العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مجهولٌ، منسيٌّ، مهملٌ: إشكاليات وملاحظات متعلقة بتأريخ الفن المصري الحديث في القرن العشرين

مجهولٌ، منسيٌّ، مهملٌ: إشكاليات وملاحظات متعلقة بتأريخ الفن المصري الحديث في القرن العشرين

Unknown, Forgotten, Neglected: Observations on the Historiography of Modern Egyptian Art in the Twentieth Century

ياسر منجي

Yasser Mongy

مجهولٌ، منيسٌّ، مهملٌ

إشكاليات وملاحظات متعلقة بتأريخ الفن المرصي الحديث يف القرن العشرين

الملخّص

رغم كثرة الدراسات والمقالات التي أرَّخَت لوقائع نشأة الفن المصري الحديث، ومحطات نموه، وملامح تحولاته وتطوره، التي تميزت بتفاوتها على مستويات التدقيق البحثي، فإن ثمة ثِقة مُفرطة يمكن ملاحظتها في تكرار اللاحقين ما ورد في كتابات السابقين، أفضت إلى الخروج بالكثير من النتائج المنقوصة والدلالات المُجتَزَأة. فعديد الكتابات التوثيقية، الدائرة في فلَك هذا التاريخ النوعي، تتعدد دلائل اعتماد كاتبيها على النقل المباشر المُطمئنّ، من دون مُراجعةٍ أو تمحيص أو اختبار، من عددٍ قليلٍ من المصادر المحدودة التي شاعت وحَظِيَ مؤلِّفوها بدرجةٍ من الشهرة، وبالكثير من الثقة، إلى أن صارت مؤلفاتُهم في حُكم الثوابت التي لا تُناقَش، والحقائق التي لا تُراجَع. ومع تعاقُب النقلِ عن مَنقولٍ عن ناقل، ومع توالي ترديد المكرَّر والذائع من المعلومات، استقرَّت في ذاكرة الفن المصري الحديث أخطاءٌ، وشاعت معلومات وأفكار لا سَند لها مِن الحقيقة.

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • ندوة أسطور
  • الفن
  • مصر
  • التاريخ الحديث
Keywords:
  • Ostour Seminar
  • Egypt
  • Art
  • Modern History

مقدمة

رغم كثرة الدراسات والمقالات التي أرَّخَت لوقائع نشأة الفن المصري الحديث، ومحطات نموه، وملامح تحولاته وتطوره، التي تميزت بتفاوتها على مستويات التدقيق البحثي، فإن ثمة ثِقة مُفرطة يمكن ملاحظتها في تكرار اللاحقين ما ورد في كتابات السابقين، أفضت إلى الخروج بالكثير من النتائج المنقوصة والدلالات المُجتزَأة. فعديد الكتابات التوثيقية، الدائرة في فلَك هذا التاريخ النوعي، تتعدد دلائل اعتماد كاتبيها على النقل المباشر المُطمئنّ، من دون مُراجعةٍ أو تمحيص أو اختبار، من عددٍ قليلٍ من المصادر المحدودة التي شاعت وحَظِيَ مؤلِّفوها بدرجةٍ من الشهرة، وبالكثير من الثقة، إلى أن صارت مؤلفاتُهم في حُكم الثوابت التي لا تُناقَش، والحقائق التي لا تُراجَع. ومع تعاقُب النقلِ عن مَنقولٍ عن ناقل، ومع توالي ترديد المكرَّر والذائع من المعلومات، استقرَّت في ذاكرة الفن المصري الحديث أخطاءٌ، وشاعت معلومات وأفكار لا سَند لها مِن الحقيقة. وفي هذا السياق الحافل بالتعقيدات، نجد أنفسنا إزاء ركام من المادة التاريخية المتعددة الطبقات، خلق في الوعي العام صورةً مربكة للفن المصري الحديث؛ فهي وإن كانت تتّسق في ملامحها العامة مع مجمل السمات الرئيسة لسياق تحولات القرن العشرين نفسِه، فإنها ملامح تختلط بالعديد من الغضون والتجاعيد، وتعاني أحيانًا بعض "الرتوش" المضافة والظلال المخاتِلة. في ظل هذا التشابك، قد تغيب وقائع، أو تُغيَّب، وقد تتبدل حقائق، أو تُبدَّل، وقد تُؤوَّل خطاباتٌ بما يخرجها عن سياقاتها، ويجرّدها من دلالاتها الجوهرية. ثم يكون التراكم والتكرار، حين تُتَداول النصوص المأزومة بهذه التقاطعات والحسابات، وتَشيع بسبب الإلحاح آنًا، وبسبب التكاسل عن المراجعة والتثبّت من جانب الباحثين والكتّاب آنًا آخر.

  1. أستاذ مشارك في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، في قسم الغرافيك، وهو حاليًّا مُعار بصفته أستاذًا مساعدًا في كلية التربية بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عُمان، في قسم التربية الفنية. Associate Professor, Dept. of Graphic, Faculty of Fine Arts, Cairo. Currently, seconded as an Assistant Professor, Dept. of Artistic Education, Faculty of Education, Sultan Qaboos Uni. Oman. yasser.mongy@gmail.com

