العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التشريعات المخزنية خلال القرن التاسع عشر: قانون تنظيم شؤون المراسي المغربية نموذجًا (تقييد في كيفية خدمة أمناء شتى المراسي)

التشريعات المخزنية خلال القرن التاسع عشر: قانون تنظيم شؤون المراسي المغربية نموذجًا (تقييد في كيفية خدمة أمناء شتى المراسي)

Royal Legislation during the 19th Century: Morocco's Port Regulation Law

بصراوي يحيى

الملخّص

تستند هذه الدراسة إلى مخطوطة تؤرِّخ لأول نص تشريعي تنظيمي لإدارة المراسي المغربية قبل الاستعمار، وهدفها الأساسي إبراز مسألتَين، تتمثَّل الأولى في الكشف عن التطورات التي طرأت على المغرب ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر على مستويَي التشريع القانوني والتدبير الإداري، وتتمثل الثانية في إبراز علاقة ذلك بالانفتاح على أوروبا، مع ما يطرحه هذا الأمر من إشكاليات. وقد أثمرت هذه الدراسة عدة نتائج، أهمها أنّ التحديث التشريعي جاء بفعل الاحتكاك بالعنصر الأجنبي، وردًّا على الاكتساح الرأسمالي للمغرب، كما كشفت هذه الإجراءات التنظيمية عن تعدّد مواطن الخلل التي اعترت حركة الملاحة التجارية في الموانئ المغربية، وحالت دون أدائها الاقتصادي على المستويات التشريعية والبشرية والتجهيزية والتقنية والتنظيمية.

Abstract

This study is based on a manuscript that chronicles the first regulatory law on the management of Moroccan ports before colonialism. Its main objective is to highlight two issues. Firstly, it seeks is to reveal developments in Morocco starting in the mid - nineteenth century at the levels of legislation and administration. Secondly, it hopes to highlight the relationship with openness to Europe, with all the problems this poses. It concludes that legislative modernization took place under the influence of contact with foreigners and in reaction to the capitalist wave that swept over Morocco. It also shows the multiplicity of imbalances that have plagued commercial traffic in Moroccan ports and prevented its economic performance at the legislative, human, technical, technical and regulatory levels.

الكلمات المفتاحية:
  • القرن التاسع عشر
  • قانون المراسي
  • التشريعات المخزنية
  • الإدارة المغربية
  • الإصلاحات المخزنية
Keywords:
  • Nineteenth Century
  • Morocco
  • Ports Law
  • Court Reforms
بصراوي يحيى | Yahya *Basraoui
التريعات المخزنية خلاال القرن التاسع عر:
قانون تنظيم شؤون المراسي المغربية نموذجًا
Royal Legislation during the 19 th Century: Morocco's
Port Regulation Law

مقدمة

ظلَّت المراسي المغربية قبل الاستعمار خاضعة لمتطلبات نمط تقليدي يطغى عليه طابع العتاقة والبساطة على مستويَي البنية التحتية والطاقة الاستيعابية والأدوار المنوطة بها وكذلك على المستوى التشريعي المرتبط بالقوانين المنظِّمة لشؤون المراسي، ولم يكن ذلك بالضرورة وليد تخلُّف الفعل الحضاري المغربي كما تزعم الأطروحات الاستعمارية، بقدر ما هو مرتبط بوتيرة الإنتاج والاستهلااك وطبيعتهما الرتيبة داخل المجتمع المغربي وما يرتبط به من غياب الدافع والحاجة، عكس ما جاء به التصور الرأسمالي الجديد المفعم بالحيوية الإنتاجية، بحيث أعطى للأوروبيين دفعة كبيرة في اتجاه تطوير قطاع الموانئ على الصُعد كافة. وإذا كنا نستطيع أن ننكر على الأوروبيين اعتبارهم ما يقرّونه أن المراسي المغربية هي مراسٍ طبيعية تفتقر إلى أبسط تجهيزات الموانئ1(- فالأطروحات الاستعمارية تسعى دائمًا إلى تقزيم كل ما هو مغربي، وتنسب الفضل في تطوره إلى الحضارة الأوروبية الرأسمالية - فإننا لا نستطيع أن ننكر أن تطور الجانبيَن التشريعي والتنظيمي لعمل المراسي كان بإيعاز من الأوروبيين والإنكليز على وجه التحديد، لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الفضل جاء بعد جملة من المشكلاات التي أفرزها تكاثف الوجود الأوروبي في المغرب خلاال القرن التاسع عشر، وأقصد هنا الممارسات التجارية غير المشروعة المتمثِّلة في التهريب والتجارة المحظورة. وأورد خالد بن الصغير أن المفوض المغربي عبد الرحمن العاجي سعى إلى التفكير في حصر الفساد الذي أخذ يستشري في إدارة الموانئ2. وعلى الرغم من أنّ المغرب بات شريكًا متميزًا لإنكلترا منذ احتلاال جبل طارق عام 1704 لدواعٍاستراتيجية3(، فإنّه لم يستثمر ذلك عن طريق الاحتكاك بالنظم الأوروبية، ولم يستشعر ضرورة تطوير إدارته أو تشريعاته، خاصة في ظل تخوّفه من كل ما هو أجنبي، لكن مع بداية الاهتمام البريطاني بالمغرب بوصفه شريكًا اقتصاديًا منذ العقد الرابع من القرن التاسع عشر؛ أصبح المغرب مُلزمًا بإحداث مجموعة من التغييرات التي تتلااءم مع الوضعية الجديدة التي خلَّفتها الاتفاقية التجارية التي وقّعها مُكرَهًا مع بريطانيا عام 1856 تحت طائلة الضغط الدبلوماسي. وبما أن المغرب كان يرفض تلك الاتفاقيات في سياق دفاعه عن أطروحة الاحتكارات المخزنية للتجارة المغربية بحجة عدم القدرة على مواجهة التهريب في حال فُتِحَت الموانئ أمام الحرية التجارية، كان على بريطانيا أن تقنعه بأن الإجراءات المواكبة لتنفيذ هذه الاتفاقية ستكون كفيلة بكفّ النشاط المحظور في هذه الموانئ. أحدثت الاتفاقية التجارية المغربية البريطانية المذكورة وضعًا جديدًا في المغرب، تميّز بحصول الأوروبيين على امتيازات لم يسبق لهم الحصول على مثيل لها في الإمبراطورية الشريفة، فاستطاعت بذلك بريطانيا تحقيق رغباتها التجارية مبدئيًا، ثم ما فتئت أن انطلقت تدريجيًا في تسطير برنامج إصلااحي استهدف، إلى جانب عدة أمور، إعادة هيكلة حديثة لدولة المخزن التقليدية، بالاعتماد أساسًا على تحرير التجارة مع أوروبا وإقامة إدارة عادلة ومُنصِفة لصالح رعايا السلطان، وخلق قدرة استهلااكية لدى مختلف الفئات الاجتماعية المغربية4(. وفي مقابل ذلك، التزم الإنكليز بأن تكون هذه الاتفاقية مفيدة للطرف المغربي كذلك عن طريق العمل على تنظيم النشاط التجاري، لكن مشروعها لم يسر بالوتيرة التي كانت تريدها بريطانيا، ولذلك كانت هزيمة المغرب في حرب تطوان عام 1860 فرصة من أجل الضغط على المغرب لتسريع تحقيق مشروعها.

  1. Réginald Kann,  Le Protectorat Marocain (Paris: Berger Levrault, 1921), p. 174.
  2. خالد بن الصغير، المغرب وبريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر 1856 - 86 18، ط 2 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1997)، ص 427.
  3. Francis Flournoy, "Political Relations of Great Britain with Morocco from 1830 to 1841 ," Political Science Quarterly , vol. 47 , no. 1 (March 1932), p. 28.
  4. Khalid Ben Srhir, "A Document Advocating the Introduction of Economic Liberalism in Morocco (1855)," Hespéris-Tamuda , vol. 30 , fascicule 2 (1992), pp. 75 - 98.

ووجدت دعوات المفوّض البريطاني جون دراموند هاي إلى ضرورة إصلااح جهاز أمناء المراسي طريقها إلى التطبيق، بعد أن التقت بحاجة المخزن إلى الإسراع في تسديد غرامة الحرب وأقساط السلف الإنكليزي، وكذلك متطلبات الإصلااحات العسكرية التي دشّنها المخزن5(، وفي هذا السياق صدر أول قانون لتنظيم شؤون المراسي6 المغربية عام 1862 في عهد السلطان محمد الرابع، في إطار تفعيل مقتضيات الاتفاقية التجارية المغربية البريطانية من أجل تنظيم عمل المراسي، وحصر التجاوزات، ومحاربة التهريب والمحظورات كافة، وقد ضمّ هذا القانون اثنين وثلااثين فصل7.

