العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب

مراجعة كتاب

Book review of Histoire Du Monde Au XIXe Siècle

محمد غاشي | محمد غاشي

الملخّص

إشراف: بيير سينغارافايلو وسيلفان فينير Pierre Singaravélou & Sylvain Venayre. ترجمة: مجموعة من الباحثين. تنسيق ومراجعة: محمد حبيدة. عنوان الكتاب:  تاريخ العالم في القرن التاسع عشر.

الناشر:  الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإنسانية. سنة النشر:  2021. عدد الصفحات:  940 صفحة.

الكلمات المفتاحية:
  • القرن التاسع عشر
  • التاريخ العالمي
  • الكتابة التاريخية
Keywords:
  • Global History
  • Histography
  • Nineteenth Century

. Histoire Du Monde Au XIXe Siècle العنوان الأصلي:

مقدمة

صحيح أنّ للرؤية الكونية باعًا طويلً في حقل الدراسات التاريخية التي تبدأ، كما هو معلوم، مع أبي التاريخ هيرودوت، وظلّت مستمرة أيضًا على نحو واضح في الأدبيات الإغريقية واللاتينية القديمة، وأيضًا في الدراسات التاريخية الأوروبية الوسيطية والحديثة على حدّ سواء، بيد أنّها كانت تنبني، في حقيقة الأمر، بالأساس، على مركزية الذات وهامشية الآخر، والتي بلغت أوجَها مع النزعة "المركزية الأوروبية" أو "النزعة الغربية"، إشارة إلى أوروبا وامتداداتها في العالم الجديد (الولايات المتحدة الأميركية، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا... إلخ)3. ومع ذلك، فالحاصل أنّ هذا الواقع، الذي عمّر طويلً تحت وطأة الأحداث الكبرى التي هزّت أوروبا ومعها بقيّة العالم، من حربين عالميتين مدمّرتين، سرعان ما تبدّد، فاسحًا بذلك المجال أمام مجموعة من المدارس التاريخية لتجديد الصّنعة أو مهنة المؤرخ. وارتباطًا بذلك، برز حقل جديد في الهيستوريوغرافيا الغربية لا يستسلم لمفاعيل "المركزية" وإغراءاتها الموغلة في الإعلاء من شأن الذات والتنقيص من شأن الآخرين، وبدلً من ذلك استعاض عن نموذج الغرب بتبنّي منظور كوني للماضي الإنساني، وفق حركية عالمية تستجيب لحقبة العولمة التي تشعرنا بأنّ ثمّة شيئًا يكاد يجمعنا4. إذا كان "التاريخ العالمي" قد قطع أشواطًا كبيرة في الأوساط الأكاديمية الأنكلوسكسونية، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، وبدرجة أقل في ألمانيا وهولندا وفرنسا وإيطاليا، التي كافح روّادها - جماعة المؤرخين - من أجل أن يكتسب هذا الحقل - تاريخ العالم - هويته المتفرّدة، ضدًّا في المقاربات الكلاسيكية اللصيقة بما هو قومي ومحلّ صرف، سواء تعلّق الأمر بالأبعاد أو طبيعة المقاربات والموضوعات والإشكاليات، مستفيدين في ذلك من تطوّر المعرفة التاريخية ورؤاها ومقارباتها، وانفتاح المؤرخين على الحقول الأخرى في العلوم الإنسانية والاجتماعية (الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم السياسة، والجغرافيا، والأنثروبولوجيا، والعلاقات الدولية... إلخ)، فإنّه مع ذلك كله، يظلّ هذا التوجّه حقلً بكرًا في بقيّة الفضاءات الجغرافية الأخرى. في هذا السياق، أيضًا، وإن كان المقام فعلً لا يتّسع للتفصيل، نشير إلى أنّ أحد أهداف "تاريخ العالم" هو إبراز الأنساق المشتركة لتاريخ كل الناس، وعرض التاريخ العالمي بوصفه تجربة إنسانية متداخلة ومترابطة ومشتركة. وفي هذا الإطار، يعتبر كتاب صعود الغرب5، للمؤرخ الأميركي وليام ماك نيل، حقًّا محاولةً مؤسسة في هذا الباب، ويمكن أيضًا أن ندرج ضمن الإطار نفسه الدراسات الأميركية حول ما يُصطلح على تسميته "حديث النهايات"، في إشارة إلى عمل كل من فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير6، وصمويل هنتنغتون، صراع الحضارات7، والمؤرخ الإسكتلندي نيال فيرغسون، الحضارة: الغرب والبقية8. لكن يظلّ كتاب كريستوفر با لي، ولادة العالم الحديث9، وكتابا المؤرخ الألماني يورغين أوسترهاميل العولمة: تاريخ موجز10، وتحول العالم: التاريخ العالمي في القرن التاسع عشر11، أعمالً رائدة في هذا القطاع الهيستوريوغرافي.