يمكن القول إن تجلّيات (المجهول)، و (المَنسي)، و (المهمَل) باتت مركّبات حتمية في تضاعيف نسيج الصورة العامة لتاريخ الفن المصري الحديث. ومن هنا تنبع الحاجة إلى وجوب المراجعة والتثبّت بالنسبة إلى عدد من نماذج السرديات التاريخية الدالّة في هذا السياق. وستسعى هذه الورقة لرصد أبرز إشكاليات هذا المركّب المعقّد، ومحاولة تفسير أسبابها، ورصد نتائجها، وتأويل دلالاتها. وهي إذ تعيد النظر في التأريخ الفني لذلك القرن المنصرم - لا نستعرض محض ممارسات تأريخية - فإنها ببساطة تستعيد اشتباكات قرنٍ كامل من التحولات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، خلال عهد حافل بالتبدلّات والتموّجات العالمية والإقليمية والمحلية التي انعكست على صورة الفن المصري الحديث. تنبع أهمية هذه الورقة من ضرورة البحث الميداني والمقارن لإثراء مصادر التاريخ الفني المصري الحديث، سعيًا لتصويب الأخطاء المتكررة في أدبيات هذا التاريخ، الناجمة عن الاكتفاء بالبحث المكتبي المحض. ومن أوضح نماذج الإهمال التوثيقي التي يمكن الوقوف عليها، والتي أضعفت توثيق وقائع كبرى في تاريخ الفن المصري الحديث، وقائع إنشاء مجموعة من التماثيل الميدانية المهمة، ضمن سياق تاريخي حفل بالتحولات السياسية، خلال فترة من أهم فترات تاريخ مصر الحديث، وأكثرها اكتنازًا، وهي الفترة التي تصل ما بين نهاية أربعينيات القرن العشرين وأوائل ثمانينياته. لذلك، تعالج الورقة، في ضوء مزج المنهج التحل لي بالمنهج المقارن، مستضيئةً بالمنهج التاريخي، حالةَ سرديات التأريخ للنحت الميداني، وتحصر نطاقها في تلك النصوص المنشورة ما بين عامَي 1945 و 2019. وهي تركز على السؤال عن طبيعة الإهمال التوثيقي الذي ترصده الورقة. ويمكن صوغ هذا السؤال على النحو التالي: كيف أفضى الإهمال التوثيقي في سياق تأريخ الفن المصري الحديث إلى تداول مقولات، وتفسيرات، ومعلومات، تفتقر إلى الصدقية التاريخية؟ وتجري الإجابة عن الإشكالية المتعلقة بهذه الورقة وتساؤلاتها من خلال البدء بمقدمة تعرض لأبعاد الموضوع، تعقُبها خمسة مباحث، اشتملت على نماذج شارحة من الدراسات التي ركزت بصفة رئيسة على سرديات التأريخ لفن النحت الميداني المصري الحديث.

إشكاليات تخص ذاكرة النحت الميداين المصري

حينما نستضيء بالمصادر الوثائقية التي سجلت بعضًا من أهم إنجازات أسرة محمد علي الثقافية والفنية، ولا سيّما منها تلك التي ارتبطت بتخليد ذكرى أشهر حكام مصر من أبناء هذه الأسرة، ف "إننا نقع على كثير من الوقائع المهمة، الخاصة بمشاريع إقامة التماثيل الميدانية للبارزين من هؤلاء الحكام، التي تقاطع عددٌ منها مع بعض الأحداث الساخنة والمعقدة، سواء على مستوى السياسة، أو على مستوى تحولات الواقع الاجتماعي المصري"1. وتتكفل مراجعة بعض تلك الوثائق بتبيان أهم المشروعات التي كُرِّست آنذاك لإقامة تماثيل لكل من: الخديوي إسماعيل والملك فؤاد، كان من أهمها تمثالان لهما بميدان التحرير وميدان عابدين. كما أن المقارنة بين تلك الوثائق، واستقراء أحداث الفترات التي شملتها بالتوثيق، يتكفلان بتوضيح ذلك السياق التاريخي التتابعي الذي مهد للمشروع المذكور، وكذلك بتوضيح الكثير من الملابسات الغامضة، التي اكتنفت ظروف إنشاء هذه التماثيل جميعًا. ويُعَدُّ إغفال الدور التاريخي للنحاتين المصريين، في إنشاء هذه المجموعة من التماثيل الميدانية، أحد أوضح نماذج الإهمال التوثيقي، التي تعانيها ذاكرة التأريخ للفن المصري الحديث. ويمكن تتبع ذلك من خلال التوجه المتعلق بإنشاء التمثالين؛ الذي وقع فعليًّا في نهاية عام 1949، حينما أعلن القصر الملكي عن مسابقة فنية كبرى تعقد بين نحّاتِ مصر في التنافس على تقديم تصورات لثلاثة

  1. ينظر: ياسر منجي، النحات مصطفى نجيب: سيرة مُعَلِّم على حوائط الغُربة (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014.)

الصورة (1) نتائج مسابقة تماثيل الخديوي إسماعيل والملك فؤاد

المصدر: مقتطف من مجلة المصور، العدد 1327 (17 / 3 / 1950.)

تماثيل ميدانية ضخمة، اثنان منها للملك فؤاد: أحدهما بثوب الأستاذية الجامعي، وتحدد له أن يقام في ميدان جامعة فؤاد (جامعة القاهرة حاليًا)، والثاني ليقام في ميدان عابدين، أما الثالث فهو للخديوي إسماعيل، ليقام في ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا). ويتضح مما نشرته مجلة المصور، بتاريخ 17 آذار/ مارس 1950، أن لجنةً قد تشكلت في شباط/ فبراير من العام نفسه، من أجل تحكيم أعمال النحاتين المتنافسين في هذه المسابقة الكبرى. ورأت اللجنة وفق المصدر استحقاق الفنان مصطفى نجيب (1913  -  1990) للجائزة الأولى، في الفرع الخاص بتمثال الملك فؤاد المخصص لميدان عابدين، في حين ذهبت الجائزة الثانية في الفرع نفسه للنحات فتحي محمود (1918  -  1982)، وقُسِّمَت الجائزة الثالثة في الفرع ذاته بين كلٍ من النحاتين: إبراهيم جابر (1902  -  1972)، وأحمد عثمان (1907  -  1970)، ومحمد لائق. أما الفرعان الخاصان بتمثال فؤاد الجامعي وتمثال إسماعيل، فقد رأت اللجنة إعادة طرحهما في مسابقة جديدة، لأنها لم ترَ في مستويات المتنافسين في هذين الفرعين ما يؤهل أيًّا منهم للفوز. لكن بمراجعة المزيد من المصادر غير الصحفية، سرعان ما يتبين أن فكرة تمثال إسماعيل كانت تسبق الإعلان الفعلي عن المسابقة بنحو أربع سنوات. وتبرز المكاتبات الأصلية المحفوظة بدار الوثائق القومية، ضمن وثائق مجلس الوزراء2، التي صدرت عن القصر الملكي، بشأن تخليد ذكرى الخديوي إسماعيل، في مناسبة مرور خمسين عامًا على وفاته، التوجيه بإقامة تمثال له في ميدان باسمه (وهو ميدان التحرير لاحقًا). وتغطي هذه المكاتبات الفترة 28 شباط/ فبراير 1945  -  12 آذار/ مارس 1946.

  1. أرشيف "دار الوثائق القومية"، المكاتبات الأصلية التي صدرت عن القصر الملكي، بشأن تخليد ذكرى الخديوي "إسماعيل"، بمناسبة مرور خمسين عامًا على وفاته، وذلك بإقامة تمثال له في ميدان "الخديوي إسماعيل" (التحرير لاحقًا). وهي مكاتبات تستغرق الفترة من 28 شباط/ فبراير عام 1945، إلى 12 آذار/ مارس عام 1946، "وثائق مجلس الوزراء المصري"، دار الوثائق القومية، رقم المنشأ 72  -  35 / 2، كود أرشيفي رقم 0081  -  031905.

