العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الرواية التاريخية لعلم الآثار في مصر

الرواية التاريخية لعلم الآثار في مصر

The Historical Narrative of Archaeology in Egypt

خالد عزب | خالد عزب

الملخّص

تنطلق هذه الورقة من فرضية أنّ سرد الرواية التاريخية لعلم الآثار في مصر هو بمنزلة سرد لتطور وعي المصريين بحضارتهم وتاريخهم، ومدى إدراكهم لدور الآثار في تشكيل الهوية الوطنية. يقدّم الباحث هنا سردية تهدف لبناء رؤية لعلم الآثار في مصر مرتبطة بتطور النظر إليها، وتطور دورها في صياغة الهوية الوطنية. وبالنظر إلى تشعب المشهد الأثري في مصر وتعقُّده، جرى تقسيم الفضاء الأثري المصري إلى أربعة أقسام: علم المصريات الذي يتناول مصر من عصور ما قبل التاريخ حتى نهاية العصر البطلمي، وعلم الآثار الرومانية البيزنطية الذي يبدأ بالاحتلال الروماني لمصر ويمتدّ إلى الفتح العربي، وعلم الآثار الإسلامية الذي يبدأ مع الفتح العربي لمصر إلى نهاية عصر أسرة محمد علي، وعلم الآثار وهو العلم الذي يقدم الإطار الفلسفي وتاريخ العلم الآثاري، ويتناول طبيعة هذا العلم والتطورات المتلاحقة التي عرفها. وتسعى الورقة إلى إلقاء الضوء على المدرسة المصرية في الدراسات الآثارية ومدى انعكاسها على الوعي الوطني، كما ترصد عدم تبلور مدرسة مصرية في علم المصريات بعيدًا عن المدارس الأجنبية على عكس علم الآثار الإسلامية.

Abstract

Professor of Modern and Contemporary History and Dean of the Faculty of Arts, Cairo University.

الكلمات المفتاحية:
  • ندوة أسطور
  • الكتابة التاريخية
  • الآثار
  • مصر
Keywords:
  • Ostour Seminar
  • Histography
  • archeology
  • Egypt

المدرسة المصرية وتجربة محمد عيل باشا لااقتصادية

تُعدّ تجربة التحديث التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر من أهم وأبرز تجارب التحديث وأنجحها خارج أوروبا في ذلك الوقت، والتي كان في إمكانها وضع مصر في مصافّ الدول الحديثة الكبرى على مستوى العالم، وإن لم يكن كذلك، فتكون هي الدولة الحديثة التي تستطيع أن ترث الدولة العثمانية في المنطقة، ولا سيما بعد أن اهتم محمد علي باشا بتوفير أسباب النجاح والاستمرار لتلك التجربة، حينما شرع، بعد سنوات قليلة من تولّيه السلطة، في تحديث نُظم التعليم، لقناعته بأهمية التعليم في بناء دولته، حتى إنه اتجه إلى خلق تعليم مدني موازٍ للتعليم التقليدي الذي كان سائدًا، والذي كانت تدعمه المؤسسة الدينية، لارتباطه بمؤسساتها ورجالها. وإلى جانب التعليم، اهتم بتحديث الجيش ونظمه، مستعينًا في ذلك بعناصر أجنبية، كما اهتم بتحديث الإدارة والدواوين.

أوالً: الأبعاد لااقتصادية لمشروع محمد عيل باشا

ارتبط نجاح تجربة التحديث في عهد محمد علي وسرعتها بسياسة اقتصادية قامت على إدارة الدولة للااقتصاد وتوجيهه، على نحو مكّنها من حصد الفائض وتوظيفه لخدمة مشروع التحديث الذي تقرّر أن يقوم على إمكانات مصر الاقتصادية، لضمان استقلاال تلك التجربة، ولا سيما بعد أن أدرك شدة الطلب على مصر من جانب الدول الغربية، وخاصة بعد الحملة الفرنسية، وعمله جاهدًا للحيلولة دون انخراط مصر في السوق الرأسمالية العالمية على أنها بلد تابع، بل بلد تربطه بتلك السوق مصالح ومنافع متبادلة، وذلك ببناء اقتصاد مستقل يقوم على الإنتاج السلعي، ويمثل جزءًا مستقلً من الاقتصاد العالمي، اعتمادًا على الدولة التي سيطرت على كل القطاعات الاقتصادية، من أجل تحقيق فائض يُعبَّأ لخدمة مشروعاته، وتثبيت مركزه في مصر، وتقوية نفوذه وتمكينه من امتلااك مقومات القوة والندّية لمحاربة أعدائه1. ولتحقيق فائض على عجل، وتعبئته لخدمة التنمية الشاملة والسريعة، عملت الدولة على تنظيم قطاع الزراعة، باعتباره أكثر القطاعات الاقتصادية استجابة وسرعة لاحتياجات محمد علي باشا المالية الملحّة، فقررت زحزحة الملتزمين عن الأراضي الزراعية والحلول محلهم في استغلاالها، واتجهت إلى السيطرة على أراضي الوقف بعد أن ثبت لها سوء إدارتها من القائمين عليها من النظّار، والاهتمام

  1. أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر وعميد كلية الآداب، جامعة القاهرة. el_sherbini1@hotmail.com
  2. رؤوف عباس حامد، النظام الاجتماعي في مصر في ظل الملكيات الزراعية الكبيرة (1837 - 1914) (القاهرة: دار الفكر الحديث للطباعة والنشر، 1973)، ص 12.

بالتعليم الزراعي الذي انتشرت مدارسه خارج القاهرة، وعلى مقربة من حقول التجارب الزراعية التي اهتمت باستنباط نوعيات محسّنة من البذور الزراعية. وبعد أن وضعت الدولة يدها على كل الأراضي، قامت بتوزيعها على السكان المحليين بمساحات صغيرة لزراعتها2، في مقابل الالتزام بدفع الضرائب عنها للحكومة، بعد أن أ لغيت الأطر الضريبية القديمة farming Tax وإضافة إلى ذلك، عملت الدولة على زيادة المساحة الزراعية، بعد عام 1820، بتطوير وسائل الريّ3، واستصلااح الأراضي البور وتحويلها إلى أراضٍ زراعية من خلاال تشجيع أغنياء المجتمع وأعيانه على استصلااحها، في مقابل الإعفاء من الضريبة بعض الوقت، كما حدث في الفترة 1828 - 1840 للأراضي التي عُرفت بالأبعاديات5(. وإلى جانب سيطرة الدولة على الأراضي الزراعية، اتجهت إلى استغلاالها على نحو يساعد على زيادة مواردها من العملاات الصعبة، بتوجيه السكان المحليين إلى زراعة محاصيل نقدية كانت تحددها، وإمدادهم بالإمكانات اللاازمة لزراعتها، في شكل سُلف، كان يجري تحصيلها مع الميري خصمًا من جملة ثمن تلك المحاصيل، بعد تسليمها للحكومة فور حصادها بالسعر الذي تحدده8(. ولم تنفرد دولة محمد علي بتسويق المحاصيل الزراعية النقدية فحسب، بل امتد تسويقها إلى المحاصيل المخصصة للااستهلااك المحلي أيضًا9. وفي الوقت الذي اهتمت فيه دولة محمد علي باشا بحصد الفائض الزراعي، من خلاال انفرادها بتسويق المحاصيل الزراعية، اهتمت أيضًا بتوجيه البلااد نحو نهضة صناعية جريئة، تُحقق لها استقلاالها وتحفظ لها فوائضها. وقد بدأ برنامج محمد علي التصنيعي برعاية الصناعات الصغيرة، أو بالأحرى الح رف التي كانت قائمة، وتنميتها وتنشيطها من خلاال العمل بنظام ال Verlage11، أو المصنع المنزلي، الذي عرفته بعض دول أوروبا في عصر الرأسمالية التجارية، ولكن بآلية مختلفة عن تلك التي عرفتها الدول الأوروبية. وقد حلت الدولة في مصر محل الأفراد في أوروبا، وأصبح أصحاب الصناعات اليدوية (الأسطوات في ورشهم) يعملون فيها لحساب الحكومة، فيحصلون على المواد الخام منها، ثم يسلمونها ما يصنّعونه بالأسعار التي تحددها. وفي الوقت نفسه، احتفظت الحكومة لنفسها بحق تصريف أمور التجارة؛ الأمر الذي مكّنها من الانفراد بتسويق إنتاج طوائف الح رف بأسعار عالية، وكانت المنتجات التي تسلّم إليها تُختم بختم الحكومة قبل الشروع في بيعها، لتمييزها من المنتجات الحرفية الأخرى التي قد يدفع بها رجال طوائف الحرف إلى الأسواق بعيدًا عن أنظار الحكومة، والتي كانت عرضة للضبط والمصادرة لصالح الحكومة، ومعاقبة أصحابها12. وقد أتاح ربط طوائف الحرف الصناعية بالحكومة للأخيرة المجال لتوجيهها في المسار الذي يحقق أهدافها ومقاصدها، ولمّا عجزت الصناعات الحرفية عن سد حاجات البلااد ومجاراة تطور الجيش والأسطول، اتجه محمد علي إلى محاكاة خطوات الدول الأوروبية

4  Charles Issawi, "Egypt since 1800: A Study in Lop - sided Development," Journal of Economic History , vol. 21 , no. 1 (March 1961), p. 5.

