الأمويون: أشكال النّسيان ومواطن الذّاكرة
The Umayyads: Forms of Forgetting and Places of Memory
الملخّص
تكمن أهمية هذه الدراسة في البحث في إمكان إعادة قراءة التاريخ الأموي في ضوء المقاربات المنهجية الجديدة التي يطرحها المبحث التاريخي لسوسولوجيا الذاكرة، لما يقدمه من إضاءات عن الأطر المتحكمة في كتابة التاريخ. وتهدف إلى التعريف بظروف تبلور هذا المبحث الجديد، وبحصيلة المنجز الأسطوريوغرافي للذاكرة الأموية، وإلى تقديم تصوّر عن التاريخ الأموي، يقوم على استثمار الثراء المنهجي لدراسات الذاكرة المهتمة بدراسة الأدوار التي اضطلعت بها الأطر الجماعية في صياغة التاريخ وفقًا لاستراتيجيات التذكّر والنسيان. لذلك تتوزع الدراسة على مبحثين: يهتم الأول، في مستويات ثلاثة، بتقديم نبذة عن نشأة المبحث، وعرض المنجز في الأسطوريوغرافيا الأموية، وبيان أشكال النسيان التي لحقت الأمويين. أما المبحث الثاني، فجرى فيه إبراز مواطن الذاكرة الأموية، في ثلاثة مستويات، تتعلق بالرواية الموظفة، والشواهد الأركيولوجية، وذاكرة التأسيس للثقافة والهوية. وتقدم الدراسة نماذج عن أشكال النسيان والتذكّر بفعل انتقائية نشاط الذاكرة المكبّلة بأطر التحكّم المتعاقبة في الكتابة التاريخية، وتخلص إلى محدودية أعمال الطمس والنسيان لارتباط الذاكرة الأموية القوي بفعل التأسيس للفكر والثقافة والهوية في تاريخ المسلمين.
Abstract
أستاذ في المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بسبيطلة، جامعة القيروان، تونس. Professor at the Higher Institute of Applied Studies in Sbeitla, Kairouan University, Tunisia. omrimoez1@gmail.com
- الذاكرة
- التاريخ
- الأمويون
- الكتابة التاريخية
- Histography
- Memory
- Umayyad History
- Umayyads
| 2021 03 30 | 2021 03 30 2021 07 28 2021 08 09 DOI: https://doi.org/10.31430/QWZN9349: الرقم التعريفي لإ أ * المعز عمري | Omri *Moez تكمن أهمية هذه الدراسة في البحث في إمكان إعادة قراءة التاريخ الأموي في ضوء المقاربات المنهجية الجديدة التي يطرحها المبحث التاريخي لسوسيولوجيا الذاكرة، لما يقدمه من إضاءات عن الأطر المتحكمة في كتابة التاريخ. وتهدف إلى التعريف بظروف تبلور هذا المبحث الجديد، وبحصيلة المنجز الأسطوريوغرافي للذاكرة الأموية، وإلى تقديم تصوّر عن التاريخ الأموي، يقوم على استثمار الثراء المنهجي لدراسات الذاكرة المهتمة بدراسة الأدوار التي اضطلعت بها الأطر الجماعية في صياغة التاريخ وفقًا لاستراتيجيات التذكّر والنسيان. لذلك تتوزع الدراسة على مبحثين: يهتم الأول، في مستويات ثلاثة، بتقديم نبذة عن نشأة المبحث، وعرض المنجز في الأسطوريوغرافيا الأموية، وبيان أشكال النسيان التي لحقت الأمويين. أما المبحث الثاني، فجرى فيه إبراز مواطن الذاكرة الأموية، في ثلاثة مستويات، تتعلق بالرواية الموظفة، والشواهد الأركيولوجية، وذاكرة التأسيس للثقافة والهوية. وتقدم الدراسة نماذج عن أشكال النسيان والتذكّر بفعل انتقائية نشاط الذاكرة المكبّلة بأطر التحكّم المتعاقبة في الكتابة التاريخية، وتخلص إلى محدودية أعمال الطمس والنسيان لارتباط الذاكرة الأموية القوي بفعل التأسيس للفكر والثقافة والهوية في تاريخ المسلمين. كلمت مفتاحية: الذاكرة، التاريخ، الأمويون، الكتابة التاريخية. The importance of this study lies in researching the possibility of re-reading the Umayyad history, in light of the new methodological approaches presented by the historical study of the sociology of memory, as it provides illuminations on the frameworks controlling the writing of history. It aims to introduce the circumstances of the crystallization of this new topic, and the outcome of the legendary achievement of the Umayyad memory. It also aims to present a conception of Umayyad history, based on the methodological richness of memory studies, which focused on researching the roles played by collective frameworks in shaping history, according to the strategies of remembering and forgetting. Therefore, our study was divided into two parts, the first of which was devoted to three levels: providing an overview of the origin of the topic, reviewing the achievements in the Umayyad legend, and clarifying the forms of forgetting that affected the Umayyads. As for the second section, the places of Umayyad memory were highlighted, in three levels: the employed narrative, archaeological evidence, and the foundational memory of culture and identity. In this research, it has been reached to present examples of forms of forgetting and remembering due to the selectivity of memory activity that is shackled by successive control frameworks in historical writing. It also concluded the limited works of obliteration and forgetting due to the strong connection of the Umayyad memory to the foundation of thought, culture and identity in the history of Muslims. Keywords: Umayyad History, Umayyads, Umayyad Memory, History of Memory, Historical Writing. الأمويّون: أشكال النسيان ومواطن الذاكرة The Umayyads: Forms of Forgetting and Places of Memory | |||
|---|---|---|---|---|
| المعز عمري | Omri *Moez | ||||
مقدمة
من أهم التحديات المنهجية التي تعترض مؤرخ فترة الإسلام المبكر تلك المتعلقة بغياب المصادر المباشرة1، وبضعف صدقية غير المباشرة منها، لعدم أصالتها2؛ ما يجعلها عرضة لعمليات إعادة الإنتاج، على حد تعبير الباحثة حياة عمامو. وقد أدت هذه الوضعية الأسطوريوغرافية إلى انحصار الأفق المنهجي لدى مؤرخي الحقبة الأموية3. لكنّ مقاربات سوسيولوجيا الذاكرة، التي أحدثها عالم الاجتماع الفرنسي موريس هلبواكس4، وطوّرها المؤرخ الفرنسي بيير نورا في سياق المنعطف النقدي5 ل "التاريخ الجديد "6، حملت آفاقًا منهجية فعلية، حينما نبّهت المؤرخين إلى نشاط عمليات التذكر والنسيان في الكتابة التاريخية، ووجّهتهم إلى فهم قوانين الذاكرة الجماعية بما يسمح بمراجعة تقاليد الكتابة المتداولة7. وبذلك، توافر لمؤرخ تاريخ المسلمين خلال "العصر الوسيط" إمكان إعادة قراءة ما يمكن اعتباره تاريخًا للذاكرة؛ نظرًا إلى أهمية الحضور الذي تتمتع به الذاكرة في المصادر. وهو ما يضعه أمام صعوبة التسليم بما جاء فيها من تمثلّات عن الفترة الأموية، لنزوعها على نحوٍ لافت إلى الطعن في الأمويين والتشكيك في شرعيتهم؛ ما يُمثّل ضربًا من النسيان والتهميش لحقبة ذات مكانة تأسيسية في تاريخ المسلمين. وهو الأمر الذي سعت هذه الدراسة للخوض فيه. تقوم إشكالية الدراسة على تناول علاقة كتابة التاريخ الأموي بالذاكرة الجماعية، في محاولة للتعرف إلى الأطر التاريخية والمنهجية التي انبثقت منها دراسات الذاكرة، ورصد المنجز الأسطوريوغرافي لدراسات الذاكرة الأموية، واعتماده في بناء تصوّر عن تاريخ الأمويين، يقوم على كشف نماذج من استراتيجيات التذكّر والنسيان التي تحكّمت في كتابة تاريخهم، والتعرف إلى أشكال النسيان التي لحقتهم، وإماطة اللثام عن المواطن الأكثر دلالة في الذاكرة الإسلامية. وتهدف إلى مواكبة توجّهات المدارس الحديثة، أو ما يُعرَف ب "التاريخ الجديد"، التي انكبت على دراسة التمثلّات التاريخية من منظور التاريخ الثقافي والذهني، وإلى الاستفادة من الثراء المنهجي الذي يقدمه مبحث الذاكرة، بصفته من أبرز هذه التوجهات. وذلك بغية دراسة تاريخ العصور الأولى للمسلمين الذي يفتقد المصادر المباشرة. وتهدف أيضًا إلى الوقوف على حصيلة دراسات الذاكرة الأموية المرتبطة، غالبًا، بجهود المباحث الغربية، ومحاولة إثرائها بزوايا نظر تلفت إلى ارتباطات الذاكرة القوية بالثقافة والهوية الجماعية.