1  أحمد إبراهيم أبو شوك، "تدريس تاريخ العالم في جامعات الخليج العربي: التحديات والآفاق"، أسطور، العدد 5 (كانون الثاني/ يناير 2017)، ص 312. 2  عمرو عثمان، "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء"، أسطور، العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2015)، ص 9.

  1. W. H. McNeill, The Rise of The West: A History of The Human Community (Chicago/ London: The University of Chicago Press, 1963).
  2. Francis Fukuyama, The End of History and The Last Man (New York: Free Press, 1992).
  3. Samuel Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1996).
  4. Niall Ferguson, Civilization: The West and the Rest (New York: Penguin, 2012).
  5. C. A. Bayly, The Birth of the Modern World 1870  -  19 14 (Hoboken, NJ: Wiley Blackwell, 2004).
  6. Jürgen Osterhammel & Niels P. Petersson, Globalization: A Short History (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2005).
  7. Jürgen Osterhammel, The Transformation of the World: Global History of the Nineteenth Century (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2014).

على هذا النحو، وتماشيًا مع هذه "الموضة الجديدة" التي أخذت حيّزًا مهمًّا في الفضاءات الأنكلوفونية والألمانية، نجد أن الأوساط الفرنكوفونية هي الأخرى أولت اهتمامًا على نحو متزايد بهذا القطاع الهيستوريوغرافي؛ "التاريخ العالمي" أو "التاريخ الكوني"، خاصة خلال العقد الأخير. وفي هذا السياق، تُشكّل الكتب، سواء التي أشرف عليها باتريك بوشرون، تاريخ العالم في القرن الخامس عشر12، أو حرّرها وحده، تاريخ فرنسا العالمي، أعمالً مؤسسة حقًا في هذا الباب. وضمن هذا السياق العام أيضًا، يندرج مؤلَّف تاريخ العالم خلال القرن التاسع عشر، الذي نشُر عام 2017 عن دار النشر الفرنسية فايار، والذي شارك في إخراجه ما ينيف على مئة باحث وباحثة، وتحت إشراف المؤرخين بيير سينغارافايلو وسيلفان فينير. صفوة القول، يعدّ هذا الكتاب الجماعي الضخم حقًّا محاولة طموحة وعلامة فارقة على الخروج من الرؤية الغربية الضيّقة والاستعاضة عنها بانتهاج رؤية شمولية كونية لتاريخ العالم، بغية استشراف عوالم أرحب، ما من شأنه أن يعطي الكلمة الفرنسية القديمة (تولموند) معناها الكامل حقًّا، حيث يغدو التاريخ تاريخ كلّ الناس Mankind. وقد نُقل هذا العمل حديثًا إلى العربية، بمساهمة باحثين مغاربة وتونسيين، وسهر على تنسيقه ومراجعته محمد حبيدة، أستاذ التاريخ الاجتماعي ومناهج البحث والترجمة بجامعة ابن طفيل بالمغرب، وصدر في 940 صفحة من القطع المتوسط، عن "سلسلة ترجمات" في مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود في الدار البيضاء بالمغرب عام 2021. ويشكّل الكتاب في حلته العربية قيمة مضافة للمشتغلين في الدراسات التاريخية، وما يزيدها رونقًا وأهمية كونها أقرب إلى الكتابة الثانية المبدعة، منها إلى الترجمة بالمعنى الحرفي للكلمة.

