مقاربة في الديموغرافيا التاريخية من خلال كتب التراجم والطبقات: علماء إفريقية من أواسط القرن 8 إلى نهاية القرن 9ه/ 14 - 15 م أنموذجًا
Approaching Historical Demography Through Biographical Dictionaries: The Scholars of 8-9th Century AH/14-15th Century CE as an Example
الملخّص
تحاول هذه الدراسة قياس مدى مشروعية الاستناد إلى كتب التراجم والطبقات لإثارة المسائل المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية ومدى توافق المعلومات التي توفّرها هذه المؤلفات مع الأدوات الإحصائية ومقاصدها المعرفية والمنهجية. وقد اخترنا لتطبيق النظريات الديموغرافية دراسةَ رمزية تطوّر نسب الوفيات ودلالاتها ومتوسّط أعمار النخب العلمية، بالاعتماد على بيانات تخصّ 471 شخصية عاشت بإفريقية بين منتصف القرن 8 ونهاية القرن 9ه/ 14 - 15 م، وذلك وفق منهجية تقوم على المقاربة الإحصائية، وتشبيك المعلومات الموجودة في المصادر، إضافة إلى الانفتاح على جميع الإحصاءات التي توصّلت إليها البحوث المهتمّة بدراسة سكّان الحواضر الإسامية على مدى أزمنة تاريخية مختلفة. أمّا القصد من تنويع المناهج، فهو تقديم نتائج منطقية وأصدق تعبيرًا عن الواقع الديموغرافي للفترة موضوع الدرس.
Abstract
It is difficult to talk about the historical demography of the Maghreb region before the eleventh century AH/ seventeenth century CE due to the dearth of records and statistics on population, soldiers, or tax collection prior to that time. However, the Islamic library possesses a particular kind of source –the biographical dictionary – which can shed light on topics related to micro-demography, such as births, deaths, average life spans, population distribution and movements, and the like. Based on data concerning 471 scholars (ulema) who lived in the Maghreb between the mid-eighth century and the late ninth century AH (mid-fourteenth to late fifteenth century CE), and taking into account the limited nature of biographical dictionaries with their focus on a particular social group, this paper attempts to assess the legitimacy of reliance on biographical dictionaries for historical demographical investigations by comparing the information provided by biographical dictionaries with statistical data available in other sources.
- Historical Demography
- Biographical Dictionaries
- Statistical Approaches
القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل
| //d i ف 31430/SOIP9521 /10 الت ال ق | DOI: https://doi.org/10.31430/SOIP9521: الرقم التعريفي | |
|---|---|---|
| هشام صمايري | Smairi *Hichem | ||
| مقاربة في الديموغرافيا التاريخية من خلال كتب التراجم والطبقات: علماء إفريقية من أواسط القرن 8 إلى نهاية القرن 9ه/ 5-141م أنموذجًا Approaching Historical Demography through Biographical Dictionaries: The Scholars of 8 - 9 th Century AH/ 14 - 15 th Century CE as an Example |
تحاول هذه الدراسة قياس مدى مشروعية الاستناد إلى كتب التراجم والطبقات لإثارة المسائل المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية ومدى توافق المعلومات التي توفّرها هذه المؤلفات مع الأدوات الإحصائية ومقاصدها المعرفية والمنهجية. وقد اخترنا لتطبيق النظريات الديموغرافية دراسةَ رمزية تطوّر نسب الوفيات ودلالاتها ومتوسّط أعمار النخب العلمية، بالاعتماد على بيانات تخص 471 شخصية عاشت بإفريقية بين منتصف القرن 8 ونهاية القرن 9 ه/ 15-14 م، وذلك وفق منهجية تقوم على المقاربة الإحصائية، وتشبيك المعلومات الموجودة في المصادر، إضافة إلى الانفتاح على جميع الإحصاءات التي توصّلت إليها البحوث المهتمّة بدراسة سكّان الحواضر الإس مااية على مدى أزمنة تاريخية مختلفة. أمّا القصد من تنويع المناهج، فهو تقديم نتائج منطقية وأصدق تعبيرًا عن الواقع الديموغرافي للفترة موضوع الدرس.
It is difficult to talk about the historical demography of the Maghreb region before the eleventh century AH/ seventeenth century CE due to the dearth of records and statistics on population, soldiers, or tax collection prior to that time. However, the Islamic library possesses a particular kind of source –the biographical dictionary – which can shed light on topics related to micro-demography, such as births, deaths, average life spans, population distribution and movements, and the like. Based on data concerning 471 scholars (ulema) who lived in the Maghreb between the mid-eighth century and the late ninth century AH (mid-fourteenth to late fifteenth century CE), and taking into account the limited nature of biographical dictionaries with their focus on a particular social group, this paper attempts to assess the legitimacy of reliance on biographical dictionaries for historical demographical investigations by comparing the information provided by biographical dictionaries with statistical data available in other sources.
أستاذ مساعد للتعليم العالي بجامعة القيروان في تونس. Assistant Professor in the University of Kairouan, Tunisia. Email: smairi_hichem@hotmail.com
مقدمة
قطع البحث في الديموغرافيا التاريخية أشواطًا مهمّة في الدراسات الأوروبية، لما توافر لديها من ثراء مصدري وأرشيف محفوظ
في رفوف الكنائس (خاصّة منها أرشيف الحالة المدنية أو ما يسمّى "الدفاتر الأبرشية" Paroissiaux Registres (1، وفي الإدارات
والمكتبات العامّة والخاصّة. وقد تمكّنت هذه الدراسات، باستعمال المقاربات والأدوات العلمية اللازمة، من التطرّق إلى مواضيع
مهمّة لا تقتصر فقط على معرفة التطورات السكانية العادية التي تدرسها الديموغرافيا في سياقات تاريخية معينة، بل تشمل أيضًا تتبّع
تلك التطورات والمتغيرات على مستوى التوزّع المجالي وعلى مستوى الخصوبة والوفيات والهجرات الداخلية والخارجية، ثمّ علاقتها
بالأزمات المتصلة بالحروب والأوبئة والمجاعات، وبالوضعية السوسيو - اقتصادية التي شهدتها أوروبا خلال القرون الوسطى2. وفي المقابل، لا يزال البحث في المواضيع المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية يشكّل غرضًا صعبًا بالنسبة إلى المعتنين بالتاريخ
الإسلامي الوسيط، لغياب الوثائق الأرشيفية بجميع أنواعها، حكومية كانت أو قضائية أو عدلية، مقارنة بما توافر لدى الدراسات المختصّة في التاريخ الأوروبي. وقد ظلّت هذه النقائص تشكّل عقبة أمام صياغة متوازنة لهذا النوع من الدراسات، وجعلت مهمّة
الباحث في هذا الميدان صعبة ومغامرة غير مأمونة النتائج. ولتجاوز هذه الصعوبات، قام جملة من الباحثين بتوسيع دائرة القراءة والبحث، وإجراء الحفريات حول الوضع الديموغرافي في المجالات الحضرية، وقياس التطور الإيجابي أو السلبي لعدد السكان سواء باستعمال نقدي وحذر للمعلومات التي توفّرها المصادر الإسلامية المتاحة، ككتب الرحّالة والحوليات والتراجم والطبقات3، أو بالاجتهاد في التعرّف إلى وضعية تقريبية باعتماد الأونومستيكا
onomastique ' L، والطوبونيميا toponymie La، أو عدد المساجد ومساحاتها داخل المجالات العمرانية الحضرية والريفية4.
1 ينظر، على سبيل المثال، الأبحاث التالية:
Louis Henry, "Une richesse démographique en friche: Les registres paroissiaux," Population , vol. 8 , no. 2 (1953), pp. 281 - 290 ; Pierre Goubert, "Une richesse historique en cours d'exploitation. Les registres paroissiaux," Annales. Économies, Sociétés, Civilisations , vol. 9 , no. 1 (1954), pp. 83 - 93. 2 Pierre Chaunu, "Démographie historique et système de civilisation," Mélanges de l'école française de Rome. Moyen-âge , temps modernes , vol. 86 , no. 2 (1974). pp. 301 - 321.
3 ينظر القضايا الديموغرافية التي أثارها كلّ من شارل بيلا وعبد الأحد الرايس باستعمال كتب التراجم والطبقات، في:
Charles Pellat, "Peut-on connaître le taux de natalité au temps du Prophète? A la recherche d'une méthode," Journal of the Economic and Social History of the Orient , vol. 14 , no. 2 (August 1971), pp. 107 - 135 ; Charles Pellat, "Quelques chiffres sur la vie moyenne d'une catégorie de musulmans," in: Armand Abel, Mélange d'Islamologie, volume dédié à la mémoire d'Armand Abel par ses collègues, ses élèves et ses amis , Pierre Salmon (ed.) (Leiden: E. J. Brill, 1974), pp. 233 - 246 ;
عبد الأحد الرايس، "حركة السكّان بفاس خلال عصر المرابطين والموحّدين: حركة الوافدين مث لً "، مجلّة كنانيش، العدد 4 (2002)، ص 9 - 34.
4 ينظر الأبحاث التالية:
Leopoldo Torres Balbas, "Extension y demografia de las ciudades hispanoMusulmans," Studia Islamica , no. 3 , (1955), pp. 35 - 59 ; Leopoldo Torres Balbas, "Esquema demografia de la ciudad de Granada," Al-Andalus , no. XXI, (1965), pp. 132 - 146 ; Alexandre Lézine, "Sur la population des villes africaines," Antiquités Africaines , vol. 3 (1969), pp. 69 - 82 ; Alexandre Lézine, Deux villes d'Ifriqiya: Sousse-Tunis, étude archéologique d'urbanisme, de démographies, (Paris: Librairie Paul Geuthner, 1971), p. 192 ; Mohamed Talbi, "Effondrement démographique au Maghreb du XI au XV s," Cahier de Tunisie, no. 97 - 98 (1977), pp. 51 - 60 ; Mounira Chapoutot-Remadi, "Tunis," in: Jean-Claude Garcin (Dir.), Grandes Villes Méditerranéennes du Monde Musulman Médiéval , Ecole Française de Rome, 2000 , pp. 235 - 262 ; Faouzi Mahfoudh, "Aspects de la démographie de la ville de Sfax au moyen âge (IX-XIIe Siècle)," Acte du colloque sur la démographie en Tunisie et dans le monde arabe , 15 - 16 / 11 / 1991 (Tunis: éd. CERES, 1993), pp. 73 - 49 ;
ينظر أيضًا: إبراهيم جدلة، "السكّان الحضر بإفريقية من الق. 13 إلى ق. 16 م"، في: عمر بن حمادي [وآخرون]، الديمغرافية التاريخية في تونس والعالم العربي
(تونس: دار سراس للنشر، 1993)، ص 85 - 100؛ إبراهيم جدلة، المجتمع الحضري بإفريقية (قفصة: منشورات المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات،
2010)، ص 39 - 40؛ صالح بعيزيق، "سكّان مدينة تونس في العهد الحفصي، إشكالية العدد والأصول القبلية العربية والبربرية"، في: دراسات وبحوث حول إفريقيا
والمجال العربيّ – المتوسطيّ، ج 1، إشراف وتقديم إبراهيم محمّد السعداوي (تونس: مركز النشر الجامعي؛ الجمعية التونسية المتوسطية للدراسات التاريخية والاجتماعية
والاقتصادية؛ كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 2013)، ص 93 - 183.
ولم تكن هذه الأعمال، باعتراف أصحابها، سوى محاولات للحصول على تقديرات عامّة، مع الحذر الكبير في تقديم الملاحظات
والاستنتاجات؛ لأنّ هامش الخطأ في الأرقام المتحصّل عليها يظلّ شاسعًا، وغير معتبر في كثير من الأحيان. وفي هذه الدراسة البحثية، نحاول التركيز على ما تقدّمه كتب التراجم والطبقات من معلومات سكانية، يمكن استعمالها في إثارة
بعض المواضيع المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية، في فترة زمنية تميزت بتردّي الوضع الصحي، وكثرة الموت الدوري المرتبط أساسًا
بتواتر الأوبئة والطواعين. فما مدى مشروعية الاستناد إلى المعلومات التي تقدّمها كتب التراجم والطبقات لطرح المواضيع المتعلقة بالديموغرافيا
التاريخية؟ وهل هناك فعلً توافق بين المعلومات التي يوفّرها هذا الصنف من المؤلفات مع مقاصد الديموغرافيا التاريخية وأدواتها الإحصائية؟ وإذا سلّمنا بهذا التوافق، فهل تمكّننا الإحصاءات الخاصّة بالنخب العلمية من تحديد وتيرة النموّ السكاني وعلاقته
بالوضعية الصحية العامّة التي شهدتها إفريقية إبّان الفترة موضوع الدرس؟ أم هل يجب الانفتاح على جميع النصوص والمعطيات
العمرانية والأثرية للتمكّن من معرفة مختلف مستويات النموّ الديموغرافي وقراءتها في إطارها التاريخي؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، قُسِّمت الدراسة إلى مبحثين:
مبحثٍ أول نظري: خُصّص لتقديم المصادر المعتمدة في البحث، ثمّ لدراسة مدى إمكانية الاعتماد على المعطيات التي توفّرها
هذه النصوص لإثارة المواضيع المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية. مبحثٍ ثانٍ تطبيقي: خُصّص لدراسة تطوّر نسب الوفيات ومتوسط أعمار الشخصيات العلمية التي عاشت بإفريقية بين منتصف
القرن 8 ونهاية القرن 9 ه/ 14 - 15 م، ومحاولة تحليل النتائج المتحصَّل عليها وإدراجها ضمن واقعها الصحي العامّ الذي شهدته أفريقية
على مدى فترة تمتد إلى القرن ونصف القرن من الزمان. وقد قمنا، إلى جانب استعمال المقاربة الإحصائية، باستخدام أسلوب المقارنة وتشبيك المعلومات الموجودة في مختلف النصوص التاريخية، بغية الحصول على نتائج منطقية وأصدق تعبيرًا عن الواقع الديموغرافي
الذي شهدته إفريقية خلال الفترة موضوع الدرس.
