الماء والمقدّس في شمال أفريقيا خلال المرحلة الرومانية
Water and the Sacred in North Africa during the Roman Era
الملخّص
قدّس سكان شمال أفريقيا المياه في شتى أشكالها منذ بدايات الحقبة القديمة، لاعتقادهم أنها تحتضن عددًا من المعبودات القادرة على حماية المياه العذبة وضمان استمرار تدفقها، فضلًا عن قدرة بعضها على شفاء المرضى وتحقيق الخصوبة التي يرجوها سكان المدن والأرياف على حد سواء. وخلافًا للمتوقع، استمرت عبادة الآلهة المحلية في أثناء المرحلة الرومانية رغم انتشار المعبودات ذات الأصول الإغريقية - الرومانية. فقد أثبتت الدراسات التاريخية والأثرية فشل عملية التوفيق الرومانية، بل إمكانية حدوث ما يمكن تسميته التوفيق الأفريقي، القاضي باحتواء الآلهة المحلية بعض الآلهة الرومانية، من دون أن تترك أثرًا في الأولى، باستثناء الشعار المستعار من الإله الروماني، كما هو الشأن بالنسبة إلى النحت الخاص بمعبود محلي في ألثيبوروس، الذي جمع ما بين الرُّمح الثلاثي الرؤوس لإله البحر نِبْتُونُوس والثعبان الملتف حول العصا لإله الطب أيسكُولابيوس. وأظهرت أيضًا بعض المعبودات الإغريقية - الرومانية تكيفًا مع الواقع الأفريقي؛ فقد تحوّل نِبْتُونُوس من إله للبحر في المناطق الساحلية إلى إله للمنابع في المناطق الداخلية، وذلك بسبب حاجة السكان إلى إله قادر على حماية مواردهم المائية الجوفية والسطحية، وتطابقه مع واقع ديني قائم قبل المرحلة الرومانية.
Abstract
أستاذ التاريخ القديم، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض، مراكش، المغرب. Professor of Ancient History, Faculty of Letters and Human Sciences, Cadi Ayyad University, Marrakesh, Morocco. samiraitoumghar@gmail.com
- الماء
- المعبودات المحلية
- المعبودات الإغريقية
- شمال أفريقيا
- المرحلة الرومانية
- water
- Local Deities
- Greco-Roman Deities
- North Africa
- the Roman Period
| 2021 08 29 | 2021 08 29 2021 10 31 2021 11 06 DOI: https://doi.org/10.31430/NOJF2724: الرقم التعريفي كش لإ لآ ك أ * سمير أيت أومغار | Oumghar Ait *Samir لاا أفريقيا المياه في شتى أشكالها منذ بدايات الحقبة القديمة، لاعتقادهم أنها تحتضن عددًا من قدّس سكان ش المعبودات القادرة على حمية المياه العذبة وضمن استمرار تدفقها، فضلً عن قدرة بعضها على شفاء المرضى وتحقيق الخصوبة التي يرجوها سكان المدن والأرياف على حد سواء. وخلافًا للمتوقع، استمرت عبادة الآلهة المحلية في أثناء المرحلة الرومانية رغم انتشار المعبودات ذات الأصول الإغريقية - الرومانية. فقد أثبتت الدراسات التاريخية والأثرية فشل عملية التوفيق الرومانية، بل إمكانية حدوث ما يمكن تسميته التوفيق الأفريقي، القاضي باحتواء الآلهة المحلية بعض الآلهة الرومانية، من دون أن تترك أثرًا في الأولى، باستثناء الشعار المستعار من الإله الروماني، كم هو الشأن بالنسبة إلى النحت الخاص بمعبود محلي في ألثيبوروس، الذي جمع ما بين الرُّمح الثلاثي الرؤوس لإله البحر نِبْتُونُوس والثعبان الملتف حول العصا لإله الطب أيسكُولابيوس. وأظهرت أيضًا بعض المعبودات الإغريقية - الرومانية تكيفًا مع الواقع الأفريقي؛ فقد تحوّل نِبْتُونُوس من إله للبحر في المناطق الساحلية إلى إله للمنابع في المناطق الداخلية، وذلك بسبب حاجة السكان إلى إله قادر على حمية مواردهم المائية الجوفية والسطحية، وتطابقه مع واقع ديني قائم قبل المرحلة الرومانية. كلمت مفتاحية: الماء، المعبودات المحلية، المعبودات الإغريقية - الرومانية، شمال أفريقيا، المرحلة الرومانية. The people of North Africa have held water sacred in all its forms since the beginning of antiquity, believing that it embodies several deities capable of protecting fresh water and ensuring its continued flow, with several of them able to heal the sick and generate the fertility desired by both urban and rural populations. Contrary to expectations, the worship of local deities continued during the Roman period, despite the spread of Greco-Roman deities. Contrary to common belief, the worship of local deities continued during the Roman period despite the spread of deities of Greco-Roman origin. Historical and archaeological studies have demonstrated the failure of the Roman interpretatio romana process and indicated the possibility of what might be called interpretatio Africana. This means that the local gods contain few traces of the Roman gods besides borrowed emblems such as the three-pointed spear of Neptunus and the serpent wrapped around the staff of the god of medicine Aesculapius, which are combined by the sculpture of a local idol in Althiburos. As some Greco-Roman deities showed, Neptunus was transformed from a god of the sea in the coastal regions to a god of springs in the interior regions on the grounds of the population's need for a god capable of protecting their underground and surface water resources, and its conformity with a religious context that predated the Roman age. Keywords: Water, Local Deities, Greco-Roman Deities, North Africa, the Roman Period. الماء والمقدّس في شمال أفريقيا خلال المرحلة الرومانية Water and the Sacred in North Africa during the Roman Era | |||
|---|---|---|---|---|
مقدمة
بادر سكان شمال أفريقيا منذ مرحلة مبكرة إلى تقديس عدد من الآلهة المستقرة في نقط الماء المتميزة من غيرها بطبيعتها وخصائصها، مثل المياه الفائرة والمياه الساخنة والمياه الباردة والمياه ذات الحرارة الثابتة التي لا تتغير بتغير الفصول والمياه الكبريتية ومنابع الأنهار والبحيرات العميقة، إلى غير ذلك من الأشكال والأنواع الدالة بحسب القدماء على وجود كيان إلهي معيّ، وجب التقرب إليه واستعطافه للوصول إلى الأغراض المراد تحقيقها. فالمياه ليست عناصر مقدسة لذاتها، بل لاستقرار آلهة المنابع والأنهار داخلها أو بجوارها1. وعكس ما يمكن أن يُفهم من عبارة "لا وجود لمنبع لم يتم تقديسه " sacer fons enim Nullus التي أوردها سِيرويوس Servius في شرحه عبارة وردت في البيت الشعري الرابع والثمانين من الكتاب السابع من إنياذة وِيرجِليُوس Vergilius2، لم تحظ المنابع كلّها بهذه الصفة؛ فنقط الماء الموجودة خارج المجالات المأهولة كانت كريهة ومذمومة ومرعبة، لا ينجذب إليها أي شخص، خلافًا لتلك المياه الكائنة داخل المجال المأهول، والتي كانت تخضع بدورها لانتقاء سكان المدن في سياق تشكيلهم المشهد الديني، عبر اختيار بعض المنابع والبحيرات والمغارات والأنهار المتميزة والمعبّة عن علاقتهم بالفعل الإلهي داخل تراب مدينتهم أو قريتهم3. ويربط كثير من الباحثين بين عبادة آلهة المياه في شمال أفريقيا وحاجة سكان هذه المنطقة إلى المياه في نشاطاتهم الزراعية والرعوية، جاعلين من الماء مرادفًا للخصب والوفرة4. وهو واقع لا يمكن نفيه أو التقليل من أهميته، لكن الشواهد المادية الحضرية المتعلقة بعبادة آلهة الماء تشير أيضًا إلى عبيد وحرفيين وجنود وممثلين للمؤسسات العمومية الرومانية تلخصت توسلاتهم، أحيانًا، في الشفاء من بعض الأمراض أو استمرار تدفق المياه في القنوات المائية العمومية الضامنة لاستمرار المدن واستقرارها5، بعيدًا عن هواجس الإنسان القروي التي يتقاسمها وإياه بعض سكان المدن، من الملّكين للأراضي الزراعية في الأرياف القريبة منهم. وخلافًا لما قد يعتقده بعضهم، لم تختف المعبودات المحلية في شمال أفريقيا عند حلول الرومان بها، بل استمرت موجودة رغم تعويضها بآلهة رومانية مشابهة لها في وظائفها وقدراتها، فاحتفظت بطبيعتها الأصلية رغم الاسم اللاتيني الممنوح لها واللباس والشعار الرومانيين المرافقين لها في مختلف أشكال التمثيل الفني، خاصة التماثيل. فعملية التوفيق الرومانية romana interpretatio6 القاضية باستبدال خالص وبسيط للآلهة المحلية بآلهة رومانية مستوردة نادرة جدًّا، بل غير موجودة7. وفضلً عن ذلك، من الباحثين من اقترح مسارًا معاكسًا لعملية التوفيق، مشيرًا إلى احتمال وجود توفيق أفريقي أيضًا africana interpretatio، حيث يحتوي الإله المحلي إلهًا
رومانيًّا من دون أي أثر لذلك في مستوى الاسم والشكل، باستثناء شعار الإله الروماني الذي يعتبر الشاهد الوحيد على نجاح عملية الاحتواء تلك8. ومن ثمّ صار من الصعب التمييز في المعبودات المائية بين العنصر الإغريقي الروماني والعنصر المحلي والعنصر السَّامي، من غير استبعاد لإمكانية اندماج العناصر الثلاثة في إله واحد9. فما أبرز المعبودات المائية في شمال أفريقيا خلال المرحلة الرومانية؟ وما مدى تأثر المعبودات الإغريقية - الرومانية والمحلية بعضها ببعض؟ ولمن كانت السيادة والهيمنة في نهاية المطاف؟ سنجيب عن هذه الأسئلة، من خلال دراستنا كل إله على حدة، حتى تتبين لنا الاختلافات الكائنة بينها على مستوى الأصول وتطور العبادة ومجال انتشارها، والخصائص المميزة لكلّ منها رغم اشتراكها في حماية المياه والإشراف عليها.