أهمية الكتاب

لهذا الكتاب أهمية خاصة، ويمثّل فعلً قيمة معرفية مضافة للمشتغلين في الدراسات التاريخية، ويكتسي بعدًا راهنيًا لاعتبارات عدّة يمكن أن نوجزها في ثلاثة، على النحو الآتي: من حيث الموضوع "تاريخ العالم"، يسهم الكتاب، بلا ريب، في سدّ النقص المهول الحاصل في هذا الحقل البكر (التاريخ العالمي) في الهيستوريوغرافيا التاريخية، الذي على الرغم من جدّته وفائدته باعتباره تخصّصًا يروم الإمساك بالقوى المحركة للتاريخ في ترابطاتها وشموليتها وبصورة تتجاوز الحضارات والدول والأقاليم والشعوب والهويّات، وغير ذلك ممّا يتّصل بها من دوائر ضيّقة، فإنّ حضوره يظلّ هامشيًا وغائبًا على نحو شبه كلّ في الجامعات العربية عمومًا. بعودته إلى القرن التاسع عشر الذي يعتبر قرنًا متفرّدًا، والذي وصفه غابرييل مونود بكونه "قرن التاريخ"، إذ لا مناص من العودة إلى ظرفية القرن التاسع عشر الطويل أو الممتدّ وفقًا لإريك جون هوبسباوم. ومن دون العودة إلى المرتكزات التاريخية لهذا القرن الذي تشكّلت فيه كثير من عوالمنا المادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والمستمرّة إلى الآن، يصبح هذا الحضور عصيًا عن الفهم "فاليوم يخرج من الأمس، والغد ينبثق من الماضي" وفق عبارة بليغة للمؤرخ جاك لوغوف.

13  جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟ ترجمة محمد الحناوي ويوسف نكادي (وجدة: مطبعة مفكر زنقة السنغال، 2015.)

  1. Patrick Boucheron (dir.), Histoire du monde au XVe siècle (Paris: Fayard, 2009).
  2. Patrick Boucheron (dir.), Histoire mondiale de la France (Paris: Seuil, 2017).
  3. Pierre Singaravelou & Sylvain Venayre (dir.), Histoire du monde au XIXe siècle (Paris: Fayard, 2017).

تكمن القيمة المضافة للكتاب أيضًا في الرهانات الكبرى التي ينطوي عليها، وفي مقدّمتها تحدّي بناء رؤية تركيبية للماضي الإنساني، ومحاولة كتابة تاريخ شمولي وفقًا لنظرة كونية تسعى أولً، وقبل كل شيء، للإمساك بماضٍ متعدّد الأصوات، وفقًا للمؤرخ الفرنسي جول ميشليه.

