فينوس في أداءين
Venus in Two Acts
الملخّص
تفحص هذه الدراسة إمكانية تجاوز عنف الأرشيف، مؤسِّسًا كان أو حافظًا، لكتابة تاريخ الضحايا من دون ارتكاب عنف إضافي عبر ادّعاء تمثيلهم. تتخذ سايدية هارتمان من قصة "فينوس" مثالًا لتطبيق منهجها الكتابي الذي وسمته بـ "القص النقدي" Critical Fabulation؛ وهو نمط ثوري من الكتابة يطمح إلى تجاوز التأريخ، المعتمد جزئيًا على مواد أرشيفية، لـ "الاستحالة التكوينية" في الأرشيف نفسه، وفي قواعد الكتابة التاريخية القارَّة نحو رواية تاريخية أخلاقية تنتصف لمن استُعبِدوا في الأمس، بعدم استعباد حكايتهم في اليوم الحاضر وفي الغد. وفي سبيل ذلك، تحيي هارتمان قصة "فينوس"، الفتاة السوداء التي لم يبق من قصتها إلا شذرة عابرة في أرشيف العبودية، وذلك في لائحة اتهام ضد جون كيمبر، قبطان سفينة العبيد البريطانية "ريكوفري"، والذي حوكم على قتل "فتاتين زنجيَّتين" في 7 حزيران/ يونيو 1792، وبُرئ منه، علمًا أن الجريمة وقعت في رحلة السفينة من نيجيريا إلى غرينادا في صيف عام 1791. وإذا صحّ أن إخراج الضحايا من هذا العالم على يد السيّد الأبيض هو الأداء الأول، فإن إعادتهم إليه (عبر "القصّ النقدي")، على يدي السيّدة السوداء، هي الأداء الثاني الذي يبشّر بإمكانية تحقيق مستحيل "حالة الحرية" بممكن "حالة الكتابة" عنها وعن فظائع العبودية.
Abstract
This study examines the possibility of overcoming the violence of the archive, whether as constituting or preserving, in order to write the history of victims without committing yet additional violence by claiming to represent them. Sadia Hartman takes Venus’ story as an example to employ her method of "critical fabulation"-a revolutionary mode of writing that aspires to transcend historiography. Due to the "constitutive impossibility" of the archive itself and its use towards constructing normative historical writing, Hartman’s method depends on dealing with archival materials in a different modality - one that works towards a moral historical narrative that gives justice to those who were enslaved in the past, so as not to have their story enslaved in the present and in the future. To do so, Hartman brings to life the story of Venus, the black girl of her story who remains only a passing fragment in the archive of slavery. This fragment appears in the indictment against John Kemper, the captain of the British slave ship Recovery, who was tried for the murder of "two female Negro slaves," on 7 June 1792, and was later acquitted. The crime took place on the ship’s journey from Nigeria to Grenada in the summer of 1791. If it is true that driving the victims out of this world at the hands of the white master is the first act, their return (through "critical fabulation") at the hands of a black woman is the second act that promises the possibility of achieving the impossibility of a "free state" within the possibility of a "writing state" about it and about the horrors of slavery.aس
- العبودية
- الأرشيف
- الكتابة التاريخية
- العنف
- فينوس
- التاريخ المضاد
- Slavery
- Histography
- Archive
- Counter-History
| سايدية هارتمان | Hartman *Saidiya **Translated by: Abdul - Rahim Al - Shaikh | ترجمة: عبد الرحيم الشيخ | |
| فينوس في أداءين*** Venus in Two Acts | |
تقديم المترجم: الممكن يف كتابة المستحيل
في دراستها الذائعة الصيت "فينوس في أداءين" تحكي المؤرخة سايدية هارتمان قصة "فينوس"، إحدى ضحايا حقبة العبودية، من حيث خروجها من العالم بالعنف المؤسس متمثلً في النظام السياسي (الرّق)، وعودتها إلى العالم رغم العنف الحافظ المتمثل في النظام المعرفي (الأرشيف)، وبسببه، حين يصير عتبة لكتابة التاريخ - المضاد. تحيل سايدية هارتمان، أستاذة الدراسات الأدائية، التاريخَ إلى مسرح، وتجعل من الخروج منه أداءً أوّل، في حين تجعل العودة إليه أداءً ثانيًا حين تتجرأ المؤرّخة، الخارجة على "برتوكولات التاريخ ومعاييره"، على دخول "مشرحة الأرشيف" لتمارس في أمكنته وأزمنته المتغايرة إعادات لصياغة الحدث المروّع من جديد عبر فعل "القص النقدي" Fabulation Critical الذي يطمح إلى تحرير الضحايا من عنف الماضي وعنف الحاضر في آنٍ معًا. وتكمن أهمية تحويل نص هارتمان إلى العربية، بوصفها درسًا لممارسة الممكن، في "الكتابة المستحيلة" التي تسعى لإنصاف "وجود" ضحايا العنف المؤسس من "تأويل" العنف الحافظ، والبحث عن "حالة الحرية" خارج العنفين، وإن كان الفشل مقدودًا على قدِّ الأمل، في نجاح هذه المحاولة. وهي بذلك تقترب من نقد إدوارد سعيد لمفهوم "الوثيقة التاريخية" في سياق الصراع العربي - الصهيوني، لكنها تتجاوزه باقتراح منهج دليليّ لكتابة التاريخ المضاد. "فينوس هي فتاة زنجية"، مفرد حاضر بصيغة الجمع الغائب، جاء على ذكرها أرشيف العبودية. وعلى الرغم من واقعية القصة، فإن هارتمان تتخذها قناعًا تمثيليًا لتاريخ المظلومية في حقبة العبودية التي تتناسخ فيها قصة فينوس بلاا توقّف، وأفقًا لكتابة التاريخ خارج نفق الأرشيف. وعلى الرغم من ضآلة ما ورد عن القصة من معلومات سياقية وحواشٍ في المتن الكبير لتاريخ العبودية بروايته البيضاء، فإنها كافية لتخيّل تفاصيل "حالة الحرية" التي لم تتمتع بها الضحية السوداء حين حُرمت حقَّها في الكلاام والحياة والظهور بصورة أكثر جلااء في مدوّنة العنف الاستعماري. ورغم عدم التصريح بماهية "الأداءين" في كتابة قصة فينوس، فإن مقترح هارتمان يتضمن أداءً أول يتمثل في الخروج/ الإخراج من العالم على يد السيد الأبيض وسرديّته البيضاء، وأداءً ثانيًا يتمثل في العودة/ الإعادة إلى العالم على يد السيدة السوداء وسرديّتها النقدية التي تحاول تحقيق مستحيل "حالة الحرية" بممكن "حالة الكتابة" التي تكتنفها عدة اعتبارات أخلااقية وجمالية، تتضمن ما يلي: القيام بال "أداء الثاني"، عبر إيقاظ مروية فينوس من سباتها وبعثها والإصغاء إلى صوتها أكثر من التكلّم نيابة عنها؛ أي من دون أن يكتنف الأداءَ السردي عنفٌ ثالث يحول دون حصول الضحية على الشق الآخر من "حالة الحرية"، وهو الحق في الكلاام بعد أن حُرمت شقّها الأول، وهو الحق في الحياة. التعامل مع أمكنة العبودية وأزمنتها بصفتها وحدات معرفية مفتوحة أكثر من كونها أحياز عنف مغلقة؛ وذلك لإتاحة المجال لنقدها ونقضها، ولشبح الضحية فرصة التحوّل إلى ذات تلااحق الحاضر، عبر عودتها إلى العالم بالطريقة التي أخرجت بها من العالم. منح الحيوات المستباحة في الماضي حق النقض، عبر إمكانية المشاركة في "مشروع الحرية غير المكتمل"، في واقع لا تزال تحكمه سلاالة السلطات السياسية والقضائية والمعرفية ذاتها. تستدعي هارتمان مجاز "التابوت المفتوح" (من قصة ميمي ت ل، المرأة السوداء من شيكاغو، التي طلبت إبقاء تابوت ابنها ذي الأربعة عشر عامًا، إميت ت ل Till Emmett، مفتوحًا، بعد أن سُحِلَ وقتل ومثّل به عنصريون بيض في موني- ميسيسبي في عام 1955) حين تتعامل مع الأرشيف بوصفه مشرحة، أو مقبرة كتابيةً، أو قنطرةً نحو الحيوات المستباحة للضحايا. وتعيد هارتمان بناء سياق قصة