أولً: أسطوريوغرافيا الأمويين وأشكال النسيان
1. الإطار التاريخي والمنهجي لمبحث الذاكرة
تعتبر الفترة بين القرنين الثاني والرابع للهجرة الحيّزَ الزمني الذي ظهرت فيه المدوّنات التاريخية الكبرى، الجامعة لأخبار تاريخ المسلمين المبكر. ويفسّ مؤرخو الذاكرة أن إنجاز هذه الحصيلة التاريخية لم ينأَ عن استراتيجية التذكر والنسيان، وقد اقتبسوا في ذلك من مفردات المدرسة التاريخية المعاصرة التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي في فرنسا، في ردة فعل على ما يُطلق عليه المؤرخون "انفجار التاريخ"8 و"ثورة الذاكرة "9، التي درست التاريخ في أفق جدل الذاكرة والنسيان. وهو ما وفّر إمكان اتخاذ توجهات نقدية تقوم على مناقشة أزمة الكتابة التاريخية المعاصرة، وتطرح المسألة من منظور إبستيمولوجي، يعيد إلى المؤرخ مكانته ودوره في ممارسة منهج البحث الكفيل بإزالة التشوّهات، وتفادي الأخطاء الحاصلة في كتابة التاريخ والناتجة من تداخل التاريخ والذاكرة10. يعود تفتت التاريخ في نظر نورا11 إلى تقيّد المؤرخين بالذاكرة الرسمية، نتيجة توظيفهم من السلطة؛ ما أسهم في مزيد من تعقيد الأمور على المؤرخ في مواجهة التحديات التي تطرحها الأحداث الجسيمة التي عرفها التاريخ المعاصر، على غرار أحداث الثورة الفرنسية وأعمال الإبادة التي ارتُكبت في مواجهة ثورة الفاندي12، وأحداث الحربين العالميتين، وما حصل في محتشدات الإبادة النازية، أو ما يعرف بالمحرقة اليهودية13، حيث يجب أن يأخذ فيها المؤرخ في الحسبان اشتراطات واجب الذاكرة التاريخية حتى لا تُنكر أخطاء كتابة التاريخ وتجاهلها، وهو الأفق المنهجي الذي نشّط عددًا من مؤرخي تاريخ الغرب خلال العصر الوسيط14. أسهم الفيلسوف بول ريكور Ricoeur Paul، من خلال مؤلفه الذاكرة، التاريخ، النسيان، في إثراء هذه المقاربة الجديدة في استقراء التاريخ، بالتركيز على الأعطاب التي تصيب الذاكرة بسبب سوء استعمالها، والتلاعب المقصود بها، والنسيان المتعمد من السلطة لتبرير توجّهاتها وإضفاء الشرعية على ممارساتها15. قياسًا على هذه التوجّهات المنهجية، اعتبر عدد من المؤرخين أن جهود التدوين في العصر العباسي لم تكن تتجه إلى إلغاء الروايات والأخبار التي كُتبت في الفترات السابقة، بقدر ما كانت تترجم الحاجة إلى إنتاج تاريخ يبُرّر حاضر العباسيين16، ويحفظ لهم شرعية الوريث الطبيعي لذلك الماضي بنحو يتم فيه خلق ذاكرة جماعية، تسهم في تشكّل الهوية التي تعترف للعباسيين بمكانتهم في السلطة
وبأحقيتهم التاريخية فيها. وبهذا الفهم، تصبح مهمة المؤرخ الرئيسة هي محاولة التوصّل إلى ماضٍ منسي، تمّت إعادة تركيبه وصياغته تلبية لاشتراطات الذاكرة. تساءل بعض المؤرخين، وفقًا لهذا المنظور المتمحور حول نشاط الذاكرة على سبيل المثال، عن المصير المتباين لكتاب السيرة النبوية لمحمد بن إسحاق التي هذبها ونقلها ابن هشام والتي عرفت انتشارًا واسعًا، ولكتابه تاريخ الخلفاء17 الذي دخل طي النسيان، وكانت إحدى البرديات قد أشارت إليه18؛ إذ اعتبُر مسار النقل هو المسؤول عن عملية التذكر فيما يتعلق بالمؤلف الأول، وعن عملية النسيان فيما يتعلق بالمؤلف الثاني، خاصة أن من المؤرخين من لا يعترف بمكان للحظ19 فيما يتعلق بحماية أي نوع من أنواع الوثائق واختفائها20.