عود عىل بدء: مضامين الكتاب

إضافة إلى تقديم الترجمة العربية والمقدمة والخاتمة والببليوغرافيا، فإنّ صفحات هذا الكتاب الماثل للدراسة تتوزّع على أربعة أقسام، وهي على التوالي: 1. تجربة العالم، 2. زمن العالم، 3. متجر العالم، 4 العالم وأقاليمه. ويتوزع كلّ قسم بدوره على مجموعة من الفصول والمباحث، التي تشكّل خريطة مفتاحية للولوج إلى دفّات الكتاب. وعلى سبيل البدء، في تقديمه لهذا الكتاب المترجم عن لغته الأصلية الفرنسية، يذهب محمد حبيدة بدايةً إلى التأكيد على أهمية "تاريخ العالم" الذي تتزايد شعبيته وحضوره في الهيستوريوغرافيا العالمية خلال القرن الحادي والعشرين، ولا سيما في الفضاءات الأنكلوسكسونية؛ المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية على وجه الخصوص، وبدرجة أقل في بلاد الطواحين الهوائية (هولندا) وألمانيا. ويشير المترجم في هذا الاتجاه أيضًا إلى حقيقة مفادها أنّ تاريخ العالم في جوهره دراسة للترابطات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي حصلت خلال حقبة زمنية معيّنة، فضلً عن كونه حصيلة لتطوّر المعرفة التاريخية وظاهرة العولمة التي اجتاحتنا من كل جانب، لكن هذا لا يمنعه من الإشارة إلى ضرورة توخّي الحذر وأخذ الأمور على محمل النّسبية في كل حديث عن عولمة العوالم؛ ذلك أن ليس كل الكيانات الجيوبوليتيكية قد تأثرت بالدرجة نفسها، بل ثمّة ثقافات مقاومة لهذا التيار، وحتى ربّما يمكن اعتبار أنها كانت مناهضة للعولمة على الإطلاق. ويشير حبيدة إلى أنّ عملية التعامل الإيجابي مع هذا العمل الجماعي "يعلّمنا نحن المشتغلين في حقل الدراسات التاريخية" ثلاثة فوائد على الأقل. أولاها، التحرّر من التقوقع المحلي والقومي وضيق الأفق وحجب دوائر الرؤية نحو توسيع أفق البحث لاعتناق الفضاءات الرحبة لتاريخ العالم. وثانيتها، تبيان هشاشة عملية التحقيب في العالم العربي، مغربه ومشرقه، وهو ما يفرض إعادة التفكير في أدوات ومقاييس التحقيب لدينا خاصة عند تناول حقبة العصر الحديث. ثالثتها، بناء رؤية جديدة في كتابة التاريخ تنتصر للتركيب بوصفه نهجًا، ويحاول من خلالها أن يرى تاريخ البشر قصةً واحدة متماسكة، وليس مجموعةً من القصص الخاصة لمجتمعات متباينة ومتنافرة وتعيش بمعزل بعضها عن بعض. في مقدمة هذا الكتاب، يصوغ المؤرخان سينغارافايلو وفينير الأسئلة التي واجهتهما في عملية تنسيق وتحرير هذا العمل الجماعي، كالآتي: كيف أصبحنا معاصرين؟ أي قرن تاسع عشر؟ أي عالم؟ أي تاريخ؟ وتبعًا لذلك، ومن خلال استعادة عبارة أثيرة عن المؤرخ لوسيان فيفر ومن قبله جول ميشليه، مفادها: "أن تكون مؤرّخًا معناه أن تؤرّخ بسلاسة"، فإنّ سينغارافايلو وفينير يهدفان، من خلال الإجابة عن هذه الإشكاليات، إلى الوصول إلى نوع من الموضعة الإبستيمولوجية لموقع "تاريخ العالم" ضمن القطاع الهيستوريوغرافي، والإشارة إلى بعض المحاذير التي تحيط بكتابة هذا التاريخ، والتي وصفاها بعبارة وجيزة مفادها أنّ: "كتابة تاريخ العالم محفوفة بالمخاطر، لأننا لا نعرف تمام المعرفة ما هو هذا التاريخ قبل البدء بكتابته" (ص. 23). مهما يكن من أمر، فإنّ منسّقَي العمل لم يقتصرا على الإشارة إلى المحاذير والمنزلقات المنهجية والإبستيمية التي تلفّ عملية كتابة تاريخ العالم في القرن التاسع عشر، لكنهما يقدّمان أيضًا خريطة وإشارات للولوج إلى هذا العمل الضخم، الذي يشهد على ديناميات الاندماج العالمي، وفي الوقت نفسه على امتداد الهويات، وتداخل التواريخ المحلية والوطنية والقومية في نسق عالمي، يمنحنا الشعور