فينوس قبل البدء في تنفيذ مقترحها لإعادة بناء القصة ذاتها، وتبذل قصارى جهدها لتدشين قصّة تتفوّق فيها الجماليات والأخلااقيات، في الفعل السردي، على قبح السياسات. فضمن المشروع العام ل "الإعادة" في الأداءين المشار إليهما آنفًا (تصوير الحياة بين الخروج من العالم والعودة إليه)، تسعى هارتمان لإرباك النظام المتمثل في الأرشيف وحدود سلطته على الكتابة التاريخية التي تسيطر عليها الأكاديميا المؤسسَة بالعنف ذاته الذي مورس على ضحايا العبودية. تتمثل ذروة سنام مقترح هارتمان الثوري في منهجها الدليلي لكتابة تاريخ مضاد للتاريخ السائد الذي يتناوب مع الأرشيف على سدانة حدود السردية البيضاء للماضي والحاضر. وتنقد هارتمان عنف العبودية - المؤسس وعنف الأرشيف - الحافظ لصالح سردية جديدة عبر فعل "القص النقدي" الذي يحمي الكتابة حول "فينوس" من خطر التحوّل إلى فهرسة للمقولات التي أذنت بموتها، وأمعنت في تسليع قصّتها بعد أن سلَّعت جسدها. هنا، يهدف سرد هذه القصص المستحيلة إلى تعرية اللااتكافؤ بين الضحية والجلااد: في تجربة الحياة، وتجربة الموت، والأرشيف الذي سجّل التجربتين في تجاور لا يدانيه إلا تجاور الدم والمقصلة. وبذا، تؤكد هارتمان، بوضوح النتيجة التي صارت بديهة؛ أن "الأرشيف لا ينفصل عن لعبة السلطة التي قتلت فينوس ورفيقتها وبرأت القبطان"، وتبني على ذلك أنه يصعب تجاوز "الحدود التكوينية للأرشيف" و"معايير التاريخ" والكتابة الأكاديمية التي احتكرت تعريف الحقيقة كما احتكرت، من قبل، موادها الخام، ومنها الجسد - السلعة للمستعبدة، وقصتها، وطرائق التعامل معها. لكن هارتمان، رغم ذلك، تطرح منهجًا يمكن من خلااله "التفاوض" مع تلك الحدود عبر استثمار إمكانات افتراضية تجترح من خلاالها سردية مضادة، تستند إلى قرائن الأرشيف وتتجاوز بروتوكولاته، رغبةً في إعادة بناء "القصة المستحيلة". وتتجلّ منهجية هذه الممارسة في إعادة أداء أحداث الماضي من دون الامتثال لقواعد الكتابة التي دشّنها عنف حافظ في الحاضر للعنف المؤسس في الماضي، وذلك عبر التلااعب بالعناصر الأساسية في القصة وإعادة ترتيبها في مشهدية جديدة، وملء فجواتها التي صنعها عنف رأس المال من تسليع العبودية إلى تسليع الكتابة عنها؛ بغية بعث الضحية من موتها الجسدي وموتها الاجتماعي، ومن ثمّ من موتها الأخلااقي كمحاكمة سرمدية للضمير الأبيض. وخلاال نقدها عنف الأرشيف ورغبتها في زعزعته، تسلط هارتمان الضوء على "الاستحالة التكوينية" التي يمليها العنف المؤسس للأرشيف؛ ذلك أن المؤرخة لا يمكنها تجاوز معايير التاريخ التي يفرضها الأرشيف، سواء في ما يثبته أو في ما يمحوه من قرائن. وهكذا، ثمة قصص لا يمكن استرجاعها أبدًا. ومن هنا، يتولّد ما تطلق عليه هارتمان "تاريخ الفشل" الذي لا مفر منه في محاولة تمثيل أصوات الضحية الغائبة. وتدرك هارتمان أن مقولاتها النقدية لا تعمل خارج اقتصاد المقولات التي تضعها موضع النقد وعلااقات القوة التي تحكم ذلك الاقتصاد، ولكنها على يقين بأنّ صعوبة تمثيل ما لا يمكن تمثيله، بدلً من أن تقود إلى التشاؤم أو اليأس، ينبغي أن يُحتفى بها بوصفها الاستحالة - الممكنة التي تؤطّر المعرفة بالماضي المستعبَد وتحاكي الرغبة في المستقبل المحرَّر. ليست تلك استحالة نظرية، أو إجرائية، بطبيعة الحال، بل هي استحالة ضميرية ناشئة عن الخشية من عدم تحقق الغاية الأخلااقية لع طارة التاريخ المضاد التي لن تصلح ما أفسده أرشيف التاريخ المتسيّد.
أوالً: فينوس
عبر هذا التجسّد، تظهر فينوس في أرشيف العبودية بوصفها فتاة ميتة، ورد اسمها في لائحة اتهام قضائية ضد قبطان سفينة للعبيد حوكم على قتل فتاتين زنجيّتين. ولكن كان يمكن أن نجدها، بسهولة مماثلة، في دفتر السفينة في سجل الديون أو في مذكّرات مالك العبيد؛ "الليلة الماضية وطئت دايدو على الأرض"، أو كسَر يّة شبقة ذات عضو مرن "يمكنه احتواء أكبر ما يمكن للرجل أن يمنحه" في قائمة هاريس لنساء كوفنت غاردن، أو كمحظية في حكاية جندي مرتزق في سورينام، أو كصاحبة مبغى في شهادة مسافر
عن مومسات باربادوس، أو كشخصية ثانوية في رواية إباحية من القرن التاسع عشر1(. إنها - وقد دعيت بأسماء عدة: هاريوت، فيبَّه، سارة، جوانا، ريتشيل، ليندا، سالي - موجودة في كل مكان في العالم الأطلسي. الكوخ، وقعر سفينة العبيد، وعزل الحجْر، وبيت الدعارة، والمحبس، ومختبر الطبيب، والسجن، وحقل القصب، والمطبخ، وغرفة نوم السيد... [مواضع] تبَّيَّ أنها المكان ذاته، وهي في الأمكنة كلها تُدعى فينوس. ماذا هنالك بعدُ لنعرفه؟ إنه المصير ذاته ككل فينوس سوداء أخرى: لا أحد يتذكّر اسمها، أو يسجّل الأشياء التي قالتها، أو يلااحظ أنها رفضت قول أي شيء مطلقًا2(، فمصيرها قصة في غير أوانها، رواها شاهد فاشل. وستمر قرون قبل أن يُسمح لها بأن "تجرّب لسانها [لسرد الحكاية"]3. يمكنني القول، متأسِّيةً بفيلسوف شهير، إن ما نعرفه عن فينوس في هيئاتها المتعددة هو "أكثر قليلً من سجلِّ مواجهتها مع السلطة"، وإن ما نعرفه يقدَّم "خطاطة ضئيلة لوجودها"4. لقد أنتجت صدفةٌ أو كارثةٌ انحرافًا أو حَيْدًا عن المسار المتوقّع والاعتيادي للخفاء، انتشلها من تحت الأرض إلى سطح الخطاب. نتعثّ بها في ظروف غير مألوفة لا تفصح عن صورة للحياة اليومية، ولا مسار أفكارها، ولا ملاامح وجهها الهش، أو ما الذي تقتضيه نظرة في مثل هذا الوجه. إن ما نعرفه فقط هو ما ينطبق عليها مما يمكن استنباطه من تحليل السجل، أو استعارته من عالم آسريها وأسيادها. ومع ذلك، فإن اللاامألوف ينبغي أن يتم تحويله إلى تمثيليّ أو عاديّ كي تفتح لنا حياتُها نافذةً على حيوات المستعبدات على نحو عام.ّ لا يمكن أن تسأل المرأة: "من هي فينوس؟" لأنه سيغدو من المستحيل الإجابة عن سؤال على هذا النحو. فهناك مئات الآلاف من الفتيات الأخريات اللواتي يشاركنها ظروفها، وهذه الظروف ولّدت قصصًا قليلة. والقصص الموجودة ليست عنهن، بل هي عن العنف، والجور، والإفك، والعقلاانية التي أخذت بناصية حيواتهن، وأحالتهن إلى سلع وجثث، وعرّفتهن بأسماء تُتداول كشتائم أو كنكات فظّة. إن الأرشيف، في هذه الحالة، هو حكم بالإعدام، قبر، عرض للجسد المنتهَك، جَرْدُ ملكية، تقرير طبي عن [داء] السيلاان، سطور قليلة حول حياة عاهرة، وحاشية تتذيّل سرديّة تاريخية كبرى. وبذا، "فإنه من المستحيل، من دون أدنى شك، التمكُّن مطلقًا من فهم [حيوات هؤلاء] مرة أخرى في ذاتها، وكأنهن كنّ في حالة حرة"5.
