدن، 7 / 5 / 2016، شوهد في 15 / 8 / 2021،: في https:// bit. ly / 3 yQLeki
  2. المرجع نفسه.
  3. كوثراني، ص 386.
  4. المرجع نفسه، ص 371.

لا يعدو فيه "المؤرخ اللاحق يجتر خلاصات المؤرخ السابق دون نقد أو تمحيص"33(، بتعبير المؤرخ المغربي الحسين بولقطيب عن المؤرخين العرب عمومًا. ومن بين هؤلاء، كانت ثمة فئة من المؤرخين تصدق في شأنهم مقولة جاك لوغوف إنهم "يقتاتون من التاريخ"34، فتحوّل لديها البحث العلمي في التاريخ إلى مهنة تسترزق منها فحسب، ما أضعف موضوعات البحث التاريخي وأوهن استثماره في توجّهات علمية وموضوعية نافعة، وأوجد كمًّا كبيرًا من الدراسات في التاريخ الحديث والمعاصر، يدور بعضها حول مضامين متشابهة أو متداخلة، وإن تعدّدت عناوينها، ويتناول بعضها الآخر موضوعات لا تملك مقدرة الخوض فيها إلّ بطريقة سطحية، لا تتعدّى الترجمة فحسب من المراجع أو بعض المصادر، أو لا تصلح أن تكون موضوعًا لدراسة تاريخية، لقلّة مصادرها وندرة وثائقها، أو لأسباب أخرى عدة. وغالبًا ما يختار الأساتذة هذه الموضوعات لطلاب الدراسات العليا، لأسباب عدة تتعلق بضعف المستويات العلمية للأغلبية العظمى من هؤلاء الطلاب، أو لأنها تتوافق مع أيديولوجية أولئك الأساتذة وانتماءاتهم الاجتماعية والثقافية، أو حتى مع ذاكرتهم الجمعية التي تقودهم أحيانًا إلى وضع حقب وحوادث وشخصيات تاريخية في إطارات زائفة لا تمتّ إلى البحث العلمي بصلة، أو لأسباب غير موضوعية أخرى. ومن ثم، يبدو "أننا ما زلنا لا ننظر إلى التاريخ على أساس العلم، وإنما على أساس العاطفة"35. ومع ذلك، يظن بعض هؤلاء أنه متخصص في هذا الموضوع وتلك الحقبة، من دون أن يكون له بحسب رأي نقولا زيادة: "اطلّاع أساسي - ليس من الضروري أن يكون تخصصيًا - على مجرى التاريخ العام كي يستطيع أن يضع فترته في مكانها الصحيح"36. ومما زاد الأمر سوءًا أن عددًا لا يستهان به من المشرفين يتسابق على كسب ودّ طلاب الدراسات العليا بغية الإشراف عليهم، تدفعهم في ذلك دوافع شتى بعيدة عن المعيار العلمي، تشوبها شوائب المصالح الخاصة، كما أن كثيرًا من الطلاب، يفضل في الإشراف على رسائلهم وأطاريحهم بعضًا من الأساتذة دون بعض، تهرّبًا من رصانة الإشراف وجدّيته. من ثم، فإن اختيار موضوعات الدراسة التاريخية لا يقوم وفق الخطط التي يُفترض أن يقوم عليها، التي تراعي مثلً سدّ النقص في بعض التخصصات من الأساتذة، سواء في مراحل الدراسة الجامعية الأولية أو في مرحلة الدراسات العليا، أو تغطّي حقبات تاريخية وموضوعات مهمة لم تأخذ ما تستحقه من اهتمام، مثل تاريخ العراق في العهد العثماني وفلسفة التاريخ ومنهج البحث التاريخي، وسوى ذلك. وجدير بالذكر أن اختيار أساتذة الدراسات العليا موضوعات البحث، بالطرائق التي تقدَّم ذكرها، الذي أضحى عرفًا مُقرًّا بشكل رسمي، تُقرّه ابتداءًاللجنة العلمية للقسم (التي لا يراعى في اختيار رئيسها وأعضائها معيار الرصانة العلمية في الكثير من الأحيان)، وانتهاء بالدوائر الوزارية المتخصصة، ذلك كله عمل يتقاطع مع قواعد الدراسة التاريخية ومنهجيتها العلمية، حيث تضع هذه القواعد على عاتق الباحث مهمة اختيار موضوع جدير بالدراسة، تتوافر فيه شروط البحث العلمي التاريخي37، وتفترض هذه القواعد في الباحث المقدرة العلمية على ذلك، إلّ أن توسيع دائرة القبول في الدراسات العليا في أقسام التاريخ بوجه عام، من دون تخطيط، أو حتى وجود حاجة إلى خريجيها وتسهيل شروط القبول واختبارات الكفاءة العلمية التي عادة ما يترتب على نتائجها قبول أفضل "الراسبين"، نزولً إلى الأسوأ، كان يفضي دومًا إلى تراجع مستوى المتقدمين إلى الدراسات العليا، ويفسّر عدم مقدرتهم على اختيار موضوعات تاريخية تضيف جديدًا إلى الدراسات الجامعية.