أولً: نِبْتُونُوس الأفريقي
تعود أصول إله البحر بُوسَيدُون/ نِبْتُونُوس في شمال أفريقيا إلى ما قبل المرحلة الرومانية، فالمصادر الكلاسيكية تشير إلى عبادة بُوسَيدون ليبي - بوني وتشييد معابد خاصة به10. وفي المقابل، لا تقدم المعطيات الأثرية أيّ إفادة عن وُجود هذا الإله ضمن الآلهة القرطاجية، ومن ثمّ يصعب الحسم إن كان نِبْتُونُوس الإغريقي الروماني الممثل في بعض اللوحات الفسيفسائية هو نفسه بُوسَيدون الذي أشارت إليه المصادر. وفضلً عن ذلك، يبدو أن نِبْتُونُوس قد حلَّ في بعض المناطق الداخلية، وفقًا لعملية التوفيق الرومانية، محل گينيُوس Genius ليبي للمياه العذبة لا محل إله بُوني للبحر11. أما بخصوص التأثيرات الإغريقية الرومانية، فتبدو قوية من خلال اللوحات الفسيفسائية المكتشفة في بعض المواقع12، والتي تُقدم نِبْتُونُوس وفقًا للصورة المتداولة عنه في الأدب الإغريقي - الروماني، مثل لحظة انتصاره وهو راكب عربته المجرورة بوساطة وحوش بحرية نصفها العلوي على هيئة أحصنة ونصفها السّفلي على هيئة ثعابين بحرية، ممسكًا بإحدى يديه الرّمح الثلاثي الرؤوس الشائع استخدامه لدى صائدي سمكة التونة، وموكب مرافق له يتكون من الكائنات البحرية مثل عرائس البحر والأسماك والدلافين، كما هو الشأن في اللوحات الفسيفسائية
المكتشفة بتُوبُورْبُو مَايُوس Maius Thuburbo، وأ وثينا Uthina، وأوتيكا Utica، وكويكول Cuicul، وتمقاد Thamugadi، وغيرها من المدن13. ويبدو تأثير الأدب الكلاسيكي بوضوح في اللوحات الفسيفسائية التي يقترن فيها نِبْتُونُوس بزوجته الأمفيتريت Amphitrite الرفيقة الميثولوجية لبُوسَيدون الإغريقي، كما هو الحال في أوتيكا وكيرتا Cirta14. وقد تتضمن المشاهد الفسيفسائية مقاطع ميثولوجية يظهر فيها نِبْتُونُوس إلى جانب آلهة أخرى مثل أثينا، أو كائنات أسطورية مثل الثعبان ﭘايتون Python15. ومن الجدير بالذكر هنا غياب هذا الإله كليًّا في اللوحات الفسيفسائية المكتشفة بمختلف مواقع موريطانيا الطنجية، مقابل اكتشاف تمثال برونزي واحد له في ول لي Volubilis سنة 191816. فهل عبد سكان الشمال الأفريقي الإله نِبْتُونُوس في شكله التقليدي، أي كإله للبحر كما تعبّ عن ذلك اللوحات الفسيفسائية؟ يحذّر الباحثون من خطورة الانسياق وراء تلك الصور، فقد تم اكتشافها داخل منازل خاصة لا في المعابد. لذا، فهي بعيدة عن السياق الديني الرسمي17، ولا تعكس إلا قوة إشعاع الثقافة الإغريقية الرومانية وتأثيرها في عقليات النُّخب، أصحاب المنازل الفخمة المُزيَّنة بهذا النوع من اللوحات. لكننا متأكدون في المقابل من عبادته كإله للبحر كلما تعلق الأمر بموقع ساحلي18، إلى جانب القليل من المواقع الداخلية مثل سُوفيتولا Sufetula وصالداي Saldae ولِبكِيس مَاگنَا Magna Lepcis19. وفضلعنالفسيفساء، كشفتالتنقيباتالأثريةعنعددقليلمنالنقائشاللاتينيةالمشتملةعلىإشاراتصريحةومباشرةلنِبْتُونُوسكإلهللبحر، من بينها نقيشة دُقّة Dougga التي منحت هذا الإله لقب سيد الأمواج الهائجة وأبي عرائس البحر pater nereidumque dominus undarum20،
| الصورة(1) | |
|---|---|
| الصورة (1) فسيفساء ن ِ بْتُونُوس راكبًا عربته المجرورة بوساطة حصانين بحريين (المتحف الأثري في سوسة) المصدر: Attilio Mastino, “Neptunus Africanus: A Note,” Cartagine. Studi e Ricerche , no. 3 (2018), p. 191 , fig. 14. الصورة (2) فسيفساء ن ِ بْتُونُوس راكبًا عربته المجرورة بواسطة أحصنة بحرية في موقع تمقاد المصدر: Nacéra Benseddik, “Un autel à Neptune dans la région de Theueste (Tébessa, Algérie),” in: Bernadette C b A è G l b & C h i lff (di) d l’ d à | |
| Carbouret, Agnès Groslambert & Catherine Wolff (dir.), Visions de l’occident romain: Hommages à Yann Le Bohec , vol. I (Paris: De Boccard, 2012), p. 34 , fig. 3. |
ونقيشة سُوفيتولا (سبيطلة) التي أضافت لقبًا آخر هو مل ك الأمواج augustus pelagicus Rex، وهو لقب مرتبط بالبحر والكائنات البحرية، ويُستعمل أحيانًا إلى جانب ألقاب أخرى للإشارة إلى إله بحري21.