أوّالً: كتب التراجم والطبقات: ثراء المدوّنة وإشكاليات استغلالها في أبحاث الديموغرافيا التاريخية
1. مدوّنة كتب التراجم والطبقات
ارتكز هذا العمل على قاعدة بيانات تتكوّن من 471 شخصية علمية، عاشت أو زارت إفريقية منذ النصف الثاني من القرن 8 ه إلى
نهاية القرن 9 ه/ 14 - 15 م. وقد استطعنا جمع معلومات كافية عن هذه الشخصيات من كتب التراجم والطبقات، والمصادر القريبة منها ككتب الرحلة، والفهارس والبرامج، إضافة إلى بعض شواهد القبور، وذلك وفق ضوابط معرفية ومنهجية جرى إعدادها مسبقًا لإثارة
مواضيع مختلفة وقضايا متنوّعة تخصّ الديموغرافيا التاريخية لإفريقية خلال الحقبة موضوع الدرس. تتكوّن مؤلفات التراجم والطبقات المستعملة في هذه الدراسة من كتب تراجم عامّة وكتب تراجم خاصة. ولئن اقتصر الصنف
الأوّل منها على كتاب دستور الإعلام بمعارف الأعلاملابن عزم التونسي (891 ه/ 1486 م)5، وكتاب شذرات الذهب في أخبار من
ذهبلابن عماد الحنبلي (ت. 1089 ه/ 1679 م)، فإنّ كتب التراجم الخاصّة كانت أكثر رواجًا وأكثر تنوّعًا، فمنها ما اختصّ بأهل علم
5 شمس الدين محمد بن محمد بن عزم التونسي، دستور الإعلام بمعارف الأعلام، تحقيق هشام صمايري (بيروت: دار الكتب العلمية، 2021.)
من العلوم مثل: غاية النهاية في طبقات القرّاء لابن الجزري الدمشقي (ت. 833 ه/ 1429 م)، أو برجال مصر من الأمصار أو مدينة من
المدن مثل كتاب: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان لابن ناجي التنوخي (839 ه/ 1435 م)، والإحاطة في أخبار غرناطة، للسان
الدين بن الخطيب (776 ه/ 1310 م)، ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمِقّري التلمساني (1041 ه/ 1631 م). ومنها ما اختصّ
بأهل قرن من القرون كما هو الشأن في كتابالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني (ت. 852 ه/ 1448 م)، والضوء اللامع لأهل القرن التاسعللسخاوي (902 ه/ 1496 م)6. ثمّ اختصّ بعض هذه المؤلفات بالترجمة لعلماء المذهب المالكي
من دون اعتبار للمكان أو للزمان، كما هو الأمر في كتاب الديباج المذهّب في معرفة أعيان علماء المذهبلبرهان الدين بن فرحون (799 ه/ 1396 م)، وذيوله المتمثّلة في: توشيح الديباج وحلية الابتهاج للقرافي (ت. 1008 ه/ 1599 م)، وكلّ من نيل الابتهاج في تطريز الديباج، وكفاية المحتاج في معرفة من ليس في الديباجلأحمد بابا التنبكتي (ت. 1036 ه/ 1636 م)، وهي جميعها مؤلفات تترجم لعلماء المذهب المالكي من المغرب والمشرق على امتداد قرون من الزمان. أمّا بقية المؤلفات التي جرى
اعتمادها فهي متنوّعة، منها المختصّة بالنحاة على غرار كتاب بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة لجلال الدين السيوطي
(911 ه/ 1505 م)، ومنها ما اختصّ بالقضاة مثل كتاب المرقبة العليا فيمن يستحقّ القضاء والفتيا لعلي بن عبد الله النباهي (توفي نحو. 791 ه/ 1389 م.) وغالبًا ما تقدّم هذه المؤلفات، على تنوّعها واختلافها، أسلوبًا معيّنًا وأركانًا ثابتة في الترجمة، تبدأ بتقديم الاسم الكامل للشخص
المترجم له، والكنية وأسماء الآباء والأجداد إلى حدّ المستطاع، ثمّ تورد مكان الولادة والوفاة ثمّ الشيوخ، والمذهب، والمرويات،
والتلاميذ، والمؤلفات، وهي تراجم تطول وتقصر بحسب المعلومات المتوافرة لدى المؤلف7، فنجد حرصًا لدى بعض المؤلفين
على إضافة معطيات تتعلّق بالميل الفكري للمترجَم له وصفاته أو بعض الأحداث التي شارك فيها، إضافة إلى تواريخ الولادة والوفاة
والتنقلّات. وهي كلّها معلومات تساعد على التعرّف على هؤلاء العلماء بدرجات متفاوتة، وتساعد على إثارة مواضيع متنوّعة من
الديموغرافيا التاريخية. تجدر الإشارة إلى أنّ كتب التراجم الخاصّة بإفريقية كانت محدودة للغاية، وقد اقتصرت على الجزء الرابع من كتاب معالم
الإيمانلابن ناجي، والوفياتلابن قنفذ القسنطيني (ت. 809 ه/ 1406 م)، ثمّ كتاب السير للشماخي (ت. 928 ه- 1522 م)8. ويعود
الفضل في توافر معلومات تخصّ العديد من العلماء الأفارقة إلى المؤلفات المشرقية والمغربية والأندلسية؛ فقد زخر مثلً كتاب الضوء
اللامع لأهل القرن التاسعبأسماء الذين التقاهم السخاوي في مصر وبلاد الشام والحجاز أو الذين حصل على معلومات عنهم من مصادر شفوية ومكتوبة. ثمّ انفردت المؤلفات الخاصّة بالمذهب المالكي بذكر عدد كبير من مشاهير العلماء الذي عاشوا في مناطق
مختلفة من إفريقية. ونتيجة لندرة المؤلفات الخاصّة بإفريقية، فقد وضعت كتب التراجم والطبقات أمامنا عدّة صعوبات يمكن تلخيصها في النقطتين التاليتين:
6 أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (بيروت: منشورات دار الجيل، 1993)؛ العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء العمر،
تحقيق حسن حبشي (القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1998)؛ أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (بيروت: منشورات دار
الجيل، 1992)؛ إبراهيم بن حسن البقاعي، عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران، تحقيق حسن حبشي (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2004).
7 Gilliot Claude, "Ṭabakat," Encyclopédie de l'Islam , vol. X, (1998), pp. 7 - 10.
8 أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، تحقيق محمد حسن (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2009.)
غياب المعلومات الأساسية للتعريف بهؤلاء العلماء، كذكر المولد والوفاة والأصل الجغرافي ومكان الرحلة، وهو ما دفعنا إلى إلغاء العديد من التراجم التي لا تتوافر فيها المعطيات اللازمة لتناول المواضيع المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية. تواتر تقديم تسميات مختلفة ومتباعدة أحيانًا للشخص الواحد، والتفطّن إلى ذلك قد يكون يسيرًا بالنسبة إلى الشخصيات الأكثر
شهرة. لكنّنا كثيرًا ما وقعنا في هذا الفخ بالنسبة إلى شخصيات مغمورة وردت أنسابها وتسمياتها بصيغ مختلفة9. لذلك كان علينا أن
نبذل جهودًا إضافية لكي نضع هؤلاء العلماء والمعلومات الخاصّة بهم في أماكنها لتجنب الوقوع في الخلط أو الوهم. ولتجاوز هذه الصعوبات كان من الضروري اللجوء إلى مصادر ثانوية، وذلك بغية إتمام المعلومات التي تفتقر إليها كتب التراجم والطبقات، والتثبت من تواريخ بعض الشخصيات العلمية التي لا نملك عنها معلومات كافية؛ فقد ساعدت مثلً كتب "الفهارس والبرامج" (وهي من المؤلفات التي يهتمّ فيها أصحابها بالتعريف بشيوخهم ورحلاتهم وذكر مروياتهم وإجازاتهم)، على ضبط تواريخ
بعض الأعلام وأسمائهم. ونذكر منها خصوصًا برنامجابن جابر الوادي آشي (ت. 749 ه/ 1348 م)، وفهرستمحمد بن قاسم الرصّاع
.(ت 896 ه/ 1489 م)، وكتاب غنيمة الوافد وبغية الطالب الماجد لعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت. 875 ه/ 1470 م)، وبدرجة أقلّ برنامجأبي عبد الله المجاري (ت. 862 ه/ 1457 م)، وفهرستأبي العباس أحمد بن منجور. وقد اطّلعنا أيضًا على مؤلفات أخرى بدرجات متفاوتة، مثل فهرستابن غازي المكناسي (ت. 910 ه/ 1504 م)، وغيرها. وإلى جانب هذه المؤلفات اعتمدنا أيضًا على كتب الرحلة، وذلك ما ساعد على رصد تواريخ بعض العلماء وتثبيتها، وسمح بالقيام بمقارنات واستنتاجات عن بعض الشخصيات المغمورة التي لا نملك عنها معلومات كافية، فأفادنا مثلً كتاب التعريف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا، في التعرّف على عدد من الشيوخ الأفارقة أو المغاربة الذين حلّوا بتونس في أثناء حملة
أبي الحسن المريني (748 ه/ 1348 م)، وقد كانت رحلة القلصادي (891 ه/ 1486 م) غنية بالمعلومات التي تفيد موضوع البحث بطريقة مباشرة. تعدّ الرحلات التي وقعت في النصف الثاني من القرن 9 ه/ 15 م ذات أهمية بالغة: وهي على التوالي، كتاب الروض الباسم في حوادث العمر والتراجملابن عبد الباسط الذي زار إفريقية سنة 866 ه/ 1462 م10، ثمّ رحلة أنسيلمي أدورن (1424 - 1483)
Adorne Anselme سنة 874 ه/ 1470 م11. وقد قدّمت هذه الرحلات معلومات مهمّة عن مختلف مظاهر الحياة الثقافية داخل المدن
التي زاروها، وترجمت لمجموعة من العلماء والأدباء. ومن ناحية أخرى، ساعدت جملةٌ من النقائش الجنائزية على ضبط تواريخ الوفاة لعدد لا بأس به من أسماء العلماء المغمورين إبّان الفترة موضوع الدرس. لذلك لا مناص من اللجوء إلى مصادر أخرى لاستكمال النقائص التي تعانيها كتب التراجم والطبقات، بغرض تحقيق الاستفادة القصوى من المعلومات الديموغرافية السكانية التي تقدّمها. لكن قبل استعمال هذه المعطيات وتحويلها إلى أرقام ذات طبيعة ديموغرافية، على الباحث القيام بتمحيصها ونقدها وقياس مدى ملائمة المعلومات التي يوفّرها هذا الصنف من المؤلفات مع المقاربات الإحصائية ومقاصدها المعرفية والمنهجية.
9 قد تفطّنا بسرعة مثلً إلى الاختلافات الواردة في ترجمة إبراهيم بن محمّد الأخضري (تِ. 879 ه)، بعد أن وجدنا من يترجمه بالجدري أو الخدري. لكنّنا وقعنا في فخ
أبي العباس أحمد بن سعيد بن إسماعيل النقاوسي، الذي ذكره التنبكتي باسم أبي العباس أحمد بن العباس النقاوسي (ت. 765 ه)، الشيء نفسه بالنسبة إلى أبي العباس
أحمد بن محمد بن حيدرة (ت. 778 ه) الذي وجدناه مذكورًا لدى التنبكتي في الديباج، باسم حيدرة بن محمد بن يوسف بن حيدرة التونسي.
10 نشر منها برنشفيك الجزء الخاصّ بإفريقية سنة 1936، ثمّ قام عمر بن عبد السلام تدمري بتحقيق الكتاب ونشره بالمكتبة العصرية في بيروت، سنة 2015.
11 Robert Brunschvig , Deux récits de voyage inédits en Afrique du Nord au XVe siècle, Abd Al-Basit B. Halil et Adorne (Paris: Edit Larose, 1936).
2. كتب التراجم وحدود استغلالها في أبحاث الديموغرافيا التاريخية
تحاول الديموغرافيا التاريخية، باعتماد تطبيق مناهج التحليل الإحصائي والرياضي، دراسة الخصائص الديموغرافية للسكان في الماضي، وذلك باستعمال عدّة معطيات، مثل الولادات والوفيات والسنّ والجنس والحالة الزوجية والمهنية والهجرات وغيرها12.