أوالً: مضامين التقييد كم وردت يف كُنَّاش المعاهدات

الحمد لله رب العالمين والصلااة والسلاام على سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، هذا تقييد8 يشتمل بحول الله على كيفية خدمة الأمناء بالمراسي السعيدة بوجود مولانا الإمام دام الله عزه ونصره مدا [كذا] الأيام، ورتب على فصول: الفصل الأول: تكون للديوانة9 مفاتيح بعدد الأمناء ولا يفتح إلا بمحضر الكل والعدول وإن وقع عذرٌ لأحد الأمناء أو العدول يقيم من ينوب عنه فيما كُلِّف به ويطلع العلم الشريف بذلك والعدول حسْبهم التقييد ومعاينة الداخل10 والخارج11 والصائر12 والاطلااع على المكاتب الشريفة والأجوبة عنها وغير ذلك مما يرجع لضبط الكنانيش وفتح الديوانة يكون في الساعة الثامنة من النهار وسدها يكون في الساعة الثالثة بعد الزوال وإن لم يكن لهم شغل بالديوانة فيجعلون الجلوس بها شغلًالعمارة محل المخزن13(اللهم إن كان يوم عيد أو وقت الصلااة. الفصل الثاني: عند دخول الأمناء للخدمة بالمراسي يحوزون [يستلمون] من الأمناء قبلهم ما بقي بالمخزن هناك، ما كان منه لجانب المخزن يكون بتقييد خاص، وما هو بالعدد فيُعدّ وما هو بالوزن فليوزن، وما هو من السلعة لجانب التجار يكون له تقييد خاص يبيّ فيه عدد القطع واسمها ومركتها ونمرها [رقمها] ومع أي بابورات14 وردت لتكون على عمل المانفيشط15(ويكون هذا أول العمل عندهم، وبه تبرأ ذمة من قبلهم ثم يوجهون نسخة ما حازوه [ما استلموه] من أمور المخزن إلى الحضرة الشريفة بشهادة عدول المرسى بذلك بعد إثبات جميع المحرز في آخر كناش الأمناء قبلهم الوافدين به على الأعتاب الشريفة16.

  1. بن الصغير، ص 427.
  2. كُنَّاش المعاهدات، تقييد في كيفية خدمة أمناء شتى المراسي، رقم 370، الخزانة الصبيحية، سلاا. وهو في الأصل تقييدان، أحدهما خاص بمرسى آسفي ويضم ثمانية وعشرين فصلً، والآخر خاص بمرسى العرائش، ويضم اثنين وثلااثين فصلً.
  3. يتضمن هذا الكُنَّاش كلمات ومصطلحات بالعامية المغربية، وضعنا شرحها في الحاشية.
  4. تقييد: ورقة يُحصى فيها المال والدَّين ونحوهما؛ ينظر: عبد اللطيف الشاذلي، معجم المصطلحات الإدارية والألفاظ العامية والأجنبية الواردة في بعض الوثائق والمؤلفات المغربية (الرباط: المطبعة الملكية، 2007)، ص 51.
  5. الديوانة: المحلّ الذي تُسجَّل فيها السلع الداخلة والخارجةوالأداءات التي تُدفَع عنها. ينظر: المرجع نفسه، ص 81. وقد يُقصَد بها الرسوم الجمركية المدفوعة.
  6. الداخل: يُقصَد به: مجموع السلع المستوردة، وفي بعض الأحيان ثمنها.
  7. الخارج: يُقصَد به: مجموع السلع المُصدَّرة، وفي بعض الأحيان ثمنها.
  8. الصائر: هو الإنفاق والإخراج، وقد يُكتَب باللفظ الدارج "الصاير"، والفعل منه صيرَ؛ بمعنى أنفق. ينظر: الشاذلي، ص 120.
  9. المخزن: هو الحكومة أو الإدارة، والكلمة استُعملَت في الأصل بمعنى "بيت مال الدولة"، وهي قديمة الاستعمال بهذا المعنى في أقطار المغرب والأندلس، شاع توظيفها في العصر الموحدي، واستُعمِلَت أول مرة في القرن الثاني الهجري، بمعنى بيت المال أو بيت لخزن الحبوب، ثم أُطلِقَ فيما بعد على الدولة المغربية وما يتصل بها.
  10. البابورات: جمع بابور، أصلها من الكلمة الإسبانية Vapor التي تعني البُخار، ويُقصَد بها السفينة البخارية، وتسمَّى أيضًا بابور البحر، تمييزًا لها من بابور البرّ، وهو القطار.
  11. المانفيشط: تُكتَب كذلك المنفيشط، والمقصود بها: لائحة المواد التي كانت تحملها السفن التجارية.
  12. الأعتاب الشريفة: هي القصور الملكية؛ الأمكنة التي يوجد بها السلطان. الشاذلي، ص 15.

الفصل الثالث: إذا ورد بابور أو مركب يدفع رئيسه لأمناء الديوانة منفيشط سلعة الوضع التي تنزل منه، وله جُعل على مقتضى الوقف فيه أجل توسعة أربع وعشرون [وعشرين] ساعة من وصوله ويدفع المنفيشط الأصلي وكذا منفيشط السلعة التي توسق17(، يدفعه في الأربعة [الأربع] وعشرين ساعة مطبوعًا بطابع قنصول18(جنسه تلك المرسى، ولمنع ما يقع من الغلط في عدد قطاع السلعة عند وسقها أو وضعها يكون رئيس البابور أو المركب يدفع لكبير القارب أو الفلوكة19 ريسيبو20(، فيها بيان عدد القطاع المحمولة إليه من سلع الوسق، وأما سلع الوضع من المراكب أو البابور لمرسى، فيجعل رئيس البابور أو المركب بطاقتيَن بما حمله كبير القارب أو الفلوكة منه للمرسى يعلم كل منها عليهما، ويحوز أحدهما إحداهما ويحوز الآخر الأخرى. الفصل الرابع: لمّا يُحوز أمناء الديوانة منفشط الوضع والوسق من رئيسه يدفعونه على الفور لأمين الداخل بها مترجمًا بالعربية، ويكتب عليه تعريب [أي يشار إلى أنه مترجم وليس أصليًا]، ويأخذ منه نسخة باللفظ ويرده، وأما بطائق كبراء القوارب أو الفلاائك بما حملوه كل يوم من عدد القطع فيحوزها رئيس المرسى منهم في يومها بأن كانت بطائق المحمول من المرسى للبحر من قطع الوسق فيدفعها على الفور لأمين الداخل بها ولا يبيّتها عنده وإن كانت بطائق المحمول من البحر للمرسى من نظام الوضع يدفعها له أيضًا بعد أن يُعلِم أمناء الديوانة على كل بطاقة إنه وصل للمرسى ما فيها من عدد القطع. الفصل الخامس: يعين الأمناء واحدًا منهم أو من ينوب عنهم يطلع للمركب أو البابور ساعة وصوله وساعة خروجه ليبحثوا عن الكنطربانض21(يجعلون فيه ورداية22(ثقة عند الوضع وعند الوسق، كما يقيم الأمناء ساعة نزول السلعة من البحر من يقيّد على ظهر القِطع الموضوعة بفور نزولها اسم البابور أو المركب الواردة معه وتاريخ وروده لتعرف كل قطعة عند التعشير23 أي بابور أو مركب وردت. الفصل السادس: إدخال السلع للخزين بفور نزولها من القواريب مع رد بال الأمناء لما يقع فيها من الضياع بين الخدمة والجدية ومن ظهرت عليه خيانة من الفريقين يعاقَب ولا يعود للخدمة وتعلق بهذا الفصل والذي قبله النظر في أمور المرسى جميع ما تحتاج إليه من القوارب والفلاائك والكثير وغير ذلك مما تتعذّر الخدمة بفقده، بحيث يكون العدد الكافي من القواريب بالمرسى دائمًا مع زيادة إقامة أربع قواريب من عود وغيره تحت اليد احتياطًا وكلما أُخذ منها شيء احتيج إليه يعوَض على الفور والنظر في أمر البحرية والخدمة بالوقوف على أجورهم حتى يتوصل كل بنصيبه، ولا يسهم أحد معهم هذا من حيث الأجور وأما أمر العسة ليلً ونهارًا فهو موكول إلى نظر العامل إلا في أجورهم فيدفعها لهم الأمناء يدًا بيد، وتكون تبدأ في آخر كل شهر ولا تزيد عليه وأما كوردينات المرسى فالنظر فيهم للأمناء فقط لا غيرهم.

