العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المعنى والفهم في تاريخ الأفكار

المعنى والفهم في تاريخ الأفكار

Meaning and Understanding in the History of Ideas

كونتن سكنر

علي حاكم صالح

الملخّص

ترمي هذه الدراسة إلى معاينة افتراضات منهجية رئيسة في حقل تأريخ الأفكار ونقدها وتبيان تهافتها. وتغطي كيفية تلقّي المؤرخين والمنظّرين، الكلاسيكيين أو المحدثين، لنصوص كلاسيكية أخلاقية وسياسية ودينية واجتماعية تمثل المعتمد في تاريخ الفكر الغربي. وتبرّز هذه الدراسة نماذج عديدة تكشف من خلالها كيفية جنوح تفسيرات وتأويلات لتقديم صورة عن مؤلف قد لا يقبل هذا المؤلف نفسه أن يصوَّرَ بها، أو تفرض أفكارًا ومثلًًا لاحقة على نصوص سابقة، فتكون النتيجة النهائية مجموعة أساطير لا تاريخًا. وبالفعل، تشخص هذه الدراسة مجموعة أساطير )أساطير: المبدأ، والاتساق، والتقويل، وغيرها( تقودها وتتحكم فيها اعتبارات معينة، تفضي هي بدورها إلى هراءات والتباسات تفسيرية شوّهت تاريخ الأفكار. ويجري تفصيل ذلك كله وتوضيحه من دون لبس بنماذج تطبيقية متنوعة وعديدة.

Abstract

This study examines central methodological assumptions in the field of the history and critique of ideas, exposing their incoherence. It discusses the ways in which historians and theorists, both classical and modern, interact with classical writings—be they moral, political, religious or social—that inform the history of Western thought. It cites examples that illustrate the way in which interpretations tend to present an image of an author which may be unacceptable to the author himself or herself, or project certain ideas or ideals back onto earlier texts in such a way that what we have in the end is not history, but a collection of myths or legends. Through a detailed explanation of concrete examples, the study diagnoses a set of myths that are driven and controlled by particular considerations, and which lead in turn to nonsensical propositions and interpretative ambiguities that distort the history of ideas.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ الفكري
  • تاريخ الأفكار
  • السياقية
  • المدارس التاريخية
Keywords:
  • History of Ideas
  • Intellectual History
  • Contextualism
  • Schools of Histography
كونتن سكنر | Skinner *Quentin
** Translation: Ali Hakim Saleh | ترجمة: علي حاكم صالح
المعنى والفهم في تاريخ الأفكار ***
Meaning and Understanding in the History of Ideas

مقدمة الترجمة

تُعد المقالة التي نقدّم تعريبها أحد أبرز الأمثلة لكتابات مدرسة كامبريدج للتاريخ الفكري Intellectual of School Cambridge History، ولا شك أنّ وسم هذه الأخيرة ب "المدرسة" ينطوي على بعض المبالغة، فهي لا تعدو أن تكون تيارًا. وتعتبر "السياقية" Contextualism في بحث "تاريخ الأفكار"، أهم ما يجمع بين أفرادها. وقد برز هذا التيار في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، وضم مجموعة من المؤرخين المُشتغلين بتاريخ الأفكار السياسية على وجه الخصوص، من بينهم جون جريفيل أجارد بوكوك (1924)- Pocock. A. G. J، الذي عُرف بأعماله حول تاريخ القانون الأنكلوسكسوني Law Common، وجون دان (1940)- Dunn John، الذي اشتُهر بأعماله المتعلقة بتاريخ الفكر السياسي لجون لوك. وأبرز أعلام هذا التيار أيضًا صاحب هذا المقال، كونتن سكينر (1940)- Skinner Quentin، الذي عمل على تأريخ الأفكار السياسية في مطلع العصر الحديث - ولا سيما كتابات نيكولو مكيافيلي وتوماس هوبز - والذي عُرف بإسهاماته في تطوير الفكر الجمهوراني الروماني الحديث Republicanism Roman - Neo في الفكر السياسي المعاصر1. ليس من اليسير الإلمام بالتطورات التي عصفت بحقل "تاريخ الأفكار" طوال القرن العشرين؛ وليس ذلك بسبب علاقته المُلتبسة بالعديد من الحقول التاريخية الأخرى فحسب2، بل أيضًا بسبب تطوره على نحو مُستقل في مجالات جغرافية مُختلفة، فضلً عن تفاعلاته مع سجالات تاريخية وفكرية مُتباينة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة3. وقد تكون أبرز مرحلة ينبغي الوقوف عندها هي المرحلة التي توقّف فيها المُؤرخون عن تناول "تاريخ الأفكار" Ideas of History، وشرعوا في الاشتغال ب "التاريخ الفكري" Intellectual of History، الذي تُعد هذه المقالة واحدة من مراحله الفارقة.

من تاريخ الأفكار إلى التاريخ الفكري

يتصدَّى سكينر في مقالته لنقد آرثر أونكن لوفجوي (1873 - 1962) صاحب الدور البارز في رسم ملامح حقل "تاريخ الأفكار" عبر كتابه سلسلة الوجود الكبرى: دراسة لتاريخ فكرة4، ومن ثمّ تأسيسه دورية تاريخ الأفكار (1940)- Idea of History the of Journal؛ إذ قدَّم لوفجوي منهجيته في دراسة تاريخ الأفكار، متتبعًا فكرة "سلسلة الوجود الكبرى"؛ وهو تصوُّر فلسفي عن الكون، يجد أصله في الفلسفة اليونانية، وقد ساد في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوروبا، مفاده أن الكون يمتاز بثلاث خصائص، هي: الكمال، والاتصال، والتراتبية. تقتضي مهمة المؤرخ، بالنسبة إلى لوفجوي، الكشف عن "الوحدات الفكرية" Ideas Unit العابرة للأزمنة التاريخية، والتي تتوارى خلفه أقنعة العادات الذهنية اللاواعية Habits Mental Unconscious، لدى الأفراد والجماعات، في أزمنة تاريخية مختلفة5.

  1. للاطلاع على تطور حقل تاريخ الأفكار السياسية وصلته بالتاريخ الفكري، ينظر: Danielle Charette & Max Skjönsberg, "State of the Field: The History of Political Thought," History , vol. 105 , no. 366 (2020), pp. 470 – 483 , accessed on 16 / 2 / 2023 , at: https://bit.ly/ 3 YS 1 Dlk
  2. على سبيل المثال، ينظر: تاريخ الكتب Books of History، والتاريخ الثقافي History Cultural، والتاريخ الاجتماعي History Social، وتاريخ الفلسفة History Philosophical، وتاريخ الأفكار السياسية Thought Political of History، والتاريخ المفهومي History Conceptual.
  3. بشأن مقدمة وافية في موضوع تطور حقل "التاريخ الفكري"، ينظر: عمرو عثمان، "التاريخ الفكري: النشأة والموضوع والمنهج ووضعه في الدراسات التاريخية العربية الحديثة"، أسطور، مج 6، العدد 12 (تموز/ يوليو 2020)، ص 11 - 32.
  4. ينظر: ماجد فخري، سلسلة الوجود الكبرى: محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفي (بيروت: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1964).
  5. Arthur Oncken Lovejoy, The Great Chain of Being: A Study of the History of an Idea (Cambridge: Harvard University Press, 1964 [1936]), p. vii-x.

لا يمكن أن يؤدي المؤرخ هذه المهمة إلا إذا كان قادرًا على عبور حدود التخصصات الضيقة، حتى يصبح في إمكانه أن يكشف عن "الوحدات الفكرية" وصورها المتعددة. يؤاخذ سكينر هذا المُقترب بتصوره الساذج للسببية التاريخية والعلاقة بين الفعل والكلام، والصلة التي تجمع التاريخ بالأفكار؛ لذلك يعيد النظر في تلك المنهجية مُتأثرًا بكتابات تاريخ العلوم (روبن جورج كولينجوود، وتوماس كوهن)، مستندًا إلى نظرية أفعال الكلام Act Speech (جون سيرل، وجون لانجشو أوستن، ولودفيغ فتغنشتاين)، معيدًا التأكيد على البعد السياقية في البحث التاريخي6؛ إذ لا يتوقف تأريخ الأفكار، تبعًا لسكينر، على التعامل مع نصوص المُفكرين، بل يتجاوزه إلى ضرورة تقصِّي "قصدية" الكاتب، مُتسائل عن الإشكالات التي كان الكاتب يسعى إلى معالجتها. وهذا يُفضي إلى دراسة السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي خَبِرها الكاتب، إضافة إلى النصوص، والأشخاص الذين تفاعل معهم، والمواضيع والحوارات التي كانت تشغل المجال العام في زمنه. يوجز سكينر موقفه في العبارة التالية: "لا توجد أسئلة معمَّرة في الفلسفة. فليس ثمة غير إجابات فردية على أسئلة فردية. وبقدر توجد أسئلة كثيرة مختلفة، توجد إجابات مختلفة كثيرة. وعوضًا عن البحث عن 'عِبر' يمكن تطبيقها على نحو مباشر في تاريخ الفلسفة، سيكون من الأفضل أن نتعلم كيف ننفذ طريقتنا الخاصة في التفكير". وهكذا، ينتقل سكينر من تاريخ الأفكار إلى التاريخ الفكري، من الاهتمام بمعاني النصوص إلى مقاصد المُفكرين، وبذلك تتحطم أسطورة "الحكمة الخالدة"، وتنحلّ مركزية الفلسفة؛ إذ يغدو الفكر متنًا تاريخيًّا؛ ومن ثمّ، فإن محلّ الخلاف الحاصل في قراءة النصوص ليس في تأويليات النص فحسب، بل إنه يشمل القدرة على "تمشيط التاريخ بالعكس" أيضًا. وبالموازاة مع ذلك، فإن هذا التحول لم يُعبر عن نفسه في تغيير منهجية مقاربة موضوع ما، بل بإعادة تشكيل موضوع البحث وآفاق الأسئلة المُمكن طرحها.

تاريخ الأفكار والفكر العربي المعاصر

تبرز أهمية "حقل" تاريخ الأفكار، في مجالنا العربي، في اللحظة التي نحاول فيها التفكير في العلاقة التي قد تجمع أدبيات "الفكر العربي"7 بهذا الحقل؛ إذ تتحرك العديد من الكتابات في فضاء "تاريخ الأفكار"، ولكن من دون مساءلة لمُقترباتها البحثية التاريخية. في كل الأحوال، لا تُضمر هذه الملاحظة زعمًا متمثلً في أن "الفكر العربي" هو "تاريخ أفكار" ضلّ طريقه، ولكنها محاولة لمساءلة القيمة "التأريخية" للمادة التي وفرها المفكرون العرب في كتاباتهم؛ ذلك أن توجّههم إلى التاريخ مُحمَّلين بمجموعة من الأفكار والقيم المُسبقة، محاولين وصل التاريخ بمسطرة "الوحدات الفكرية"، يُفقد البحث التاريخي سياقه ومقاصده "الفعلية". يورد سكينر في معرض نقده لقراءة ليو شتراوس القدحية في أعمال ميكافيلي قوله: "هنا يتحكم هذا البردايم بالاتجاه الذي يسلكه البحث التاريخي برمته. ولا يمكن إعادة تأويل التاريخ إلّ بالتخلي عن البردايم نفسه"8. وبناءً عليه، فإن القراءة التي يقدمونها، يُمكن أن نصفها، في كثير من الحذر، بأنها قراءة أيديولوجية للتاريخ أو كما يصفها سكينر: "مجموعة حيل نمارسها لاستغلال الموتى".

  1. صدرت في ضوء هذه المنهجية، عن منشورات جامعة كامبريدج، سلسلة كتب "أفكار في سياقاتها" Context in Ideas، وقد صدر منها أكثر من 120 كتابًا، قامت بتحرير إصداراتها الأولى لجنة مكوَّنة من سكينر وريتشارد رورتي Rorty Richard وجي بي سنوويند Schneewind. B. J. ينظر: " Context in Ideas:"، في https://ibit.ly/Pgaw
  2. ينظر مثلً: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط (1971) لطيب تيزيني، والنزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية (1978) لحسين مروة، وأسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم الحديث (1979) لفهمي جدعان، إضافة إلى كتابات محمد عابد الجابري، لا سيما تكوين العقل العربي (1982) والمثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد (1995)، ومحمد أركون نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مسكويه والتوحيدي (1997).
  3. كونتن سكينر، ترجمة علي حاكم صالح، "المعنى والفهم في تاريخ الأفكار"، أسطور، العدد 18 (شباط/ فبراير 2023).

إضافة إلى المنظور الجديد الذي يمنحنا إياه حقل تاريخ الأفكار، يساعدنا هذا الحقل على الوعي بالطبيعة "الجغرافية" لإنتاج المعرفة الإنسانية، وانتفاء صفة "الوحدة" والتعالي عنها، غير أن السمة الرئيسة لهذا المبحث، هي المساءلة الدائمة لما يستعمله المؤرخ في بحثه من عدة منهجية وأدوات مفهومية، فضلً عن موضوع البحث التاريخي نفسه. وقد تكون هذه الأسباب هي التي دعت كولينجوود إلى القول: "كل تاريخ هو تاريخ للفكر Thought of History  "9. عمر المغربي

  1. R. G. Collingwood, Jan van der Dussen (ed.) (Oxford: Clarendon, 1993), p. 115.

تتحدد مهمة مؤرخ الأفكار10 في دراسة مدونة النصوص الكلاسيكية المعتمَدة Canon وتأويلها. وتأتي أهمية هذا الضرب من الكتابة التاريخية مما تحمله تلك النصوص الكلاسيكية في الأخلاق والسياسة والدين وأنماط الفكر الأخرى من "حكمة خالدة"11في هيئة "أفكار كلية" Ideas Universal12. ولذلك يحدونا الأمل بالتعلم من البحث في هذه "العناصر السرمدية" والانتفاع بها عاجلً ما دامت تتمتع بصلة وثيقة معمرة13. وهذا بدوره يوحي بأن الطريق الفضلى لمقاربة هذه النصوص يجب أن تسلط الضوء على ما يقوله14كل واحد منها عن كل مفهوم من "المفاهيم الأساسية  "15 و"الأسئلة المتواترة" في الحياة الأخلاقية والسياسية والدينية والاجتماعية16. ويجب علينا، بتعبير آخر، أن نكون على استعداد لقراءة كل نص من هذه النصوص الكلاسيكية "كما لو أنه كُتب في يومنا هذا"17. وحقيق بنا مقاربة هذه النصوص على هذا النحو، مركّزين ببساطة على محاجّاتها، وفاحصين ما يتعيّن عليها قوله عن المسائل المعمرة. لكن إذا ما ضللنا الطريق وطفقنا نفحص الشروط الاجتماعية والسياقات الفكرية التي انبثقت منها هذه النصوص، فسوف نعشو عن الحكمة الخالدة، وتنحل، بذلك، صلتنا بقيمة دراستها والغرض منها18. في هذه الدراسة، أود أن أضع هذه الافتراضات موضع المساءلة وأنقدها، وأكشف إن أمكن تهافتها. ويبدو لي أن الاعتقاد بقدرة المنظّرين الكلاسيكيين على التعليق على مجموعة محددة من "المفاهيم الأساسية" كان مصدرًا لنشوء سلسلة من الالتباسات والهراءات التفسيرية التي شوّهت تاريخ الأفكار أمدًا طويلً. ومع ذلك، ليس من اليسير تمامًا عزل المعنى الذي كان فيه الاعتقاد

  1. للاطلاع على الطرائق المنوعة الغامضة التي يُستعمل فيها هذا التعبير على نحو محتوم كما يبدو، ينظر: Maurice Mandelbaum, "The History of Ideas, Intellectual History, and the History of Philosophy," The Historiography of the History of Philosophy , vol. 5 , Beiheft 5 (1965).
  2. G. E. G. A. Catlin, History of Political Philosophy (London: Routledge, 1950), p. x.
  3. William T. Bluhm, Theories of the Political System: Classics of Political Thought and Modern Political Analysis (Englewood Cliffs, N. J.: Prentice-Hall, 965), p. 13.
  4. Peter H. Merkl, Political Continuity and Change (New York: Harper & Row, Publishers, 1967), p. 3.
  5. Karl Jaspers, The Great Philosophers , vol. I (London: Harcourt, Brace & World, 1962); Leonard Nelson, "What is the History of Philosophy?" Ratio , no. 4 (1962), pp. 32 - 33 ; ; وبالنسبة إلىN. R. Murphy, The Interpretation of Plato's Republic (Oxford: Clarendon Press, 1951), p. v:ومن أجل التركيز على ما "قاله أفلاطون" قارن ما "قاله جون لوك"، قارن: 219 p. (1965), 13 no. , Studies Political.Alan Ryan, "John Locke and the Dictatorship of the Bourgeoisie,"
  6. Charles R. N. McCoy, The Structure of Political Thought: A Study in the History of Political Ideas (New York: Routledge, 1963), p. 7.
  7. للاطلاع على الأسئلة "المتواترة" و"المعمّرة"، ينظر: Hans J. Morgenthau, Dilemmas of Politics , 3 rd ed. (Chicago: The University of Chicago Press, 1958), p. 1 ; Mulford Q. Sibley, "The Place of Classical Theory in the Study of Politics," in: Roland Young (ed.), Approaches to the Study of Politics: Twenty-Two Contemporary Essays Exploring the Nature of Politics and Methods by Which It Can Be Studied , 3 rd ed. (Evanston: Northwestern University Press, 1958), p. 133 ; Leo Strauss & Joseph Cropsey, The History of Political Philosophy , 3 rd ed. (Chicago: The University of Chicago Press, 1963), preface; للاطلاع على الأسئلة المعمَّرة بوصفها الضامن (الوحيد) "لراهنية" النصوص الكلاسيكية، ينظر: Andrew Hacker, "Capital and Carbuncles: The 'Great Books' Reappraised," American Political Science Review , vol. 48 , no. 3 (September 1954); Robert G. McCloskey, "American Political Thought and the Study of Politics," American Political Science Review , vol. 51 , no. 1 (March 1957); للاطلاع على عرض أحدث للحالة نفسها، ينظر: Mark Bevir, "Are There any Perennial Problems in Political Theory?" Political Studies , no. 42 (1994).
  8. Allan Bloom, "The Study of Texts," in: Melvin Richter (ed.), Political Theory and Political Education (Princeton, N. J.: Melvin Richter, 1980).
  9. Hacker; Bluhm, p. 13.