لأوّل مرّة بأننا أصبحنا "معاصرين". هنا، استنادًا إلى هندسة هذا الكتاب الجماعي، فإنّه في إمكان كل واحد فينا - نحن المشتغلين في حقل الدراسات التاريخية - الولوج من حيث يريد إلى هذا العمل. وتبعًا لذلك فإنّ القراءة الفاحصة وحدها تقود كل باحث وتوجّهه نحو كتابة نصّ ذي معنى، تفاعلً مع هذا العمل الجاد في جنسه، وهو ما يعني أنّنا نتعامل مع كتاب يفيض بالتجارب، بقدر ما يُظهر التنوّع الهائل لعالمنا وبوجود "حداثات" بديلة، وليس "حداثة" واحدة منمّطة. ومن ثمة، لم يكن مفاجئًا أو من قبيل الصدفة أن يكون أحد الأهداف الكبرى لهذا الكتاب كامنًا بالأساس في قياس دينامية الاندماج العالمي، وفي الوقت نفسه رصد مظاهر اللامبالاة التي رافقت عملية تشكيله. وهكذا، جاء القسم الأول من هذا الكتاب بعنوان "تجربة العالم"، الذي تتوخى فصوله الأربعة عشر عرض مجموعة من الظواهر التي بصمت القرن التاسع عشر الطويل أو الممتدّ، والتي كان لها دور فعّال في تغيير العالم الذي نعيش فيه (الديموغرافيا، والمواصلات، والاتصالات، والهجرة الدولية، والتجارة الدولية، والتصنيع، والتمدين والتحضر، والثورات والحروب، والعلم ومجتمع المعرفة... إلخ). وفي هذا القسم، على الرغم من أنّ الببليوغرافيا المعتمدة فيه أساسًا أوروبية - أميركية بفعل اختلال ميزان القوة الهيستوريوغرافي، وسيطرة المدارس والجامعات الغربية الأكثر عددًا وتطوّرًا، فإنّ جماعة المؤرخين، كانت قد بذلت جهودًا نوعية للقطع مع النزعة "الأورومركزية" لتاريخ القرن التاسع عشر الذي يُحدَّد منذ مدّة ليست بالقصيرة بكونه قرنًا أوروبيًا بالأساس وحقبةً ل "الحداثة". وقد اتجهت بدلً من ذلك إلى مساءلة هذه الظواهر في سياقها التاريخي، لكن من خلال تغيير طبيعة المقاربات ومساءلتها على المستوى العالمي وليس المحلّ أو الإقليمي، وذلك لقياس مدى توحيد العالم ودينامية الاندماج العالمي من جهة، ومن جهة أخرى كشف مظاهر اللامبالاة التي صاحبته، كما أشرنا آنفًا. لن يكون في الإمكان استعراض كل محتويات القسم الأول، ولكننا سنتوقف عند فرادة يكشف عن خيوطها وطريقة انتظامها هذا القسم، وهي أنّ هذه القضايا والموضوعات المتعلّقة بالديناميات العالمية المسجلة في القرن التاسع عشر تبقى في حقيقة الأمر حاضرة ومستمرّة معنا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين، وهو ما يمكن أن نعدّه إرهاصات عولمة مبكّرة. ويدفعنا هذا القسم أيضًا، نحن المشتغلين في حقل الدراسات التاريخية، إلى مساءلة أدوات التحقيب لدينا، وإعادة التفكير في تحقيب جديد لظاهرة العولمة خاصة عند الحديث عمّا يكنّى ب "البدايات الأولى" لهذه الظاهرة العالمية. أمّا القسم الثاني، الذي جاء موسومًا ب "تاريخ العالم"، فيمثّل في حقيقة الأمر مسحًا شاملً للقرن التاسع عشر الممتدّ، وهو قرن يعتبر، من وجهة نظر الكثير من المؤرخين، قرنَ اتساع الآفاق عبر المعرفة من ناحية، وزمن تقلّص المساحة بين العوالم والفضاءات الجغرافية بفعل تسارع التنقلّات وتطوّر المواصلات وثورة الاتصالات من ناحية أخرى. ويُلحظ حين قراءتنا هذا القسم الارتباط الوثيق بين هذا القرن والعالم الذي نعيش فيه نحن المعاصرين اليوم، ففي هذا القرن الذي أصبح فيه الجميع على علم بالجميع وفقًا لسينغارافايلو وفينير، برز أيضًا عدد من الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، التي لا زالت تشكّل عالمنا على نحو كبير (الاهتمام بحماية البيئة، والمنظمات الحقوقية، وحقوق الإنسان، والهجرات الكبرى، والتجارة العالمية، والرحلات العابرة للمناطق، والسلاح، والإرهاب العالمي، والنّفط بوصفه موردًا طاقيًا حيويًا... إلخ). وتأسيسًا على ذلك، يتجلّ أحد أهمّ الدروس التي يمكننا استخلاصها من قراءتنا هذا القسم بالأساس في محاولة الوصول إلى نظرية تفسيرية كبرى في كتابة تاريخ العالم ودراسة الظواهر الكبرى العابرة للمناطق والجغرافيات والثقافات والهويّات. بعبارة أخرى، إمكانية الوصول إلى بناء منطقي ومتماسك عند الإجابة عن أسئلة من قبيل: كيف تطوّر العالم بالطريقة التي تطوّر بها؟ وما الأسباب التي جعلت ذلك ممكنًا؟