  1. الوسق: هي عملية التصدير، وقد تأتي بمعنى السلع المُصدَّرة.
  2. القنصول: تعني القنصل، أصلها من الكلمة الإسبانية Consul، وتُكتَب بأشكال متعددة: قونصول، قونصو، وتُجمَع على قنصوات.
  3. الفلوكة: جمعه فلاايك، وهي قوارب صيد الأسماك. عمر آفا، مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر (سوس 1822 - 1906) (أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1988)، ص 412.
  4. الريسيبوس: جمع مفرده ريسيبو، لفظة مغربية دارجة أصلها إسباني، وتعني الوصل. الشاذلي، ص 93.
  5. كنطربونضو: تعبير مغربي دارج، أصله من اللفظة الإسبانية Contrabando، وتعني التهرّب من أداء الرسوم الجمركية (التهريب) أو إدخال المواد الممنوعة إلى المغرب. المرجع نفسه، ص 181.
  6. ورداية: تعبير مغربي دارج أصله من الكلمة الإسبانية Guardian، وتعني الحارس، وهي من رتب البحّارة العاملين في المراكب القرصنية. المرجع نفسه.
  7. التعشير: هي ضريبة تبلغ عشر قيمة البضاعة. عبد اللطيف الشاذلي، نصوص اتفاقيات دولية مبرمة بين المملكة المغربية ودول أجنبية، ج 3 من سنة 1865 م إلى سنة 1923 م (الرباط: المطبعة الملكية، 2007)، ص 450.

الفصل السابع: لا يخرج السلعة إلا لمن آتىى لأمينها بالبلسة في اسمه أو مسلمةً له بعلاامة صاحبها ليعرف الأمينان عدد قطع سلعة وماركاتها ونومرها ثم يوجهان تلك البلسة لأمين الداخل يأخذ منها نسخة بكناشة ويضع عليها علاامته ثم يردها لهما وهما يردانها لصاحبها بعد أن يعشروا له ما فيها ويعلم هو أي صاحبها باسمه على أنه حاز ما فيها. الفصل الثامن: من جلب شيء [كذا] من سلع البحر للجانب العالي بالله يحوزها الأمناء منه أو من نائبه على شدها، ويطبعون عليها بمحضره تم [كذا] يوجهونها لشريف الحضرة ويقيدونها في حساب شهرها بعد ختمه وإمضائه على حدتها باسم من وردت على يده وعدد قطاعها ونومرها ووزنها ويكتب عليها في المنفيشط أنها ورد لجانب المخزن على يد فلاان ويكتبون بطاقة بها لأمين الداخل. الفصل التاسع: ما يرد من حوائج [أغراض] نواب الأجناس الذين لا يتجرون يدفع صاحبها خط يده بما ورد له ويخرجه من غير أعشار وفق الشرط معهم فيه، ويقيد جميع ما أخرج لكل منهم في شهر إخراجه بعد ختم حسابه كذلك قطعها ونمرها فيكتبون عليها في المنفيشط أيضًا أنها وردت لفلاان وفلاان ويدفعون خطوط أصحابها [توقيعات أصحابها] لأمين الداخل يأخذ نسخة منها ويردها لهم فيحفطونها إلى أن تدفع مع المنفيشطات. الفصل العاشر: عند فتح السلع بقصد التعشير يكون الأمناء على بال من عدد ما بداخل الفرود [الصناديق] لما يقع من إخفاء سبائك الحديد ونحوها في داخل سبات الملف [نوع من الأنسجة] وغيره من عدد اليرضات والم طر [وحدتَا الياردة والمتر] ومن جعل شقتين طيِ شقة واحدة ومن المفيد على سبائك الملف وغيره من عدد اليرضات أو المطر ناقصًا عما هو فيها، وعلى بال من أثمان السلع المعشرات ليقع التعشير على حسب ما تسويه [تثمن به] في الوقت، مع وجوب المساوات [كذا] بين التجار في التقويم ومن لم يقبل ذلك التقويم وطلب دفع عشر السلعة من عينها يحوزه الأمناء منه مساعدة له ويقيدون واجب تقويمه في محله ويبيعون ما حازوه فيه على ذمتهم وعلى بال من تعشير الملف والتوبيت [نوع من الأنسجة] ونحوهما واليرضات أو المطر لا بإلقائه، ومن وزن ما يوزن موسوقًا كان أو موضوعًا إن كان قليلً وإن كان كثيرًا فيكفي بوزن عشره يؤخذ مما يظهر لهم من وسطه أو غيره، ولا يعشر الأمناء من سلع الوسق إلا ما هو حاضر منها بين أيديهم ولا يقيمون وزن ما حضر منها على ما يأتي، بل يعشرون كلً منها على حدته بعد حضوره ومعاينته. الفصل الحادي عشر: السلعة الواردة من بر النصارى مثل البراميل وشبهها يفتح منها عند التعشير نحو عشرها والنظر فيها يفتح منها للأمناء وإن كانت [حذف] وشبهها لتسقط وقطع الخردة تفرع عن آخرها ولا يكتفي بما هو مقيد على ظهرها. الفصل الثاني عشر: ما يعثر عليه عند التعشير من الممنوع جلبه مثلً سلااح والبارود وملحه والكبريت والرصاص وغير ذلك من آلات الحرب وتبغا [التبغ] والأفيون يحوزه الأمناء لجانب المخزن أعزه الله موسوقًا كان أو موضوعًا ويُطلعون العلم الشريف مع بيان وزنه أو عدده وكذلك ما يقبضه الوردينات24 والعس من الكنطربانض بغير الديوانة من الممنوعات المذكورة وغير الممنوع فيحاز لجانب المخزن ويُعطى لقابضه ربع قيمته إن كان ممنوعًا وربع ثمنه ويعلمون به كذلك. الفصل الثالث عشر: ما يعشره الأمناء في اليوم يقيّده كل واحد من العدلين بتقيدته [بسجله] ساعة تعشيره وعند ختم اليومية ومقابلة كل واحدة من تقيديتهما بالأخرى يعلّم عليهما كل من العدلين بنصف علاامة فيدفع الأمناء أحدهما بعينها لا نسخة منها لأمين الداخل وإن لم يبيّتها عنده فلاا يقبلها منهم في الغد ويبقون الأخرى عندهم يكتبون منها نسخ الحساب الذي يوجهونه لشريف الحضرة وللأمين المُكلَّف لا غير، ولا يتركون منها بالديوانة نظيرًا.

  1. الوردينات: تعبير مغربي دارج أصله من الكلمة الإسبانية Guardian، وتعني الحارس، وهي من رتب البحّارة العاملين في المراكب القرصنية. الشاذلي، معجم المصطلحات، ص 227.