2. تزايد اهتمم مؤرخي الإسلام المبكر بمبحث الذاكرة
تحدث عدد من المؤرخين عن أهمية الذاكرة في صياغة الماضي، منهم أنطوان برّوت21 الذي اعتمد على أعمال باتريك جيري عن الغرب خلال العصر الوسيط. ومن بين الذين اهتموا بدور الذاكرة يمكن الإشارة إلى فيفيان كوميرو22، التي بيّنت من خلال دراستها للشخصية التاريخية عبد الله بن عباس، أن من وراء تثبيت الصورة النموذجية للصحابي ابن عباس في ذاكرة المسلمين إعلاءً من شأنها السياسي، ومن شأن العباسيين في إطار صراعهم مع غيرهم من الأحزاب السياسية على السلطة؛ ما يعني صناعة ذاكرة عن الشخصية ولمصلحة العباسيين، وقد أنجز دي بريمار العديد من البحوث تناولت شخصيات مفاتيح في عصر المسلمين الأول23. يمكن الإشارة، في هذا المستوى من الحديث عن دور الذاكرة في تشكيل مدوّنات المسلمين الأولى، إلى خضوع الأثر الديني لعملية تقنين، من خلال تصحيح كتابَ البخاري ومسلم في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وهو تاريخ ما اعتبره بعضهم مرحلة تشفير كل مجالات الكتابة. وتهدف عمليات التقنين والتشفير هذه إلى الإقرار بأحقية وجود ما جرى الاحتفاظ به من الماضي، والاعتراف بشرعيته بما يعنيه ذلك من تجاهل ونسيان لما جرى تركه أو إهماله أو جعله ثانويًّا، كما هو حال بقية كتب السُنّة نتيجة تصحيح كتابَ البخاري ومسلم24.
على الرغم من الحضور القوي للذاكرة في تشكيل ثقافة المسلمين في الفترات المبكرة لظهور الإسلام، ما جعل مارزولف. U Marsoloph يعتبر هذه الثقافة "ثقافة ذاكرة"25، لما وفّرته من ظروف مناسبة للتدوين على حد تعبير تشاس روبنسون26، وحيث كانت الذاكرة أساس كل مسارات الكتابة في مختلف المجالات27، فإن المتخصصين في تاريخ المسلمين إبان العصر الوسيط لم يولوا مسألة الذاكرة إلّ اهتمامًا ضعيفًا، في الوقت الذي قطعت هذه الآلية أشواطًا بعيدة في مجالات عدة في وقتنا الحاضر. من الأعمال التي تناولت تاريخ المسلمين في أفق هذا المعطى المنهجي المستحدث لكتابة التاريخ، يمكن الإشارة إلى ما أنجزه عدد من المؤرخين مثل برّوت28 وطيّب حبري29 وكريستيان ديكوبار30 وعبد السلام الشدادي31 وجاكوب لسنر32 وفراد دونر33 وبول كوب34، وهي الأعمال التي أضاءت جوانب مهمة من هذا المبحث إلى جانب أعمال أخرى في إطار بلورة تصور عن التاريخ الأموي على أرضية الكشف عن الجدل القائم بين أوجه النسيان ومواطن الذاكرة.
3. الأمويون وأشكال النسيان
تقدّم الروايات دلائل كثيرة وأمثلة عديدة عن محاولات التقليل من شأن الأمويين في مخيّلة المسلمين، بتجاهل إنجازاتهم ودورهم التاريخي؛ وهو ما شكل وجوهًا مختلفة لنسيانهم وطمس ذاكرتهم، تعلّقت أساسًا بالحط من شرفهم، والطعن في شرعية خلافتهم، ومحاربة ذكراهم. أ. الحط من شرف الأمويين والطعن في شرعيتهم كثيرًا ما حملت الروايات إدانةً واضحةً للأمويين في شرفهم الديني، من خلال الطعون التي تتمحور حول فكرة أن الأمويين غير معنيين بالورع ولا بالقيم الإسلامية، وأنهم ليسوا جديرين بزعامة مجتمع المسلمين35. وذلك بعرض الأدوار التي ترتبط بهم في أخبار الدعوة المحمدية36، ومن خلال سرد أحداث الفتنة والحقبة الأموية التي اعتبرت معاوية بن أبي سفيان قاتلً للصحابة في "صفين"،
وجعلت ابنه يزيد في هيئة المستبيح لدماء آل النبي في كربلاء في عام 61 ه37، تمامًا مثلما كان الخليفة عبد الملك بن مروان منتهكًا لحرمة الكعبة برميها بالمنجنيق وحرق أخشابها. أما الوليد بن يزيد، فقد كان في أغلبية الروايات فاسقًا زنديقًا لانتهاكه قداسة القرآن حينما رماه بسهمه38، وتواترت أيضًا الاتهامات التي تتحدث عن جهل الأمويين بالوحي والأثر الديني، وربما كرههم له39، وقد عرض أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في "رسالة في النابتة إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي دُواد" مجمل الطعون الموجّهة إلى الأمويين، وإلى المدافعين عنهم من النابتة40. وتأثرت عملية تدوين الأثر الديني أيضًا بهذا الاتجاه المسيء للأمويين، وذلك بالحط من مكانتهم الدينية حينما اعتبرت التفاسير القرآنية أنهم المعنيّون بعبارة "الشجرة الملعونة" التي وردت في القرآن41، وتحدثت أيضًا بعض الادعاءات عن تدخل الأمويين في تفسير بعض الآيات القرآنية42. ومن الطعون الموجّهة إلى الشرف الأموي ما كان في إطار التشكيك في حسبهم ونسبهم، استنادًا إلى المقاييس العربية القديمة، ومنها ما كان في وصفهم أحيانًا بالزناة وأبناء الجواري43، وتتعالى الأصوات المنددة بهم، خاصة في أخبار الفتن والأزمات التي تدور بين أهل الحديث وغيرهم من المذاهب الأخرى، كما هو الحال زمن محنة خلق القرآن التي دارت بين أهل الحديث والمعتزلة44. كما ذهبت بعض الطعون إلى سحب الشرعية منهم بصفتهم قادةً لمجتمع المسلمين الناشئ46، وإلى اعتبار أن قطيعةً فعلية قد حصلت في مستوى شرعية الخلافة بتولّيهم لها، حينما أطلقت هذه الطعون على من سبقهم "خلفاء راشدون"47، في إشارة إلى مروق الأمويين عن الخط السياسي الراشدي، بدعوى أنهم عطّلوا الشورى المعتمدة منذ فترة الرسول، وبتعلّة أنهم اعتمدوا على التقاليد الرومانية والفارسية في تأسيس النظام الملكي48؛ ما عرقل، في نظرهم، مسيرة مجتمع المسلمين في طريقه إلى "الحكم الإسلامي الحقيقي "49. وترى هذه النظرة المشككة أن وصولهم إلى الخلافة كان نتيجة حرب أهلية وتمرد على السلطة الشرعية المُجسّدة في خلافة علي بن أبي
طالب50، وتعتبر أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن يتمتع بالرصيد الميتاتاريخي نفسه المؤسس للإسلام، مقارنة بعلي بن أبي طالب. وقدّمت الروايات من جهة أخرى بعض الثورات العراقية، مثل ثورة عبد الرحمن بن الأشعث (82 ه) في سياق مقاومة الجور الأموي، وخروجهم عن الدين؛ ما جعل بعض المؤرخين من أمثال إجناتس غولدزهير ينكر أي دور لهم في توطيد المسائل الدينية51. وفي سياق هذه النظرة العدائية إلى الأمويين، جرى تقديم التاريخ الأموي العباسي في التاريخ المجهول للدولة العباسية، في أخبار العباس وولده52، على أنه صراع بين الخير الذي يمثّل العباسيين، والشر الذي يرمز إلى الأمويين، وفيه بثّت الدعاية العباسية المناهضة للأمويين فكرة أحقية العباسيين بالإمامة؛ فقد ظهر معاوية بن أبي سفيان في حواره مع ابن عباس في صورة المهزوم والفاقد لشرعية الحكم53. ب. محاربة ذكرى الأمويين من خلال الأمثلة العديدة التي توفّرها الروايات، يمكن الوقوف على أهمية الدور المركب العراقي والعباسي، السياسي والعقائدي، في صياغة مجمل التمثلّات السلبية المنتقصة لدور الأمويين؛ ما يحيل بصفة عامة على الأطر التي احتضنت عمليات التدوين الجامعة للأثر بداية من منتصف القرن الثاني للهجرة. لكنّ هذه النزعة إلى تجاهل المنجز الأموي والحطّ من قيمته وتهميش حضوره في مدوّنة المسلمين عمومًا - من خصومهم السياسيين، وبخاصة أولئك الذين نجحوا في الإطاحة بهم - قد تصل أحيانًا إلى رغبة مرضية في إزالة كل أثر لهم، بل في مصادرة ما ارتبط بهم من إنجازات. يمكن اعتبار أعمال إبادة الأمويين إبان الثورة العباسية من أكثر الأعمال تعبيرًا عن رغبة العباسيين في محو كل أثر لبني أمية. وقد عرض أحمد بن يحيى البلاذري54 قوائم قتلاهم في عديد المواقع في دمشق والحيرة والكوفة والمدينة، وتأتي على رأس عمليات التصفية التي قام بها العباسيون في حق الأمويين مجزرة أبي فطرس بين فلسطين والأردن، التي جرَت فيها إبادة نحو 80 من أبناء الخلفاء وأحفادهم وأتباعهم بعد التنكيل بهم55، وشملت هذه الأعمال الانتقامية عمليات نبش القبور الأموية56 والتمثيل برفات من فيها وحرقها بأمر من الخليفة أبي العباس السفاح57.