ثانيًا: الخروج من العالم والعودة إليه
أريد أن أقول أكثر من هذا. أريد أن أفعل أكثر من إعادة سرد العنف الذي أودع هذه العلاامات في الأرشيف. أريد أن أروي قصة عن الفتاتين يكون في إمكانها استرجاع ما ظل في سبات - أي شراء أو استرداد حياتيهما في الوقت الحاضر – من دون ممارسة عنف إضافي
منّي عبر فعل السرد. إنها قصة محمولة على الاستحالة - الإصغاء لما لم يقل، وترجمة الكلمات المحرَّفة، وإعادة بعث الحيوات المشوَّهة [خلْقًا آخر] - والرغبة في تحقيق هدف مستحيل، هو: تدارك آثار العنف الذي أنتج أرقامًا وتشفيرات وشظايا كلاام، لنصبح أقرب ما يمكن إلى سيرة السجينة أو المستعبَدة. وعلى الرغم من ذلك، كيف يمكن أن تبرئ المرأة حيوات انشبكت بالمقولات الرهيبة التي أسلمتها للموت، ومن المستحيل تفريقها عنها: دفاتر الحساب التي عرّفتهن بصفتهن وحدات قيمة، والفواتير التي اتخذتهن بصفتهن ملكية، والمدوَّنات المبتذلة التي جرَّدتهن من السمات الإنسانية؟ "هل يمكن للصدمة من مفردات [على هذه الشاكلة]"، كما يكتب فوكو، "أن تعلي من شأن أثر ما للجمال الممزوج بالرعب؟"6(. هل يمكننا، كما تقترح مارلين نوربيسي فيليب، "اجتراح شيء جديد من غياب الأفارقة بوصفهم بشرًا؛ ذلك الغياب الذي يتصدّر قلب النص"؟7(. وإن أمكن ذلك، فما سمات هذه السردية الجديدة؟ بكلمات أخرى، كيف يمكن أن تعيد المرأة كتابة مدوَّنة الموت، المتنبَّأ به والمتوقَّع، سيرةً جماعية لذوات ميتة، وتاريخًا - مضادًّا للإنسان، وممارسةً للحرية؟ كيف يمكن أن تجسِّد السرديةُ الحياةَ في كلمات وأن تحترم، في الآن نفسه، ما لا يمكننا معرفته؟ كيف يمكن أن تصغي المرأة إلى الأنَّات والنشيج، والأغنيات العصية على الفك، وزمزمة النار في حقول القصب، ومراثي الموتىى، وصرخات النصر، ومن ثم انتقاء كلمات ل [وصف] ذلك كله؟ أمن الممكن بناء قصة "من موضع خطاب مستحيل" أو بعث حيوات من بين الخرائب؟8(. هل يمكن أن يمنح الجمالُ ترياقًا للعار، وهل يمكن أن يصير الحبُ طريقةً في "نبش النشيج المدفون" وإحياء الموتىى؟9(، أم أن السرد هو هبة نفسه وغايتها؛ أي إن كل ذلك الممكنُ تحقُّقُه حين يتم تجاوز الماضي وبعث الموتىى غير صحيح؟ ماذا يمكن أن تقدِّم القصص على أي حال؟ طريقة للعيش في العالم في أعقاب الكارثة والدمار؟ وطنًا في العالم للذات الممثل بها والمنتهكَة؟10، ولمن [كلُّ ذلك]، لنا أم لهن؟ إن ندرة سرديّات الأسر والاستعباد الأفريقية تفاقم وطأة مثل هذه الأسئلة. لا توجد سرديةُ سيرة ذاتية واحدة لمستعبَدة نجت من الممر الأوسط Passage Middle. هذا الصمت في الأرشيف، مضافًا إليه منعة القلعة أو المحجَر، ليس بصفته زنزانة أو حيِّزًا للعزل، بل بصفته وحدة معرفية، أسهم، في أغلبه، في اختصار تأريخ تجارة العبيد في قضايا كميّة، وحول مسائل الأسواق والعلااقات التجارية11. الفقد يوقظ الحنين. وفي هذه الظروف، لا يكون من المستبعد اعتبار القصص شكلً من أشكال جبر [الضرر] أو حتى التعويضات، وربما النوع الوحيد الذي يمكن أن نتلقَّاه. بصفتي كاتبة ملتزمة برواية القصص، حاولت أن أمثِّل حيوات البلاا - أسماء والمنسيّات، وأن أعترف بالخسارات [وأعدُّها]، وأن أحترم حدود ما لا يمكن معرفته. بالنسبة إلي، فإن سرد تواريخ مضادة للعبودية كان دائمًا غير منفصل عن كتابة تاريخ الحاضر، وهو ما
أعنيه بالمشروع غير المكتمل للحرية، والحياة المستباحة لمن كانوا عبيدًا، شرط يعرِّفه الانكشاف للموت المبكِّر، واعتباطيّة أفعال العنف12. تاريخ الحاضر، كما أفهمه، يتوق إلى أن يظهر حميمية تجربتنا مع حيوات الموتىى، وأن نكتب راهننا بينما يعرقله هذا الماضي، وأن نتخيّل حالة حرة، ليس بوصفها الزمن السابق للأسر أو العبودية، بل بوصفها المستقبل المشتَهى لهذه الكتابة. إن هذه الكتابة هي كتابة شخصية بسبب هذا التاريخ الذي أحدَثني، وبسبب "معرفة الآخر التي تركت علاامتها عليَّ"13، وبسبب الألم الذي لابستهُ في مواجهتي قصاصات الأرشيف، وبسبب أنواع القصص التي ابتدعتها لأصل الماضي بالحاضر، ولأضفي طابعًا دراميًّا على إنتاج اللااشيء ممثلً في غرف فارغة وصمت وحيوات اختُزلَت سدىِ. ما أنواع القصص التي ينبغي أن يقولها أولئك الذين عاشوا علااقة حميمية مع الموت أو عنهم؟ أهي قصص الحب، أم المآسي، أم الصرخات التي وجدت طريقها إلى الكلاام أو الغناء؟ وما البروتوكولات والحدود التي تشكِّل السرديات التي كُتبت بصفتها تاريخًا مضادًّا؛ وهو مأرب لا ينطوي على ضمانات تحصّنه من المخاطر التي تشكّلها إعادة إنتاج الكلاام العنيف، وإعادة تصوير طقوس التعذيب ثانية؟ هل "الجمال الرهيب" المقيم في مثل هذا المشهد هو شيء شبيه بالعلااج كما يبدو في اقتراح فرد موتن أو يكاد؟ِ14. إن نوع الجمال الرهيب والموسيقى الرهيبة التي يميِّزها في صرخات العمَّة هستير Hester Aunt يتحوّل إلى أغاني بيت المزرعة العظيم، أو في صورة وجه إميت تِل المهشَّم، وفي "النظرة الثاقبة "15(التي تصدر عن الرغبة في النظر إلى التابوت المفتوح. هل ترجح كفَّة الإمكانات على كفَّة المخاطر في النظر (ثانيةً)؟ إذا كانت "قراءة الأرشيف تعني أن تدخل المشرحة؛ وإذا كانت تتيح تفحُّصًا نهائيًا وتسمح بإلقاء نظرة أخيرة على الأشخاص الذين هم على وشك الاختفاء في ذمّة العبودية"16(، فما غاية أن تفتح المرأة التابوت وتنظر في وجه الموت؟ ولماذا المخاطرة بالتدنيس المتحصِّل من إعادة صبِّ اللعنات، والبذاءات، وقوائم الخسائر والأرباح، ومعايير القيمة، التي كانت حيوات الأسرى تدوَّن عبرها وتندثر؟ ولماذا نعرِّض الموتىى لمخاطر جديدة ودرجة أخرى من العنف؟ أكلمات التجَّار هي قنطرة إلى الموتىى، أم أنها قبور كتابية ينتظروننا داخلها؟ إن مثل هذه الاعتبارات حول أخلااقيات التمثيل التاريخي، تفِّسِّ، جزئيًا، "الأداءين" في العنوان. عليَّ أن أرجع إلى مقولتي السابقة عن موت فينوس وأراجعها فيكتاب الموتى17(، وكذلك الأداءين اللذين يعلنان العودة التي لا مفر منها إلى فينوس بوصفها "شبحًا"؛ أي ذاتًا تلااحق الحاضر، وبوصفها حياة مُسْتَطْرحَة. إن وصف التاجر للموت يوضِّح لامناصيَّة الإعادة: الميلاانكوليا، الديزنطاريا، مرارًا وتكرارًا. وبدلً من الجهد المهدور في اجتراح وصف متعيّ؛ مثل "الفتاة الزنجيّة المهزولة"، أو "الفتى الوضيع"، يقدَّم الدفتر موتًا آخر من خلاال هذا الاختزال، ويعيد الموتىى إلينا "بالهيئة ذاتها التي أخرجوا بها من العالم"18.