الفصل الرابع عشر: كل من عشر له الأمناء سلعة الوسق أو الوضع يعطونه بطاقة بيان ما عشروا له قليلً كان أو كثيرًا مثلما في اليومية يلفظها وتاريخها وتكون بعلاامتهم لأمين القبض فيأخذ نسخة منها ويقبض واجبها من صاحبها ويدفعها له بعد وضع علاامته أيضًا عليها، على أنه توصل بما فيها. الفصل الخامس عشر: يكون الأمناء يحسبون مدخول كل أسبوع يوم انتهائه مفصّلً في أيامه على ضلعيَن أحدهما لداخل الموضوع والآخر لداخل الموسوق ولا ينصرفون من الديوانة حتى في ذلك اليوم حتى يختموا كتابة ويدفعون لأمين الداخل ببطاقتهم له ويجيبهم عنها بوصوله، وإن لم يدفعوه في اليوم الآخر منه لا يقبله منهم بعد، ويعلم ولما يحوزه يوجهه في بوسطى المخزن أعزه الله. الفصل السادس عشر: تقييد حساب المعشرات وضعًا ووسقًا كل شهر عربي ويذكر بعد نص الافتتاح اسم أول يوم من الشهر ويسمى الشهر والعام وموافقه من العجمي ثم تاريخ كذا منه أخرج فلاان ما ورد له مع البابور أو المركب الفلااني بتاريخ كذا ويرسم في أضلااع أولها لعدد القطع والثاني [غير مفهومة] صائر إن كانت مما يعشر بالوزن فالثالث لوزنها بالطارة والرابع لوزنها صافيًا، وإن كانت مما يعشر بالعدد فالخامس لعدد ما بداخلها والسادس لسوم وبحساب البليون25(والسابع للواجب، ويقيد حسابه الموضوع على حدته متتابعًا بأيامه في الشهر كله ويجمع بليونه ويرد ري لً ويليه حساب الموسوق على حدته كذلك، ويرد بليونه ري لً ليضع ويجعلون ويضاف وبجمعهما ما تحصل في المخاطف26ً وغيرها مفصل. الفصل السابع عشر: كيفية تقيد الصائر بالكناش، يُكتب بعد الحمدلة ما نصه بيان ما صيره الأمينان فلاان وفلاان ويذكر اسم اليوم الأول من الشهر المعين فيه وعدد أيامه وعام تاريخه ثم يجعل الصائر من تباقي ترجيم كل جنس منه في ترجمة خاصة به، وبصدر بترجمته المدة اليومية مفصلة مقدمة منها الأكد فالأكد [المهم فالأهم] إلى أن يكمل صائر (المؤن) في اليوم الأول ثم يضرب المجتمع من ذلك في عدد أيام الشهر، ويضع خارج الضرب في ضلع الواجب، وتليها ترجمة الرواتب الشهرية مفصلة على الترتيب المذكور، ويضع ما تجمل فيها بمحله تحت جمع المؤن اليومية ثم ترجمة كراء الدور المنفدة مفصلة كذلك، ثم ترجمة الحوادث يصدر منها بعمل المنجزة ملخصها بذكر العدد المشترى في جميع الأشهر وإقامة الحديد وما يلحق بها مفصلً جميع ذلك ثمنًا ومثمونًا بذكر عدد المعلمين على مراتبهم وعدد أيام خدمتهم في الشهر وما يُعطى كل واحد منهم من الآجرة عن كل يوم ويخرج مجموع ذلك إلى محله وكل ما يشترى من المقاديف [المجاديف] وشبهها مما يرجع لخدمة القوارب يصير في ترجمة النجرة ليكون صائر القوارب مجموع [كذا] في ترجمته الخاصة به، ثم يليها ترجمة البناءات الجديدة ومبينًا ما تصير في كل محل منها على الترتيب المتقدم وبعدها ترجمة بناءات الأحكام على تفاصيل المذكورة ثم ترجمة الوفد الموجه للحضرة الشريفة وما تصير على حمله من كراء وغيره ثم ترجمة صائر الخيل والمخازنية الواردين من الحضرة الشريفة، ويتعرض لذكر ما وردوا لأجله وفي هذه الترجمة تصير ترجمة الرقاصين27(الموجهة للحضرة الشريفة وغيرها مبينًا سبب توجيهها، ثم ترجمة صائر ما يتوقف عليه أمين الداخل من كنانيش وكاغد [الورق] ولك ومداد وإبرة رقاص [ساعي البريد] إن احتاجه، ورقاص الحساب الذي ينهض على يده وغير ذلك مما يعرض له، ثم ترجمة الشعير والتبن المشترين لبهائم المخزن مع ما يحدث من صائر الجنات مبينًا. وفي هذه الترجمة تعين زيت الأبراج إن لم يكن في الأبراج صائر غيرها وإلا فتصير في ترجمة صائر الأبراج الخاصة بها ثم ترجمة الكسوة مفصلة بذكر أنواعها ثم يفصل ما دخل في الكسوة الواحدة من العلف والإقامة وأجرة الخياطة يضرب

  1. البليون: رومانية الأصل Billion، تعني القرش وهو جزء من عشرين من الريال الحسني. المرجع نفسه، ص 36.
  2. المخاطف: وتُكتَب المخاطيف، مفرده مخطاف، ويُقصَد به المرساة. المرجع نفسه، ص 199.
  3. الرقاص: ناقل البريد من بلد إلى آخر، موزّع الرسائل، ويُجمَع على رقاصة ورقاقيص. المرجع نفسه، ص 90.

واجبها في عدد نوعها وما خرج في ذلك يضعه في سجله في ضلع المجموع، وهكذا إلى آخر ما عنده من أنواع الصائر والمقصود أن يكون

الفصل الثامن عشر: يكون الأمناء عند انتهاء كل شهر يوجهون لشريف الحضرة28(وللأمين المكلف مضمن الداخل في الشهر بعد زيادة جملة المقابلاات عليه ورده ري لً وكذا مضمن العائد فيه وبعد رده ري لً أيضًا في كتاب مختوم يدفعونه لأمين الداخل يوم الثالث أو الرابع من الشهر الذي يليه وهو يوجهه على يده في بوسطى المخزن أعزه الله وبعد ذلك يوجهون حساب الداخل والصائر مفصلً على الترتيب المتقدم مختومًا مع كتابتهم به على يد أمين الداخل أيضًا وسيكتبون أيضًا نظيره في كنانيش وعند فراغهم من الخدمة يوجّهون أحدهما مع ما يتعلق به شريف الحضرة والآخر للأمين المكلف وكناش ثاني يقيدون فيه تفصيل الصائر فقط يتركونه بالديوانة لمن بعدهم. الفصل التاسع عشر: السلع الموسوقة من بعض المراسي إلى آخرى من المراسي السعيدة يتخذ لتقييدها كناش خاص يقيد فيه اسم السلعة والنمر الذي عليها والميزان واسم صاحبها واسم البابور الموسوقة معه وتدفع لصاحبها بطاقة مفيدة بها ما ذكر بخط أحد العدلين وعلاامة الأمينين معًا وإن كانت مما يجب فيها الأعشار فيحاز قدر الواجب في أعشارها وثيقة ويضرب لصاحبها أجل بقدر ما يأتي فيه بجواب الوصول، فيعمد ما حيز منه في جملة الداخل في الأعشار ولا يقبل من صاحبها كلاام بعد ذلك. الفصل العشرين [كذا]: تفقد الميزان بالمسبح والدال الوازن كلما أبدل الأمناء ورد بالهم له بحيث لا يضيع جانب المخزن ولا يتضرر التاجر [...] من خلاال خدمتهم ما لا يليق يبدل أيضً. ا الفصل الواحد والعشرون: أنواع الحبوب التي توسق يحضر الأمناء في كل عام من غلة صافية بقصد اختبار وزن الفنيقة29محققة بمحضر، فيوزن من كل نوع منها ملء فنيكة محققة بمحضر جمع من تجار تلك المراسي ومعاينة عدولها ويعملون موجبًا بذلك يتبتونه بعلاامتهم بكناش خدمتهم وتكون نسبة الفنيقة منه عند وسقه على مقتضى الوزن فيها في ذلك العام إلى أن تختبر قطاني العام الذي يليه فيتبت اختبارها فيه بموجبه أيضًا وافق الذي قبله أو خالفه. الفصل الثاني والعشرين [كذا]: ما بخزائن المخزن من أمور المخزن ومن سلعة التجار كذلك في عهد الأمناء لا يستقيل به واحد منهم دون الآخر. الفصل الثالث والعشرين [كذا]: لا يتعاطى الأمناء التجارة بالمرسى المستخدمين بها ومن ثبت عليه شيء من ذلك يُعاقب ويبدل بعد ولا يستعملون أصحابهم في شيء مما يرجع لخدمة المرسى. الفصل الرابع والعشرين [كذا]: الرباع والجنات وغيرهما من أملااك المخزن يجب على الأمناء رد البال إليها بما يكرر منها أو تُباع غلته يكون ذلك بسكة الريال ولا يعقد فيها الكراء أكثر من سنة ولا يحدث المكتري بها شيئًا من بناء أو غيره إلا بأمرٍ مولوي وما يكتري منها مشاهرة30(يقبض كراءه بعد انسلااخ الشهر وما كان منها مشافهة فيقبض كراءه عند تمام السنة ومن آخر شيء من الكراء عن وقت قبضه فيكون دركه عليه.

  1. شريف الحضرة: تعبير يعني السلطان، ويكتب في بعض الأحيان الحضرة الشريفة.
  2. الفنيقة: أو الفنيكة أو الفنكة، جمع فنائق، وهي وعاء أصغر من الغرارة أو هي نفسها، تُستعمَل مكي لً، وتزن اثني عشر صاعًا. الشاذلي، معجم المصطلحات، ص 158.
  3. المشاهرة: هي الواجب المقسط، يؤدَّى مرة في كل شهر. المرجع نفسه، ص 204.