بيّ المؤرخون أيضًا أن عمليات نبش القبور هذه كانت تُدرج في إطار محاربة ذكرى الأمويين، وتعبيرًا عن مقاومة حضورهم الرمزي، يُراد من خلالها الردّ على السياسة الأموية تجاه المعارضة، وانتقامًا لها58. إلّ أن أعمال العباسيين المناهضة لذكرى الأمويين، استمرت بأشكال مختلفة عن الأعمال الانتقامية التي رافقت أحداث الثورة العباسية. ففي حركة مزدوجة من أجل إطفاء بريق الإنجازات الأموية ومصادرة شرعية الأمويين التي عبّت عنها تلك الإنجازات، جرت، بمناسبة زيارة الخليفة العباسي محمد بن المنصور المهدي دمشق وبيت المقدس في عام 163 ه/ 780 م كتابة اسمه على المسجد الأموي في دمشق عوضًا عن اسم الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك59. شمل هذا التحريف أيضًا قبة الصخرة التي أزيل منها اسم بانيها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ليوضع مكانه اسم الخليفة العباسي عبد الله المأمون (198 - 218 ه/ 813 - 833 م)60. وقد كانت هذه المحاولات العباسية لإزالة ذكرى الأمويين محكومة بالعجز والفشل؛ لأنه لم يكن في الوسع إزالة ما هو معروف لدى الناس، إنما كانت تعبيرًا غير واعٍ لديهم عن إرادة طمس أمجاد الأمويين والرغبة في الاستحواذ على تراثهم الباهر61.
ثانيًا: مواطن الذاكرة الأموية62
على الرغم من تعدد المحاولات التي استهدفت الذاكرة الأموية بالطمس، فإنها استطاعت أن تصمد أمام مشاريع التشويه، وأن تتحصن في مواطنها من كل أشكال الإلغاء والمحو، ويمكن أن نختزل مجمل هذه الآثار أو المواطن في عدد من المستويات، أهمها:
1. الرواية الموظفة
يُقصد بها الرواية التي مكّنت عددًا من الوجوه الأموية من المحافظة على مكانة مقبولة في ذاكرة المسلمين، وهي رواية موجّهة أو مقيّدة63، تم فيها انتقاء المعطيات المتصلة بالماضي على أساس الأطر الدعائية والدينية والسياسية والأيديولوجية أو غيرها64. من خلال تعقّب المواقف العباسية من الأمويين في الروايات، يبدو من الصعب الاقتناع بالفكرة القائلة إنها غير قابلة للتغير مع الزمن ووفقًا للظروف وبحسب التوجّهات المهيمنة في الدولة والمجتمع؛ إذ تُطلعنا أخبار الخلفاء العباسيين على وجود حالة من التقبل والاعتراف بإنجازات الأمويين في بعض المناسبات، تقطع مع النظرة المعادية التي ارتبطت بأحداث الثورة، هذه الحالة التي يتحوّل بموجبها الأمويون من صفة الأعداء إلى صفة الأسلاف في إطار تحول العلاقة في نظر برّوت من العدائية إلى الغيرية65. وبالرجوع مثلً إلى مناظرات الخليفة
معاوية بن أبي سفيان (41 - 60 ه/ 661 - 680 م) والصحابي ابن عباس في كتاب أخبار الدولة العباسية، يمكن أن نستنتج أنها كانت تصب عمومًا في سياق تبرير الشرعية العباسية، من خلال اعتراف ابن عباس بخلافة الأمويين التي كانت في نظره تعبيرًا عن إرادة الله، بل قام الأمويون وفقًا لهذه المشيئة، بدور رئيس في حماية العباسيين من خصومهم66، حيث كان المنظور الأيديولوجي العباسي في لحظة ما يقتضي الاعتراف بفضل ابن أبي سفيان والقبول بشرعية الأمويين في الخلافة. على الرغم من أن الرواية التاريخية تنقسم عمومًا حول مآثر معاوية، فإن بعض المصادر تبدي تعاطفًا كبيرًا وتبجيلً لشخص معاوية بن أبي سفيان، وهي أساسًا سنّية ذات طابع متأخر، ذكّرت بدوره في كتابة الوحي وبغيرها من الصفات التي تُعلي من مكانته الدينية67. وكانت النابتة في عصر الجاحظ الجهة الأكثر دفاعًا عن الأمويين؛ فقد دعت إلى تبرئتهم من تهمة الابتداع في أمر الدين68. وقد استفادت هذه المكانة الدينية لابن أبي سفيان في المصادر من أحداث محنة خلق القرآن؛ إذ حمل وصول الخليفة المتوكل (232 - 247 ه/ 847 - 861 م) ونهاية عصر الاعتزال تعاطفًا كبيرًا مع الأمويين69. كما كانت صورة ابن أبي سفيان موضع دفاع الموالي، حيث يذكر المؤرخ جيمس بلامي دور المحدث عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا (281 ه/ 894 م)، وهو أحد موالي الأمويين، في تشكيل تمثلّات إيجابية عن الخليفة ابن أبي سفيان في إطار مواجهة التشيع والاعتزال في بغداد70. لم يكن ابن أبي سفيان الخليفة الأموي الوحيد الذي ارتبطت به ذاكرة موظفة ومركبة، فقد أحاطت بصورة الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 - 101 ه/ 717 - 720 م) دعاية مشابهة إلى حد بعيد، ظهرت فيها الجوانب السياسية والمذهبية والاجتماعية جليًّا، لا يمكن نكرانها71. في مستوى أول، كان عمر بن عبد العزيز موضوع دعاية عباسية؛ فقد استثنى العباسيون، إبان ثورتهم، قبره من عمليات النبش، مثلما استثنوا بنيه من عمليات التنكيل والإبادة التي لحقت أبناء الخلفاء الأمويين وأحفادهم وأتباعهم. ويبدو أن كل ذلك لم يكن عفويًا، إذا ما علمنا أن سياسته تلتقي موضوعيًا مع مبادئ الثورة العباسية على إدانة الأمويين72. لذلك اعتبروه الخليفة الأموي الوحيد العادل73، كما ميّزه الخليفة العباسي المهدي في أثناء زيارته بيت المقدس من غيره من الخلفاء الأمويين ونظرائهم من العباسيين أيضًا، لما أسرّ لوزيره أبي عبد الله أن الأمويين تفوّقوا على العباسيين في أمور أربعة: قبة الصخرة، والجامع الأموي، وعمر بن عبد العزيز، ونجاحهم في التعامل مع الموالي74. إلّ أن عمر بن عبد العزيز كان في مستوى آخر موضوعًا استثنائيًا للذاكرة