مضلّلً. من اليسير وصمُه بأنه "خطأ قاتل  "19، لكن في الوقت نفسه يصعب إنكار أنّ تاريخ المتابعات الفكرية المختلفة قد مُهر بتوظيف مفردات مميزة ومستقرة نسبيًا20. وعلى فرض أننا أيّدنا القناعة المهلهلة التي ترى أننا لا نستطيع أن نحدّد هذه الفعاليات المختلفة ونميّزها إلّ وفق "تشابهات عائلية" مختلفة، فسوف نبقى ملزمين بقبول استعمال بضعة معايير وقواعد، حيث يمكن أن تؤخذ إنجازات معينة، أو تُستبعَد، شواهدَ على فعالية معيّنة. وإلا فإننا لن نتوفّر، في نهاية الأمر، على وسيلة لرسم إطار لتواريخ الفكر الأخلاقي أو السياسي، أو حتى الكلام عليها بوصفها تواريخ فعاليات معتبرة على الإطلاق، بَلْهَ تسويغ إجرائنا هذا. وفي الواقع، يبدو أن حقيقة هذا الزعم، وليس لامعقوليته، القائل إن مثل هذه الفعاليات يجب أن تكون لديها مفاهيم مميزة، هي المصدر الرئيس للالتباسات؛ لأنه إن كان لا بد من وجود تشابه عائلي Resemblance Family بين شواهد على فعالية معيّنة لتمييز هذه الفعالية ذاتها، فسوف يغدو من المحال على أيّ مراقب أن ينظر في أي فعالية من هذا القبيل، أو أي شاهد عليها، من دون أن تكون بحوزته بضعة تصورات مسبقة عما يمكن أن يجده. ستتضح الآن الصلة الوثيقة لهذه المعضلة بتاريخ الأفكار، ولا سيما بالزعم القائل إن على المؤرخ أن يركز ببساطة على ما تقوله النصوص الكلاسيكية عن الثيمات المعتمَدة. ولن نتوفّر على إمكان دراسة ما قالهكاتبٌ معيّن (خصوصًا إذا كان من ثقافة غريبة) من دون أن نفعّل توقعاتنا وأحكامنا المسبقة الخاصة بشأن ما يجب أن يقوله الكاتب. وهذه المعضلة يعرّفها علماء النفس عاملً محددًا لحالة المراقب الذهنية. فبخبرتنا الماضية "نكون مستعدين لإدراك التفاصيل بطريقة معيّنة"، وعندما يُثبت الإطار المرجعي هذا، "تكون العملية عملية تهيّؤ للإدراك أو لردة الفعل بطريقة معيّنة  "21. ويمكن أن نقرر، لأغراضنا الراهنة، النتيجة المتمخّضة عن ذلك في صورة قضية تفيد بأن النماذج والتصورات المسبقة التي بموجبها ننظّم ونعدّل، حتمًا، إدراكاتنا وأفكارنا ستجنح هي نفسها إلى أن تقوم بدور محدداتٍ لما نفكر فيه وندركه. فيتعيّن علينا أن نصنف من أجل أن نفهم، ونحن لا نستطيع غير تصنيف اللامألوف بموجب المألوف22. ولهذا، يتمثل الخطر الدائم الذي يكتنف محاولاتنا لتوسيع فهمنا التاريخي في أن توقعاتِنا لما يجب أن يقوله أو يفعله المرء هي نفسها سوف تحدد بأن فهمنا لما يجب أن يفعله الفاعل ربما لا يريد الفاعل نفسه، أو لا يستطيع، أن يقبله تصويرًا لما كان يفعله. اكتُشفت فكرة أسبقية النماذج Paradigms هذه، على نحو مثمر، في تاريخ الفن23، حيث كانت السبب وراء قصة تاريخية أساسية تتبّعت تطور الحركة الخداعية Illusionism لتفسح المجال أمام قصة تكتفي بتتبع المقاصد والأعراف المتغيرة. وجرى حديثًا استكشاف

  1. Alasdair MacIntyre, A Short History of Ethics: A History of Moral Philosophy from the Homeric Age to the Twentieth Century (London: Macmillan Science and Education and Macmillan Publishers, 1966), p. 2.
  2. للاطلاع على "لغة الفلسفة السياسية"، ينظر: Sheldon S. Wolin, Politics and Vision: Continuity and Innovation in Western Political Thought (Boston, Mass.: Princeton University Press, 1961), pp. 11 - 17.
  3. Floyd H. Allport, Theories of Perception and the Concept of Structure: A Review and Critical Analysis with An Introduction to a Dynamic- Structural Theory of Behavior (New York: John Wiley & Sons Inc., 1955), pp. 239 - 240.
  4. وكون هذا الأمر يجب أن يؤدي إلى تاريخ يُتصوَّر بموجب معاييرنا ومصالحنا الفلسفية (ومن غيرها؟) قد عُرضت عرضًا شاملً في: John Dunn, Political Obligation in its Historical Context: Essays in Political Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1980), pp. 13 - 28.
  5. ينظر: E. H. Gombrich, Art and Illusion: A Study in the Psychology of Pictorial Representation , 2 nd ed. (rev.) (London: Princeton University Press, 1961), esp. pp. 55 - 78. ولقد تبنيت تفسير غومبريتش للنماذج، حيث صاغ أيضًا العبارة المناسبة الآتية: "حيثما تكون ثمة طريقة، تكون ثمة إرادة أيضًا."

مماثل، لا يقل نفعًا، في تاريخ العلم24. وسأحاول هنا تطبيق مجموعة مماثلة من الاعتبارات على تاريخ الأفكار. والإجراء الذي سأتّبعه هو الكشف عن مدى تأثر الدراسة التاريخية الحالية والأنماط الأخلاقية والسياسية والدينية وغيرها من الأنماط الفكرية، بلوثة التطبيق اللاواعي للنماذج التي تسببت مألوفيتها للمؤرخ في تمويه عدم إمكان تطبيق هذه النماذج على الماضي. وفي الوقت نفسه، أنا لا أنكر ما لهذه المنهجية، التي أتعرّض إليها بالنقد هنا، من بعض النتائج المميزة. ومع ذلك أودّ الإصرار على الطرائق المنوعة التي تدرس ما يقوله كل كاتب كلاسيكي من أجل أن تدير، بطريقة لا مندوحة عنها، خطر الانزلاق القائم إلى هراء تاريخي، وفي الوقت نفسه من أجل تشريح الطرائق المنوعة التي قد تصنّف فيها النتائج، لا بوصفها تواريخ على الإطلاق، بل تُصنف، على نحو أكثر ملاءمة، بوصفهاأساطير.

تتخلق الأسطورة الأدوَم من توقع المؤرخين بأنهم سيجدون لدى كل كاتب كلاسيكي (في تاريخ النظرية الأخلاقية أو السياسية مثلً) مبدأًDoctrine تكوينيًا في كل موضوع يطرقه. وفي الحقيقة ليس ثمة إلّ خطوة قصيرة خطرة تفصل هذا التوجه عن الوقوع تحت سطوة تأثير (وإن كان تأثيرًا لاواعيًا) نموذج "اكتشاف" مبادئ معيّنة لدى مؤلف ما في المباحث الواجبة كلها. والنتيجة هي نمط من المناقشة يمكن أن نسمّيها أسطورة المبادئ Doctrines of Mythology. تتخذ هذه الأسطورة بضعة أشكال. أولً، ثمة خطر يتجسّد في تحويل ملاحظات مشتتة أو عَرضية تمامًا، دوّنها منظرٌ كلاسيكي إلى "مبدأ" من مبادئه في مباحثه المتوقعة. وهذا بدوره يولّد نوعين من الهراء التاريخي؛ أحدهما يسم أكثر ما يسم السير الذاتية الفكرية وتواريخ الفكر الأكثر شمولية، وفيه يجري التركيز على المفكرين الأفراد (أو على كوكبة منهم)، وثانيهما يسم أكثر ما يسم "تواريخ الأفكار"، وفيه يجري التركيز على تطور "وحدة فكرية" Idea Unit بعينها. الخطر الذي تنطوي عليه السير الذاتية الفكرية هو خطر المفارقة التاريخية Anachronism المحض. فربما "يُكتشف"، نتيجة قوة تشابه عرَضي في المصطلحات، أن مؤلفًا ما تبنّى نظرةً عن موضوع، في حين أنه لا يمكن، من حيث المبدأ، أن يكون قد قصد الإسهام فيه. لنأخذ مث لً على ذلك مارسيليوس من بادوا (1270 - 1342) الذي يقدم في موضع معيّن من كتابه المدافع عن السلام، ملاحظاتٍ ذات روح أرسطية عن الدور التنفيذي للحاكم، في مقابل الدور التشريعي للشعب25. وعندما يأتي شارحٌ حديثٌ إلى هذه الفقرة، يكون عارفًا معرفة جيدة مبدأً مهمًا في النظرية والممارسة الدستوريتين منذ الثورة الأميركية، وهو مبدأ الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية الذي هو أحد شروط الحرية السياسية. ويمكن تتبّع الأصول التاريخية لهذا المبدأ نفسه في ما توحي به الكتابات التاريخية (ولم يجرِ التدقيق في هذا الإيحاء إلّ بعد قرنين من وفاة مارسيليوس) بأن تطور جمهورية روما إلى إمبراطورية أبَان عن

  1. Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions (Chicago: The University of Chicago Press, 1962), esp. pp. 43 - 51 ; حيث يتبنى توماس كون فكرة "أسبقية النماذج". ينظر إصرارًا مماثلً في: R. G. Collingwood, An Essay on Metaphysics (Oxford: Oxford University Press, 1940), pp. 11 - 48 ; حيث يذكر كولينغوود أن فكر أي حقبة يَنتظم طبقًا ل "كوكبة من الافتراضات المسبقة المطلقة". وللاطلاع على تحليل قيّم لنظرية العلم عند توماس كون وما فيها من معانٍ ضمنية نافعة لمؤرخي الأفكار، ينظر: David A. Hollinger, In the American Province: Studies in the History and Historiography of Ideas (Bloomington, Ind.: Johns Hopkins University Press, 1989), pp. 105 - 129.
  2. Marsilius of Padua, The Defender of Peace [Defensor Pacis 1324], 2 vols., Alan Gewirth (ed. & trans.) (New York: Cambridge University Press, 1951 - 1956), vol. 2 , pp. 61 - 67.

الخطر الذي تتعرّض له حرية المواطنين، خطر متأصل في منح حكومة واحدة سلطة سياسية ممركزة26. لم يكن مارسيليوس، بطبيعة الحال، يعرف شيئًا عن هذه الكتابات التاريخية، ولا عن العِبَر المستخلصة منها (فهو يستمد مناقشاته من الكتاب الرابع من كتاب السياسة لأرسطو، بل حتى إنه لم يكن معنيًا بمسألة الحرية السياسية على الإطلاق). ومع ذلك، ما من شيء من هذا كله حال دون اندلاع سجال عقيم كلّيًا حول ما إذا كان يجب القول إن مارسيليوس قد ذهب إلى "مبدأ" فصل السلطات، وما إذا كان يجب، من ثم، "إعلانه مؤسسًا للمبدأ"27. وحتى أولئك الخبراء الذين يرفضون أن ينسبوا إليه فضل اجتراح هذا المبدأ، يجنحون إلى تأسيس استنتاجاتهم على نصه28، وليس عَبر تسفيه افتراض أنه كان يمكن أن يقصد الإسهام في مساجلة لم تكن حدودها في متناول يديه. وهذه المفارقة التاريخية نفسها، تسم المناقشة التي تتناول القول المأثور الذي أعلنه السير إدوارد كوك (1552 - 1634) Coke Edward Sir في خصوص قضية بونهام، وفحواه أن القانون العام في إنكلترا قد يبطل القانون الأساسي أحيانًا. فقام الشارح الحديث (ولا سيما الأميركي) بتحميل هذه الملاحظة الأصداء المتأخرة كلها لمبدأ المراجعة القضائية، في حين كان السير كوك، شأنه شأن أبناء القرن السابع عشر، لا يعرف شيئًا عن هذا المبدأ (وسياق قوله هذا هو إلى حدٍ بعيد سياق سياسي حزبي يقنع الملك جيمس الأول بأن السمة المميزة للقانون هي العُرف، وليس إرادة الملك مثلما كان يزعم جيمس الأول)29. ومع ذلك، لم يكن أي اعتبار من هذه الاعتبارات التاريخية كافيًا للحيلولة دون السؤال العقيم كلّيًا "عما إذا كان كوك قد قصد فعليًا الدفاع عن المراجعة القضائية"30، أو حالَ دون الإصرار على أن كوك لا بد من أنه قد عقد العزم على إعلان هذا "المبدأ الجديد"، وبذلك يقدم هذا "الإسهام اللافت في العلم السياسي"31. ومرة أخرى، فإن هؤلاء الخبراء الذين رفضوا أن ينسبوا إلى كوك الفضل في هذا الاستبصار، قد أقاموا رفضهم هذا، إلى حدٍ بعيد، على إعادة تأويل نص كوك، بدلً من أن ينصرفوا بأنظارهم إلى ما ينطوي عليه التصوير الضمني لمقاصد كوك من فساد منطقي قَبْلي32. فضلً عن هذه الإمكانية الفجّة في نسبة معنى إلى كاتب لم يكن هو نفسه يهدف إلى نقله، ما دام ذلك المعنى لم يكن في متناوله، ثمة أيضًا الخطر (الأشد إغواءً ربما) في استسهال اكتشاف مبادئ متوقعة في النصوص الكلاسيكية. خذ مثلً تلك الملاحظات

  1. ينظر: J. G. A. Pocock, "Machiavelli, Harrington, and English Political Ideologies in the Eighteenth Century," William and Mary Quarterly , vol. 22 , no. 4 (October 1965); Bernard Bailyn, The Ideological Origins of the American Revolution (Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 1967).
  2. Marsilius of Padua , vol. 1 , p. 232.
  3. للاطلاع على ببليوغرافيا، ينظر: Ibid., vol. 1 , p. 234 ; وللاطلاع على رفض نصّي صرف لهذا الادعاء، ينظر: Alexander Passerin D'Entreves, The Medieval Contribution to Political Thought (Oxford: Oxford University Press, 1939), p. 58.
  4. J. G. A. Pocock, The Ancient Constitution and the Feudal Law: A Study of English Historical Thought in the Seventeenth Century: A Reissue with a Retrospect (Cambridge: Cambridge University Press, 1987), esp. pp. 30 - 55.
  5. W. B. Gwyn, The Meaning of the Separation of Powers: An Analysis of the Doctrine from its Origin to the Adoption of the United States Constitution , Tulane Studies in Political Science, ix (New Orleans: Tulane University Press; The Hague: Martinus Nijhoff, 1965), pp. 50 n.
  6. Theodore F. T. Plucknett, "Bonham's Case and Judicial Review," Harvard Law Review , vol. 40 , no. 1 (November 1926), p. 68 ; ومن أجل الاطلاع على أن "قصد" كوك كان تبيين المبدأ "الذي تعمل على وفقه المحاكم الأميركية اليوم"، ينظر: Edward S. Corwin, "The 'Higher Law' Background of American Constitutional Law," Harvard Law Review , vol. 42 , no. 3 (January 1929), p. 368 ; وقارن ب: Edward S. Corwin, Liberty against Government: The Rise, Flowering and Decline of a Famous Judicial Concept (Baton Rouge: Louisiana State University Press, 1948), p. 42.
  7. من أجل الاطلاع على رفض نصي صرف، ينظر: S. E. Thorne, "Dr Bonham's Case," Law Quarterly Review , no. 54.

التي يقدمها ريتشارد هوكر (1554 - 1600) في القسم الأول من كتابه سنن السياسة الكنسية في خصوص قدرة الإنسان الطبيعية على الاجتماع Sociability Natural33. وربما يراودنا الشعور بأن هوكر، شأنه شأن العديد من المحامين السكولائيين في زمانه، كان جل قصده هو أن يدشّن وسيلةً لتمييز الأصول الإلهية للدولة من الأصول الدنيوية للروابط المدنية. ومع ذلك، فإن الشارح الحديث الذي لا يرى هوكر إلّ على رأس سلالة تمتد "من هوكر إلى لوك، ومن لوك إلى فلاسفة القرن الثامن عشر الفرنسيين"، لا يجد أيّ غضاضة في إلباس ملاحظات هوكر لباس "نظرية في العقد الاجتماعي"34. انظر، ما يشبه ذلك، الملاحظات المتفرقة التي يقدّمها جون لوك عن الأمانة في موضع أو موضعين من كتابه رسالتان في الحكم35. وربما يخامرنا شعور حسن بأن لوك قصد الاستعانة، فحسب، بإحدى أكثر المقارنات القانونية شيوعًا في الكتابة السياسية في عصره. ومع ذلك، فإن الشرّاح الذين يرون لوك في طليعة تقليد "الحُكم بالتوافق"، لا يتردّدون في الجمع بين "فقرات مبثوثة هنا وهناك"، من عمل لوك لا لشيء إلّ كي يستنتجوا مبدأ لوك في "الأمانة السياسية" Trust Political36. وانظر شبيه ذلك ما جرى على تلك الملاحظات التي يقدّمها جيمس هارينغتون (1611 - 1677) Harrington James في كتابه كومنولثأوشينا Oceana Commonwealth عن مكانة المحامين في الحياة السياسية. فالمؤرخ الذي يتقصّى نظرات الجمهوريين الإنكليز في خمسينيات القرن السابع عشر في مسألة الفصل بين السلطات، ربما يضطرب لحظات ما إن يجد أن هارينغتون ("على نحو لافت") لا يتحدث في هذه المسألة عن الموظفين العموميين. لكن المؤرخ الذي "يعرف" أن يتوقع المبدأ لدى مجموعة الجمهوريين هذه، لن يعجزه الإصرار على "أن هذا يبدو إفادةً غامضةً عن المبدأ"37. وفي تلك الحالات كلها التي يظهر فيها كاتب يعلن عن هذا "المبدأ"، نكون في مواجهة مصادرة على المطلوب: فإذا قصد الكاتب الإفصاح عن المبدأ الذي ينسبونه إليه، فلماذا أخفق في التعبير عنه إخفاقًا مشهودًا، حيث إن المؤرخين ليس لهم إلّ إعادة بناء مقاصد مزعومة من تخمينات وإلماعات خفيّة؟ والجواب المعقول الوحيد الذي يدحض هذا الزعم هو أن المؤلف لم يقصد (أو لم يكن في مقدوره أن يقصد) التعبير عن هذا المبدأ. على غرار ذلك، يمكن تبيين أسطورة المبادئ من خلال "تواريخ الأفكار" بالمعنى الدقيق. يهدف تاريخ الأفكار (بكلمات آرثر لوفجوي (1873 - 1962)، رائد هذا المقترب) إلى قص أثر كيفية تشكل مبدأ معيّن "عبر لحظات التاريخ كلها التي يظهر فيها"38. ونقطة الانطلاق الفارقة هنا، هي إقامة نمط مثالي لهذا المبدأ الذي قد يكون مبدأ المساواة، أو مبدأ التقدم، أو مبدأ منطق الدولة، أو مبدأ العقد الاجتماعي، أو مبدأ سلسلة الوجود الكبرى، أو مبدأ الفصل بين السلطات، وما إلى ذلك. والخطر الكامن في هذا الصنيع هو أن المبدأ المراد قصّه سوف يجسّد في شكل كيان Entity. وعندما يشرع المؤرخ، من ثم، في البحث عن الفكرة الموصوفة على هذا النحو، فسوف يتيسّر له تمام التيسير الحديث، كما لو أن هذا الشكل المتطور للمبدأ كان دائمًا، بمعنى معيّن، متأصلً في التاريخ حتى وإن أخفق المفكرون في "العثور عليه"39، وإن لم "تدركه الأبصار" في أوقات منوعة40، وإن لم يدُر "في خلد وعي" عصر تاريخي

  1. Richard Hooker, Of the Laws of Ecclesiastical Polity I, A. S. McGrade (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), pp. 89 - 91.
  2. Christopher Morris, Political Thought in England: Tyndale to Hooker (Oxford: Oxford University Press, 1953), pp. 181 - 197.
  3. John Locke, Two Treatises of Government {1690} , Peter Laslett (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1988), II. pp. 149 , 155 , 367 ,
  4. عن "الحكم بالتوافق"، ينظر: J. W. Gough, John Locke's Political Philosophy: Eight Studies (Oxford: Clarendon Press, 1950), pp. 47 - 72 ; وعن "الأمانة السياسية"، ينظر الصفحات 136 - 171.
  5. Gwyn, p. 52.
  6. Arthur O. Lovejoy, The Great Chain of Being: A Study of the History of an Idea (New York: Torchbook edn, 1960), p. 15.
  7. J. B. Bury, The Idea of Progress: An Inquiry into its Origin and Growth (London: Dover Publications, 1932), p. 7.
  8. Corinne Weston, English Constitutional Theory and the House of Lords (London: Routledge, 1965), p. 45.

كامل41. ومحصلة ذلك كله أن القصة تتخذ، بسهولة، لغةً ملائمةً لوصف كائن عضوي نامٍ. والقول إن الأفكار تفترض مسبقًا فاعلين هو قول يتبدد بسرعة حال دخول هذه الأفكار المعركة أصالة عن نفسها. فيقال لنا، مثلً، إن "ولادة" فكرة التقدم كانت ولادةً يسيرة تمامًا، لأنها "تجاوزت عوائق ظهورها" بحلول القرن السادس عشر42، وبذلك "اكتسبت أساسًا صلبًا" خلال الأعوام المئة التالية43. لكن فكرة الفصل بين السلطات لم تولد إلّ بعسر. وعلى الرغم من أنها أفلحت تقريبًا في "الانبثاق" خلال الحرب الأهلية الإنكليزية، فإنها "لم تفلح فلاحًا تامًا كي تتجسّد واقعًا ملموسًا"، لذلك لزم مرور قرن آخر امتد "من الحرب الأهلية الإنكليزية حتى منتصف القرن الثامن عشر، كيما تظهر هذه الفكرة بأطوائها الثلاثة ظهورًا تامًا وتسود من بعد ذلك"44. كانت هذه التفسيرات السبب في نشوء نوعين من الهراء التاريخي، لا يتخلل كلاهما هذا النمط من التاريخ فحسب، بل يبدوان حتميَين تقريبًا عندما يوظَّف هذا المُقترَب45. يفضي النزوع إلى البحث عن تقاربات من النمط المثالي إلى شكل من التاريخ يكرَّس لتشخيص "استباقات مبكرة" لمبادئ متأخرة، وللتسبيح من ثم بأسماء كتّاب أفراد لِما توافروا عليه من استبصارات بعيدة المدى. فيرتفع ذِكرُ مارسيليوس من بادوا "لاستباقه اللافت" لمكيافيلي46. ويرتفع شأن مكيافيلي لأنه "هيأ الأرضية" لماركس47. ويعلو كعب نظرية جون لوك في العلامات "بوصفها استباقًا لميتافيزيقا باركلي  "48. وترتفع مكانة نظرية جوزيف غلانفيل في السببية "للمدى الشاسع الذي استبق فيه هيوم"49. وتحظى معالجة لورد شافتسبري لمشكلة العدالة الإلهية بالاعتبار، لأنها كانت "بمعنى معيّن استباقًا لإيمانويل كانط"50. وحتى الادعاء أن التاريخ سار هذا المسار، فإنه ينحّى جانبًا أحيانًا، ولا يتلقى الكتّاب الماضون الإطراء أو اللوم إلّ طبقًا لأثر أفكارهم الملهمة في شرط وجودنا نحن أنفسنا. إن "استباق" مونتسكيو "أفكار التوظيف الكامل ودولة الرفاه"، يكشف عن عقليته "النيّرة والحادة"51. ولقد سار تفكير مكيافيلي في السياسة على نحو ما يسير عليه تفكيرنا اليوم بصورة أساسية، وهنا تكمن "أهميته الدائمة"، بينما لم يكن معاصروه على شاكلته، وهذا ما يجعل نظراتهم السياسية "غير واقعية تمامًا"52. وكان شكسبير (باعتباره "مؤلفًا سياسيًا بارزًا") متشككًا في "إمكان قيام مجتمع متعدد الأعراق والأديان، وهذه إحدى أمارات قيمته نصًا في التربية الأخلاقية والسياسية"53، وما إلى ذلك من تفسيرات.