A. E. Crouchley, The Economic Development of Modern Egypt (London: Longmans, Green and Co., 1936), pp. 54 - 56 , 58. 6  Ibid., p. 58. 7  Ibid., pp. 60 - 61.

10  Crouchley, p. 67.

  1. لمزيد من المعلومات عن كيفية تركيز الباشا للأراضي في يد الدولة، ينظر: المرجع نفسه، ص 12 - 16.
  2. لمعرفة كثير من التفاصيل عن جهود محمد علي في مجال الريّ، ينظر:
  3. هيلين آن ريفلين، الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر، ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى ومصطفى الحسيني (القاهرة: دار المعارف، 1968)، ص 159 - 162.
  4. كان هذا النظام معروفًا عند الألمان باسم Verlage وعند الفرنسيين باسم Trielle Indu Commandit. وبمقتضاه، يقوم أحد التجار أو الوسطاء، على سبيل المثال، بتقديم الخامات إلى الصناع لتصنيعها مقابل أجر، وقد أدى هذا النظام، كما هو معروف، إلى زيادة الإنتاج في أوروبا، حيث انتشر فيها في القرنين السابع عشر والثامن عشر، واعتُبر خطوة نحو الصناعات الحديثة. ينظر: حلمي عبد الملك، "السياسة الصناعية في عهد محمد علي"، مجلة غرفة القاهرة، العدد 8 (تشرين الأول/ أكتوبر 1941)، ص 136.

التي انتشرت فيها الصناعات الحديثة بمعناها الواسع، فأنشأ مصانع كبيرة، على غرار مصانعها برؤوس أموال حكومية، واستورد آلاتها مع مهندسيها من بعض الدول الأوروبية، وحشد فيها آلاف العمال الذين كان نصيبهم من القيام بالعمليات الصناعية لا يتعدى الأجور التي تقررها لهم الحكومة13(، إذ أصبح يعمل في تلك المصانع في نهاية ثلااثينيات القرن التاسع عشر ما يراوح بين 30000 و 40000 عامل، في الوقت الذي بلغت فيه الاستثمارات الصناعية حوالى 12 مليون جنيه في عام 1838 والملااحظ أن مجمل الصناعات الحديثة لم تقم لاعتبارات اقتصادية، بل لاعتبارات سياسية، لارتباطها بمؤسسة محمد علي العسكرية؛ فقد جاءت في معظمها استجابة لاحتياجات الجيش والأسطول، وكان ما يفيض عنها يباع للأهالي، أو يصدّر إلى الخارج، ولا سيما الأسواق العربية المحيطة. وكانت صناعة السفن من أهم الصناعات التي أولاها محمد علي أهميةً، بعد أن شرع في بناء أسطول في المياه المصرية، فأنشأ ترسانة في بولاق في عام 1810، وأخرى في السويس، وثالثة في الخرطوم، ثم رابعة في الإسكندرية، وأقام مصنعًا لصناعة الشراع في رشيد، وآخر للحبال في القاهرة، وكان إنتاجه من الحبال يرسل إلى الإسكندرية ليُضم إلى ما يصنّع فيها لحاجة الأساطيل المصرية. وأنشأ بالقلعة مصنعًا لإنتاج ألواح النحاس التي كانت تُستعمل في تبطين السفن14. وأنشأ أيضًا مصانع للأسلحة والذخيرة، منها مصنعان للبنادق بالقلعة والحوض المرصود، إضافة إلى معمل للبارود، ومعمل لصبّ المدافع بالقلعة، ومسبك للحديد ببولاق كان يخدم الصناعات الحربية والمدنية17. وإلى جانب هذه الصناعات، أقام محمد علي مصانع لغزل القطن والكتان ونسجهما، وصناعة الملاابس لتوفير احتياجات الجيش والأسطول، فأنشأ مصانع للصوف بالقاهرة ودمنهور، ومصنعًا للجوخ ببولاق لصنع ملاابس الجنود والضباط، إضافة إلى البلااطي والبطاطين للبحارة، ومصنعًا للطرابيش بفوّه، ومصنعًا للزجاج في الإسكندرية، ومصنعًا لصهر الحديد، وآخر لاستخراج السكر في رشيد. وحدث أيضًا، بالتزامن مع ذلك، توسّع كبير في صناعة النيلة وزيت بذرة القطن والدقيق وضرب الأرز18. ولما كان هدف محمد علي من التقدم الصناعي هو الاستقلاال الاقتصادي، وتجاوز الأزمات التي قد تنتج من الحروب التي خاضها، فقد تمسّك باستمرار صناعات فاقت تكاليفُها أسعارَها في السوق، وخصص لها أبواب مصروفات، إلا أن احتفاظ الدولة بفائض الإنتاج الزراعي وصناعات أخرى كانت تدرّ دخلً، ساعد في تعويض خسائر تلك الصناعات. ولتعبئة الفائض الزراعي، وتنشيط القطاع الصناعي وحماية الصناعة الناشئة، سيطرت الدولة على التجارة بشقيها الداخلي والخارجي حتى تتحكم في إيقاع السوق على نحو يمكّنها من توفير المواد الأولية اللاازمة للصناعة بأسعار منخفضة، وفرض أنماط استهلااك معيّنة على الأهالي. وقد بدأت دولة محمد علي سيطرتها على المحاصيل الزراعية بالمحاصيل النقدية، التي كان تصديرها إلى الخارج يضمن لها تحقيق إيرادات نقدية تمكّنها من تغطية نفقات استيراد مستلزمات الصناعات الحديثة التي أنشأتها، وبعد عام 1829، فرضت الدولة قيودًا على

15  Crouchley, p. 86.

  1. محمد فهمي لهيطة، تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1944)، ص 126؛ 5. p , Issawi.
  2. عبد الملك، ص 630 - 634.
  3. المرجع نفسه، ص 634.
  4. لهيطة، ص 130؛ 70 , 66. pp , Crouchely.

البيع في الداخل، وألزمت الفلااحين بتسليم جزء عظيم من إنتاجهم إلى شون الحكومة (مراكز تجميع الحاصلاات الزراعية)، وفرضت ضريبة الدخولية على المواد الغذائية التي تدخل المدن للبيع19. وكانت المحاصيل التي يجمعها وكلااء الحكومة من أنحاء القُطر تُنقل مباشرة إلى المخازن الرئيسة (الشون) في الإسكندرية، تمهيدًا لبيعها للتجّار الأجانب الذين حيل بينهم وبين شرائها في الداخل، طبقًا لشروط الباشا20. وسيطرة الدولة على المحاصيل الزراعية والمصانع جعلها تتحكم في تجارة مصر الخارجية، حتى إنها في عام 1836 - على سبيل المثال - صدّرت 95 في المئة من إجمالي البضائع المصدرة التي سُلّمت للتجار من المخازن الحكومية، لكنها، في المقابل، لم تتمكن من التحكم في المستوى نفسه في تجارة الواردات، رغم سعيها لفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات من السلع التي لها مثيلٌ محلي. ومع ذلك، أدت سياسة محمد علي التجارية إلى جعل الميزان التجاري في جلِّ سنوات حكمه في مصلحة مصر، رغم ازدياد قيمة الواردات نتيجة التوسع في استيراد مستلزمات الإنتاج الصناعية، وهذا ما توضحه الأرقام الواردة في الجدول (1.) الجدول (1) قيمة الصادرات والواردات المصرية في الفترة 1800 - 1849 (بالجنيهات المصرية)

قيمة الوارداتقيمة الصادراتالعام
2690002280001800
65600014550001823
100900021270001824
65600014550001826
152900016090001831
261200021420001836
100700017470001845
148000015740001848
147400016610001849

المصدر: أحمد أحمد الحتة، تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر (الإسكندرية: مطبعة المصري، 1967)، ص 285.

بقراءة الأرقام الواردة في الجدول (1)، يتضح أن الميزان التجاري، بعد أن كان يحقق عجزًا كبيرًا في عام 1800، تغيّ حاله وأصبح في مصلحة مصر في فترة محمد علي باشا، باستثناء عامي 1836 و 1848، فقد كانا في غير مصلحتها بنسبة محدودة. ويعكس تحسّن الميزان التجاري على هذا النحو نجاح دولة محمد علي في إقامة اقتصاد مستقل، ومتوازن القطاعات، وقادر على الاستجابة لاحتياجاته التنموية، اعتمادًا على إمكانات مصر الذاتية، بعد الاستبعاد المتعمد لرأس المال الأجنبي.

16  Ibid., pp. 87 - 88.

  1. لهيطة، ص 136 - 137.