ويذهب بيار شونو إلى أنّ الديموغرافيا ليست أرقامًا فحسب، "بل هي محاولة لدراسة البعد الأكثر خصوصية للإنسان"13؛ ما يعني أنّ
هناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها عند الاهتمام بهذا النوع من الأبحاث، مثل دراسة حجم مجموعة بشرية معيّنة وتركيبها
وتوزيعها المجالي، وتتبّع تغيراتها على مستوى الخصوبة والوفيات والزواج والهجرة، وتسمح إلى حدّ بعيد باستشراف الظواهر السكّانية
والتحكّم فيها. وقد نتساءل بواسطة هذا التعريف: هل يمكننا أن نقوم بدراسة شاملة ومنهجية حول الديموغرافيا التاريخية في إفريقية منذ منتصف القرن 8 ه/ 14 م، انطلاقًا من كتب التراجم والطبقات؟ تجدر الإشارة في البداية إلى أنّ العديد من الدراسات بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي تهتم أكثر فأكثر بكتب التراجم والطبقات - إلى جانب العديد من المصنّفات التاريخية القريبة منها، ككتب الفهارس والبرامج وأدب الرحلة - باعتبارها من أهمّ المصادر
التي توفّر للباحث أصنافًا متنوّعة من المعطيات السكانية، كالزيجات والولادات والوفيات والتنقلّات، وتفتح آفاقًا شاسعة للبحث في
المسائل المتعلقة بالديموغرافيا التاريخية. وقد مثّلت هذه الأعمال مرحلة وعي أكيدة باستجابة كتب التراجم والطبقات لمتطلّبات
التحليل العددي، وبأهمّية هذا البعد الإحصائي في استغلال المعطيات التاريخية والإشارات المتعلقة بالفئات الاجتماعية الفاعلة
- أو ما يوصف ب "النخب" أو "جماعات المكانة"، كما ألِفَت الاجتماعيات المعاصرة تسميتها - ودراستها عبر حقب تاريخية مختلفة
ومجالاتٍ جغرافية متنوّعة من العالم الإسلامي. لكن قبل ذلك، لا بدّ من تحليل طبيعة هذه الأجناس المصدرية وأساليبها وأهدافها، وبيان نوعية المعطيات التي تمدّنا بها
وقيمتها، والتي نرى أنّها متنوّعة ويمكن اختزال خصوصياتها في تصورين كبيرين: أوّلً، لم يهتمّ أصحاب هذه المؤلفات بالإلمام بجميع فئات المجتمع، بل انحصر انشغالهم في مجموعة بشرية معينة، تتمثّل
أساسًا في النخب الاجتماعية، وخاصّة الذين لهم علاقة بالمعارف الدينية والعلمية، كالفقهاء والمحدّثين والأطبّاء وغيرهم. وقد
أشار دومينيك إيرفوا في هذا الإطار إلى أنّ المعطيات الديموغرافية التي يقدّمها هذا الصنف من المؤلفات ليست ذات أهمّية خارج
المجموعة التي وقع ذكرها. ويستدلّ على ذلك بأنّ حياة العلماء والفقهاء تعتبر مرفّهة مقارنة بشرائح اجتماعية أخرى، كالفلّحين والجنود، بما أنّهم لا يشتغلون في الأعمال الشاقّة، ولا يشاركون في الحملات العسكرية إلّ نادرًا. واعتبر أنّ الاغتيالات السياسية
التي يذهب ضحيتها عدد من العلماء تبقى أمثلة فردية لا يمكن تعميمها على جميع السكان، لأنّ الفوارق الاجتماعية تكون في العادة شاسعة وغير معتبرة14. ثانيًا، لم يكن الوعي بتدوين المعطيات المشار إليها أعلاه، لذاتها أو لأغراض إحصائية حاضرة لدى مؤلفي كتب التراجم،
بل يجري في الغالب تسجيل ما يتعلّق بالحاجة إلى استعمالها في ميادين علمية معيّنة، كإدراك طبقات الأئمّة وتفاوت مراتبهم في
التحقيق والالتزام بتسلسل سند الرواية. وهي معلومات تختلف من شخص إلى آخر بحسب شهرته، وبحسب المعلومات المتوافرة
12 Jacques Dupaquier & Paul-André Rosental, "Démographie historique," Encyclopædia Universalis , vol. 1 (2008), pp. 461 - 464. 13 Pierre Chaunu, Histoire quantitative, histoire sérielle (Paris: Librairie Armand, 1995), p. 131. 14 Dominique Urvoy, Le monde des ulémas andalous du Ve-Xie Au Viie-Xiiie siècle: Etude sociologique (Genève: Librairie Droz, 1978), p. 30.
عنه لدى المؤلف. وقد نبّه الذهبي مثلً، حينما تطرّق إلى هذا موضوع، إلى أنّ المتقدّمين لم يعتنوا بضبط الوفيات كما ينبغي، بل
عوّلوا على حفظها، فذهبت تواريخ كثير من أعيان الصحابة والتابعين. ثمّ لمّا اعتنى المتأخّرون منهم بذكر وفيات الأئمة، فإنّهم
"ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا بهم، فحُفظت وفيات خلق من المجهولين وجُهلت وفيات أئمة من المعروفين"15. وإذا كانت الإشارات التي ذكرها الذهبي، ثمّ من بعده السخاوي، قد أطّرت كتابات المؤرّخين وعملت على مؤاخذتها، لكونها
جانبت الصرامة العلمية في تدوين المعطيات التاريخية الخاصّة بالأئمة والحفّاظ، فإنّ الباحث في هذه المؤلفات لا يكاد يقف إلّ على إشارات نادرة ومتفرّقة عن تواريخ الميلاد والوفاة للشخصيات المترجم لها، وهي معلومات تتعلّق بصفة عامّة بالقضاة والمشايخ
والعلماء الذين أدّوا أدوارًا بارزة في الحياة العلمية والسياسية والاجتماعية، بما في ذلك التدريس والإفتاء والقضاء والكتابة. وحتّى إذا
كانت هذه الإشارات مفيدة في دراسة بعض الجوانب المتعلقة بالوفيات الفردية والتنقلّات، فإنّها لا تسمح بإجراء تقدير كمّي أو بحساب
المؤشّرات المتّصلة بنسبة الخصوبة ومتوسّط العمر أو معدّل الوفيات. لقد اشتغل شارل بيلا على 7808 ترجمة تمكّن من استخراجها عند تجريده كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهبلابن عماد الحنبلي.(ت 1089 ه/ 1679 م). لكنّه لم يجد سوى 3311 ترجمة تتضمّن معلومات تمكّن من تحديد السنّ عند الوفاة (منهم 1573 ترجمة تحمل إشارات
دقيقة عن سنتَي الميلاد والوفاة)، أي 42 في المئة فقط من مجموعة التراجم القابلة للاستعمال في طرح قضايا تهمّ الديموغرافيا التاريخية
خلال فترة زمنية تغطّي زهاء ألف سنة من تاريخ العالم الإسلامي16. ويعدّ هذا الأمر دليلً على أنّ هذه المصادر ليست في النهاية سجلّت للولادات والوفيات والزيجات، بل تشير فقط إلى أهمّ التواريخ المتعلقة بمشاهير العصر الذي عاش فيه هذا المؤلف أو ذاك. وإذا أردنا قياس مدى صحّة مثل هذه الفرضيات بوساطة المعلومات التي توافرت لدينا عن 471 شخصية عاشت بإفريقية طوال فترة تمتدّ قرنًا ونصف القرن من الزمان، فإنّنا نجد أنّ المعلومات المتعلقة بالوفيات والولادات تتوزّع على النحو التالي: 112 ترجمة لا تتضمّن أي إشارة إلى تواريخ الولادة والوفاة. ӵ 9 تراجم تتضمّن تاريخ الولادة فقط. 268 ترجمة تتضمّن تاريخ الوفاة فقط أو تاريخًا تقريبيًا17. ӵ 65 ترجمة تتضمّن التاريخين معًا. ӵ 5 تراجم حدّدت فيها سنّ المترجم له عند الوفاة. ӵ 14 ترجمة تتضمّن احتم لً لتاريخ الوفاة.
هذا يعني أنّ التراجم القابلة للدرس في هذا الموضوع لا تتعدّى 15 في المئة من مجموع قاعدة البيانات التي حصلنا عليها. ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة كتب التراجم التي لا تولي ذكر المعلومات المتعلقة بتواريخ المترجَم لهم اهتمامًا كبيرًا، مثلما هو الأمر
15 أبو عبد الله محمد الذهبي، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق عبد السلام التدمري، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1993)، ص 16؛
أبو الخير محمد السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ، تحقيق فرانز روزنتال (بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.])، ص 92 - 93؛ ينظر أيضًا: محمد حالي،
"الديمغرافيا التاريخية للمغرب الوسيط من خلال تاريخ ابن خلدون"، مجلة المستقبل العربي، مج 36، العدد 416 (تشرين الأوّل/ أكتوبر 2013)، ص 54 – 71.
16 Pellat, "Quelques chiffres," p. 235.
17 نجد في تراجم العلماء إشارات إلى تواريخ وفاة تقريبية، كقولهم: توفّي قبل سنة كذا، أو توفّي سنة بضع وخمسين وكذا، أو في حدود سنة كذا ظنًّا أو مات قريبًا من
سنة كذا. وهي عمومًا معلومات تساعد في وضعها ضمن وفيات إحدى العشريات.
لدى بعض المؤلفين، مثل ابن الناجي (ت. 837 ه/ 1433 م) في معالم الإيمان18، والرصّاع في الفهرست19، وهو ما انعكس على المعطيات التي تضمّنتها كتبهم، ويفسّر أيضًا العدد الكبير من العلماء الذين نجهل عنهم أيًا من المعلومات المشار إليها. يبقى حرص مؤلفي كتب التراجم على توفير معلومات تتعلّق بتاريخ الولادة والوفاة للأشخاص المترجَم لهم متفاوتة ومتباينة، بحسب الشخصية وبحسب الفترة أيضًا، وفي الغالب يكون الحصول عليها أيسر حين يصبح الشخص مشهورًا ويعتني به المؤلفون20.
لكن حتّى بهذا الاحتمال تبقى الفرضية صعبة وبعيدة المنال في أغلب الأحيان، خصوصًا مع الذهنية السائدة لدى علماء المالكية الذين
يعتبرون أنّ التصريح بالعمر "قلّة مروءة"، وأنّ السؤال عنه "من السفَهِ"، اعتمادًا على حديث لمالك: "سؤال الشيوخ عن أسنانهم من السفَه"21. وهو ما يظهر جليًّا في الرواية الخاصّة بالمعروف ابن الحاج أبي البركات محمّد بن أبي بكر، حينما سأله السلطان أبو عنان
عن عمره، فأجابه إنّه: "ليس من المروءة أن يخبر الرجل بسنّه كذا قال مالك"22. وهذا الموقف كانت له تأثيرات في المعلومات التي تقدّمها كتب التراجم والطبقات، خصوصًا عندما يلتزم أحد المؤلفين بموقف الإمام مالك، ولا يسعى للحصول على ما ينقصه من تواريخ تتعلّق بالشخصيات المترجَم لها في كتابه. وهو ما ذُكر مثلً عن ابن بشكوال (578 ه/ 1182 م) صاحب كتاب الصلة في تاريخ أئمّة الأندلس، أنّه:"كان يكره أن يسأله أحد عن مولده ويذكر لسائله الخبر المروي مسلسلً عن مالك: أقبل على شأنك، ليس من مروءة الرجل أن يخبر بسنّه"23. بناء على ذلك، تبقى المعطيات القابلة للدرس قليلة جدًّا كما رأينا بالنسبة إلى القائمة التي قدّمناها، أي إنّها 65 ترجمة فقط، نضيف إليها التراجم الخمس التي حُدّدت فيها السنّ عند الوفاة، فنحصل على 70 ترجمة، وهو ما يُضعف من فرص إجراء دراسة
متكاملة عن الديموغرافيا التاريخية، التي تتطلّب أساسًا توافر المعلومات الكافية كمًّا وكيفًا، وهو ما لا يمكن الحصول على ما يضاهيه
خلال فترة امتدّت على مدى قرن ونصف القرن من الزمان. وقد سبق لعمر بن حمادي أن طرح مشكل عدم اهتمام مؤلفي كتب التراجم بتسجيل تواريخ الولادة والوفاة بنوع من الضبط، ودعا إلى اتّخاذ تدابير إضافية، مثل: جرد العديد من المؤلفات، إضافة إلى تجميع معطيات من أنواع أخرى من المصادر مثل كتب
الفهارس والرحلة، لاستعمالها في بعض الأحيان عباراتٍ تساعد على تقدير سنّ الشخصيات المترجم لها. والهدف من ذلك هو الحصول على معلومات إضافية والوصول في النهاية إلى تقدير السنّ لعدد من العلماء، مثل: تقدير مرحلة الصبا والشباب والشيخوخة للشخصية موضوع الدرس، مع البحث عن آخر التلاميذ الذين درسوا عليها، وآخر تنقلّاتها ومؤلفاتها، وكذلك آخر المناصب التي
18 لقد أحصينا في كتاب معالم الإيمانلابن الناجي، ما يقارب 45 ترجمة لعلماء لهم درجة من الأهمية العلمية. لكننا لم نجد أيّ معلومات حول تواريخ الولادة والوفاة.
19 يتعرّض الرصّاع في الفهرستأيضًا للعديد من المدرّسين والطلبة من دون تحديد تواريخ ولادتهم ووفاتهم.