وفي المقابل، أماطت التنقيبات الأثرية النقاب عن عدد كبير من النقائش اللاتينية المتعلقة بن بْتُونُوس، بلغ عددها 51 نقيشة إلى حدود سنة 2007، يعود المُؤرَّخُ منها في جُلِّ الحالات إلى القرن الثاني الميلادي22. وقد عثُر على القسم الأكبر منها في المناطق الداخلية بعيدًا عن السواحل المتوسطية، وهو ما أثار استغراب عدد من الباحثين المقتنعين من خلال دراستهم لبُوسَيدون الإغريقي ونُِبْتُونُوس الإيطالي بضرورة تركز تلك النقائش قرب السواحل تماشيًا مع طبيعة هذا الإله المشرف على البحر وكائناته. ولإزالة الغموض عن هذه المسألة بادر علماء الآثار والمُتخصصون في النقائش اللاتينية والمؤرخون إلى تحليل مضامين تلك النقائش سعيًا إلى الكشف عن خصائص هذا الإله المستقر بعيدًا عن البحر، لكنها جاءت خالية من أيّ إشارة إلى العوامل المفسرة لهذا التوزيع الجغرافي الاستثنائي. فانصرف الاهتمام حينئذ إلى دراسة مواقع اكتشافها ومُقارنتها بحثًا عن أيّ خصوصيات مُشتركة، وهو ما أسفر عن ملُاحظة مهمة، تتلخص في وُجود أغلب تلك النقائش المكتشفة بالمناطق الداخلية قرب المنابع المائية، وهو ما تكشف عنه الطوبونيميا أولً، حيث يقترن موضع الاكتشاف في الكثير من الحالات بلفظ "عين" أي منبع، كما هو الشأن بالنسبة إلى عين محجُوبَة (تيتولي Tituli) وعين الحْمَادنَة وهنشير الشط Suttuensis Pagus وعين دْرِين (لامبايزيس Lambaesis) وعين زرعاية (زراي Zarai) وعين تُونگة Thignica وغيرها23. ومن بين هذه النقائش، نشير إلى واحدة تم اكتشافها في البلاد التونسية، في موقع ثابُّورا Thabbora بوادي سليانة في الطرف الغربي لسهل الفحص، على بعد 20 كيلومترًا جنوب تبرسق، اشتملت على إهداء لكل من نِبْتُونُوس وحوريات الماء الأوغسطية. ويعود تاريخ هذه النقيشة إلى المرحلة الممتدة ما بين القرنين الأول والثاني الميلاديين. أما بخصوص أهميتها، فتكمن في جمعها بين نِبْتُونُوس ومعبودات مائية أخرى هي حوريات الماء الحاميات للمنابع المائية العادية والحامات، وهو ما يؤكد اقتران هذا الإله بالمنابع والمياه العذبة، بوجه عامّ، في المناطق الداخلية24. ومن ثمّ صار من الضروري التمييز بين نِبْتُونُوس إله البحر الذي انتشرت عبادته في المناطق الساحلية، مُقتفيًا بذلك أثر بُوسَيدون الذي كان الليبيون يقدمون له القرابين بجوار بحيرة تريتونيس، ونِبْتُونُوس إله المنابع الذي اكتسب شعبية كبيرة في المناطق الداخلية25. وهي خاصية أكّد بعض الباحثين حضورها لدى نِبْتُونُوس الإيطالي بدليل تنظيم احتفالات النبتوناليا Neptunalia سنويًّا في اليوم الثالث والعشرين من شهر تموز/ يوليو26، وهي المرحلة المتميزة بارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات المطرية، ومن ثمّ الحاجة إلى ضمان الحماية من آثار الجفاف المهدد لسكان المُدن والأرياف. ويرجّح أولئك الباحثون عبادة الرومان لنِبْتُونُوس منذ البداية كإله للمنابع والمياه العذبة بسبب عدم اهتمام أوائلهم بالبحر، وهو الأمر الذي سيتغير مع حلول القرن الرابع قبل الميلاد، المتميز بتزايد أهمية التجارة والنشاطات البحرية، ومن ثمّ اكتساب نِبْتُونُوس دورًا جديدًا هو إله البحر.
وبانتقال هذا الإله إلى شمال أفريقيا، استعاد صفته الأولى؛ لا لمعرفة السكان بها، بل لحاجتهم إلى إله قادر على حماية مواردهم المائية الجوفية والسطحية، وتطابقه مع واقع ديني قائم قبل المرحلة الرومانية يتجلى في وجود معبودات مائية محلية، ستعمل آليات التوفيق الرومانية على دمجها في الإله المستورد من شبه الجزيرة الإيطالية27. وتشكل ولاية موريطانيا الطنجية استثناءً، فقد اكتشف بها تمثال برونزي واحد لنِبْتُونُوس في ول لي، يمثل الإله عاريًا وواقفًا، ممسكًا بيده اليمنى رمحه الثلاثي الرؤوس، وواضعًا قدمه اليمنى المبتورة فوق حامل مفقود هو الآخر. لكنه تمثال لا يمكن أن يُقدَّم دليلً على عبادة هذا الإله في هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك نقيشة لاتينية تم اكتشافها في تاموسيدا قرب المعبد ذي قاعات التماثيل الثلاث، وهي عبارة عن إهداء مقدَّم إلى نِبْتُونُوس الأوغسطي28. وتعود هذه النّدرة في الشواهد بحسب إحدى الباحثات إلى وجود آلهة محلية مشابهة في وظائفها وقدراتها لنِبْتُونُوس، ومن ثمّ استغنى السكان عنه29. وهو أمرٌ مستعبد إذا ما تأملنا النجاح الكبير لهذا الإله في سائر الولايات المجاورة، رغم وجود معبودات مائية محلية، تم التوفيق بينها وبينه كما سلفت الإشارة إلى ذلك. وفضلً عمّا سبق، كشفت بعض النقائش اللاتينية عن وظيفة مختلفة للإله نِبْتُونُوس هي علاج المرضى من سكان المدن والأرياف، من دون تخليه عن دوره الأساسي المتمثّل في حماية المنابع وضمان تدفق مياهها. فقد اكتشف علماء الآثار في قرية عين الحمادنة (ما بين ثهالا Thala وألثيبوروس Althiburos) مذبحًا لنِبْتُونُوس داخل منشأة استحمام، يتضمن نحتًا بارزًا له على هيئة غير مألوفة، فهو عارٍ وممسك بيده اليمنى رمحه الثلاثي الرؤوس الذي يتكئ عليه في الآن نفسه، أما بالنسبة إلى يده اليسرى فقد أمسك بها عصًا التفّ حولها ثعبان، علمًا أنها الرمز الخاص بإله الطب أيسكُولابيوس Aesculapius، وهو ما يعني دمجه بين حماية المنبع وعلاج المرضى المترددين على منشأة الاستحمام للاغتسال بمياهها. وتُعدّ هذه الوضعية استثنائية، ونجد حالات قليلة شبيهة بها في كل من عين الغيلان وهنشير سُومَا رأس العيون قرب ثوِسْتِي Theueste وتمقاد وأكواي ثبلِتَانَايْ/ حمّام المسخوطين Thibilitanae Aquae30. وفي الأخير، نشير إلى خاصّية رابعة لهذا الإله، تميزت هي الأخرى بندرة الشواهد الدالة عليها، ويتعلق الأمر بقدرة نِبْتُونُوس على إخصاب الأرض وحماية المراعي، ولعل ذلك راجع إلى سيادته على المنابع والمياه السطحية الضرورية لأشغال الري31. ففي إحدى النقائش الإغريقية المكتشفة بموقع ثابسوس Thapsus، اقترن اسمه بنعت "إله الخصوبة"32. كما اشتملت إحدى النقائش اللاتينية في منطقة ثهالا، تحديدًا بعين هدية (هنشير الرُّومية) على اللقب التالي: deus Crementi. ويعني هذا اللقب سيادة هذا الإله على النبات
| الصورة(3) | |
|---|---|
| الصورة (3) نقش بارز لن ِ بْتُونُوس إله المنابع والطب في عين الحمادنة | |
| المصدر: 10. fig , 185. p , Mastino. |
الصورة (4) نقش بارز لنِبْتُونُوس إله المنابع والطب في عين الحمادنة
المصدر: 4. fig , 35. p , Benseddik.
وضمان نُموّه33، وهو ما يكشف عن أهميته ومدى تقدير سكان المدن والأرياف له على حد سواء؛ بالنظر إلى سيادته على البحر من جهة، والمنابع والمياه السطحية من جهة أخرى.