ثالثًا: التابوت المفتوح، فضيحة الأرشيف
الأرشيف يغصّ بالفضيحة والمغالاة: الأرقام الخام لسجلّ الوفيات، التهرّب الاستراتيجي والمواربة [الواضحة] في سجلّ القبطان، الرسائل المنمَّقة والعاطفية التي يرسلها التجار المشتاقون إلى أوطانهم من موانئ العبيد، وقصص العنف الصادم، التعويذية، التي كتبها مؤيدو إنهاء العبودية، وتقارير الشهود المفتونين بجنود المرتزقة المتلهفين لفضح "ما تمنع اللياقة من إفشائه"، وطقوس التعذيب، والضرب، والشنق، و[عمليات] البتر المنصوص عليها بصفتها قانونًا. إن الاستثمار الشبقي في العنف موجود في كل مكان: في الوثائق والبيانات والمؤسسات التي تقرر معرفتنا عن الماضي. ما قيل وما يمكن أن يقال عن فينوس يسلِّم بالتنافذ بين الحقيقة والخيال والرغبة والعنف. التأكيدات حول هذا وفيرة: ولنبدأ مع جيمس باربوت Barbot James، قبطان سفينة آلبيون Frigate Albion، الذي قال بتزامن - وتماكن الملذات المتاحة في حيِّز الموت. لقد كان من الصعب ممارسة ضبط النفس جنسيًا على سفينة العبيد؛ يعترف باربوت بذلك لأن "الشابات العذراوات المرحات، المليئات بالفكاهة الطيبة والمبهجة، وفَّرن قدرًا كبيرًا من التسلية"19. يؤكد فالكونبريدج هذا، ويسهب [في وصف] الانزلاق بين الضحايا والعشَّاق، بين أفعال الحب والجموح المتوحِّش: "على ظهر بعض السفن، يسمح للبحارة العاديين بمعاشرة نساء سوداوات مثل أولاء اللواتي يمكنهم نيل موافقتهن. وقد كان بعضهم معروفًا ببلوغ أحوالهم العشقية والنزوية إلى حدود قصوى، إلى حدَّ القفز من على ظهر السفينة وإغراق أنفسهم". وحده أولوداه إكيوانو Olaudah Equiano يصف العنف المألوف لسفينة العبيد من دون اللجوء إلى لغة الحب: "لقد كانت ممارسة شائعةً تقريبًا مع موظَّفينا وبِيضٍ آخرين، أن يقترفوا أفع لً غير قانونية عنيفة تستهدف عفَّة المسترقَّات من النساء [...] عرفت أن أصحابنا يقترفون هذه الأفعال المشينة التي تجلب العار؛ ليس للمسيحيين فحسب، بل للبشر [عامة]. عرفت أنهم يقضون وطرهم بوحشية من إناث لم يبلغن العاشرة من العمر؛ وقد مارس بعضهم هذه الفواحش ممارسةً فضائحية، إلى حدَّ أن قبطاننا سرَّح وكيله وآخرين من جرَّاء ذلك" (التشديد من الكاتبة)20. لقد كان الوضع أكثر سوءًا في مزارع المستعمرة. فاغتصابات توماس ثستلوود Thistlewood Thomas المتسلسلة، والعقوبات التي يُستعمَل فيها الغائط، تمنح شهادة مصورة عن اللذائذ المترتبة على تدمير الحياة وتحقيرها، وتوضح، في الآن نفسه، صعوبة استرداد حيوات الرقيق من القوة الإبادية لمثل هذا الوصف: "جلدَه على نحو غير مميت، ليعمد بعدئذ إلى ملء ما أحدثه الجلد من تقرحات بالملح والمحلول الحمضي، وجعل هكتور يتغوَّط في فمه، وعلى الفور وضع في فمه الممتلئ لجامًا وجعله يلبسه نحو أربع أو خمس ساعات"21. وفي حين تشكِّل هذه الانتهاكات اليومية، بلاا شك، تاريخًا للعبودية، فإن المهمة الأصعب تتمثل في استخراج الحيوات المدفونة في هذا النثر، أو بالأحرى القبول أن فيبَّه ودايدو توجدان في حدود هذه الكلمات فحسب، وتلك هي الطريقة التي تدخلاان بها التاريخ. الحلم هو تحريرهن من فحش الأوصاف التي قدَّمتهن لنا ابتداءً. لعل من السهل كره رجل مثل ثستلوود، ولكن الأصعب هو الاعتراف بأن التعبيرات اللااتينية الوحشية، المهرقة على صفحات مذكراته، هي إرثنا.
مع دخول أرشيف العبودية، يتخذ اللاامُتخيَّلُ شكل الحياة اليومية التي لن يكون في وسعنا نسيانها أبدًا ونحن نفغر أفواهنا [دهشةً]: من الوجوه العابسة والخصور العارية لديليا ودرانا ورينتي وجيك، أو الفزع من جسد أنارتشا الممثَّل به، أو الإعجاب بديانا العارية، على نحو مذهل، حتى إن "أكثر الثياب روعةً لا يمكنها أن تعطي أي أناقة إضافية"22(. أخريات يظهرن تحت ضغط الخطاب وتحريضه: متسوِّطة وخويخوية، عاهرة نكدة، زنجية ميتة، مومس مسفلسة. كلاام نابٍ، وتعبيرات فاحشة، وأوامر مخيفة تتوالد منها الشخصيات التي نتعَّثَّ بها في الأرشيف. وأخذًا في الاعتبار الظروف التي نجد خلاالها هذه الشخصيات، فإن اليقين الوحيد أننا سوف نخسرها ثانية، أنها ستنتهي، أو تستعصي على فهمنا، أو تنهار تحت ضغط البحث والاستقصاء. هذه هي الحقيقة الوحيدة حول فينوس التي نحن على يقين منها. لذا، هل من الممكن إعادة اسمها ورواية قصة عن الجسد المهان والحياة المدنَّسة التي تُعجِب ولا تُطرب، بل تقتحم، بدلً من ذلك، نمطًا آخر من الكتابة؟ إن لم يعد كافيًا، بعد الآن، كشف الفضيحة، فكيف يمكن، إذًا، استيلااد مجموعة توصيفات مختلفة من الأرشيف؟ كيف يمكن تخيُّل ماذا كان يمكن أن يحدث؟ كيف يمكن تصوُّر حالة حرة عبر هذا الطراز من الشهادات؟ إن المخاطر التي تتضمنها هذه المحاولة لا يمكن حصرها بين هلاالين أو تجنُّبها؛ نظرًا إلى حتمية إعادة إنتاج مشاهد عنف على هذه الشاكلة تعرِّف حالة السواد وحياة الرقيق وحياة من كانوا رقيقًا وكنَّ. وعلى العكس من ذلك، فإن هذه المخاطر تقع في صميم عملي، سواء في القصص التي اخترت سردها وتلك التي تجنَّبتها. هنا، أود العودة إلى قصة فضَّلت عدم قولها، أو كنت غير قادرة على قولها في [كتابي]. إنها قصة عن أن تخسر أمَّك فينوس، أو الفتاة التي ماتت على ظهر [سفينة] ريكوفري، والتي أشرت إليها على نحو عابر فحسب.
1. الأداء الثاني
ماتت فتاتان على ظهر [سفينة] ريكوفري. وقد اتُّه م القبطان، جون كيمبر، بأنه "على نحو شرير وخبيث وبحقد مُبيَّت، ضرب فتاة مسترقَّة وعذَّبها، ما تسبب في موتها: كما اتُّهِم، ثانيةً، بأنه تسبب في موت فتاة أخرى "23. في 7 حزيران/ يونيو 1792، صرخ السيد بيغوت Pigot. Mr، موكَّل المستعبدَة، المدعوة فينوس، خلاال استجواب للطبيب الجراح توماس دويلنغ Dowling Thomas، أحد الشاهدَين من طاقم السفينة اللذين أقرَّا بأنهما شاهدا القبطان جون كيمبر يقتل الفتاة الزنجية. واستنادًا إلى شهادة الطبيب، فقد جلدها القبطان مرارًا بسوط "وباستمرار لعدة أيام، وعلى نحو قاسٍ" متسببًا في وفاتها24. فينوس لم تكن الفتاة الزنجية، بل الفتاة الأخرى التي قضت على يدي القبطان، وقد ذُكرت على نحو عابر خلاال المحاكمة. استجوب بيغوت الطبيب: سؤال: ألم تكن هناك فتاة تم شراؤها من [التاجر] جاكاماتشري Jackamachree؟ أكانت في حالة الفتاة التي نتحدث عنها ذاتها؟