20 هذه المؤلفات لا تسجّل في أغلب الأحيان المعلومات المتعلقة بتاريخ الولادة والوفاة إلّ للعلماء الذين تولّوا مناصب قضائية وإدارية مهمّة، أو الذين ينتمون إلى
عائلات علميّة مشهورة، أو كبار المؤلّفين والشيوخ. أمّا الأغلبية فلا يمكن التنبّؤ بهذه التواريخ بالنسبة إليهم إلّ إذا صرّح به المعني بالأمر أو عند حصوله على مرتبة علمية أو
منصب مهمّ. بالنسبة إلى هذا الموضوع يمكن العودة إلى العمل الذي قدّمه عمر بن حمادي، "كتب الطبقات ومشاكل استغلالها في أبحاث الديمغرافية التاريخية"، في:
عمر بن حمادي [وآخرون]، الديمغرافية التاريخية في تونس والعالم العربي (تونس: دار سراس للنشر، 1993)، ص 5 - 25. 21 ينظر: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، ج 2، تحقيق عبد القادر الصحراوي (المحمّدية، المغرب: مطبعة فضالة،
1970)، ص 128. 22 أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الزركشي، تاريخ الدولتين الموحّدية والحفصية، تحقيق محمد ماضور (تونس: المكتبة العتيقة، [د. ت.])، ص 105.
23 ينظر: محمد بن عبد الله بن الأبّار، التكملة لكتاب الصلة، تحقيق عبد السلام الهرّاس، ج 1 (بيروت: دار الفكر للطباعة، 1995)، ص 250؛ ابن حمادي،
"كتب الطبقات"، ص 7 - 8.
تولّتها، فإذا توافر كمّ من هذه المعلومات، يمكن في النهاية تقدير تاريخ الوفاة والعمر لعدد من الشخصيات، على الرغم من صعوبة
التعامل مع هذه المعطيات وتحويلها إلى أرقام دقيقة24. لذلك فإنّ عملية تجميع المعلومات من مصادر مختلفة، مع تشبيك المعطيات المتاحة، قد تمكّن من تجاوز النقائص التي تتميز بها كتب التراجم والطبقات25. وتساعد أيضًا على طرق عدد من مواضيع الديموغرافيا التاريخية، وذلك بإجراء تقدير كمّي أو
حساب بعض المؤشرات المتّصلة بالولادات وبتوزيع الوفيات ومعدّل الأعمار، وكذلك التنقلّات الفردية والجماعية، والأصول الجغرافية
الخاصّة بالوسط الاجتماعي موضوع الدرس.
ثانيًا: خصوصية المعطيات السكانية المتعلقة بالنخب العلمية ود لالااتها الديموغرافية
1. تطوّر وفيات العلماء زمنيًّا
استنادًا إلى المعطيات التي توفّرها كتب التراجم، قمنا بتوزيع تاريخ وفيات الشخصيات العلمية الموجودة في قاعدة البيانات
بحسب فترات زمنية محدّدة، بغية دراسةِ رمزيةِ تطوّرها، وعلاقتها بالوضعية الصحية العامّة في تلك الفترة. وتلك أرقام لا يمكن أن
نستنتج منها أي معلومات موثوقة عن النموّ الديموغرافي، ولا نتائج تخصّ العدد الإجمالي لسكان إفريقية للأسباب التي بينّاها أعلاه.
وهي معطيات هدفها تقديم معلومات تتّصل بصميم خصوصيات النخبة العالمة، وقياس مدى تأثّرها بما يعتمل في الواقع من أزمات
صحية ومن أمراض دورية، وخصوصًا بعد رواج الفكرة التي تحيل إلى انتمائها إلى فئة اجتماعية كانت ظروف عيشها أكثر ملاءمةً
وأوفر حظًّا لتنجو من الأوبئة والكوارث الطبيعية التي تواتر حدوثها على نحوٍ دوري، منذ أواسط القرن الثامن الهجري وحتّى أواخر
القرن 10 ه/ 16 م. يتّضح من خلال الشكل (1) أنّ كلّ عشرية قد شهدت أرقامًا مختلفة من وفيات العلماء (تراوح في المجمل بين 10 و 36)، وهي
أرقام عادية في الوهلة الأولى، ولا تمكّن من تقدير السقف الأقصى أو الحدّ الأدنى للساكنة الحضرية. لكن هذه الأرقام، في الحقيقة،
تعدّ مؤشّرًا مهمًّا لما يمكن أن تكون المنطقة قد شهدته من أوضاع ديموغرافية إبّان قرن ونصف القرن من الزمان، فالتذبذب الظاهر
في الأرقام يحمل في طياته العديد من الدلالات، خاصّة تلك العشريات التي ارتفع فيها عدد الوفيات. والمتأمّل في الظروف التاريخية، التي شهدتها إفريقية منذ أواسط القرن الثامن الهجري، يمكن أن يلاحظ وجود تطابق بين
العشريات التي يرتفع فيها عدد الوفيات، وحدوث وباء أو طاعون جارف في المنطقة، وما يعنيه ذلك من ازدياد الوفيات الهيكلية المرتبطة بالوضع الغذائي والصحّي للسكّان26.
24 ابن حمادي، ص 7 - 8. 25 نحن نعلم مثلً أنّ أبا إسحاق إبراهيم الأخضري قد توفّي سنة 879 ه، وقد قارب الثمانين، ما يجعلنا نخمّن بداهة أنّ عمره قد يراوح في أقصى الحالات بين 77 و 79 سنة.
ونجد أيضًا في ترجمة أبي زكريا يحيى القسنطيني إشارات تدلّ على أنّه ولد ظنًّا بعد عام 800 ه بقليل وتوفي سنة 888 ه، وهو ما يعطي عمرًا يناهز 83 - 85 سنة. أمّا أبو العباس أحمد
حلولو الذي توفّي سنة 879 ه، فقد كان عمره قبل ذلك بأربع سنوات لا يقلّ عن الثمانين. كلّ هذه الإشارات وغيرها نجدها مضمّنة في تراجم العلماء، وقد تساعد على تقدير أعمار
بعض الشخصيات. ينظر على التوالي: أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج 1 (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، [د. ت.])،
ص 169؛ ج 10، ص 216؛ محمد بن يحيى القرافيّ، توشيح الديباج وحلية الابتهاج، تحقيق علي عمر (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004)، ص 29.
26 أحمد السعداوي، "المغرب الإسلامي في مواجهة الطاعون: الطاعون الأعظم والطواعين التي تلته، في القرنين 8 و 9 ه/ 14 - 15 م"، معهد الآداب العربية، مج 58،
عدد 175 (1995)، ص 119 - 141.
| 28 | ||||||||||||||||||||||||||||||||
| 20 22 | ||||||||||||||||||||||||||||||||
| 14 | 15 16 | 15 | ||||||||||||||||||||||||||||||
| 10 | 11 12 | |||||||||||||||||||||||||||||||
بعد 900
وعشرين سنة، وعندما يأتي يذهب بالعدد العديد من الناس"27.
مليون نسمة28.
27 الحسن الوزّان، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجّي ومحمد الأخضر، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983)، ص 85.
28 أبو العباس أحمد بن علي المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد عبد القادر عطا، ج 4 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، ص 84. 29 الزركشي، ص 156؛ محمد بن أبي القاسم بن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، ط 3 (بيروت: دار المسيرة، 1993)، ص 180.
الشكل (1)
توزع عدد العلماء بحسب فترة الوفيات
20 15 ﻋﺪد اﻟﻌﻠﻤﺎء
ﻓﺘﺮة اﻟﻮﻓﻴﺎت ﺑﺤﺴﺐ اﻟﺘﻘﻮﻳﻢ اﻟﻩﺠﺮي
ومن المعلوم أنّ حركة الأوبئة أصبحت تجتاح إفريقية وبلاد المغرب بصفة دورية، بدءًا من سنة 748 ه/ 1347 م، وتواصلت
بالوتيرة نفسها إلى نهاية القرن التاسع الهجري (15 م) - (ينظر الجدول (1)) - مع اختلاف الوطأة الديموغرافية والاقتصادية، وهو ما أشار إليه الحسن الوزّان، حين اعتبر أنّ الوباء كان يظهر "في بلاد البربر على رأس كلّ عشر سنوات أو خمس عشرة سنة أو خمس
يظهر من الأرقام أنّ مخلّفات هذه الأوبئة كانت متفاوتة، والأخطر على الإطلاق هو ما شهدته المنطقة إبّان الطاعون الجارف
في سنة 748 ه/ 1347 م، الذي انتشر في المدن والأرياف، بشهادة المقريزي عند قوله: "وعمّ الموتان أرض إفريقية بأسرها، جبالها
وصحاريها ومدنها، وجافت من الموتى"29. وازدادت وطأة الموت العامّ في أثناء القرن التالي، خاصّة خلال وباء سنة 847 ه/ 1443 م،
ثمّ وباء سنة 857 ه/ 1453 م، وقد بلغ عدد الموتى في وباء سنة 872 - 873 ه/ 1467 - 1468 م ألف نفس يوميًّا بحسب ما ورد لدى الزركشي،
وربما بلغ 14 ألفًا في اليوم الواحد بحسب ابن أبي دينار، الذي قدّر الخسائر البشرية للسلطنة الحفصية في تلك الفترة بقرابة نصف
تدلّ كلّ المعطيات التي قدّمتها المصادر، مبدئيًّا، على أنّ إفريقية قد فقدت في بضع سنوات عددًا كبيرًا من السكّان، وأنّ
الأوبئة المتتالية كان لها تأثير بيّن في المستوى الديموغرافي، على الرغم ممّا شهدته البلاد من توافد مجموعات بشرية متأتّية من
مختلف المناطق المغربية والأندلسية، أو من البادية إلى المدينة30. ولم تكن بعض الفئات التي تعبر محظوظة نسبيًّا في منأى عن
هذا الوضع الصحّي المتدهور، حيث كانت نسب الوفيات مرتفعة في أوساط العلماء منذ منتصف القرن 8 ه/ 14 م، وأساسًا خلال القرن
9 ه/ 15 م كما هو مبين في الشكل (1)، وأكّدته مختلف المصادر التي واكبت هذه الفترة. فقد ختم عبد الرحمن بن خلدون كلامه، حينما كان بصدد الحديث عن فترة تعليمه، بأنّ الطاعون قد أهلك "الأعيان والصدور وجميع المشيخة "31، وفي مكان آخر متحدّثًا
أيضًا عن شيوخه قائلً: "ثمّ درجوا كلّهم في الطاعون الجارف "32، بمن فيهم المصاحبون لحملة أبي الحسن المريني على تونس. لكن في الحقيقة حتّى لو أقررنا بفكرة ما سمّاه بيار شونو "الديموغرافيا المجوّفة" التي يقودها الموت33، وبفكرة ما سمّاه محمّد
الطالبي "عمق الهاوية" الديموغرافية34، فإنّه من الصعب اعتماد الأرقام التي تقدّمها المصادر للإلمام بمختلف مظاهر الأزمة
وانعكاساتها الديموغرافية. فالأمر، بحسب أحد الباحثين، لا يتطلّب معرفة عدد الوفيات فقط، بل أيضًا عدد الأحياء؛ أي إنّ نسبة الوفيات من العدد الإجمالي للسكّان هي وحدها الكفيلة بتحديد مدى هول الكوارث التي أصابت تركيبة بشرية معيّنة35. لذلك، فإنّ الباحث مطالب، عند دراسة انعكاسات هذه الجوائح على السكّان، بالوقوف عند أهمّ النصوص والإحصاءات التي
تمكّن من إعطاء صورة تقريبية لتأثير الأزمات المشار إليها، وتقويم آثارها في الوضع الديموغرافي، ومعرفة المستوى العادي لمختلف التطوّرات الديموغرافية، خصوصًا ما يتعلّق منها بعدد السكان ومعدلّات النموّ، بغية تقدير حجم الجائحة وقياس مدى انتشارها. وبناءً
عليه، سنقوم بسرد بعض المعطيات الرقمية الواردة في المصادر أو الدراسات والأبحاث التي تعهّد أصحابها بتناول هذه الظواهر
السكّانية، ومحاولة الإجابة عن الاستفهام المتعلّق بمدى تأثير الموت الدوري وخطورته في التاريخ الديموغرافي، وذلك بالاقتصار على مدينة تونس فقط نموذجًا. في ظلّ غياب أي وثائق أو مصادر مكتوبة تقدّم معطيات ديموغرافية دقيقة، استعان ألكسندر ليزين بمقاربة تعتمد أساسًا
على استقراء المعطيات الأثرية – المعمارية للمنشآت الدينية، وذلك باعتبار أنّ عدد المصلّين في المساجد الجامعة يعدّ مؤشّرًا مهمًّا
لتطوّر عدد السكّان. وقد تمكّن، من خلال تحديد مساحة الجامع الأعظم في مدينة تونس وتتبّع طاقة استيعابه أثناء مختلف مراحل
توسيعه إبّان العهد الأغلبي، من استخلاص بعض الاستنتاجات الديموغرافية وتقدير نموّ عدد سكان المدينة من 6500 ساكن سنة
113 ه/ 732 م، إلى 9000 ساكن سنة 250 ه/ 864 م، مع العلم أنّ امتداد مدينة تونس في العهد الأغلبي، كان يصل إلى 500 متر من شرقها إلى غربها، وإلى نحو 1000 - 1300 متر من الشمال إلى الجنوب، ما يعطي كثافة سكانية تراوح بين 140 و 200 ساكن في الهكتار36. ويبدو أنّ هذا الرقم قد تضاعف في أواخر القرن 7 ه/ 13 م قياسًا على المعطيات التي قدّمها العبدري أثناء رحلته في اتّجاه
المشرق، حينما لاحظ أنّ المدينة كانت مكتظّة بالسكان، وأنّها على غاية الاتساع، مع كثرة أرباضها التي تحيط بها كالإكليل37.
30 محمد حسن، المدينة والباديةبإفريقية في العهد الحفصي، ج 2 (تونس: منشورات جامعة تونس الأولى، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1999)، ص 573 - 619. 31 عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تاريخ ابن خلدون، تحقيق خليل شحادة، ج 7، ط 2 (بيروت: دار الفكر، 1988)، ص 532. 32 المرجع نفسه، ج 7، ص 512.