ثانيًا: حوريات الماء
تُعدّ حوريات الماء Nymphae من أكثر المعبودات المائية شعبية لدى الإغريق والرومان؛ فالشواهد المتصلة بعبادتهن كثيرة جدًّا مقارنة بنِبْتُونُوس. ويدل اسمهن، بحسب عدد من الباحثين، على الفتاة الشابة المقبلة على الزواج؛ ولذلك ثمّة في أغلب الأحيان صلة بطقس شعبي، يقضي بتوجه بعض الفتيات في موكب احتفالي إلى منبع معيّ لجلب الماء المخصص لاستحمام العروس قبل عقد قرانها34. ويتم التمييز فيهن عمومًا بين مجموعات متنوعة، من بينها حوريات المنابع (المياه العذبة)، وحوريات الجبال والمغارات، وحوريات
الغابات والبراري35. أما بخصوص شكلهن، فغالبًا ما يتم تشخيصهن في اللوحات الفسيفسائية على هيئة فتيات جميلات في ريعان شبابهن، واقفات أو جالسات، عاريات أو نصف عاريات36. وقد مثّل بعضهن أمهات لأبطال محليين توليّن تنشئتهم وهم صغار السن، ومثّلت بعضهن الآخر مصدرًا للخوف والقلق، لما يُروى عنهن من خطف الأطفال وقتلهم أحيانًا، زيادة على تسببهن في جنون كل من تجرأ على اختلاس النظر إليهن أثناء النهار. أما المياه الواقعة تحت سيادتهن وإشرافهن، فهي مياه المنابع والحامات على وجه الخصوص، والتي كانت من اختصاصهن في مختلف أنحاء العالم الروماني، باستثناء شمال أفريقيا؛ حيث سيعمل نِبْتُونُوس على سلبهن وظيفتهن تلك باعتباره إلهًا لكلّ المياه العذبة السطحية والجوفية37، وهو ما تعبّ عنه بوضوح النقائش اللاتينية المكتشفة، التي تجاوز عدد المتعلق منها بنِبْتُونُوس خمسين نقيشة، مقابل ست عشرة نقيشة فقط بالنسبة إلى الحوريات38، تتوزع جغرافيًا على النحو التالي: عشر نقائش في نوميديا، وأربع نقائش في أفريقيا البروقنصلية، إضافة إلى نقيشتين اثنتين تتوزعان على كل من موريطانيا القيصرية وموريطانيا الطنجية. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى عثور علماء الآثار على النقائش النوميدية العشر كاملة في موقع واحد هو حامة أكْوَاي فلاوْيَاناي Flavianae Aquae المتميزة بمياهها الصّودية والمحمّلة بالكلور، والتي استعملها الرومان منذ سنة 76 م، حينما شيّد الفيلق الثالث الأوغسطي منشأة استحمام بها39. أما بالنسبة إلى حضورهن في الفسيفساء، فيتسم على النقيض مما سبق بالكثافة والتنوع، حتى إن بعض المنازل الرومانية نالت شهرتها من صور الحوريات المكتشفة بها. وتشتمل تلك اللوحات - المجرّدة من أيّ قيمة دينية - على مشاهد ميثولوجية، مثل أسطورة الصيّاد والبطل أكتيون Actéon الذي فاجأ أرتمِيس/ ديَان وهي تستحم في نافورة صحبة حوريات الماء، فحوّلته عقابًا له على هذا الفعل إلى أيْلٍ، لتطارده حينئذ كلاب الصيد التابعة له حتى تمكنت من قتله والتهامه40؛ وأسطورة اختطاف الأمير هيلاس Hylas على يد حوريات الماء، حينما توقف صحبة بحّارة الأرْجُو في منطقة بيثينا شمال غرب آسيا الصغرى، لجلب الماء من الشلال41. وفضلً عن
الوظيفة الجمالية لهذه اللوحات الفسيفسائية، أشار بعض الباحثين إلى وظيفتها الوقائية المحتملة التي أمكن استنتاجها من لوحات فسيفسائية في كل من ألثيبوروس ومدينة سوسة42. وتتجلى وظيفة الحوريات الأساسية في حماية المنابع والإشراف عليها، وحدهن أو بمعية آلهة أخرى مثل نِبْتُونُوس43، كما هو الحال في ثابُّورا44، أو گينيُوس المكان loci Genio، كما هو الحال في عين شقور قرب ول لي؛ حيث أشرنا إلى غياب نِبْتُونُوس45. ومن بين العناصر المؤكدة لذلك، اكتشاف الآثار الدالة على عبادتهن في الحامات والمنابع العادية وهياكل الحوريات، بل احتفاظ عدد من المواقع الأثرية، حيث اكتشفت تلك الشواهد، باسم "عين"؛ مثل عين موسى قرب سطيف، وعين شقور قرب ول لي، فضلً عن تكوُّن جلّ الإهداءات المقدمة لهن من قنوات مائية وسقايات وهياكل للحوريات، ربما لرغبة أصحابها في ضمان حمايتها واستمرار تدفق المياه بها46. وإضافة إلى ما سبق، أسند بعض الباحثين وظيفة أخرى لحوريات الماء هي علاج المرضى، بدليل عثور علماء الآثار على القسم الأكبر من النقائش في حَامَات ذات خصائص استشفائية أبرزها حامة أكْوَاي فلاوْيَاناي التي أفرجت عن تماثيل لإله الطب أيسكُولابيوس وابنته هيگيا Hygia47. ومن جهة أخرى، أبانت النقائش عن انتماء الأشخاص القائمين بعبادة حوريات الماء إلى النخبة المتشبعة بالثقافة الرومانية مثل الجنود وممثلي الإدارة الرومانية، مقابل غياب الفئات الاجتماعية الأقل رومنة. ومن العلامات الدالة على ذلك غياب النّعوت المحلية للحوريات على مستوى النقائش اللاتينية، واقتران أسمائهن بنعوت رومانية؛ مثل القدّيسة Sanctissimae، الفلاوية Flavianae، والسبتمية Septimianae، والأوغسطية Augustae. ولعل هذا ما يفسّ محدودية انتشار عبادتهن في ولايات الشمال الأفريقي، مقارنةً بنِبْتُونُوس الذي دانت له كافة الفئات الاجتماعية، زيادة على احتمال انعدام آلهة أنثوية للمنابع في الواقع الديني المحلي السابق على الوجود الروماني، ومن ثمّ صعوبة حدوث عملية التوفيق الرومانية48.
ثالثًا: أيسكُولابيوس وهيگيا
تجمع نصوص الميثولوجيا الكلاسيكية على أنّ أيسكُولابيوس ابنٌ للإله أبولون Apollon من المرأة الفانية كُورونيس Coronis. وبعد وفاة هذه المرأة، عهد والده بتربيته إلى السِّنتُور كَايْرُون Chiron، الذي تولى تلقينه الطب، حتى صار بارعًا فيه، بل قادرًا أيضًا على إحياء الموتى. ومن بين الرموز المميّزة لأيسكُولابيوس من سائر الآلهة الإغريقية الرومانية الكلب والثعبان؛ ويعود ذلك إلى قدرتهما على
| الصورة(5) | |
|---|---|
| الصورة (5) فسيفساء أكتيون والإلهة ديَان صحبة حوريات الماء المصدر: منزل وينوس بول لي. الصورة (6) فسيفساء اختطاف الأمير هيلاس على يد حوريات الماء الم الم | |
| المصدر: المرجع نفسه. |
الصورة (7) النقيشة اللاتينية على المذبح المكرّس لنِبْتُونُوس وحوريات الماء الأوغسطية في ثابُّورَا Thabbora
المصدر: Moheddine Chaouali, "Le culte de Neptune et des Nymphes dans la Civitas Thabborensis (Pertica Carthaginensium)," Cahiers du Centre Gustave-Glotz , no. XXVIII (2017), p. 98 , fig. 2 - 3.
استشعار الأوبئة قبل انتشارها. لكننا لا نجد للكلب أي أثر في المنحوتات الخاصة بهذا الإله في شمال أفريقيا، مقابل الحضور المستمر للثعبان الملتفّ على العصا. أما بخصوص ابنته هيگيا، فقد كانت ربّة للصحة على منوال والدها. ورغم اختلاف منحوتاتها من منطقة إلى أخرى، فهي تشترك في وجود الثعبان سواء كانت ممسكة به في يدها، أو متمسّكًا بكتفها أو ملتفًّا على عنقها. ونظرًا إلى دور أيسكُولابيوس وابنته في حفظ الصحة وعلاج المرضى ودفع الأمراض والأوبئة، حرص الرومان على وضع تماثيل لهما في الحمامات والحامات بسبب الارتباط الوثيق بين الاستحمام بالماء والحفاظ على الصحة49.