  1. حماه الله ولد السالم، دراسات في تاريخ العرب الحديث: مراجعات نقدية (بيروت: دار الكتب العلمية، 2016)، ص 71 - 80.
  2. ينظر: لوغوف، التقديم، ص 43.
  3. المرجع نفسه، ص 24.
  4. كوثراني، ص 249.
  5. ينظر: حسن عثمان، منهج البحث التاريخي، ط 4 (القاهرة: دار المعارف، 1980)، ص 56.

يشير هذا كله إلى ارتباط وثيق بين اتجاهات الدراسة الأكاديمية للتاريخ بوجه عام (لا سيما ما اختص منها في التاريخ الحديث والمعاصر) ومستوياتها العلمية، وبين مؤثرات كثيرة تحكّمت في بوصلتها وقيمتها العلمية، فكانت هذه الدراسات في الجامعات العراقية تنوء تحت ثقل وطأة النظام السياسي منذ سنوات انطلاقتها الأولى، وتحكّمه فيها، بما يتوافق مع أيديولوجيته وسياساته ومنطلقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. هذا فضلً عن عدم اهتمامه بتهيئة متطلّبات البحث التاريخي الرصين، من وثائق ومصادر وأرشيفات وعلاقات علمية مع العالم الخارجي، وكذلك تحكّمه في اختيار "الباحثين"، بعيدًا عن مبدأ تكافؤ الفرص، ليدفع بذلك نحو دراسة التاريخ الحديث والمعاصر تحت تأثير توجهات سياسية وأيديولوجية حزبية ونزعات قومية. ولم يكتف بذلك فحسب، بل فرض على المؤرخين الأكاديميين الانخراط في ما سمّاه "إعادة كتابة التاريخ"، لاستكمال تحقيق هذه الغايات. بيد أن التحولات التي بدأ يشهدها العراق منذ عام 2003، لم تكن أخف وطأة في تأثيراتها في مجمل الدراسات التاريخية، ومنها دراسة التاريخ الحديث والمعاصر، فهي، من جهة، أتاحت هامشًا من الحرية لهذه الدراسات، إلّ أن مظاهر الانفلات فيها أضرّت بموضوعية هذه الدراسات ومستوى علميتها، ذلك أن القيود التي كانت قائمة قبل عام 2003، قابلتها بعد تغيير النظام السياسي في تلك السنة، أيديولوجيات أخرى حلّت محلها، ولو بقدر أقل ضررًا على علمية الدراسات التاريخية ورصانتها، فأصبحت هذه الدراسات تنوء في اتجاهاتها وأهدافها تحت وطأة الأيديولوجيات الجديدة، بل ووطأة الانفعالات وردات الأفعال، وانقطعت صلة بعضها بما يجب أن تكون عليه طبيعة الدراسة التاريخية وحدودها ومنهجيتها. يبدو أيضًا أن ما فاقم تراجع المستويات العلمية للدراسات التاريخية، على نحو عام، ومنها تلك التي تناولت التاريخ الحديث والمعاصر، خلال العقود الثلاثة الماضية، هو غياب الرؤية التاريخية القادرة على تطوير العمل