مراجعة كتاب تفكّر التاريخ، تفكّر الدين
Review of Penser l'histoire, penser la religion
الملخّص
المؤلف: هشام جعيط. عنوان الكتاب: تفكّر التاريخ، تفكّر الدين.
سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 174.
Abstract
Title : Penser l’histoire, penser la religion. Author : Hichem Djaït. Publisher : Tunis: Cérès éditions. Year of publication : 2021. Pages : 174.
- هشام جعيط
- التأريخ
- الدين
- الكتابة التاريخية
- Histography
- Hichem Djaït
- Religion
. Penser l ' histoire , penser la religion العنوان الأصلي: الناشر: éditions Cérès: Tunis.
تفكّر التاريخ، تفكّر الدين، هو آخر ما كتبه الفقيد المؤرّخ والمفكّر التونسيّ الدكتور هشام جعيط، الذي وافته المنية في 1 حزيران/ يونيو 2021؛ أي بعد ما يقارب ثلاثة أشهر من نشر كتابه هذا. لا يُمثّل هذا الكتاب بحثًا أكاديميًّا بالمعنى التقليديّ للكلمة، لأنّه لا يحتوي على هوامش اعتمدها المؤلِّف أساسًا لبناء أفكاره، أو لنقدها، أو لدحضها؛ مثلما تعوّد ذلك الباحثون في العلوم الإنسانية. ولم تَرد في الكتاب أيضًِا قائمة ببليوغرافية لاستعراض كمٍّ هائل من المصادر والمراجع من شأنها أن تبهر القارئ. ومع ذلك، فإنّ ما ورد في الكتاب من أفكار ومن أسماء مؤلّفين قدامى ومحدثين يدلّ، بكلّ وضوح، على اطلّاع واسع وقراءات عديدة ومتنوّعة استغرقت سنوات طويلة من حياة جعيط. اشتمل هذا الكتاب على تصدير مقتضب، ولكنّه مكثّف؛ لأنّه استعرض فيه المحتوى الذي سيتناوله والأسباب التي دعته إلى ذلك، مواصلًالخطّ الذي رسمه وعمّقه مفكّرون سبقوه (ص 9 - 11). الباب الأوّل في هذا الكتاب هو "مشكلتان في التاريخ". وتتعلّق أولى المشكلتين بالهجرات و"الفتوحات" (ص 15 - 37)، في حين تتعلّق الثانية ب "الغرب" و"الشرق" اللذين ظلّ، رغم كلّ شييء، مفهوميَن ضبابيَيّن (ص 39 - 48). أمّا الباب الثاني "تفكّر الدين"، وهو الأهمّ، فقد اهتمّ فيه المؤلف بالبحث في الدين والتديّن (ص 53 - 152). وانتهى الكتاب بمُلحق جرى فيه التعرّض لأهمية الديانات التوحيدية وحدودها (ص 155 - 172). أكّد المؤلّف في تصدير هذا الكتاب أنّه يحاول استكشاف بعض أسس العالم التاريخيّ، وخاصّة قواه المحرّكة التي كوّنت هذا العالم، المتمثّلة في الهجرات والدين. وأفصح عن أنّه لن يتناول القوى المحرّكة الأخرى مثل الدولة والاقتصاد وتكوّن المجتمعات وكذلك الفنّ. ثمّ أعلن أنّ الكثير من الفلاسفة والمؤرّخين تعمّقوا في دراسة هاتين القوّتين المحرّكتين؛ ابتداءً من عبد الرحمن بن خلدون، وصولً إلى فرنان بروديل (1902 - 1985) Braudel Fernand، وكلود ليفي شتراوس (1908 - 2009) Strauss - Lévi Claude، أو حنّا أرندت (1906 - 1975) Arendt Hannah، مرورًا بهيغل وآخرين (ص. 9). ويبدو أنّ اهتمام المؤلّف بالقوى المحرّكة للعالم التي سيتناولها بالدرس تأتّت من كونه مؤرّخًا مهتمًّا بالفلسفة - وخاصّة منها ما كان ذا علاقة بالتاريخ - ومن انتمائه أيضًا إلى الثقافتين الإسلامية والغربية