33 Chaunu, Histoire quantitative, histoire sérielle , p. 208. 34 Talbi, pp. 51 - 60.
35 حالي، ص 54 - 71.
André Nouschi, Initiation aux sciences historiques (Paris: Armand Colin, 2005), p. 36.
36 اعتمد ألكسندر ليزين على المساحة اللازمة لكلّ شخص أثناء قيامه بالصلاة في جامع الزيتونة، التي قدرها ب 6. 0 ضارب 35. 1 متر، هذه المقاربة تأخذ في الاعتبار
.Lézine, Deux villes d'Ifriqiya , p. 35; Chapoutot-Remadi, pp. 235-236:م. ينظر 864 ه/ 250 مراحل توسيع مساحة جامع الزيتونة حتى سنة
37 أبو عبد الله محمد العبدري، رحلة العبدري، تحقيق علي إبراهيم كردي، ط 2 (دمشق: دار سعد الدين للطباعة والنشر، 2005)، ص 108.
الجدول (1) الأوبئة والطواعين التي تعرضت لها إفريقية من منتصف القرن 8 إلى نهاية القرن 9 ھ38
| المصادر | بعض الشهادات | نوع الكوارث | السنة (هجرية) |
|---|---|---|---|
| - ابن قنفذ، أنس ((3 (، ص 47. - ابن خلدون، رحلة ((4 (، ص 19 - 55. - المقريزي، ج 4، ص 84. | - "أيام الوباء العامّ" - "يموت ألف شخص يوميًّا" - "عمّ الموتان أرض إفريقية" | طاعون | 750 - 748 |
| - الشمّاع، الأدلّة ((4 (، ص 105. | - "ما نزل بالناس من الطاعون" - "وقع الوباء بتونس" | طاعون | 766 - 765 |
| - الأبي، الإكمال ((4 (، ج 6، ص 34. | - "وكان قد وقع الوباء بتونس سنة 796 ھ" | وباء | 796 |
| - ابن قنفذ، الفارسية ((4 (، ص 199. | وفي هذه السنة وقع وباء بتونس وجهاتها | وباء | 805 – 803 |
| - ابن قنفذ، ص 199. | في أوائل عام 847 كان الوباء بتونس وأنواحيها | وباء | 847 |
| - الزركشي، ص 147. | "وفي جمادى الأولى المذكور، وقع ابتداء الوباء بتونس..." | وباء | 857 |
| - الزركشي، ص 158. - ابن أبي دينار، ص 149. | - "وفي ذي القعدة عام 872 ابتداء الوباء بتونس ولا زال يتزايد إلى شوّال من عام 873 حتّى بلغ ألفًا كلّ يوم ثمّ ارتفع ذي الحجة مكمل العام". - "وفي سنة ثلاث وسبعين عظم الوباء بتونس، قيل أنّه بلغ عدد الموتى به 14 ألفًا كلّ يوم، وحصر في الزمام: 400 ألف عدا من لم يدخل في الزمام نحو المائة ألف". | وباء | 873 - 872 |
| - السرّاج، الحلل ((4 (، ج 1، ص 1090. | وباء | وباء | 895 |
| - ابن أبي دينار، ص 159. | وباء عظيم مات فيه خلق كثيرون | وباء | 899 - 898 |
38 اهتم العديد من الباحثين بجرد الأوبئة والطواعين والكوارث الطبيعية التي تعرّضت لها إفريقيّة خلال العهد الحفصي. يمكن الإحالة إلى دراسة: حسن، ج 2،
ص 614 - 618؛ جدلة، المجتمع الحضري، ص 37 - 38. 39 أبو العباس أحمد بن حسن بن قنفذ، أنس الفقير وعزّ الحقير، تحقيق محمد الفاسي وأدولف فور (الرباط: المركز الجامعي للبحث العلمي، 1965). ص 47.
40 ابن خلدون، رحلةابن خلدون، تحقيقمحمد بن تاويت الطنجي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2004.) 41 أبو عبد الله محمد بن الشمّاع، الأدلة البيّنة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية، تحقيق محمد الطاهر المعموري (بيروت: الدار العربية للكتاب، 1984). ص 105.
42 أبو عبد الله محمد بن خلفة الأبيّ، إكمال إكمال المعلّم، ج 6 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1980)، ص 34؛ ابن ناجي، ج 3، ص 119.
43 أبو العباس أحمد بن حسن بن قنفذ، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، تحقيق محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي (تونس: الدار التونسية للنشر، 1968.) 44 محمد بن محمد الأندلسي السرّاج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، ج 1، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1985)، ص 1090.
وبعد ذلك بقرابة قرن، يقدّم ابن الشمّاع معلومات عن وجود 7000 منزل داخل أسوار مدينة تونس39، ما يخلق احتم لً بوجود
42 ألف ساكن إذا افترضنا أنّ معدّل أفراد العائلة ستة في كلّ منزل كما اقترح روجر مولس عند دراسة بعض مدن البحر الأبيض المتوسط40؛ أو بوجود 52500 ساكن، إذا افترضنا أنّ متوسّط عدد أفراد العائلة الواحدة يساوي 5. 7 أفراد، مثلما يقدّر صالح بعيزيق،
على اعتبار أنّ المجتمعات الإسلامية تختلف في خصوصياتها عن المجتمعات الأوروبية وحتى المتوسطية41، أو بوجود عددٍ يبلغ 70 ألف ساكن، إذا اعتمدنا معدّل 10 أفراد لكلّ عائلة، كما ذهب إليه إبراهيم جدلة بدعوى أنّ هيمنة بعض الخصائص الأنثروبولوجية والسلوكيات الثقافية - من تعدّد الزوجات والجواري والخدم والعبيد وكثرة الإنجاب - قد أثّرت في المورفولوجيا الاجتماعية، وانتشار ظاهرة العائلة الممتدّة، حيث يعيش الآباء والأبناء والأحفاد تحت سقف واحد42. وخلال القرن 9 ه/ 15 م، وتحديدًا سنة 873 ه/ 1468 م، زار أدورن مدينة تونس، ولاحظ أنّها ذات كثافة سكّانية عالية قدّرها ب 800 ألف ساكن، ولم يلاحظ وجود فارق في تناقص عدد السكّان، على الرغم من فقدانها في ظرف وجيز قرابة 260 ألف شخص بسبب الوباء43. هذا العدد الذي عدّه الباحثون مبالغًا فيه ولا يمكن أن يكون معبّرًا عن الواقع جرى تصحيحه بالاعتماد على المعلومات التي
قدّمها الرحّالة نفسه، عن عدد مساجد المدينة وجوامعها، الذي قدّره في الفترة نفسها ب 100 مسجد جامع؛ ما مكّن من تقديم عدد أكثر واقعية، يساوي 100 ألف نسمة على أقصى تقدير44. ثمّ أحصى الحسن الوزّان، في أوائل القرن 10 ه/ 16 م، 10 آلاف "كانون" داخل أسوار المدينة45، وأكثر من 300 خارج ربض
باب سويقة، وربض آخر خارج باب المنارة يضمّ ألف كانون، وكلاهما عامر بعدد لا يحصى من الصنّاع والصيادين والعطّارين. وبحسب
المعلومات نفسها، يمتدّ ربض آخر خارج باب البحر يضم 300 كانون يقطنه النصارى والمسلمون46. ما يعطينا رقمًا إجماليًا يقدّر
ب 11600 مسكن؛ ويقابله حوالى 69600 ساكن إذا اعتمدنا معدّل 6 أفراد لكلّ عائلة47؛ و 87000 إذا اعتمدنا معدّل 5. 7 أفراد للأسرة الواحدة؛ و 116000، إذا ما اعتمدنا 10 أفراد لكلّ أسرة. ومن الطبيعي أن يتزايد هذا العدد في عصر ابن أبي دينار إلى 180 ألف نسمة على أقلّ تقدير48.
45 ابن الشمّاع، ص 105.
46 هناك في الحقيقة مشكل في اختيار الضارب المعبّر عن متوسّط الأسرة ويمكن من خلاله احتساب مجموع السكّان، فقد توصّل روجر مولس إلى ضبط ضارب موحّد
يراوح بين 4 و 5، ورأى أنّ الضارب يرتفع بالنسبة إلى بعض المدن المتوسّطية ليصل أحيانًا إلى 6 أفراد. ينظر:
Roger Mols, Introduction à la démographie historique des villes d'Europe du XIVe au XVIIIe s , vol. 2 , (Louvain: Université de Louvain, 1955), p. 101.
47 اعتبر صالح بعيزيق أنّ المجتمعات الإسلامية تختلف في خصوصيّاتها عن المدينة الأوروبية وحتى المتوسّطية، فهي تتميز عمومًا بالزواج المبكّر وتعدّد الزوجات
والإنجاب من الإماء والجواري، مع الرغبة في كثرة الإنجاب الذي يرفع من شأن المرأة ويدعم مركزها. لذلك تزيد إمكانية أن تكون الأسرة مكوّنة من رجل وأربع زوجات،
وقد تعيش في منزل واحد أكثر من أسرتين تحت سلطة الأب الأدبية والمادّية، لذلك اقترح معدّل 5. 7 أفراد لكلّ عائلة. ينظر: صالح بعيزيق، بجاية في العهد الحفصي
(تونس: منشورات جامعة تونس، كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2006)، ص 111؛ بعيزيق، "سكّان مدينة تونس في العهد الحفصي"، ج 1، ص 114 - 115.
48 جدلة، المجتمع الحضري، ص 38.
49 Brunschvig , p. 200.
50 روبار برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، ترجمة حمادي الساحلي، ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988)،
ص 389؛ ينظر أيضًا: عبد العزيز الدولاتلي، مدينة تونس في العهد الحفصي، ترجمة محمد الشابي وعبد العزيز الدولاتلي (تونس: دار سراس للنشر، 1981)، ص 117.
Brunschvig, pp. 158 , 189 , 206 ; Chapoutot-Remadi, pp. 235 - 262.
51 مصطلح "كانون" يعني الأسرة المكوّنة من 6 أفراد، بحسب المعدّل الذي قدّمه روجر مولس للمدن المتوسّطية، ينظر:.Mols, vol. 2. p. 101
52 الوزّان، ج 2، ص 74.
53 Chapoutot-Remadi, pp. 235 - 262.
54 ابن أبي دينار، ص 164.
وعلى الرغم من أنّ هذه الأرقام تبقى تقريبية ولا ترقى إلى مستوى الإحصاءات الدقيقة التي تعكس الواقع الديموغرافي لمدينة تونس في الفترة موضوع الدرس، فإنّها مع ذلك تحمل دلالات على وجود تطوّر ديموغرافي بطيء جدًّا خاصّة إذا ما جرت قراءته على امتداد
المدّة الزمنية التي شملتها هذه الإحصاءات. وهو ما يعبّر عنه في المصطلحات الجغرافية بالنموّ الديموغرافي البدائي. وهو نموّ يخصّ عادة
المجتمعات التقليدية، ويتميز بارتفاع نسبة الولادات ونسبة الوفيات ما يعطي نموًّا ديموغرافيًا مستقرًّا أو بطيئًا. وينطبق الأمر نفسه تقريبًا على
مدن أخرى خاصّة منها مدينة بجاية، التي شهدت انطلاقًا من الإحصاءات التي قدّمها صالح بعيزيق، تطوّرًا سكانيًّا بطيئًا، حتى نهاية القرن
9 ه/ 15 م، على الرغم من تواتر الأوبئة والطواعين، وما ارتبط بها من ازدياد الوفيات الهيكلية المتعلقة بالوضع الغذائي والصحّي للسكان49. ويبدو أنّ الأمر لا يخصّ فقط المدن الأفريقية، بل يشمل جميع الحواضر الإسلامية بحسب الإحصاءات التي قدّمها طارق
مداني عن كلّ من مدينة فاس ودمشق وحلب والقاهرة، في الفترة نفسها تقريبًا50. وقد لاحظ اعتمادًا على ما قدّمة مارشال هودجسون
أنّ العالم الإسلامي ظلّ مركزًا للبشرية لغاية القرن السادس عشر ميلادي، حتّى إنّ أوروبا لم تستطع تجاوز هذا التفوّق الديموغرافي،
على الرغم من النهضة التي شهدتها واكتشافها العوالم الجديدة؛ وهو ما أكّده أيضًا غابريال مارتينيز -غرو، حينما طرح هذه الإشكالية استنادًا إلى المعطيات الديموغرافية والإحصاءات التي قدّمها المؤرّخ الديموغرافي جان نويل بيرابن، وهي إحصاءات تكشف عن
ارتفاع نسبة سكّان الحواضر الإسلامية مقارنة ببقية العالم في القرن الخامس عشر الميلادي، على الرغم من تردّي الظروف الصحّية
نتيجة اكتظاظ المدن والحساسية الكبيرة للكوارث الديموغرافية كالأوبئة والمجاعات51. ولتأكيد هذه الاستنتاجات، يشدّ الانتباه تلك الحركية التي شهدتها مدينة تونس في زيادة عدد المساجد الجامعة وتوسيعها، فقد ذكر
الراشدي أنّ عدد المساجد قد بلغ نحو المئة في أواخر العهد الحفصي52، ما يسمح بالتفكير في عدم حصول شيء من الانخفاض في عدد سكّان المدينة بصفة عامّة. وهذا لا يستند طبعًا إلى حسابات معيّنة، بل يعتمد فقط على التقدير، وما يمكن توقّعه من نتائج ازدياد عدد
المصلّين، وما يتعلّق به من توسّع في المجال الحضري وارتفاع في النموّ الديموغرافي للسكان. مع الأخذ في الاعتبار، بطبيعة الحال، ذلك
الاندفاع نحو القيام بالواجبات الدينية، بسبب التفاعل بين المستجدّات الطبيعية (كوارث طبيعية وأوبئة ومجاعات) والإفرازات السلوكية
والذهنية للإنسان، الذي يجعل وراء كلّ تغيّر طبيعي قوّة انتقامية إلهية لا يمكن دفعها إلّ بالتوبة والتضرّع والصلاة53. ومهما يكن من أمر، فإنّه يتّضح، من خلال الاطلّاع على الأرقام، صحّة ما ذهب إليه محمد الطالبي حينما تحدّث عن وجود
انهيار في عدد السكان في أواخر الفترة الوسيطة54. لكن في الحقيقة يصعب، من ناحية أخرى، الاقتناع بأنّ المسار الديموغرافي العامّ كان في انخفاض متواصل حتى نهاية القرن 9 ه/ 15 م، بل نميل أكثر إلى أنّه كان ثمّة انخفاض ملحوظ في عدد السكان فقط في
55 بعيزيق، بجاية، ص 116. 56 ينظر: طارق مداني، "المؤرّخ والمقاربات الكمّية: حول الدراسات الديمغرافية لبعض الحواضر الإسلامية، عرض أطروحات وإثارة تساؤلات"، أسطور للدراسات التاريخية،
العدد 10 (تموز/ يوليو 2019)، ص 7 - 32. 57 المرجع نفسه، ص 13؛ ينظر أيضًا:
Marshall Hodgson, The Venture of Islam: Conscience and History in a World Civilization , vol. 2: The Expansion of Islam in the Middle Periods (Chicago: The University of Chicago Press, 1974); Gabriel Martinez-Gros, “La seconde islamisation du monde,” in: Patrick Boucheron (dir.), Histoire du monde au XVe siècle , vol. 2: Temps et devenirs du monde (Paris: Édition pluriel, 2017), p. 416 ; Jean-Noël Biraben, “L’Histoire du peuplement humain des origines à nos jours,” in: Graziella Caselli, Jacques Vallin & Guillaume Wunsch (dir.), Démographie: Analyse et synthèse , vol. 5: L’Histoire du peuplement et prévision (Paris: Edition de l’INED, 2004), pp. 9 - 31.