الفصل الخامس والعشرين [كذا]: زيت الجاز ولومنيد وفحم الحجار وما أشبه ذلك من الأمور النارية بمجرد نزولها من البابور أو المركب يحوزها صاحبها ولا يبقيها بالمرسى ولا يدخلها للخزين بها ومن مسكه من الأمناء عن شيء من ذلك حتى أدى إلى ضرر فيكون عليه درك من ضاع بسبب ذلك. الفصل السادس والعشرين [كذا]: المكاتب الشريفة الواردة على الأمناء بقصد تنفيذ مضمنها وكذلك أجوية حول الوفر الموجه الشريف الحضرة وشبه ذلك مما (…) ينسخ كل ما ورد منها في كل لشهر.)…(الفصل السابع والعشرين [كذا]: العمل في خبز الأسجان [المساجين] أن يعين الأمناء رجل ثيقة [ثقة] ينوب عنهم في الحضور كل يوم وعند انتهاء الشهر يحضر معه نائب العامل أي عامل البلد وعدلان من قبل القاضي ثم يقع تسراد [إرسال] هؤلاء المساجين بمحضرهم، وينظرون من هو مضطر على ما يترتب عليه في صائر خبز مساجين إيالته وبعد تمام مدة خدمة الأمناء يجمعون صائر الخبز في المدة كلها مع زيادة صائر الأجور ويقسمون ذلك على عدد الخبز الخارج من يدهم حتى يعلمون [كذا] ما ينوب الخبزة الواحدة ثم يقيّدون ذلك في آخر كناش خدمتهم ويرتبون حساب ذلك على ستة أضلااع الأول اسم العمال والثاني مساجين إيالتهم الثالث عدد الخبز المنفذ لهم، الرابع الواجب في ثمن الخبز، الخامس واجب الكسوة والسادس مجموع الواجب من ذلك على كل عامل وجميع ما يصير في ذلك يردونه ري لً ويصيرونه في آخر خدمتهم، ويطلعون العلم الشريف بمضمنه، ليأمر أيده الله بقبض ذلك من العمال. الفصل الثامن والعشرين [كذا]: جميع ما يوجه العمال من الحبوب التي لجانب المخزن أعزه الله بقصد وسقها على يد أمناء المرسى فينبغي أن يتخذوا لها كناش [كذا] خاصًا يقيدون في أوله نسخة من الكتاب الشريف المأمور فيه بقبض ما على كل عامل وبعده عدد الحبوب المحوزة من العمال ثم كيفية وسقها ولأي محل توجهت وبيد من، ويتحفظ على أجوبة وصولها فربما يحتاج إليها وعند انتهاء خدمتهم يلخصون ذلك كله، ويقيدونه بآخر كنانيشهم الذي يوجهونه للأعتاب الشريفة31(وكذا ما يوجهونه [كذا] العمال من المؤن بقصد المحلة السعيدة32 وقت حلول سيدنا ومروره المبارك ببعض المراسي يتبتون ذلك كله مفصلً في آخر الكناش المذكور. الفصل التاسع والعشرين [كذا]: الأمور الجهادية تكون عند الأمناء من أهم الأمور ومن الأعشار بها أن يتخذوا لها كناشًا خاصًا يقيدون فيه كل برج باسمه وما اشتمل عليه من أنواع المدافع بفرمتها وعدد كورها وإقامتها وما هو منها خارج الأبراج بالمحل الذي يعبرون عنه بالإشارات وكذا ما في الأبواب والخزائن وافتقر منها إلى الإصلااح يطلعون به العلم الشريف أسماه الله ثم يقيّدون جميع ما في الخزائن من السلااح مفصلً وكذا الباقي بحيث لا يهملون تقييد شيء من ذلك وما زاد مولانا المؤيد بالله بالأبراج والخزائن من المدافع وغيرها يقيّدون ذلك وقت دخوله وإن نفذ دام علااه شيء منها يقيدوه وقت تنفيذه ويبقى هذا الكناش محفوظًا بالمرسى ويدفعه الأمناء لمن بعدهم بعد التنبيه عليه، وهذا الفصل تعلم به رد البال للأمور الحربية كالسلااح والكبريت والبارود وملحه الممنوع جلبها إلا بالأمر المولوي أسماه الله وقد تقدم حكم ما يعثر عليه من ذلك في الفصل الثاني عشر. الفصل الثلاثون: العذائر السعيدة33(الغربية من بعض المراسي يكون الأمناء منها على بال وفي كل ستة الشهور يخرج أحد الأمناء أو نائبهم صحبة عدلين من قبل القاضي فيحضرون مع المكلف العذير لتسراد جميع ما اشتمل عليه من الخيل والبغال والبقر وغيرها بعد وصفها وطبع ما يناسب طبعه ويتخذ الأمناء لذلك كناشًا خاصًا يقيدون فيه أصل ما في العذائر وما خرج منه وتحصل في النتاج في مدة ما

  1. الأعتاب الشريفة: القصور الملكية، الأمكنة التي يوجد فيها الملك على الإطلااق. المرجع نفسه، ص 15.
  2. المحلّة السعيدة: الجيش المتحرك بقيادة السلطان، ومكان نزوله. المرجع نفسه، ص 198.
  3. العذائر السعيدة: هي مراعٍمتَّسعة تُحاط بسياج، وتُربَّى فيها خيل الدولة، ويكون عليها قيِّمون، كما تعني الأراضي الخصبة، الكثيرة الكلأ ترعى فيها دواب السلطان. المرجع نفسه، ص 138.

بين التسراد والذي بعده وإن ضاع منها شيء يوتىى بجلده وفي محروم اللحم يوتىى بموجبه ويضبطون أمر مدخول الآدام بعد اختباره على وجه المتعارف في ذلك وبعد إخفاء ما في العذير يطلعون به العلم الشريف أسماه الله ثم إذا ظلت مدة خدمة الأمناء بالمرسى يقيّدون في آخر كناشهم الذي يوجهون عدد ما تحصل في تسراد الآخر من مدة خدمتهم ويبقى كناش العذير بالمرسى. الفصل الحادي والثلاثين [كذا]: عند تمام خدمة الأمناء ودفعهم ما يدفع لمن بعدهم من أمور المخزن حسبما تقدم في الفصل الثاني يقيدون بآخر كناش خدمتهم الذي يوجهونه لشريف الحضرة وبنظيره الذي يوجهونه للأمين المكلف جميع ما دفعها من كبريت خفيف وبارود وغير ذلك مفصلً على ثلااثة أضلااع الأول الأصل والثاني من خرج من ذلك الثالث الباقي وهو المدفوع للأمناء بعدهم، كما يقيّدون بآخر كل منهما أيضًا لجانب المخزن أعزه الله من مال السلف والديون القديمة على ثلااثة أضلااع ليضع الأصل والمقبوض منه في مدتهم والباقي وكذلك ساير أمور المخزن التي على يدهم بالديوانة وكذا سلعة التجار التي لم تعش مبينة كما في الفصل الثاني ونضير [كذا] ذلك يقيدونه بكناش خدمتهم الذي سيبقى بالديوانة. الفصل الثاني والثلاثين [كذا]: الأمناء والعدول بعد إعفائهم من الخدمة لا يسافر واحد منهم لبلده حتى يستكمل جميع العمل فيما كُلِّف به ويثبته بمحله على الترتيب المتقدم ولا يتركون دينًا من مدة خدمتهم وإن تركوه فلاا يقبله الأمناء منهم بعد انتهاء عملهم بالمرسى ينهضون نائبًا عن جميعهم بالوفر الباقي من خدمتهم وبكناش خدمتهم مع أحوال المنفسطوات بعد تجريد عددها وتواريخها فيه وبطائق النواب بما أخرج لهم من حوايجهم وكناش الوسق من مرسى خدمتهم إلى آخر من مراسي الغرب مع بطائق الوسق الذي يرد عليهم من المراسي المذكورة كل لشريف الحضرة وبنظير كناش خدمتهم وكناش الوسق من مرسى خدمتهم إلى أخرى ونسخ بطائق ما يرد عليهم من المراسي المذكورة للأمين المكلف ويكون [كذا] الموجه المذكور بذلك [كذا] آخر ما يصيرون ويتوجه كل منهم لمحله بسلاامِ. (نهاية التقييد)

ثانيًا: تحليل التقييد

إن المتأمل في هذه الفصول والتنظيمات التي حاولت هيكلة العمل في الموانئ المغربية المفتوحة للتجارة خلاال القرن التاسع عشر يجدها من حيث الصياغة القانونية والفاعلية متميزة في ضبط النشاط التجاري ومراقبته؛ لا بوصفها خطوة تنظيمية مهمة، فحسب، بل أيضًا بالنظر إلى كونها أول محاولة موثَّقة في تنظيم شؤون المراسي على نحوٍ لم تعهده الموانئ المغربية سابقًا، كما يجد متفحِّص هذه الفصول أن عملية التقنين هذه قد أخذت أبعادًا ومستوياتٍ متعددةً كانت تروم الإلمام بجوانب الخلل التي كانت تحول دون الاستفادة الأمثل من عائدات هذا القطاع الحيوي والأساسي لخزينة الدولة المغربية، وانتظام مداخيلها وتزايدها. ويمكن أن نرصد التجديد الذي جاءت به هذه الفصول على مستويات عدة.