التاريخي، منهجًا، وعلمًا، وتوجّهًا لدى الأكاديميين المتخصصين في هذا الجانب، فضلً عن عدم امتلاك "فكر تاريخي" تتحرك مثل هذه الرؤية في نطاقه وتحلّ مشكلاتها في رحابه. وفي غياب ذلك، تبقى الدراسة التاريخية تعاني مشكلات تعوّق موضوعيتها وبلوغها "الحقيقة" التاريخية، وتحول دون ترشيد اتجاهاتها. تخص هذه المشكلات، مثلً، إبستيمولوجيا التاريخ وأدواته المعرفية التي يجب أن تخضع باستمرار للتجديد، وماهية علاقة التاريخ بالعلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، ومدى انعكاسها على منهجه ومجالاته البحثية، وصولً إلى التعامل مع رؤى المدارس التاريخية الغربية في هذا الشأن، مثل مدرسة "الحوليات" و"التاريخ الجديد"، وما أفرزته من مفاهيم جديدة، مثل "التاريخ الشمولي" و"تاريخ الأمد الطويل" و"تاريخ البنى" و"التاريخ المجهري" و"التحقيب"، على سبيل المثال، وكذلك ما يختص بإشكاليات بحثية أخرى تنعكس ضبابية مفاهيمها وعدم القدرة على تحديدها على موضوعية دراسة التاريخ الحديث والمعاصر و"الحقائق" التاريخية التي تتمخض عنها، مثل تحديد طبيعة الحكم العثماني للبلدان العربية (احتلال أو فتح أو سيطرة أو غير ذلك)، على سبيل المثال، وإضفاء لقب الخليفة على السلطان العثماني38 واستعمال مفردات ومصطلحات ذات دلالات خاطئة تتعلق بالاسم الصحيح للدولة العثمانية (إمبراطورية، سلطنة، دولة... إلخ)، أو إطلاق اسم "انقلاب" على ثورة الاتحاديين في عام 1908، أو العكس، وغير ذلك من أمثلة. إن من بين أهم المشكلات الأساسية التي تواجه دراسة التاريخ الحديث والمعاصر، وتحول دون اكتمال موضوعيته وبلوغه المستوى العلمي المطلوب، هي منهجية البحث. وقد أشرنا إلى أن المؤرخين الروّاد من الأكاديميين العراقيين الذين أكملوا دراساتهم العليا في الجامعات الغربية، ساروا على خطى "المدرسة المنهجية" التي تسمى أيضًا "المدرسة الوثائقية" في منهج البحث التاريخي، سواء في مؤلفاتهم، أو في اعتماد هذا المنهج في الدراسات العليا، ووضعه في ما بعد مقرّرًا دراسيًا في مرحلة الدراسة الجامعية الأولى. وكانت هذه

  1. عالج سيّار الجميل الكثير من إشكاليات دراسة التاريخ العثماني بنقد موضوعي، ومنها إشكالية الخلافة والسلطنة. ينظر: سيّار الجميل، العثمانيون وتكوين العرب الحديث (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1989)، ص 135 - 175.