وعطفًا على ما قد مرّ، جاء القسم الثالث معنونًا ب "متجر العالم"، واشتمل على أحد عشر فصلا موزّعة على عدّة موضوعات تهم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والحياة اليومية، تشكّل الثقافة المادية عمومًا خيطًا ناظمًا بينها، وتجمع إضمارًا ما تفرّق، وهو ما يعكس حقًّا شهادة على تنوّع العالم وتشبّك مجالاته، وأيضًا على وجود تفاعل وترابطات بين مناطق وثقافات المعمورة، في زمن لم يعد يسمح لنا، أصلً، بأن نتصوّرها بمعزل عن بعضها البعض. وفي هذا السياق، وأمام كثرة الأمثلة في الكتاب حول التجارة العالمية التي تمثّل دليلً على الترابط والتفاعل العالميَيّن، فإنّنا سنقتصر على ثلاثة أمثلة من وجهة نظرنا تعدّ علامة دالة في هذا الاتجاه. أولً: "الطرابيش" التي وإن اختلف الباحثون في تحديد منشئها (إمبراطورية هابسبورغ، أو الدولة العثمانية، أو المغرب... إلخ)، إلا أنهم يتفقون على أنّ القرن التاسع عشر هو قرن الطربوش بامتياز. وهذه الصناعة التي صارت وظيفة محدّدة خاصة في العالم الإسلامي، فمن المغرب إلى الهند أصبحت رمز الرؤوس الذكية، ورمزًا أيضًا إلى الإصلاح وفقًا لعالمة الاجتماع صوفيا فيرشيو. فمن ناحية، استخدم الطربوش الأحمر علامة تميّز في مواجهة المحتل، ومن ناحية أخرى استخدمته الحركات الوطنية علامةً للحداثة أمام "العمامات القديمة" التي ترمز إلى المحافظة والتقليد؛ ففي أرض الكنانة مصر، على سبيل المثال، كان المتعلم/ الأفندي يرتدي الطربوش الأحمر، والعمامة متروكة للفقهاء والفلاحين والعامة. ثانيًا: الساعة التي جسّدت، إلى جانب كونها إكسسوارًا وسلعة استهلاكية، علامةً على الانضباط الزمني، وقبضة الزّمن الجديد على الوجود في هذا القرن الذي مثّلت الساعة رمزه ووسيلته وفقًا لكريستوف غرانجر، خاصة بعد أن جرى تأميمها وعولمتها، فكانت النتيجة بروز نظام المواقيت الوطنية، ثم نظام التوقيت الدولي "غرينتش" في عام 1911 بوصفه علامة فارقة على رسم زمن العالم وتقدير الوقت والإحساس بالزمن. ثالثًا: "الشاي"، المشروب الآسيوي العجيب الذي أضحى معولمًا خلال هذا القرن، واكتسب شعبية عالمية في القارات الستّ، بداية من الصين أرض المنشأ ومن هنالك إلى بقية العالم. وفي سياق عرض فيليب شاسين لقصّة الشاي، وتتبّع العملية الطويلة بدءًا من إنتاجه ومرورًا بتسويقه وانتهاءً باستهلاكه، تظهر بريطانيا فاعلً رئيسًا أكثر من الصين في عولمة هذا المشروب وفقًا للمؤرخ نيال فيرغسون؛ ذلك أن تأثير الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كان واضحًا، من خلال احتكارها لتجارة هذا المنتج. وأخيرًا، يُمثّل القسم الرابع من هذا الكتاب وعنوانه "العالم وأقاليمه"، والموزّع على عشرة فصول وفقًا للمجالات الحضارية المشكّلة للعالم بأسره (أوروبا، وأميركا الشمالية، وأميركا اللاتينية، وآسيا، والهند، والصين، وأفريقيا جنوب الصحراء، والإمبراطورية العثمانية، والملكيات العربية الإسلامية، وروسيا... إلخ)، محاولةً جادّة لتقديم قراءة تركيبية لتاريخ العالم خلال القرن التاسع عشر الممتدّ، لكن من دون حذف التنوع أو إلغاء الخصوصيات، بما في ذلك التّفاوتات الحاصلة آنئذ بين مناطق المعمورة. وعلى هذا النحو، كانت الفصول العشرة تحاكي تاريخ النطاقات الحضارية العالمية غير المعزولة عن بعضها البعض، وتبعًا لذلك، كان المساهمون في هذا القسم يتجهون إلى تخليص التاريخ من النزعة المركزية، وفي مقابل ذلك كانوا يكشفون حقًّا عن ماضٍ متعدّد الأصوات، يبوح بوجود "حداثات بديلة". يمكن الإقرار، ومن دون إطناب في التفاصيل، بأنّ القاسم المشترك بين هذه الفصول العشرة هو اتخاذ المناطق نقطةَ انطلاق لدراسة "التاريخ العالمي"، أي دراسة التاريخ الإقليمي ليس بوصفه إقليمًا أو منطقة منفصلة في حدّ ذاتها، وإنّما في علاقاتها وتفاعلاتها مع جيرانها من ناحية، وبقيّة العالم من ناحية أخرى. في كلّ الأحوال، فإنّ هذا النمط من البحث التاريخي يوفّر لنا مجموعة من الفوائد على المستوى البحثي والمعرفي والمنهجي في كتابة وقراءة التاريخ العالمي، من ضمنها إفادتنا في بناء تصوّر جديد حول دينامية الاندماج العالمي في إطار ظاهرة العولمة.