بالدرجة نفسها التي تُمكِّن من التنقّل بينهما والأخذ من هذه ومن تلك. وهو يعتقد أنّ هاتين الثقافتين تعبّان عن عالم واحد مختلف عن عالم أقصى آسيا طوال تاريخ مترابط جدًّا. غير أنّ الاختلاف بين العالمين لم يمنع الكاتب من الاهتمام بالصين والهند بالنظر إلى إيمانه بفكرةٍ مفادها أنّ البشرية واحدة (ص. 10). يقدّم المؤلّف في تصدير كتابه هذا، باقتضاب شديد، المواضيع التي سيدرسها، وهي متمثّلة بدايةً في الهجرات والغزوات أو "الفتوحات" التي تُعدّ، بحسب رأيه، النبض الأساسيّ في الدينامية التاريخية، فضلً عن محاولته البحث في مفهومين مهميّن - لكنّهما بقيا ضبابييّن - ومتعلّقين بالغرب والشرق. أمّا الموضوع الثاني في هذا الكتاب فقد خصّصه المؤلّف لمسألة الدين والتديّن اللذين يحتلّن مكانة مركزية فيه. وقد تناول، بصفة خاصّة، جذور المسيحية وتطوّرها، اعتمادًا على دراسات مؤرّخي النصف الأوّل من القرن العشرين، ثمّ تناول تطوّر الإسلام في التاريخ، وفي فكر علماء الدين والفلاسفة أيضًا (ص. 10). ويُنهي المؤلّف تصديره لكتابه بالإشارة إلى أنّه درس العلاقات بين الفكر الفلسفي والدين في العصر الحديث، في الغرب خاصّة؛ حيث ظهرت العملية المهمّة جدًّا في نقد الدين وعلاقته بالحداثة للوصول إلى ظاهرة فريدة في التاريخ تتمثّل في "الخروج من الدين" في جزء كبير من العالم (ص. 11). بدأ المؤلّف الباب الأوّل من كتابه بقضية الهجرات و"الفتوحات" أو الغزوات، فخاض في مرحلة أولى في الهجرات الأولى، مشيرًا إلى مختلف المناطق التي ظهر فيها النوع البشريّ بمختلف مراحله (أفريقيا الشرقية والجنوبية، والفيّوم، والمغرب، والصين)، وفي مراحل تاريخية قديمة جدًّا ومختلفة تراوح بين خمسين ألفًا ومليونًا من السنين. والمشكلة في هؤلاء أنّهم شعروا، منذ العصور العتيقة، بحاجتهم
إلى الخروج من المهد الأصليّ سيرًا على الأقدام في تدفّقاتٍ لا نهاية لها داخل أرض خالية تعيش فيها الحيوانات أساسًا، وهم في ذلك يتّبعونها على ما يبدو في هجراتهم. انتقل هؤلاء البشر إلى المناطق الأقرب إلى أفريقيا في البداية من "الشرق الأدنى"، ثمّ الشرق الأوسط في إيران الشمالية وآسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرين العليا حيث تأسّست الحضارة النيوليتية بعد نهاية الجليد، وقد استطاع هذا النّوع البشري أن يتطوّر خلال هجراته التي امتدّت على مساحات شاسعة، ليصبح الإنسان الذي نحن عليه حاليًّا Sapiens. وساهمت هذه التنقلّات المتواصلة، مهما كانت أسبابها، في تعمير الأرض؛ فتنوّعت الشعوب، وهو الأمر الذي أسّس ببساطةٍ التاريخَ بوصفه حركة متواصلة ودينامية يختلط فيها العقلانيّ باللاعقلانيّ (ص 15 - 16). لم يكن لهذه الهجرات العتيقة سوى تأثير ضعيف، بما فيها تلك الهجرات التي اتجهت نحو الأنهار في سومر ومصر. لذلك، سينصبّ اهتمام المؤلّف على هجرات أخرى متأخّرة أكثر من تلك الهجرات التي أدّت دورًا تاريخيًّا محوريًّا، وخاصّة الهجرات الساميّة والهندو-أوروبية؛ لأنّ تأثيراتها وإنجازاتها ما زالت حاضرة، وهي