  1. Felix Raab, The English Face of Machiavelli: A Changing Interpretation 1500 - 17 00 (London: Routledge & K. Paul, 1964), p. 2.
  2. Burry, p. 7.
  3. R. V. Sampson, Progress in the Age of Reason: The Seventeenth Century to the Present Day (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1956), p. 39.
  4. M. J. C. Vile, Constitutionalism and the Separation of Powers (Oxford: Oxford Uni. press, 1967), p. 30.
  5. للاطلاع على دفاع لافت عن مقترب لوفجوي، ينظر: Francis Oakley, Omnipotence, Covenant, and Order: An Excursion in the History of Ideas from Abelard to Leibniz (Ithaca, NY.: NCROL, 1984), pp. 15 - 40.
  6. Raab, p. 2.
  7. W. T. Jones et al., Masters of Political Thought , vol. 2: Machiavelli to Bentham , Edward M. Sait (ed.) (London: Houghton Mifflin, 1941), vol. 2 , p. 50.
  8. Robert L. Armstrong, "John Locke's 'Doctrine of Signs': A New Metaphysics," Journal of the History of Ideas , vol. 26 , no. 3 (July- September 1965), p. 382.
  9. Richard H. Popkin, "Joseph Glanvill: A Precursor of David Hume," Journal of the History of Ideas , vol. 14 , no. 2 (April 1953), p. 300.
  10. Ernst Cassirer, The Philosophy of the Enlightenment , Fritz C. A. Koelln & James P. (trans.) (Boston, Mass.: Pettegrove, Beacon edn, 1955), p. 151.
  11. Christopher Morris, "Montesquieu and the Varieties of Political Experience," in: David Thomson (ed.), Political Ideas (London: Penguin Books Ltd, 1966), pp. 89 - 90.
  12. Raab, pp. 1 , 11.
  13. Allan Bloom & Harry C. Jaffa, Shakespeare's Politics (Chicago: The University of Chicago Press, 1964), pp. 1 - 2 , 4 , 36.

نواجه دائمًا هراءً متصلً، تكتظُّ به سجالات لا تنتهي بصدد ما قد يُقال عن "وحدة فكرية" من أنها ربما "بزغت فعليًا" في زمن معيّن، وما إذا كانت "موجودة فعليًا" في عمل كاتب معيّن. لننظر مرة أخرى في تواريخ فكرة الفصل بين السلطات، فهل هذا المبدأ "موجود" حقًا في أعمال جورج بوخنان (1506 - 1582) Buchanan George؟ لا، لأنه "لم يفصح عنه على نحوٍ كامل"، على الرغم من أنه "ما من أحد اقترب من هذا المبدأ" آنذاك54. لكن هل كان "موجودًا" عندما قدّم الملَكيون في الحرب الأهلية الإنكليزية اقتراحاتهم الدستورية؟ لا، لأنه لم يكن بعد قد تمخض "مبدأً خالصًا"55، أو لتلتفت إلى تواريخ مبدأ العقد الاجتماعي. فهل كان هذا المبدأ "موجودًا" في الكراسات التي قدّمها الهوغونوتيون Huguentos في الحروب الدينية الفرنسية؟ لا، لأن أفكارهم لم تكن قد "تبلورت تبلورًا كاملً". لكن، هل هو "موجود" ربما في أعمال خصومهم الكاثوليكيين؟ لا، لأن بياناتهم كانت لا تزال "غير كاملة"، على الرغم من أنهم "بالتأكيد كانوا أكثر تقدمًا"56. ربما يقال، إذًا، إن هذا الشكل الأولمن أسطورة المبادئ يتكوّن، بطرائق منوعة، من خطأ في فهم ملاحظات متفرقة أو عرضية معيّنة، دوّنها أحد المنظرين الكلاسيكيين عن أحد الموضوعات التي يشرعالمؤرخ في توقّعها. والشكل الثانيالذي أتناوله الآن، يتضمّن عكس هذا الخطأ. والمنظّر الكلاسيكي الذي يخفق في اكتشاف مبدأ معترف به في خصوص إحدى الثيمات الإلزامية، سوف يتعرّض للنقد نتيجة تقصيره هذا. حاليًا، ثمة نسخةٌ شيطانية (لكنها بالغة التأثير) من هذا الخطأ، تلاحق الدراسة التاريخية للنظرية الأخلاقية والسياسية؛ إذ يجري تذكيرنا بأن هذه الحقول المعرفية تُعنى، أو يجب عليها أن تُعنى، "بمعايير صادقة" Standards True57 أبدية، أو على الأقل تقليدية. وهكذا يُظنّ أنّ من المفيد تناول تاريخ هذه الموضوعات بموجب "الخفض الواضح للنغمة" الذي يُقال إنه يميّز الفكر الحديث "من الحياة وأهدافها"، وجعل تقييم اللوم على هذا الانهيار "بؤرة هذا التاريخ"58. فيُدان توماس هوبز، وأحيانًا نيقولا مكيافيلي، عند أول عصيان يُظهره أيّ شخص59. ومن ثم يُمدح معاصروهما، أو يُقدَحون وفق تأييدهم هذه "الحقيقة" أو إنكارهم لها60. فهذا ليو ستراوس (1899 - 1973) لا يتوانى عن التأكيد أن أعمال مكيافيلي السياسية تستحق الإدانة لأنها "لاأخلاقية وغير متديّنة"61. ولا يتردد في افتراض أن نبرة الإدانة هذه مناسبة تمامًا لهدفه الثابت في محاولة "فهم أعمال مكيافيلي  "62. وهنا يتحكم هذا البردايم في الاتجاه الذي يسلكه البحث التاريخي برمّته. ولا يمكن إعادة تأويل التاريخ إلّ بالتخلي عن البردايم نفسه.

  1. Gwyn, p. 9.
  2. Vile, p. 46.
  3. J. W. Gough, The Social Contract , 2 nd ed. (Oxford: The Clarendon Press, 1957), p. 59.
  4. Leo Strauss, What is Political Philosophy? And Other Studies (Glencoe: Free Press, 1957), p. 12.
  5. Bloom & Jaffa, pp. 1 - 2 ; من أجل الاطلاع على نقد هذا الاعتقاد في الفلسفة السياسية بوصفها تبيينًا أو استعادة "لحقائق نهائية" معينة، ينظر: Arnold S. Kaufman, "The Nature and Function of Political Theory," Journal of Philosophy , vol. 51 , no. 1 (January 1954); وللاطلاع على دفاع عن ذلك، ينظر: Joseph Corpsey, "A Reply to Rothman," American Political Science Review , vol. 56 , no. 2 (June 1962), pp. 353 - 359.
  6. من أجل الاطلاع على نظرة هوبز، ينظر: Leo Strauss, Natural Right and History (Chicago: The University of Chicago Press, 1953); وللاطلاع على نظرة مكيافيلي، ينظر: (Glencoe: Free Press, 1958) Thoughts on Machiavelli.Loe Strauss,
  7. ينظر، على سبيل المثال، الهجوم على أنتوني أشام ودفاع إيرل كلاريندون في: Irene Coltman, Private Men and Public Causes: Philosophy and Politics in the English Civil War (London: Faber & Faber, 1962), pp. 69 - 99 ,
  8. Strauss, Thoughts on Machiavelli , pp. 11 - 12.
  9. Ibid., p. 14.

على أي حال، تتمثل النسخة الرئيسة من أسطورة المبادئ هذه في رفد المنظّرين الكلاسيكيين بمبادئ يُنظر إليها باعتبارها مناسبة لموضوعاتهم، لكنهم أخفقوا على نحو غريب في مناقشاتها. وأحيانًا يتخذ هذا الشكل هيئة استقراء ما قالته تلك الشخصيات البارزة من أجل رَفدِهم بقناعات مناسبة. فربما لم يقل توماس الأكويني (1225 - 1274) Aquinas Thomas شيئًا عن "'العصيان المدني' الأرعن"، لكننا نستطيع أن نتيقن أنه لم "يستحسنه"63. ومن المؤكد أن مارسيليوس من بادوا كان يمكن أن يستحسن الديمقراطية، ما دامت "السيادة التي آمن بها تخص الشعب"64. لكن ريتشارد هوكر ما كان ليسعده ذلك، ما دام "تصوّره النبيل والديني والرحب للقانون قد اختُزل إلى مجرد مرسوم عن الإرادة الشعبية"65. ربما تبدو مثل هذه الممارسات مجرد ممارسات غريبة، لكنها يمكن أن تنطوي دائمًا، كما توحي هذه الأمثلة، على مسحة فاسدة: فهي وسيلة للصق أحكام المرء المسبقة بأسماء بارزة تحت ستار التأمل التاريخي البريء. وحينذاك يغدو التاريخ، في الحقيقة، مجموعة حيل نمارسها لاستغلال الموتى. مع ذلك، فإن الاستراتيجية الأكثر شيوعًا هي الاستيلاء على مبدأ لا بد من أن يكون منظّرٌ معيّن قد ذكره، على الرغم من أنه لم يذكره، والعمل من ثم على انتقاد عدم كفاءته. والبيّنة الفارقة لتبنّي تطبيق هذا المقترب الماهوي هي أنه لم يوضع موضع المساءلة باعتباره منهجًا لمناقشة تاريخ الأفكار السياسية حتى من تي. دي. ولدون (1896 - 1958)، أكثر المنظّرين السياسيين مناهضةً للنزعة الماهوية. ففي الجزء الأول من كتابه الدول والمبادئ الأخلاقية يبسط "التعريفات" المنوعة "للدولة" التي "صاغها جميع المنظّرين السياسيين أو سلّموا بها". ونتعلّم أن نظريات الدولة كلها تقع في مجموعتين رئيستين: "فبعضهم يعرّفها أنها كائن عضوي، ويراها بعضهم الآخر آلةً من نوع ما". ويبدأ ولدون من ثم، وهو مسلّح بهذا الاكتشاف، "بفحص النظريات الرئيسة عن الدولة التي جرى طرحها". لكنه يجد هنا "حتى أولئك الكتّاب الذين يُعدّون من طبقة المنظّرين الأول في هذا الموضوع"، يخذلوننا على نحو سيئ في الحقيقة، لأن القلّة منهم فقط تمكّنت من شرح أي من هاتين النظريتين من دون "تنافرات أو حتى تناقضات". وبناءً عليه، يظهر هيغل أنه المنظّر الوحيد "المخلص تمام الإخلاص" لواحد من هذين النموذجين، وتلك هي، كما يخبروننا، "الغاية الأولية" التي يتعيّن على كل منظّر شرحها وبسطها. وعند هذه النقطة قد يتساءل كاتبٌ أكثر ارتيابًا عمّا إذا كان توصيفه الأوّلي للعمل الذي اضطلع به هؤلاء المنظرون يمكن أن يكون صائبًا. غير أن تعليق ولدون الوحيد هو أنه "وبعد أكثر من ألفي عام من الفكر المكثف، من الغريب" أن يبقى جميع الكتّاب تقريبًا، في حالة التباس شديد66. تغص الكتابات التفسيرية بأمثلة مشابهة على أسطورة المبادئ هذه. لتنظر، مثلً، في مكانة قضايا الاقتراع وصنع القرار، ودور الرأي العام بصورة عامة، في النظرية السياسية. أصبحت هذه القضايا تتمتع بأهمية مركزية في النظرية السياسية الديمقراطية الراهنة، على الرغم من أنها لم تكن تحظى إلّ باهتمام نزير من المنظّرين قبل تأسيس الديمقراطيات التمثيلية الحديثة. ويبدو أن التحوّطات التاريخية قلّما مثّلت إضافة معتبرة؛ إذ لم تردع الشراح عن نقد كتاب جمهورية أفلاطون "لإهماله أهمية الرأي العام  "67، أو نقد كتاب جون لوك رسالتان في الحكم المدنيلإهماله "دور العائلة والعِرق" وإخفاقه في "أن يوضح على نحوٍ كامل" موقف لوك من مسألة حق "الاقتراع العام" Suffrage Universal68. ويكتب أحدهم مندهشًا، ويريد منا أن نندهش معه، أن ليس ثمة "أحد من الكتّاب العظام عن

  1. Maurice Cranston, "Aquinas," in: Maurice Cranston (ed.), Western Political Philosophers: A Background Book (London: The Bodley Head Ltd, 1964), pp. 34 - 35.
  2. Marsilius of Padua , vol. I, p. 312.
  3. F. J. Shirley, Richard Hooker and Contemporary Political Ideas (London: S. P. C. K., 1949), p. 256.
  4. T. D. Weldon, States and Morals (London: John Murray, 1946), pp. 26 , 63 - 64.
  5. George H. Sabine, A History of Political Theory , 3 rd ed. (London: George G. Harrap & Co Ltd, 1964), p. 67.
  6. Richard I. Aaron, John Locke , 3 rd ed. (Oxford: Oxford University Press, 1971), pp. 284 - 285.

السياسة والقانون" كرّس قسمًا من كتاباته لمناقشة صنع القرار69. ولتنظر في مسألة مماثلة ألا وهي مسألة مدى خضوع السلطة السياسية لتأثير أصحاب الامتيازات الاجتماعية. وهذه أيضًا مسألة تثير لدى المنظّرين الديمقراطيين قلقًا طبيعيًا، على الرغم من أنها لا تجد أدنى عناية لدى غير المنادين بالحكم الشعبي. ومرة أخرى، فإن التحوّطات التاريخية جليّة، لكنها لم تكن كافيةً لتَحُول دون أن ينتقد الشرّاح مكيافيلي وهوبز ولوك كونهم لم يطرحوا "بصيرةً أصيلة" في هذا السجال الحديث كليًا تقريبًا (إذ ظهر في القرن العشرين)70. ثمة شكل آخر من هذه الأسطورة أكثر انتشارًا، يتمثّل، في الواقع، في نقد الكتّاب الكلاسيكيين طبقًا لافتراض قَبْلي Priori a، مفاده أنهم لا بد من أن يكونوا قد قصدوا في كتاباتهم كلها تقديم إسهام منهجي في حقولهم العلمية. وكمثال على ذلك، إذا ما افتُرض بدايةً أن أحد المبادئ التي لا بد أن ريتشارد هوكر كان قد حاول الإعلان عنها في كتابه القوانينهو مبدأ "أساس الواجب السياسي"، فلا شكّ، إذًا، في "أن ما يعيب نظرات هوكر السياسية" هو فشله في إيلاء أدنى اهتمام بدحض نظرية الحكم المطلق71. ونظير ذلك أيضًا إذا ما افتُرض، بدايةً، أن أحد مشاغل مكيافيلي الرئيسة في كتابه الأمير كان تفسير "طباع الرجال في السياسة"، فلن يصعبَ على عالم سياسة معاصر أن يبيّن أنّ الجهد البائس الذي قدّمه مكيافيلي "غير منهجي وأحادي الجانب إلى حد بعيد"72. وإذا ما افتُرض بدايةً، كمثال آخر، أن كتاب لوك رسالتان في الحكم المدنييتضمن المبادئ كلها التي ربما يكون قد رغب في التعبير عنها "في خصوص القانون الطبيعي والمجتمع السياسي"، فلا شك، إذًا، في أن يثور التساؤل عن إخفاقه في "الدفاع عن دولة عالمية"73. وأخيرًا، إذا ما افتُرض، بدايةً، أنّ أحد أهداف مونتسكيو من كتابه روح القوانينهو لا بد من أن يكون الإعلان عن سوسيولوجيا المعرفة، فلا شك، إذًا، في أنّ ثمة "ضعفًا" يعبّر عنه إخفاقه في شرح المحددات الرئيسة لهذه السوسيولوجيا، ولا شك في أنّنا "يجب أن نتهمه" بالفشل في تطبيق نظريته الخاصة74. لكن، على الرغم من هذه الإخفاقات "المزعومة" كلّها، وعلى الرغم من شكل الأسطورة المعكوس هذا، فإننا ما زلنا في مواجهة المصادرة على المطلوب نفسها، وهي ما إذا كان أيّ من هؤلاء الكتّاب قد قصد، أو كان في وسعه أن يقصد، فعْل أشياء جرى توبيخه عليها لأنه لم يفعلها فعليًا.

الآن، أودّ النظر في نمط آخر من الأسطورة ينجم عن حقيقة أنّ المؤرخين ينخرطونحتمًا في مقاربة أفكار الماضي. وربما يتضح أنّ بعض الكتّاب الكلاسيكيين غير متّسق بتاتًا، أو يخفق في تقديم وصف منظّم لمعتقداته. لنفرض، مع ذلك، أن بردايم إجراء البحث قد فُهم على أنه تفصيلٌ لكل مبدأ من مبادئ الكتّاب الكلاسيكيين في خصوص أيّ مبحث يميز الموضوع، حينئذ سوف يصبح

  1. Carl. J. Friedrich, "On Re-reading Machiavelli and Althusius: Reason, Rationality and Religion," in: C. J. Friedrich (ed.) Rational Decision (New York: Atherton Press, 1964), p. 178.
  2. للاطلاع على "الإهمال الكبير" من لدن مكيافيلي، ينظر: John Plamentaz, Man and Society , 2 vols. (London: Mcgraw-Hill Book Company, Inc., 1963), vol. I, p. 43 ; وعن مسألة فشل هوبز "في إدراك أهمية التصادم بين الطبقات المختلفة"، ينظر: Bertrand Russell, History of Western Philosophy (New York: Simon & Schuster/ Touchstone, 1946), p. 578 ; يلاحظ هوكر هذا "الإهمال الكبير" في فكر مكيافيلي وهوبز كذلك، ينظر: Andrew Hacker, Political Theory: Philosophy, Ideology, Science (New York: Macmillan, 1961), pp. 192 , 285 ; عن افتقار مكيافيلي "إلى أي بصيرة أصيلة عن التنظيم الاجتماعي بوصفه الأساس للسياسة"، ينظر: Niccolo Machiavelli, The Prince and The Discourses , Max Lerner (Introd.) (New York: The Modern Library, 1950), Introduction, p. xxx.
  3. Ebenezer Thomas Davies, The Political Ideas of Richard Hooker (London: Society for Promoting Christian Knowledge, 1964 [1946]), p. 80.
  4. Robert A. Dahl, Modern Political Analysis: Prentice-Hall Foundations of Modern Political Science Series (Englewood Cliffs, N. J.: Prentice-Hall, 1963), p. 113.
  5. Richard H. Cox, Locke on War and Peace (Oxford: Oxford University Press, 1960), pp. xv, 189.
  6. Werner Stark, Montesquieu: Pioneer of the Sociology of Knowledge (London: Routledge, 1960), pp. 144 , 153.