عند أئمة المذاهب الأربعة وأهل الحديث عمومًا، حينما اعتبُر خامس الخلفاء الراشدين75. ويرى برّوت أن عمر بن عبد العزيز كان في سيرة عبد الله بن عبد الحكم موضوعًا لذاكرة المصريين وموالي الأمويين. اعتبر المؤسس الفعلي للدولة العباسية الخليفة أبو جعفر المنصور (136 - 158 ه/ 754 - 775 م) أن الخليفة هشام بن عبد الملك (105 - 125 ه/ 724 - 743 م) هو الرجل القوي، مقارنة ببقية الخلفاء، خاصة المتأخرين الذين كانوا في نظره منغمسين في الترف وفي الجري وراء الملذّات، وهو ما سلبهم، في رأيه، حقهم في الرئاسة الذي منحهم إياه الله76. وهو الخطاب الذي يعيد صياغة النظرة الرسمية العباسية إلى الخلفاء الأمويين الذين نزعت عنهم دعاية الثورة العباسية شرعية الخلافة، نحو نظرة مغايرة تستند إلى مرجعية سياسية جديدة تتمركز في فكرة النجاعة السياسية والقدرة على إدارة دواليب الدولة؛ فكانت مساعي الاقتباس من التجربة السياسية والإدارية الأموية اعترافًا صريحًا بشرعيتها77. في هذا المستوى بالذات، يمكن أن نلحظ انقلابًا كاملً في عملية التذكر الخاصة بالخليفة هشام بن عبد الملك، من رغبة ملحّة في طمس كل أثر له من خلال أعمال الثورة الانتقامية التي لحقت رفاته وبنيه في إطار أعمال الإبادة والتمثيل بالأمويين، إلى رغبة مناقضة تسعى لتذكر المقدرة الإدارية والقتالية التي كان عليها جيش ابن عبد الملك، لغرض محاكاته، تدعيمًا لمقوّمات الدولة العباسية الناشئة، في إطار تشكل ذاكرة جديدة تعتني بالتأسيس لدولة القوة والمناعة. لذلك، كانت صورة ابن عبد الملك موطنًا من مواطن الذاكرة الأموية، التي حظيت باعتراف العباسيين في سياق مختلف من الالتزام الأيديولوجي.
2. الشواهد الأركيولوجية
يبدو من العبث في بعض الأحوال إنكار الذاكرة الأموية، خاصة إذا ما تعلّق الأمر بالآثار العمرانية التي بقيت شاهدة على العصر الأموي، كاشفةً عن أهمية الأدوار الدينية والثقافية والحضارية التي اضطلع بها الأمويون، هذه الحقيقة التي أقرّت بها عبارة الخليفة العباسي المهدي78، على الرغم من مساعيه ومساعي الخليفة المأمون لمحو ذاكرة أسلافهم الأمويين من بعض الشواهد الأكثر رمزية، مثل قبة الصخرة والمسجد الأموي. يُعدّ مسجد قبة الصخرة79 أقدم أثر باق يشهد على نشأة عمارة المسلمين، وكان بناؤه بين عامي 68 و 72 ه/ 687 و 692 م في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وهو من الناحية الفنية والهندسية عبارة عن تحفة نادرة، عكست جمال الفن والزخرفة عند المسلمين، كما تعتبر المنقوشات التي بداخله من الآيات القرآنية من أقدم النقوش عندهم، وكان بناؤه في إطار تركيز الأيديولوجيا الأموية في مواجهة
عبد الله بن الزبير المعتصم بمكة80. وكانت أيضًا موجّهةً إلى المسيحيين من خلال رفض عقيدة الثالوث الإلهي81، وتعبيرًا من الأمويين عن تفوّق المسلمين على الشعوب الموحِّدة الأخرى وعلى الديانات القديمة82. كما كان المسجد الأموي في دمشق أحد شواهد الذاكرة الأموية التي كانت محل انبهار القائد العباسي عبد الله بن علي عند دخوله إلى دمشق83، ومحل إعجاب الخليفة العباسي المهدي، والتي تشهد كذلك على أعمال الوليد بن عبد الملك في العناية بدور العبادة في مختلف الأمصار، خاصة منها إعادة بناء المسجد النبوي في المدينة، الذي استقدم له من أجل إنجازه اليد العاملة والفسيفساء من بيزنطة84، وقد بيّفراد دونر أن ذلك يأتي في إطار جلب الاعتراف بعقيدة المسلمين من الخارج وتعزيز الشرعية السياسية والدينية في الداخل85. كما شكلت القصور الأموية نمطًا معماريًا مستحدثًا لم يكن معروفًا في شبه الجزيرة العربية، يقوم على مفهومين معماريين رئيسين: الجدار والفناء المربع، وقد تزامن ظهور هذا النمط المعماري، وفقًا للباحثين، مع سعي الأمويين لتعزيز مظاهر هيبة الدولة. وهي عمومًا الأرضية الثقافية والحضارية التي ظهرت فيها القصور في الحضارات القديمة. ويعود إنشاء أغلبية القصور الأموية الرئيسة إلى فترتي الوليد بن عبد الملك (86 - 96 ه/ 706 - 715 م) وهشام بن عبد الملك (105 - 125 ه/ 723 - 743 م)86، وظل الطابع الأموي في بناء القصور معتمدًا، فترات متأخرة، ونموذجًا معماريًا مميزًا، يمكن معاينته في عدد من القصور العباسية، مثل قصر أبي جعفر المنصور في بغداد87. وقد دافع عدد من المؤرخين عن حقيقة النمط الأموي، وعن فكرة التجديد في تصوّرهم للفضاء الحضري؛ فاعتبروا أن هذا النمط المعماري كان من ميزات منطقة الشرق الأدنى إلى حدود القرن الثاني عشر، معتبرين إيّاه بداية تصوّر المسلمين للحياة الحضرية. مثلما تحدّثوا عن الجذور الأموية لقصر الزهراء في قرطبة، حينما تفطّنوا إلى تطابقه مع قصر جبل القلعة في عمّان الذي بناه الأمويون88. وتُعدّ لوحات قصير عمرة أهم الشواهد التي تُعبّ عن تصوّر الأمويين لذواتهم كأباطرة وسلالة مختارة لقيادة المؤمنين89. وهو ما جاء في وصف ابن خلدون لهم في كتاب العبر لما جعل منهم بناة للإمبراطورية، وهي خاصية لا يمكن لأي سلالة أخرى أن تدّعيها؛ إذ يظهر الأمويون كأنهم من وضع نسق تاريخ المسلمين، وكل من جاء بعدهم نسج على منوالهم90.