التي أعاد المؤرّخون تركيبها عن طريق اللغة والأديان. كان الساميّون سبّاقين إلى الاستقرار في العالم القديم المتمثّل في "الشرق الأوسط". وما يثير الانتباه، أوّلَ وهلة، هو تقارب اللغات التي ظلّ بعضها موجودًا إلى أيّامنا هذه، مثل العبرية والعربية. وفي الماضي البعيد، يتراءى التشابه المذهل بين الآرامية والفينيقية والكنعانية، وبقدر أقلّ بين كلّ هذه اللغات والأكادية والآشورية. وقد فرّق المتخصّصون بين الغرب الساميّ، والشرق الساميّ الذي يمتدّ إلى ما بعد الفرات، غير أنّ الأمر الجوهريّ في هذا السياق يبقى هو الساميّة. فما هو الأصل المشترك بين الهندو-أوروبيّ الذي حظي بدراسات كثيرة أمكنها تقديم فرضيّات مقبولة إلى حدّ ما من جهة، والساميّة التي لا نكاد نعرف شيئًا عن المهد المشترك للغاتها من جهة أخرى؟ (ص. 17). للإجابة عن الأصل المشترك للساميّة، فكّر البعض، مثل هوغو وينكلر (1863 - 1913) Winckler Hugo، في شبه الجزيرة العربية، غير أنّ الجغرافيا والمناخ يستبعدان مثل هذا التوجّه؛ لأنّ تجفيف مجال هذه المنطقة لا يُمكن أن يحدُث قبل الأزمنة التاريخية أو ما قبل التاريخية، في حين أنّ تكوّن الساميّة المشتركة داخل جماعة واحدة لم يظهر إلّ في العصر النيوليتي، لأنّ الأكادييّن كانوا في بلاد الرافدين منذ الألفية الثالثة، أمّا الأموريّون فقد عاشوا في سوريا من زمن مبكّر جدًّا. ولعلّ هذا ما جعل بعض العلماء يذهبون إلى أنّ النواة الأصلية للساميّة قد توجد في مكان ما من المجال السوري. ويبدو هذا التوجّه أكثر وجاهة من فرضية وينكلر، ولكن ما هي سوريا المقصودة في هذا السياق؟ يرى المؤلّف أنّ المقصود من هذا هو سوريا الداخلية وامتداداتها نحو الجنوب وهو ما يحيل على شمال شبه الجزيرة العربية، الذي يمثّل مج لً سباسبيًّا وشبه صحراوي. ومع ذلك، مكّن من تجميع قوم للعيش فيه بصعوبة. وقد يكون هؤلاء هم الذين أطلق عليهم "البابليّون الجدد" فيما بعد اسم " a - ba - ra - a "، والذين يُعدّون بدوًا رحّلً وشبه رحّل، ومستقرّين أيضًا، علمًا أنّ هذه التّسمية أطلقت في الأزمنة التاريخية على أقوام غرب الفرات. وقد عرفت سوريا المتوسّطية وبلاد الرافدين العليا الحضارة النيوليتية، وكان الاستقرار فيها أكثر راحة. وتعلّم مختلف هؤلاء الأقوام الزراعة والحياة الحضرية؛ فتميّزوا مقارنةً ببني أعمامهم، وحافظوا على لغتهم التي تغيّت، نوعًا ما، مقارنةً باللغة الأمّ؛ وهكذا برزت الاختلافات بين الغرب الساميّ والشرق الساميّ (ص 17 - 19). شملت كبرى الهجرات القديمة أيضًا الهندو -أوروبييّن خلال الألف الثانية قبل الميلاد، ولذلك تُعتبر هذه الحضارة متأخّرة مقارنةً بنشأة الحضارات الأولى في الشرق الأوسط والصين. واتّبعت هذه الهجرات المعروفة أكثر، بسبب الاهتمام الكبير الذي أولاها إيّاه الدارسون، المسارَ الذي اتّبعته الهجرات الساميّة. لقد مثّل السهل الروسيّ الواقع شمال القوقاز مهد الهندو-أوروبييّن، وهو مختلف كليًّا عن سباسب آسيا الوسطى. وما يثير الانتباه هو حدوث هذه الهجرات على مسافات طويلة جدًّا وعلى فترات مختلفة امتدّت طوال الألفية الثانية قبل الميلاد. وقد شملت موجاتُ الهجرات الأولى الحثّييّن Hittites Les الذين استقرّوا في الشرق الأوسط والأناضول، وأسّسوا إمبراطورية تأثّرت كثيرًا بالمستوى المتحضّ لبلاد ما بين النهرين. ويتمثّل الفرعان المهمّان من بين الذين انتقلوا من الهندو-أوروبييّن نحو