وقد نشأت عبادة أيسكُولابيوس وابنته هيگيا في بلاد الإغريق، حيث انتشرت انطلاقًا من إﭘيدور Épidaure منذ القرن الخامس قبل الميلاد. وبسبب فاعليته ضد الأوبئة، كانت المدن المهدَّدة بها تلجأ إليه رسميًّا، مشيّدة له المعابد أملً في مساعدته لها على تجاوز تلك الأزمات، كما هو الحال بالنسبة إلى روما التي اجتاحها وباء سنة 291 ق.م.، فأرسل مجلس الشيوخ سفارة إلى إﭘيدور المركز الرئيس لعبادة أيسكُولابيوس، سعيًا وراء نجدته للمدينة، كما شيّدت له معبدًا بها ضمانًا لاستدامة حمايته لها50. ومن روما ستنتشر عبادته في أنحاء الإمبراطورية كلّها، بما في ذلك شمال أفريقيا، بفضل الجنود الدائمي التنقل ضمن فيالقهم العسكرية من شمال حوض البحر الأبيض المتوسط إلى جنوبه. ويعود تخصيصهم دون غيرهم بنقل عبادة أيسكُولابيوس إلى شمال أفريقيا إلى الشعبية الكبيرة التي اكتسبها هذا الإله وابنته لديهم، لقدرتهما على إنقاذهم من الموت وشفائهم من الجروح الناتجة من المعارك. ومن بين الشواهد الدالة على هذا الارتباط القوي بين الجنود من جهة وأيسكُولابيوس وابنته هيگيا من جهة أخرى، تشييد الفيلق الثالث الأوغسطي معبدًا ضخمًا لهما في لامبايزيس، تحوّل تدريجيًّا إلى مركز طبي عسكري شاسع بعدما تمّت توسعته وإلحاق آلهة جديدة ذات قدرات علاجية به، فضلً عن العدد الكبير من الإهداءات المقدمة من جنود الجيش الروماني للإله وابنته في حامة أكْوَاي فلاوْيَاناي المتميزة بخصائصها الاستشفائية، والتي شيّد بها الفيلق الثالث الأوغسطي منشأة استحمام سنة 76 م51. وعلى غرار نِبْتُونُوس، تمّ التوفيق خلال المرحلة الرومانية بين أيسكُولابيوس وإشمُون Eshmun، وهو إله ذو أصول فينيقية بُونية بسط حمايته على قرطاجة والمناطق التابعة لها، وتمّت عبادته بصفته إله الطب والصحة، كما تدل على ذلك أسماء الأعلام المركّبة انطلاقًا من اسمه، والتي جعلت منه منقذًا وحاميًا وحارسًا ومحرِّرًا. لكنّ هناك مدنًا في شمال زوگيتانا Zeugitana مثل بُلَّ رِيجيا Bulla Regia وهيبو ديَارتُوسِDiarhytus Hippo اختارت التوفيق بين إشمون وأبولون والدُ أيسكُولابيوس، المعروف في الأدبيات الكلاسيكية بالطبيب Medicus، مقلّدة بذلك أوتيكا لمَّا كانت عاصمة لولاية أفريقيا القديمة بعد تدمير قرطاجة سنة 146 ق.م.52. وهناك حالة ثالثة تعكس تشبث بعض الكهنة بعبادة أيسكُولابيوس الأصلي المنحدر من إپيدور الإغريقية، ورفضهم التوجه في توسلاتهم إلى الإله الناتج من عملية التوفيق الرومانية. ففي گمَّارث Gammarth (شمال شرق مدينة تونس)، اكتشف مذبح أهداه كاهن كُوب لي Cybèle وأتِّيس Attis خلال القرن الثاني الميلادي لأيسكُولابيوس الإپيدوري Epidauro ab Aesculapio، مؤكدًا بصفة غير مباشرة اكتساب إله الطب والصحة في بعض المناطق الطابع الأفريقي، وعدم اكتمال عملية التوفيق بين أيسكُولابيوس وإشمُون في مناطق أخرى53. لكن سواء تعلّق الأمر بأيسكُولابيوس الإغريقي أو أيسكُولابيوس الأفريقي، فقد بسطا حمايتهما معًا على بعض الحمامات العمومية والحامات المتميزة بمياهها الاستشفائية، كما هو الحال بالنسبة إلى حامة أكْوَاي فلاوْيَاناي المُتسِمة بالحُضور المُكثف للإله وابنته، والحَامة الفارسية أكْوَاي بِرسْينَاي، وحامة جبل الوسط، زيادة على تزيين مختلف حمامات مدينة شرشال وحمّام هادريانوس لِبْكيس مَاگنَا بصورهما
ومنحوتاتهما، بل تشييد معابدهما قرب نقط الماء. كما استخدمت مياه الوحي داخل الحرم في علاج المرضى داخل تلك المعابد، من خلال استحمامهم بها قبل خلودهم إلى النوم الطقوسي. ومن ثمّ وجب اعتبار الماء ثابتًا من الثوابت المصاحبة لعبادة أيسكُولابيوس54. وتتوزع الشواهد الأثرية المتصلة بعبادة أيسكُولابيوس وابنته على ثلاث مجموعات متباينة، هي: المدن الأمازيغية البونية القديمة في ولاية أفريقيا البروقنصلية، والمراكز المشيّدة على طول مسالك الرّومنة، والحامات في ولايتَي البروقنصلية ونوميديا، إضافةً إلى تباينها من ولاية رومانية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى داخل الولاية الواحدة، وتراجعها، بوجه عامّ، كلمّا اتجهنا صوب الغرب (نحو موريطانيا القيصرية وموريطانيا الطنجية). ففي أفريقيا البروقنصلية، يظهر أيسكُولابيوس وحيدًا أو رفقة كايلستيس Caelestis، ونادرًا ما تُستحضر ابنته هيگيا، خلافًا لولاية نوميديا المتميزة بعبادتهما معًا. أما موريطانيا القيصرية، فتتسم بالحضور الخافت والضعيف لهذا الإله وابنته إذا ما استثنينا العاصمة، وهي وضعية شبيهة إلى حد ما بموريطانيا الطنجية، حيث اقتصرت الآثار المتعلقة بأيسكُولابيوس على تمثالين اثنين اكتشفا في ول لي وبناصا Banasa، على نحو يكشف انعدام شعبية هذا الإله في هذه الولاية. ويعود هذا التباين في عبادته إلى الظروف المحلية الجغرافية والاجتماعية، فهو رهين في انتشاره بوضعية سوسيو-اقتصادية قوامها حياة الاستقرار، وقوة التأثيرات الإغريقية الرومانية، وكثافة الساكنة الحضرية ودرجة الرومنة، زيادة على إمكانية وجود معبودات مورية حالت دون انتشار عبادته في الموريطانيتين55. وفضلً عمّا سبق، كشفت النقائش اللاتينية المتصلة بأيسكُولابيوس وابنته عن هيمنة فئة الجنود والموظفين ومختلف المستخدمين في الإدارة الرومانية على بنية الأشخاص القائمين بعبادتهما، مانحين بذلك طابعًا رسميًّا لهذه العبادة، بعيدًا عن الشعبية الكبيرة التي اكتسبها إله البحر والمنابع نِبْتُونُوس. فقد أثارت مجموعة من الباحثين الانتباه إلى الصمت الإبيغرافي المطبق للطبقات الشعبية من سكان الشمال الأفريقي حول عبادتهم لهذا الإله، وهو ما يدل على انتشاره المحدود داخل المجتمع56. فهل توجهت الفئات الشعبية إلى آلهة أخرى للتطبيب والصحة بدلً من أيسكُولابيوس؟ تشير الشواهد الأثرية المكتشفة، حتى الآن، في بعض المواقع، إلى وجود آلهة محلية تحلّت بخصائص أيسكُولابيوس ونافسته فيها خلال المرحلة الرومانية؛ من أبرزها الإله ماكورگوم Macurgum. ففي سنة 1947، اكتشف نقش بارز من الكلس في مدينة واگا Vaga (باجة حاليًّا في تونس) شمال ولاية زوگيتانا، غير بعيد عن موقع يسمى سبع رگود، تم تأريخه بالقرن الثالث الميلادي. وقد اشتمل على منحوتات لسبعة آلهة محلية مجاورة لبعضها أمام بساط تمّ تثبيته ببعض أشجار النخيل. ويتألف في طرفيه من فارسين، هما مَاكُورتَام Macurtam ويُونَام Iunam، واقفين خلف فرسيهما. أمَّا الشخصية المركزية في النقش، فهي بُونكور Bonchor الذي يبدو سيّدًا لهذا البانثيون، تحيط به إلهتان، تدعى الموجودة على يساره وَارْس يسِّما Varsissima وهي مكسوّة بمعطف، أما الإلهة الموجودة على يمينه فتدعى وِيهِينَام Vihinam وتحمل في يديها ملقاطًا للجنين زيادة على وجود طفل عند قدميها. وفي اليمين يوجد
| الصورة(8) | |
|---|---|
| الصورة (8) تمثال أيسك ُ ولابيوس في شرشال Caesarea المصدر: | |
| Nacéra Benseddik, “Esculape et Hygie: Les cultes guérisseurs en Afrique,” Pallas , no. 68 (2005), p. 286 , fig. 1. |
| الصورة(9) | |
|---|---|
| الصورة (9) تمثال أيسك ُ ولابيوس في لامبايزيس المصدر: | |
| LARNA - Lived Ancient Religion in North Africa (Page officielle Facebook). |
الإله ماكورگوم جالسًا ومرتديًا قميصًا طويلً، وممسكًا بيده اليسرى عصًا قصيرة التفّ عليها ثعبان. أما يده اليمنى، فقد أمسك بها لفافات ورقية (ك تَاب) ووضعها على ركبته. ويوجد في ناحية يسار الإلهة وَارْسِيسِّما إله آخر يدعى ماتيلام Matilam تم تمثيله وهو بصدد الإشراف على تقديم كبش قربانًا. وفضلً عن ذلك، يتكون القسم السفلي في اللوحة من سطرين تضمّنا الأسماء الليبية أو البونية للآلهة، واسمَي شخصين رومانيين قدّما هذا النقش البارز إلى الآلهة السبعة. ولعل ما أثار انتباه الباحثين في هذا النقش الفريد من نوعه، هو حمل ماكورگوم العصا والثعبان، وهما الرمزان الخاصّان بإله الطب والصحة أيسكُولابيوس، زيادةً على جلوسه عن قصد، أو مصادفة، بجوار وِيهِينَام إلهة الولادة والخصوبة والخلود، وهو ما يؤكد كونه إلهًا للطب والصحة، ربما تولى ملء الثغرات التي تركها أيسكُولابيوس المعبود لدى النخب الرومانية57. ومن جهة أخرى، اكتُشف نحت غائر قرب ثوِسْتِي يتضمن تمثيلً لمعبود محلي عارٍ، برأس غير متناسب في حجمه وشكله مع سائر الجسد، وعينين جاحظتين، وذراعين ورجلين قصيرتين، وعضو ذكري بارز، وهو ممسك في يسراه برمح ثلاثي الرؤوس وفي يمناه بسمكة (دلفين؟) على شاكلة نِبْتُونُوس، إضافة إلى وجود ثعبان واقف في جانبه الأيمن وقد وضع رأسه على الكتف اليمنى لهذا الإله، في تقليد واضح للإله أيسكُولابيوس. وعلى هذا، وجب اعتبار هذا المعبود إلهًا محليًّا للمنابع والصحة في الآن نفسه، ولعله حلّ محلّ كل من نِبْتُونُوس وأيسكُولابيوس في المناطق التي رفضت استبدال معبوداتها المحلية بآلهة مستوردة من الحضارتين الإغريقية والرومانية58. وهو شبيه في شكله بإله آخر تم الكشف عنه في عين الحمادنة بأفريقيا البروقنصلية، حمل بدوره عصًا التفّ عليها ثعبان59. وقد كشفت الحفريات الأثرية في الحي الجنوبي ببناصا عند مدخل أحد المعابد، أيضًا، عن نقش بارز لإله عارٍ وواقف بين عمودين يحملان عضادة أفقية مزيّنة بخمسة أشرطة أفقية، يحمل في يده اليمنى عصًا طويلة، ويضع يده اليسرى على شيء مُتلَوٍّ يشبه الثعبان. لعله معبود آخر من تلك المعبودات المحلية ذات القدرات العلاجية التي عرقلت انتشار عبادة أيسكُولابيوس في موريطانيا الطنجية60.