58 عمر بن علي الراشدي، ابتسام الغروس ووشي الطروس في مناقب بن عروس (تونس: مطبعة الدولة التونسية، 1303 ه)، ص 233. 59 ينظر في هذا المجال ما كتبه: عبد الهادي البياض، الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس (بيروت: دار الطليعة للطباعة
والنشر، 2008)، ص 319. 60 جدلة، المجتمع الحضري، ص 38؛ 59. p , Talbi.
فترات انتشار الطواعين والأوبئة، ثمّ سرعان ما كانت الكثافة السكانية تعود إلى وضعها الطبيعي في السنوات الخالية من الأمراض.
وهو ما أكّدته إحدى الدراسات التي اعتبرت أنّ خضوع تركيبة المسلمين السكانية لقوانين الجوع والمرض لم يمنع من ارتفاع عدد السكان في القرنين 9 - 10 ه/ 15 - 16 م، لكنّها خلّفت في المقابل نقصًا كبيرًا في عدد الرجال، وتوزيعًا مجاليًّا متباينًا نتيجة تضاؤل سكّان
البوادي لفائدة المدن والحواضر الكبرى55. لذلك، على الرغم من أنّ المجاعات والكوارث الطبيعية قد أسفرت، خلال بعض الفترات، عن نقص خطير في عدد السكّان، فلا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عن الهجرات المتتالية التي استوعبتها المنطقة منذ بداية القرن 7 ه/ 13 م، مع توقّع تواصل حركيتها حتّى نهاية الفترة الوسيطة56. ولا يمكن أيضًا التغاضي عن المظاهر الشائعة في المجتمعات الإسلامية التي تتميز بالزواج
المبكّر وتعدّد الزوجات، وعدد أفراد العائلة الواحدة الكبير، فنحن نتذكّر مثلً أنّ كثرة العيال وقلّة ذات اليد قد منعت ابن راشد القفصي
من السفر خلال القرن 8 ه/ 14 م57، وقد كان لأبي محمد عبد الله الشبيبي أيضًا (ت. 782 ه/ 1370 م) عيال كثيرة، ما دفعه إلى الخروج للحرث عند الأعراب58. تتفاعل كلّ هذه المعطيات مع ارتفاع نسبة الوفيات وكثرة الجوائح والكوارث الطبيعية لتعطي تطوّرًا بطيئًا للسكّان، وهي أرقام
تتماشى مع المجتمعات التقليدية المتميزة بولادات مرتفعة ووفيات مرتفعة، فتكون النتيجة نسبة نموّ ضعيفة جدًّا أو مستقرّة59. لنتجاوز هذه النصوص التي لا تفصح كثيرًا عن عدد دقيق للسكّان، فالنخب العلمية لم تكن بمنأى عن الموت الدوري الذي
أصاب مدن إفريقية وقراها منذ منتصف القرن الثامن الهجري. ونحن نلاحظ من خلال الشكل (1) خطورة الوضع الصحّي خاصّة
في أثناء وباء سنة 748 ه/ 1347 م، ثمّ سنة 847 ه/ 1443 م، الذي هلك فيه، بحسب الزركشي، الكثير من العامة وجمع من العلماء
والأعيان60.
2. متوسّط عمر علماء إفريقية عند الوفاة
إذا انطلقنا من النتائج التي توصّلنا إليها في العنصر السابق، فإنّه لا يمكن إلّ التقدير بأنّ أمل الحياة عند الولادة بإفريقية، في
تلك الفترة، كان قد تأثّر سلبيًّا بالموت الدوري الناتج من تواتر الأوبئة والطواعين، وأنّ الوضع كان قد شمل كلّ الأصناف الاجتماعية
على حدّ سواء، حتّى تلك الفئات التي وصفت بأنّها الأوفر حظًّا لتنجو من هذه الوضعية الصحية المتردّية التي مرّت بها إفريقية على
مدى عقود من الزمن. لكن في البداية لا بدّ من التذكير أنّه على الرغم من التحقّق من المعلومات المقدّمة في مصادر مختلفة عن الشخصيات نفسها،
والتمكّن أحيانًا من الحصول على تواريخ الولادة والوفاة، أو مباشرة على العمر عند الوفاة، فإنّنا لم نتوصّل إلى التعرّف سوى على أعمار
61 مداني، ص 13. 62 محمد الطالبي، "الهجرة الأندلسية إلى إفريقية أيام الحفصيّين"، في: دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى (تونس:
منشورات الجامعة التونسية، 1982)، ص 165 - 206. 63 عبد الباسط قوادر، ابن راشد القفصي وآثاره العلمية (تونس: الدار التونسية للكتاب، 2011)، ص 98. 64 أبو زيد عبد الرحمن بن محمّد الدبّاغ، معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، أكمله وعلّق عليه أبو القاسم بن عيسى بن ناجي التنوخيّ، حقّقه وعلّق عليه محمد
المجدوب وعبد العزيز المجدوب، ج 4 (القاهرة: مكتبة الخانجي؛ تونس: المكتبة العتيقة، 1968 - 1980)، ص 218. 65 ينظر حول مختلف أطوار الانتقال الديموغرافي المقال التالي:
Germaine Yeyret-Verner "Les différents types de régimes démographiques-Essai d'interprétation géographique," Revue de géographie alpine , vol. 40 , no. 4 (1952). pp. 547 - 566.
66 الزركشي، ص 158.
من ضعف حضور المعطيات المتعلقة بسنوات الولادة والوفاة لكثير من المترجَم لهم في مصادر الفترة الحفصية.
إفريقية خلال الفترة موضوع الدرس.
| 70.66 | |||||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 56 | 61 | ||||||
| 56 | 56.2 | ||||||
الهجري، أي ما يعادل 2. 65 بالتقويم الميلادي.
70 شخصية علمية عاشت في إفريقية خلال الفترة المدروسة (ينظر الشكل (2)). وهذا يعني أنّ كمية المعلومات القابلة للتوظيف في مثل هذه الإحصاءات ضئيلة، لم تتجاوز 15 في المئة من جملة العلماء الذين استطعنا الحصول عليهم، وهو يؤكّد ما أشرنا إليه سابقًا
قمنا من خلال المعطيات المتوافرة لدينا بتوزيع معدّل الوفيات إلى فترات زمنية مختلفة، بغية دراسة رمزية تطوّرها، واستخراج
بعض الملاحظات المتعلقة بمتوسّط العمر ومدى تأثّرها بالوضعية الصحّية، مع أخذنا في الاعتبار أنّ المعطيات التي حصلنا عليها
تتعلّق أساسًا بشخصيات تقدّمت في السنّ ونجت من خطر وفيات الأطفال المتواترة في المجتمعات التقليدية، ثمّ إنّها وصلت إلى ما
يكفي من الشهرة لتجد مكانًا لها في كتب التراجم والطبقات. لذلك، فمن الطبيعي عدم اعتبار هذه النتائج معدّلً لأعمار مجمل سكّان
الشكل (2)
تطوّر متوسط العمر عند الوفاة لدى العلماء
50 40 30 20 ﻣﺘﻮﺳﻂ اﻟﻌﻤﺮ ﻋﻨﺪ اﻟﻮﻓﺎة
ﻓﱰة اﻟﻮﻓﻴﺎت ﺑﺤﺴﺐ اﻟﺘﻘﻮﻳﻢ اﻟﻩﺠﺮي
تمثّل الأرقام الواردة في الشكل (2) متوسّط العمر المتوقّع عند الوفاة للشخصيات العلمية التي استطعنا الحصول على تواريخها
بدقة. وهي كما يبدو أرقام متقاربة راوحت عمومًا بين 56 و 70 سنة، من دون احتساب بعض الحالات الشاذّة أو الاستثناءات المتعلقة
بظاهرة التعمير. وإذا قمنا بعملية حسابية لمجمل هذه الأرقام، نتوصّل إلى تحديد متوسّط عمر عند الوفاة يبلغ 44. 68 سنة بالتقويم
تبدو الأرقام التي حصلنا عليها ضعيفة نسبيًّا إذا ما جرت مقارنتها بالنتائج التي تخصّ الفترة الأولى من الدولة الحفصية (من سنة
658 حتّى سنة 747 ه)، والتي بلغت 80 سنة (ينظر الجدول (2)) انطلاقًا من إحصاءات قمنا بها حول 25 شخصية علمية استطعنا
الحصول على أعمارها بكلّ دقّة من كتب التراجم والطبقات61، وهي لا تتماشى أيضًا مع بيانات أخرى من النوع نفسه ومع التركيبة السكانية نفسها في فترات سابقة، فالدراسات الكمية التي تناولت هذه الظواهر الديموغرافية واهتمّت أساسًا بالنخب العلمية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، تبين لنا أنّ متوسّط العمر يراوح عند الوفاة المحتسبة كمّيًّا من خلال كتب التراجم والطبقات، بين 73 و 84 سنة تتوزّع كما يلي: الأندلس: قامت الباحثة ماريا لويزا أفيلا بالاشتغال على 1144 ترجمة أندلسية عاشت بين منتصف القرن الرابع ومنتصف القرن الخامس الهجري (10 و 11 م). وعملت على احتساب متوسّط أعمار الشخصيات العلمية التي تمكّنت من معرفة تواريخ الولادة والوفاة الخاصّة بها (441 ترجمة من جملة قاعدة البيانات، أي نحو % 5. 38 من المجموع)، وحصلت على معدّل مستقرّ في حدود 8. 72 عامًا. وهو ما يتوافق تقريبًا مع النتائج التي حصل عليها كلّ من دومينيك إيرفوا وعمر بن حمادي عند اشتغالهما على أعمار علماء الأندلس والمغرب في العصر المرابطي، والتي تقدّر ب 75 سنة62. نيسابور: قام ريتشارد و. بولييت انطلاقًا من المعلومات التي يوفّرها كلّ من كتاب تاريخ نيسابور للحاكم النيسابوري، وكتاب السياق لتاريخ نيسابور لابن إسماعيل الفارسي، بتطبيق مجموعة من الإحصاءات على الشخصيات التي عاشت في مدينة نيسابور أو زارتها بين القرنين 4 و 5 ه/ 10 و 11 م، وحصل على متوسّط عمر عند الوفاة يساوي 78 سنة. وقام في عمل ثانٍ بتطبيق المسار المنهجي نفسه في دراسته ل 1700 ترجمة لعلماء نيسابور، ليحصل على متوسّط عمر عند الوفاة يقدر ب 84 سنة63. بغداد: استطاعت فانيسا فان رنترغام، في أثناء دراستها للنخب البغدادية، الحصول على تواريخ الميلاد والوفاة ل 1138 شخصية عاشت في مدينة بغداد أو مرّت بها في أثناء العصر السلجوقي، وتوصّلت إلى متوسّط عمر يبلغ 6. 74 سنة هجرية و 4. 71 سنة ميلادية64. مجمل العالم الإسلامي: تمكّن شارل بيلا، اعتمادًا على 3311 ترجمة تضمّنها كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهبلابن العماد، من الوصول إلى مجموعة من الاستنتاجات تخصّ تطوّر معدّل أعمار الأعلام على مدى تسعة قرون متتالية، وهي عمومًا معدلّات راوحت بين 72 و 81 سنة، في الفترة الممتدّة بين القرنين 2 - 8 ه/ 8 - 14 م، لينزل هذا الرقم إلى متوسّط عمر يبلغ 67 سنة خلال القرن 9 ه/ 15 م، وهو ما يتطابق مع الأرقام التي حصلنا عليها لعلماء إفريقية في الفترة نفسها تقريبًا65.