الجنوب في الإيرانييّن، والذين هاجروا إلى سهل الهندوس من ناحية، والذين انتقلوا نحو أوروبا المتوسّطية والشمالية من ناحية أخرى. ويرجَّح أنّ كلّ الشعوب الذين هاجروا من السهل الروسيّ، الواقع في شمال القوقاز، وجدوا شعوبًا أقدم استقرارًا، فامتزجوا معها عندما كان عددها قليلً، وحاربوها ليحلّوا محلّها عندما كثر عددها مثلما حدث في الهند (ص 19 - 20). كانت الهجرات الأولى مؤسّسة للتاريخ. وباستثناء حالة الهند، كانت كلّ هذه الهجرات سلميّة ومشكّلة للإنسانية. أمّا الهجرات التالية التي يوجد من بينها ما كان مؤسّسًا لإمبراطوريات وحضارات، فجرى أغلبها في شكل غزوات أو هجرات مسلّحة بعد نشأة الدول. وقد قامت حضارات هذه الإمبراطوريّات على مجموعات كبيرة من شعوب غير متجانسة، خاضعة لشعب مهيمن، مثل الإمبراطوريّات الفارسية والرومانية والصينية، وهي التي أسّست المدن، وشجّعت على الاستقرار في الأرياف وأنتجت الثروات، فأثار كلّ هذا أطماع الشعوب المحاربة الموجودة على هامش هذه الإمبراطوريّات، سواء كانوا من الرحّل أو المستقرّين، بسبب ضنك عيشهم، وسعيهم إلى التمتّع بالرخاء الذي عمّ فيها، فأصبحوا يمثّلون خطرًا دائمًا على الحضارات التي أُسّست خلال ألفَي سنة قبل الميلاد. ومن هذه الشعوب المحاربة، التي أطلق عليها المنتمون إلى هذه الحضارات تسمية "البرابرة"، برز على نحو متتالٍ الجرمان، والعرب، والأتراك، والمغول والتركمان. وقد انتظم كلّ هؤلاء في قبائل مستقلّ بعضها عن بعض أو في "كونفدراليات" قبليّة. وكان للغزو الجرمانيّ الذي حدث أثناء ضعف الإمبراطورية الرومانية الدور الرئيس في بروز الممالك، بعد أن تأقلم الغازون مع التقاليد الرومانية واعتنقوا المسيحية؛ فبرزت بعد مرور ألف سنة من هذا الغزو أوروبا التي تختلف عن الإمبراطورية الرومانية. أمّا العرب فلم يكونوا "برابرة" عند ظهور الدّعوة المحمّديّة لأنّهم كانوا في شبه جزيرتهم محاطين بالحضارات المستقرّة التي اخترقوها من كلّ الجهات، ولم يكن الرجل الذي غيّ مصيرهم قائدًا عسكريًّا ولا مؤسّس دولة مكتملة، بل كان نبيًّا صاحب رسالة تدعو إلى تحوّل دينيّ ذي علاقة باليهودية والمسيحية، فتمكّن بفضل ذلك من توحيد العرب بسررعة فائقة يمكن اعتبارها بمنزلة المعجزة. وحدثت، وفقًا للنسق نفسه، غزوات الأتراك الغربييّ والمغول الشرقييّن والمجرييّن والبلغار والنورمان وبربر الصحراء والجبال، طوال ألفيّة العصر الوسيط الذي سيؤدّي فيما بعد إلى ترسّخ بشريّ في الكرة الأرضية كلّها، ومن ثمّ سيجري التحوّل إلى أمم أو إمبراطوريّات عابرة أو دائمة (ص 23 - 25، 27). هكذا يرى المؤلّف أنّ التاريخ، في أسسه وديناميّته، هو عبارة