وحظيت التجربة الاقتصادية، التي كانت تُعدّ أحد أهم أبعاد مشروع محمد علي باشا، باهتمام جيل الرواد بالمدرسة التاريخية المصرية، الذين اهتموا في أعقاب الحرب العالمية الثانية بدراستها، في محاولة لإعادة تقييم الوضع في مصر، في مرحلة كانت الأسرة العلوية تواجه أزمة هي الأصعب منذ بداية حكمها في مطلع القرن التاسع عشر؛ تلك الأزمة التي كانت تهدد عرشها، في ظل ارتباك المشهد السياسي، وتعقّد المسألة السياسية، وتصاعد المسألة الاجتماعية. وجاء الاهتمام بتقييم تجربة محمد علي باشا، في ذلك التوقيت، بوصفها محاولة للتذكير بهذه التجربة، والدعوة إلى إحيائها، لكونها لم تكن تجربة التحديث الرائدة في مصر والمنطقة العربية في مطلع القرن التاسع عشر فحسب، بل كانت من أولى تجارب التحديث الناجحة خارج أوروبا في ذلك الوقت. وفي هذا الإطار، جرى الاهتمام بدراسة أبعاد تجربة محمد علي الاقتصادية، باعتبارها مصدر نجاح مشروعه التحديثي والسياسي. وتواصل تقييم هذه التجربة بعد ثورة يوليو 1952، وإن كانت نظرة البعض إليها وتقييمه إياها قد تغيّا بتغير الوضع السياسي، مع زوال حكم أسرة محمد علي، وإقامة الجمهورية، تماشيًا مع المشهد السياسي الجديد وممالأة رجال الثورة، التي لا أظن أنها استهدفت أسرة محمد علي باشا، بدليل أنها لم تقم بتصفية رموزها، كما حدث لبعض الأسر الحاكمة في المنطقة حال العمل على زحزحتها عن السلطة، حتى إن نظام ثورة يوليو أبقى على صورة رموز هذه الأسرة حيةً في وجدان المصريين، وحافظ على المنحوتات الفنية لمحمد علي باشا ونجله إبراهيم باشا، والخديوي إسماعيل، كما ظلت لوحات البناء والتشييد في عهد تلك الأسرة على جدران المنشآت التي جرت في عهدها، بما فيها لوحة تأسيس منشآت جامعة القاهرة. وقاد محمد شفيق غربال (1894 - 1961)21(هذا الاتجاه، بعد أن قطعت مصر، إبّان سنوات حكم الملك أحمد فؤاد (1917 - 1936)، خطوات لتمصير المدرسة التاريخية التي اهتم روادها، في ثلااثينيات القرن العشرين وأربعينياته، بالإفادة من الاتجاهات الحديثة في الكتابة التاريخية التي تبلورت في أوروبا قبل نهاية القرن التاسع عشر، وكانوا على وعي بها بحكم اتصالهم برواد المدرسة التاريخية الأوروبية في مصر وخارجها، من خلاال مزاملتهم التدريس في مصر، أو الدراسة على أيديهم في أوروبا. وبتأثير هذه الاتجاهات، وجّه غربال بعض طلاابه لدراسة موضوعات في تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي، جاءت في معظمها متصلة بعهد محمد علي باشا، فوجّه أحمد الحتة لإعداد أطروحته للماجستير في موضوع "الفلااح المصري في عهد محمد علي باشا"، ثم إعداد أطروحته للدكتوراه في موضوع "تطور الزراعة المصرية في النصف الأول من القرن التاسع عشر"، كما وجه فائق جبره لدراسة موضوع "ضرائب الأطيان المصرية في عهد محمد علي"، وأمين مصطفى عفيفي لإعداد أطروحته للماجستير في موضوع "تجارة مصر في عهد محمد علي." وفي الذكرى المئوية الأولى لوفاة محمد علي باشا في عام 1949، اتّجه غربال، ومن خلاال الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، إلى إحياء تلك الذكرى بإجراء دراسات عن تجربة محمد علي باشا وطبعها، وفي هذا الإطار، وجّه علي الجريتلي لإعداد دراسة عن الصناعة في عهد محمد علي باشا، وقام بمراجعتها، وتصدير طبعتها الأولى التي نشُرت في حزيران/ يونيو 1952. أما محمد فؤاد شكري، فقد اهتم بوجه آخر من أوجه اهتمامات محمد علي باشا، يتعلق بالتاريخ الاجتماعي وعلااقات مصر بدول الجوار، وخاصة السودان وليبيا. وفي هذا الباب، نشر العديد من الكتب، أهمها: مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل

  1. يعتبر محمد شفيق غربال من المؤرخين البارزين في مصر، تابَع دراسته العليا في جامعة ليفربول في بريطانيا، وأنجز أطروحة بإشراف المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي Toynbee. J Arnold في موضوع "بداية المسألة المصرية وظهور محمد علي". وعندما عاد إلى مصر اشتغل بجامعة القاهرة، وكان له الفضل في تكوين جيل من الباحثين المصريين في حقل الدراسات التاريخية، ولا سيما تلك التي اهتمت بزمن محمد علي، كما كان من المؤسسين ل "الجمعية المصرية للدراسات التاريخية"، إضافة إلى المتحف المصري. ينظر: أحمد عبد الرحيم مصطفى، "شفيق غربال مؤرخًا"، المجلة التاريخية المصرية، مج 11، العدد 11 (1963)، ص 255 - 278.

السياسية، 1820 – 1899؛ والحكم المصري في السودان، 1820 - 1885؛ والحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر؛ والصراع بين البرجوازية والإقطاع، 1789 – 1848؛ ومصر والسيادة على السودان: الوضع التاريخي للمسألة. وتواصل الاهتمام بتاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي من جانب رموز المدرسة التاريخية المصرية بعد محمد شفيق غربال ومحمد فؤاد شكري، ففي السنوات الأخيرة من حياتيهما، عاد محمد أنيس من مهمة علمية لدراسة الدكتوراه بإنكلترا، عام 1950، ليعمل في وجودهما، مع أحمد عزت عبد الكريم، لأكثر من عقد من الزمان على مواصلة الدفع نحو بلورة مدرسة للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، تجلت في أبناء جيل ستينيات القرن العشرين. ويعدّ رؤوف عباس وعاصم الدسوقي وعلي بركات من أهم رموزها، لأن إسهاماتهم في تناول موضوعات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي كانت وراء إعطاء دفعة قوية لهذا الاتجاه، جعلت لتلك الموضوعات في السنوات الأخيرة الغلبة في حقل الدراسات التاريخية، على الأقل بالنسبة إلى تاريخ مصر الحديث والمعاصر. لقد كانت دراسة رؤوف عباس للنظام الاجتماعي في مصر في ظل المَلكيات الكبيرة منذ أواخر عصر محمد علي باشا حتى عام 1914، وإدراكه تأثير تطور حيازة الأرض الزراعية، والاتجاه إلى إقرار حق الملكية لنوعيات من الأراضي الزراعية في عصر محمد علي باشا، في تنامي الملكيات الزراعية الكبيرة، على نحو أثّر في النظام الاجتماعي للمجتمع المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وراء اهتمامه بإعادة تقييم تجربة محمد علي الاقتصادية واكتشافها، من خلاال الدراسات التي أجراها على تلك التجربة، أو من خلاال موضوعات الرسائل العلمية التي أشرف عليها. وفي حين كان غربال يوجّه طلاابه نحو دراسة موضوعات تتصل بتجربة محمد علي باشا الاقتصادية، كان المعنيون بتاريخ مصر الاقتصادي، من حملة الدكتوراه، يهتمون بإعداد دراسات عن تاريخ مصر الاقتصادي الحديث، أمثال محمد فهمي لهيطة، وجمال الدين سعيد، وأمين مصطفى عفيفي وراشد البراوي وغيرهم. وبدا من خلاال هذه الدراسات اهتمام أصحابها برصد تجربة مصر الاقتصادية منذ مطلع القرن التاسع عشر، حتى منتصف القرن العشرين. وحظيت تجربة محمد علي باشا باهتمام بالغ، باعتبارها تجربة رائدة، جعلت المجتمع المصري يمتلك مقومات القوة والندية في وقت قياسي، بإمكانات وسواعد مصرية، وإن اعتمدت على الخبرات الأجنبية. وجاء الاهتمام بدراسة تلك التجربة، في المرحلة الأولى من عمر المدرسة التاريخية المصرية، من المعنيين بالاقتصاد السياسي، الذين أفردوا لهذه السياسة مساحة في دراستهم في إطار تأصيلهم لوضع مصر الاقتصادي قبل ثورة يوليو بشهور قليلة، وفي وقت كانت البلااد تعيش فيه أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، وتسعى حكومات تلك الفترة لرسم سياسة اقتصادية تمكّنها من تجاوزها22. وإذا كانت الدراسات التي أُعدت قُبيل ثورة يوليو 1952 وتناولت تجربة محمد علي باشا بالتقييم، قد أفاضت في الحديث عن الإنجازات التي جرت في عهده في المجالات الاقتصادية المختلفة (الزراعة، والصناعة، والتجارة)، فقد عُنيت بالحديث عن الأسباب التي وقفت وراء هذه التجربة، والفلسفة الاقتصادية التي قامت عليها، والمدى الذي كانت فيه تجربةً مفيدة للمجتمع، وأسباب تراجعها.

ثانيًا: المدرسة التاريخية وأسباب التجربة

ربطت الدراسات التي اهتمت بتقييم تجربة محمد علي الاقتصادية وجودها بمشروعه الطموح ذي الأبعاد المختلفة، الذي تمثَّل بتكوين إمبراطورية واسعة انطلااقًا من مصر - التي تطلّع إلى تكوين دولة حديثة فيها يحكمها هو وأسرته من بعده - على حساب

  1. جمال الدين سعيد، اقتصاديات مصر (القاهرة: لجنة البيان العربي، 1950)، ص 6.