من اليسير، على نحو خطر، لأيّ مؤرخ أن يلقي على نفسه مهمة رفد هذه النصوص بتماسك قد لا يتوافر لها. وما يفاقم هذا الخطر الصعوبةُ الشهيرةُ المتمثلةُ في المحافظة على روح العمل الأصلية عندما تُعاد صياغته، ويتفاقم أيضًا نتيجة الإغواء بإيجاد "رسالة" يمكن استخلاصها من العمل وإيصالها بيسر75. تَعُم أسطورةُ الاتساق في كتابةِ تاريخ الفلسفة الأخلاقية والسياسية76. فإذا كان "الرأي العلمي الحالي" لا يستطيع أن يرى اتساقًا في كتاب   القوانينلريتشارد هوكر، فالأجدر النظر بجدية أكبر إلى أنّ الاتساق لا بد من أن يكون ماثلً بالتأكيد77. وإذا ما بلغ الشك "الموضوعات المركزية" في فلسفة هوبز السياسية، فقيّمٌ بالمفسّر اكتشاف "الاتساق الداخلي لمبدئه" عبر قراءة نصوصه، اللِفايَثانعلى سبيل المثال، مرات عدة، إلى أن "تتخذ" المحاجّة، في صيغة كاشفة، "نوعًا من الاتساق  "78. وإذا لم يكن ثمة اتساق نسقي "يصل إليه بسهولة" دارسو كتابات هيوم السياسية، فسيقع على المفسّر واجب "التنقيب في أعمال هيوم، عملً بعد آخر" حتى تتكشف، في صيغة كاشفة مرة أخرى، و"بأي ثمن كان"، "درجة عالية من الاتساق في مجمل أعماله"79. وإذا كان "من النادر" الاشتغال على أفكار هيردر السياسية "على نحوٍ منظم"، وكانت "متناثرة في كتاباته، وأحيانًا تكون في سياقات غير متوقعة"، فلا مناص للمفسر من أن يحاول "تقديم هذه الأفكار في شكل متّسق"80. هناك حقيقة تظهر في تواترات هذه المهمة وهي أن الاستعارات المستعملة بصورة اعتيادية هي استعارات الجهد والسعي. والمطمح هو دائمًا "الوصول" إلى "تأويل موحَّد" بغرض "إحراز نظرة متّسقة لنسق المؤلف"81. يمنحُ هذا الإجراءُ أفكارَ الفلاسفة الكبار اتساقًا، ونفحةَ نسقٍ مغلقٍ عامة، ربما لم يكونوا يتوافرون عليهما، أو حتى إنهم لم يطمحوا إلى تحقيقهما. فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف الأول من تأويل فلسفة روسو هو العمل على اكتشاف "فكره الأساسي"، فلن يُقام أي اعتبار لإسهاماته التي دامت بضعة عقود في حقول بحثية مختلفة82. وإذا ما اعتقد بعضهم، بادئ ذي بدء، أن هوبز كان يرمي إلى أن يكون كل جانبٍ من جوانب فكره إسهامًا في نسق "مسيحي" شامل، فلن يحظى بالفرادة رأيُ من يرى بإمكان التركيز على سيرته الذاتية لتبيين النقطة المحورية التي تخص العلاقات بين الأخلاق والحياة السياسية83. وإذا جرى التسليم، أولً، بأنّ هناك "فلسفة أخلاقية متسقة" تسند كل ما كتبه إدموند بيرك (1729 - 1797) Burke Edmund، فلن تكون هناك أي إشكالية

  1. للاطلاع على بعض المسائل ذات العلاقة، ينظر: M. C. Lemon, The Discipline of History and the History of Thought (London: Routledge, 1995), pp. 225 - 237.
  2. ثمة نقطة مشابهة عن مشكلة استيعاب "مستويات الاستخلاص" عُرضت في: J. G. A. Pocock, "The History of Political Thought: A Methodological Enquiry," in: Peter Laslett & W. G. Runciman (eds.), Philosophy, Politics and Society , second series (Oxford: Basil Blackwell, 1962); للاطلاع على نقد نظراتي ونظرات بوكوك عن أسطورة الاتساق، ينظر: Mark Bevir, "Mind and Method in the History of Ideas," History and Theory , vol. 36 , no. 2 (May 1997), pp. 167 - 189.
  3. Arthur S. McGrade, "The Coherence of Hooker's Polity: The Books on Power," Journal of the History of Ideas , vol. 24 , no. 2 (April - June 1963), pp. 163 - 182.
  4. Howard Warrender, The Political Philosophy of Hobbes: His Theory of Obligation (Oxford: Oxford University Press, 2000), p. vii.
  5. John B. Stewart, The Moral and Political Philosophy of David Hume (New York: Columbia University Press, 1963), pp. v-vi.
  6. F. M. Barnard, Herder's Social and Political Thought: From Enlightenment to Nationalism (Oxford: Clarendon Press; Oxford University Press, 1965), pp. xix, 139.
  7. J. W. N. Watkins, Hobbes's System of Ideas (London: Hutchinson University Library, 1965), p. 10.
  8. Ernst Cassirer, The Question of Jean Jacques Rousseau , Peter Gay (trans. & ed.) (New York: Columbia University Press, 1954), pp. 46 , 62.
  9. F. C. Hood, The Divine Politics of Thomas Hobbes (Oxford: Oxford University Press, 1964), p. 28.

في تناول "مجموع كتاباته المنشورة عملً فكريًا واحدًا"84. ثمة معيار لقياس الأمداء التي يصلها هذا الإجراء، تقدّمه لنا دراسة بالغة الأهمية في فكر ماركس الاجتماعي والسياسي، ترى، من أجل تسويغ استبعاد إسهامات فريدريك إنجلز، ضرورة الإشارة إلى أن ماركس وإنجلز كانا "فردين متمايزين"85بطبيعة الحال، يحدث أحيانًا أن تتنوع أهداف كاتب معيّن ونجاحاته، إلى حد أنها لا تطاوع أي جهود يبذلها المفسرون لاستخلاص نظام متّسق من أفكاره. ومع ذلك، يتولّد من ذلك على نحو متكرر شكل معكوس من الهراء التاريخي: وهو أن الافتقار إلى هذا النظام يصبح حينئذ مادةً للملامة والتقريع. ومث لً على ذلك، كان تصنيف تفسيرات ماركس المنوعة تحت عناوين نسقية معيّنة تبدو، ضرورة، مطلبًا أيديولوجيًا وتيسيرًا للتفسير كذلك. وعلى الرغم مما بذله بعض النقاد من جهود، فإنه من الصعب، بأيّ حال، إيجاد نسقٍ مثل هذا. وربما يمكننا أن نعزو ذلك إلى حقيقة أن ماركس كان منشغلً في أوقات مختلفة بطيفٍ واسع من المسائل الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. لكن بدلً من هذا الرأي، ظهر نقد نموذجي يرى أن ماركس لم يفلح أبدًا في وضع ما كان يُفترض أن تكون نظريته الأساسية في أيما مسألة، إنما كل ما هناك "أسلوب متشظ"86. تظهر هذه الانتقادات عندما يُتعجل بتصنيف الكتّاب، ابتداءً، طبقًا لنموذج كان يُنتظَر منهم الارتقاء إليه. فإذا كان من المسلّم به ابتداءً أنّ جميع المفكرين المحافظين يتبنون تصورًا "عضويًا" عن الدولة، إذًا لا ريب في أن لورد بولينغبروك (1678 - 1751) Bolingbroke Lord "لا بد" من أنه رأى الدولة على هذا النحو، ومن الغرابة ألّ يكون قد نظم أفكاره وفق ذلك87. وإذا كان من المتفق عليه أنّ أي فيلسوف يكتب عن العدالة يُنتظر منه أن "يسهم" في واحد من الآراء الثلاثة عن هذا الموضوع، إذًا، لا بد من أن يُنظر إلى أفلاطون وهيغل اللذَين لم يفعلا ذلك، أنهما "كانا يقاومان اتخاذ موقف معيّن" من هذا الموضوع88. إن التماسك الذي يُكتشف في هذه الحالات كلها، أو يغيب عنها، يكفّ بسهولة عن أن يكون وصفًا تاريخيًا لأيما فكرة، فكّرَ فيها شخص ما. الاعتراض هنا واضح وجليّ، لكن تبيّن عمليًا أنه غير كافٍ لتعطيل تطور نموّ أسطورة الاتساق في اتجاهين يسمّيان ميتافيزيقيين بالمعنى القدحي للكلمة. أولً، هناك افتراض مفاده أنه من أجل استخلاص رسالة متسقة إلى حد بعيد، سيكون من المناسب إهمال تلك العبارات التي يعبر بها الكتّاب أنفسُهم عن نياتهم بخصوص ما يفعلونه، أو حتى إهمال مجمل الأعمال التي ربما تبدو أنها تُضعف اتساق أنظمتهم الفكرية. ولعل من الممكن الاستئناس بما كُتب من شروح عن هوبز ولوك لإظهار هذين المنزعَين. فالمعروف اليوم أن جون لوك كان منشغلً في كتاباته المبكرة عن النظرية السياسية بإبداء موقف محافظ على نحو واضح، بل سلطوي والدفاع عنه89. ومع ذلك، ففي وجه هذه المعرفة السائدة عن لوك، لا يزال من الممكن ظاهريًا تناول سياسة لوك على أنها كتلة من الآراء التي يمكن ببساطة أن ننعتها عملَ

  1. Charles Parkin, The Moral Basis of Burke's Political Thought (New York: Cambridge University Press, 1956), pp. 2 , 4.
  2. Shlomo Avineri, The Social and Political Thought of Karl Marx (Cambridge: Cambridge University Press, 1968), p. 3.
  3. Sabine, p. 642.
  4. F. J. C. Hearnshaw, "Henry St. John, Viscount Bolingbroke," in: F. J. C. Hearnshaw (ed.), The Social and Political Ideas of Some English Thinkers of the Augustan Age A. D. 1650 - 17 50 (London: George G. Harrap & Co. Ltd, 1928), p. 243.
  5. M. J. Adler, "Foreword," in: Otto A. Bird, The Idea of Justice (New York: Frederick A. Praeger, 1967), p. xi, 22. في هذه المقدمة لكتاب أوتو بيرد، يَعدُ أدلر بأنّ مؤسسة البحث الفلسفي Research Philosophical of Institute سوف تستمر في "تحويل فوضى الآراء المتباينة" عن موضوعات أخرى "إلى مجموعة منظمة من النقاط المحددة بوضوح". والموضوعات التي يُراد تنظيمها سوف تتضمن التقدم، والسعادة والحب.
  6. Philip Abrams, "Introduction," in: John Locke , Two Tracts on Government , Philip Abrams (trans. & ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1967), pp. 7 - 10 , 63 - 83.

منظّر سياسي "ليبرالي"، من دون أن نبذل النظر في حقيقة أن هذه الآراء كانت آراءَه وهو في خمسينياته، والتي كان هو نفسه قد أنكرها في ثلاثينياته90. ومن الجليّ أن لوك في الثلاثين هو ليس "لوك" على حقيقته، وهذه درجة من البطريركية لم يبلغها حتى روبرت فلمر. أما في خصوص هوبز، فإنه لمن المعروف من عباراته الصريحة الملمح الرئيس الذي أراده لنظريته السياسية. فهو يخبرنا، في القسم الأخير من كتابه اللِفايَثان، المعنون "مراجعة وخاتمة"، أنه لم يكتب كتابه هذا إلّ بقصد إظهار "أن حقوق الحكّام المدنية،

) يمكن إقامتها "على Civill Right of Soveraigns , and both the Duty and Liberty of Subjects وواجب الرعايا وحريتهم ("

أساس ميول البشر الطبيعية المعروفة"، ولذلك، فإن نظريةً لها أساسات مثل هذه، يجب عليها أن تركز على "العلاقة المتبادلة بين الحماية والطاعة"91. ومع ذلك، بدا أنه لا يزال من الممكن الإصرار على أن "الجزء العلمي" من فكره ليس سوى جانب ضعيف منفصل عن "كل ديني" متعالٍ. وعلاوة على ذلك، فإن الحقيقة القائلة إن هوبز نفسه لم يكن يعي هذه الدرجة العالية من الاتساق، إنما هي حقيقة لا تحرّض على التراجع، بل على القول الضد. وهوبز "يخفق في إيضاح" أن مناقشته للطبيعة البشرية تخدم "في الواقع" غرضًا دينيًا. و"كان يمكن أن تكون المسألة أوضح" لو أنه كان "قد كتب بموجب الواجبات الأخلاقية والمدنية"، وهكذا تكون قد برزت "الوحدة الحقيقية"، والطبيعة الدينية الأساسية "لنسقه" كله92. أنتقل الآن إلى المنزع الميتافيزيقي الآخر الذي يصدر عن أسطورة الاتساق. ما دام يمكن أن يُتوقَع من النصوص الكلاسيكية أن تُظهِرَ "اتساقًا داخليًا"، وعلى المؤوّل أن يتولّى واجب الكشف عنه، فإن أي موانع ظاهرية، تكوّنها تناقضات ظاهرية، تقف في طريق هذا الكشف، لا يمكن أن تكون موانع حقيقية، لأنها لا يمكن أن تكون تناقضات حقيقية. بتعبير آخر، يفيد هذا الافتراض بأن السؤال الصائب الذي يجب طرحه في مثل هذه الحالة المريبة، لا يتعلق بما إذا كان هذا الكاتب متسقًا مع نفسه، بل السؤال بالأحرى هو "كيف يمكن تفسير تناقضاته (أو تناقضاته الظاهرية)؟"93. والتفسير الذي أملاه مبدأ نصل أوكام (إن تناقضًا ظاهرًا ربما يكون تناقضًا) يُهمل بكل وضوح. ويقال لنا إن هذه التضاربات في هذه الحالة غير المحلولة يجب عليها ألّ تُهمل، بل يجب استعمالها لتعيننا على "فهم تام للنظرية كلها"94 التي لا تشكّل فيها هذه التناقضات، كما هو جليّ، سوى جزء لا ينحلّ. والفكرة القائلة إن "تناقضات" كاتب معيّن و"تبايناته" ربما "تُعدّ برهانًا على أنّ فكره قد بلغه التغيير" هي ذاتها فكرة نبذها مرجع فكري مؤثر [ربما يعني ليو ستراوس، م.] بوصفها مجرد وهم آخر من أوهام البحث العلمي في القرن التاسع عشر95. يؤدي السيرُ وفق هذا المنحى من التفكير إلى نقل مؤرخ الأفكار إلى الطريقة المدرسية في "حلّ التناقضات". فيُقال لنا، مثلً، إن الهدف من وراء دراستنا سياسة مكيافيلي يجب ألّ يُقيَّد بأي شيء واضح وصريح، بقدر ما يحاول أن يقص أثر التطورات التي عرفها فكره بين اكتمال كتاب الأمير في عام 1513 وكتاب المخاطباتفي عام 1519. وبدلً من ذلك، فإن المهمةَ الأنسب التي يجب اعتمادها هي أن نبني لمكيافيلي مخططًا للاعتقادات يمكن تعميمه على نحوٍ وافٍ على مبادئ كتاب الأمير ليكون في وسعها أن

  1. M. Seliger, The Liberal Politics of John Locke (London: Routledge, 1968), pp. 209 - 210.
  2. Thomas Hobbes, Leviathan, or The Matter, Forme, & Power of a Commonwealth Ecclesiasticall and Civill {1651}, Richard Tuck (ed.) (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 489 , 491.
  3. Hood, pp. 64 , 116 - 117 , 136 - 137.
  4. W. Harrison, "Texts in Political Theory," Political Studies , vol. 3 , no. 1 (1955).
  5. C. B. Macpherson, The Political Theory of Possessive Individualism: Hobbes to Locke (Oxford: Clarendon Press, 1962), p. viii.
  6. Leo Strauss, Persecution and the Art of Writing (New York: The Free Press, 1952), pp. 30 - 31.

تصعد إلى كتاب   المخاطباتمع حل التناقضات الظاهرة كلها96. وتكشف الكتابات التاريخية عن فكر ماركس الاجتماعي والسياسي عن توجّه مثيل. فلا يُسمح لماركس أن يكون قد طور عقله وغيّرَه من أمشاج إنسانوية حفلَ بها كتابُه مخطوطات فلسفية اقتصادية، إلى ما يبدو نظامًا شديد الآلية وضعَ خطوطَه العريضة خلال الأعوام العشرين اللاحقة في المجلد الأول من كتاب رأس المال. وأحيانًا يؤكد لنا، بدلً من ذلك، أن المهمة المناسبة يجب أن تتمثل في بناء "تحليل بنيوي لفكر ماركس كله"، حيث يمكن النظر إلى التباينات الظاهرة كجزء من "عمل واحد"97. وبدلً من ذلك، يُقال لنا، أحيانًا، إن مضامين الكتابات المبكرة تُظهِر أن ماركس كان دائمًا "مهووسًا بالرؤية الأخلاقية للواقع"، ويمكن استعمال ذلك لإضعاف ادّعاءاته العلمية اللاحقة، ما دام "لا يَظهر عالِمًا بالمجتمع على نحو ما سوّق نفسَه، إنما هو في الحقيقة من طينة المفكر الأخلاقي أو الديني"98. ولقد حظي هذا الإيمان بالرغبة في حل التضادات بدفاع صريح. جاء هذا الدفاع بقلم ليو ستراوس، الذي يؤكد أن المفتاح لفهم أي "اضطرابات ظاهرة" اقترفها أي "أستاذ من أساتذة فن الكتابة" يكمن في التفكر في التهديد بالاضطهاد وآثاره المحتملة في التعبير عن أفكارنا99. ففي أي "عصر من عصور الاضطهاد"، يصبح من الضروري على المرء أن يخفي اعتقاداته المخالفة للشائع من الاعتقادات "بين سطور" عمله المنشور (فيدرك القارئ بارتياح "أن التعبير [من الكاتب الذي يشعر بالاضطهاد] مجازي بصورة واضحة"). ويترتب على ذلك أنه إذا ما ظهر "كاتب مقتدر" في حالة مثل هذه، يناقض نفسه في تدوين آرائه الظاهرية، إذًا "قد نخمّن على نحو معقول" أن التناقضات الظاهرة قد ازدرعها الكاتبُ عمدًا ليدل قرّاءَه "الجديرين بالثقة والنابهين" أنه في الواقع معارض للنظرات الأرثوذكسية التي يظهر أنه يتبنّاها. تقوم العقبة الكأداء التي تلازم هذا الدفاع على افتراضين قَبْليين، وهما لم يُمحّصا، على الرغم من لا معقوليتهما، بل عوملا بوصفهما حقائق. أولُهذين الافتراضين أن البحث يحرز توجهه بالافتراض أن الأصيلَ لا يكون أصيلً إلّ لكونه هدّامًا. وهذه هي الوسيلة التي بوساطتها نعرف أي نص من تلك النصوص الذي ننقب بين سطورها عن المبادئ. وثانيهذين الافتراضين هو أن أي تأويل يقوم على قراءة ما بين السطور لا يشمله النقد باعتباره "حقيقة" إضافية تقول إن "الرجال الغافلين قرّاءٌ كسالى". ما يعني أن الفشل في "'رؤية' الرسالة بين السطور غفلة، بينما 'مشاهدة' الرسالة ثقة ونباهة". لكن لنفترض أننا نسأل عن وسائل لاختبار ما إذا كنا بصدد واحد من "عصور الاضطهاد"، وما إذا كان يجب أو لا يجب علينا محاولة قراءة ما بين السطور. ويقدّم لنا الجواب في حجتين دائريتين على نحوٍ واضح. كيف لنا أن نتعرف إلى عصور الاضطهاد؟ هي تلك العصور التي يُضطَرّ فيها الكتّاب المبتدعون Heterodox إلى تنمية هذه "التقنية الغريبة في الكتابة". فهل يتعيّن علينا أن نفترض أن هذه التقنية لا تتغير من حيث الأداء؟ علينا ألّ نفترض وجودها "عندما يكون عدم دقتها أقل نفعًا من عدمها". إذًا، على الرغم من هذا الدفاع الصريح، فإن من الصعب أن نرى كيف أن هذا الإصرار على وجوب البحث عن "اتساق داخلي" في أفكار كتّابٍ معينين لا يفضي إلى أي شيء آخر سوى تفسيرات أسطورية لما كانوا يفكرون فيه فعليًا.