عن بحث متواصل عن مجالات للإنسان، في حركية متواصلة للأجناس البشرية المختلفة؛ ولذلك فهو لا يرى أيّ منطق لتوقّفها في الزمن الحاليّ، حتّى إن استقرّت البشرية وحلّت الأمم محلّ الإمبراطوريّات (ص. 25). ويرى المؤلّف أنّ بروز مفهومَي الشرق والغرب الحالييّن، يُعدّ أمرًا حديثًا نسبيًّا، لأنّهما يعودان إلى تقسيم الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين، ثمّ إنّ هذا الأمر يعود، قبل ذلك، إلى الحروب الميديّة التي جرت خلالها المواجهة بين آسيا وأوروبا، بحسب هيرودوت. ويعتبر المؤلّف أنّ مفهوم "الشرق الأوسط"، مثل مفهوم "الشرق الأقصى"، أكثرُ جدّة من مفهومَي "الشرق" و"الغرب"؛ لأنّهما من صنع المركزية الأوروبية الحديثة والتوسّع الأوروبيّ. لقد كان "الشرق الأوسط" الواقع في الغرب الكونيّ الشاسع، والمتكوّن من مصر واليونان والأناضول والهلال الخصيب وإيران وأفغانستان الحالية والممتدّ إلى الهند، وكذلك السباسب الروسية وشبه الجزيرة الأوروبية، مركزَ العالم منذ العصر النيوليتيّ، مرورًا بالحضارات النهرية عن طريق إنشاء الإمبراطوريّات الأولى الكبرى، ثمّ عن طريق الهيلنستية والهيمنة الرومانية، وظهور الديانات التوحيدية والإمبراطورية الإسلامية وحضارتها، إلى حدود القرن الخامس عشر على الأقلّ. لكنّ هذا الشرق خسرر إشعاعه الحضاريّ ومكانته التجارية مع "الاكتشافات الكبرى". ولم تنتبه هذه المنطقة الغربية لهذا الغرب الكبير إلّ بفضل روما، ولم يحدث هذا إلّ بعد ثلاثة آلاف سنة من نشأة الحضارات النهرية، علمًا أنّ التوسّع الرومانيّ حدث في اتّجاه الشرق أساسًا؛ وبذلك تكون أوروبا، التي خلقت نفسها بوسائلها الخاصّة، والتي كانت آخر الحضارات بروزًا، قد تخلّصت من ث قل الماضي الطويل (ص 39 - 41).
وهكذا يتوصّل المؤلّف إلى نتيجة تتمثّل في أنّ ما أعطاه الشرق الأوسط ومصر للإنسانية لا يُحصى ولا يُعدّ، فكلُّ أ سس الثقافة الإنسانية تقريبًا خرجت من هناك: الكتابة التصويرية، ثمّ الأبجدية، والمسكن العائليّ، والملاحة، والمنتوجات الفلاحية، والأديان المهيكلة... إلخ. أمّا الشرق الحقيقيّ المتكوّن من اليابان والصين، فلم يعرف الحضارات إلّ بعد أكثر من ألف سنة، مقارنةً بالشرق الغربيّ أو الغرب الشرقيّ (ص 43 - 44). بحث الباب الثاني من هذا الكتاب في قضية التفكّر في الدين من خلال محاور عديدة. وقد عالج أوّلها مسألة الدين في عالم ما قبل الحداثة. وكانت البداية من العصور القديمة التي أبرز فيها المؤلّف مكانة الدين والدينيّ في حياة الإنسان، وما أولاه المؤرّخون وعلماء الأنثروبولوجيا والاجتماع والفلسفة من اهتمام بهذا المجال (ص 53 - 54). ظهر التديّن في شكله البدائيّ (السحر) منذ العصور الغابرة، ثمّ تطوّر في المجتمعات المائية ليتحوّل من السحر إلى عالم الآلهة. ولم تنشأ الفلسفات، التي ستتحوّل إلى أديان بأخلاقها وطقوسها في الكونفوشيوسية، وستتحوّل إلى التصوّف في الطاويّة، إلّ في العصور التاريخية المتأخّرة (ص 54 - 55). ولعلّ هذا ما جعل كارل ياسبرز Jaspers Karl