الإمبراطورية العثمانية المضمحلة، وتحويل أجزاء الأخيرة إلى سوق تكون مصر مركزها، وتكون منفذًا لتصريف ما يفيض عن حاجة السوق المصري من المحاصيل الزراعية، والمنتجات الصناعية، وبما يوفر لمصر وللسوق أسباب الاكتفاء الذاتي23. ولما كانت الدولة العثمانية، والدول الصناعية التي لها مصالح فيها، رافضة مشروع محمد علي باشا بأبعاده السياسية والاقتصادية، فقد توقّعَ محاربتهم إياه، وعملهم بكل السبل على إجهاض مشروعه، وذلك بعزل مصر عن العالم الخارجي، وفرض حروب عليها لاستنزاف إمكاناتها الاقتصادية والبشرية. لذا راح محمد علي يعمل من أجل إكساب مصر مقومات المنعة والندّية والصمود، بتحويلها إلى دولة تعتمد على نفسها في سد احتياجاتها، وعدم الاعتماد على البلااد الأجنبية فيما يلزمها من سلع، بما في ذلك احتياجات جيشه التسليحية، أو حتى نقل صادرات مصر ووارداتها، إلا في حالة الضرورة القصوى24. وفي تصديره كتاب تاريخ الصناعة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، لم يربط محمد شفيق غربال تجربة محمد علي باشا الاقتصادية بمشروع سياسي طموح له على حساب الدولة العثمانية بالمنطقة العربية، بل ربطه بظروف الداخل المصري التي تجلّت في أن شعور محمد علي بعدم الأمان في مصر، وإدراكه للمؤامرات التي تُحاك من حوله، جعلااه يؤمن بحاجته إلى قوة عسكرية - جيش قوي وأسطول كبير - تجعله بمأمن من أيّ غزو عثماني، أو بريطاني، وأن الاحتفاظ بتلك القوة العسكرية تقتضي السيطرة على المرافق الاقتصادية وإنتاج الأسلحة والعتاد محليًا، ولما كان جهاز الإنتاج الذي ورثه عن المماليك بدائيًا، وغير قادر على الاستجابة لاحتياجاته، فلم يجد مفرًا من قيام دولته بتحمّل مسؤولياتها لإقامة صناعات قادرة على الاستجابة لاحتياجاتها، ولا سيما حاجات الجيش والأسطول25. وعلى الرغم من هذا الجدل حول الأسباب التي كانت وراء مشروع محمد علي الاقتصادي، ومدى ارتباطه بمشروعه السياسي، فإن هناك من لم يرَ غضاضة في ارتباط سياسة محمد علي باشا الاقتصادية بمشروعه السياسي، فليس "في الارتباط بين الحرب وبين الصناعة ما يدعو إلى الدهشة [...] فمعظم الدول الحديثة شهدت ارتباطًا وثيقًا بين نمو الجيش وازدهار الصناعة [...] فأدت الحروب النابليونية إلى توسع الصناعة في إنجلترا، كما جاء ازدهار الصناعة في الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، وارتبط نمو الصناعة الألمانية بعهد التوسع الحربي الذي بدأ على يد بسمارك. وفي نفس الوقت أدى التوسع في الإنتاج الحربي خلاال الحرب العالمية الثانية إلى نمو كبير في الصناعة، وخاصة في الولايات المتحدة. ونفس الشيء يقال عن الارتباط بين تطور ونمو جيش روسيا في عهد بطرس الأكبر وتطور الصناعة. وحدث الأمر نفسه في فرنسا زمن كولبير"26. فحينما أدرك محمد علي باشا عدم كفاية الإنتاج الزراعي، وقصور الصناعة المحلية عن الوفاء بتطلعاته لبناء جيش قوي، أقدم على تنفيذ برنامج للااستثمار متعدد الجوانب، شمل الزراعة والصناعة والنقل والتجارة والتعليم، لزيادة الإنتاج وتنمية موارد الدولة لدعم القوات المحاربة27(. ولعل هذا الطموح هو ما دفعه إلى التحلل من مشورة العلماء في أمور الدولة على عجل، حتى يستطيع فرض الضرائب وجبايتها من دون تذمّر دافعيها، أو لجوئهم إلى زعماء الشعب في ذلك الصدد؛ الأمر الذي مكّنه من تجميع موارد كثيرة ساعدته في تنفيذ برامج الإصلااح من دون أن يلجأ إلى الاستدانة، أو إلى قروض داخلية أو خارجية28.

  1. لهيطة، ص 101.
  2. المرجع نفسه، ص 100 - 101.
  3. علي الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر (القاهرة: دار المعارف، 1952)، ص 35.
  4. المرجع نفسه، ص 37 - 38.
  5. المرجع نفسه، ص 40.
  6. سعيد، اقتصاديات مصر، ص 38 - 39، 43، 292، 335.

ومع ذلك، أرجع البعض إخفاق تجربة محمد علي باشا الاقتصادية في ترك أثر لها في المجتمع المصري، إلى ارتباطها بمشروعه السياسي، حتى إن جمال الدين سعيد ذهب في كتابه التطور الاقتصادي في مصر الذي صدرت طبعته الأولى بعد ثورة يوليو مباشرة، إلى "أنّ مدى البقاء الذي صادفته إصلااحات محمد علي باشا الاقتصادية كان أقل كثيرًا مما يصح أن تكون عليه [...] لأنه أخضع سياسته وإصلااحاته الاقتصادية للأغراض السياسية [...] وأنها كانت وسيلة لا غاية في نفسها"، ويضيف أنه بناء على ذلك "توقفت تمامًا بعد معاهدة لندن 1840، ولم يحاول الباشا المحافظة عليها، ومتابعتها [...] ولو أنه [...] اتبع الإصلااح الاقتصادي كغاية لتغيّت الحال"، مؤكدًا عدم لومه "إخضاعه الإصلااحات الاقتصادية للأغراض السياسية التي ليست خاضعة لسلطانه، وإنما تتوقف على الظروف الدولية التي يصعب التنبؤ بها"29. إن قناعة جمال الدين سعيد بأن انهيار تجربة محمد علي باشا من دون أن تترك أثرًا يوازي ما أنفق من أجلها، مردّها أنها لم تقم لاعتبارات اقتصادية، بقدر ما قامت لاعتبارات سياسية وعسكرية، وتفريط محمد علي فيها، بعد حصار مشروعه السياسي، دفعته إلى انتقاد من دافعوا عنها، ممن ذهبوا إلى أن الإصلااحات الاقتصادية، لكي تكون مجدية، احتاجت إلى الاستقرار السياسي الذي استلزم الدخول في عدة حروب، أدت إلى انحراف مشروعات الإصلااح عن المسار الذي كان يجب أن تسير فيه، فذهب سعيد إلى القول إن الاستقرار السياسي الذي تحقق كان مكلفًا، وبعد تحقُّقه ضاعت الإصلااحات وأصيبت مصر بعدها بفترة طويلة من الجمود على يد خلفاء محمد علي30. وأبدى سعيد موافقته الجزئية على تبرير المدافعين عن سياسة محمد علي الاقتصادية؛ من أن الحروب ودعم الإنتاج الحربي وخشية فرض حصار اقتصادي دولي على مصر، فرضت عليه انتهاج سياسة الاستقلاال الاقتصادي القومي لتقوية الدولة ودعم استقلاالها، وهي السياسة ذاتها التي انتهجها فيما بعد هتلر في ألمانيا، وستالين في روسيا. بيد أنه أثار جدلً حول تبرير الحروب العديدة التي اشترك فيها، باعتبار تبريرها مسألة تقديرية محضة، لأن هناك فريقًا يقطع بأنها كانت ضرورية لبقاء الحكم واستقراره حتى لا تعود مصر إلى عهد الفوضى التي كانت قائمة قبل تولّ محمد علي السلطة، في حين يرى فريق آخر أن محمد علي قام بها لتحقيق منافع شخصية، وأنه في الدول الدكتاتورية - على اعتبار أنه حاكم مستبد – يصعب، بل قد تستحيل التفرقة بين مصلحة الحاكم المستبد ومصلحة الدولة، وليس من السهل أن نحكم إذا ما كانت الأعباء المالية والمعنوية الباهظة التي جرّتها هذه الحروب على مصر توازي الاستقرار الذي تحقق فيما بعدوتكافئه، وانتهى إلى أنه يصعب علينا علميًا تبرير هذه السياسة في ضوء الظروف والأوضاع التي كانت سائدة في مصر آنذاك31. وقد ذهب جمال الدين سعيد في كتابهاقتصاديات مصر، الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1950، إلى أن مصر طبّقت من خلاال هذه السياسة لأول مرة سياسةً اقتصادية منظمة، وعلى الرغم من أنها كانت موجهة نحو مساعدة الباشا في كفاحه ضد الباب العالي لتحقيق أطماعه في إمبراطورية واسعة، فإنها أفادت مصر في عدة نواح32ٍ. ويبدو أن قيام ثورة يوليو 1952، وإنهاءها حكم أسرة محمد علي، كانا وراء تراجع البعض عن موقفه من تجربة محمد علي باشا، بما فيها تجربته الاقتصادية الرائدة، حتى جاء جيل الستينيات، ليعيد تقييم هذه التجربة موضوعيًا، باعتبارها تجربة فريدة، مثّلت نقطة

  1. جمال الدين سعيد، التطور الاقتصادي في مصر (الإسكندرية: مطابع رمسيس، 1954)، ص 50.
  2. المرجع نفسه، ص 50 - 51.
  3. المرجع نفسه، ص 55 - 56.
  4. سعيد، اقتصاديات مصر، ص 14.