  1. من أجل الاطلاع على عرض لهذا المقترب، ينظر: Eric W. Cochrane, "Machiavelli: 1940 - 60 ," The Journal of Modern History , vol. 33 , no. 2 (June 1961), p. 1 ; ويظهر هذا الافتراض في عمل فيديريكو تشابود Chabod Federico وكذلك في عمل فريدريك ماينيك Meinecke Friedrich. وللاطلاع على عرض هذه الافتراضات،.Hans Baron, "Machiavelli; The Republican Citizen and the Author of the Prince," English Historical Review , vol. 76, no. 299 (April 1961) ينظر:
  2. Avineri, p. 2.
  3. Robert Tucker, C. Philosophy and Myth in Karl Marx (Cambridge: Cambridge University Press, 1961), pp. 7 , 11 , 21. وعلاوة على ذلك، يتيح لنا هذا الاستنتاج المفيد بأنّ "الصلة الوثيقة" التي تُمنح في العادة للنصوص الكلاسيكية تتوقف بشكل حاسم عند ماركس، لأنّ انشغاله الهوسي بالدين يعني أنّه ليس لديه "سوى القليل ليخبرنا به" عن الرأسمالية (233. p)، فهو "ليس لم يقدم إسهامًا إيجابيًا فحسب" في ما قاله عن الدين "بل كان أداؤه ضارًا ضررًا كبيرًا" (243. p).
  4. Strauss, Persecution and the Art of Writing , pp. 24 - 25 , 30 - 32.

تنشأ كلتا الأسطورتين اللتين تعرّضت لهما بالمناقشة من حقيقة أن مؤرخي الأفكار عندما يتصدّون لدراسة كاتب معيّن، سوف توجّههم أحكامٌ مسبَقة تتعلق بخصائص الحقل المعرفي الذي يشتغل فيه هذا الكاتب. ومع ذلك، فقد يبدو أنه حتى لو أن هذه الأساطير تكاثرت في هذا المستوى التجريدي، فإنها من النادر أن تنشأ – أو على الأقل سيكون من الأسهل أن تُدرك وتُهمل – عندما يشتغل المؤرخ في مستوى وصف الاقتصاد الداخلي لعمل فردي ومحاجّاته فحسب. وفي الحقيقة، من المألوف الإصرار على عدم وجود أي إشكال حول القيام بتشريح مضامين النصوص الكلاسيكية ومحاجّاتها. ومن الضرورة، إذًا، الإلحاف أننا نبقى نواجه حتى في هذا المستوى مآزق إضافية تنتج من أسبقية البردايمات، وفي النتيجة نبقى نواجه مجموعة طرائق إضافية يمكن أن ينزلق فيها التفسير التاريخي إلى مهاوي الأسطورة. عندما تتّجه أنظارنا إلى ما يحمله نص معيّن من أهمية لنا، فسيكون من اليسير، في المقام الأول، وصف العمل وصِلته الوثيقة المزعومة بطريقة تُنحّي جانبًا مقاصد المؤلف ومراميه. والنتيجة الفاقعة المتمخّضة عن هذا الالتباس نوع من المناقشة يمكن أن تُوسَم بعنوان عريض هو أسطورة التقويل Prolepsis100، أسطورة نجنح إلى إنتاجها عندما ننشغل بأن نعزو بصورة رجعية دلالةً لفترة زمنية أكثر من انشغالنا بمعنى هذه الفترة لدى أهلها الفاعلين. فعلى سبيل المثال يُقال غالبًا إن "عصر النهضة" قد هلّ مع صعود فرانشيسكو بتراركا (1304 - 1374) Petrarca Francesco إلى جبل فينتوكس Ventoux Mont. ربما يقال هذا القول على نحو رومانسي ليعطينا تقريرًا صادقًا لدلالة هذا الفعل الذي قام به بتراركا وأهميته لنا. لكن ما من تقرير بهذا التوصيف يمكن أن يكون تقريرًا صادقًا عن أي فعل قصده بتراركا، أو عن معنى فعله101. باختصار، فإن ما يميّز أسطورة التقويل هو الخلط غير المتسق بين الأهمية التي قد يزعم مراقبٌ، على نحو مسوغ، أنه وجدها في فترة تاريخية معينة ومعنى تلك الفترة نفسها. كانت إحدى تلك "التقويلات" التي عُرضت وتكررت على الدوام، هي محاولة وصم آراء أفلاطون السياسية في محاورة الجمهورية بأنها آراء "سياسي توتاليتاري  "102. وهناك محاولة أخرى تمثّلت في الإصرار على أن نظرات روسو السياسية لم "تقدم"، فحسب، "التسويغ الفلسفي للدولة القومية التوتاليتارية وكذلك الدولة القومية الديمقراطية"103، بل إن هذه التقدمة كانت من القوة بحيث يجب "تحميل" روسو "مسؤولية خاصة عن ظهور التوتاليتارية"104، وفي كلتا الحالتين، فإن تقريرًا قد يكون صادقًا عن الأهمية التاريخية لعمل معيّن، يصبح مختلطًا بتقرير يتناول ما كان يفعله مؤلف العمل، وقد لا يكون من حيث المبدأ صادقًا.

  1. أظن أن مصطلح التقويل مقابل مناسب للمصطلح prolepsis، فمثلما يمكن استعمال "التقويل" مع النصوص، يمكن تطبيقه على الأحداث. (المترجم)
  2. للاطلاع على هذه الاعتبارات، وأمثلة أخرى من النوع نفسه، ينظر المناقشة في: Arthur C. Danto, Analytical Philosophy of History (Cambridge: Cambridge University Press, 1965), pp. 149 - 181.
  3. K. R. Popper, The Open Society and its Enemies , 2 vols., 4 th ed. (London: Princeton University Press; Oxford University Press, 1962), vol. I, p. 169.
  4. Jacob Bronowski & Bruce Mazlish, The Western Intellectual Tradition: From Leonardo to Hegel (London: Harper Perennial, 1960), p. 303.
  5. J. W. Chapman, Rousseau-Totalitarian or Liberal? (New York: Columbia University Press, 1956), p. vii; للاطلاع على الأحكام التي نوقشت، ينظر، مثلً: Alfred Cobban, The Crisis of Civilization (London: Jonathan Cape, 1941), p. 67 ; وينظر على نحو خاص: J. L. Talmon, The Origins of Totalitarian Democracy (London: Secker & Warburg, 1952). حيث يُزعم (في صفحة 43) أن روسو "كان باعثًا على الديمقراطية التوتاليتارية."

يمكن أن تكون هذه النسخة الفجّة من هذه الأسطورة مكشوفةً بيسر شديد (بل هي كانت مكشوفة فعلً). لكن هذا لم يحل دون تكرار هذا النمط من التقويل نفسه، في هيئة خفيّة، في مناقشات منظّرين سياسيين آخرين يعترف لهم الجميع بحضورهم وتأثيرهم. دقِق النظر، مثلً، في حالتَي مكيافيلي ولوك. يُقال لنا إن مكيافيلي "كان مؤسس التوجه السياسي الحديث  "105. ومعه "نقف عند بوابة العالم الحديث"106. وربما يقدم لنا هذا الكلام وصفًا حقيقيًا لأهمية مكيافيلي التاريخية (على الرغم من أنه كلام يفترض مسبقًا نظرةً ساذجة عن السببية التاريخية). لكنه غالبًا ما يُستعمل لتقديم مناقشة العناصر "الحديثة" المميزة في فكر مكيافيلي، بل حتى جرى تقديمه غالبًا لوصف " مقاصد مذهب مكيافيلي السياسي  "107. ولا يتمثل الخطر هنا في استسهال "رؤية" العناصر الحديثة" التي ينظم المفسر برنامجه من أجل إيجادها فحسب، بل ثمة خطر آخر يتمثل في أن مثل هذه التأويلات قد تفترق عن أي وصف معقول مبدئيًا لما كانت ترمي إلى تحقيقه كتابات مكيافيلي السياسية. على غرار ذلك، هناك مشكلة عكّرت مناقشة فلسفة لوك السياسية. فغالبًا ما يُقال لنا (على نحو صحيح لا شك) إن لوك كان أحد مؤسسي مدرسة الفكر السياسي التجريبية والليبرالية الحديثة. غير أن هذا التوصيف غالبًا ما يُردّ إلى زعم مفاده أن لوك نفسه كان منظّرًا سياسيًا "ليبراليًا"108. ونتيجة ذلك هي تحويل الزعم الذي ربما يكون صادقًا عن أهمية لوك إلى زعم لا يمكن أن يكون صادقًا عن مضمون أعماله؛ ذلك أن لوك نادرًا ما قصد الإسهام في مدرسة للفلسفة السياسية، التي كانت، كما يزعم هذا التأويل، منجزه الممكن الوحيد109. باختصار، فإن أوكد أمارة على أننا في حضرة أسطورة التقويل هي أن المناقشة سوف تشرّع نوافذها أمام أشد أنماط النقد فجاجة يمكن توجيهه لأشكال التفسير الغائية، وهو: أن على فترة زمنية ما أن تنتظر المستقبل كي تعرف معناها. على الرغم من نيل هذه المحاذير ما تستحق من اهتمام كبير، فإن الهدف البسيط في ظاهره لوصف مضامين نص كلاسيكي معيّن، يبقى قادرًا على إثارة مصاعب مماثلة؛ إذ تبقى قائمةً إمكانية أن يسيء ملاحِظٌ ما، نتيجة عملية اختزال تاريخي، وصفَ المعنى الذي يقصده نص ما. ومن النادر ألّ يظهر هذا الخطر في أي محاولة لفهم ثقافة غريبة أو مخطط مفاهيمي غير مألوف. وإذا ما كان هناك هدف من وراء قيام مراقب بنقل ناجح لفهم مثل هذا ضمن ثقافته الخاصة، فإن هناك خطرًا جليًّا، لا يمكن تفاديه، يتمثل في تطبيق معيارَي التصنيف والتمييز الخاصين به. وهذا الخطر المرافق هو أن "يرى" المراقب شيئًا مألوفًا ظاهريًا في دراسته محاجّة غير مألوفة، الأمر الذي قد يؤدي، في النتيجة، إلى أن يصف هذه المحاجّة وصفًا قريبًا، لكن مضلّلً. ثمة شكلان من ضيق الأفق هذا يسمان كتابة تاريخ الأفكار. الشكل الأوليتجلى في الخطر الذي يتورّط فيه المؤرخ عندما يسيء استعمال وجهة نظره في وصفه ما يحيل إليه ظاهريًا بعض العبارات في نص كلاسيكي. فلربما تُذكّر محاجّةٌ معينةٌ المؤرخَ بمحاجّةٍ أخرى في عملٍ آخر، أو في عمل سابق، أو ربما تبدو مناقضةً لها. وقد تدفع هاتان الحالتان المؤرخَ إلى أن يفترض خطأً أن مقاصد كاتب لاحق تحيل إلى كاتب سابق، فيبدأ بالكلام، على نحوٍ مضلل، على "تأثير" العمل المبكر.

  1. Warren Winiarski, "Niccolo Machiavelli," in: Strauss & Cropsey, p. 247.
  2. Ernst Cassirer, The Myth of the State (New Haven: Yale University Press, 1946), p. 140.
  3. Winiarski, p. 273.
  4. على نحو ما افتُرض ذلك في: Gough, The Social Contract ; Plamentaz; Seliger.
  5. للاطلاع على تحليل هذا الغموض وتصحيحه، ينظر: John Dunn, The Political Thought of John Locke (Cambridge: Cambridge University Press, 1969), pp. 29 - 31 , 204 - 246 ; ينظر أيضً: ا James Tully, An Approach to Political Philosophy: Locke in Contexts (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), pp. 2 , 6 , 73 - 79.

هذا لا يعني أن مفهوم التأثير لا ينطوي على أي قوة تفسيرية. ومع ذلك، فالخطر قائم من جهة سهولة استعمال المفهوم بطريقة تفسيرية ظاهريًا من دون اعتبار لتوافر الشروط الكافية، أو على الأقل الضرورية، لتطبيق المفهوم. ونتيجة ذلك [نجد أنفسنا أمام] سردٍ يقرأ الفصول الافتتاحية من السِفر الأول "لأخبار الأيام " Chronicles of Book First على الرغم من عدم وجود مسوغ تاريخي. انظر، مثلً، في الجينولوجيا المزعومة لآراء إدموند بيرك السياسية. فلقد كان هدفه من كتابه أفكار في أسباب السخط الراهن Discontents Present the of Causes the on Thoughts "مواجهة تأثير بولينغبروك"110. ويُقال إن كتابات بولينغبروك نفسه تأثرت بجون لوك111. ويُقال إن لوك، بدوره، كان إما قد وقع، في كتابه رسالتان، تحت تأثير هوبز، حيث كان هذا الأخير يسكن ذهنَه112، وإما أنه كان منصرفًا إلى مواجهة تأثير هوبز113. ويقال إن هوبز، بدوره، كان متأثرًا بمكيافيلي114 الذي يبدو أن الجميع تأثر به115. غالبية هذه التفسيرات أسطورية صرفة على نحو ما نستطيع أن نرى بيسر إذا ما اعتبرنا ماهية الشروط الضرورية التي يجب أن تساعد في تفسير ظهور مبدأ معيّن لدى كاتب ما (ب) عَبر التذرع "بتأثير" كاتب أسبق (أ)116. مثل هذه المجموعة من الشروط يجب أن تتضمن ما يأتي على الأقل: (1) أن يُعرف عن (ب) أنه درسَ أعمال (أ)؛ (2) ألّ يكون (ب) قد استطاع إيجاد أي مبادئ ذات صلة وثيقة لدى أي كاتب آخر غير (أ)؛ (3) أنه ما كان في إمكان (ب) أن يصل إلى هذه المبادئ على نحو مستقل. وما هو موضع جدال أن التأثير المزعوم لمكيافيلي في هوبز، وتأثير هوبز في لوك، يفشل في تجاوز النقطة (1) من هذه الخطوات. فما هو مؤكد أن هوبز لم يناقش أفكار مكيافيلي صراحة، ولم يناقش لوك أفكار هوبز صراحة. ويمكن البرهنة على أن التأثير المزعوم لهوبز في لوك، وتأثير بولينغبروك في بيرك، يفشل في تجاوز النقطة (2) من خطوات الاختبار السابقة. كان يمكن بيرك أن يجد مبادئ بولينغبروك التي

  1. Harvey C. Mansfield Jr., Statesmanship and Party Government: A Study of Burke and Bolingbroke (Chicago: University of Chicago Press, 1965), esp. p. 86 ; قارن أيضًا بالكتاب نفسه الصفحات: 41، 66، 80. وللاطلاع على ادعاء مماثل بأنّ بولينغبروك "يستبق" بيرك، ينظر: Jeffrey P. Hart, Viscount Bolingbroke , Tory Humanist (London: Routledge & K. Paul, 1965), pp. 95 , 149.
  2. Mansfield, p. 49 ; تذهب الكتب التي تتناول فكر القرن الثامن عشر إلى أنّ "تراث لوك" وسيلة لا مندوحة عنها لتفسير بعض السمات الأبرز في تلك الحقبة. ينظر على سبيل المثال: Harold J. Laski, Political Thought in England: Locke to Bentham (Oxford: Oxford University Press, 1961 [1920]), pp. 47 - 53 , 131.
  3. لمتابعة واسعة لهذا الافتراض، ينظر مثل:ً Strauss, Natural Right and History ; Cox.
  4. هذه هي نظرية التداول العام. ينظر: Wolin, p. 26 ; حيث يصرّ وولِن على "أن القارئ المدقق لن يفشل في أن يرى" أنّ لوك كان يرمي إلى دحض هوبز. ويظهر هذا الافتراض في غالبية الكتب التي تضمّ نصوص الفكر السياسي الحديث المبكر. ينظر على سبيل المثال: Kingsley Martin, French Liberal Thought in the Eighteenth Century: A Study of Political Ideas from Bayle to Condorcet (London: Harper Torchbooks/ Academy Library, 1969), p. 120.
  5. للاطلاع على الزعم بأنّ هوبز "قبلَ بنقد" مكيافيلي "للفلسفة السياسية التقليدية."
  6. ينظر: Raab; Albert Cherel, La pensée de Machiavel en France , 2 nd ed. (Paris: L'Artisan du livre, 1935); Giuseppe Prezzolini, Machiavelli , G. Savini (trans.) (London: Farrar, Straus & Giroux, 1967).
  7. للاطلاع على تحليل واسع لمشكلات "التأثير"، ينظر: Quentin Skinner, "The Limits of Historical Explanations," Philosophy , vol. 41 , no. 157 (July 1966), pp. 199 - 215 ; وللاطلاع على أن محاجّتي هنا مفرطة في شكّيتها، بل إنها ضعيفة، ينظر: Francis Oakley, Politics and Eternity: Studies in the History of Medieval and Early-Modern Political Thought (Leiden; Brill Academic Pub, 1999), pp. 138 - 187. مع ذلك لا أنكر إمكان أن يُستعمل هذا المفهوم بصورة مثمرة. (وأنا استعملته أحيانًا). فكل ما أريد تقريره هنا هو وجوب التيقن من أن تجتاز تطبيقاتنا لهذا المفهوم الاختبارات التي أقترحها.

يُقال إنه تأثر بها في مجموعة من الكراسات السياسية في بواكير القرن الثامن عشر المعادية لحكومة روبرت والبول (1721 - 1742) Walpole Robert117. وعلى غرار ذلك كان يمكن جون لوك أن يجد المبادئ التي قيل إنها تسم فكر هوبز في مجموعة من الكتابات السياسية عن مجريات أحداث خمسينيات القرن السابع عشر ووقائعها التي يُعرف عن لوك أنه قرأها على الأقل، لكن من غير الواضح كيف كانت قراءته لهوبز قراءةً فاحصة118. وأخيرًا، فإنه لمن البيّن أن لا مثال من الأمثلة التي ذكرناها يمكن أن يتجاوز الخطوة (3) من خطوات الاختبار السابقة (ولربما يُقال إنه من غير الواضح كيف يمكن أبدًا تجاوز النقطة (3) من نقاط الاختبار تلك). الشكل الثانيالسائد من ضيق الأفق، ينشأ من حقيقة أن المعلّقين يسيئون من دون وعي استعمال وجهات نظرهم في وصف معنىعمل معيّن. فثمة دائمًا خطر أن يعمل المؤرخ على مفهمة محاجّة بطريقة تنحلّ فيها عناصرها غير المألوفة إلى عناصر مألوفة بصورة مضللة. وهناك مثالان صريحان يكفيان لتبيين هذه النقطة. لنتأمل في حالة مؤرخ يقرر (وربما يقرر بحق تمامًا) أن السمة الأساسية للفكر السياسي الجذري للثورة الإنكليزية خلال منتصف القرن السابع عشر هي الانشغال بتوسيع حق الاقتراع. وقد ينقاد هذا المؤرخ إلى مفهمة هذا المطلب المميز ل "التسوويون" Levellers119 بموجب حجة الديمقراطية. ينشأ الخطر، إذًا، عندما يُستعمل مفهوم "فلسفة الديمقراطية الليبرالية"120 بردايمًا لوصف "التسوويون" وفهمهم. يصعبُ هذا البردايم، من دون لزوم، وصف بعض من السمات المميزة لأيديولوجيا "التسوويون". فإذا كنا مُبَرمَجين، مثلً، على التفكير بموجب "العلمانية الجمهورية" لقادة "التسوويون"، فليس من المفاجئ أن تبدو لنا نقمتهم من الملَكية وانجذابهم نحو المشاعر الدينية أمرًا محيّرًا121. وسوف يجنح بردايم "الديمقراطية" إلى أن يسوق البحث التاريخي في اتجاهات غير مناسبة. وستُكتشف في الفكر المساواتي مفاهيم ذات طبيعة مفارقة تاريخيًا، مثل "دولة الرفاهية"، والقول بحق الاقتراع الشامل، وهما مفهومان لم تتبنّاهما الحركة أبدًا122. على غرار ذلك، انظر في حالة مؤرخ يقرر (وكالمرة السابقة، قد يكون على حق تمامًا) أن مجادلة لوك في كتابه رسالتان في الحكم المدنيحول الحق في مقاومة حكومات الطغيان لها صلة بمجادلته بشأن منزلة التوافق في مجتمع سياسي قانوني. قد ينقاد هذا المؤرخ إلى استعمال فكرة "الحكومة التوافقية" Consent by Government بردايمًا لوصف مجادلة لوك123. ويظهر الخطر نفسه. فنحن عندما نتكلم على الحكم التوافقي، يكون في أذهاننا بعامة نظرية حول الشروط التي يجب تلبيتها إذا ما كان يجب وصف الترتيبات القانونية لحكومة مدنية بأنها شرعية. وبناءً عليه، سيكون من الطبيعي أن ننظر، وفي أذهاننا هذه المفهمة التصورية، إلى نص لوك، لنجد حينئذ نظريةً معروضة على نحو غير متقن في الحقيقة. لكن هذا، كما يبدو، لم يكن على الإطلاق في ذهن لوك عندما تكلّم على الحكم التوافقي. تظهر عناية لوك بمفهوم التوافق Consent من جهة صلتها بتفسيره أصولالمجتمعات السياسية

  1. للاطلاع على عدد كبير من هذه الكراسات، واتجاهها العام، ينظر: Archibald S. Foord, His Majesty's Opposition , 1714 - 18 30 (New York: Oxford University Press, 1964), esp. pp. 57 - 109 , 113 - 159.
  2. في خصوص قراءة لوك، ينظر: Peter Laslett, Introduction to The Library of John Locke, John Harrison & Peter Laslett (ed.) (Oxford: Oxford Bibliographical Society Publications, 1965).
  3. حركة سياسية راديكالية بريطانية، ظهرت في القرن السابع عشر، وطالبت بالسيادة الشعبية والمساواة الكاملة أمام القانون. (المترجم)
  4. في خصوص ظهور "الديمقراطية" في إنكلترا في القرن السابع عشر، ينظر: H. N. Brailsford, The Levellers and the English Revolution (London: Stanford University Press, 1961), p. 118 ; David Wootton, Preface and Introduction to Divine Right and Democracy: An Anthology of Political Writing in Stuart England (Harmondsworth: Penguin Books, 1986), pp. 9 - 19 , 22 - 86.
  5. Brailsford, pp. 118 , 457.
  6. Ibid., p. 233 ; A. S. P. Woodhouse, Puritanism and Liberty (London: J. M. Dent & Sons, Ltd., 1938), p. 83.
  7. كما في: 72 - 47. pp , Gough.