1 ي. التنظيم الإداري ومحاربة الفساد في المراس

تبيّ لنا فصول من هذا القانون التنظيمي الحرصَ الشديد على إعادة تنظيم العمل في المراسي على عدة مستويات، فقد اختصَّت بعض الفصول بتحديد مسؤولية الأمناء عن إدارة المرسى، وضبط مهماتهم بدقة، وكيفية أدائها، وكيفية سير العمل في المرسى، والأهم من ذلك تدوين العمليات كلها في دفاتر خاصة (كنانيش) دورها إثبات أداء المهمات وسير عمل المراسي أمام السلطان (الفصول: الأول والثاني والثالث)، كما رُب طَت المسؤولية بالمحاسبة، بعد أن جُعِلَت نهاية الخدمة في المرسى خاضعة لشرط تبرئة الذمة من جانب الأمناء (الفصلاان الحادي والثلااثون والثاني والثلااثون)، في حين حددت (الفصول الرابع والخامس والسادس) بدقة وتفصيل المهمات

الإجرائية للأمناء، وكيفية تسيير أمور التبادل التجاري استيرادًا وتصديرًا، ومراقبة عمليات الشحن والإفراغ والتخزين تفاديًا للفساد في إدارة الموانئ. وتعكس هذه الإجراءات مجموعة من الظواهر، لعل من أهمها عزم المخزن على التعامل بجدية وحرص شديدَين مع التبادل الخارجي بما يضمن استثمارًا أمثلَ للاانفتاح على التجارة الخارجية والاستفادة منها، كما تعكس هذه المقتضيات القانونية الإجرائية مسألتيَن مهمتيَن، تتمثل الأولى في التذمر الكبير من حالة الفساد التي كانت سائدة، أما الثانية فتتمثل في الرغبة الكبيرة في قطع دابر هذا الفساد الحاصل في إدارة المراسي وتأثيراته في مالية الدولة، ولعل هذا ما يثبته قول السلطان محمد الرابع نفسه في عدة رسائل:)...(" ما يقع من التساهل في الأمور وعدم إجرائها على مقتضياتها من الورود والصدور حتى أدى ذلك إلى ضياع ما بها له قدر وبال"34. وفي السياق ذاته أكد المفوّض البريطاني جون دراموند هاي هذا المعطى، عندما قدّم للسلطان مذكَّرةً بَّيَّ فيها حجم العائدات التي كان من المفروض أن يجنيها المخزن في خمس سنوات في المدة 1856 - 1861، وقدرها مليون وخمسمئة ألف ريال، في الوقت الذي أكد فيه التجار للمفوّض هاي أن ذلك لم يدخل بيت المال. كما حملت هذه التنظيمات القانونية مقتضيات جديدة لم تكن مطروحة من قبل، وهي تحديد الاختصاصات (الفصول السادس والعاشر والرابع والعشرون والسابع والعشرون والثلااثون)، وتوثيق العمل الإداري وتدوينه (الفصول الخامس عشر والسادس عشر والسادس والعشرون والثامن والعشرون والتاسع والعشرون)، وغير ذلك من المستجدات التنظيمية التي لم تكن سائدة سابقًا في تنظيم الجهاز المخزني عمومًا، ما عكس نوعًا من التجديد والتحديث على مستوى الإدارة المغربية، وفي هذا الإطار جرت الإشارة إلى مسألة التنظيم الزمني عن طريق تحديد ساعات العمل حتى لا يكون العمل اعتباطيًّا (ينظر الفصل الثاني)؛ إذ اعتُم د توقيت من الساعة الثامنة صباحًا إلى الثالثة بعد الزوال يُفرَض فيه على الأمناء البقاء في الخدمة وإن لم يكن هناك عمل (الفصل الأول)، وهي إجراءات لم تكن تعرفها الإدارة المغربية، على الأقل من الناحية النظرية، أما واقع الحال فلم يكن ينبئ بتغيير كبير، ولم تستطع هذه المقتضيات التنظيمية أن تحدّ من الفساد الإداري المستشري، خصوصًا في ظل تعدد مظاهر التغلغل الاستعماري الأوروبي. ولم تخلُ دعوات الإنكليز لهذه الإصلااحات من مكاسب لهم أيضًا، ومن الأكيد أنهم لم يحرصوا عليها لسواد عيون المخزن المغربي بقدر ما كانوا يحرصون على ضمان مصالحم أيضًا، ومِن جوانب التجديد التي سعى المفوّض البريطاني إلى إقناع المخزن بإدخالها الزيادة في عدد الأمناء في المراسي، ومنحهم اختصاصات أكبر في إدارة شؤون المراسي بشرط التزامهم بعدم ممارسة التجارة (الفصل الثالث والعشرون)، وفي مقابل ذلك، شجع المخزن على عدم تدخل العمال في شؤون المراسي، والاكتفاء بتوفير الأمن وإخبار السلطان بالمخالفات في حال ضبطها35(. وهنا اتضح كيف حاولت إنكلترا التخلص من سلطة المخزن تدريجيًا بالتقليص من سلطات أهم ممثليه في إدارة الموانئ، بل الأدهى من ذلك أنها حاولت أن تجعل لنوابها مهمّة المراقبة داخل المراسي بحجة متابعة تسديد الدَّين الذي أقرضته للمخزن في سياق أداء غرامة تطوان، مع ما يمثله ذلك من مساس بسيادة البلااد، وبهذا عملت على تدعيم تغلغلها في الموانئ على حساب سلطة المخزن.

  1. ينظر: عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، ج 3، ط 2 (الدار البيضاء: مطابع إديال، 1990)، ص 379.
  2. بن الصغير، ص 428.

وتؤكد بعض الدراسات المتخصصة في المبادلات التجارية المغربية36(أن السلطة الواسعة والاختصاصات المهمة التي مُنِحَت للأمناء، كمراقبة التجارة الخارجية وتحصيل الحقوق والمكوس الجمركية، إضافة إلى قيامهم بمهمة الآمرين بالصرف، مع غياب الرقابة الجادة والفعالة على هؤلاء، جعلت منهم أمناء غير "أمناء"! إذ استنزفوا الخزينة، وحوَّلوا الإيرادات الجمركية لخدمة مصالحهم الخاصة. وعلى الرغم من أن القانون كان يمنعهم من مزاولة التجارة (الفصل الثالث والعشرون)، فإن جلَّ الأمناء لم يقاوموا الرغبة في تجارة تدرُّ الربح الوفير، خصوصًا أن السلطة والتجارة تكمل الواحدة منهما الأخرى، فقد تسرّب الأمناء وأحاطوا بكل جوانب المخزن حتى تمكّنوا من السيطرة عليه، إضافةً إلى ممارستهم التجارة والتلااعب فيها لصالحهم37(، وأسفر هذا الأمر عن اقتحام الأمناء بممارسة مجموعة من الجوانب الممنوعة، فنجد في إحدى الوثائق أن السلطان يستفسر من أحد خُدَّام المراسي عمّا وصله من أخبار بشأن تساهله في مراقبة دخول الأسلحة المهرَّبة، وتعجَّب من تصرفه، واتَّهمه بأن ذلك من باب المداهنة والرشوة، ودعاه إلى الالتزام بالأوامر أو إنزال العقاب به38.

2. لااهتمم بالعنصر البشري والتجهيزي

اهتم هذا النص التنظيمي بالعنصر البشري خصوصًا ما يرتبط بوضعية عمال المراسي ورجال المراقبة والأمناء، فقد أشار الفصل السادس إلى ضرورة الاهتمام بوضعية العاملين في المرسى في شتى المرافق لا سيما فيما يخصّ مستحقاتهم المالية، ونصَّ الفصل التنظيمي على ما يأتي: "النظر في أمر البحرية والخدمة بالوقوف على أجورهم حتى يتوصل كل بنصيبه، ولا يسهم أحد معهم، هذا من حيث الأجور. وأما أمر العسة [الحراسة] ليلً ونهارًا فهو موكول إلى نظر العامل إلا في أجورهم، فيدفعها لهم الأمناء يدًا بيد، وتكون تبدأ في آخر كل شهر، ولا تزيد عليه، وأما كوردينات المرسى، فالنظر فيهم للأمناء فقط لا غيرهم." لم ينشأ هذا الاهتمام على نحوٍ اعتباطي، بل كان استجابةً لما أصبحت عليه حال هذه الفئة التي غضَّت الطرف عن بعض الخروقات في كثير من الأحيان، مقابل قدر من المال (رشوة) تسدُّ به عجزها الاجتماعي، ولعل هذا ما أشار إليه المخزن في العديد من الرسائل، وكذا مفوض الدولة الإنكليزية جون دراموند هاي الذي ربط السلوك غير المستقيم لبعض الأمناء بهزالة مرتّباتهم، ثم اقترح رفع تلك المرتبات، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا المشروع الإصلااحي لن يكلِّف المخزن كثيرًا مقارنة بما سيجنيه من انتظام أمور المراسي، وأهمها الرفع من دخل الجمارك بنحو ثلااثمئة أو خمسمئة ألف ريال39. في المقابل لم نجد في هذه الفصول ما ينصّ على مسألة تأهيل قدرات العاملين بالمرسى في مجال اختصاصهم وتطويرها أو شروط اختيارهم، إلا إذا استثنينا تركيز العديد من الفصول على ضرورة التحلي بروح المسؤولية تجاه العمليات التجارية في المراسي، والتشديد على مسألة المراقبة والتيقّظ لعمليات التهريب أو المتاجرة في المحظورات، مع الإشارة إلى مسألة العقاب باقتضاب (الفصل السادس) في حقّ من ثبت ضلوعه في ممارسات غير مشروعة، أو تحميل الأمناء مسؤولية تراخيهم وإمكانية عزلهم أو إعفائهم (الفصلاان الثالث والعشرون والخامس والعشرون.)