يتحدّث عن بروز "عصر محوريّ" في الألفيّة الأولى قبل الميلاد، دشّن ظهور فكر جديد وأفكار دينية جديدة تحوّلت كلّها إلى ظاهرة كونية مثّلت مرحلة جديدة في تطوّر الإنسانية (ص. 55). ويواصل المؤلّف تحاليله المتعلقة بظهور الأديان وتطوّرها التاريخيّ، فيركّز على المسيحية بوصفها توليفًا بين اليهودية والهيلينيّة، مع تأثير محتمل للغنوصية. وهكذا اكتسبت اليهودية توجّهًا شرقيًّا، على الأقلّ من ناحية علاقتها ببابل، وتأثّرت الغنوصية بالفلسفة الهيلينيّة، وإن كانت جذورها إيرانية، نتيجةً للثنائية التي تقوم عليها؛ وهذا ما جعل الهيلينيّة نفسها تهيمن بألغازها وأفلاطونيّتها ولغتها، وبتوجّهها نحو خلق عالم موحّد يتُرجم الفكر العميق للإسكندر (ص 57، 65). ومثل اليهودية، وُلدت المسيحية عند السامييّن الغربييّن في "الشرق الأدنى"، وفيه ظهر أيضًا الإسلام الذي استرجع عناصر أساسية من الديانتين السابقتين. فهذا الشرق هو إذًا مصدر الديانات التوحيديّة وقلبها النابض القائم على فكرة الله الخالق واليوم الآخر والبعث بعد الموت، التي نسفت الديانات الإغريقية والرومانية غير السديدة لأنّها انبثقت من شعوب تأخَّر دخولها إلى التاريخ على عكس شعوب "الشرق". ولهذا ابتدع أفلاطون وسقراط علم اللاهوت الخاص بهما، فكانت الديانتان الإغريقية والرومانية في جوهرهما ديانتين سياسيّتين مرتبطتين بالمدينة لضمان تماسكها (ص. 57). عمومًا، يرى المؤلّف أنّ الأديان، مهما كان نوعها، تستجيب لحاجة جوهرية في الإنسان، وتتراءى أساسيةً في ضمان الرابط الاجتماعيّ في حدّ ذاته، ولكنّها تُرسي علاقة متميّزة مع الدولة التي ظهرت على مرّ التاريخ. ومع ذلك، يتفوّق الدينيّ على كلّ أشكال الدولة؛ ليس بديمومته فقط، بل أيضًا لأنّه يخترق أعماق المجتمع ودواخل الذات البشرية (ص. 58). تُمثّل شبه القارّة الهندية أيضًا مركزًا كبيرًا للإبداع الدينيّ، ويحتلّ الدينيّ فيها مكانة أهمّ كثيرًا من السياسيّ، لأنّه المحور الأساسيّ في الحياة الاجتماعية والتاريخية. لا يوجد في الهند إله واحد، ولا إنسانٌ مقدّس، على الرغم من وجود كثير من المفاهيم التي تحيل على المقدّس مثل المنقذ، والأنبياء، والوحي، والكتابات المقدّسة، ومثل طبقة من الكهنة، وطقوس دقيقة ومعقّدة. وقد تطوّر الدين انطلاقًا من الفيديّة Védisme إلى الهندوسيّة Hindouisme التي هيمنت ابتداءً من القرن الرابع قبل الميلاد. وهكذا يتأكّد، في هذا السياق أيضًا، مبدأ تطوّر الأديان في منطقة ما، انطلاقًا من القديم، ثم يجري تجاوزه، أو حتّى إلغاؤه، مع الاحتفاظ برابط معيّ معه. ومع ذلك، يبقى تفرّد الجديد هو الطاغي. وخلافًا للديانات التوحيدية الشرق - أوسطية التي تعتبر أنها هي "الدين الحقّ"؛ مقارنةً بالديانات المتعدّدة الآلهة، وليس مقارنة بالفرع التوحيدي الذي اشتُقّت منه، عرفت الهند مثل الصين تعدّد المعتقدات، انطلاقًا من القاعدة الأصلية تقريبًا، بالتوازي مع ظهور الهندوسية، وعرفت - بعد مدة قصيرة نسبيًّا - البوذية Bouddhisme، والجينيّة Jaïnisme (ص 75 - 76).