جواب: لا أعرف. سؤال: ألم تكن هناك فتاة باسم فينوس؟ جواب: بلى، كانت. سؤال: ألم تكن في الحالة ذاتها؟ جواب: لا في حدود معرفتي25. "كانت هناك فتاة أخرى على ظهر [سفينة] ريكوفري [...] أطلقوا عليها اسم فينوس، وهي كذلك كان لديها السفلس"26. حين بُرِّئ القبطان من قتل الفتاة الأولى، وُجِدَ أنه ليس مذنبًا بالتهمة الثانية؛ "ذلك أنه لم يكن ثمة قرينة تدعم التهمة الثانية، أكثر مما دعمت الأولى، وقد برَّأ المحلَّفون السجين منها كذلك"27(. وقد كانت هاتان الكلمتان الوحيدتين اللتين قيلتا عن فينوس خلاال المحاكمة. كتبتُ جملتين عن فينوس في كتاب الموتى، مُخفيةً صمتي خلف صمت ويليام ويلبرفورس Wilberforce William. أقول عنه: "إنه اختار ألّ يتكلَّم عن فينوس، الفتاة الميتة الأخرى. وقد أجاز اسم التحبب التهتك وجعله يبدو مقبولً"28. وقد قررت عدم الكتابة عن فينوس لأسباب تختلف عن تلك الأسباب التي نسبتها إليه. وبدلً من ذلك، خشيتُ مما يمكن أن أجترحه، وكان في الإمكان أن تكون قصة حب. لو أنني استحضرت أكثر من الاسم في تلك الحادثة، لو أنني تمكَّنت من تخيُّل فينوس تتكلَّم بصوتها الخاص، لو أنني تمكَّنت من الإسهاب في ذكر تفاصيل الذكريات الصغيرة التي أزيلت من السجل، لكان من الممكن أن أصف الصداقة التي كان يمكن أن تتطور بين الفتاتين المذعورتين والوحيدتين، رفيقتي السفينة، ولكان لفينوس أن تحتضن رفيقتها المحتضرة، وتهمس بعبارات العزاء في أذنها، وتهدِّئها بالوعود، وتريحها بالقول "قريبًا، قريبًا"، وترجو لها عودة طيبة. تخيَّلهما: بقايا فتاتين، واحدة تحتضن الأخرى، براءتين مسلوبتين؛ وقعت عينا بحَّار عليهما، ولاحقًا قال إنهما رفيقتان. فتاتان من خارج هذا العالم وجدتا وطنًا الواحدة بين ذراعي الأخرى. إلى جانب الهزيمة والرعب، كان لهذا أيضًا أن يكون لمسة من الجمال، لحظة من الممكن. يتأدّى عن ضياع القصص اشتداد الحاجة إليها. ولذا فَم ن المغوي ملء الفراغات، وتقديم خاتمة حيث لا خاتمة، وخلق حيِّز للحداد حيث يُمنَعُ الحداد، واختلااق شاهد على موت لم يلُااحظ كثيرًا. في حالة الحرية، كان يمكن أن يكون لإحدى الفتاتين أن تشهد احتضار الأخرى، وأن تذرف دموعًا على فقدها، ولكن سفينة العبيد لم تترك مج لً للأسى، وحين يُضبَطُ الأسى تكون أدوات التعذيب حاضرة لاجتثاثه. غير أنّ المأساة التي تنطوي عليها هذه الرؤيا - حياة معترف بها ومحزونٌ عليها ممثّلة في تعانق الفتاتين - كانت على تناقض مع العنف الإبادي لسفينة العبيد، وتقريبًا مع كل شيء كنت قد كتبْتهُ. في بادئ الأمر، اعتقدت أنني أرغب في تمثيل الانتماءات التي قُطِّعَت أوصالها، وإعادة خلقها في قعر سفينة العبيد عبر تخيُّل الفتاتين رفيقتين، وإعطاء إحداهن للأخرى. ولكن، في نهاية المطاف،
كنت مجبرةً على الاعتراف بأنني رغبت في تعزية نفسي والنجاة من ربقة العبودية برؤيا شيء ما غير جسدَي الفتاتين وقد استقرَّا في قاع الأطلسي. في نهاية المطاف، لا يمكنني أن أقول عن فينوس أكثر مما قلته عن رفيقتها: "لستُ متأكدة إن كان في الإمكان إنقاذ وجود من عدة كلمات: جريمة القتل المفترضة لفتاة زنجية"29. لم أتمكن من تغيير أي شيء: "الفتاة لن يكون في وسعها أن تمتلك أي وجود خارج موطن الكلمات المستباح الذي أتاح قتلها"30(. لم يكن لي أن أصل إلى خلااصة مغايرة. ولذا، فقد كان من الأفضل أن أتركهما كما كانتا من قبل: فتاتين، وحيدتين.
2. الإعادة
لقد اخترت ألّ أروي قصة عن فينوس؛ لأن فعل ذلك من شأنه أن يتعدَّى حدود الأرشيف. التاريخ يتعهَّد بالوفاء لحدود الحقيقة والقرينة والأرشيف، حتى إن كانت هذه اليقينيات قد أنتجت بالرعب. أردت كتابة قصة حب تجاوزت القصص الخيالية في التاريخ - الإشاعات، والفضائح، والأكاذيب، والقرائن المختلَقة، والاعترافات المفبركة، والحقائق المتداعية، والمجازات المستحيلة، والأحداث العارضة، والتخيُلّاات التي تشكِّل الأرشيف وتحدد ما الذي يمكن قوله عن الماضي. لقد تقتُ إلى كتابة قصة جديدة، قصة منعتقة من قيود الوثائق القانونية ومتجاوزة لإعادة صياغة المقولات وتبديلها، ما اشتمل على استراتيجيتي لإرباك النظام وتخطِّي بروتوكولات الأرشيف وسلطة مقولاته، وما مكَّنني من معاظمة قصصه الخيالية وتكثيفها. لقد كان خارج ما يمكن التفكير فيه ضمن معايير التاريخ: إيجاد صيغة جمالية مناسبة أو كافية لترجمة حياة هاتين الفتاتين، واتخاذ القرار بكيفية ترتيب السطور في الصفحة، والسماح بإعادة توجيه المسار الحكائي أو كسره بأصوات من الذاكرة - أصوات العويل والنواح والرثاء وقد أطلقت على سطح السفينة [بعد أن كانت مكتومة]، ومحاولة زعزعة إجراءات السلطة عبر تخيُّل فينوس ورفيقتها خارج مفردات المقولات والأحكام التي نفتهما من صنف البشر وأحالت حياتهما إلى هباء31 - وكلّها خارج ما يمكن التفكير فيه ضمن معايير التاريخ. لقد طرحَتْ قصة الحب المقاوِمة، التي فشلتُ في روايتها وحدث الحب الذي رفضتُ وصفه، أسئلةً مهمة في ما يتعلق بما يعنيه التفكير تاريخيًا في مواضيع لا تزال قيد الأخذ والرد في الحاضر، فضلً عن الحياة التي جرى اقتلااعها بفعل بروتوكولات التخصصات الفكرية. ونسأل في هذا السياق: ما الذي يلزم لتخيُّل حالة حرة أو رواية قصة مستحيلة؟ هل على شعرية حالة الحرية أن تترقَّب الحدث أو تتصور الحياة ما بعد رحيل الإنسان، بدلً من انتظار لحظة الفرح الدائمة التقهقر؟ هل علينا أن نصنع مستقبل إلغاء العبودية على الورق أولً؟ وهل كنت، بتراجعي عن قصة هاتين الفتاتين، ببساطة متمسكة بقواعد عُصبة التاريخ و"اليقينيات المصنوعة" على أيدي قتلتهِما. وبفعل ذلك، ألم أغلق الباب على مصيرهما؟32(ألم أودِعْهما، أنا كذلك، في غيابة النسيان؟ وفي النهاية، هل كان من الأفضل أن أتركهما كما وجدتهما؟
3. تاريخ الفشل
إذا لم يكن في الإمكان إلغاء العنف الذي دشَّن السجل المتناثر لحياة الفتاة أو لمعالجة مجهوليَّتها باسم، أو ترجمة خطاب [الفتاة -] السلعة، فلأيّ غاية، إذًا، تروي المرأة مثل هذه القصص؟ لماذا تكتب المرأة تاريخًا للعنف؟ وكيف تكتبه؟ ولماذا نعود إلى حدث أو لاحدث وفاة الفتاة؟ إن أرشيف العبودية مُقام على عنف مؤسِّس. وهذا العنف يحدد أنواع المقولات التي يمكن أن تُصاغ حول العبودية وينظِّمها ويضبطها، كما يمكنه خلق فواعل ومفاعيل للسلطة33(. الأرشيف لا يمنح وصفًا استقصائيًا لحياة الفتاة، لكنه يفهرسُ المقولات التي أذنت بموتها. وكل ما تبقى هو نوع من الخيال: عذراء مرحة، عاهرة نكدة، فينوس، فتاة. وقد فبرك اقتصاد السرقة والسلطة على الحياة، الذي عرَّف تجارة العبيد، سلعًا وجثثًا. ولكن البضائع، والكتل الجامدة، والأشياء، لا تمنح نفسها للتمثيل، على الأقل ليس بسهولة. في [كتابي] أن تخسر أمك، حاولتُ أن أقرِّب تجربة الاستعباد بتتبع مسار الاختفاء وبسرد القصص مستحيلة السرد. لقد كان الهدف تعرية اللااتكافؤ بين تجربة المستعبدين وقصص الخيال التاريخية واستغلااله، وقد عنيت بذلك متطلبات السردية، وأشياء الشخصيات والحبكات والنهايات. وكيف تروي المرأة قصصًا مستحيلة؟ قصصًا عن فتيات يحملن أسماء تخفي الوجوه وتشوِّه الأجساد، وحول الكلمات المتبادلة بين رفيقتي السفينة، والتي لم تحظَ بأي قيمة في القانون، والتي فشلت في أن تُسجَّل في الأرشيف، وحول الاستغاثات، والصلوات، والأسرار التي لم تُقل لأن أحدًا لم يكن هناك ليصغي إليها؟ إن التواصل المختلَس، الذي قد يكون جرى بين الفتاتين، ولكنه لم يُلحَظ ولم يُبلِّغ عنه أيُّ فرد من أفراد الطاقم، يؤكّد ما نعرف سلفًا أنه "الحقيقة" الحق: إن الأرشيف لا ينفصل عن لعبة السلطة التي قتلت فينوس ورفيقتها على السفينة وبرّأت القبطان. وهذه المعرفة لا تقرّبنا من فهم حيوات الفتاتين السجينتين، ولا من العنف الذي دمَّرهما وسمَّى الركام: فينوس. كما لا يفسّ ذلك أننا لا نزال نرغب في كتابة قصص عنهما حتى هذا التاريخ المتأخر. هل من الممكن تجاوز الحدود التكوينية للأرشيف أو التفاوض معها؟ عبر تحفيز سلسلة من المقولات التخمينية واستغلاال إمكانات الافتراضي (الصيغة النحوية التي تعبّ عن الشكوك والأمنيات والإمكانيات)، في اجتراح سردية، تستند إلى بحث أرشيفي، وأعني بذلك قراءة نقدية للأرشيف من شأنها أن تحاكي الأبعاد المجازية للتاريخ، أقصد أن أروي القصة المستحيلة وأن أضخِّم استحالة روايتها. الاشتراط الزمني ل "ما كان يمكن أن يكون"، بحسب ليزا لو، "يرمز بذكاء إلى حيِّز لتفكير مختلف، حيِّز لاهتمام بنَّاء بمشاهد الفقد، تفكير باهتمام مضاعف يتغيَّا أن يحيط، في آن معًا، بالموضوعات الخالصة ومناهج التاريخ والعلوم الاجتماعية ومسائل الغياب، المتشابكة وغير المتاحة عبر مناهجها"34. المقصد هنا ليس أي شيء إعجازي نحو استعادة حيوات المستعبدات أو إحياء الموتىى، بل هو العمل من أجل رسم صورة كاملة لحيوات المستعبدات، أَّنَّ أمكن ذلك. وهذه الإشارة المزدوجة يمكن وصفها بالكفاح ضد حدود الأرشيف لكتابة تاريخ ثقافي للمستعبدة، وفي الآن نفسه، تبيان استحالة تمثيل حيوات السجينات تحديدًا عبر عملية السرد. إن أفضل وصف للمنهج الدليلي لهذه الممارسة الكتابية هو القص النقدي Fabulation Critical؛ إذ إنّ "فابيولاه [قصة أو حكاية أو سردية أو مروية]" تحيل على عناصر القصة الأساسية، بما يمثّل اللبنات البنائية للسرد. الفابيولاه، بحسب مايكه بال، هي "سلسلة من