تحول مهمة في تاريخ المجتمع المصري، وأن إخفاقها ارتبط بما حاكه لها أصحاب النفوذ في العالم الذين لم يكن يروق لهم أن تتحول مصر إلى قوة إقليمية، ترث دور دولة الخلاافة العثمانية ومكانتها في المنطقةِ.

ثالثًا: المدرسة المصرية وفلسفة التجربة لااقتصادية

حينما شرع محمد علي باشا في القيام بعملية تنمية اقتصادية شاملة احتاجت إلى تدبير موارد مالية ضخمة، ولا سيما بعد إقامته صناعات حديثة مكلفة ارتبطت في معظمها بالجيش، كان الوضع الاقتصادي في مصر هشًا، لانعدام رأسمالية وطنية يتوافر لديها الوعي والإدراك للمساهمة في التنمية التي تساهم في تحقيق الاستقلاال الاقتصادي الذي ارتآه، في ظل شيوع أساليب الإنتاج التقليدية في الزراعة والصناعة والتجارة وتمسُّك المصريين بها، وصعوبة إقبالهم على تغيير أوضاعهم بمفردهم، وتحويلهم عما درجوا عليه، على وجه السرعة، في الوقت الذي كان يسعى فيه أصحاب رأس المال الأجنبي لانتهاز الفرص للسيطرة على المرافق الاقتصادية في بلدان الشرق الأدنى، وخوف محمد علي من سيطرة رأس المال الأجنبي على مشروعاته33(. وقد رأى المعنيون بدراسة تجربته الاقتصادية أن دولته تحمّلت مسؤولية التخطيط للتنمية، والسيطرة على الفائض الاقتصادي لتدبير الموارد المالية اللاازمة لها، بانتهاج أساليب الاشتراكية الحكومية34(التي صادفت هوى في نفس محمد علي باشا، بعد أن زيّنها له خبراؤه الفرنسيون ممن اعتنقوا مذهب الفردية أو مذهب الاشتراكية على حد سواء35. وفلسفة أو مبدأ الاشتراكية الحكومية التي انتهجها محمد علي لبناء اقتصاد مصري حديث، فرضت على الدولة القيام بالتخطيط للااقتصاد وتوجيهه، على نحو يساعدها في حصد الفائض الاقتصادي، وإعادة استثماره في مشروعات اقتصادية وخدمية، وهو المبدأ الذي أطلق عليه البعض رأسمالية الدولة، وهو ذاته المبدأ الذي يتقاطع مع الفلسفة التجارية أو الماركنتيلية التي سادت في عصر البرجوازية، أو الرأسمالية التجارية في أوروبا؛ فذهب علي الجريتلي، في كتابه تاريخ الصناعة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى "أن رسائل وأحاديث محمد علي تعد ضربًا من التفكير الاقتصادي الذي يشبه في الكثير آراء أصحاب مذهب التجاريين Mercantilism التي انتشرت في أوروبا خلاال الثلااثة قرون السابقة لعصره، حيث اهتم محمد علي بالحصول على المعادن النفيسة، من خلاال تشجيع الإنتاج المحلي والإصدار، والعمل على الحد من الاستيراد"36(. وقد ساعدت هذه الفلسفة التي اتبعها محمد علي في تحويل مصر من الاقتصاد البدائي المغلق إلى الاقتصاد المنفتح على العالم الخارجي37. كذلك، رأى السيد رجب حراز أن محمد علي أخذ سياسة التجاريين مذهبًا اقتصاديًا لمشروعه، وحذا حذو الحكومات المستبدة المستنيرة في أوروبا، إذ في الوقت الذي كان يسعى فيه لتركيز السلطة في يده منذ وصوله إلى سدّة الحكم، اتجه إلى العمل على ترقية شؤون البلااد، من خلاال برنامج للإصلااح واسع النطاق، احتاج نفقات طائلة لتنفيذه، الأمر الذي دفع حكومته المركزية إلى الاهتمام منذ بداية سنوات حكمه بتنمية موارد البلااد، وتحقيق "الاكتفاء الذاتي" الشديد الارتباط بالنظام التجاري System Mercantile The الذي ظلت الحكومات المستبدة المستنيرة في أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر تعتمد عليه في إنعاش نشاطها الاقتصادي واستثمار مواردها الداخلية وإنماء علااقتها التجارية مع غيرها من البلدان المجاورة، وهو نظام يقوم على إدارة الدولة للااقتصاد على نحو

  1. لهيطة، ص 102 - 104.
  2. المرجع نفسه، ص 99، 104.
  3. المرجع نفسه، ص 99، 104 - 105؛ سعيد: اقتصاديات مصر، ص 14؛ سعيد، التطور الاقتصادي، ص 91.
  4. الجريتلي، ص 51، 56.
  5. علي الجريتلي، تطور النظام المصرفي في مصر، بحوث العيد الخمسيني 1909 - 1959 (القاهرة: الجمعية المصرية للااقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، 1960)، ص 199.

يجعل الميزان التجاري في مصلحتها، من خلاال تشجيع الصادرات بكل الوسائل، والحد من الاستيراد بطرق شتّى، ولذا اقترن تطبيق هذه السياسة بإقامة الحواجز الجمركية العالية، وفرض المكوس وغير ذلك من الأمور التي يقتضيها العمل بمبدأ حماية التجارة38. ويرى حراز أن أخذ محمد علي باشا بفلسفة المذهب التجاري لم يكن غريبًا، بما أن مصر كانت بعيدة عن مذهب الانقلااب الصناعي الذي بدأ طريقه في أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر إلى الزوال مع حدوث الانقلااب الاقتصادي الذي اقتضى تدبير وسائل جديدة لسد حاجات الصناعة الحديثة الناشئة، وذيوع مبادئ آدم سميث التي أسست للحرية الاقتصادية وانتشارها39. وعلى جانب آخر، عرّف أمين مصطفى عفيفي، في كتابه تاريخ مصر الاقتصادي والماليي في العصر الحديث، عصر محمد علي باشا بعصر "الرأسمالية الاحتكارية أو التجاريين" أو عصر "نظام الاقتصاد المرسوم" الذي قامت فيه الدولة بالتخطيط الاقتصادي، فكانت تفكر في المشروعات وتدرسها، وترسم الخطط المنفذة لها، وتراقب خطوات التنفيذ لتجني الأرباح الصافية التي تعود بها هذه السياسة40. في حين أن حسين خلااف أفاض في الحديث عن آليات دولة محمد علي باشا لحصد الفائض الاقتصادي، التي تشبه آليات الدولة القومية في عصر الرأسمالية التجارية، وعرّف سياسة محمد علي بنظام الاحتكار أو "التحجير"41. ويتضح، من خلاال استعراض هذه الكتب، أن هناك شبه إجماع بين من درسوا وقوموا سياسة محمد علي باشا الاقتصادية على أن اهتمامه بتنفيذ مشروعه السياسي وحاجته إلى موارد مالية من الداخل دفعاه إلى الأخذ بفلسفة اقتصادية، كانت أغلب الدول القومية الأوروبية قد تجاوزتها. تلك الفلسفة التي وجدت هوى في نفسه، بعد أن زيّنها له أصفياؤه من الأجانب، أمثال بوكتي، قنصل السويد العام في مصر، ولاسكاريس، التاجر اليوناني، ودروفيني، القنصل الفرنسي42.

رابعًا: المدرسة المصرية وجدوى التجربة لااقتصادية

هناك تردد في تقييم تجربة محمد علي الاقتصادية، ولا سيما التجربة الصناعية منها، وما تركته من تأثير في المجتمع يوازي ما تحمّله في سبيلها، وهذا التردد كان بين نظرة إيجابية للتجربة، وأخرى سلبية لها، وقد أكدت النظرة الإيجابية أنها كانت بمنزلة انقلااب في الإنتاج القومي (الزراعي، والصناعي، والتجاري) بتوجيه حكومي - مركزي قضى بتحويل الشعب إلى خلية نحل لا يكفّ عضوٌ فيها عن العمل43، حتى لو كان في منظومة فقد فيها الشعب ذاتيته، وقاسى الحرمان والفاقة ولبس ثوب البؤس44. وقد أشاد أصحاب هذه النظرة بما حققته دولة محمد علي من انقلااب في الإنتاج القومي، على المستوى العسكري، والعلمي، والثقافي، والإداري، بإمكانات مصرية، مع الاستبعاد المتعمد لرأس المال الأجنبي، بعد أن رفض محمد علي اللجوء إلى الاقتراض من الداخل أو الخارج، لتجنيب البلااد مغبّة الاستدانة والتبعية45.

  1. السيد رجب حراز، المدخل إلى تاريخ مصر الحديث 1517 - 82 18 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1970)، ص 210.
  2. المرجع نفسه، ص 210 - 211.
  3. أمين مصطفى عفيفي، تاريخ مصر الاقتصادي والمالي في العصر الحديث، ط 2 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1954)، ص 38، 43، 45.
  4. حسين خلااف، التجديد في الاقتصاد المصري الحديث (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1962)، ص 180.
  5. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 39.
  6. عفيفي، ص 45.
  7. المرجع نفسه، ص 48.
  8. المرجع نفسه، ص 335.