الشرعية124. ولا يكاد هذا هو ما يجب أن نعدّه حجةً لمصلحة التوافق. لكن يبدو أن حجة لوك كانت على هذا النحو، وسوف تكون النتيجةُ الوحيدةُ لهذا الفشل في الانطلاق من هذه النقطة هي وصف هذه النظرية وصفًا سيئًا، ومن ثم نحمّله تبعات أخطاء في التفسير لم يكن في الحقيقة يحاول كتابته. بينما تكون الصعوبة التي انشغلتُ بها محتومةً، فإنها خطرة أيضًا على مؤرخي الأفكار الذين يقاربون مواد اشتغالهم بردايمات متصوَّرة قبلً. وواضح إلى غاية الآن، أن النقطة التي تظهر فيها هذه المخاطر هي النقطة التي يبدأ بها المؤرخ، في الواقع، بتجاهل اعتبارات عامة معيّنة يمكن تطبيقها في عملية تكوين المقولات وفهمها. وسوف يعينني النظر في هذه المسائل على تلخيص الدروس المنهجية التي جهدت حتى الآن على الإصرار عليها. أولهذه الاعتبارات هو أنه لا يمكن أن يقال إن فاعلًAgent قصدَ أو أنجزَ شيئًا هو نفسه لم يقصده أو لم ينجزه. وهذه السلطة الخاصة التي يملكها الفاعلون على مقاصدهم لا تستبعد إمكان أن يقوم مراقبٌ ما، يؤهّله موقعُه لتقديم وصف لأفعال هؤلاء الفاعلين أكمل أو أكثر إقناعًا مما يستطيعون هم أنفسهم تقديمه (وعلى هذه الإمكانية يقوم التحليل النفسي). لكن هذه السلطة الخاصة تستبعد إمكانَ صمود تفسير لسلوك الفاعل أمام برهان يدل بوضوح على أنه كان تفسيرًا معتمدًا على استعمال معيار وصفي وتصنيفي لم يكن في متناول الفاعل. لأنه إذا كان ثمة قولٌ أو فعلٌ أنجزه فاعل بإرادته، وله معنى عند هذا الفاعل، فإن أي وصف معقول لما عناه الفاعل يجب أن يقع ضرورة تحت نطاق معيّن (ويستعمله أيضًا) من الأوصاف، نطاق كان يمكن هذا الفاعل، من حيث المبدأ، أن يطبّقه لوصف وتصنيف ما قاله أو فعله. وبخلاف ذلك، فإن النتيجة المتمخّضة، مهما كانت قويةً، فلن تكون وصفًا لقول الفاعل أو فعله125. سوف يتّضح أن هذا الاعتبار على وجه الدقة هو الذي يتجاهله مؤرخو الأفكار، بكل يُسر، عندما يوجّهون سهام نقدهم إلى المنظّرين الكلاسيكيين تحت ذريعة فشلهم في طرح مبادئهم على نحو متّسق، أو فشلهم في تقديم مبدأ في مسألة ما من المسائل المتواترة المزعومة. ليس من المحمود القول عن فاعلٍ معيّن إنه فشل في فعل كذا وكذا، ما لم يكن واضحًا أولً وقبل كل شيء آخر أنه كان في إمكانه أن يقصد، أو قصد حقًا، إنجاز ذلك الفعل. وبتطبيق هذا الاختبار ندرك أن العديد من الأسئلة التي قلّبتُ النظر فيها (من قبيل ما إذا كان مارسيليوس قد طرح مبدأ الفصل بين السلطات وغيرها) هي أسئلة لا مرجعية لها. فليس ثمة وسيلة لصوغ أسئلة بمصطلحات كان يمكن أن يكون لها معنى عند الفاعلين المعنيين. ويوضح الاختبار نفسه أن المزاعم المتعلقة "بالاستباقات" التي كنت قد تناولتُها – من قبيل "أن نظرية لوك" عن العلامات "استباق لميتافيزيقا باركلي" – هي مزاعم لا معنى لها كذلك126. وإذا ما كان هدفُنا أن نقول شيئًا عن لوك، فليس ثمة فائدة من النظر إلى نظريته بهذا المنظار (ما كان في نيّة لوك أن يستبق ميتافيزيقا لوك). في وسعنا أن نحكي قصصًا مثل هذه إن رغبنا، بيد أن كتابة التاريخ (على الرغم من الموقف السائد بين الفلاسفة) لا تتكوّن ببساطة من القصص: هناك سمة إضافية للقصص التاريخية ألا وهي قصّ أثر الحقيقة127.

  1. للاطلاع على هذا الادّعاء، ينظر: , pp. 29-52 Political Obligation.Dunn,
  2. Stuart Hampshire, Thought and Action (London: 1959), esp. pp. 135 - 136 , 153 - 155 , 213 - 216 ;.Charles Taylor, The Explanation of Behaviour (London: Routledge, 1964), esp. pp. 54-71 جرى تطوير بعض المسائل الشبيهة في:
  3. Armstrong, p. 382.
  4. من أجل مزيد من التفصيل، ينظر: Maurice Mandelbaum, "A Note on History as Narrative," History and Theory , vol. 6 , no. 3 (1967), pp. 413 - 419.

الاعتبار الأخير الذي يجدر بنا تسليط الضوء عليه يخص فعالية التفكير نفسها. علينا أن نعتبر التفكير فعاليةً مجهدةً، وليس مجرد تلاعب في مشهد من صور عقلية128. ولا تبدو محاولة التفكير في المشكلات، بوصفها مادةً لملاحظةٍ واستبطان عامّين، تَتخذُ، أو تُردُّ إلى، فعالية غرضية منَمذجة أو حتى موحَّدة. والحقيقة هي أننا ننغمس في صراع عسير غالبًا مع الكلمات والمعاني، ونتجاوز حدود ذكائنا فيلتبس علينا الأمر، ونجد غالبًا أن محاولاتنا لتوليف نظراتنا تتكشف عن اضطرابات مفهومية بقدر ما هنالك من مبادئ متسقة. لكن هذا الاعتبار، على وجه الدقة الذي يتجاهله مؤوّلٌ يصرّ على جمع أفكار "مبعثرة" (تبعثرًا يثير الأسف) لكاتب كلاسيكي وتقديمها منسقةً، أو يصرّ على اكتشاف مستوى من الاتساق يهمل من أجله الجهودَ والالتباساتِ التي تسم، في العادة، النشاط التفكري، أقول إن هذا الاعتبار يُطهّرنا من الآلام129.

قد يبدو إلى غاية الآن أن ثمة اعتراضًا واضحًا على المسار الذي اختطّته محاجّتي. لقد قمت بتشريح الأخطار التي تنشأ إذا ما قارب المرءُ النصوص الكلاسيكية في تاريخ الأفكار، ناظرًا إليها موضوعاتٍ بحثيةً مكتفيةً بذاتها، ومركزًا على ما يقولهكل كاتب عن كل مبدأ من المبادئ المعترف بها، وبذلك يسعى لكشف معنى أعمال هؤلاء الكتّاب وأهميتها. ومع ذلك، ربما يَردّ أحدهم بأنه يمكن تفادي هذه الأخطار بالتحلّي بالعناية والتخصص البحثي اللازمَين. لكن إذا أمكن تفادي هذه الأخطار، فسينهض السؤال: كيف سيصير إليه الزعم الذي ابتدأت به محاجّتي بأن هناك شيئًا مضلّلً يلازم هذا المقترب؟ للإجابة عن هذا السؤال، أود أن أقدّم أطروحةً لا تستكمل الأطروحةَ التي دافعت عنها فحسب، لكنها أقوى منها أيضًا. فأنا أرى أن المقترب الذي ناقشته لا يستطيع، من حيث المبدأ، تمكيننا من بلوغ فهمٍوافٍ للنصوص التي ندرسها في تاريخ الفكر. والسبب الرئيس هو أننا إذا ما رغبنا في فهم نصٍّ ما، فسيتعيّن علينا ألّ نكون قادرين على تقديم وصف لمعنى ما قيل فحسب، بل أن نصف أيضًا ما قصده كاتبٌ ما من قوله الذي قاله. والدراسة التي تحصر تركيزها على ما قالهكاتبٌ ما عن مبدأ معيّن لن تفي الأمر حقّه، بل لعلها أحيانًا تضلّنا بوصفها مرشدًا لما قصده هذا الكاتب أو عناه. لننظر، أولً، في النقطة الواضحة الآتية، وهي أن معاني المصطلحات التي نستعملها للتعبير عن المفاهيم تتغير عبر الزمن، لذلك قد يستحيل وصفُ ما يقوله كاتبٌ عن مفهوم معيّن دليلً مضلّلً عن معنى نصّه. لنأخذ، مث لً على ذلك، كيفية استجابة نقاد باركلي المعاصرين له بخصوص مبدئه عن اللامادية؛ إذ يذهب كلٌّ من أندريو باكستر وتوماس ريد إلى الحديث عن "نزعة أنوية" Egoism في نظرة باركلي، وتحت هذا العنوان الرئيس ناقشت الموسوعةُ الفرنسية Encyclopedie عملَه130. وإذا كان معاصرو باركلي قد قصدوا اتهامه بما نفهمه نحن من "النزعة الأنوية"، فإن من نتائج ذلك هو أنهم كانوا على الأرجح يشيرون إلى "نزعته الهوبزية" Hobbism. وكان ما قصدوه بكلامهم على نزعته الأنوية شيئًا يشبه كثيرًا ما نعنيه نحن بالأنا وحدية Solipsism131.

  1. Dunn, Political Obligation , pp. 13-28 128 هناك عرض كامل لهذه النقطة في:
  2. spent passion All، يبدو أنّ كاتب الدراسة يقتبس هنا عبارة شهيرة من بيت شعري spent passion all , mind of calm، هو خاتمة قصيدة جون ملتون بعنوان. Samson Agonistes
  3. Andrew Baxter, An Enquiry into the Nature of the Human Soul , 2 vols., 3 rd ed. (London: A. Millar, 1745), p. 280 ; Thomas Reid, Essays on the Intellectual Powers of Man , A. D. Woozley (ed.) (London: Macmillan and Co., 1941), p. 120.
  4. Harry M. Bracken, The Early Reception of Berkeley's Immaterialism, 1710 - 1733 , 2 nd ed. (The Hague: Springer, 1965), pp. 1 - 25 , 59 - 81.

السبب الثانيوالأهم الذي يدفعنا إلى التفكير في أن ما يقوله كاتبٌ عن مبدأ معيّن ربما يتبيّن أنه دليل مضلّل لما قصده هو أن الكاتب يستعمل عمدًا مجموعة ممّا يمكن أن يُدعى استراتيجيات بلاغية مبهمة. وأوضحُ هذه الاستراتيجيات هي السخرية irony، التي يكون من أثر استعمالها فصل ما يُقال عما يُعنى. لنأخذ، مث لً على ذلك، مبدأ التسامح الديني على نحو ما عُرض على المثقفين الإنكليز في قانون التسامح Act Toleration لعام (1689). هناك أسباب وجيهة تدفع إلى القول إن الإسهامات المنوعة في تلك المساجلات عكست إلى حدٍ بعيد مشهدًا عامًا. لكن لا يمكن أن نتبيّن إلّ بعد بحث تاريخي مُحكَم أن كتاب دانيال ديفو Defoe Daniel أقصر الطرق مع المنشقين Dissenters the with Way Shortest The الذي يعالج مسألة المنشقين عن الكنيسة، و رسالة بنيامين هودلي Hoadly Benjamin إلى البابا حول سلطات الكنيسة، وكتاب جون لوك رسالة حول التسامح Toleration Concerning Letter، تهدف كلها إلى نقل رسالة واحدة حول قيمة مسامحة الانشقاق الديني. وسوف تتكفل دراسة ما يقوله أيّ واحد منهم عن هذه المسألة بإظهار وجود سوء فهم عقيم في حالة ديفو، ووجود التباس مهمّ في حالة هودلي. ويبدو أن ليس منهم سوى جون لوك من يقول ما يعنيه، وحتى في هذه الحالة قد نرغب (ولنتذكر سويفت) في إيجاد وسيلة تقنعنا بعدم وجود سخرية. باختصار، يصعب علينا أن نعرف المقدار المطلوب لقراءة هذه النصوص "مرةً بعد أخرى"، ودائمًا ما نُنصح للقيام بذلك132، على نحو يمكّننا من الانتقال في هذه الحالات مما قيل إلى فهم ما عُني. في خصوص هذه الاستراتيجيات المواربة، يمكن أن تَنشأ مشكلة إضافية وعصيّة. ويعبّر أحد المتخصصين أن ثمة سببًا وجيهًا للشك في ما إذا كان "من الأوثق تاريخيًا" القول عن كاتبٍ معيّن إنه "اعتقد بما كتبَه"، من أن نظن أنه كان مرائيًا. فلتتأمل، مثلً، في الطريقة التي تَظهر فيها هذه المشكلة في تأويل فلاسفة مثل توماس هوبز وبيير بايل Bayle Pierre. فعندما يناقش هوبز قوانين الطبيعة، فإن المبدأ الذي يفصح عنه يشتمل على الادّعاء بأن قوانين الطبيعة هي قوانين الله، ولذلك نحن مأمورون بإطاعة قوانين الطبيعة. ولقد جرت العادة على صرف النظر عن هذه المشاعر العلنية باعتبار أنها عملُ متشكك يُكره اللغة المألوفة من أجل استعمالها استعم لً هرطقيًا. غير أن عددًا من المعلقين التنقيحيين ألحفوا في إصرارهم (وصيغة الكلمات الكاشفة) على أن هوبز لا بد أنه قد "قصد بجدّية بالغة ما يقوله غالبًا، وهو "أن القانون الطبيعي" أمرُ الله، ويجب أن يُطاع لأنه أمرُ الله"133. وهكذا، تُعامل شكّية هوبز على أنها تمويه، وما إن تُزال غلالة التمويه هذه حتى يظهر هوبز نصيرًا للأخلاقية المسيحية. والحال كذلك مع بايل الذي يحتوي كتابه القاموس التاريخي والنقدي Critique et Historique Dictionnaire على معظم المبادئ، من النوع الصارم وغير المتسامح، المتوافقة مع اللاهوت الكالفيني. وكالعادة، أهملت هذه الرسالة الجليّة وأصرّوا على أن بايل ما كان صادقًا. لكن سعى مرة أخرى عددٌ من الشُرّاح التنقيحيين للمحاجّة بأن بايل كان رجلً مؤمنًا ومفكرًا دينيًا، يجب أن تُحمل عباراتُه على ظاهرها إذا ما أُريد فهم محاجّاته، ولا يمكن أن يكون نموذجًا أصليًا لمفكرٍ ساخر من عصر التنوير الفرنسي Philosophe134.

  1. Plamentaz, vol. I, p. x.
  2. A. E. Taylor, "The Ethical Doctrine of Hobbes," Philosophy , vol. 13 , no. 52 (October 1938), pp. 406 - 424. يتخذ واريندر Warrender (مرجع سابق) موقفًا مناظرًا، بينما يقدم هود Hood (مرجع سابق) عرضًا متطرّفًا جدًا. وللاطلاع على نسخة حاسمة من هذه المحاجّة، ينظر: A. P. Martinich, The Two Gods of Leviathan: Thomas Hobbes on Religion and Politics (Cambridge: ‎Cambridge University Press, 1992), pp. 71 - 135.
  3. ينظر مواد بايل عن داوود والمانوية في: Paul Dibon, "Redécouverte de Bayle," in: Paul Dibon (ed.), Pierre Bayle: Le philosophe de Rotterdam: Etudes et documents (Amsterdam: Elsevier, 1959), p. xv..Elisabeth Labrousse, Pierre Bayle , vol. 2: Hétérodoxie et rigorisme (The Hague: Albin Michel, 1964), pp. 346-386 قارن أيضً: ا

أنا لست معنيًا بالتساؤل عن التأويل الأرجح في حالتَي لوك وبايل، لكن أودّ أن أبيّن قصور المنهجية التي وجّهت هذه التأويلات التحريفية. يُقال لنا إن "دراسةً دقيقةً للنصوص" وتركيزًا على النصوص "لذاتها" كافيان، في كل مثال، لتكوين حالة تنقيحية135. ولا يبدو أنه قد جرى الاعتراف بأنّ القبول بهذه التأويلات يلزم عنه القبول بافتراضات فريدة جدًا حول هوبز وبايل، والعصر الذي عاشا فيه. ولقد قبلهما فلاسفة التنوير الفرنسي سلَفين عظيمين في الشكّية، وعلى هذا النحو فهمهما النقاد المعاصرون وكذلك المتعاطفون، ولم يخطر ببال أحد أن يشك في أنهم كانوا قد قصدوا الحديث حديثًا مدمرًا للأرثوذكسيات الدينية السائدة. يمكن بطبيعة الحال رفض هذا الاعتراض بالإصرار على أن جميع نقاد هوبز وبايل المعاصرين كانوا مخطئين تمامًا، وكانوا مخطئين بالطريقة نفسها بصدد المقاصد الساندة لنصوصهما. بيد أن القبول بهذا الافتراض غير الراجح لا يفعل غير أن يثير صعوبات إضافية بشأن مواقف هوبز وبايل نفسيهما. كان لدى كل واحد منهما من الأسباب الوجيهة للإقرار بأن البدعة الدينية كانت التزامًا خطرًا. وطبقًا لجون أوبري فقد ألمّ الفزع بهوبز ردحًا من الزمن خشية أن يتقدم القساوسة بطلب "استدعاء العجوز الطيب ليُحرقَ جزاء بِدعَتِه"136. فُصلَ بايل من وظيفته باعتباره أستاذًا في أكاديمية سيدان Sedan لأنه كان مناهضًا للكاثوليكية، وفُصلَ لاحقًا من وظيفته أستاذًا في جامعة روتردام Rotterdam لأنه لم يناهض الكاثوليكية بشدة. إذا كان الكاتبان يقصدان من أعمالهما بثّ المشاعر الدينية الأرثوذكسية، يصبح من المحال أن نفهم لماذا لم يحذف أيّ واحد منهما من الطبعات اللاحقة لأعمالهما – وهما كانا يستطيعان ذلك، وكان بايل يحرّض على ذلك – تلك الأجزاء التي كانت كما يبدو قد فُهمت فهمًا سيّئًا على نحو خطر، ولماذا لم يحاول أيّ واحد منهما تصويب التصورات السيئة ظاهريًا التي جدّت في خصوص المقاصد التي تسند أعمالهما137. تثير نصوص هوبز وبايل تساؤلات لا نستطيع أن نأمل بحلّها عبر قراءتها "مرة بعد أخرى" إلى أن نعتقد أننا فهمناها فعلً. وإذا ما قررنا الآن، نتيجة للتفكر في المضامين التي شددت عليها، بأنه من المشكوك فيه ما إذا كانت نصوصهم تعني ما يقولونه، فسوف يكون هذا ناجمًا عن معلومات تتعدّى النصوص ذاتها. وفي المقابل، إذا كنّا لا نزال نشعر بالقدرة على الإصرار أنّ النصوص تقول ما يعنونه، فستكون لدينا مشكلة تفسير المضامين الفريدة لهذا الالتزام. ونحن لا نستطيع أن نأمل، أيًّا كان التأويل الذي نقبله، بالدفاع عنه بمجرد الإحالة إلى معاني النصوص الظاهرة. مع ذلك، فإن الأهم من ذلك كله حقيقةٌ تفيد أن دراسة ما يقوله المرء في حالة أيقول جدي لا تستطيع على الإطلاق أن تكون دليلً كافيًا لفهم ما عُني. وكي نفهم أيّ قول جدّي، نحن لا نحتاج إلى الإحاطة بمعنى ما قيل فحسب، بل نحتاج في الوقت نفسه إلى الإحاطة بالقوة المقصودة التي يصدر عنها القول. أي إننا لا نحتاج إلى الإحاطة بما يقوله الناس فحسب، بل الإحاطة أيضًا بما كانوا يفعلونه، وهم يقولون ما يقولون. إن دراسة ما قالهمفكرو الماضي عن الموضوعات الأساسية في تاريخ الأفكار هي، باختصار، بمنزلة إنجاز مهمة واحدة فقط من مهمتين تأويليتين، كل واحدة منهما ضرورية إذا كان هدفنا إحراز فهم تاريخي لما كتبوه. ولاستيعاب معنى ما قالوه، نحتاج في الوقت نفسه إلى فهم ما قصدوه بقولهم ذاك. الإلحاف في هذا الادعاء، يعني أن نعتمد على محاجّات فيتغنشتاين في خصوص ما يُستعمل في استعادة المعنى، وعلى تطوير جي. أل. أوستن (1911 - 1960) لمحاجّات فيتغنشتاين حول المعنى والاستعمال. وسأكتفي هنا بتبيين الاختلاف الذي يحدث في