رابعًا: الگينيُوس
تشير مجموعة من النقائش اللاتينية في الأرياف، على وجه التحديد، إلى الگينيُوس الذي عُبد في الجبال والكهوف والمنابع والحامات، حيث تنبثق الينابيع الحارة أو الباردة المعروفة بخصائصها الاستشفائية. ومن الخصائص المميّزة له من غيره من الآلهة الحامية للمنابع، عدم اشتماله على شخصية أو شكل محدّد، وتجرّده من كل اسم خاص به، مع إمكانية التمييز بين هذا أو ذاك بواسطة
الصورة (10) الآلهة المحلية السبعة في النقش البارز المكتشف قرب مدينة واگا
المصدر: Muḥammad Fanṭar, De Carthage à Kairouan: 2000 ans d’art et d’histoire en Tunisie: Livre d’exposition organisée au musée du Petit Palais de la ville de Paris, 20 octobre 1982 - 27 février 1983 (Paris: Ministère des relations extérieurs, Association française d’action artistique, 1982), p. 114 , fig. 161.
الاسم الجغرافي المضاف إلى لفظ گينيُوس61. ومن أبرز النماذج المعروفة له في شمال أفريقيا خلال المرحلة الرومانية نذكر: گينيُوس أكوَاي ترَايَانَاي Traianae Aquae (حمام سيالة) البعيدة عن مدينة واگا بحوالى ستة كيلومترات، والتي عثُر فيها على نقيشة لاتينية تعود إلى نهاية القرن الأول الميلادي ومطلع القرن الثاني الميلادي، تضمنت إشارة إلى هذا الگينيُوس على النحو التالي: Aquarum Genius Traianarum62. وگينيُوس أكوَاي سِيرنسْيُومِSirensium Aquarum Genio في موريطانيا القيصرية، وقد تم التعرف إليه من خلال إهداء قدّمه الديكوريون بُوركيُوس كْوِينتُوس Quintus Porcius سنة 242 م63. وفي نواحي مدينة سيلا Sila تمّ الكشف بالقرب من منبع
الصورة (11) النقش الغائر للمعبود المحلي في ثوِسْتِي
. Benseddik , " Esculape et Hygie ," p. 288 , fig. 3 المصدر:
الفرعين الرئيسين المكوِّنيَن ل "واد الرّمال" - "واد الكبير" (نهر الأمبساگا Ampsaga) عن نقيشة لاتينية تتضمن نص إهداء إلى گينيُوس
.64Genio fluminis Caput Amsagae منبع نهر الأمبساگا
وبالقرب من سقاية القايد في نواحي مدينة باتنة، اكتشفت نقيشة أخرى تم التوسل فيها إلى گينيُوس النافورة Fontis Genio65. ثم هناك گينيُوس المكان في عين شقور قرب ول لي، وقد اقترن في إحدى النقيشتين المكرَّستين له بحوريات الماء66.
خامسًا: كَايْلِستِيس
تعدّ كايلستيس من أهم آلهة شمال أفريقيا خلال المرحلة الرومانية، فقد أحكمت سطوتها على كل من السماء والأرض، زيادة على عالم الأموات. وسيرًا على منوال عدد من الآلهة الرومانية التي خضعت لعملية التوفيق الرومانية مع الآلهة المحلية، تم دمج كَايْلِستِيس
الصورة (12) نقيشة گينيُوس منبع نهر الأمبساگا
.. Benseddik , " L ' eau et le sacré ," p. 191 , fig. 1 المصدر:
مع تانيت الرّبة الحامية لقرطاجة الأولى، لتصير بذلك الإلهة الرئيسة لمدينة قرطاجة الرومانية67. وتكمن علاقتها بالماء في قدرتها على جلب المطر عند حاجة الناس إليه، فقد وصفها تيرتوليانوس Tertullianus في كتابه أبلُوجيتكوم Apologeticum ب "جالبة المطر" Pluuiarum Pollicitatrix68، كما اكتشفت نقيشة لاتينية في نرگَرَّا Naraggara (سيدي يوسف حاليًّا) بولاية أفريقيا البروقنصلية، تعود إلى القرن الثالث الميلادي69، تشير إلى قدرة الربة يُونُو - كَايْلِستِيس Caelestis Iuno على جلب المطر70.
ومن الفرضيات المثيرة بخصوص كَايْلِستِيس الربط بينها بصفتها ربّةَ المطر، وبين حدث تشييد، أو إعادة تهيئة، هيكل الحوريات في زغوان وهيكل جوقّار (في أفريقيا البروقنصلية). فقد اكتشفت قطع نقدية ذهبية وفضية وبرونزية جرى سكّها في قرطاجة زمن حكم الإمبراطور سِبتِمُوس سوِيرُوس (193 - 211 م) Severus Septimus، تتضمن الكتابة التالية: Carthaginem in. Augg indulgentia، وفي الوجه الآخر لها صورة للإلهة كَايْلِستِيس ممتطية أسدًا وحاملة في يديها الصاعقة والصولجان، وأسفلها صخرة أو رأس يتدفق منه الماء. وقد سلفت الإشارة إلى كون كَايْلِستِيس ربّة حامية لقرطاجة الرومانية. أما الماء المتدفق، فلعله يرمز إلى المنشآت المائية المذكورة آنفًا، والتي ربما تقرّر الاحتفاء بها من خلال إصدار هذه القطع النقدية. ولنا أن نتخيل في هذا السياق دور هذه الرّبة في حماية المدينة ومنشآتها وجلب المطر الضروري لاستمرار تدفق المياه من منابع زغوان وجوقّار71.
سادسًا: أوكيانُوس
يعدّ أوكيَانُوس Okéanos واحدًا من أقدم الآلهة الإغريقية الرومانية، ويمثل بحسب النصوص الميثولوجية نهرًا كبيرًا يحيط بالعالم ويحدُّه كما تصوَّره الجغرافيون خلال الحقبة القديمة. وقد أنجب من زواجه بت يتِس Téthys الأنهار المعروفة في العالم القديم كلّه؛ ولذا، صار أبًا للأنهار والمياه بمختلف أنواعها كلّها72. وعلى خلاف سائر المعبودات المائية، لم يحظ هذا الإله بعبادة خاصة به، ولم يُعثر على أي منحوتة له، فضلً عن ندرة النقائش اللاتينية التي لا تتعدى واحدةً تم اكتشافها في ثيليبتي Thelepte73. وفي المقابل، تم العثور على عدد كبير من اللوحات الفسيفسائية المشتملة على صور لوجهه، والتي رجّح عدد من الباحثين توظيفها لأغراض وقائية من العين والحسد والشّ قد تهدد الأشخاص والأبنية معًا. لهذا السبب، جرت عادة متمثّلة في وضع صورة وجهه عند عتبات المنازل كما هو الحال في قرطاجة، أو في زوايا وأطراف اللوحات الفسيفسائية كما هو الحال في ألثيبورُوس. وقد نجده أحيانًا أخرى في مركز هذه اللوحات كما هو الشأن بالنسبة إلى فسيفساء عين تِمُوشنت وفسيفساء حمّام المسرح المدرَّج- حلبة المصارعة في ليكسوس Lixus، وغيرها من اللوحات الكثيرة المحفوظة في المواقع الأثرية والمتاحف. لكنها تبقى في مجموعها بعيدة عن السياق الديني الرسمي لعدم اكتشافها داخل المعابد، بل داخل المنازل ومنشآت الاستحمام الخاصة والعمومية؛ ولهذا من الصعب قبولها أدلةً على عبادة أوكيَانُوس في شمال أفريقيا خلال المرحلة الرومانية. تكشف الدراسة الأركيوتاريخية للمعبودات المائية في شمال أفريقيا، خلال المرحلة الرومانية، عن استمرارية المعتقدات المحلية وتأقلمها بدرجات متفاوتة مع المستجد الديني في المنطقة، من دون أن تندثر بسبب الاكتساح الثقافي الروماني، فضلً عن تمكنها في عدد من الحالات من التأثير في المعبودات الإغريقية - الرومانية التي صارت تتخذ أشكالً جديدة وتؤدي وظائف مستحدثة، تماشيًا
الصورة (13) فسيفساء أوكيَانُوس (منتزه الفسيفساء في شرشال)
المصدر: Sabah Ferdi, “Les images de l’eau dans les mosaïques antiques de l’Algérie,” in: Selma Hellal & Burhan Eddine El Mounir Bencharif (dir.), Le patrimoine de l’eau en Algérie: Mémoire & permanence (Alger: AREA-ED [Barzakh], 2011), p. 207.