وقد اعتبر هؤلاء أن هذه التجربة وضعت أسس النهضة الحديثة في مصر، بعد أن نجح محمد علي في تنفيذ برنامج للااستثمار متعدد الجوانب - في الزراعة، والصناعة، والنقل، والتجارة، والتعليم - رغم أنها لم تؤدِّ إلى رفع مستوى معيشة الغالبية العظمى من المصريين الذين ظلوا يعيشون دون خط الفقر46. وفي المقابل، هناك من ذهب إلى أن ما تبقّى من إصلااحات محمد علي باشا الاقتصادية أقل كثيرًا مما يصحّ أن تكون عليه، بسبب إخضاع سياسته الاقتصادية لأغراضه السياسية، التي تمثّلت في تثبيت أقدام أسرته في حكم مصر وتوسيع دائرة ممتلكاته؛ الأمر الذي جعل تلك الإصلااحات وسيلةً، لا غاية في حد ذاتها، وتتوقف تمامًا بعد معاهدة لندن عام 1840، من دون أن يحاول المحافظة عليها، أو حتى متابعتها. وحينما فشل حلمه في إقامة إمبراطوريته، تراجعت مشروعاته الاقتصادية التي كوّنها ورعاها47. ولهذا، يلاام محمد علي باشا على إخضاعه الإصلااحات الاقتصادية للأغراض السياسية التي لا تخضع لسلطانه، بقدر ما تتوقف على الظروف الدولية التي يصعب التنبؤ بها48(. في حين دافع البعض عن ربط محمد علي إصلااحاته الاقتصادية بمشروعه السياسي، بدعوى أن الإصلااحات الاقتصادية لا تكون مُجدية إلا إذا صاحبها الاستقرار السياسي الذي كان الدعامة لثبات الحكم في يده، والذي أدى إلى اشتباكه في حروب متعددة ساهمت في انحراف مشروعات الإصلااح عن المسار الذي كان يجب أن تسير فيه49. كانت الصناعة من أكثر القطاعات الاقتصادية التي أثير جدل كبير حول جدواها، ففي حين رأى البعض أن اهتمام محمد علي بتصنيع مصر كان هدفه إكساب الأمة حرفةً جديدة - إلى جانب حرفة الزراعة - تصبح زاوية من الزوايا المهمّة التي يشاد عليها البناء الاقتصادي القومي50، ولا سيما أنه حاول توطين بعض الصناعات التي اختار لها مجالات ومواقع مهمة، والتي استمد بعض أفكاره بشأنها من أصفيائه من القناصل والتجار الأوروبيين51. ومع هذا، فقد وُجّه إلى تلك التجربة نقد من المعنيين بتقييمها، حتى إن البعض رأى أن اتجاه محمد علي باشا لتصنيع مصر كان خطأ، لأن مصر لم يكن يتوافر لديها مقومات الصناعة، التي من بينها جودة طرق المواصلاات، ووفرة المخازن، وحصافة الإدارة، وتوافر القوى المحركة، وجودة الكفاية الفنية، لأن مستوى المعرفة الفنية فيها لم يصل إلى الأخذ بكل جديد، كما أن الأيدي العاملة فيها لم تكن من النوع الماهر، فضلً عن ندرة رأس المال، الأمر الذي أدى إلى معاناة معظم الصناعات، وارتفاع تكلفتها، وصعوبة منافستها المنتجات الأجنبية، وانهيارها في أواخر عصره52. لقد كانت مصر غير مهيّأة للتصنيع، واستقبال ثورة صناعية، بل كانت في حاجة إلى سياسة اقتصادية تُنافي تمامًا السياسة التي اتبعها محمد علي باشا؛ سياسة توجّه بمقتضاها مواردها وقوتها العاملة نحو الزراعة بدلً من الصناعة، ولا سيما بعد أن أدى الاتجاه نحو التصنيع إلى سحب الأيدي العاملة التي كانت الزراعة في أشد الحاجة إليها53(. ولعل هذا هو ما دفع البعض إلى القول إنّ فترة حكم محمد علي لم تكن سوى فترة شاذة وجّهت الموارد فيها توجيهًا غير سليم، وبددت الجهود، بعد أن انتهج سياسة اقتصادية منافية لروح

  1. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 40.
  2. سعيد، التطور الاقتصادي في مصر، ص 50.
  3. المرجع نفسه، ص 50.
  4. المرجع نفسه، ص 50 - 51.
  5. عفيفي، ص 171.
  6. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 39.
  7. سعيد، اقتصاديات مصر، ص 17، 20 - 21.
  8. المرجع نفسه، ص 52، 54.

العصر، حالت دون سير مصر في الاتجاه الطبيعي، في عصر ساده التخصص وحرية التجارة بين الدول، وأنه كان في إمكان مصر دخول عصر الحرية الاقتصادية والتخصص مباشرة، لأن مبدأ التخصص وظاهرة تقسيم العمل قاما مع قيام المجتمعات، بما فيها المجتمعات البدائية. وإذا كانت أوروبا لم تأخذ بمبدأ الحرية الاقتصادية إلا قبيل منتصف القرن التاسع عشر، فهذا لا يعني أنها لم تعرفه من قبل، فقد نادى به الفيزيوقراط في فرنسا منذ القرن السابع عشر، وأشاد به آدم سميث في كتابه ثروة الأممالذي كتبه في مطلع النصف الثاني من القرن الثامن عشر (1760 - 1764). وكان في الإمكان الأخذ به بصرف النظر عن تطبيقه في إنكلترا وألمانيا في منتصف القرن التاسع عشر، لأن مظاهر الإقطاع ظلّت قائمة في روسيا حتى بدء القرن العشرين، رغم انتهائها في أوروبا الغربية قبل ذلك بكثير54. وهناك من دافعوا عن تجربة محمد علي الاقتصادية – من أمثال راشد البراوي، ومحمد عليش - في مواجهة من هاجموها، وأكدوا أنه ينبغي لمن يهاجم سياسة محمد علي الاقتصادية أن يتذكر "روح العصر الذي عاش فيه ذلك الحاكم العظيم، وحالة مصر والشرق، لا أوروبا، في أوائل القرن التاسع عشر. ومن العسير دراسة مصر في أيام محمد علي باشا، في ضوء ما كان في بعض دول أوروبا، نحو إنجلترا وفرنسا، لأن هذه الدول تخلصت من جلّ مساوئ العصور الوسطى قبل مصر بزمن طويل، ودخلت عصر النهضة، وتأثرت بالثورة الفرنسية بطريق مباشر أو غير مباشر، وأخذت بأسباب التطور الصناعي الحديث، لذا جاء تفضيلها سياسة الحرية الاقتصادية متماشيًا مع ظروفها، ومع هذا، فإنجلترا لم تطبق مبادئ الحرية الاقتصادية بحذافيرها إلا في منتصف القرن التاسع عشر، أو قبل ذلك بسنوات قلاائل. واستمرت بعض نظم الإقطاع في ألمانيا حتى 1865. ولهذا ينبغي أن نعدل في حكمنا على تجربة محمد علي باشا وألا نتأثر كثيرًا بأقوال الساسة والرحالة والكتاب المعاصرين له من الأجانب؛ لأن معارضتهم لسياسته وأعماله جاءت لتعارضها مع مصلحة بلاادهم [...] أولً وقبل كل شيء"55. وفي الوقت الذي رأى فيه البعض أن سياسة محمد علي الاقتصادية التي أولت القطاع الصناعي أهمية كبرى، سياسةٌ خاطئة، ساهمت في تبديد موارد المجتمع المصري وإمكاناته، بعد توجيه معظمها نحو صناعات لم يكن المجتمع مهيّأ لها، كان هناك من حمّل تلك السياسة مغبّة تدمير طوائف الحرف، لسيطرة الدولة عليها، بتجميع أصحاب الصناعة الواحدة في مكان محدد بكل مدينة، لتسهيل مراقبتهم، والإشراف على إنتاجهم، وحظره من دون ترخيص، والتضييق عليها في الحصول على المواد الأولية، ومنع اتباعها طرقًا جديدة للإنتاج، خوفًا من ازدياد العرض في السوق، على نحو يؤثّر في سوق منتجات المصانع الأميرية، وبلغت الرقابة على طوائف الحرف إلى حد أن محمد علي كان يرسل عيونه على الناس في كل مكان للتحري عن الإنتاج البراني، وإنزال العقاب بمن تسوّل له نفسه الإنتاج خفية56. وقد حمّلت الإجراءات التي اتخذتها دولة محمد علي لتطبيق هذه السياسة خزانةَ الدولة أعباءً مالية ضخمة، لكثرة الموظفين الذين كان وجودهم ضروريًا لتطبيقها. ومع هذا، لم تؤدِّ إلى منع التهرب والإنتاج "البراني" بسبب ضعف الأداة القائمة على الرقابة، وانتشار الرشوة بين أفرادها57. غير أن طوائف الحرف عانت في ظل هذه السياسة، بعد أن ضنت الحكومة عليها بالإرشاد والتوجيه لاستخدام وسائل الإنتاج الحديثة، والتزويد بالائتمان الذي كانت تفتقر إليه، لرفع مستوى صناعاتها، الأمر الذي أدى إلى قتل روح الابتكار والتجديد وزيادة الإنتاج لديهم، ولا سيما بعد أن قلت أمامهم فرص الربح، مع اتجاه الحكومة إلى احتكار بيع إنتاج طوائف

  1. سعيد، التطور الاقتصادي، ص 52، 54 - 55.
  2. المرجع نفسه، ص 53 - 54.
  3. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 67؛ خلااف، ص 180.
  4. خلااف، ص 180؛ الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 73 - 77.