67 أخذنا نماذج من علماء عاشوا بإفريقية بين 626 - 747 ه، وهي المجموعة التي أمكننا الحصول على تواريخ ميلاد أفرادها ووفاتهم. 68 نذكر من بين الدراسات التي اهتمّت بالديموغرافية التاريخية بالأندلس:
Maria Luisa Avila , La sociedad hispanomusulmana al final des Califato (Approximación a un studio demográfico) (Madrid: CSIC, 1985); Urvoy, pp. 30 - 139 ;
عمر بن حمادي، "الفقهاء في عصر المرابطين"، رسالة تعمّق في البحث مرقونة، ج 1، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، 1978، ص 216 - 217.
69 ينظر أبحاث ريتشارد و. بولييت وخاصّة منها المقال التالي:
Richard W. Bulliet, "A Quantitative Approach to Medieval Muslim Biographical Dictionaries," Journal of the Economic and Social History of the Orient , vol. 13 , no. 2 (April 1970), pp. 195 - 211.
ينظر أيضً: ا
Richard W. Bulliet, "The Age Structure of Medieval Islamic Education," Studia Islamica , vol. 57 (1983), pp. 103 - 117. 70 Vanessa Van Renterghem, Les élites bagdadiennes au temps des seldjoukides: Etude d'histoire sociale , vol. 1 (Beyrouth/ Damas: Presses de l'Ifpo, 2015), p. 103. 71 Pellat, pp. 233 - 246.
| الاسم | تاريخ الولادة والوفاة | العمر عند الوفاة |
|---|---|---|
| أبو القاسم بن زيتون | 621 - 691 ه/ 1223 - 1292 م | 70 سنة |
| أبو العباس أحمد ابن الغماز | 609 - 693 ه/ 1210 - 1293 م | 84 سنة |
| أبو عبد الله محمد الكناني الشاطبي | 614 - 699 ه/ 1217 - 1300 م | 85 سنة |
| عبد الله بن هارون القرطبي | 603 - 702 ه/ 1206 - 1302 م | 99 سنة |
| أبو العباس أحمد التاجوري | 653 - 708 ه/ 1255 - 1308 م | 55 سنة |
| محمد بن إبراهيم ابن الدبّاغ | 651 - 709 ه/ 1253 - 1310 م | 58 سنة |
| ناصر الدين المشدالي | 631 - 731 ه/ 1234 - 1331 م | 100 سنة |
| ابن قنفذ الجدّ | 644 - 733 ه/ 1246 - 1333 م | 89 سنة |
| أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرفيع | 635 - 734 ه/ 1237 - 1333 م | 99 سنة |
| محمد بن راشد القفصي | 650 - 736 ه/ 1252 - 1336 م | 86 سنة |
| ابن القوبع محمد بن محمد القرشي | 664 - 738 ه/ 1266 - 1337 م | 74 سنة |
| أبو العباس أحمد بن محمد بن الحاج | 672 - 747 ه/ 1273 - 1346 م | 75 سنة |
| أبو المطرف بن عميرة | 582 - 658 ه/ 1186 - 1259 م | 76 سنة |
| أبو بكر ابن سيد الناس اليعمري | 597 - 659 ه/ 1200 - 1260 م | 62 سنة |
| أبو محمد عبد الله ابن برطلة | 580 - 661 ه/ 1184 - 1262 م | 81 سنة |
| محمد بن عبد الجبار الرعيني | 567 - 662 ه/ 1171 - 1263 م | 95 سنة |
| ابن عصفور الإشبيلي | 597 - 669 ه/ 1200 - 1270 م | 72 سنة |
| أبو القاسم بن علي بن البراء | 580 - 677 ه/ 1184 - 1278 م | 97 سنة |
| أبو علي الحسن بن موسى ابن معمر الهواري | 609 - 682 ه/ 1213 - 1283 م | 73 سنة |
| ابن الخباز اللواتي | 600 - 683 ه/ 1204 - 1284 م | 83 سنة |
| عبد الحميد ابن أبي الدنيا الصدفي | 606 - 684 ه/ 1210 - 1285 م | 78 سنة |
| حازم القرطاجني | 608 - 684 ه/ 1211 - 1285 م | 76 سنة |
| أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد | 610 - 685 ه/ 1214 - 1286 م | 75 سنة |
| أبو العباس أحمد بن عجلان | 607 - 690 ه/ 1211 - 1291 م | 83 سنة |
| أحمد بن يوسف اللبلي | 613 - 691 ه/ 1216 - 1291 م | 78 سنة |
| 9 م 6 | 78 |
أحمد بن يوسف اللبلي
الجدول (2) بعض التواريخ الخاصة بعلماء عاشوا بإفريقية بين عامي 626 و 747 ه
613 - 691 ه/ 1216 - 1291 م 78 سنة
لذلك لا بدّ من ربط هذه المعطيات الديموغرافية بواقعها الصحّي؛ فالاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي النسبي، مع غياب
الكوارث الطبيعية (بمعدّل كارثة كل 30 سنة) في المرحلة الأولى من الحقبة الحفصية، أسهم على ما يبدو في تحسّن الوضع الصحّي
وامتداد الأعمار، بينما أسفرت المجاعات والكوارث الطبيعية من أمراض وجفاف، ابتداءً من منتصف القرن 8 ه/ 14 م، إلى ازدياد
الوفيات الهيكلية المرتبطة بالوضع الغذائي والصحّي للسكّان، وإلى تراجع فرص البقاء على قيد الحياة عند الولادة. فمن البدهي إذًا الإقرار بفكرة التردّي الصحّي وبأنّ أمل الحياة عند الولادة بإفريقية إبّان هذه الفترة كان ضعيفًا نسبيًّا، خاصّة إذا
علمنا أنّ العديد من الشخصيات العلمية التي ورد ذكرها في المصادر قد توفّيت في أعمار تراوح بين الثلاثين والخامسة والأربعين، هذا إضافة إلى التراجم التي تشير إلى وفيات الطلبة أثناء مرحلة الدراسة، من قبيل:"وتوفّي في حال طلبه" أو "أخذوا العلم سنين وماتوا في حال طلبهم"66، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها الطالب، على الرغم من موته في سنّ مبكّرة، قد تميز في مختلف فروع
العلوم الشرعية، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى أحد أبناء عمر بن محمّد القلشاني الذي توفي على سنّ تناهز 39 سنة67. وهي كلّها إشارات
تعطي الدليل على مدى تأثير الوضعيات الصحية المشار إليها في النموّ الديموغرافي وفي فرص الحياة عند الولادة. لكن لا بدّ من التأكيد في المقابل أنّ هذه الإحصاءات قد ارتكزت على عيّنة صغيرة من مجموع قاعدة البيانات التي نمتلكها،
فنحن نفتقر إلى كلّ ما من شأنه أن يؤيد هذه الفرضية حسابيًّا، فعلى الرغم من أنّ نسبة الشخصيات التي تُوفّيت قبل سن 45 تعتبر
مهمّة، فإنّ الحالات التي تعترضنا لشخصيات طالت أعمارها كانت متكرّرة أيضًا، فقد توفّي البرزلي (741 - 844 ه/ 1340 - 1440 م)،
وأبو عبد الله محمد الزنديوي (874 ه/ 1469 م)، وأبو القاسم الرمّاح (ت. 887 ه/ 1482 م)، عن نيّف ومئة سنة. ونرى أيضًا أنّ الغالبية
العظمى من العلماء قد عايشوا ثلاثة أجيال متتالية أو كانوا على علاقة معها على الأقلّ، وهو ما يضمن حدًّا أدنى من التواصل العلمي. ومهما يكن من أمر، يمكن اعتبار أنّ متوسّط العمر المتوقّع عند الولادة لرجل علم عاش في الفترة الممتدّة من القرن 8 ه/ 14 م
حتّى نهاية القرن 9 ه/ 15 م بإفريقية، يقدّر ب 68 سنة من دون اعتبار الفوارق والحالات الشاذّة. ونظرًا إلى ضعف المعطيات، فإنّ هامش
الافتراض يبقى واسعًا، لكنّنا نستطيع التخمين أنّ الوضع الصحّي لبقية شرائح المجتمع يمكن أن يكون أسوأ بكثير، على اعتبار أنّ
النخبة العالمة تمثل استثناءً، وهي تنتمي إلى مجموعات كانت ظروف عيشها أكثر ملاءمة من غيرها، وربّما مثّلت انطلاقًا من هذا
الاعتبار المجموعة الأوفر حظًّا لتنجو من الموت الدوري بحسب عبارة إبراهيم جدلة68، فقد رفض ابن عرفة مثلً، في القرن 8 ه/ 14 م، الذهاب للتدريس، والتزم بيته عندما علم بانتشار الوباء في صفوف الطلبة. وعكف ابن ناجي في القرن التالي على تأليف كتاب ولم يخرج إلّ بعد مرور مرحلة الخطر69. ثمّ إنّ هؤلاء العلماء لا يشتهرون في العادة إلاّ إذا طالت أعمارهم فدرسوا وألّفوا الكتب واشتهروا
واستحقّوا مكانًا ضمن كتب التراجم، من دون اعتبار لعدد من لم يبلغ منهم هذه الدرجة، وبذلك جرى تجاهله أو توفّي في سنّ الشباب
أو في فترة الطفولة.
72 ابن ناجي، ج 4، ص 141 - 142. ويكفي الاطلّاع على النقوش الجنائزية التي قامت بجردها الباحثة رجاء العودي للوقوف على كثرة تواتر وفيات الشباب. تشمل
المصطلحات التي كثيرًا ما تعترضنا في هذه القبريات: "الشاب الصالح الفقيه" أو "الطالب النجيب" أو "الفقيه الطالب" أو "الطالب الشاب" أو "الشاب الفقيه". ينظر:
Raja El Aoudi-Adouni, Stèles funéraires tunisoises de l'époque Hafsides (628 - 975 / 1230 - 1574) (Tunis: Institut National du Patrimoine, 1997), vol. 1 , pp. 283 - 284 , vol. 2 , p. 403 , 481 , 491.
73 وهو حسن بن عمر بن محمد القلشاني (ت. 873 ه). ينظر ترجمته في: السخاوي، الضوء اللامع، ج 3، ص 120. 74 ينظر: جدلة، "السكّان الحضر بإفريقية"، ص 85 - 100. وذهب دومينيك إيرفوا إلى أن العلماء يعيشون حياة أقلّ مشقّة من تلك التي كانت تعيشها فئات أخرى من
المجتمع كالفلّح والعامل، ثمّ إنّهم أقلّ عرضةً للآفات وأقلّ مشاركة في الحروب والغزوات..Urvoy, p. 30
75 أبو القاسم بن أحمد البرزلي، جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتيين والحكّام، تحقيق محمد الحبيب الهيلة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2002)،
ج 6، ص 393؛ الأبي، ج 6، ص 34؛ ابن ناجي، ج 3، ص 119.
ولا بدّ أخيرًا من ملاحظة أنّه من الصعب تقديم إحصاءات دقيقة وحاسمة عن الوضع الديموغرافي في علاقته بالأوبئة والطواعين،
فنحن نفتقر إلى كلّ ما يمكن أن يؤيد الأرقام المتحصل عليها عن النخب العلمية، حتّى إنّ إمكانية مقارنتها بالشرائح الاجتماعية المرفّهة
والأكثر حظًّا في المجتمع من ناحية الغذاء والعناية الصحّية وظروف العيش، كالنخب السياسية والعسكرية والتجّار، تبدو شبه مستحيلة
وغير مجدية في الغالب؛ نظرًا إلى عدم اهتمام كتب التراجم بتقديم معلومات دقيقة مع ضعف قيمتها الإحصائية والديموغرافية.