الصورة (2) إعلان مناقصة عملية صب تمثال الخديوي إسماعيل

المصدر: "إعلان مناقصة: عملية صب تمثال المغفور له الخديو إسماعيل بميدان الإسماعيلية"، جريدة   الغرفة التجارية بالقاهرة، مج 8،

وفي أثناء إعادة المسابقة، فاز النحات مصطفى متولي بالجائزة الأولى، في الفرع الخاص بتمثال الخديوي إسماعيل. متولي، الذي كان أحد أبرز نحاتي تلك الفترة، تخرج في قسم النحت عام 1933، وأمضى خمس سنوات في الدراسة مع أستاذه النمساوي بوريس فرودمان كلوزيل (1878  - 1959) Cluzel - Frödman Boris، وكان أول دفعته. أرسل متولي في بعثة إلى الأكاديمية الملكية للفنون بروما، وبقي فيها دارسًا في الفترة 1934  -  1939، وعاد، من ثم، ليعمل بمصنع النماذج الأثرية التابع للمتحف المصري، وأقام بالأكاديمية المصرية3. تمنحنا ذاكرة الصحافة المصرية دليلً دامغًا آخر، يقطع تمامًا بمصرية هذا التمثال، من بدء تصميمِه وانتهاءً بمرحلة صبِّه؛ فقد نشُر إعلانٌ في عدة صحف ومجلات مصرية في منتصف عام 1951، تضمن إعلانًا عن مناقصة مفتوحة لصبّ التمثال، أشهرَتها مصلحة المباني الأميرية، التابعة آنذاك لوزارة الأشغال العمومية. وهذا الأمر يقطع تمامًا ببطلان كل المزاعم التي تتداول بكثرة في كتابات متعجلة وغير متخصصة، عن أدوار متخيَّلة لإيطاليا في نحت التمثال أو صبِّه.

  1. محمد صدقي الجباخنجي، تاريخ الحركة الفنية في مصر إلى عام 1945 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، ص 103.

الصورة (3) قاعدة تمثال الخديوي إسماعيل الغرانيتية بالقاهرة موضِّحة لعلاقتها بالفضاء العمراني لميدان التحرير ومنشآته الشهيرة

المصدر: بطاقة بريدية، القاهرة، نيسان/ أبريل 1973.

تكشف التفاصيل وراء المناقصة المعلن عنها أن الملك فاروق قد تحمس لمشروعٍ عمراني يربط بين ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا) وميدان عابدين، المشتمل على القصر الملكي، من خلال توسيع الشارع الذي يربط بينهما، ويكون رأسَ هذا الربط تمثالٌ لوالده الملك فؤاد في ميدان عابدين، وتمثال لجده الخديوي إسماعيل، في ميدان الإسماعيلية. والشاهد أن تمثال فؤاد كان قد أقيم بالفعل، ونُصِب في ميدان عابدين، وأحيط بسواتر من الخيش، انتظارًا للانتهاء من نَصْب تمثال الخديوي إسماعيل على القاعدة المخصصة له في ميدان الإسماعيلية، إلا أن الأوضاع السياسية ما لبثت أن تغيرت إثر قيام ثورة 23 يوليو 1952، ليتوقف المشروعان. وفي خلال بضعة شهور من قيامها، أُزيل تمثال الملك فؤاد من ميدان عابدين، في حين ظلت قاعدة تمثال الخديوي إسماعيل مكانها ورُئَِ الاحتفاظ بها. وهذه القاعدة اتُّخِذت خلال سنوات طويلة مكانًا لإضاءة شعلة التحرير التي كانت تصل من أسوان إلى القاهرة في أعياد الثورة من كل عام، وظلت نحو أربعين عامًا مَعلمًا من أشهر معالم القاهرة، ثمّ أ زيلت في عام 1990. و"بعد ثورة يوليو، تغير اسم الميدان، أصبح ميدان الحرية، ثم ميدان التحرير، وإبّان العواصف الساخنة، عقب رحيل جمال عبد الناصر، اتجه التفكير العام نحو وضع تمثال كبير، يليق بالزعيم، في المكان الشاغر، أعلى القاعدة، وبالطبع، لم يكن الرئيس

السادات مهيأً، نفسانيًا، لتنفيذ الفكرة. ربما خطر على باله أن تحمل القاعدة، في يوم ما، تمثالً له.. لكن هذا اليوم لم يأت [...] وذلك أن القاعدة نفسها، جرى تفكيكها عام 1990، بسبب الحفر تحتها، لاستكمال مشروع مترو الأنفاق"4.

أغنية الكعكة الحجرية

تأتي قاعدة التمثال الغرانيتية الحمراء التي ظلت أشهر معالم ميدان التحرير حتى إزالتها عام 1990، والتي كانت في حد ذاتها قطعة فنية بديعة؛ إذ كانت مصممة على الطراز الكلاسيكي الإيطالي Italianate - Classical، وليس من المعلوم على وجه اليقين ما إذا كانت هذه القاعدة من تصميم فنانٍ بعينه، أو من تصميم مهندسي القصر الملكي، الذين خلفوا إرنستو فيروتشي بك (1874  -  1945) Bey Verucci Ernesto، رئيس مهندسي السرايات الملكية، بعد وفاته عام 1945. تسببت تلك الظروف الملتبسة، التي أحاطت بإنشاء تمثال الخديوي إسماعيل وقاعدته الغرانيتية، منذ الشروع في تشييده حتى إزالة قاعدته، في زيادةٍ ضبابية الرؤية التأريخية والتوثيقية لهذا العمل، إلى درجةٍ وصلت أحيانًا ببعض كبار الكتّاب والمثقفين إلى الوقوع في أخطاء تاريخية، لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتِها التي طالما وقع فيها بعض غير المتخصصين من الباحثين والكتّاب. ومن النماذج الدالّة في هذا المنحى ما ورد على لسان جابر عصفور، في مقالٍ له بعنوان "استعادة أمل دنقل"، نُشِ بمناسبة حلول الذكرى الثامنة والعشرين لوفاة الشاعر المصري دنقل5. يضرب عصفور في المقال صفْحًا عن التاريخ الأصلي لتشييد القاعدة في نهاية عصر الملك فاروق، محتسِبًا فقط واقعة التفكير في جعلها قاعدة لتمثال للرئيس جمال عبد الناصر، متوهمًا أن هذه الواقعة الطارئة هي تاريخ تشييد القاعدة؛ إذ يقول: "وكانت الأمة قد أعلنت عن رغبتها في بناء نصب تذكاري لعبد الناصر، يتوسط ميدان التحرير، وبالفعل تم بناء قاعدة هذا النصب، رغم أن تمثال عبد الناصر لم يوضع عليها قط، وظلت القاعدة موجودة إلى أن أزيحت أخيرًا من الميدان، بسبب تعديل خطوط مترو الأنفاق"6! تُرى ما الذي دفع عصفور إلى الكتابة عن قاعدة تمثال إسماعيل، تلك التي بقيت شاهدًا على نهاية مشروع تمثال إسماعيل القاهري، في حين أن مقال عصفور، بالأساس، مكرَّس للاحتفاء بذكرى الشاعر أمل دنقل؟7هنا يتكشّف فاصلٌ جديد من الارتباط الإبداعي، جمع بين فريدتين من فرائد الفن، إحداهما أدبية شعرية، والأخرى تشكيلية نحتية، وتتعلق بهذا الارتباط ظروف تاريخية؛ إذ نجد قاعدة تمثال إسماعيل الحجرية، وقد أضحت رمزًا وطنيًا، يلتفّ حوله شباب مصر، ويستلهمه أمل دنقل في صياغة قصيدته "أغنية الكعكة الحجرية"8، وهو عنوان أوحى إليه به شكل القاعدة الغرانيتية، التي اتخذ أسفلها شكل حلقاتٍ دائرية مدرّجة متراكبة، يشبه مرآها شكل "كعكة" الاحتفال بأعياد الميلاد.