الحرف بالسعر الذي تحدده، وإرغام شيوخ القرى والبلدان على شراء حصة منه، وامتدَّ هذا الاحتكار إلى ما كان يُصنع في المنازل، وختمه بعلاامة الميري، ومصادرة غير المختوم منه ومعاقبة منتجيه، لمنع التهريب58. وهذا التضييق على الإنتاج الحرفي عزاه هؤلاء إلى أن محمد علي كان يرى في اضمحلاال طوائف الحرف توفيرًا للعمالة القادرة على العمل في المصانع الحكومية الكبيرة، وإفساح المجال لإنتاجها في السوق المصرية59. ومع هذه الانتقادات اللااذعة، هناك من برّأ سياسة محمد علي من أزمة طوائف الحرف في القرن التاسع عشر، حتى إنه ذهب إلى أن من الخطأ المغالاة في تقدير الضرر الذي لحق بالصناعات الصغيرة من جراء هذه السياسة، وإهمال عوامل أخرى كان لها عظيم الأثر في القضاء عليها، ولا سيما أن محمد علي لم يكن يسعى إلى هدم هذه الصناعات، بدليل أنه لما أدرك في أواخر حكمه عاقبة الإفراط في فرض الرقابة عليها، عدل عن سياسته تجاهها، واكتفت حكومته بفرض ضرائب معتدلة عليها60. وعلى الرغم من رفع الدولة قبضتها في أواخر عهد محمد علي عن طوائف الحرف، فإن ذلك لم يبعث الروح فيها من جديد، بعد أن دخلت مرحلةً من الركود الطويل، استحال معها التغلب على الصعوبات التي كانت تواجهها، نحو الحصول على المواد الأولية والتمويل ومنافسة الصناعات الأوروبية التي غزت السوق المصرية في ظل ترسيخ معاهدة لندن مبدأ حرية التجارة، وإقبال المستهلك المصري عليها بسبب رخص ثمنها ومتانتها، وموافقتها للعادات الاستهلااكية التي قلّد فيها الشرق الغرب61. وعلى الرغم مما أبداه البعض من انتقاد لتجربة محمد علي الاقتصادية، فإن تجربته كانت ناجحة بكل المقاييس، بصرف النظر عن النقد الذي وُجّه إليها، وكان في إمكان هذه التجربة أن تستمر وتنقل مصر من مرحلة الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد متعدد القطاعات، تؤدي الصناعة فيه دورًا محوريًا، وتتحول مصر في ظله إلى مركزٍ لسوقٍ عربية واسعة، لكنّ هناك ظروفًا موضوعية أثّرت في أدائها، ووقفت وراء قلة تأثيرها في المجتمع، منها ظروف داخلية تعلقت ببنية التجربة والأسس التي قامت عليها في الداخل، وظروف خارجية تمثلت بالظروف الدولية التي انطلقت في ظلها. ومما لا شك فيه أن تجربة محمد علي كانت في مجملها مشروعًا كبيرًا له أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا أحد ينكر أن طموحه تجاوز حدَّ إقامة دولة آمنة ومستقرة على تراب الولاية المصرية، يحكمها هو وأسرته من بعده، والسعي لتحويلها إلى مركز لإمبراطورية تستوعب أملااك الإمبراطورية العثمانية، بعد أن يحل نفوذ مصر محلها في المناطق التي كانت تخضع لها. ولما كان هذا المشروع في حاجة إلى دعم جماعات جديدة من أصحاب المصالح، تقرّر تخليق تلك الجماعات على حساب نفوذ أصحاب المصالح القدامى، الذين تقررت تصفيتهم بتصفية الأساس الاقتصادي لهم، ومن هنا جاء الارتباط بين مشروع محمد علي السياسي ومشروعه الاقتصادي، الذي قام على فلسفة الاشتراكية الحكومية، أو ما عرف بالفلسفة التجارية (الماركنتيلية) في ثوب مصري، وهي فلسفة تجاوزتها أوروبا منذ فترة، وكان يصعب استمرارها مع اتجاه سياسة محمد علي إلى دمج مصر مرحليًا في السوق الرأسمالية العالمية، من خلاال إدخال محاصيل نقدية، وبعض السلع السودانية في جدول صادراتها للسوق العالمية، وازدياد طلبها على سلع رأسمالية، أصبح استيرادها من تلك السوق ضروريًا.

  1. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 78.
  2. خلااف، ص 180 - 181. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 77، 79 - 80.
  3. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 79 - 80.
  4. خلااف، ص 186.

وأمّا عن الظروف الداخلية التي أحاطت بمشروع محمد علي وأثّرت فيه، فهي ظروف كل تجربة تحديث وصناعات ناشئة، ونقائصها هي من قبيل معوقات التحول، وعيوب الصناعة عند نشوئها، وهي التي تزول تدريجيًا إذا ما توافرت لها أسباب التحول والنمو والاستمرار62. وحينما قرر محمد علي تحويل الزراعة المصرية من زراعة تقليدية إلى زراعة رأسمالية، أقدم على تحديث أساليب الزراعة والري، وإقامة الجسور والقنوات، وإنشاء المدارس، ومراكز البحوث الزراعية، وتغيير حيازة الأراضي الزراعية، على نحو يساعد على ضرب الأساس الاقتصادي لجماعات أصحاب المصالح القديمة، واستحداث جماعات مصالح تؤمن بنظامه وتستجيب لاحتياجاته، في الوقت الذي اهتم فيه بتنشيط التجارة، لجعلها قادرة على الاستجابة لاحتياجات دولته، بما في ذلك تمكينه من حصد الفائض الاقتصادي، فاهتم بتطوير شبكة الطرق والموانئ، وتوقيع اتفاقيات مع شركات التجارة والملااحة العالمية من أجل التردد على الموانئ المصرية بانتظام، واتخاذ مصر معبرًا للتجارة العالمية، كما اهتم بتخليق قطاع صناعي قادر على الاستجابة لاحتياجات المجتمع، ومؤسسته العسكرية، فنشأت صناعات بقرارات حكومية، من دون أن تتوافر كل مقومات قيامها في مصر، من المواد الأولية، والوقود، والآلات، وقطع الغيار، والعمالة المدربة، واستخدام السخرة في تشغيلها، وانخفاض مستوى الكفاية الفنية عند كثير من المشتغلين بالصناعة، وعدم رغبة الفنيين الأوروبيين في تدريبهم، خشية أن يحلّوا محلهم، واتباع الوسائل البيروقراطية في إدارة المصانع، بعد أن انفرد محمد علي - الذي لم يكن رجل صناعة - بقرار إنشائها، وتعيين مديريها، والإشراف على سير العمل فيها، مستعينًا في ذلك برأي مستشاريه الأجانب، الذين لم يكونوا دائمًا من المخلصين أو من ذوي الكفاءة العالية، في الوقت الذي لم يكن متفرغًا للصناعة، لانشغاله بغيرها من أمور الدولة. ولا شك في أن تركيز شؤون الصناعة في شخصه على هذا النحو، واعتمادها على الخارج في توفير مستلزماتها ومعظم مدخلااتها، أديا إلى معاناتها وتراجعها عند تعرّضها لأول أزمة استهدفت تجفيف أسواق منتجاتها في مصر وجاراتها العربية63. وفي حين كان نجاح تجربة محمد علي لتصنيع مصر، والسعي لتحويلها إلى مركز لسوق عربية واسعة يسير على قدم وساق، كانت الرأسمالية العالمية التي تقودها دول أوروبا الغربية تسعى بهمّة للهيمنة على أسواق المنطقة، لذا جاء عملها من أجل الإيقاع بتلك التجربة منذ أن بدأت خطواتها، والعمل على وأدها، بعد أن أدركت خطورة استمرارها على مصالحها في المنطقة، بما فيها أسواق الإمبراطورية العثمانية، فتحركت لمحاصرة المشروع وإجهاضه، منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، من خلاال الدولة العثمانية. ولما فشلت محاولاتهم، قرروا استخدام القوة لوأد تجربته ومشروعه برمّته في المنطقة. لقد أزعج الرأسماليةَ العالمية، بما فيها البريطانية، مناهضةُ محمد علي لتجارتها وسياستها في بلااد الشام من جهة، وخطورة اتساع دولته في المنطقة من جهة أخرى، في وقت اهتمت فيه بريطانيا بالعمل على تأمين حرية التجارة في الإمبراطورية العثمانية، وضمان أسواق منتجاتها الصناعية بها، وإزالة أيّ تمييز في المعاملة لرعاياها داخلها64. وفي حين كانت الدول الكبرى، ولا سيما بريطانيا، تسعى لحماية مصالحها في الأسواق العثمانية، وتتطلع إلى الهيمنة على الأسواق العربية، تطلعت الدولة العثمانية إلى تصفية مشروع محمد علي في المنطقة، بالعمل على ضرب الأساس الاقتصادي الذي يُعدُّ مصدر قوته. لهذا، التقت مع إنكلترا والدول الغربية على تصفية مشروعه، وتوجهت إلى منح الدول العظمي امتيازات جمركية وإعفاءات في

  1. المرجع نفسه.
  2. لمزيد من التفاصيل، ينظر: المرجع نفسه، ص 185.
  3. الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 49.