وخلافًا لماني، انخرط الإسلام في الخطّ الإبراهيميّ متأثّرًا بالمسيحية السرريانية، ومستبعدًا الغنوصية، وقد اعتبره المفكّرون الغربيّون، عمومًا، مجرّد انحراف عن المسيحية. ولكنّ الإسلام، بالنسبة إلى جعيط، يختلف كثيرًا عن المسيحية؛ لأنّه يرفض التثليث وتقديس المسيح، مع الاعتراف بالقيمة الأخلاقية للمسيحية القائمة على الخير والإحسان. ثمّ إنّ الإسلام تجاوز القانون اليهوديّ من خلال تأسيسه قانونَه الخاص المتمثّل في الشريعة التي كيّفها مع عالمه، وكان ذلك في اتّجاه الارتقاء بوضع الإنسانية. فهل أسّس النبيّ محمّد الإمبراطورية الإسلامية مثلما تدّعي مصادر ترى أنّ خلفاءه لم يفعلوا سوى تطبيق مشاريعه التوسّعية؟ ينفي المؤلف أن يكون الأمر حدث بهذه الطريقة، ويذهب إلى تحليل معمّق يوضّح أنّ الإسلام ما كان له أن يتحوّل إلى ظاهرة كونية لولا الجهاد الذي تحوّل إلى عقيدة من أجل التوسّع على حساب الشعوب والحضارات المجاورة، والهجرة والاستقرار في الأمصار التي جعلت العرب المستقرّين فيها يتخلّصون من بداوتهم وجوعهم ليتحوّلوا إلى مؤسسّي أمّة تقوم وحدتها على اعتناق دين مشترك بين كلّ عرب شبه الجزيرة العربية، علمًا أنّ هؤلاء لم يبحثوا عن أسلمة الشعوب المغلوبة بقدر ما كانوا يبحثون عن أسلمة أنفسهم خارج ديارهم التي هاجروا منها (ص 77 - 79). بعد أن عرض المؤلّف، على نحو مكثّف، مسألة الدين في عالم ما قبل الحداثة، قدّم عرضًا آخر أكثر تكثيفًا وتعقيدًا لتطوّر الدينيّ من فترة ما قبل التاريخ إلى القرن السابع، وذلك من زاوية نظر تاريخ الأفكار الفلسفية واللاهوتية المتعلّقة بكلّ الديانات ذات البعد الكونيّ، مثل البوذية والكونفوشيوسية والمسيحية والإسلامية، متطرّقًا - كلّما سمح الأمر بذلك - إلى مختلف مراحل تطوّرها، والهرطقات التي عرفتها، ووقعها على المجتمعات ومعتقداتها الدينية (ص 81 - 88). يثير المؤلّف، في الفصل الذي خصّصه للفكر والدين، قضية العلاقة بين الفلسفة والدين، ويرى أنّ هذه العلاقة صعبة التحديد في الإسلام والمسيحية بسبب تشابكها. ويضيف أنّه يوجد ارتباط بين الفكر الدينيّ والفكر الفلسفيّ، وفي الوقت نفسه يوجد اختلاف وصراع بينهما. وفي هذا الصدد، يقول جورج فيلهلم فريدريش هيغل إنّ الفلسفة لبعض الناس، في حين أنّ الدين لكلّ الناس؛ وهنا يكمن الاختلاف الأساسيّ. ومع ذلك، يوجد قاسم مشترك بين الفلسفة والدين يتمثّل في أصل الإنسان والكون، ومفهوم المقدّس، والتساؤل حول الطبيعة وقضية الأخلاق. فالفلسفة تريد دائمًا أن تكون مستقلّة عن المعطى الدينيّ، بمعنى أن يتفكّر أحدهم أو بعضهم في القضايا الكبرى التي تُطرح على الضمير الإنسانيّ. أمّا الدين فيتميّز بفرض سلطته على المجتمع، وبالضمان الذي يوفّره للدّولة. وعلى عكس ذلك، تبدو الفلسفة في الصيّن، بغضّ النّظر عن المفاهيم الشعبية التي ظلّت عنيدة، كأنّها أصل الديانات القائمة المتمثّلة في الكونفوشيوسية أو الطاويّة (ص 101 - 111). تساءل المؤلّف، في فصلٍ خصّصه للحداثة والدين، عن مفهوم هذه الحداثة، ودعا إلى تنسيبه، معلنًا أنّه لن يهتمّ بها إلّ فيما يتعلّق بتداعياتها