  1. كمال رمزي، "ذاكرة المكان.. لها رائحة ولون وطعم"، الشروق، 16 / 3 / 2011.
  2. جابر عصفور، "استعادة أمل دنقل"، الأهرام، 29 / 5 / 2011.
  3. المرجع نفسه.
  4. شاعر مصري مشهور قومي عربي، وُلد عام 1940 في أسرة نوبية بقرية القلعة، مركز قفط بمحافظة قنا في صعيد مصر. وتوفي عام 1983 عن عمر 43 سنة. صدرت له ست مجموعات شعرية هي: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة (1969)، وتعليق على ما حدث (1971)، ومقتل القمر (1974)، والعهد الآتي (1975)، وأقوال جديدة عن حرب البسوس (1983)، و أوراق الغرفة 8 (1983).
  5. يونان لبيب رزق، "الاحتفال الفاشستي بالخديوي‏!!‏، الجالية الإيطالية في الإسكندرية تجمع‏ 13 ‏ ألف جنيه لإقامة تمثال لإسماعيل"‏، ديوان الحياة المعاصرة، الحلقة‏ 652،‏ الأهرام، العدد 43676 ‏.

الصورة (4) قاعدة تمثال الخديوي إسماعيل الغرانيتية وهي تتوسط ميدان التحرير (أواخر الستينيات من القرن العشرين)

المصدر: بطاقة بريدية، القاهرة، تشرين الثاني/ نوفمبر 1968.

يعرض عصفور طرفًا من أحداث هذه الهَبّة الثورية، وارتباطها بقصيدة "أغنية الكعكة الحجرية"، ويبرز ما أدّته قاعدة تمثال إسماعيل من دور رمزي، باعتبارها بؤرة اعتصامات الطلّب، ومرفأهم الآمن في اللجوء إلى كيان مُلهِم يشدّ من أزرهم، وليراهم المبدع دنقل في وقفتهم تلك شموعًا تتألق حول كعكتها الحجرية. يقول عصفور: "تململ الطلاب من مماطلة السادات في بدء معركة تحرير الأرض من المحتل الإسرائ لي، وأخذوا يعلنون عن احتجاجاتهم إلى أن فاجأهم السادات بأنّ عام 1972 عامُ ضباب، لا يساعد على الحركة والرؤية، فما كان من الطلاب الأحرار إلا أن انفجروا في أعنف مظاهرات شهدها عام 1972؛ وأغلق السادات الجامعات، لكن طلاب جامعتَي القاهرة وعين شمس اندفعوا إلى ميدان التحرير، وتحلقوا حول القاعدة التي ظلت بلا تمثال وقرروا الاعتصام حولها، احتجاجًا على تخاذل السادات في بدء حرب التحرير. وتحلقوا حول القاعدة التي رآها أمل دنقل أشبه بالكعكة الحجرية، وظل الطلاب حول النصب أيامًا، يحتملون البرد مقاومين الجوع، مصُرّين على مواصلة الاعتصام واضطر نظام الأمن الساداتي إلى تركهم إلى أن تهدأ فورة حماسهم. ولكن الحماس لم يهدأ، وتحول ميدان التحرير إلى مهوى لأفئدة كل الثائرين على تخاذل السادات، فحسم الرجل أمره وأصدر تعليماته للشرطة بفض الاعتصام بالقوة، على أن يكون ذلك والطلاب نيام. وبالفعل، تحركت قوات الأمن بعد الفجر،

وبدأت هجومها على الطلاب المعتصمين حول قاعدة التمثال في تمام الساعة الخامسة صباحًا، فأصيب الكثير من الطلاب، واستشهد بعضهم نتيجة الهجوم الغادر. وعندما ارتفعت الشمس كان الطلاب المعتصمون في السجون والمستشفيات، ولكن جدار الصمت الذي حاول نظام السادات فرضه على الناس كسره صوت أمل دنقل الخشن الغاضب وهو يقرأ مقاطع قصيدته الكعكة الحجرية [...] وانتشرت القصيدة كالنار في الهشيم في كل أرجاء مصر"9.

الكشف عن تمثال الخديوي إسمعيل بعد 70 عامًا من الاختفاء

شهد عام 2019 في مستهله واقعةً أعادت الكشف عن تمثال الخديوي إسماعيل المفقود، وأعادت – وهو الأهم – تصويب المعلومات المغلوطة والمزاعم المتوهَّمة التي ظلت لصيقة به طوال سبعين عامًا. في خلال معرض "ملامح عهد"، الذي نظمه قطاع الفنون التشكيلية، التابع لوزارة الثقافة المصرية، في الفترة 27 كانون الثاني/ يناير 2019  -  27 آذار/ مارس 2019، لعرض نخبة من أندر الأعمال الفنية المنتمية إلى عصر أسرة محمد علي10، ثار السؤال في أثناء الفحص الدقيق لتمثالٍ من البرونز يجسد شخصية إسماعيل وُجد ممهورًا بتوقيع الفنان مصطفى متولي. وقد أفضت مراجعة البيانات المحفورة على القاعدة12 إلى الكشف عن كونه نسخة أصلية بالحجم الطبيعي، لتمثال إسماعيل الذي كان مُزمعًا إقامته في ميدان الإسماعيلية (التحرير حاليًا)، خلال نهاية الأربعينيات من القرن الماضي13. وبعد الانتهاء من مراجعة بيانات السجل الرسمي لبيانات التمثال، ومضاهاة تكوين التمثال وتفاصيله بالمواد الوثائقية والصور الأصلية14، تأكّدت هوية التمثال على نحو يكذّب تلك المغالطات الشائعة السابق ذكرها، والتي كان كثرةٌ من الكتاب والنقاد والصحافيين قد ذهبوا مذاهبَ شتّى في إيرادها.