خاتمة

يشكّل هذا الكتاب، وهو ثمرة لعمل دؤوب شارك في إنجازه ما ينيف على مئة باحث وباحثة، وتحت إشراف بيير سينغارافايلو وسيلفان فينير، قيمة مضافة للمشتغلين في تاريخ العالم الذي يشكّل القاعدة العريضة والصلبة التي تستند إليها بقية التواريخ المحلّية والوطنية والإقليمية. ولعلّ واحدة من مزايا هذا العمل هو نجاح أصحابه - جماعة المؤرخين - بلغة نثرية أنيقة في تقديم صورة بانورامية شاملة ومتعدّدة الأوجه لتاريخ العالم خلال القرن التاسع عشر الممتدّ. صحيح أنّ هذا الكتاب يبُرز أوروبا والولايات المتحدة الأميركية اللتين أدتا بلا شكّ دورًا أساسيًا خلال هذا القرن، لكنّه ينقلنا حتمًا إلى ما وراء حسابات النزعة المركزية الأوروبية ونموذج الغرب، لارتياد عوالم واسعة بأفق كوني يسمح بسماع الأصوات المتعدّدة لماضينا الإنساني، ويبوح حقًّا بوجود حداثات بديلة. علاوة على ذلك، تكمن جدّة وفائدة هذا الحقل في الوعي بالماضي وفهم الحاضر وامتلاك القدرة على استشراف المستقبل. بعبارة أخرى، يتيح تاريخ العالم لنا إمكانية إدراك كيف وصل العالم إلى ما وصل إليه، وإلى أين يتجه. في الحصيلة، فإنّ أهم درس يمكن استخلاصه من قراءتنا لهذا الكتاب هو أهمية "تاريخ العالم" بوصفه قطاعًا هيستوريوغرافيًا تقدّمه أغلب الجامعات والمراكز البحثية الغربية الكبيرة اليوم، والذي تزداد شعبيته وحضوره يومًا بعد يوم من ناحية. ومن ناحية أخرى، من وجهة نظري وبمناسبة صدور الترجمة العربية للكتاب، دعوة وصرخة أيضًا من خلال فريق الترجمة إلى عموم المشتغلين في حقل الدراسات التاريخية، لتحريك المياه الراكدة في الجامعات العربية، من المحيط إلى الخليج، للشروع في الاهتمام بتخصّص التاريخ العالمي، تدريسًا وتأليفًا ونشرًا.

المراجع

العربية

الأجنبية

References

أبو شوك، أحمد إبراهيم. "تدريس تاريخ العالم في جامعات الخليج العربي: التحديات والآفاق". أسطور. العدد 5 (كانون الثاني/ يناير عثمان، عمرو. "التاريخ العالمي: موضوعه ومناهجه ودراسته من خلال تاريخ الأشياء". أسطور. العدد 1 (كانون الثاني/ يناير 2015.) لوغوف، جاك. هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟ ترجمة محمد الحناوي ويوسف نكادي. وجدة: مطبعة مفكر زنقة السنغال، 2015.

Bayly, C. A. The Birth of the Modern World 1870  -  1914. Hoboken, NJ: Wiley Blackwell, 2004.

Boucheron, Patrick. Histoire du monde au XVe siècle. Paris: Fayard, 2009.

________. Histoire mondiale de la France. Paris: Seuil, 2017.

Ferguson, Niall. Civilization: The West and the Rest. New York: Penguin, 2012.

Fukuyama, Francis. The End of History and The Last Man. New York: Free Press, 1992.

Huntington, Samuel. The Clash of Civilizations and The Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster,

McNeill, W. H. The Rise of the West: A History of The Human Community. Chicago/ London: The University of

Chicago Press, 1963.

Osterhammel, Jürgen. The Transformation of the World: Global History of the Nineteenth Century. Princeton, NJ:

Princeton University Press, 2014.

Osterhammel, Jürgen & Niels P. Petersson. Globalization: A Short History. Princeton, NJ: Princeton University

Press, 2005.

Singaravelou, Pierre & Sylvain Venayre (dir). Histoire du monde au XIXe siècle. Paris: Fayard, 2017.