المدرسة المنهجية قد استكملت مبادئها على يد المؤرخيَن الفرنسييَن لانغلوا وسينوبوس في عام 1898، مضمَّنة في كتابهما المدخل إلى الدراسات التاريخية، الصادر في العام نفسه، تتويجًا لجهود مؤرخين أوروبيين آخرين، فرنسيين وألمان وإنكليز، بُذلت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر39. وكانت الأطر المعرفية والنقدية والاستدلالات العقلية والمنطقية التي جاء بها هذا المنهج، فضلً عما تضمّنه من تجارب عملية في دراسة التاريخ، قد نقلت الدراسة التاريخية إلى مصاف "العلم"، وميّزتها من الهستوريوغرافيا، ومنحت هذا المنهج قوةَ انتشار استمرت بضعة عقود، وما زال الكثير من قواعده وأسسه معتمَدًا إلى الآن، على الرغم من ظهور مدارس أخرى ركّزت على تناول "اتجاهات" الدراسة التاريخية و"بنيتها"، لا سيما مدرستي "الحوليات" و"التاريخ الجديد"، من دون مسعى لوضع نظرية متكاملة في المنهج، وعلى الرغم مما يوجّه إلى المدرسة المنهجية من نقد ينصبّ على اهتمامها بالتاريخ السياسي دون غيره من الجوانب40واعتمادها "البحث العلمي في التاريخ، متجنّبة أي تأمل فلسفي وهادفة الموضوعية المطلقة في مجال التاريخ"41. إن منهج البحث التاريخي الذي نعتمده في جامعاتنا اليوم، ولو بشكل نظري لا يتعدّى التعريف بمبادئه وأسسه، مستمد من كتابين لرائدين عربيين في هذا المجال: مصطلح التاريخلأسد رستم (1939) الذي جمع فيه تجربته في تدريس المنهجية وتراث نقد الحديث لدى العرب المسلمين، وخلاصة المنهج الأوروبي الذي يمثّله روّاد المنهجية التاريخية الأوروبية المعاصرة، وفي طليعتهم الفرنسيان لانغلوا وسينوبوس، وكتاب منهج البحث التاريخيلحسن عثمان (1943) الذي نهل فيه أيضًا من التنظير الغربي والتراث العربي، مضيفًا إليه "بعض الأمثلة التي عرضت لي في أثناء البحوث التاريخية التي قمت بها"42. إلّ أن هذا المنهج الذي يتم حفظ قواعده واستعادتها في الاختبارات، ولا يطبق معظم قواعده الأساسية في دراساتنا الأكاديمية التي تتناول التاريخ الحديث والمعاصر، لا سيما ما يتعلق منها بالنقد التاريخي، وتستبدل بها معايير ذاتية مبتسرة، وأخرى عرفية مكتسبة بالتلقين، في الاعتماد على المصادر والمراجع وتحليل الروايات ونقدها وتنظيم الوقائع التاريخية وتركيبها. يبدو أن التعويل على الترداد والمحاكاة والتلقين، من دون المبادرة إلى التفاعل مع منهج البحث التاريخي، فضلً عن محاولة تطويره وتكييفه ليتلاءم مع طبيعة الدراسات التاريخية التي نقوم بها، أدى إلى ضعف إتقانه وتوظيف قواعده الأساسية بصورة عملية في الدراسة التاريخية، فالمنهج ممارسة واعية، تعتمد الاستدلالات العقلية والمنطقية والتجارب العملية في ممارسة البحث التاريخي، وتستضيء بتجارب الآخرين والقواعد التي وضعها المنظرون له، وهو ممارسة يتمكّن الباحثون النابهون من أن يتصدّوا لها بما يكفل تطوير منهج البحث التاريخي ويحسّن فرص تطبيقه بشكل عملي يرصن دراسات التاريخ الحديث والمعاصر. إن القيام بهذه الممارسة ضروري في هذا الزمن الذي يتسارع فيه تجديد المنظومات المعرفية، ليوسع هذا التسارع من الهوة المعرفية التي تفصل بيننا وبين العالم المتقدم، وهي هوّة تبقى واسعة، حتى إذا قارنّا وضع الدراسات التاريخية ومنهجيتها عندنا اليوم بما كانت عليه هذه الدراسات في الغرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ف "المنهج هو موضوع دائم لقواعد وضوابط وتقنيات سُعي ويُسعى إليها على نحو دائم ومنذ زمن بعيد"43، وصيغت عبر مديات زمنية طويلة، بممارسات دؤوبة وتراكمية، فالدراسة التاريخية، بتعبير لوغوف هي: "صناعة لا بدّ لها من أن تستنبط أدواتها، أي عليها أن تنتج مناهجها وتطرحها للتفكير والمناقشة"44.