خلط شائع بين تمثال الخديوي إسمعيل القاهري وتمثاله السكندري

من بين المغالطات التأريخية، تلك السياقات المتشابكة، التي اكتنفت مشروع تمثال الخديوي إسماعيل القاهري، خطأٌ تأريخي شائع، جرى تداوله في كتابات الكثير من الكتّاب والصحافيين، ينسب هذا التمثال الخاص بميدان التحرير إلى بعض النحاتين الإيطاليين، متناسين بذلك دور الفنان مصطفى متولي، خالطين بينه وبين تمثال آخر. هذا التمثال كان قد طرح في مشروعٍ أقدم لوضع تمثال لإسماعيل في الإسكندرية. ذلك المشروع كانت فكرته قد ولدت وشُع في تنفيذها قبل ما يزيد على عشرين عامًا من الإعلان عن المسابقة الخاصة بمشروع إنشاء تماثيل الميادين الكبرى الثلاثة بالقاهرة.

  1. نشرها أمل دنقل، أوّل مرة، في عام 1972، في مجلة سنابلالتي كان يصدرها الشاعر محمد عفيفي مطر، تحت رعاية إبراهيم بغدادي محافظ كفر الشيخ، وقد تسبب نشر القصيدة في إغلاق المجلة. ثم نشرها، في المرة الثانية، في ديوانه العهد الآتي، الذي صدر عام 1975، جاعلً لها اسمًا مضافًا هو "س فْر الخروج"، ليتناسب مع فكرة تقسيم القصيدة إلى إصحاحات، في محاكاة لإصحاحات الكتاب المقدس. 11  كان ذلك في أثناء تولي الباحث كاتب الدراسة مهمة الإعداد البحثي والوثائقي التأريخي لهذا المعرض.
  2. تضمنت تلك البيانات توقيع الفنان مصطفى متولي، وتاريخ الصبّ، وهو عام 1951، وكذا اسم المَسبَك المصري الذي تولى عملية صبّه.
  3. لتفاصيل أكثر عن المعرض وعن الكشف المذكور، ينظر: "د. ياسر منجي يكتب: ملامح عهد أسرة محمد علي في مرايا شخوصه"، الشروق، 9 / 2 / 2019، شوهد في 20 / 1 / 2022، في: dB 73 A 33 / ly. bit:// https
  4. تضمن كتابنا هذه الوثائق. ينظر: ياسر منجي، النحات مصطفى نجيب: سيرة معلّم على حوائط الغربة (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014).
الصورة(5)
الصورة (5)
مصطفى متولي: الخديوي إسماعيل، تمثال من البرونز
(ارتفاع 185 سم، 1951)
المصدر: مقتنيات متحف الجزيرة التابع لوزارة الثقافة المصرية.

الصورة (6) بيترو كانونيكا، تمثال الخديوي إسماعيل، نحت من البرونز، (1938) الإسكندرية (صورة حديثة)

المصدر: "Khedive Ismail statue," Egypt Gift Shop , accessed on 6 / 2 / 2022 , at: https://bit.ly/ 3 GxvV 37

في تقرير موثّق عن إقامة الاحتفالات، بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال للخديوي إسماعيل، من محفوظات دار الوثائق القومية15، يظهر ذكر هذا التمثال الآخر. وعرضت كذلك جريدة الأهرامقصة هذا المشروع السكندري لتمثال إسماعيل، منذ بدايته وحتى إزاحة الستار عنه. وحكت عن ذلك الحفل المهيب الذي نظمته الجالية الإيطالية بالإسكندرية وحضره الملك فاروق في بداية توليه مقاليد السلطة. في المقال تفاصيل عن إزاحة فاروق الستار عن تمثال جده إسماعيل، في 4 أيلول/ ديسمبر 193816، في مكانه الأصلي بميدان المنشية، لنكتشف بذلك أن التمثال كان قائمًا في قلب نصب تذكاري فخم صُمِّم له خصيصًا، وظل فيه زمنًا إلى أن نُقل بعد ذلك، ليستقر في مكانه المقام به حاليًا في ميدان الخديوي إسماعيل بالإسكندرية على قاعدة بسيطة، وأن ذاك النصب الفخم الأصلي هو بعينه الذي تحوّل بعد ذلك إلى "قبر الجندي المجهول" بالإسكندرية. كما نكتشف أن التمثال كان هدية من الجالية الإيطالية بالإسكندرية، تقديرًا لاستضافة مصر للملك فيكتور عمانويل الثالث (1869  -  1947) آخر ملوك إيطاليا بعد إطاحته عن عرشه، وأن القاعدة الأصلية للتمثال -

  1. الأوراق الخاصة بديوان (جلالة الملك)، دار الوثائق القومية، ملف تاريخ 4 / 12 / 1938، كود أرشيفي 0071  -  002057.
  2. الملك يزيح الستار عن تمثال جده إسماعيل-‏ ‏ يوم إسماعيل العظيم"، الأهرام، 5 / 12 / 1938.

الصورة (7) صورة نادرة لتمثال إسماعيل فوق قاعدته الأصلية - النصب التذكاري للجندي المجهول بالإسكندرية حاليًا (قبل إزالته ونقله إلى موقعه الحالي)

المصدر: أرشيف متحف "جيتّي" للفنون، لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأمريكية.