الأحداث المترابطة منطقيًا وزمنيًا أحدثَها الشخوص وعاشوها. والحدث هو انتقال من حالة إلى أخرى. والشخوص هم فواعل يؤدُّون الأحداث (وليس بالضرورة أن يكونوا بشرًا). أن تفعل يعني أن تسبب حدثًا أو أن تعيشه"35. من خلاال التلااعب بالعناصر الأساسية في القصة وإعادة ترتيبها، وعبر إعادة تمثيل سلسلة الأحداث في القصص المختلفة، ومن خلاال وجهات نظر متضاربة، حاولتُ المجازفة بمكانة الحدث وإعادة موضعة القصة القارَّة والمشرعَنة، وتخيُّل ما الذي ربما حدث، أو ربما قيل، أو ربما فُع ل. ومن خلاال زجّ "ما حدث عندما" في الأزمة، ومن خلاال استغلاال "شفافية المصادر" بصفتها قصصًا تاريخية خيالية، أردتُ أن أظه ر إلى العلن إنتاج الحيوات المُسْتَطْرحَة (في تجارة العبيد الأطلسية، كما في مبحث التاريخ)، ووصف "مقاومة الضحية"36(، إن أمكن عبر تخيُّلها أولً، والإصغاء إلى تمتمة السلعة ولعناتها وصرخاتها. وعبر بسط مستويات الخطاب السردي وخلط الراوي بالمتحدثين [عمدًا]، كنت آمل أن أسلّط الضوء على طبيعة التاريخ المختلَف فيها والسردية والحدث والحقيقة؛ وذلك لإطاحة سلَّمية الخطاب، ولاحتواء الكلاام المباح في اشتباك الأصوات. إن نتيجة هذا المنهج هي "سردية مهجَّنة"، "تجدل خيوط" الروايات غير المتكافئة، وتخيط الماضي والحاضر والمستقبل في إعادة سرد قصة الفتاة، وفي سرد زمن العبودية بوصفه حاضرنا37. إن كبح السرد، ورفض ملء الفجوات وإعطاء خاتمة، هو شرط هذا المنهج، ومثله لامناصيَّة احترام الصخب الأسوَد - الصيحات، والتأوهات، واللاامعنى، والقتامة التي تتجاوز مغالاة المقروئية ومغالاة القانون، والتي تشير إلى تطلُّعات غاية في المثالية وتجسِّدها، وهي مهملة من الرأسمالية، ونقيضة لخطابها حول التبعي حول الإنسان38. إن القصد من هذه الممارسة ليس إعطاء صوت للمستعبَدة، بل إنه أكثر من ذلك؛ تخيُّل ما لا يمكن التحقُّق منه، عالم تجربة تتموضع بين منطقتي موت - الموت الاجتماعي والموت الجسدي - والانتباه إلى الحيوات المستباحة التي لا تظهر إلّ في لحظة غيابها. إنها كتابة مستحيلة تحاول أن تقول ما يستعصي على القول (لأنّ الفتاتين الميتتين لا تستطيعان الكلاام). إنها تاريخ لماض غير قابل تُك خيرات اهنإ؛ ثدحي نأ بجي ناك الم وأ، ثدحي نأ يغبني ناك الم ةيدسر اهنإ؛ ةداعتسللااِبَ مع الأرشيف وضدّه في آنٍ معًا. لا بد من الاعتراف بأن كتابتي الخاصة ليس في إمكانها تجاوز حدود ما يمكن قوله كما يمليه الأرشيف. إنها تعتمد على السجلاات القانونية ومدوَّنات الأطباء ودفاتر التجّار وبيانات السفينة ومذكرات القبطان، وفي هذا المقام تتلعثم أمام صمت الأرشيف وتنتج محوها [الخاص]. إن العنف غير القابل للإصلااح بشأن تجارة العبيد الأطلسية يتموضع تحديدًا في كل القصص التي ليس في إمكاننا معرفتها، والتي لن تُسترجَع أبدًا. إن هذه العقبة الكأداء أو الاستحالة التكوينية تحدّد معالم عملي. إن ضرورة إعادة رواية موت فينوس يخيِّم عليها فشل لا مفرَّ منه لأي محاولة لتمثيلها. أعتقد أن هذا توتُّر بنَّاء، ولا يمكن تجنُّبه في رواية حياة التابعين والمستلَبين والمستعبَدين. بإعادة سرد قصة ما حدث على متن سفينة ريكوفري، ركَّزت على اللااتكافُئ يّة بين الخطابات السائدة والحدث، كما عمدت إلى إبراز عدم استقرار الأرشيف وتباينه. وفضلً عن ذلك، سخرت من الوهم الواقعي المعتاد في كتابة التاريخ، وعملت على كتابة تاريخ مضاد يتقاطع فيه الخيالي والتاريخ. فلاا يجعل التاريخ المضاد نفسه، بحسب غالاغير وغرينبلاات، نقيضًا للسرديّات المتسيّدة فحسب، وإنما للأنماط السائدة من التفكير التاريخي وطرائق البحث" أيضًا39، ولكن تاريخ
مشاريع التاريخ المضاد الخاص بالسود هو تاريخ قاصر؛ ذلك أن هذه المرويات، بصفة خاصة، لم تتمكن من موضعة نفسها بوصفها تاريخًا، وإنما بوصفها مرويّات متمرّدة وقطائعيّة أخرجت عن مسارها قبل أن تجد لها موضع قدم. إذا كان لقصة فينوس هذه أي قيمة على الإطلااق، فهي إنارة الطريق على نحو يربط عصرنا بها. إنها علااقة يمكن أن تُوصف بأنها نوع من الميلاانكوليا، ولكنني أفضِّ ل وصفها بمفردات الحياة الأخرى للملكية، والتي أعني أنها نثار الحيوات التي لا تزال برسم الاشتغال بها، والماضي الذي لا يزال برسم التحقق، وحالة الطوارئ المستمرة التي لا تزال حياة السود فيها عرضة للخطر. لهذه الأسباب، اخترت أن أتصدّى لمجموعة من المعضلاات حول التمثيل والعنف والموت الاجتماعي، ليس باستخدام صور من الخطاب الميتاتاريخي، بل من خلاال ممارسة الكتابة التاريخية عبر أداء القص. وقد فعلت ذلك على نحو أساسي: أولً، لأن سرديتي الخاصة لا تعمل خارج اقتصاد المقولات التي تضعها موضع النقد؛ ثانيًا، لأن [أشكال] الحضور المنفية إلى [حيِّز] اللااتاريخية أو الموسومة باللااجدوى تمارس ادِّعاءً حول الحاضر، وتلزمنا أن نتخيّل المستقبل الذي انتهت فيه الحياة الأخرى إلى العبودية. إن ضرورة محاولة تمثيل ما لا يمكننا تمثيله، بدلً من أن تقودنا إلى التشاؤم أو اليأس، يجب أن نحتفي بها بوصفها الاستحالة التي تؤطِّر معرفتنا بالماضي وتحاكي رغبتنا في المستقبل المحرَّر. إن مسعاي لإعادة بناء الماضي، كذلك، هو محاولة غير مباشرة لوصف أشكال العنف "المباحة في الحاضر، أي أشكال الموت التي أُطْلِقَ لها العنان باسم الحرية والأمن والحضارة والله- الخير. وإن هذا الشكل من السرد يشغل مكانًا مركزيًّا في هذا المسعى بسبب "ما يطرحه، تلميحًا أو تصريحًا، من علااقة بين الماضي والمستقبل"40(. إن التعامل مع ادعاء الفتاة عن الحاضر هو طريقة لتسمية زماننا، والتفكير في حاضرنا، وتصوُّر الماضي الذي أنتجه. لسوء الحظ، لم أكتشف طريقةً لزعزعة الأرشيف على نحو قد يمكِّنه من استدعاء فحوى حياة فتاة أو كشف صورة أصدق، ولم أنجح في اختلااس النظر في كتاب الموتى، الذي أقفل الباب على مصيرها سلعةً. إن مجموعة التفاصيل العشوائية التي استخدمتها هي التوصيفات ذاتها، والاقتباسات الحرفية ذاتها، وتفريغات [وقائع] المحاكمة ذاتها، وهي المحاكمة التي أ سْلمَتْهَا للموت وجعلت القتل "أقل ملحوظيَّة"، على الأقل، بالنسبة إلى الطبيب41(. إن انحلاال الأرشيف يستدعي طيفًا واسعًا من القراءات، لكن أيًّا منها لن يكون في وسعه بعث الفتاة من الموت. إنّ قصتي تعيد ترتيب العنف الذي تكتب ضدَّه، وذلك عبر طرح مطلب آخر على الفتاة؛ أن تكون حياتها مفيدة أو إرشاديّة، وذلك باستيلااد الدروس منها لمستقبلنا والأمل لتاريخنا. وإننا على دراية كاملة بأنه فات الأوان على أن تمنع حكايات الموت ميتات أخرى، كما أنه من المبكّر أن توقف مشاهد الموت هذه جرائم أخرى. ولكن في الوقت الراهن، وفي حيِّز الما بين، بين المتأخر جدًّا والمبكّر جدًّا، بين لم يعد وليس بعد، تُجايل حيواتنا حياة الفتاة في مشروع الحرية الذي لا يزال برسم الاكتمال حتى اللحظة. وفي الوقت الراهن، من الواضح أن حياتها وحيواتنا على المحك. إذًا، ماذا عسى المرأة تفعل في الوقت الراهن؟ وما القصص التي ترويها في الأزمنة المظلمة؟ وكيف يمكن أن تتيح سرديةُ الهزيمة مكانًا للأحياء أو أن تتصور بديلً للمستقبل؟ يلااحظ ميشال دو سارتو أنّ ثمة طريقتين، على الأقل، يمكن أن تتيح العملية التاريخية