أراضيها؛ بقصد إحراجه وإيقاع الشقاق بينه وبينها، ووضع العراقيل في سبيل دعم الاقتصاد المصري، وكذلك تأليب بريطانيا ومن ورائها الدول الغربية عليه، في وقت كانت الدول الأوروبية تدعو إلى تدويل مشكلته والسلطان العثماني65. جرى كل هذا في الوقت الذي استغلت فيه الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، تبعية مصر للدولة العثمانية وإمكانية خضوعها، كغيرها من الولايات العثمانية، لما ترتبط به دولة السلطنة من معاهدات تجارية مع الدول الأوروبية. وراح قناصلها يمارسون ضغوطهم عليها لاتخاذ إجراءات من شأنها حرمان الصناعة المصرية من أدنى درجات الحماية الجمركية التي تحتاج إليها أيّ صناعة ناشئة، بإلزام محمد علي بعدم الخروج على المعاهدات التي وقّعتها مع الدول الأوروبية بشأن حرية التجارة، حتى تحرم الصناعة المصرية من الحماية في سوقها، وتحُول بينها وبين امتلااك القدرة على منافسة المنتجات الأوروبية التي كانت قد اجتازت مرحلة التجريب في السوق العثمانية. وبدأت محاولات الالتفاف حول مشروع محمد علي من جانب الدولة العثمانية، بدعم بريطاني، منذ عشرينيات القرن التاسع عشر، حتى إنها أصدرت في عام 1820 فرمانًا سمح للتجار الأجانب بحرّية إدخال منتجاتهم إلى كل أملااك الدولة العثمانية، بما فيها مصر، وبيعها في مقابل رسوم على الواردات بلغت 3 في المئة66. وفي عام 1834، صدر فرمان ألغى الاحتكار الحكومي في بلااد الشام - التي كانت تخضع لمحمد علي حينئذ - في الوقت الذي كانت تسعى فيه بريطانيا، لدى الدولة العثمانية، لتوقيع اتفاقية تقيّد يد الدولة المصرية في توجيه اقتصادها وإدارته، وانتهت هذه المساعي في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1838 إلى توقيع اتفاقية بلطة ليمان التجارية التي أعطت لرعاياها حرية التجارة في كل أنحاء الإمبراطورية العثمانية، بما فيها مصر من دون قيد أو شرط، وتمتّعهم بامتياز الدولة الأولى بالرعايةَ، وإلغاء الحظر المفروض على تصدير بعض السلع بمقتضى نظام الاحتكار الحكومي، شريطة الالتزام بدفع رسوم جمركية قيمية حددتها الاتفاقية للصادرات بنسبة 12 في المئة، و 5 في المئة للواردات67. وعلى الرغم من المحاولات العثمانية المدعومة من بريطانيا على مدار عقدين من الزمان لمحاصرة مشروع محمد علي الاقتصادي، وخاصة الصناعي، التي كان يدرك خطورتها، فإنها لم تفلح في ثني الدولة المصرية عن المضي قُدمًا في إنجاز مشروعها، بالالتفاف على هذه المحاولاتوالعمل بكل الوسائل لتفاديها، وحماية السوق المصرية، حتى إن محمد علي تحمّل دفع مبالغ طائلة للسلطان العثماني، نظير التزام جمارك مصر الخارجية - على البحرين المتوسط والأحمر - والداخلية، لحماية السوق المصرية، في الوقت الذي تملّص فيه من تنفيذالاتفاقيات الجمركية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية. وتحايل محمد علي على الفرمانات العثمانية، وعدم تنفيذها، لما فيها من حيف بالتجارة المصرية، واهتمامه بخفض الرسوم الجمركية على صادرات المحاصيل المصرية، إغراءً للمصدِّرين، ولتوفير الحماية للسوق المصرية من خلاال السيطرة على أكثر من 90 في المئة من الصادرات، وأكثر من 40 في المئة من الواردات، ومضاعفة الرسوم الجمركية على الواردات الأجنبية، وفتح أسواق خارجية للمنتجات المصرية، وإعفائها من الرسوم الجمركية. وأمام إصرار محمد علي باشا على الاستمرار في سياسته الاقتصادية، ورفضه العمل بمعاهدة بلطة ليمان، شكّلت بريطانيا تحالفًا دوليًا - ضم بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا - للضغط عليه، حتى يقبل بتنفيذ هذه المعاهدة، وانتهى الأمر بصدام

  1. المرجع نفسه، ص 48 - 49.
  2. لهيطة، ص 136 - 137.
  3. أحمد أحمد الحتة، تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر (الإسكندرية: مطبعة المصري، 1967)، ص 137، 285؛ راشد البراوي ومحمد حمزة عليش، التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث، ط 3 (القاهرة: دار النهضة العربية، 1948)، ص 82؛ الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 49.
  4. عفيفي، ص 239 - 240.
  5. المرجع نفسه، ص 250 - 251.

بين محمد علي وهذا التحالف الذي نجح في النهاية في فرض معاهدة لندن عليه في عام 1840، التي أكدت تفعيل بنود معاهدة بلطة ليمان، التي فرضتها بريطانيا علي الباب العالي في عام 1838. بيد أن محمد علي لم يُذعن لهذه المعاهدة التي فُرضت عليه تحت تهديد السلااح ومحاصرة السواحل المصرية، إلا تدريجيًا، لخطورة إلغاء نظام اعتادته البلااد مدةً طويلة دفعةً واحدة، فتخلّ في 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 1841، تحت إلحاح بريطانيا، عن سيطرة الدولة على المنتجات الصناعية، والمحاصيل الزراعية، ما عدا القطن الذي أعلن في أيار/ مايو 1842 عن تحرير تجارته مع بداية المحصول الجديد، واستمر محمد علي في رفض تنفيذ الاتفاقيات الجمركية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية، إلا بعد تحديد التعريفات الجمركية في عام 1847 على أيّ حال، لم يُجد التدرج في تطبيق اتفاقية لندن في حماية مشروع محمد علي من الانهيار، بعد أن تقرّر تحديد أملااكه، ومن ثمّ أسواقه، وتصفية مؤسسته العسكرية التي ارتبطت معظم الصناعات بها، وتراجعت الدولة عن الاستمرار في إدارة الاقتصاد وتوجيهه، في وقت لم يكن فيه بديلٌ محليٌ يحل محلها في القيام بالمهمة، الأمر الذي أدى إلى أن يحل محلها رأس المال الأجنبي، الذي عمل على إعادة هيكلة مفاصل الاقتصاد المصري، وإبعاده عن الصناعة، وتحويله إلى اقتصاد تابع يعتمد أساسًا على قطاع الزراعة، الذي تخصص في إنتاج واحدة من أهم المواد الأولية التي تحتاج إليها الصناعة الأوروبية (القطن) في عصر عُرف بعصر حرية التجارة الذي استمر حتى عام 1931.

  1. المرجع نفسه، 239 - 240؛ الجريتلي، تاريخ الصناعة في مصر، ص 50 - 51.

المراجع

العربية

البراوي، راشد ومحمد حمزة عليش. التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث. ط 3. القاهرة: دار النهضة العربية، 1948.

الجريتلي، علي. تاريخ الصناعة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر. القاهرة: دار المعارف، 1952.

.________ تطور النظام المصرفي في مصر. بحوث العيد الخمسيني 1909 - 1959. القاهرة: الجمعية المصرية للااقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، 1960.

الحتة، أحمد أحمد. تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر. الإسكندرية: مطبعة المصري، 1967.

حراز، السيد رجب. المدخل إلى تاريخ مصر الحديث 1517 - 82 18. القاهرة: دار النهضة العربية، 1970.

حامد، رؤوف عباس. النظام الاجتماعي في مصر في ظل الملكيات الزراعية الكبيرة (1837 - 1914). القاهرة: دار الفكر الحديث للطباعة والنشر، 1973.

خلااف، حسين. التجديد في الاقتصاد المصري الحديث. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1962.

ريفلين، هيلين آن. الاقتصاد والإدارة في مصر في مستهل القرن التاسع عشر. ترجمة أحمد عبد الرحيم مصطفى ومصطفى الحسيني. القاهرة: دار المعارف، 1968.

سعيد، جمال الدين. اقتصاديات مصر. القاهرة: لجنة البيان العربي، 1950.

.________ التطور الاقتصادي في مصر. الإسكندرية: مطابع رمسيس، 1954.

عبد الملك، حلمي. "السياسة الصناعية في عهد محمد علي." مجلة غرفة القاهرة. العدد 8 (تشرين الأول/ أكتوبر 1941.)

عفيفي، أمين مصطفى. تاريخ مصر الاقتصادي والماليي في العصر الحديث. ط 2. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1954.

لهيطة، محمد فهمي. تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1944.

مصطفى، أحمد عبد الرحيم. "شفيق غربال مؤرخًا." المجلة التاريخية المصرية. مج 11، العدد 11 (1963.)

الأجنبية

Crouchley, A. E. The Economic Development of Modern Egypt. London: Longmans, Green and Co., 1936.

Issawi, Charles. "Egypt since 1800: A Study in Lop - sided Development." Journal of Economic History. vol. 21 ,

no. 1 (March 1961).