على الشأن الدينيّ، وعلى التاريخ. طُرحت المشكلة الدينيّة في علاقتها بالحداثة بصفة منتظمة ومستمرّة منذ الأنوار التاريخية إلى نهاية القرن العشرين، وصولً إلى مارسيل غوشيه، ومرورًا بكارل ماركس وماكس فيبر. ولتوضيح هذا الأمر، تحدّث حديثًا مطوّلً عن فلسفة الأنوار وعلاقتها بالدين، مقارنًا أفكارها بين فرنسا وإنكلترا من جهة، وألمانيا من جهة ثانية، ومؤكّدًا على وجود رابط عميق وقديم، تاريخيًّا، بين الفلسفة بمعناها الميتافيزيقيّ والأخلاقيّ والدين، سواء كان ذلك عن طريق التقارب أو الترابط أو حتّى النفي (ص 113 - 130). درس المؤلّف، في فصل خصّصه للفلسفة والدين، ما توصّل إليه هيغل بوصفه آخر الفلاسفة الكلاسيكييّن في مسألة الدين؛ إذ أرفق الدين بمعنى الإله مع الروح المطلق. والإله يأتي بالمعرفة المطلقة، فهو ليس خالقًا ولا أزليًّا، ولا موضوعًا، وهو من ثمّ موجودٌ ما قَبلْيّ
بالنسبة إلى الكلّ. وجاء بعد هيغل الهيغليّون الجدد الذين أرادوا، من خلال التركيز على نقد الدين في الفكر الهيغليّ، فصل الدين عن الفلسفة، ولكنّهم لم يذهبوا بعيدًا مثلما فعل ماركس الذي دعا إلى "شَطب" الدين من حياة الإنسان (ص 131 - 138). وفي فصل خصّصه المؤلّف للفكر التاريخيّ والدين، اعتبر أنّ القرن العشرين مثّل منعرجًا؛ لأنّ الأمر لم يعد كامنًا في الأنظمة الميتافيزيقية للتفكير الدينيّ، بل في مكانة الدين في التاريخ التي يمثّلها فيبر بوصفه مفكّرَ تاريخ الدين بامتياز ومنظّرَ الرأسمالية. ويعتبر فيبر أنّ ما طوّره الغرب، فيما يتعلّق بالعقلانية، وُجد قبل ذلك بكثير في بابل والهند والصين، ولكنّ الحالة الجنينية التي كانت عليها جعلت العقلانية الحقيقية والمكتملة تبدو إنجازًا غربيًّا، في حين يرى جعيط أنّ الحضارة الغربية جمعت كلّ التجربة الإنسانية بالاستيعاب والإلغاء؛ فمكّنها ذلك، بعد مئات القرون، من التوليف بدرجات عديدة من تقديم الجديد. أمّا فيما يتعلّق بمسألة العلمنة Sécularisation، فقد خاض المؤلّف في الصراع الذي دار بين الفلاسفة الألمان حول فكرة أنّ الحداثة ليست سوى علمنة المثل المسيحية، وأنّها لم تؤسّس لذاتها، بل هي مجرّد نتاج خالص لأفكار المسيحية. وبذلك، فإنّ الحداثة - بما أنّها اشتقاق - لا تحمل شرعيّتها في ذاتها، بقدر ما تعبّ عن أفكار مستمدّة من الدين بمصطلحات جديدة، على الرغم من أنّها أرادت أن تكون معادية للدين (ص 139 - 152). يُنهي جعيط كتابه تفكّر التاريخ، تفكّر الدين، بالحديث عن أهمية الديانات التوحيدية وحدودها، وفي هذا الإطار يؤكّد أنّ المؤرّخ يمكنه أن يفكّر في ثراء الإرث الدينيّ للإنسانية بروح الملتزم به والواقف على مسافة منه في آنٍ واحد. فإذا وجدت الأديان صدى لها عند كلّ أنواع البشر، فهذا يدلّ على أنّ الدين رفع الإنسان إلى ما فوق الحيوانية. وفضلً عن ذلك، فإنّ كبار مؤسسّي الأديان قد تلقّوا الوحي، ثمّ إنّ محتوى رسائل الوحي الذي تلقّوه يمكن أن يكون موضوعًا للفحص التاريخيّ باعتبار أنّ حركة التاريخ تكرارٌ ولكنّها فضلً عن ذلك خلقٌ، وباعتبار أنها إلغاءٌ ولكنّها تجميعٌ أيضًا (ص 155 - 172).