3. ذاكرة التأسيس للثقافة والهوية91
نعني بها المنجز الذي تركه الأمويون، وغمرت بعضه طبقات النسيان، وظل بعضه الآخر في غياهب التجاهل والنكران، مسكوتًا عن قيمته وغير معرّف به، على الرغم من طابعه التأسيسي في بناء الفكر والثقافة، وفي صياغة معالم هوية العرب المسلمين. أ. تعريب نظم الدولة وتطوير أيديولوجيا الحكم قام الأمويون بدور تأسيسي في ترسيخ نظم الدولة الناشئة، وفي تطوير العقائد السياسية وتطوير أيديولوجيا الحكم، ولعل أهم الإنجازات التي تحتفظ بها الذاكرة للأمويين هو إنشاء العملة العربية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان بين عامي 74 ه/ 694 م و 77 ه/ 697 م، والتي تُعرف بعملة "الخليفة الواقف"؛ إذ كانت صورة الخليفة على الدنانير وهو واقف، متقلّدًا سيفه ومرتديًا اللباس العربي92. كما لم يُخف الأمويون خلفيّتهم الثقافية بوصفهم عربًا في إطار سعيهم الواضح لربط الإدارة باستعمال اللغة العربية في الوثائق والسجلات المختلفة في عهدي الخليفتين عبد الملك بن مروان وخلفه ابنه الوليد للتخلّص من التبعية لبيزنطة والفرس93. ويذكر محمد بن جرير الطبري أن عملية التعريب بلغت ذروتها مع هشام بن عبد الملك94؛ إذ أخذت شكلً عربيًا مسلمًا، وجده العباسيون على أحسن صورة. وقد أفضى تطوّر الإدارة في العهد الأموي إلى بروز نخبة من الكتّاب المهرة الذين مهّدوا لظهور وظيفة الوزير في العصر العباسي95. كان الأمويون إضافة إلى ذلك وراء تطوير أيديولوجيا الحكم عند المسلمين من خلال تشييدهم، في عهد هشام بن عبد الملك ومروان بن محمد، العديد من الحجج المجازية لإضفاء الشرعية على حكمهم، التي ذكرها الإداري الأموي عبد الحميد بن يحيى، ودرستها وداد القاضي. ومن أهم هذه الحجج أن الله سلّم خلافة محمد إلى الأمويين باعتبارهم "خلفاء لله"96، وطاعتهم واجب مقدّس، بوصفهم حُماة الإسلام ورمز وحدة الجماعة. وقد بيّنت المؤرخة القاضي اعتماد حكّام المسلمين لاحقًا، هذا الإرث الأموي لتبرير شرعية حكمهم97. ب. حماية الأثر المقدّس وتأطير النشأة الثقافية98
تتشكل الذاكرة الأموية أيضًا من إرث ديني غير ملحوظ وخفي، لكنه محفوظ وتتوارثه الأجيال، ويُحفظ للأمويين دورهم في العناية بالدين باعتباره عنصرًا مُحدّدًا في هوية المجتمع الناشئ، وهو ما أوضحه دونر في حديثه عن جهود الأمويين في إضفاء الشرعية على حكمهم الذي دلّ عليه إرثهم الصامت، على حد تعبيره99. ومن بين شواهد هذه الذاكرة الصامتة ما اتّخذه الخلفاء الأمويون من أعمال أسهمت في تحديد الطقوس الأساسية في الإسلام، مثل الصلاة اليومية وصلاة الجمعة والحج والصيام، التي كانت، في رأيه، أقل وضوحًا وتنظيمًا مما أصبحت عليه في الفترة الأموية100. تذكر المصادر أيضًا تأسيس الخلفاء الأمويين للمآذن101، كما أثبت بعض المؤرخين أن ظهور المحراب المقعّر كان مع الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك في أثناء ترميم مسجد المدينة. ورجّح بعض الأركيولوجيين وجود اضطراب في وجهة القبلة في بعض المساجد قبل هذا التاريخ، وهو ما دلّ عليه بعض الإشارات الأركيولوجية حول أحد المساجد في سورية؛ الأمر الذي دفع بعضهم إلى استنتاج أن الأمويين، وتحديدًا مع الوليد بن عبد الملك، قاموا بتصويب وجهة المحراب102 إلى مكة على نحوٍ لا لبس فيه ولا اضطراب103. كما لا تنكر الروايات دور الأمويين في حماية النصوص الدينية من خلال الاهتمام بالقرآن. وتعود جهود الأمويين في هذا الصدد إلى فترة معاوية بن أبي سفيان وواليه على العراق زياد بن أبيه104، ولاحقًا إلى جهود الخليفة عبد الملك بن مروان وواليه على العراق الحجاج بن يوسف105. وقد صنّف بعض المؤرخين هذه الإجراءات ضمن أشهر الأعمال التي تُحسب للأمويين106؛ لما لها من طابع التأسيس في حماية المقدّس107. ومن هذه الجهود ما اتصل بمساعي جمع الحديث النبوي مع عمر بن عبد العزيز108. أدى الأمويون أدوارًا رئيسة في تنشيط الحركة الأدبية الناشئة، بالاهتمام بالمعارف وتدوينها وترجمتها، وبالعناية باللغة العربية، وذلك باحتضان الحركة الشعرية والنثرية عبر تشجيع الخلفاء والولاة للشعراء في مقابل مدحهم ومناصرتهم109. كما نبغ من الخلفاء أنفسهم وأبنائهم كثير من الشعراء الذين ذكرهم كتاب الأغاني110. وأسهم استقبال الأمويين لأهل الخطابة والكلام في مجالسهم ومحافلهم في الدفع بالحركة الأدبية الناشئة، وعكس هذا المناخُ رقيَّ العقل العربي بما وصل إليه من انفتاح على كنوز الثقافات الأخرى،
وترجم أصداء السجال القائم بين فرق المسلمين. ويمكن اعتبار الروايات الواردة عن دفاع الأمويين عن الفكر الجبري112، وعن حواراتهم مع الخوارج ومع القدرية113، خاصة مع غيلان الدمشقي حول المشيئتين الإلهية والبشرية، أو تلك التي تناقلتها المصادر المسيحية عن الحوار الديني بين الخليفة عمر بن عبد العزيز والملك البيزنطي ليون الثالث114، أهم مظاهر إسهام الأمويين في تنشيط حركتَي الفكر والعقيدة في تاريخ المسلمين المبكر115. وعُدّ رصيد المعارف المأخوذ عن مجالس الخلفاء الأدبية116 نواةً لعلم البلاغة العربي وللمعارف التاريخية وغيرها117. كماذكرت الروايات أخبارًا كثيرة عن اهتمام الأمويين بكتب النجوم والكيمياء والطب118 والفلسفة119، وعن دورهم في حماية اللسان من اللهجات المحلية واللكنات الدخيلة باعتنائهم بالمصحف120، وهو ما يعتبر عملً تأسيسيًا في حماية اللسان والثقافة والهوية.