عبرهما مكانًا للأحياء: واحدة تسعى لتجنيد الماضي لصالح الأحياء، مؤسِّسَةً مَنْ نحن بالعلااقة مع مَنْ كنَّا؛ وأخرى تتضمن استجواب إنتاج المعرفة حول الماضي42(. وفي موازاة ما طرحه سارتو، تقدِّم [رواية] أوكتافيا بتلر نسبأنموذجًا للممارسة43. حين تسافر دانا، بطلة رواية بتلر الخيالية، من القرن العشرين إلى عشرينيات القرن التاسع عشر لتواجه جدَّتها المستعبدة، تُفاجأ دانا بأنها غير قادرة على إنقاذ أقاربها أو الفرار من العلااقات المتشابكة للعنف والسيطرة. وبدلً من ذلك، تنتهي إلى قبول حقيقة أنهم جعلوا من وجودها الخاص ممكنًا. بهذه العقلية، علينا أن نحتمل ما يستعصي على الاحتمال: صورة فينوس وهي ترسف في الأغلاال. كالعادة، نبدأ القصة من جديد على وقع اختفائها، وعلى الأمل المجنون بأن تعيدها جهودنا إلى العالم. إن اقتران الأمل والهزيمة يعرِّف هذا العمل ويترك نتيجته مفتوحة. إن مهمة كتابة المستحيل (ليس المتخيَّل، أو المثالي، بل "التواريخ التي صُِّيِّت غير واقعية وخيالية"44(، لها شروطها، وهي: قبول إمكانية الفشل، والاستعداد للرضى بالسمة المؤقَّتية المستمرة وغير المنتهية لهذا الجهد، وبخاصة حين تحجب إجراءات السلطة الشيء ذاته الذي نرغب في إنقاذه45(. مثل دانا، نحن أيضًا نخرج من المواجهة بشعور من اللاااكتمال، وباعتراف أن بعض أجزاء الذات فُقِدَت نتيجةً لتلك المواجهة.
المراجع
References
Bal, Mieke. Narratology: Introduction to the Theory of Narrative. 2 nd ed. Toronto: University of Toronto Press,
Best, Stephen & Saidiya Hartman. "Fugitive Justice." Representations. vol. 92 , no. 1 (Fall 2005).
Best, Stephen. "The African Queen." (Unpublished Essay).
Butler, Octavia E. Kindred. Boston: Beacon Press, 2002.
Certeau, Michel de. The Writing of History. Tom Conley (trans.). New York: Columbia University Press, 1992.
Churchill, Anshawm. A Collection of Voyages and Travels. vol. 5. London: Printed by Assignment from Messrs.
Churchill, 1732. Reprinted in: George Francis Dow. Slave Ships and Slaving. Mineola, NY: Dover publications,
Das, Veena. Life and Words: Violence and the Descent into the Ordinary. Berkeley/ Los Angeles/ London:
University of California Press, 2007.
Derrick, Samuel. Harris's List of Covent-Garden Ladies, or Man of Pleasure's Kalendar for the Year 1793.
Edinburgh: Paul Harris Publishing, 1982 [1793].
Djebar, Assia. Fantasia: An Algerian Calvacade. Dorothy S. Blair (trans.). Portsmouth, NH: Heinemann, 1993.
Equiano, Olaudah. The Interesting Narrative. London/ New York: Penguin, 1995 [1789].
Falconbridge, Alexander. An Account of the Slave Trade on the Coast of Africa. London: J. Phillips, 1788.
Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge. A.M. Sheridan Smith (trans.). New York: Pantheon Books,
________. The Essential Foucault: Elections From Essential Works of Foucault, 1954-1984. Paul Rabinow
& Nikolas Rose (eds.). New York: New Press, 2003.
Gallagher, Catherine & Stephen Greenblatt. Practicing: New Historicism. Chicago/ London: University of Chicago
Press, 2000.
Hall, Douglas. In Miserable Slavery: Thomas Thistlewood in Jamaica 1750 – 86. Kingston: The Press University of
the West Indies, 1999.
Hartman, Saidiya. Lose Your Mother: A Journey Along the Atlantic Slave Route. New York: Farrar, Straus, and
Giroux, 2007.
________. "Venus in Two Acts." Small Axe. vol. 12 , no. 2 (June 2008).
Hobson, Janelle. Venus in the Dark: Blackness and Beauty in Popular Culture. New York: Routledge, 2005.
Kimber, John & Great Britain Central Criminal Court. The Trial of Captain Kimber, for the Supposed Murder of an
African Girl: At the Admiralty Sessions. London: William Lane and Leadenhall - street, 1792.
Kimber, John, Student of the Temple & Great Britain Central Criminal Court. The Trial of Captain John Kimber for
the Murder of Two Female Negro Slaves, on Board the Recovery, African Slave Ship: Tried at the Admiralty
Sessions, Held at the Old Baily, the 7 th of June. London: C. Stalker, 1792.
Kimber, John. The Whole of the Proceedings and Trial of Captain John Kimber, for the Wilful Murder of a Negro
Girl. Edinburgh: John Elder and J. Watson and Co, 1792.
Laclau, Ernesto (ed.). New Reflections on the Revolution of Our Time. London/ New York: Verso, 1990.
Laura Stoler, Ann (ed.). Haunted by Empire: Geographies of Intimacy in North American History. Durham/ London:
Duke University Press, 2006.
Mbembe, Achille. On the Postcolony. Berkeley/ Los Angeles/ London: University of California Press, 2001.
Moten, Fred. In the Break: The Aesthetics of the Black Radical Tradition. Minneapolis/ London: University of
Minnesota, 2003.
Palmié, Stephan. Wizards and Scientists: Explorations in Afro-Cuban Modernity and Tradition. Durham/ London:
Duke University Press, 2002.
Philip, Marlene NourbeSe. She Tries Her Tongue, Her Silence Softly Breaks. London: The Women's Press, 1993
________. Zong! Middletown: Wesleyan University Press, 2011.
Rolph Trouillot, Michel. Silencing the Past: Power and the Production of History. Boston: Beacon Press, 1995.
Scary, Elaine. On Beauty and Being Just. Princeton: Princeton University Press, 2001.
Scott, David. Conscripts of Modernity: The Tragedy of Colonial Enlightenment. Durham/ London: Duke University
Press, 2004.
Smallwood, Stephanie. Saltwater Slavery: A Middle Passage from Africa to American Diaspora. Cambridge/ London:
Harvard University Press, 2007.