  1. ينظر: جميل موسى النجار، دراسات في فلسفة التاريخ النقدية (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2004)، ص 135 - 137.
  2. كوثراني، ص 273.
  3. المرجع نفسه، ص 166.
  4. عثمان، ص 10.
  5. كوثراني، ص 25.
  6. لوغوف، التقديم، ص 42.

ما تجدر الإشارة إليه هو أن منهجية البحث التاريخي لا تعتمد على امتلاك وسائل الاستدلالات والتجارب التي أشرنا إليها، وما يتعلق بها من خطوات عملية جامدة تختص بجمع المادة التاريخية وتحليلها ونقدها بغية الوصول إلى وقائع الماضي وحوادثه فحسب، بل إن الوصول إليها يتطلّب باحثًا نابهًا، يملك أفقًا فكريًا رحبًا، يمنحه تفاعلً مع تلك الوقائع والحوادث، و"حسًّا تاريخيًا يمكّنه من إدراكها45. تأسيسًا على ذلك، وفي نطاق يتجاوز التاريخ الحديث والمعاصر، دعونا المؤرخين العرب، منذ أكثر من ربع قرن، من خلال بحث قدّمتُه في مؤتمر الجمعية التاريخية الليبية الأول الذي عُقد في جامعة بنغازي في عام 1994، إلى بذل جهود دؤوبة لصوغ منهج بحث تاريخي "عربي"، تراعى فيه الأساسيات المنهجية والنقدية العامة التي تضمّنها تراثنا، والتي أفرزها الفكر التاريخي الغربي المعاصر، على حد سواء، ويستند إلى تجارب مؤرخينا الجادّين، سعيًا لبلوغ المنهجية العلمية والموضوعية لدراساتنا التاريخية.

  1. كوثراني، ص 246 - 247.

مراجع

بدوي، عبد الرحمن [مترجم.] النقد التاريخي. القاهرة: دار النهضة العربية، 1970. الجميل، سيّار. العثمانيون وتكوين العرب الحديث. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1989. الحسني، عبد الرزاق. تاريخ العراق السياسي الحديث. ط 7. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1989.._______ تاريخ الوزارات العراقية. ج 1. صيدا: مطبعة العرفان، 1933.

._______ تاريخ الوزارات العراقية. ج 2. صيدا: مطبعة العرفان، 1934.

._______ ثورة النجف بعد مقتل حاكمها الكابتن مارشال. ط 2. بيروت: مطبعة دار الكتب، 1978. الحمداني، طارق نافع. التدوين التاريخي في العراق. بغداد: بيت الوراق، 2010. رؤوف، عماد عبد السلام. التاريخ والمؤرخون العراقيون في العصر العثماني. لندن: دار الوراق للنشر المحدودة، 2009. زريق، قسطنطين. نحن والتاريخ. ط 5. بيروت: دار العلم للملايين، 1981.

عثمان، حسن. منهج البحث التاريخي. ط 4. القاهرة: دار المعارف، 1980.

العزاوي، عباس. تاريخ العراق: بين احتلالين. ج 5. بغداد: شركة التجارة والطباعة المحدودة، 1953.._______ تاريخ العراق: بين احتلالين. ج 8. بغداد: شركة التجارة والطباعة المحدودة، 1956. الع ف، إبراهيم خليل. "الموجة الصاخبة في الدراسات التاريخية العراقية الحديثة." الحوار المتمدن. 7 / 5 / 2016.

ف:ي yQLeki 3 / ly. bit:// https

كوثراني، وجيه. تاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012. لوغوف، جاك. التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. مراجعة عبد الحميد هنية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007. النجار، جميل موسى. دراسات في فلسفة التاريخ النقدية. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2004. هيجل، ج. ف. ف. محاضرات في فلسفة التاريخ. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1980. ولد السالم، حماه الله. دراسات في تاريخ العرب الحديث: مراجعات نقدية. بيروت: دار الكتب العلمية، 2016.