  1. Hood, p. vii; Labrousse, p. x.
  2. John Aubrey, 'Brief Lives', Chiefly of Contemporaries, Set Down by John Aubrey, between the Years 1669 & 1696 , Andrew Clark (ed.) 2 vols. (Oxford: The Clarendon Press, 1898), vol. 1 , p. 339.
  3. للاطلاع على تلك التفصيلات في خصوص لوك، ينظر: Samuel I. Mintz, The Hunting of Leviathan: Seventeenth-Century Reactions to the Materialism and Moral Philosophy of Thomas Hobbes (Cambridge: Cambridge University Press, 1969); وفي خصوص بايل، ينظر: (New York: Columbia University Press, 1931) Bayle the Sceptic.Howard Robinson,

دراسة النصوص الفردية و"وحدة الأفكار"، إنْ تعامَلنا بجدية مع حقيقة أن هناك دائمًا سؤ لً يُطرح حول ما يفعلهالكتّاب وما يقولونه إذا كان هدفنا فهم نصوصهم. لتبيين ذلك، لننظر أولً في حالة نص فردي. يرى ديكارت في كتابه تأملات في الفلسفة الأولىأن من الأهمية أن تكون لنا القابلية لتسويغ فكرة المعرفة التي لا يمكن التشكيك فيها. لكن لماذا مثّلت هذه المسألة مشكلةً لديه على الإطلاق؟ نادرًا ما أقر مؤرخو الفلسفة التقليديون بهذه المسألة؛ إذ غالبًا ما حملوها على محمل التسليم، فما دام ديكارت إبستيمولوجيًا، وما دامت مشكلة اليقين واحدةً من المشكلات المركزية في الإبستيمولوجيا، فليس ثمة أحجية خاصة هنا على الإطلاق. وبناءً عليه، شعروا بأنهم قادرون على التركيز على ما رأوه مهمتهم التأويلية الأساسية، أي الفحص النقدي لما يقولهديكارت عن كيفية بلوغنا معرفة شيء ما معرفةً يقينية. أقول، مستعينًا بتعبيرات كولينغوود (1889 - 1943) النافعة، إن عدم قناعتي بهذا المقترب تنجم عن حقيقة أنه (المقترب) لا يترك في أنفسنا أي إحساس بالمسألة الخاصة التي هدف ديكارت إلى حلّها، ربما، من خلال مبدأ اليقين138. وهذا ما يجعلنا، في النتيجة، من دون أي فهم لما كان يفعله في عَرضه لمبدئه في هذا الشكل الدقيق الذي اختاره له. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لَممّا يُعدّ خطوةً متقدمةً رئيسةً في البحث الراهن عن ديكارت خطاها عدد من الباحثين، مثل ريتشارد بوبكين وإي. أم. كورلي وآخرين، حيث بدؤوا يطرحون على أنفسهم تلك الأسئلة بالضبط التي تدور حول كتاب التأملات139. وللإجابة عنها، ذهبوا إلى أن جزءًا مما كان يفعله ديكارت كان استجابةً لشكل من النزعة الشكّية جديد وهدّام على نحو خاص، نشأ نتيجة استعادة النصوص البيرونية القديمة وانتشارها في أواخر القرن السادس عشر. وبذلك، لا يزوّدنا هؤلاء الباحثون بطريقة جديدة في توصيف كتاب التأملاتفحسب، بل يوفّرون لنا، أيضًا، مفتاحًا لتأويل العديد من تأثيراته التفصيلية. فهم يمكّنوننا من أن نفكر بطريقة جديدة في سبب تنظيم النص بطريقة معيّنة، وسبب استعمال مفردات معيّنة، وسبب تمييز محاجّات معيّنة والتشديد عليها، وسبب امتلاك النص، بصورة عامة، هويته وشكله المميزَين. يمكن أيضًا تطبيق مجموعة مماثلة من الاعتبارات على مشروع لوفجوي في تركيزه على "وحدة الأفكار  "140 و"قصّ أثر الموضوعة الكبرى، لكن المراوِغة" خلال حقبة معيّنة، أو حتى "عبر قرون عديدة"141. تأمّل، مثلً، مشروع كتابة تاريخ فكرة النبالة Nobilitas في بواكير أوروبا الحديثة. قد يبدأ المؤرخ، على نحو مصيب تمامًا، بالإشارة إلى أن معنى المصطلح قد توافر عندما استُعمل للدلالة على خاصية أخلاقية معتبرة على نحو خاص. وقد يبدأ المؤرخ، على نحو مصيب بالقدر نفسه، بالإشارة إلى أن المصطلح استُعملَ ليدل على العضوية في طبقة اجتماعية معيّنة. من الناحية العملية، قد لا يكون واضحًا المعنى الذي يجب فهمه في حالة معيّنة. وعندما يلاحظ فرانسيس بيكون أن النبالة تضيف الجلالة على الملك، لكنها تقلل القوة، فقد ينصرف ذهننا إلى المعنى الأول (إذا تذكّرنا إعجابه بمكيافيلي) مثلما ينصرف بالسهولة ذاتها إلى المعنى الثاني (إذا تذكّرنا منصبه الرسمي). وهنا تنشأ مشكلة إضافية من حقيقة أن هذا الغموض غالبًا ما يستعمله الأخلاقيون بطريقة مدروسة. فيكون الهدف أحيانًا هو الإصرار على أن المرء يمكن أن يتمتع بخصائص نبيلة حتى وإن لم يكن نبيلَ المَحتِد. أما إمكان أن يُدعى المرءُ بحق نبيلً "لفضيلته لا لملكيته"، فكان مفارقة

  1. R. G. Collingwood, An Autobiography (Oxford: Oxford University Press, 1939), pp. 34 - 35.
  2. Richard H. Popkin, "The Sceptical Origins of the Modern Problem of Knowledge," in: Norman S. Care & Robert H. Grimm (ed.), Perception and Personal Identity (Cleveland, Ohio: The Press of Case Western Reserve University, 1969), pp. 3 - 24 ; Richard H. Popkin, The History of Scepticism from Erasmus to Spinoza (Berkeley, Cal.: University of California Press, 1979); E. M. Curley, Descartes Against the Skeptics (Oxford: Harvard University Press, 1978).
  3. للاطلاع على "وحدة الأفكار" بوصفها موضوعات للدراسة، ينظر:.Lovejoy, pp. 15-17
  4. Sanford A. Lakoff, Equality in Political Philosophy (Cambridge, Mass.: Beacon Press, 1964), p. vii.

متواترة في فكر عصر النهضة الأخلاقي142. لكن في حين أن النبالة شرفٌ يُكتسب، يكون الهدف أحيانًا بالإصرار على أنه قد يحدث أن تكون النبالةُ مرتبطةً بالمَحتِد. وكان من الشائع الإشارة إلى هذه المصادفة السعيدة143. وكان الأمرُ، علاوةً على ذلك، متاحًا دائمًا للأخلاقي أن يحوّلَ الغموض الأساسي ضد مفهوم النبالة ذاته، واضعًا نبالة المَحتِد قبالة دناءة السلوك المصاحب لها. وعندما يصف السير توماس مور (1478 - 1535) More Thomas في كتابه يوتوبيا Utopia السلوك النبيل للأرستقراطية العسكرية، فربما كان يهدف إلى تشويه سمعة مفهوم النبالة السائد144. مثالي بالغ البساطة بوضوح، لكنه يبقى كافيًا، كما أعتقد، لإبراز نقطتَي ضعف متأصلَتين في مشروع كتابة تواريخ "الوحدات الفكرية". أولً، إذا أردنا دراسة فكرة معيّنة حتى ولو ضمن ثقافة معيّنة في زمن معيّن، فإننا لا نستطيع ببساطة أن نركز على طريقة لوفجوي في دراسة الحدود التي استعملت للتعبير عنها. فلعلها استُعملت، كما يوحي المثال الذي أسوقه، بمقاصد منوعة ومتضاربة. بل إننا لا نستطيع حتى أن نأمل من معنى سياق القول أن يقوم بحل هذه الصعوبة، فالسياق نفسه قد يكون غامضًا. والأحرى هو أن ندرس السياقات المنوعة كلها التي استُعملت فيها الكلمات، والوظائف كلها التي أدّتها، والأشياء كلها التي يمكن أن تقوم بها. ولا يكمن خطأ لوفجوي فحسب في البحث عن "المعنى الماهوي" Meaning Essential للفكرة كشيء يجب أن "يبقى هو نفسه" ضرورة، بل يكمن حتى في افتراض الحاجة إلى مثل هذا المعنى "الماهوي" (الذي يُنسب إليه الكتاب الأفراد) ابتداء145. وثانيًا، في كتابتنا مثل هذه التواريخ، تفقد سرودُنا على الفور تقريبًا أي اتصال بالفاعلين المكوّنين للبيانات. وعندما يحضرون في هذه التواريخ، فإنما يحضرون، على العموم، لا لسببٍ إلّ لأن وحدةً فكرية مهمة – العقد الاجتماعي، وفكرة التقدم، وسلسلة الوجود الكبرى، وما إلى ذلك – تظهر في أعمالهم، ولذلك يمكن أن يُقال إنهم أسهموا في تطويرها. ولن نعلم من هذه التواريخ الدور الذي تقوم به فكرةٌ معينة في فكر مفكر، سواء أكان دورًا تافهًا أم فريدًا. ولن نعلمَ الموقع الذي تشغله هذه الفكرة في المناخ الفكري لحقبة معيّنة ظهرت فيها، سواء أكان مكانًا مركزيًا أم هامشيًا. ربما نعلم أن ذاك التعبير استُعمل في أوقات مختلفة للإجابة عن أسئلة منوعة. لكن سيفارقنا أملُ تعلم (لنعد إلى نقطة كولينغوود) ما هيالأسئلة التي يُعتقد أن استعمال التعبير كان للإجابة عنها، ولا أسباب استعماله. لا ينطلق نقد هذه التواريخ من فكرة أنها دائمًا عرضة للضلال فحسب، بل الحقيقة هي أنه ما دمنا لا نرى ثمة فكرةً محددة أسهم فيها كتابٌ منوعون، بل ثمة إفادات منوعة فحسب، كوّنها فاعلون مختلفون منوعون بمقاصد مختلفة، فإننا حينئذ لا نرى إمكان كتابة تاريخ للفكرة. فليس ثمة غير تاريخ استعمالات الفكرة المنوعة، وتاريخ المقاصد المتفاوتة التي استُعملت بها. ولا يُتوقع من هذا التاريخ حتى أن يستعيدَ شكل تاريخ "وحدة فكرية"، لأن دوام تعبيرات معيّنة لا يخبرنا شيئًا موثوقًا لا عن دوام الأسئلة التي ربما استُعملت تلك التعبيرات للإجابة عنها، ولا عمّا قصده الكتّاب المختلفون من استعمالهم هذه التعبيرات. لنوجزْ ما قلناه: ما إن نرى أن هناك دائمًا سؤ لً يجب الإجابة عنه يدور حول ما يفعلهالكتّاب بقول ما يقولون، فإننا لن نعود نريد، على ما يبدو، أن ننظمَ تواريخنا بطريقة تعقب "وحدة الأفكار" أو أن نركز على ما يقوله الكتّاب الأفراد عن "المسائل المعمرة". وقولنا هذا لا يعني إنكار وجود استمراريات طويلة في الفلسفة الأخلاقية والسياسية والاجتماعية الغربية، ولا يعني إنكار أن هذه الاستمراريات

  1. Sir Thomas Elyot, The Book Named the Governor {1531}, S. E. Lehmberg (ed.) (London: Dutton, 1962), p. 104.
  2. Lawrence Humphrey, The Nobles, or of Nobility (London: Imprinted by Thomas Marshe, 1563), Sig. K, 4r and 5v 143 ينظر على سبيل المثال:
  3. ثمة سبرٌ دقيق لهذا الإمكان في: J. H. Hexter, "The Loom of Language and the Fabric of Imperatives: The Case of Il Principe and Utopia ," American Historical Review , vol. 69 , no. 4 (July 1964), pp. 945 - 968.
  4. للاطلاع على هذه الافتراضات، ينظر: F. W. Bateson, "The Function of Criticism at the Present Time," Essays in Criticism , vol. 3 , no. 1 (January 1953), pp. 1 - 27.

يعكسها الاستعمال المستقر للمفاهيم الرئيسة وأشكال المحاجّة146، بل يعني أن هناك أسبابًا وجيهةً، فحسب، للتوقف عن تنظيم تواريخنا بموجب دراسة مثل هذه الاستمراريات، لننفض أيدينا بذلك عن كمٍّ كبير من الدراسات من النوع الذي يُعرَض ويُقارن، على سبيل المثال، آراء أفلاطون وأوغسطين وهوبز وماركس عن "طبيعة الدولة العادلة"147. مثلما شدّدتُ في المبحث الأول من محاجّتي، فإن أحد أسباب شكّي في هذه التواريخ ليس لأن كل مفكر، لنأخذ المثال الذي قدّمتُه للتوّ، يَظهر أنه يجيب عن سؤال العدالة بطريقته الخاصة فحسب، بل أيضًا لأن المصطلحات المستعمَلة في صوغ السؤال – كما في مثالنا: "الدولة" و"العدالة" و"الطبيعة" – تبرز في نظرياتهم المختلفة، هذا إن برزت حقًا، بطرائق متفاوتة فحسب، حيث سيكون الافتراض بأن المفاهيمَ القارة منتقاةٌ افتراضًا ملتبسًا. ويتمثل هذا الخطأ، باختصار، في افتراض أن هناك مجموعةً واحدةً من الأسئلة يكرّس لها مفكرون مختلفون أنفسَهم. ثمة سبب عميق لشكّي هو الذي جهدت من أجل إيضاحه في الفقرة الحالية من محاجّتي. ينطوي المقتربُ الذي أنتقده على تجريد محاجّات جزئية من سياقها لنقلها باعتبارها "إسهامات" إلى سجالات دائمة مزعومة. غير أن هذا المقترب يَحول بيننا وبين التساؤل عمّا كان يفعلهكاتبٌ ما في تقديم "إسهامه" الخاص، وبذلك يحرمنا من أحد أبعاد المعنى الذي نحتاج إلى استقصائه إن أردنا فهم الكاتب قيد الدراسة. وهذا هو سبب بقائي متشكّكًا في قيمة كتابة تواريخ للمفاهيم أو "وحدات الأفكار" على الرغم من الاستمراريات الطويلة الأمد التي تسم، من دون ريب، نماذجنا الفكرية الموروثة. فتواريخ الأفكار الوحيدة الجديرة بالكتابة هي تواريخ استعمال هذه الأفكار في المحاجّات.

إن كان النجاحُ حليفَ محاجّتي، فثمة نتيجتان يمكن أن تترتّبا عليها. الأولىتتعلق بالمنهج المناسب الذي يمكن تبنّيه في دراسة تاريخ الأفكار. لقد أظهرتُ أنّ فهمَ النصوص يَفترض قبلًالإحاطة بالمعنى الذي قَصدَتْه، وكيفية فهم المعنى المقصود. لفهم نص ما يجب، في الأقل، التوفّر على شيئين معًا: فهم القصد، وفهم القصد من وراء فهم هذا القصد، الذي لا بد من أن يكون النص، بوصفه فعلً مقصودًا، قد جسّده. وبناءً عليه، يتعلق السؤال الذي نحتاج إلى مواجهته في دراسة هذه النصوص، بالمقاصد التي حدَت بالمؤلفين، عمليًا، إلى إيصاله من خلال إذاعة أقوالهم، مع ملاحظة أنّ هؤلاء المؤلفين كانوا يفكرون في جمهور معيّن في أثناء الكتابة. ويبدو لي، إذًا، أنّ أفضل سبيل يجب سلوكه، بدءًا، هو تحديد المجموعة الكاملة من الأفكار والمعاني التي كان في وسع المؤلف إيصالها على نحوٍ معتاد في تلك المناسبة من خلال إذاعة هذا القول المعين. ويجب أن تتمثل الخطوة اللاحقة بتعقب العلاقات بين هذا القول وسياقه اللغوي الأوسع وسيلةً لفكّ شيفرة مقاصد الكاتب148. وإذا ما استقر الرأي على أن البؤرة المناسبة لهذه الدراسة لغويةٌ من حيث جوهرُها، وأن المنهجيةَ المناسبة يجب أن تُعنى، في النتيجة، باستعادة المقاصد، فإن دراسة وقائع

  1. للاطلاع على هذه النقطة، ينظر:.MacIntyre, pp. 1-2
  2. ينظر: Andrew Lockyer, "'Traditions' as Context in the History of Political Theory," Political Studies , vol. 27 , no. 2 (December 1979), pp. 201 - 217 ; Collingwood, An Autobiography , pp. 61 - 63.
  3. من أجل الاطلاع على مناقشات نقدية لهذا الاقتراح حول أسبقية السياق، ولا سيّما السياق اللغوي، ينظر: Stephen Turner, "'Contextualism' and the Interpretation of the Classical Sociological Texts," Knowledge and Society , no. 4 (1983), pp. 273 - 291 ; David Boucher, Texts in Contexts: Revisionist Methods for Studying the History of Ideas (Dordrecht: Springer, 1985); J. A.W. Gunn, "After Sabine, after Lovejoy: The Languages of Political Thought," Journal of History and Politics , no. 6 (1988 - 1989), pp. 775 - 786 ; Michael P. Zuckert, "Appropriation and Understanding in the History of Political Philosophy: On Quentin Skinner's Method," Interpretation , vol. 13 , no. 3 (1985), pp. 403 - 424 ; J. F. Spitz, "Comment lire les textes politiques du passé? Le Programme méthodologique de Quentin Skinner," Droits , no. 10 (1989), pp. 133 - 145 ; Thomas Clay Arnold, Thoughts and Deeds: Language and the Practice of Political Theory (New York: Peter Lang Inc., International Academic Publishers, 1993), pp. 15 - 21 ; Preston King, "Historical Contextualism: The New Historicism?" History of European Ideas , vol. 21 , no. 2 (1995), pp. 209 - 233 ; Mark Bevir, "Taking Holism Seriously: A Reply to Critics," Philosophical Books , no. 42 (2001), pp. 167 - 189.