نصُب الجندي المجهول حاليًا - قد صُمِّمت على النمط الروماني، بمعرفة المهندس فيروتشي بك المشرف على القصور الملكية في تلك الفترة، وهو نفسه الذي وضع التصميم المعماري لدار القضاء العالي بالقاهرة. في توثيقه لأحداث هذه الفترة، عبر الرصد التاريخي لمحتوى جريدة الأهرام، يبرز يونان لبيب رزق مراحل هذا المشروع، والأحداث والظروف التي واكبته على امتداد أكثر من عشر سنوات، منذ ظهور فكرته عام 1927 حتى إزاحة الستار عن التمثال عام 1938. وقد كشف هذا التوثيق أن إقامة هذا التمثال وتنصيبه في موقعه بالإسكندرية قد تمَّا بصعوبة شديدة17. أورد رزق تفاصيل المرحلة التنفيذية لمشروع التمثال السكندري للخديوي إسماعيل؛ إذ "أوكلت صناعة التمثال للنحات الإيطالي المشهور‏ بيترو كالونيكا‏ [هكذا في نص لبيب رزق، والصواب: "بيترو كانونيكا]"18وتولى فيروتشي بك‏ رسم مبناه فاختار له هندسة رومانية‏،

  1. ينظر: رزق‏.
  2. فلا يترك يونان لبيب رزق إشارة لمن هو هذا النحات، ولا موقعه بين نحاتي إيطاليا والعالم خلال تلك الفترة. كان بيترو كانونيكا (1869  -  1959) Canonica Pietro أستاذًا للفنون، وواحدًا من أهم نحاتي إيطاليا في زمنه، وشغل عضوية مجلس الشيوخ الإيطالي. بدأ حياته الفنية في سن مبكرة. طافت أعماله كبريات المدن الإيطالية،
الصورة(8)
الصورة (8)
صورة للنموذج المصغّر (الماكيت) الخاص بمشروع تمثال الخديوي إسماعيل بالإسكندرية
* يبدو التمثال قائمًا فوق قاعدته بمنتصف النصب التذكاري.
المصدر: النموذج معروض بجناح أسرة "محمد علي"، مقتنيات المتحف الحربي بالقلعة، القاهرة.
الصورة (9)
غلاف عدد مجلة «المصور»، تتصدره صورة للملك فاروق وهو يرفع الستار عن تمثال إسماعيل بالإسكندرية
المصدر: مقتطف من مجلة المصور، العدد 739 (9 / 12 / 1938.)
الصورة(10)
الصورة (10)
مقتطف مما نشُر في مجلة "المصور"، عن تمثال إسماعيل بالإسكندرية
المصدر: المرجع نفسه.
الصورة (11)
مقتطف مما نُشِ في مجلة "المصور" عن تمثال إسماعيل بالإسكندرية
المصدر: المرجع نفسه.
الصورة (12)
استطلاع الرأي الذي نشرته مجلة "المصور" في نيسان/ أبريل 1953
ر
ومر في
ي شر
ع ري
المصدر: "هذه التماثيل: هل نبقي عليها أم نزيلها؟"، مجلة المصور، العدد 1487 (10 / 4 / 1953.)
الصورة (13)
صورة النموذج المصغّر لتمثال فؤاد
(منشورة ضمن نتائج مسابقة تماثيل إسماعيل وفؤاد)
المصدر: مقتطف من مجلة المصور، العدد 1327 (17 / 3 / 1950.)

وهو ما تكفلت بتكاليفه بلدية الإسكندرية‏، التي دفعت مقابل تكاليف تبليط المصطبة ‏ 2900 ‏ جنيه، وتبليط الرصيف ‏ 300 ‏ جنيه، وإقامة

الصورة (14) صور نماذج رؤوس تماثيل فؤاد، التي تقدم بها الفائزون في مسابقة مشروع تمثال عابدين

المصدر: المرجع نفسه.

الصورة (15) مصطفى نجيب، الملك فؤاد فوق فرسه (النسخة الجصيّة من التمثال قبل صبّه بالبرونز 1951)

المصدر: أرشيف حسين نجيب (أرشيف شخصي مغلق.)

المصابيح المزخرفة حوله‏ 2200 ‏ جنيه‏.‏ وقد قام بأعمال البناء وتركيب التمثال فريق من المهندسين والبنائين الإيطاليين المعروفين في الإسكندرية المتطوعين الذين لم يتقاضوا أي مقابل على عملهم"19. تم الانتهاء من أعمال تمثال الخديوي إسماعيل في تشرين الأول/ أكتوبر ‏ 1935؛‏ إذ وُضِع في يوم ‏ 16 ‏ من ذلك الشهر غطاء على التمثال‏، وانتظر الجميع اليوم الذي سيأتي فيه الملك فؤاد للاحتفال برفع الستار،‏ وهو اليوم الذي تأخر أكثر من ثلاث سنوات‏،‏ وتفسر الأهرام هذا التأخير الطويل لتمثال "إسماعيل العظيم"،‏ بما شهده عام الانتهاء من إقامته من غزو إيطاليا للحبشة، وما ترتب على ذلك من توتر العلاقات البريطانية -‏  ‏الإيطالية، إضافة إلى المخاوف المصرية على منابع النيل الحبشية‏، والتهديدات الإيطالية بحشودٍ على تخوم مصر الغربية في ليبيا؛ الأمر الذي كان يصعب معه على فؤاد أو غيره الاحتفال بمناسبة تنمّ عن الصداقة المصرية -‏ ‏الإيطالية في ذلك الوقت بالذات،‏ فضلً عن أن تلك الفترة قد شهدت مرض الملك فؤاد ثم وفاته‏.‏ يضاف إلى ذلك ما شهدته تلك الفترة من وجودٍ لأطول وزارة وفدية،‏ ولم تُثْ مشروعات التماثيل المخصصة لتخليد رموز الأسرة المالكة اهتمام النحاس باشا ورفاقه، بل انصرف اهتمامهم إلى استكمال تمثالَ سعد زغلول والاحتفال بإقامتهما‏.‏ واستمر الحال على ما هو عليه إلى حين تولي فاروق سلطاته الدستورية في تموز/ يوليو ‏ 1937،‏ ثم نجاحه في التخلص من وزارة النحاس في نهاية ذلك العام، وكان معلومًا أن الملك الشاب معجب بقوة بجده الخديوي إسماعيل، أكثر مما كان معجبًا بأبيه فؤاد، وكان من المنتظر أن يسارع إلى إزاحة الغطاء عن تمثال إسماعيل الشهير‏،‏ غير أن ذلك لم يتم إلا بعد عام كامل من إقالة النحاس؛ إذ إنه تلكأ خلال تلك الفترة طويلً في حضور حفل رفع الستار عن تمثال سعد زغلول في الإسكندرية، ولم يكن مقبولً أن يفعل هذا بالنسبة إلى الزعيم المصري الكبير‏،‏ ويقوم بنقيضِه بالنسبة إلى تمثال جدّه‏.‏