خاتمة
توصّلنا في المبحث الأول من هذه الدراسة إلى التعريف بنشأة المبحث التاريخي للذاكرة من الناحيتين التاريخية والمنهجية. هذه النشأة المنبثقة عن توجّهات التاريخ الجديد الذي يُعنى بالذهنيات والبنى الفوقية في دراسة الظاهرة التاريخية، وهو المبحث الذي يفترض دور الأطر الجماعية ودوائر التحكم السياسية والعقائدية وغيرها في الكتابة التاريخية، بتأثيرها في نشاطات الذاكرة القائمة على آليتَي التذكّر والنسيان. كما أتينا في المبحث نفسه على أهم ما أُنجز من دراسات عن الذاكرة الأموية، ما مهّد لنا منهجيًا دراسة أشكال النسيان التي لحقت الأمويين، واستهدفت تاريخهم بالطمس والإخفاء والتشويه، وذلك بالحطّ من شرفهم والطعن في شرعيتهم ومحاربة ذكراهم. أما في المبحث الثاني، فقد اتجهنا إلى الكشف عن مجمل المواطن التي استطاعت من خلالها الذاكرة الأموية الصمود في وجه إرادة النسيان والتجاهل، ووجدنا أنها تتحصن بمكامن عدة، أهمها ما رشح عن الرواية الموظفة زمن العباسيين121، التي كشفت عن تقلّبات
الذاكرة وصراعاتها التي اقتضتها شعارات الثورة العباسية وشرعيتها، من خلال ما ورد عن أحداثها، وعن تمثلّات العباسيين لأسلافهم الأمويين المتغيرة بتغيّ طبيعة الشرعية ومتطلّباتها. كما تمّت العودة إلى أعمال الأركيولوجيين للوقوف على شواهد الذاكرة المعمارية للأمويين، لنبرز ارتباطها بطابع التشييد لنمط فني خاص بهم وبالمسلمين. إلّ أن مكامن الذاكرة الأموية الأكثر دلالة وعمقًا في تاريخ المسلمين ما كان في الغالب خفيًا غير ملحوظ، متصلً بهوية المسلمين الناشئة وبثقافتهم، دلّت عليه في الغالب معالم صامتة كثيرة، لكنها عصيّة عن إرادة النسيان، لارتباطها بفعل التأسيس للدولة والفكر والأدب واللغة والمقدّس والطقوس، وهو ما سعينا لتوضيحه من خلال أمثلة بارزة في العنوان الأخير "ذاكرة التأسيس للثقافة والهوية". أردنا من ذلك كله إثراء المتداول من المقاربات المنهجية122، وتدعيم المنجز في الدراسات الأموية التي تحتاج في نظرنا، على أهمية ما تحقق، إلى مزيد الضبط المنهجي والإحكام الإبستيمولوجي من أجل فهم قوانين الذاكرة التي صاغت الرواية التاريخية، ومن أجل تحكيم الصراع بين الذاكرة والتاريخ، وهو ما يزعم المبحث التاريخي للذاكرة العمل من أجله.
المراجع
References
العربية
ابن أبي أصيبعة، أحمد. عيون الأنباء في طبقات الأطباء. تحقيق عامر النجار. القاهرة: دار المعارف، مصر، 1996.
ابن الأثير، علي بن الحسين. الكامل في التاريخ، وبهامشه تاريخ مروج الذهب ومعادن الجوهر. مصر: [د. ن]، 1885.
ابن بكار، الزبير. الأخبار الموفقيات. تحقيق سامي العاني. ط 2. بيروت: عالم الكتب، 1996.
ابن عبد الحكم، عبد الله. سيرة عمر بن عبد العزيز. ط 2. القاهرة: مكتبة وهبة، 1345 ه.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم. ط 2. بيروت: دار صادر، 2004.
أخبار الدولة العباسية وفيه أخبار العباس وولده. تحقيق عبد العزيز الدوري وعبد الجبار المطلبي. بيروت: دار الطليعة، 1978.
أسمان، يان. الذاكرة الحضارية الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى. ترجمة وتعليق عبد الحليم عبد الغني رجب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003.
الأصفهاني، علي بن الحسين بن الهيثم. الأغاني. تحقيق إحسان عباس. بيروت: دار صادر، 2008.
البحراني، هاشم. البرهان في تفسير القرآن. بيروت: مؤسسة الأعلمي، 2006.
بردي، يوسف بن تغري. النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1963.
البلاذري، أحمد. أنساب الأشراف. بيروت: دار الفكر، 1996.
بن حسين، بثينة. الدولة الأموية ومقوماتها الأيديولوجية والاجتماعية. تونس: كلية الآداب بسوسة، 2008.
تيمومي، الهادي. مفهوم التاريخ وتاريخ المفهوم. تونس: دار محمد علي، 2003.
الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. البيان والتبيين. ط 7. القاهرة: مطبعة الخانجي، 1998.
_______. الرسائل. تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون. ط 2. القاهرة: مطبعة الخانجي، 1964.
الجهشياري، أبو عبد الله محمد بن عبدوس. كتاب الوزراء والكتّاب. حققه ووضع فهارسه مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي. القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1938.
ديوان الفرزدق. تحقيق علي فاعور. بيروت: دار الكتب العلمية، 1987.
الذهبي، محمد. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق بشار عواد معروف. مج 3، بيروت: دار صادر، 2003.
الربعي، علي. فضائل الشام ودمشق. دمشق: مطبعة الترقي، 1950.
ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد، 2009.
السجستاني، عبد الله بن أبي داود. كتاب المصاحف. صححه ووقف على طبعه آرثر جفري. القاهرة: المطبعة الرحمانية، 1936.
المصرية للكتاب، 1984.
العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992.
علي، جواد. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بيروت: دار العلم للملايين؛ بغداد: دار النهضة، 1970.
عمامو، حياة ولطفي عيسى ومنصف التايب. السلطةوهاجس الشرعية في الثقافة الإسلامية. تونس: دار الأمل، 2005.
والاجتماعية، جامعة تونس 1. 2018.
الكتابة التاريخية. ترجمة محمد حبيدة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015.
المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين. مروج الذهبومعادنالجوهر. القاهرة: طبعة بولاق، 1283 ه.
_______. مروج الذهب ومعادن الجوهر. صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 2005.
مصطفى، شاكر. التاريخ العربي والمؤرخون. بيروت: دار العلم للملايين، 1983.
رضا تجدد. طهران: [المحقق]، 1971 م.
يزبك، قاسم. التاريخ ومنهج البحث التاريخي. بيروت:دار الفكر اللبناني، 1990.
اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب. تاريخاليعقوبي. النجف: المكتبة المرتضية، 1358 ه.
الأجنبية
السيد، رضوان. "الكاتب والسلطان دراسة في ظهور كاتب الديوان في الدولة الإسلامية". الاجتهاد. المجلد 1، العدد 4 (صيف 1989.) السيوطي، محمد بن شهاب الدين أحمد. إتحاف الأخصاء بفضائل المسجد الأقصى. تحقيق أحمد رمضان أحمد. القاهرة: الهيئة الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الأمم والملوك: تاريخ الطبري. اعتنى به أبو صهيب الكرمي. عمّان: بيت الأفكار الدولية، [د. ت]. عمامو، حياة. "ماهية المصادر الإسلامية المبكرة واختلاف آراء الباحثين في أهميتها التاريخية". أسطور. العدد 6 (تموز/ يوليو 2017). عمري، المعز. "عمر بن عبد العزيز بين التمثل والتاريخ". أطروحة أعدّت لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ. كلية العلوم الإنسانية كوثراني، وجيه. تاريخ التاريخ: اتجاهات مدارس مناهج. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013. النديم، أبو الفرج محمد بن إسحاق. كتاب الفهرست في أخبار العلماء والمصنفين من القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم. تحقيق
Abbott, Nabia. Studies in Arabic Literary Papyri 1: Historical Texts. Oriental Institute Publications. Chicago:
University of Chicago Press, 1957.
Aymard, Maurice. "History and Memory: Construction, Deconstruction and Reconstruction." Diogenes. vol. 51 ,
no. 1 (2004).
Borrut, Antoine & Paul Methuen Cobb (eds.). Umayyades legacies , Islamic History and Civilization. vol. 80.
Leiden: Brill, 2010.
Borrut, Antoine. "Entre tradition et histoire: Genèse et diffusion de l'image de Umar II." Mélange de l'université
Saint-joseph. no. 58 (2005).
_______. Entre mémoire et pouvoir. L'espace syrien sous les derniers omeyyades et les premiers abbassides (v.
72 - 193 / 692 - 809). Leiden: Brill, 2011.
_______. "Introduction: La fabrique de l'histoire et de la tradition islamiques." Revue des mondes musulmans et
de la Méditerranée. Écriture de l'histoire et processus de canonisation dans les premiers siècles de l'islam.
no. 129 (juillet 2011).
Broun, Jonathan. Canonisation de Boukhari et Muslim, The formation and Function of the Sunni Hadith Canon.
Leiden: Brill, 2007.
Cheddadi, Abdesselem. "A l'aube de l'historiographie arabo-musulmane: La mémoire islamique." Studia Islamica.
no. 74 (1991).
Comero, Viviane. "La figure historique d'Ibn 'Abbâs." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée.
Écriture de l'histoire et processus de canonisation dans les premiers siècles de l'islam. no. 129 (2011).
Crone, Patrice & Martin Hinds. God's Caliph, Religious Authority in the First Centuries of Islam. Cambridge:
Cambridge University press, 1989.
De Prémare, Alfred Louis. "Ayyam al-Arab- Ayyam al-islam. Tufayl Ibn 'amr al-dawsi." Arabica. no. 46 (1999).
Décobert, Christian. "L'autorité religieuse aux premiers siècles de l'islam." Archives de sciences sociales des
religions. no. 125 (Janvier - Mars 2004).
Elad, Amikam. "Aspect of the Transition from the Umayyad to the Abbasid Califate." Jerusalem Studies Arabic
and Islam. no. 19 (1955).
El-hebri, Tayeb. "The Redemption of Umayyad Memory by the 'Abbasids." Journal of Near Estearn Studies. vol.
61 , no. 4 (2002).
Geary, Patrick. La mémoire et l'oubli à la fin du premier millénaire. Paris: Aubier, 1996.
Goldziher, Ignaz. Muhammedaniche Studien II. Halle: max Niemeyer, 1890.
Grabar, Oleg. "The Umayyad Dome of the Rock in Jerusalem. " Ars Orientalis. no. 3 (1959).
Gregor, Schoelor. Ecrire et transmettre dans les débuts de l'islam. Collection: Islamiques. Paris: Puf, 2002.
Halbwachs, Maurice. Les cadres sociaux de la mémoire. Paris: F. Alcan, 1925.
Hoyland, Robert. "The Correspondence of Leo III (717 - 41) and Umar II (717 - 20)." Aram. no. 6 (1994).
Humphreys, Stephen. "Modern Arab Historians and the challenge of the Islamic Past." Middle Eastern Lectures.
no. 1 (1995).
Jeffry, Arthur. "Ghevond's Text of the correspondence between 'Umar II and Leo III." The Harvard Theological
Review. vol. 37 , no. 4 (1944).
Lassner, Jacob. "Islamic Revolution and Historical Memory. An inquiry into the Art of Abbasid Apologetics."
American Oriental Society. no. 66 (1986).
Le Goff, Jaques, Roger Chartier & Jacques Revel (eds.). La nouvelle histoire. Paris: Retz, 1978.
Le Goff, Jaques. Histoire et mémoire. Paris: Gallimard, 1988.
Makdisi, George et al. (eds.). Prédication et propagande au Moyen Âge. Islam, Byzance, Occident. Penn-Paris-
Dumbarton Oaks Colloquia. III. Session des 20 - 25 octobre 1980. Paris: PUF, 1983.
Martin, Jean Clément. "Histoire, Mémoire et Oubli: Pour un autre régime d'historicité." Revue d'histoire moderne
et contemporaine. vol. 47 , no. 4 (2000).
McKitterich, Rosamond. History and Memory in the Carolingian World. Cambridge: Cambridge University press,
Murad, Hasan Qasim. "Was 'Umar II a True Umayyad'?" Islamic Studie. vol. 24 , no. 3 (Autumn 1985).
Nora, Pierre & Jaques Le Goff. Faire de l'histoire. Paris: Gallimard, 1974.
Nora, Pierre (ed.). Les Lieux de Mémoire. Tome. 1 , 2 , 3. Paris: Gallimard, 1984 , 1986 , 1992.
Ricœur, Paul. "Histoire et Mémoire, l'écriture de l'histoire et la représentation du passé." Annales, Histoire,
Sciences Sociales. 55 ème Année. no. 4 (2000).
Robinson, Chase. Islamic Historiography. Cambridge: Cambridge University Press, 2003.
Schmitt, Jean Claude & Otto Gerhard Oexle (dir.). Les tendances actuelles de l'histoire du moyen âge en France
et en Allemagne. Paris: Publications de la Sorbonne, 2002.