  1. ينظر على سبيل المثال: فاطمة الحمدان بحير، السياسة الجمركية المغربية وإشكالية المبادلات التجارية الدولية (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2005)؛ عبد العزيز لعراش، "النظام الجمركي ومسألة التنمية الاقتصادية بالمغرب"، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 1999.
  2. بحير، ص 41 - 42.
  3. الخزانة الصبيحية، سلاا، الوثيقة 38­35، المحفظة 24، السلسلة 3 -ب.
  4. بن الصغير، ص 429.

لكن هذه الدعوة لم تغِّيِّ من واقع تواطؤ أفراد الأجهزة المخزنية من رجال مراقبة وموظفين في أعمال غير مشروعة، ولعل هذا الواقع يفسر لنا تعمُّد المخزن، بعد هذه المرحلة، أن تكون أصول أحد الأمناء، على الأقل، من خارج المدينة وبمرتّب أعلى من الأمناء الآخرين، حتى لا يستطيع نسج علااقات تفرض عليه التواطؤ أو التستر على الممارسات المشبوهة والخارجة عن القانون، ومن أمثلة ذلك ما وجدناه في مرسى طنجة، حيث عيّ كل من عثمان بن جلون التويمي الفاسي وعبد المجيد بركاش الرباطي والحاج محمد الغسال الطنجي، وفي مرسى آسفيحيث عيّ الحاج بناصر الحلو الفاسي والحاج محمد عواد السلااوي، وفي مرسى الصويرة حيث عيّ أحمد التازي الفاسي وعبد السلاام غرسية التطواني وعبد الرحمن بن الحسن الصويري40. وهكذا عزز السلطان الحسن الأول (1873 - 1894 م) هذا التوجه التنظيمي لشؤون المراسي بالجهود التي بذلها بهدف إنشاء نظام مخزني أكثر تنظيمًا، وذلك بالتركيز على العنصر البشري لإدارة المراسي وخاصة الأمناء، بحيث جرى تعيين أمين أمناء جديد لمباشرة إصلااحٍ عام41، وتعميم التفتيش بكل المراسي؛ ما فرض ضرورة استبدال عدد كبير من موظفي المراسي ومضاعفة عدد الأمناء خاصة في الموانئ المهمة، وإقرار مبدأ التداول على منصب الأمناء على رأس كل ثلااث سنوات، والرفع من مرتّباتهم42(، إلى جانب التشدد في مراقبتهم وزجر المخالفين منهم43(. كما بادر المولى عبد العزيز إلى إصدار قانون تنظيمي آخر44، اشتمل على أربعة وثلااثين فصلً شملت إلى جانب مجموعة من الجوانب، التعشير والمراقبة وحفظ السلع وزجر التدليس والتهريب. وعلى مستوى هيكلة البنية التحتية، جاءت مبادرة السلطان محمد الرابع (1648 - 1687 م) هذه بمجموعة من التوصيات التي تضمنت الإشارة إلى الجانب التجهيزي في المراسي المفتوحة للتجارة، لكنها لم تكن شاملة الجوانب المرتبطة بالتجهيزات، فقد ركزت على ما هو تقني مرتبط بحركة السفن ورسوها وشحنها وتفريغها، وتوفير القوارب المستخدمة في الشحن والإفراغ (الفصلاان السادس والسابع عشر)، في حين لم تشر هذه المبادرة إلى إعادة تهيئة الموانئ أو بناء أرصفتها، رغم أنها كانت في حاجة ماسة إلى إصلااحها والرفع من قدراتها الاستيعابية؛ إذ إن السفن التجارية كانت تنتظر عملية الشحن أيامًا عديدة عند أبسط اضطراب بحري45. في المقابل، يشدّد الفصل التاسع والعشرون على أمر الأبراج، وما يرتبط بها من لوازم عسكرية، فهي الأمور الجهادية التي يلزمها تسجيل خاص. كما نص الفصلاان الرابع والعشرون والثلااثون على ضرورة اهتمام الأمناء بأملااك المخزن في المراسي والاعتناء بصيانتها.

3. الهاجس الأمني والمالي

يلااحظ أن الهاجسيَن الأمني والمالي حضرا أكثر من غيرهما في مواد هذا القانون التنظيمي، فنجد أن معظم الفصول تشير إليهما إما مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة، فالفصول التنظيمية مبنية على أساس تحقيق فاعلية أكثر على مستوى الموارد المالية؛ إذ إن تنظيم عمليات التصدير والاستيراد ومراقبة الداخل على المرسى والخارج منه وتحصيل الأعشار والحرص من التدليس والتهريب والاهتمام بتحسين الخدمات والتجهيزات، كلها تنظيمات كان الهدف منها تحسين مداخيل المراسي والرفع من قدراتها على تحصيل عائدات

  1. نعيمة هراج التوزاني، الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن 1290 - 1311 ه/ 1873 - 1894: مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1979)، ص 76.
  2. المرجع نفسه، ص 55 - 58.
  3. Jean - Louis Miège, Le Maroc et L'Europe (1830 - 1894) (Rabat: Editions La Porte, 1989), p. 133.
  4. دانييل شروتر، تجار الصويرة: المجتمع الحضري والإمبريالية في جنوب غرب المغرب 1844 - 86 18، ترجمة خالد بن الصغير (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1997)، ص 267 - 268.
  5. الخزانة العامة للمحفوظات، تطوان، الوثيقة 83، المحفظة 6.
  6. Alfred - Henri Dyé, Les Ports du Maroc: leur commerce avec la France (Paris: Imprimerie Paul Bordard, 1909), p. 23.

أكبر، ولعل أبرز الدوافع التي شجّعت المخزن المغربي على الرضوخ للضغوط الاستعمارية والانخراط في هذا الانفتاح، هو الاستفادة بأكبر قدر ممكن من مكاسب التجارة الخارجية بغية تحقيق التحديث الضروري للنهوض بالبلااد المغربية. غير أن هذه الدوافع المالية قابلها تحدٍّ آخر فرض نفسه من باب الأولويات، ويتعلق الأمر بالهاجس الأمني، ففي الغالب نجد هذه الفصول تنصّ على مسألتَي المراقبة والزجر، خاصة فيما يرتبط بالمواد المحظورة من قبيل الأسلحة والبارود (الفصل العاشر)، وقد حدد الفصل الخامس والعشرون أنواع المواد الممنوعة، ونص على التعامل مع مسألة التهريب أو ما سمي ب "الكنطربونضو"، بل اعتبر أن مهمة الأمناء الأولى تتجسّد في مراقبة هذه المواد، وحرص على توضيح التفاصيل التي يجب على الأمناء اتباعها في عمليّتَي الاستيراد والتصدير (الفصلاان الخامس عشر والسادس عشر) مع التنبيه على أشكال التهريب التي يستخدمها التجار لإدخال المحظور من المواد، كما عَّبَّ الفصل التاسع والعشرون عن هذا الأمر تعبيرًا صريحًا، وورد فيه أن "الأمور الجهادية تكون عند الأمناء من أهم الأمور ومن الأعشار."[...] أما الجانب المالي في هذا القانون التنظيمي فقد حظيَ باهتمام كبير، يظهر من خلاال تركيزه على مسألة استخلااص الأعشار؛ فقد شدّدت الفصول السابع والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر على استخلااص الأعشار وإخضاع السلع جميعها لها دخولً وخروجًا، في حين حدد الفصلاان الثامن والتاسع السلعَ المُعفاة من الرسوم، وهي السلع الموجَّهة لجانب المخزن وللنواب الأجانب شريطة ألّ تكون بهدف التجارة. وحتى تكون هذه العملية مثمرة وأشد فاعلية أوصت عدة فصول بتخصيص كنانيش لكل نوع من السلع، فالأعشار في كُنَّاش خاص، وكذلك حاجيات المخزن (الفصل الثامن والعشرون)، والأمور الجهادية (الفصل التاسع والعشرون)، والتجارة الداخلية بين المراسي المغربية (الفصل التاسع عشر.) يتبيّ مما تقدّم أن هذه الهيكلة الإدارية الجديدة كانت محكومة بهاجسيَن، أحدهما أمني يتجلّ في ضبط السلع الواردة والصادرة، والآخر مالي يتمثّل في ضمان موارد مالية إضافية لبيت مال المخزن46(. وإذا كان الطرف المغربي قد حاول ضبط موارده المالية في هذا القطاع من أجل الاستفادة أكثر من الانفتاح على التجارة الخارجية، فإن الأجانب قد رحبوا بهذه الخطوة؛ لأنها قضت على منافسيهم من التجار المغاربة الذين كانوا يستفيدون من الامتيازات التي مُنِحت لهم في إطار سياسة الاحتكارات، ما يعني فتح الباب أمامهم للتحكم في التجارة المغربية وتوجيهها لخدمة مصالحهم، وبهذا خسر المغرب الرهانيَن معًا، المالي والأمني. ويشير المفوض البريطاني إلى ذلك بقوله: "جميع الخائنين الذين كانوا بهذه المرسى جميعهم انتقلوا وتبدلوا بغيرهم. والظاهر من ابتداء الأمور أنهم يسيرون بخير. وأما التجار (الأجانب)، فقد صاروا جميعًا بخاطرهم، على هذه القوانين الجديدة منتظرين جميعًا أن يكونوا متساوين"47. وبعد أن حقق الأوروبيون مرادهم، أضحى أهل الدار من المغاربة "خونة وفاسدين، ولا يهمهم مصلحة البلااد" بحسب تعبير المفوض البريطاني المذكور سابقًا، ثم يأتي في موضع آخر ليروّج أن نجاح هذه الخطوة لن يتم إلا بإقرار مراقبين إنكليز لعمل الأمناء الجدد، إذ صرح في رسالة أخرى: "ينبغي [ل] السلطان - أيده الله - أن يأمر عاجلً جميع الأمناء بقبول الخلُااف أو النواب ويطلعوهم على الحساب عندما يطلبونه [...] إذ خلُااف الإنكليز يوثق بهم، لأنهم لا يتاجرون ولا منفعة لهم إلا الوقوف حتى لا يضيع من مستفاد المراسي شيء من قبل عدم القوانين والاعتناء"48. وفي هذا الأمر انتهاكٌ للسيادة المغربية، وتعبير عن حجم التغلغل الإنكليزي في الإدارة المغربية.