إشكاليات تماثيل الملك فؤاد بين الإزالة والخلط التاريخي

بالنسبة إلى المشروع الآخر الذي لم يُقدَّر له الاكتمال، الخاص بإنشاء تمثال الملك فؤاد، فقد أتمّه مصطفى نجيب في موقعه بميدان عابدين، وظل هناك محاطًا بالسواتر إلى أن أزيل في منتصف عام 1953، ليلازمه سوء الحظ كقرينه في ميدان التحرير. وقد سبقَت إزالة هذا التمثال حملة صحافية، نادى فيها بعض الكُتاب بإزالة التماثيل ذات الصلة بهذا العهد، وأُجرِيَت استطلاعات للرأي، كان من أشهرها استطلاعٌ تبنّته دار الهلال في مطلع نيسان/ أبريل 1953، ونُشِ آنذاك في مجلة المصور. ويظهر تمثال فؤاد في هذا الاستطلاع في الترتيب الثالث من اليمين أسفل الصفحة اليمنى. وبخلاف الصورة الظاهرة في الاستطلاع السابق، حَفِظَت لنا ذاكرة التوثيق ثلاث صور فوتوغرافية كاملة لهذا التمثال، التُقِطت الأولى منها لنموذجِه المصغّر، ونُشَِت ضمن ما نشرته مجلة المصور، بتاريخ 17  آذار/ مارس 1950، حول نتائج مسابقة تماثيل إسماعيل وفؤاد. وقد صاحب نشر صورة هذا النموذج المصغر نشر صورة تفصيلية لنموذج رأس التمثال (البورتريه)، مقارنة بنماذج الرؤوس التي تقدّم بها بقية المتسابقين السابق ذِكرُهم. أما الصورة الثانية التفصيلية لهذا التمثال، فهي من مقتنيات أبناء مصطفى نجيب، وهي صورة لنموذجه النهائي بعد اكتمال نحتِه، وتتيح زاوية التقاطها المميزة تتبّع دقة التفاصيل التي برع نجيب في صياغتها، مبدعًا واحدة من أروع قطعه النحتية.

  1. لبيب رزق.

أما الصورة التفصيلية الثالثة، فقد التُق طَت لمجسَّم التمثال الجبسي داخل سقيفة "هَنْجَر"؛ وذلك قبل صبّ نسخته النهائية التي نصُِبَت فوق قاعدتها بميدان عابدين. وهذه الصورة من محفوظات المؤرخ الفرنسي الراحل ماكس كاركيجي (1930  -  2013) Karkegi Max20.

الصورة (16) مصطفى نجيب، تمثال الملك فؤاد فوق فرسِه، النسخة التحضيرية لمشروع التمثال الخاص بميدان عابدين بالقاهرة

المصدر: الموقع الإلكتروني للمؤرخ الفرنسي ماكس كاركيجي، شوهد في 18 / 3 / 2013، في: e 7 Ss 0 B 3 / ly. bit:// https

بإزالة هذا التمثال اختفى أثره، وأهمل توثيقَه النقادُ والمؤرخون، وأسهم بعض الباحثين الأجانب في وضع معلومات غير موثقة، قامت على التخمين والترجيح لتغطية الثغرات التاريخية التي صادفتهم لدى سبر وقائع إنجاز الكثير من الأعمال الفنية لهذا العصر. ومن هؤلاء كاركيجي الذي اعتمد رواية شفهية غير موثقة، روتها على مسامعه سيدة مجهولة، كان قد التقاها مصادفة في باريس، تنسب تمثال الملك فؤاد إلى غير مبدعه الأصلي مصطفى نجيب. فما كان من كاركيجي إلا أن تبنى هذه الرواية الشفهية من دون تمحيصها، معتمدًا إياها في معرض التعليق على صورة هذا التمثال ضمن موقعه الإلكتروني، والغريب أنه لم يفطن إلى أن تعليقه يصطدم بوقائع التاريخ ذاتها. يقول كاركيجي نصًّا: "هذا التمثال من أعمال النحات المصري العظيم 'الوكيل'، شقيق زوجة مصطفى النحاس باشا، وهو لم يُعرض على الإطلاق، وأزيل في عام 1953 "21، في حين تبين

  1. مؤلف موسوعة مصر في الأيام الخوالي Days Bygone in Egypt … Antan ' D Egypte ' L، الذي عاصر في صدر شبابه وقائع إنشاء التمثال بمصر، قبل هجرته مع عائلته إلى فرنسا. ينظر: nJywQO 3 / ly. bit:// https
  2. والنَصّ الفرنسي للتعليق، كما هو واردٌ على الموقع، هو: "Cette statue, œuvre du grand sculpteur égyptien El Wakil, frère de Madame Moustapha el Nahas Pacha ne sera jamais inauguré et sera retiré en ينظر الموقع الإلكتروني لماكس كاركيجي، في: http://www.egyptedantan.com/famille_souveraine/famille_souveraine9.htm

المراجعة التاريخية البسيطة أن السيدة زينب الوكيل22 لم يكن من بين أشقائها فنان تشك لي على الإطلاق، بل إنه لم يُعرَف في تاريخ الفن المصري الحديث، خلال النصف الأول من القرن العشرين، نحات لقبه الوكيل، فضلً عن أن يوصف بال "العظيم" بحسب وصف كاركيجي. ومن خلال فحص تلك الصورة التي نشرها كاركيجي ونسبها إلى ذلك الفنان المجهول، نتبيَّ أن مكان التقاطها هو اصطبل الخيول الخاص ب "الجمعية الزراعية الملكية"، حين استأجره نجيب ليعمل بداخله على إنجاز النموذجيَن التحضيري والنهائي للتمثال23. وتبين المصادر الصحفية معلومة إيجار نجيب للمكان، ضمن ما نشرته مجلة صوت الفنان، في كانون الأول/ ديسمبر 1951، من تفاصيل عن مراحل إنجاز هذا التمثال. الصورة (17) جزء من حوار صحافي مع الفنان مصطفى نجيب حول صب تمثال الملك فؤاد

المصدر: مقتطف من مجلة صوت الفنان، مج 4، العدد 20، السنة 2 (كانون الأول/ ديسمبر 1951)، ص 15.