Stedman, John Gabriel. Stedman's Surinam: Life in an Eighteenth-Century Slave Society. Richard Price & Sally
Price (eds.). Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1992.
Washington, Harriet. Medical Apartheid: The Dark History of Medical Experimentation on Black Americans from
Colonial Times to the Present. New York: Harlem Moon, 2006.
Wynter, Sylvia. "Unsettling the Coloniality of Being/ Power/ Truth/ Freedom: Towards the Human, After Man, Its
Overrepresentation - - An Argument." CR: The New Centennial Review. vol. 3 , no. 3 (Fall 2003).
الهوامش
- دوّن المشرف الجمايكي توماس ثستلوود Thistlewood Thomas "مآثره" مع النساء المستعبدات باللااتينية: " terr sup Cum " ("وطئتُها على الأرض") في:
Douglas Hall, In Miserable Slavery: Thomas Thistlewood in Jamaica 1750 – 86 (Kingston: The Press University of the West Indies, 1999), p. 31 ; Samuel Derrick, Harris's List of Covent-Garden Ladies, or Man of Pleasure's Kalendar for the Year 1793 (Edinburgh: Paul Harris Publishing, 1982 [1793]), p. 83 ; John Gabriel Stedman, Stedman's Surinam: Life in an Eighteenth-Century Slave Society , Richard Price & Sally Price (eds.) (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1992). - لشرح تفصيلي حول ورطة فينوس، ينظر:
Janelle Hobson, Venus in the Dark: Blackness and Beauty in Popular Culture (New York: Routledge, 2005). - M. NourbeSe Philip, She Tries Her Tongue, Her Silence Softly Breaks (London: The Women's Press, 1993 [1988])
ينظر: 3 - Michel Foucault, "Lives of Infamous Men," in: Michel Foucault, The Essential Foucault: Elections From Essential Works of Foucault, 1954 - 1984 , Paul Rabinow & Nikolas Rose (eds.) (New York: New Press, 2003), p. 284.
- Ibid., p. 282.
- Ibid., pp. 281 , 284.
- Marlene NourbeSe Philip, Zong! (Middletown: Wesleyan University Press, 2011).
- Stephen Best, "The African Queen," (Unpublished Essay).
- Assia Djebar, Fantasia: An Algerian Calvacade , Dorothy S. Blair (trans.) (Portsmouth, NH: Heinemann, 1993).
- في قراءة لقصة سعادت حسن منتو Manto Hasan adat ' Sa "كهول دو"، التي يسترد فيها أب جسد ابنته المنتهك، تكتب فينا داس: "هذا الأب يريد لابنته أن تحيا في حين أنّ أجزاءً من جسدها ليس في وسعها فعل أي شيء آخر غير إعلاان انتهاكها الوحشي [...] إنه يخلق عبر هذه المقولة ["ابنتي حية - ابنتي حية"] وطنًا لجسدها الممثَّل به وذاتها المنتهكة."
Veena Das, Life and Words: Violence and the Descent into the Ordinary (Berkeley/ Los Angeles/ London: University of California Press, 2007), pp. 39 , 47. - Stephanie Smallwood, Saltwater Slavery: A Middle Passage from Africa to American Diaspora (Cambridge/ London: Harvard University Press, 2007).
- Achille Mbembe, On the Postcolony (Berkeley/ Los Angeles/ London: University of California Press, 2001), pp. 173 – 174.
يكتب ميمبي عن اعتباطية السلطة الاستعمارية وتقلّبها "في الأخذ من العالم وإماتة ما كان أعلن عنه سابقًا أن يكون لا شيء، شخصية فارغة"، ص 189. - Das, p. 17.
- Fred Moten, In the Break: The Aesthetics of the Black Radical Tradition (Minneapolis/ London: University of Minnesota, 2003), pp. 14 – 22 ,
- Elaine Scary, On Beauty and Being Just (Princeton: Princeton University Press, 2001), p. 14.
- Saidiya Hartman, Lose Your Mother: A Journey Along the Atlantic Slave Route (New York: Farrar, Straus, and Giroux, 2007), p. 17.
- Ibid., pp. 136 – 153.
- Foucault, p. 284.
- A Voyage in the Albion Frigate," in: Anshawm Churchill, A Collection of Voyages and Travels , vol. 5 (London: Printed by Assignment from Messrs. Churchill, 1732), Reprinted in: George Francis Dow, Slave Ships and Slaving (Mineola, NY: Dover publications, 2002 [1927]), p. 81.
- Alexander Falconbridge, An Account of the Slave Trade on the Coast of Africa (London: J. Phillips, 1788), pp. 23 – 24 ; Olaudah Equiano, The Interesting Narrative (London/ New York: Penguin, 1995 [1789]), p. 104.
- Hall, p. 72.
- Stedman, p. 248.
ديليا ودرانا ورينتي وجيك كن موضوعات تصوير لدراسة لويس أغاسيز عن تعدد الأصول، فيما كانت أنارتشا واحدة من النساء الإحدى عشرة اللواتي أجرى عليهن مورتون سيمز، مؤسس الطب النسائي، تجاربه. ينظر:
Harriet Washington, Medical Apartheid: The Dark History of Medical Experimentation on Black Americans from Colonial Times to the Present (New York: Harlem Moon, 2006). - John Kimber, Student of the Temple & Great Britain Central Criminal Court, The Trial of Captain John Kimber for the Murder of Two Female Negro Slaves, on Board the Recovery, African Slave Ship: Tried at the Admiralty Sessions, Held at the Old Baily, the 7 th of June (London: C. Stalker, 1792), p. 2.
- John Kimber, The Whole of the Proceedings and Trial of Captain John Kimber, for the Wilful Murder of a Negro Girl (Edinburgh: John Elder and J. Watson and Co, 1792), pp. 14 – 15.
- Ibid., p. 25.
- Kimber, Student of the Temple & Great Britain Central Criminal Court, p. 19.
- Ibid., p. 36 ; John Kimber & Great Britain Central Criminal Court, The Trial of Captain Kimber, for the Supposed Murder of an African Girl: At the Admiralty Sessions (London: William Lane and Leadenhall - street, 1792), p. 43.
- Hartman, Lose Your Mother , p. 143.
- Hartman, Lose Your Mother , p. 137.
- Ibid.
- Sylvia Wynter, "Unsettling the Coloniality of Being/ Power/ Truth/ Freedom: Towards the Human, After Man, Its Overrepresentation - - An Argument," CR: The New Centennial Review, vol. 3 , no. 3 (Fall 2003), pp. 257 – 337.
- Stephan Palmié, Wizards and Scientists: Explorations in Afro-Cuban Modernity and Tradition (Durham/ London: Duke University Press, 2002), p. 94 ; Michel Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon Press, 1995).
- Michel Foucault, The Archaeology of Knowledge , A.M. Sheridan Smith (trans.) (New York: Pantheon Books, 1972), pp. 128 - 129.
- Lisa Lowe, "The Intimacies of Four Continents," in: Ann Laura Stoler (ed.), Haunted by Empire: Geographies of Intimacy in North American History (Durham/ London: Duke University Press, 2006), p. 208.
- Mieke Bal, Narratology: Introduction to the Theory of Narrative , 2 nd ed. (Toronto: University of Toronto Press, 1997), p. 7.
- Moten, p. 14.
- فكرة "السردية المهجَّنة" مستعارة من ستان دوغلااس، ولكنني تعرفت إلى الفكرة من خلاال مقالة غير منشورة لمارلين نوربيسي فيليب.
- Stephen Best & Saidiya Hartman, "Fugitive Justice," Representations , vol. 92, no. 1 (Fall 2005), p. 9
ينظر: 38 - Catherine Gallagher & Stephen Greenblatt, Practicing: New Historicism (Chicago/ London: University of Chicago Press, 2000), p. 52.
- David Scott, Conscripts of Modernity: The Tragedy of Colonial Enlightenment (Durham/ London: Duke University Press, 2004), p. 7.
- Kimber, Student of the Temple & Great Britain Central Criminal Court, p. 14 ; Kimber & Great Britain Central Criminal Court, p. 20.
ذكر الطبيب أن [حوادث] الجلد الوحشي كانت أمرًا مألوفًا على ظهر سفينة العبيد. - Michel de Certeau, The Writing of History , Tom Conley (trans.) (New York: Columbia University Press, 1992).
- Octavia E. Butler, Kindred (Boston: Beacon Press, 2002).
- Palmié, p. 97.
- وصف سلاافو جيجيك هذا بصفته ممارسة للااستسلاام الحماسي: "الحماسة كما تحددها تجربة المفعول عبر فشله ذاته في تمثيل نفسه بصورة كافية. الحماسة والاستسلاام، إذًا، ليستا لحظتين متضادتين: إنها لحظة 'الاستسلاام' نفسه، أي تجربة استحالةٍ ما، تستنهض 'الحماسة."'
Slavoj Žižek, "Beyond Discourse - Analysis," in: Ernesto Laclau (ed.), New Reflections on the Revolution of Our Time (London/ New York: Verso, 1990), pp. 259 – 260.