خاتمة
يظهر بصفة واضحة تعدّد العقبات التي تعترض أي محاولة في ميدان الدراسات التي تهتمّ بالتاريخية السكانية، خلال العصر
الوسيط، لسبب رئيس يتعلّق بقلّة المعطيات المتوافرة في المصادر، وعدم دقّتها وتعدّد نقائصها. لكن على الرغم من ذلك فإنّ نقص
المعطيات ونسبيتها وصبغتها الافتراضية لا تخفي قيمة بعض النتائج على الأقل في تقديم الملامح الأساسية لهذه الديموغرافيا وشكلها العامّ زمن الأوبئة والطواعين، وهو ما عبّر عنه بيار شونو بالديموغرافيا المندمجة Insérée Démographie70؛ باعتبار أنّها وليدة
ذلك السلوك الثقافي الذي تتميز به المجتمعات الإسلامية عمومًا، كالزواج المبكّر وتعدّد الزوجات، وما يعنيه ذلك من ارتفاع نسبة
الولادات وانتشار ظاهرة العائلة الممتدّة حيث يعيش الآباء والأبناء والأحفاد تحت سقف واحد، إضافة إلى الذهنية السائدة التي تربط
غلبة القبيلة وعزّتها بالكثرة والعدد. ويوافق هذا السلوك الديموغرافي خاصّية ثانية تتعلّق أساسًا بالمجتمعات التقليدية المعروفة بكثرة
الوفيات الهيكلية المرتبطة بتردّي الوضع الغذائي والصحّي للسكّان، إلى جانب العوامل الأخرى المتعلقة بتواتر الأوبئة والطواعين وما
يعنيه ذلك من ارتفاع نسبة الوفيات ونتائجه المدمّرة على الوضع الديموغرافي. ظلّت هذه الجوائح في أغلب الأحيان وعلى الرغم من تعدّدها ذات تأثير مؤقّت، وتلتها عادة وضعية استقرار جديدة نتيجة
السلوك الديموغرافي الذي سبقت الإشارة إليه، إضافة إلى ظاهرة الهجرات التي أسهمت كثيرًا في تعمير الحواضر الكبرى، مع توقّع
حركيتها التي لم تتوقّف حتّى نهاية الفترة الوسيطة. أمّا الملاحظة الأخيرة فتتعلّق بالنخب العلمية التي طالما كانت تصنّف ضمن الفئة الاجتماعية المحظوظة نسبيًّا، نظرًا إلى أنّ
ظروف عيشها كانت أكثر ملاءمة من غيرها لتعبر بها حواجز الموت في إطار ما يسمّى قانون الانتقاء الطبيعي. لكنّ الأرقام التي توصّلنا
إليها تتضارب كليًّا مع هذه القاعدة، فقد تأثّرت هذه الفئة بما تعرّضت له إفريقية من أوبئة وطواعين طوال الفترة موضوع الدرس، وهو
أمر تأكّد من خلال ما وفّرته المصادر من معلومات، وكذلك ما توصّلنا إليه من أرقام تخصّ توزّع الوفيات أو متوسط الأعمار. وفي النهاية، لا يمكن أن تكون النتائج التي توصّلنا إليها إلّ محاولة لدراسة مسألة ما زالت في حاجة إلى كثير من المثابرة
والاجتهاد، وخصوصًا أنّ الأطروحات أو "المقاربات" Approches التي حاولت رصد آثار التنامي السكّاني ومتغيراته في مناطق مختلفة
من العالم الإسلامي – سواء تلك التي اعتمدت التقديرات الإحصائية من خلال مساحة المنشآت العمرانية وعددها (مساجد، حمّامات،
أرحية، شواهد قبور... إلخ)، أو التي اعتمدت المعطيات المضمّنة في الأدب البيوغرافي وفي المصادر المكتوبة والأرشيفات
بأنواعها - ظلّت تراوح مكانها، على الرغم من مساهمتها الأكيدة في بناء مقاربات إحصائية - ديموغرافية لجوانب كثيرة من تاريخ المدن الإسلامية. لكن بات من الضروري فتح آفاق جديدة وإقامة تواصل معرفي بنّاء بين كلّ هذه المقاربات وإحداث توازن بينها،
مع أخذنا في الاعتبار الارتباط الوثيق بين المعطيات السكانية والديموغرافية التي تقدّمها المحاولات التحليلية الكمّية بأطرها
76 Pierre Chaunu, Histoire, Science sociale. La durée, l'espace et l'homme à l'époque moderne (Paris: Société d'Édition d'Enseignement Supérieur, 1974), p. 305.
السياسية والذهنية والثقافية، التي تتميز بها المجتمعات الإسلامية. وإذا توافرت كلّ هذه الشروط مع المتابعة النقدية والحذرة للأرقام المتحصل عليها، فستتمكّن الدراسات السكانية بأنواعها من تجاوز النقص الكبير الموجود في المصادر والحوليات العربية، وسدّ
الثغرات المنهجية وتجاوز حدودها ونسبيتها، وطرح الظواهر السكانية وتفسيرها بقدر أكبر من العمق والرصانة.
المراجع
References
العربية
البقاعي، إبراهيم بن حسن. عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران. تحقيق حسن حبشي. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2004. ابن الأبار، محمد بن عبد الله. التكملة لكتاب الصلة. تحقيق عبد السلام الهرّاس. بيروت: دار الفكر للطباعة، 1995. ابن أبي دينار، محمد بن أبي القاسم. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. ط 3. بيروت: دار المسيرة، 1993. ابن حمادي، عمر. "الفقهاء في عصر المرابطين". رسالة تعمّق في البحث مرقونة. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية.
جامعة تونس. 1978. ابن حمادي، عمر [وآخرون]. الديمغرافية التاريخية في تونس والعالم العربي. تونس: دار سراس للنشر، 1993. ابن خلدون، عبد الرحمن. تاريخ ابن خلدون. ط 2. تحقيق خليل شحادة. بيروت: دار الفكر، 1988. _______. رحلة ابن خلدون. تحقيق محمد بن تاويت الطنجي. بيروت: دار الكتب العلمية، 2004. ابن الشمّاع، أبو عبد الله محمد. الأدلة البيّنة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية. تقديم وتحقيق محمد الطاهر المعموري.
بيروت: الدار العربية للكتاب، 1984. ابن قنفذ، أبو العباس أحمد بن حسن. أنس الفقير وعز الحقير. تحقيق محمد الفاسي وأدولف فور. الرباط: المركز الجامعي للبحث العلمي، 1965. _______. الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية. تحقيق محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي. تونس: الدار التونسية للنشر، 1968. الأبي، أبو عبد الله محمد بن خلفة. إكمال إكمال المعلّم. بيروت: دار الكتب العلمية، 1980. البرزلي، أبو القاسم بن أحمد. جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتيين والحكّام. تحقيق محمد الحبيب الهيلة. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2002. برنشفيك، روبار. تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م. ترجمة حمادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988. البياض، عبد الهادي. الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2008. بعيزيق، صالح. بجاية في العهد الحفصي. تونس: منشورات كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2006. جدلة، إبراهيم. المجتمع الحضري بإفريقية. قفصة: منشورات المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات، 2010. حالي، محمّد. "الديمغرافيا التاريخية للمغرب الوسيط من خلال تاريخ ابن خلدون". المستقبل العربي. مج 36، العدد 416
(تشرين الأول/ أكتوبر 2013).
حسن، محمّد. المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي، تونس: منشورات جامعة تونس الأولى، كلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية، 1999. الدبّاغ، أبو زيد عبد الرحمن بن محمّد. معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان. أكمله وعلّق عليه أبو القاسم بن عيسى بن ناجي
التنوخي. حقّقه وعلّق عليه محمد المجدوب وعبد العزيز المجدوب. ج 4. القاهرة: مكتبة الخانجي، تونس: المكتبة العتيقة،
دراسات وبحوث حول أفريقيا والمجال العربي - المتوسّطي. إشراف وتقديم إبراهيم محمد السعداوي. ج 1. تونس: مركز النشر
الجامعي؛ الجمعية التونسية المتوسطية للدراسات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية؛ كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 2013. الدولاتلي، عبد العزيز. مدينة تونس في العهد الحفصي. ترجمة محمد الشابّي وعبد العزيز الدولاتلي. تونس: دار سراس للنشر، 1981. الذهبي، أبو عبد الله محمد. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق عبد السلام التدمري. ط 2. بيروت: دار الكتاب العربي، 1993. الراشدي، عمر بن علي. ابتسام الغروس ووشي الطروس في مناقب بن عروس. تونس: مطبعة الدولة التونسية، 1303 ه. الزركشي، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم. تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية. تحقيق محمد ماضور. تونس: المكتبة العتيقة، [د. ت.]. السرّاج، محمد بن محمد الأندلسي. الحلل السندسية في الأخبار التونسية. تقديم وتحقيق محمد الحبيب الهيلة. ط 2. بيروت:
دار الغرب الإسلامي، 1985. السخاوي، أبو الخير محمد. الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ. تحقيق فرانز روزنتال. بيروت: دار الكتب العلمية، [د. ت.]. _______. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، [د. ت.]. الشماخي، أبو العباس أحمد بن سعيد. كتاب السير. تحقيق محمد حسن. بيروت: دار المدار الإسلامي، 2009. الطالبي، محمد. دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى. تونس: منشورات الجامعة التونسية، 1982. العبدري، أبو عبد الله محمد. رحلة العبدري. تحقيق علي إبراهيم كردي. ط 2. دمشق: دار سعد الدين للطباعة والنشر، 2005. العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد بن حجر. إنباء الغمر بأبناء العمر. تحقيق حسن حبشي. القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي، 1998. _______. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. بيروت: منشورات دار الجيل، 1993. القرافي، محمد بن يحيى. توشيح الديباج وحلية الابتهاج. تحقيق علي عمر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004. قوادر، عبد الباسط. ابن راشد القفصي وآثاره العلمية. تونس: الدار التونسية للكتاب، 2011. المقريزي، أبو العباس أحمد بن علي. السلوك لمعرفة دول الملوك. تحقيق محمد عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية، 1997. الوزّان، الحسن. وصف إفريقيا. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. ج 1. ط 2. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983.
اليحصبي، أبو الفضل القاضي عياض بن موسى. ترتيب المدارك وتقريب المسالك. تحقيق عبد القادر الصحراوي. المحمّدية،
المغرب: مطبعة فضالة، 1970.
الأجنبية
Abel, Armand. Mélange d'islamologie. Volume dédié à la mémoire d'Armand Abel par ses collègues, ses élèves et ses amis. Pierre Salmon (ed.). Leiden: E. J. Brill, 1974. Avila , Maria Luisa. La sociedad hispanomusulmana al final del Califato (Approximación a un studio demográfico). Madrid: CSIC, 1985. Balbas, Leopoldo Torres. "Esquema demografia de la ciudad de Granada." Al-Andalus. no. XXI (1965). _______. "Extension y demografia de las ciudades hispanomusulmans." Studia Islamica. no. 3 (1955). Boucheron, Patrick (dir.). Histoire du monde au XVe siècle, Temps et devenirs du monde. vol. 2. Paris: Édition pluriel, 2017. Brunschvig, Robert. Deux récits de voyage inédits en Afrique du nord au XVe siècle, Abd Al-Basit B. Halil et Adorne. Paris: larose, 1936. Bulliet, Richard W. "The Age Structure of Medieval Islamic Education." Studia Islamica. vol. LVII (1983). _______. "A Quantitative Approach to Medieval Muslim Biographical Dictionaries." Journal of the Economic and Social History of the Orient. vol. 13 , no. 2 (April 1970). Caselli, Graziella Jacques Vallin & Guillaume Wunsch (dir.). Démographie analyse et synthèse: L'histoire du peuplement et prévision. vol. 5. Paris: Edition de l'INED, 2004. Chaunu, Pierre. "Démographie historique et système de civilisation." Mélanges de l'Ecole Française de Rome. Moyen-Age , Temps Modernes. vol. 86 , no. 2 (1974). _______. Histoire quantitative, Histoire sérielle , Paris: Librairie Armand, 1995. _______. Histoire, Science sociale. La durée, l'espace et l'homme à l'époque moderne. Paris: Société d'Édition d'Enseignement Supérieur, 1974. Dupaquier, Jacques & Paul–André Rosental. "Démographie historique." Encyclopædia Universalis. France, (2008). El Aoudi-Adouni, Raja. Stèles funéraires tunisoises de l'époque hafsides (628- 975 / 1230-1574). Tunis: Institut National du Patrimoine, 1997. Garcin, Jean-Claude (dir.). Grandes villes méditerranéennes du monde musulman médiéval. Sous la direction de Ecole Française de Rome, 2000. Gilliot, Claude. "Ṭabakat." Encyclopédie de l'Islam , vol. X (1998). Goubert, Pierre. "Une richesse historique en cours d'exploitation. les registres paroissiaux." Annales. Économies, Sociétés, Civilisations, vol. 9 , no. 1 (1954). Hodgson, Marshall. The Venture of Islam, Conscience and History in a World Civilization. vol. 2. Chicago: The University of Chicago Press, 1974.
Lézine, Alexandre. Deux villes d'Ifriqiya: Sousse–Tunis, étude archéologique d'urbanisme, de démographies. Paris: Librairie Paul Geuthner, 1971. _______. "Sur la population des villes africaines." Antiquités Africaines. vol. 3 (1969). Louis, Henry. "Une richesse démographique en friche: Les registres paroissiaux." Population. vol. 8 , no. 2 (1953). Mahfoudh, Faouzi. "Aspects de la Démographie de la Ville de Sfax au Moyen âge (IX-XIIe siècle)." Acte du Colloque sur la Démographie en Tunisie et dans le Monde Arabe. 15-16 / 11 / 1991. Tunis: éd. CERES, 1993. Mols, Roger. Introduction à la démographie historique des villes d'Europe du XIVe au XVIIIe s. Louvain: Université de Louvain, 1955. Nouschi, André. Initiation aux sciences historiques. Paris: Armand Colin, 2005. Talbi, Mohamed. "Effondrement démographique au Maghreb du XI au XV s." cahier de Tunisie. no. 97 , 98. (1977). Pellat, Charles. "Peut-on connaître le taux de natalité au temps du Prophète? A la recherche d'une méthode." Journal of the Economic and Social History of the Orient. vol. 14 , no. 2 (August 1971). Urvoy. Dominique, Le Monde des Ulémas Andalous du Ve-XIe au VIIe-XIIIe Siècle: Étude sociologique. Genève: Librairie Droz, 1978. Van Renterghem, Vanessa. Les élites bagdadiennes au temps des seldjoukides: Étude d'histoire sociale. Beyrouth/ Damas: Presses de l'Ifpo, 2015. Yeyret-Verner, Germaine. "Les différents types de régimes démographiques- Essai d'interprétation géographique." Revue de Géographie Alpine. vol. 40, no. 4 (1952).