مع خصوصيات المجال الأفريقي. لقد أدت عمليتا التوفيق الرومانية والأفريقية إلى حدوث تداخل كبير في المعتقدات، إلى حدّ أنه صار يصعب التمييز داخلها بين المحلي والمستورد، خاصة أنه ليس ثمّة إلا عدد قليل من الشواهد المكتوبة والأثرية بخصوص المعبودات المحلية السابقة للاحتلال الروماني.
المراجع
References
العربية
البرينسي، عبد اللطيف. "رحلة حنون: دراسة وتحقيق". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ القديم. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. فاس، 1989 - 1990.
بل الفايدة، عبد العزيز. معلمة المغرب، ج 11: الحوريات. سلا: مطابع سلا، 2000.
غازي، حليمة. نقائش لاتينية لموريطانيا التنگية. سلسلة دراسات وأبحاث 24. الرباط: منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، 2011. قنينبة، زهراء. "الماء من خلال فسيفساء المغرب القديم". دعوة الحق. العدد 392 (أيار/ مايو 2009).
________. "الماء من خلال مصادر المغرب القديم الأثرية". مجلة البادية المغربية. العدد 3 (2009).
الماء في تاريخ المغرب. سلسلة ندوات ومناظرات 11. القنيطرة: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999.
المواقع الأثرية في منطقة الغرب بين البحث العلمي والبعد التنموي، أعمال الندوة المنظمة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة يومي 23 و 24 نوفمبر 2005. سلسلة ندوات ومناظرات 9 (القنيطرة: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007).
الأجنبية
Alexander, Margaret A. & Mongi Ennaifer (dir.). Corpus des mosaïques de Tunisie. Tunis: Institut national
d'archeologie et d'arts, 1973.
Bazzana, André & Hamady Bocoum (dir.). Du nord au Sud du Sahara: Cinquante ans d'archéologie française:
Bilan et perspectives: Actes du colloque, Paris, 13 - 14 mai 2002. Paris: Éditons Sépia, 2004.
Belfaida, Abdelaziz. "Culte des eaux en Afrique du nord à l'époque romaine." Le jardin des Hespérides. no. 1
________. L'eau au Maghreb antique: Entre le sacré et le profane. Nacéra Benseddik (Preface). Rabat: Rabat Net,
Belkamel, Bidaouia. "Histoire de la médecine au Maroc antique." Histoire des Sciences Médicales. vol. XXVI,
no. 4 (1992).
Ben Abdallah, Zeineb & Liliane Ennabli. "Caelestis et Carthage." Antiquités africaines. vol. 34 , no. 1 (1998).
Ben Abed, Aïcha et al. "Jebel Oust [Jbel al Wost] (Tunisie)." Mélanges de l'École française de Rome. Antiquité.
vol. 113 , no. 1 (2001).
Ben Mansour, Saïda. "Diane et Actéon." Africa. no. 13 (1995).
Benseddik, Nacéra. "Un nouveau témoignage du culte de Tanit-Caelestis à Cherchel?" Antiquités africaines.
no. 20 (1984).
________. "Esculape et Hygie en Afrique: Classicisme et originalité." Antiquités africaines. no. 33 (1997).
________. "Esculape et Hygie: Les cultes guérisseurs en Afrique." Pallas. no. 68 (2005). Actes du Colloque de la
SOPHAU. Poitiers. 1 - 3 / 4 / 2005.
________. "L'Asclépieium de Lambèse: Esculape, Hygie, Jupiter… et le légat de la III e légion Auguste." IX e
colloque international sur l'histoire et l'archéologie de l'Afrique du Nord antique et médiévale. Lieux de
cultes: Aires votives, temples, églises, mosquées, Tripoli, 19 - 25 / 2 / 2005. Préface de Jean-Luc Sibiude, série
études d'antiquités africaines. Paris: Éditions du Centre National de la Recherche Scientifique, 2008.
________. "Asklépios, Eshmun mais encore...." Bolletino di Archeologia on line I. vol spéciale A/ A 2 / 3 (2010).
________. Esculape et Hygie en Afrique: Recherches sur les cultes guérisseurs. Mémoires de l'Académie des
inscriptions et belles lettres 44. vol. I. Paris: Académie des inscriptions et belles lettres, 2010.
Boube-Piccot, Christiane. Les Bronzes antiques du Maroc, I: La statuaire (Texte). Études et travaux d'archéologie
marocaine IV. Rabat: Direction des monuments historiques et des antiquités, 1969.
Bourgeois, Claude. "Note sur le culte de l'eau en Afrique." Bulletin Monumental. vol. 151 , no. 1 (1993).
Brahmi, Néjat. "Volubilis: Approche religieuse d'une cité de Maurétanie Tingitane (Milieu I er - fin III e siècles apr.
J.-C.)." vol. I. Thèse pour obtenir le grade de docteur, Université du Maine-Le Mans. U.F.R Lettres. langues
et sciences humaines, 2008.
Bridoux, Virginie (dir.). Contrôle et distribution de l'eau dans le Maghreb antique et médiéval. Collection de
l'École Française de Rome 426. Rome: École Française de Rome, 2009.
Cadotte, Alain. "Neptune Africain." Phoenix. vol. 56 , no. 3 - 4 (Autumn-Winter 2002).
________. La romanisation des dieux: L'interpretatio romana en Afrique du Nord sous le Haut-Empire.
H. S. Versnel, D. Frankfurter & J. Hahn (eds.). Collection Religions in the Graeco-Roman World 158. Leiden/
Boston: Brill, 2007.
Caillat, Philippe. "Extrait d'une note sur la restauration de l'ancien Aqueduc de Carthage." Revue Archéologique.
vol. 26 (1873).
Camps, Gabriel. "L'inscription de Béja et le problème des Dii Mauri." Revue Africaine. vol. XVCIII, no. 440 - 441.
(3 e - 4 e trim 1954).
________ (dir.). Encyclopédie Berbère. Aix-en-Provence: Édisud, 1997.
Carbouret, Bernadette, Agnès Groslambert & Catherine Wolff (dir.). Visions de l'occident romain: Hommages à
Yann Le Bohec. Paris: De Boccard, 2012.
Chaouali, Moheddine. "Le culte de Neptune et des Nymphes dans la Civitas Thabborensis (Pertica
Carthaginensium)." Cahiers du Centre Gustave-Glotz. no. XXVIII (2017).
Charles-Picard, Gilbert. La civilisation de l'Afrique romaine. Paris: Librairie Plon, 1959.
Chatelain, Louis. Le Maroc des romains: Etude sur les centres antiques de la Maurétanie occidentale (Bibliothèque
des écoles françaises d'Athènes et de Rome 160). Paris: Éd. De Boccard, 1944.
Chevallier, Raymond (ed.). Les eaux thermales et les cultes des eaux en Gaule et dans les provinces voisines: Actes
du colloque, Aix-les-Bains, 28 - 30 septembre 1990. Caesarodunum XXVI. Tours/ Turin: Centre de Recherches
A. Piganiol Tours/ Antropologia Alpina, 1992.
La Mosaique Gréco-Romaine: Paris 29 Aout - 3 Septembre 1963: Actes du Colloque International sur La Mosaique
Gréco- Romaine. Colloque International La Mosaique Gréco-Romaine Sciences humaines. Paris: Éditions
du centre national de la recherche scientifique, 1965.
de Pachtère, Félix Georges. Inventaire des mosaïques de la Gaule et de l'Afrique III: Afrique proconsulaire,
Numidie, Maurétanie (Algérie). Paris: Ernest Leroux, 1911.
Desanges, Jehan. Recherches sur l'activité des Méditerranéens aux confins de l'Afrique (VI e siècle avant J.-C. - IV e
siècle après J.-C.). Publications de l'École Française de Rome 38. Rome: École Française de Rome, 1978.
Fanṭar, Muḥammad. De Carthage à Kairouan: 2000 ans d'art et d'histoire en Tunisie: Livre d'exposition organisée
au musée du Petit Palais de la ville de Paris, 20 octobre 1982 - 27 février 1983. Paris: Ministère des relations
extérieurs, Association française d'action artistique, 1982.