  1. علي حسني، التحول المعاق: الدولة والمجتمع بالمغرب الحديث: مساهمة في تاريخ المؤسسات والتحولات الاجتماعية 1830 - 2 191 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2000)، ص 166.
  2. 174. O. F / 137، دراموند هاي إلى محمد بركاش، طنجة 1 أيار/ مايو 1861، وأ لحقَت بها رسالة من النائب القنصلي البريطاني في آسفي إلى دراموند هاي في 8 نيسان/ أبريل 1862. نقلً عن: بن الصغير، ص 432.
  3. 174. O. F / 137، دراموند هاي إلى العاجي، طنجة 16 أيار/ مايو 1862، المرجع نفسه، ص 433.

خاتمة

تعرَّض المغرب لضغوط دبلوماسية وعسكرية في القرن التاسع عشر وخصوصًا في النصف الثاني منه؛ ما جعله يتبنَّى مجموعة من الإصلااحات الإدارية في سبيل إرساء قواعد الانفتاح البحري ومسايرة تطور الرواج الملااحي بالسواحل وفق ما التزم به تجاه القوى البحرية الأجنبية، وعلى رأسها اعتماده تشريعات تنظيمية جديدة لإدارة المراسي من أجل تنظيم النشاط التجاري والاستفادة منه، إلا أن ذلك لا يعني أنه استفاد حقيقةً؛ لأن الاجتياح الرأسمالي والتغلغل الأوروبي كانا أشد تأثيرًا من قوانين لا يتعدّى تأثيرها حدود تلك الأوراق التي دُوِّنت عليها، وهذا ما توضحه كثرة الوثائق التي تؤرخ لخروقات بالجملة من المغاربة قبل الأجانب، ومن الأمناء قبل القناصل، إنه التحديث المنقوص من الروح الفاعلة، التحديث المستبطِن للهيمنة الأجنبية. فعلى الرغم من التطورات التي عرفها المغرب في ميدان التجارة الدولية عبر تاريخه، فإنه لم يستطع خلق مؤسسة جمركية قائمة بذاتها خاضعة للحكومة وفق نص قانوني يحدد هيكلها الإداري، وشخصيتها القانونية، وسلطتها وهدفها ودورها، ولذلك لخَّص أحد الباحثين كلاامه عن النظام الجمركي المغربي بقوله: "إن النظام الجمركي المغربي يجد أصوله في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي ساهمت في تكوين خصوصياته الضريبية وإعاقة تطوره"49(؛ بمعنى أن النظام الجمركي المغربي لم تكن له جذور تشريعية؛ ما انعكس سلبيًا على فاعلية القوانين التي وُضِعَت من أجل تسيير شؤون المراسي، وسمحَ بوجود ثغرات كبيرة في هذا النظام. وإذا كان هدفُ هذا التحديث الذي ساهمت فيه القوى الأوروبية لتنظيم شؤون المراسي المغربية، من منطلق المصلحة، النيلَ من السياسة الاحتكارية التي كان ينهجها المغرب للحدّ من الاجتياح الرأسمالي، فإن اختراق هذه القوانين كان واجبًا لكسر شوكة المغرب وإلحاقه بمجال توسعها وعمقها الاستراتيجي، فقد أثبتت بعض الدراسات أن الدول الأوروبية على سبيل المثال كانت مصدر المواد الممنوعة، وخاصة الأسلحة التي كانت تُهرَّب إلى المغرب، وأنها كانت تغضّ الطرف عنها حفاظًا على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، رغم علمها بخطورة ذلك على استمرارية الدولة المغربية وبقائها50.

  1. بحير، ص 37 - 47.
  2. James J. Cooke, "Anglo - French Diplomacy and the Contraband Arms Trade in Colonial Africa, 1894 - 1897 ," African Studies Review , vol. 17 , no. 1 (April 1974), pp. 27 - 41.

المراجع

العربية

الإنسانية، 1988.

الجديدة، 2005.

بن زيدان، عبد الرحمن. إ تحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. ط 2. الدار البيضاء: مطابع إديال، 1990.

الإنسانية، 1997.

الماليي بالمغرب. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1979.

الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2000.

الخزانة الصبيحية. سلاا. الوثيقة 38­35. المحفظة 24. السلسلة 3 -ب.

الخزانة العامة للمحفوظات. تطوان. الوثيقة 83. المحفظة 6.

المطبعة الملكية، 2007.

.________ نصوص اتفاقيات دولية مبرمة بين المملكة المغربية ودول أجنبية. الرباط: المطبعة الملكية، 2007.

الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1997.

كُنَّاش المعاهدات. تقييد في كيفية خدمة أمناء شتى المراسي. رقم 370. الخزانة الصبيحية. سلاا.

الدار البيضاء، 1999.

الأجنبية

References

آفا، عمر. مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر (سوس 1822 - 1906). أكادير: منشورات كلية الآداب والعلوم بحير، فاطمة الحمدان. السياسة الجمركية المغربية وإشكالية المبادلات التجارية الدولية. الدار البيضاء: مطبعة النجاح بن الصغير، خالد. المغرب وبريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر 1856 - 86 18. ط 2. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم التوزاني، نعيمة هراج. الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن 1290 - 1311 ه/ 1873 - 1894: مساهمة في دراسة النظام حسني، علي. التحول المعاق الدولة والمجتمع بالمغرب الحديث: مساهمة في تاريخ المؤسسات والتحولات الاجتماعية 1830 - 2 191. الشاذلي، عبد اللطيف. معجم المصطلحات الإدارية والألفاظ العامية والأجنبية الواردة في بعض الوثائق والمؤلفات المغربية. الرباط: شروتر، دانييل. تجار الصويرة: المجتمع الحضري والإمبريالية في جنوب غرب المغرب 1844 - 6 188. ترجمة خالد بن الصغير. لعراش، عبد العزيز. "النظام الجمركي ومسألة التنمية الاقتصادية بالمغرب". أطروحة دكتوراه. كلية الحقوق. جامعة الحسن الثاني.

Ben Srhir, Khalid. "A Document Advocating the Introduction of Economic Liberalism in Morocco (1855)."

Hespéris-Tamuda. vol. 30 , fascicule 2 (1992).

Cooke, James J. "Anglo - French Diplomacy and the Contraband Arms Trade in Colonial Africa, 1894 - 1897."

Dyé , Alfred - Henri. Les Ports du Maroc: Leur commerce avec la France. Paris: Imprimerie Paul Bordard, 1909.

Flournoy, Francis. "Political Relations of Great Britain with Morocco from 1830 to 1841." Political Science

African Studies Review. vol. 17 , no. 1 (April 1974).

Quarterly. vol. 47 , no. 1 (March 1932).

Kann, Réginald.  Le Protectorat Marocain. Paris: Berger Levrault, 1921.

Miège, Jean - Louis. Le Maroc et L'Europe (1830-1894). Rabat: Editions La Porte, 1989.