واعتمدت هذه المعلومة المغلوطة، على نحو يثبت ما حاولنا تبيانه من فداحة الأثر الناتج من عدم توثيق الكثير من أعمال حقبة أسرة محمد علي، وبقاء الكثير من الثغرات في تاريخ الفن المصري الحديث، على نحو ترك الفرصة سانحة لباحثين غير متخصصين في الفنون، يعتمدون أضعف الروايات مصادرَ للتوثيق والتأريخ، وتواترت استنادًا إليهم أخطاء فادحة في مجال التأريخ لهذه الحقبة.

  1. زينب الوكيل (1908  -  1967)، قرينة مصطفى النحاس (1879  -  1965) رئيس وزراء مصر وزعيم حزب الوفد بعد وفاة مؤسسه سعد زغلول، هي ابنة عبد الواحد باشا الوكيل (1872  -  1942). لم يشتهر من أشقاء "زينب الوكيل" سوى "محمد الوكيل"، الذي كان وكيلً لوزارة المواصلات في حكومة الوفد الأخيرة قبل ثورة يوليو 1952.
  2. من خلال المراسلة، سعى الباحث للاستفهام من كاركيجي، عن مصادر روايته هذه، فرد بقوله: "بينما كنت مع والدتي في باريس أواخر السبعينيات؛ التقينا بسيدة فرنسية، كانت وقتها متزوجة من أحد أفراد عائلة شعير المصرية، أخبرتني أنها كانت زوجة سابقة للنحات الوكيل، وأن زوجها صُد م بعد إزالة تمثال فؤاد، وانصرف الناس عن شراء أعماله!". ولم يرد بعد مصارحته بالرواية الأخرى المحققة عن مصطفى نجيب! وقد توفي كاركيجي لاحقًا من دون تصحيح هذه المعلومة.

نتائج وتوصيات

تظهر الورقة الضعف الذي ألمّ بتوثيق الأعمال النحتية البارزة في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وغياب آليات وقواعد للتوثيق العلمي التاريخي عن الكثير من الروايات التأريخية المتواترة. وكثيرها لم يعتدَّ بالوثائق الرسمية الخاصة بهذه المشروعات الفنية، ولم يراجع الثابت من شهادات الفنانين أنفسهم وسيرهم، فضلً عن المصادر الصحفية المعاصرة لهم. وقد بينت حالة الدراسة الخاصة بالتأريخ لتمثالَ الخديوي إسماعيل والملك فؤاد المخصصين لميدانَ "التحرير" وعابدين، عدم تعَمُّق كاتبيها في البحث، وتكرارهم للشائع من المعلومات المرسلة غير المدقَّقة، وكذلك عدم رجوعهم إلى المصادر التاريخية الأصلية، وكذلك خلطهم بين وقائع إنشاء التمثالين، ووقائع إنشاء غيرهما من تماثيل أخرى للخديوي والملك نفسيهما، وهو ما أسفر في النهاية عن إسقاط الحقوق الأدبية لنحاتَيْ من أمهر أبناء الجيل الثالث من نحاتي مصر؛ هما: الفنان مصطفى نجيب، ومصطفى متولي. وكان من أثر عدم توثيق دورهما التاريخي في تنفيذ هذه الأعمال الفنية، والإشراف على تفاصيل إنجازها، أنْ نُسبت الأعمال إلى بعض الفنانين الإيطاليين، بسبب كتابات غير المتخصصين، وخلطهم بين وقائع المشروعات المختلفة لإنشاء تماثيل إسماعيل وفؤاد. من ثم، توصي الورقة بما لي: وجوب إعادة تقَصّ النتائج المُطمَأنّ إليها في سياق تاريخ الفن المصري الحديث، وتعزيز هذا التقصّ في مناهج دراسة تاريخ الفن بالكليات والمعاهد الفنية العربية. وجوب مراجعة البيانات التي تشتمل عليها مصادرُ التأريخ الفني المصري الحديث ومراجعُه، مِن جانب لجان متخصصة؛ من أجل تنقيحها في طبعات جديدة مَزيدة. ضرورة مراجعة السرديات التاريخية الفنية التي أسهم في تأليفها باحثون أجانب، توَخيًا للدقة التاريخية والضبط المنهجي، ومراسلة المؤسسات الناشرة لها، من جانب مؤسساتنا البحثية العربية، لإحاطتها بنتائج هذه المراجعات. تأكيد أهمية البحث الميداني والمقارن لإثراء مصادر التاريخ الفني المصري الحديث، من خلال حَث الباحثين على ذلك، وتنظيم الدورات التدريبية الخاصة بتنمية مهاراتهم في هذا السياق. تعزيز ثقافة البحث البَيني لدى دارسي تاريخ الفن المصري الحديث، وتَمتين الصلة بينهم وبين نُظرائِهم في مجالات الدراسات الوثائقية والإنسانية.

المراجع

References

أرشيف حسين نجيب (أرشيف شخصي مغلق).

أرشيف دار الوثائق القومية. ملف الأوراق الأصلية الخاصة بديوان (جلالة الملك) تتضمن تقرير إقامة الاحتفالات بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال الخديوي إسماعيل. تاريخ إنشاء الملف 4 / 12 / 1938. الكود الأرشيفي 0071  -  002057.

أرشيف متحف "جيتّي" للفنون. لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأمريكية.

"إعلان مناقصة: عملية صب تمثال المغفور له الخديو إسماعيل بميدان الإسماعيلية". جريدة   الغرفة التجارية بالقاهرة. مج 8، الجباخنجي، محمد صدقي. تاريخ الحركة الفنية في مصر إلى عام 1945. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.

مجلة صوت الفنان. مج 4، العدد 20. السنة 2 (كانون الأول/ ديسمبر 1951).

مقتطف من مجلة المصور. العدد 739 (9 / 12 / 1938).

مقتطفان من مجلة المصور. العدد 1327 (17 / 3 / 1950).

مقتطف من مجلة صوت الفنان. مج 4، العدد 20. السنة 2 (كانون الأول/ ديسمبر 1951).

ملفات وثائق مجلس الوزراء المحفوظة بالدار. رقم المنشأ 72  -  35 / 2. الكود الأرشيفي رقم 0081  -  031905.

منجي، ياسر. ملامح عهد. القاهرة: إصدارات قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، 2019.

_______. النحات مصطفى نجيب: سيرة مُعَلِّم على حوائط الغربة. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014.

"هذه التماثيل: هل نبقي عليها أم نزيلها؟". مجلة المصور. العدد 1487 (10 / 4 / 1953).

منجي، ياسر وعادل بدر وزينب نور. حول النحت الميداني وذاكرة التصوير الجداري. سلسلة آفاق الفن التشك لي. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2016. [مرجع إضافي]