Ferjaoui, Ahmed (coord.). Carthage et les autochtones de son empire du temps de Zama: Colloque international
organisé à Siliana et Tunis du 10 au 13 mars 2004 par l'Institut National du Patrimoine et l'Association de
Sauvegarde du site de Zama, en Hommage à Mhamed Hassine Fantar. Tunis: Institut National du Patrimoine,
Gauckler, Paul. Inventaire des mosaïques de la Gaule et de l'Afrique II: Afrique proconsulaire (Tunisie). Paris:
Ernest Leroux, 1910.
Gélard, Jean-Pierre (dir.). L'eau, source de vie, source de conflit. Rennes: Presses Universitaires de Rennes, 2006.
Gelley, Micheline & Leïla Ladjimi Sebaï (dir). L'homme méditerranéen et la mer: The mediterranean man and the
sea: Actes du Troisième congrès international d'étude des cultures de la Méditerranée occidentale (Jerba,
avril 1981). Tunis: Les Editions Salammbô, 1985.
Germain, Suzanne. Les mosaïques de Timgad: Étude descriptive et analytique. série Archéologie Centre de
recherches sur l'Afrique méditerranéenne. Paris: Éditions du centre national de la recherche scientifique,
González Fernández, Julián et al. L'Africa romana: Le ricchezze dell'Africa: Risorse, produzioni, scambi: Atti
del'XVII convegno di studio, Sevilla, 14 - 17 dicembre 2006. Series Collana del Dipartimento di Storia
dell'Università degli Studi di Sassari 35. Roma: Carocci editore, 2008.
Grazia Lancelloti, Maria. Dea Caelestis: Studi e materiali per la storia du una divinità dell'Africa romana.
Collezione di studi fenici 44. Pisa/ Roma: Fabrizio Serra editore, 2010.
Gsell, Stéphane & Henri Graillot. "Exploration archéologique dans le département de Constantine (Algérie):
Ruines romaines au nord de l'Aurès." Mélanges d'Archéologie et d'Histoire de l'Ecole française de Rome.
no. 13 (1893).
Hellal, Selma & Burhan Eddine El Mounir Bencharif (dir.). Le patrimoine de l'eau en Algérie: Mémoire et
permanence: Études & témoignages. Alger: AREA-ED [Barzakh], 2011.
Hérodote. Histoires: Livre IV. Philippe-Ernest Legrand (Texte établi & trad.). Paris: Les Belles Lettres, 1945).
Heurgon, Jacques. L'Italie préromaine et la Rome républicaine: Mélanges offerts à Jacques Heurgon. vol 1.
Publications de l'École Française de Rome 27. Rome: École Française de Rome, 1976.
Janon, Michel. "Recherches à Lambèse III: Essais sur le temple d'Esculape." Antiquités africaines. vol. 21 (1985).
Jouanna, Jacques, Pierre Toubert & Michel Zink (dir.). L'eau en Méditerranée de l'Antiquité au Moyen âge. Cahiers
de la Kérylos 23. Paris: De Boccard, 2012.
Khanoussi, Mustapha, Paola Ruggeri & Cinzia Vismara. L'Africa romana: Atti del'XIII convegno di studio, 12 - 15
dicembre 1996 , Olbia. Sassari: Editrice Democratica Sarda, 1998.
________. L'Africa romana: Ai confini dell'impero: Contratti, scambi, conflitti: Atti del XV Convegno di studio,
Tozeur, 12 - 15 dicembre 2002. Collana del Dipartimento di storia dell'Università degli studi di Sassari 21.
Roma: Carocci editore, 2004.
L'Année Épigraphique. Paris: Presses Universitaires de France, 1939.
L'Année Épigraphique. Paris: Presses Universitaires de France, 1966.
Khanoussi, Mustapha. "Neptune, Rex Pelagicus, dans le municipe de Sufetula (Sbeïtla, Tunisie)." Comptes rendus
des séances de l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres. vol. 148 , no. 3 (2004).
Le Bohec, Yann. La troisième Légion Auguste. Collection études d'antiquités africaines. Paris: Éditions du centre
national de la recherche scientifique, 1989.
Le Glay, Marcel. "Le paganisme en Numidie et dans les Maurétanies sous l'empire romain: État des recherches
entre 1954 et 1990." Antiquités africaines. no. 42 (2006).
Makdoun, Mohamed et al. (dir.). Actes du premier colloque sur le patrimoine Maure (Amazigh) du Maroc antique:
Fès 29 - 31 mars 2013. Publications de la Faculté des Lettres et des Sciences Humaines Fès Saïss 33. Fès:
Faculté des Lettres et des Sciences Humaines Fès Saïss, 2014.
Mastino, Attilio. "Neptunus Africanus: a Note." Cartagine. Studi e Ricerche. no. 3 (2018).
Merlin, Alfred. "Divinités indigènes sur un bas-relief romain de la Tunisie." Comptes rendus des séances de
l'Académie des Inscriptions et Belles-Lettres. vol. 91 , no. 2 (1947).
Metral, Jean & Paul Sanlaville (dir.). L'Homme et l'eau en Méditerranée et au proche orient I: Séminaire de recherche
1979 - 19 80. Travaux de la Maison de l'Orient 2. Lyon: GIS - Maison de l'Orient, Presses Universitaires de
Lyon, 1981.
Mommsen, Theodor et al. Corpus Inscriptionum Latinarum , VIII: Inscriptiones Africae Latinae. Berlin: W. de
Gruyter, 1881 - 1892.
________. Corpus Inscriptionum Latinarum , VIII , 5884 = Hermann Dessau, Inscriptiones latinae selectae. Berlin:
Weidmann, 1892 - 1916.
Monchicourt, Charles. "Note sur Hammam-Sayala (Aquae Traianae) [Région de Béja]." Bulletin Archéologique
du Comité des Travaux Historiques et Scientifiques. Paris: Imprimerie nationale, 1919.
Morestin, Henri. "Le dieu au chef cornu de Banasa." Hespéris-Tamuda. vol. II. (1961).
Neveu, Raymond. Le culte d'Esculape dans l'Afrique romaine. Paris: Honoré Champion, 1910.
Ovide. Les Métamorphoses: Livres I-V. Georges Lafaye (Texte établi & trad.). Paris: Les Belles Lettres, 1925.
Panetier, Jean-Luc & Hassan Limane. Volubilis: Une cité du Maroc antique. Paris: Maisonneuve et Larose, 2002.
Petitmengin, Pierre. "Inscriptions de la région de Milev." Mélanges de l'école française de Rome. vol. 79 , no. 1
Pettenò, Elena. "Le Aquae e le terme curative dell'Africa romana." Antiquités africaines. no. 34 (1998).
Scheid, John. "Le culte des eaux et des sources dans le monde romain: Un sujet problématique, déterminé par la
mythologie moderne." Annuaire du Collège de France. 108 e année (2007 - 2008).
Servicio de Arqueología. Actas del I Congreso Archeológico del Marruecos Espagñol , Tetuán, 22 - 26 junio 1953.
Tétuan: Servicio de Arqueología, 1954.
Slim, Hédi et al. Histoire générale de la Tunisie, vol. I: l'Antiquité. Tunis: Sud Éditions, 2010.
Sourvinou-Inwood, Christiane. Hylas, the Nymphs, Dionysos and Others: Myth. Ritua., Ethnicity. Acta Instituti
Atheniensis Regni Sueciae XIX. Stockholm: Âströms Förlag, 2005.
Tacite. La Germanie. Jacques Perret (Texte établi & trad.). Paris: Les Belles Lettres, 1949.
Tertullien. Apologétique. Jean-Pierre Waltzing (Texte établi et traduit). Collection des Universités françaises.
Paris: Les Belles Lettres, 1929.
Thouvenot, Raymond. Maisons de Volubilis: Le palais dit de Gordien et la maison à la mosaïque de Vénus.
Publications du service des antiquités du Maroc 12. Rabat: Service des antiquités du Maroc, 1958.
Toutain, Jules. Les cultes païens dans l'Empire romain: Première partie, Les provinces latines, Tome I: Les cultes
officiels; les cultes romains et gréco-romains. Bibliothèque de l'École des Hautes-Études. Sciences religieuses
XX. Paris: Ernest Leroux, 1907.
Variabilités environnementales, Rencontres internationales d'Archéologie et d'Histoire d'Antibes. Antibes:
Éditions APDCA, 2012.
Varron. La langue latine, tome II, Livre VI. Pierre Flobert (Texte établi & trad.). Paris: Les Belles Lettres, 1985.
Virgile. Énéide: vol II, Livres V-VIII. Jacques Perret (Texte établi & trad.). Collection des universités de France.
Série latine 89. Paris: Les Belles Lettres, 1978.
Yacoub, Mohamed. Splendeurs des mosaïques de Tunisie. Tunis: Ministère de la culture, de la jeunesse et des
loisirs, 2002.