السياق الاجتماعي كلها لنص معيّن سوف تأخذ مكانها بوصفها جزءًا من هذه الفعالية اللغوية. يشتغل السياق الاجتماعي بوصفه إطارًا أساسيًا يمد يد العون لتحديد المعاني المعترف بها عُرفيًا، التي كان في إمكان شخص ما، ربما، أن يقصدها أو ينقلها. وهكذا يُستعمل السياق نفسه، على نحو ما أظهرتُ في حالة هوبز وبايل، بوصفه نوعًا من محكمة استئناف لتقييم المعقولية النسبية لما يُعزى إلى القصدية من مكونات متنافرة. وأنا لا أزعم، بطبيعة الحال، أن هذه النتيجة جديدة على نحو خاص149، إنما أزعم أن العرض النقدي الذي شرعت فيه يرمي إلى تأسيس حالة من أجل هذه المنهجية، وليس القصد تأسيسها بوصفها أداءً جماليًا أو قطعة من سلطة أكاديمية مهيمنة، بل باعتبارها مسألة للإحاطة بالشروط الضرورية لفهم الأقوال. تختص النتيجة الثانية العامة التي أنتهي إليها بقيمة دراسة تاريخ الأفكار. والإمكان المثير جدًا هنا هو إمكان قيام حوار بين التحليل الفلسفي والبيّنة التاريخية. فدراسة البيانات التي ظهرت في الماضي تثير مسائل خاصة، وقد تقود إلى بصائر ذات شأن فلسفي مماثل. وإذا ما أردنا انتهاج مقترب قويّ يعتمد التعاقب الزمني، فإنّ من بين الموضوعات التي ربما سلّطنا عليها الضوء ساطعًا، قد يُفكر المرء على نحو خاص في ظاهرة ابتكار المفاهيم ودراسة العلاقة بين التغير اللغوي والأيديولوجي. على أي حال، تقول نتيجتي الرئيسة إن النقد الذي دشّنتُه يطرح نقطةً بالغة الوضوح عن القيمة الفلسفية لدراسة تاريخ الأفكار. فمن جهة يبدو لي أن قضية تسويغ الموضوع بموجب الأسئلة التي يقدمها عن "مشكلات معمرة" تتناولها النصوص الكلاسيكية هي قضية خاسرة. ولقد جهدت أن أبيّن أن مقاربة هذا الموضوع بموجب هذه المصطلحات تعني أن نجعله ساذجًا من دون مسوغ. لا مناص من أن كل بيان تجسيد لقصد معيّن في مناسبة معيّنة، مخصص لحل مشكلة معيّنة، وبذلك يكون خاصًا بسياقه، حيث سيكون من السذاجة محاولة تجاوز هذا السياق. ولا يُستفاد من ذلك أن النصوص الكلاسيكية معنيةٌ بأسئلتها الخاصة وليس بأسئلتنا فحسب، إنما يُستفاد أيضًا – مستعينين بتعبير كولينغوود عن هذه النقطة150 – أن ليس هناك أسئلة معمرة في الفلسفة. فليس ثمة غير إجابات فردية عن أسئلة فردية، وبقدر ما هناك من أسئلة كثيرة مختلفة، هناك إجابات مختلفة كثيرة. وعوضًا عن البحث عن "عِبر" يمكن تطبيقها على نحوٍ مباشر في تاريخ الفلسفة، سيكون من الأفضل أن نتعلم كيف ننفذ طريقتنا الخاصة في التفكير. لا يعني ذلك أبدًا أن دراسة تاريخ الأفكار عقيمة فلسفيًا؛ إذ يبدو لي أن الحقيقة القائلة إن النصوص الكلاسيكية معنية بمشكلاتها الخاصة، وليست معنيةً ضرورة بمشكلاتنا نحن، هي ذاتها الحقيقة التي تمنح هذه النصوص "صلتها الوثيقة" ودلالتها الفلسفية الراهنة. ففي وسع النصوص الكلاسيكية، ولا سيما في ميدان الأخلاق والنظرية الاجتماعية والسياسية، أن تعيننا، إنْ سمَحنا لها، ليس بالكشف عن تشابه جوهري، بل عن تنوّع من الافتراضات الأخلاقية الحيوية والالتزامات السياسية. وفي هذا الجانب يمكن أن تقع القيمة الفلسفية لهذه النصوص، أو حتى قيمتها الأخلاقية. ثمة ميل إلى الافتراض أن الموقع الأفضل، وليس الضروري فحسب، الذي منه يجب عرض أفكار الماضي، هو وضعنا الراهن، لأنه، بما هو كذلك، الأكثر تطوّرًا. مثل هذا الادّعاء لا يمكن أن يصمدَ أمام

  1. للاطلاع على بيان مختصر عن التزام مماثل، ينظر: John C. Green, "Objectives and Methods in Intellectual History," Mississippi Valley Historical Review , vol. 44 , no. 1 (June 1957), pp. 58 - 74 ; وهناك مناقشتان أدين لهما دينًا عظيمًا هما: Collingwood, An Autobiography ; Dunn, Political Obligation, pp. 13 - 28 ; ينظر أيضً: ا John Dunn, The History of Political Theory and Other Essays (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 11 - 38 ; للاطلاع على مناقشة تأثير كولينغوود في من بدأ يكتب في ستينيات القرن العشرين عن تاريخ الفلسفة السياسية، ينظر العرض القيم في: Richard Tuck, "The Contribution of History," in: Robert E. Goodin & Philip Pettit (eds.), A Companion to Contemporary Political Philosophy (Oxford: Blackwell Publishing Ltd., 1993), pp. 72 - 89.
  2. Collingwood, An Autobiography , p. 70.

الاعتراف بحقيقة أن الاختلافات التاريخية بشأن مسائل أساسية، قد تعكس اختلافات في القصد والعُرف أكثر مما تعكس ما يشبه المنافسة حول مجموعة من القيم، بَلْهَ أن تشبه إدراكًا متطورًا للمطلق [الإشارة هنا إلى هيغل]. علاوة على ذلك، فإن الاعتراف بأن مجتمعنا لا يختلف عن أي مجتمع آخر من جهة امتلاكه معتقداته المحلّية الخاصة وتنظيماته للحياة الاجتماعية والسياسية، إنما يعني الوصول إلى نقطة استشراف مختلفة تمامًا، بل هي، كما أود المحاجّة، أنفع إلى حدٍ بعيد. فمعرفة تاريخ الأفكار يمكن أن تُظهر المدى الذي تكون فيه سمات تنظيماتنا الخاصة، التي قد نميل إلى قبولها حقائق "سرمدية"151، أكثر من كونها مجرد سمات طارئة على تاريخنا المحلّي وبنائنا الاجتماعي؛ وإذ نكتشف من تاريخ الفكر عدم وجود مثل هذه المفاهيم السرمدية، فليس هناك سوى مفاهيم مختلفة منوعة منسجمة مع مجتمعات مختلفة ومنوعة، إنما نكتشف حقيقةً عامةً لا تتعلق بالماضي فحسب، بل تتعلق بنا نحن أنفسنا. من المألوف أنّ مجتمعنا يقيّد خيالنا بقيود لا نبصرها، والإيمان بهذه الحقيقة يجعلنا جميعًا ماركسيين إلى هذا الحد. إذًا، يستحق أن يكون الشروع في الدراسة التاريخية لاعتقادات المجتمعات الأخرى أمرًا مألوفًا كوسيلة لازبة وفريدة تضع حدودًا على تلك القيود. والزعم بأن تاريخ الأفكار لا يتكوّن إلّ من "مفاهيم ميتافيزيقية بالية" – وغالبًا ما يُطرح هذا الزعم الآن بضيق أفق بوصفه سببًا للاستغناء عن هذا النوع من التاريخ – سوف يصبح عندئذ سببًا لاعتبار هذه التواريخ ذات "صلة وثيقة" على نحو لا غنى عنه، ليس بسبب "العِبَر" الصريحة التي تُستخلص منها، بل لأن التاريخ نفسه يمكن أن يقدم عِبرةً لمعرفة الذات. إن انتظار حلّ من تاريخ الفكر لمشكلاتنا الراهنة ليس مجرد مغالطة منهجية، بل هو أشبه بخطأ أخلاقي. لكن أن نتعلّم من الماضي – ومن دون ذلك لن نتعلم شيئًا على الإطلاق – التمييز بين الضروري والعارض في نتاجات تنظيماتنا المحلية يعني أن نتعلم أحد مفاتيح وعينا الذاتي نفسه.

  1. للاطلاع على الادعاء أنّ "المشكلات المركزية في السياسة مشكلات سرمدية"، ينظر: , p. 20 Political Theory.Hacker,

المراجع

References

Aaron, Richard I. John Locke. 3 rd ed. Oxford: Oxford University Press, 1971.

Allport, Floyd H. Theories of Perception and the Concept of Structure: A Review and Critical Analysis with An

Introduction to A Dynamic-Structural Theory of Behavior. New York: John Wiley & Sons Inc., 1955.

Armstrong, Robert L. "John Locke's 'Doctrine of Signs': A New Metaphysics." Journal of the History of Ideas.

vol. 26 , no. 3 (July-September 1965).

Arnold, Thomas Clay. Thoughts and Deeds: Language and the Practice of Political Theory. New York: Peter Lang

Inc., International Academic Publishers, 1993.

Aubrey, John. 'Brief Lives', chiefly of Contemporaries, Set Down by John Aubrey, between the Years 1669 & 1696.

Andrew Clark (ed.). 2 vols. Oxford: The Clarendon Press, 1898.

Avineri, Shlomo. The Social and Political Thought of Karl Marx. Cambridge: Cambridge University Press, 1968.

Bailyn, Bernard. The Ideological Origins of the American Revolution. Cambridge, Mass.: Belknap Press of

Harvard University Press, 1967.

Barnard, F. M. Herder's Social and Political Thought: From Enlightenment to Nationalism. Oxford: Clarendon

Press; Oxford University Press, 1965.

Baron, Hans. "Machiavelli; The Republican Citizen and the Author of the Prince." English Historical Review.

vol. 76 , no. 299 (April 1961).

Bateson, F. W. "The Function of Criticism at the Present Time." Essays in Criticism. vol. 3 , no. 1 (January 1953).

Baxter, Andrew. An Enquiry into the Nature of the Human Soul. 2 vols. 3 rd ed. London: A. Millar, 1745.

Bevir, Mark. "Are There any Perennial Problems in Political Theory?" Political Studies. no. 42 (1994).

_______. "Mind and Method in the History of Ideas." History and Theory. vol. 36 , no. 2 (May 1997).

_______. "Taking Holism Seriously: A Reply to Critics." Philosophical Books. no. 42 (2001).

Bird, Otto A. The Idea of Justice. New York: Frederick A. Praeger, 1967.

Bloom, Allan & Harry C. Jaffa. Shakespeare's Politics. Chicago: The University of Chicago Press, 1964.

Bluhm, William T. Theories of the Political System: Classics of Political Thought and Modern Political Analysis.

Englewood Cliffs, N. J.: Prentice-Hall, 1965.

Boucher, David. Texts in Contexts: Revisionist Methods for Studying the History of Ideas. Dordrecht: Springer, 1985.

Bracken, Harry M. The Early Reception of Berkeley's Immaterialism, 1710-17 33. 2 nd ed. The Hague: Springer 1965.

Brailsford, H. N. The Levellers and the English Revolution. London: Stanford University Press, 1961.

Bronowski, Jacob & Bruce Mazlish. The Western Intellectual Tradition: From Leonardo to Hegel. London: Harper

Perennial, 1960.

Bury, J. B. The Idea of Progress: An Inquiry into its Origin and Growth. London: Dover Publications, 1932.

Care, Norman S. & Robert H. Grimm (ed.). Perception and Personal Identity. Cleveland, Ohio: The Press of Case

Western Reserve University, 1969.

Cassirer, Ernst. The Myth of the State. New Haven: Yale Univiversity Press, 1946.

_______. The Question of Jean Jacques Rousseau. Peter Gay (trans. & ed.). New York: Columbia University

Press, 1954.

_______. The Philosophy of the Enlightenment. Fritz C. A. Koelln & James P. (trans.). Boston, Mass.: Pettegrove,

Beacon edn, 1955.

Catlin, G. E. G. A. History of Political Philosophy. London: Routledge, 1950.

Chapman, J. W. Rousseau-Totalitarian or Liberal? New York: Columbia University Press, 1956.

Cherel, Albert. La pensée de Machiavel en France. 2 nd ed. Paris: L'Artisan du livre, 1935.

Cobban, Alfred. The Crisis of Civilization. London: Jonathan Cape, 1941.

Cochrane, Eric W. "Machiavelli: 1940-60." The Journal of Modern History. vol. 33 , no. 2 (June 1961).

Collingwood, R. G. An Autobiography. Oxford: Oxford University Press, 1939.

_______. An Essay on Metaphysics. Oxford: Oxford University Press, 1940.

Coltman, Irene. Private Men and Public Causes: Philosophy and Politics in the English Civil War. London: Faber

& Faber, 1962.

Corpsey, Joseph. "A Reply to Rothman." American Political Science Review. vol. 56 , no. 2 (June 1962).

Corwin, Edward S. "The 'Higher Law' Background of American Constitutional Law." Harvard Law Review.

vol. 42 , no. 3 (January 1929).

_______. Liberty against Government: The Rise, Flowering and Decline of a Famous Judicial Concept. Baton

Rouge: Louisiana State University Press, 1948.

Cox, Richard H. Locke on War and Peace. Oxford: Oxford University Press, 1960.

Cranston, Maurice (ed.). Western Political Philosophers: A Background Book. London: The Bodley Head Ltd,

Curley, E. M. Descartes Against the Skeptics. Oxford: Harvard University Press, 1978.

Dahl, Robert A. Modern Political Analysis: Prentice-Hall Foundations of Modern Political Science Series.

Englewood Cliffs, N. J.: Prentice-Hall, 1963.

Danto, Arthur C. Analytical Philosophy of History. Cambridge: Cambridge University Press, 1965.

Davies, Ebenezer Thomas. The Political Ideas of Richard Hooker. London: Society for Promoting Christian

Knowledge, 1964 [1946].

D'Entreves, Alexander Passerin. The Medieval Contribution to Political Thought. Oxford: Oxford University

Press, 1939.

Dibon, Paul (ed.). Pierre Bayle: Le philosophe de Rotterdam: Etudes et documents. Amsterdam: Elsevier, 1959.

Dunn, John. The Political Thought of John Locke. Cambridge: Cambridge University Press, 1969.

_______. Political Obligation in its Historical Context: Essays in Political Theory. Cambridge: Cambridge

University Press, 1980.

_______. The History of Political Theory and Other Essays. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.

Elyot, Sir Thomas. The Book Named the Governor {1531}. S. E. Lehmberg (ed.). London: Dutton, 1962.

Foord, Archibald S. His Majesty's Opposition , 1714-18 30. New York: Oxford University Press, 1964.

Friedrich, Carl J. (ed.). Rational Decision. New York: Atherton Press, 1964.

Gombrich, E. H. Art and Illusion: A Study in the Psychology of Pictorial Representation. 2 nd ed. (rev.). London:

Princeton University Press, 1961.

Gough, J. W. John Locke's Political Philosophy: Eight Studies. Oxford: Clarendon Press, 1950.

_______. The Social Contract. 2 nd ed. Oxford: The Clarendon Press, 1957.

Goodin, Robert E. & Philip Pettit (eds.). A Companion to Contemporary Political Philosophy. Oxford: Blackwell

Publishing Ltd., 1993.

Green, John C. "Objectives and Methods in Intellectual History." Mississippi Valley Historical Review. vol. 44 ,

no. 1 (June 1957).

Gunn, J. A. W. "After Sabine, after Lovejoy: The Languages of Political Thought." Journal of History and Politics.

no. 6 (1988-1989).

Gwyn, W. B. The Meaning of the Separation of Powers: An Analysis of the Doctrine from its Origin to the Adoption

of the United States Constitution. Tulane Studies in Political Science, ix. New Orleans: Tulane University

Press; The Hague: Martinus Nijhoff, 1965.

Hacker, Andrew. "Capital and Carbuncles: The 'Great Books' Reappraised." American Political Science Review.

vol. 48 , no. 3 (September 1954).

_______. Political Theory: Philosophy, Ideology, Science. New York: Macmillan, 1961.

Hampshire, Stuart. Thought and Action. London: 1959.

Harrison, W. "Texts in Political Theory." Political Studies. vol. 3 , no. 1 (1955).

Hart, Jeffrey P. Viscount Bolingbroke , Tory Humanist. London: Routledge & K. Paul, 1965.

Hearnshaw, F. J. C. (ed.). The Social and Political Ideas of Some English Thinkers of the Augustan Age A. D.

1650-17 50. London: George G. Harrap & Co. Ltd, 1928.

Hexter, J. H. "The Loom of Language and the Fabric of Imperatives: The Case of Il Principe and Utopia." American

Historical Review. vol. 69 , no. 4 (July 1964).

Hobbes, Thomas. Leviathan, or The Matter, Forme, & Power of a Commonwealth Ecclesiasticall and Civill {1651}.

Richard Tuck (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1996.

Hollinger, David A. In the American Province: Studies in the History and Historiography of Ideas. Bloomington,

Ind.: Johns Hopkins University Press, 1989.

Hood, F. C. The Divine Politics of Thomas Hobbes. Oxford: Oxford University Press, 1964.

Hooker, Richard. Of the Laws of Ecclesiastical Polity. I, A. S. McGrade (ed.). Cambridge: Cambridge University

Press, 1989.

Humphrey, Lawrence. The Nobles, or of Nobility. London: Imprinted by Thomas Marshe, 1563.

Jaspers, Karl. The Great Philosophers. vol. I. London: Harcourt, Brace & World, 1962.

Jones. W. T. et al. Masters of Political Thought. 3 vols. Edward M. Sait (ed.). London: Houghton Mifflin, 1941.

Kaufman, Arnold S. "The Nature and Function of Political Theory." Journal of Philosophy. vol. 51 , no. 1 (January 1954).

King, Preston. "Historical Contextualism: The New Historicism?" History of European Ideas. vol. 21 , no. 2 (1995).

Kuhn, Thomas. The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: The University of Chicago Press, 1962.

Labrousse, Elisabeth. Pierre Bayle. vol. 2: Hétérodoxie et rigorisme. The Hague: Albin Michel, 1964.

Lakoff, Sanford A. Equality in Political Philosophy. Cambridge, Mass.: Beacon Press, 1964.

Laski, Harold J. Political Thought in England: Locke to Bentham. Oxford: Oxford University Press, 1961 [1920].

Laslett, Peter & W. G. Runciman (ed.). Philosophy, Politics and Society. Second series. Oxford: Basil Blackwell, 1962.

Laslett, Peter. "Machiavelli, Harrington, and English Political Ideologies in the Eighteenth Century." William and

Mary Quarterly. vol. 22 , no. 4 (October 1965).

_______. Introduction to The Library of John Locke. John Harrison & Peter Laslett (ed.). Oxford: Oxford

Bibliographical Society Publications, 1965.

_______. The Ancient Constitution and the Feudal Law: A Study of English Historical Thought in the Seventeenth

Century: A Reissue with a Retrospect. Cambridge: Cambridge University Press, 1987.

Lemon, M. C. The Discipline of History and the History of Thought. London: Routledge, 1995.

Locke, John. Two Tracts on Government. Philip Abrams (trans. & ed.). Cambridge: Cambridge University Press, 1967.

Locke, John. Two Treatises of Government {1690}. Peter Laslett (ed.). Cambridge: 1988.

Lockyer, Andrew. "'Traditions' as Context in the History of Political Theory." Political Studies. vol. 27 , no. 2

(December 1979).

Lovejoy, Arthur O. The Great Chain of Being: A Study of the History of an Idea. New York: Torchbook edn, 1960.

Machiavelli, Niccolo. The Prince and The Discourses. Max Lerner (Introduction). New York: The Modern Library, 1950.

MacIntyre, Alasdair. A Short History of Ethics: A History of Moral Philosophy from the Homeric Age to the

Twentieth Century. London: Macmillan Science and Education and Macmillan Publishers, 1966.

Macpherson, C. B. The Political Theory of Possessive Individualism: Hobbes to Locke. Oxford: Clarendon Press, 1962.

Mandelbaum, Maurice. "The History of Ideas, Intellectual History, and the History of Philosophy." The

Historiography of the History of Philosophy. vol. 5 , Beiheft 5 (1965).

_______. "A Note on History as Narrative." History and Theory. vol. 6 , no. 3 (1967).

Mansfield, Harvey C. Jr. Statesmanship and Party Government: A Study of Burke and Bolingbroke. Chicago:

University of Chicago Press, 1965.

Marsilius of Padua, The Defender of Peace [Defensor Pacis 1324]. 2 vols. Alan Gewirth (ed. & trans.). New York:

Cambridge University Press, 1951-1956.

Martin, Kingsley. French Liberal Thought in the Eighteenth Century: A Study of Political Ideas from Bayle to

Condorcet. London: Harper Torchbooks/ Academy Library, 1969.

Martinich, A. P. The Two Gods of Leviathan: Thomas Hobbes on Religion and Politics. Cambridge: ‎ Cambridge

University Press, 1992.

McCloskey, Robert G. "American Political Thought and the Study of Politics." American Political Science Review.

vol. 51 , no. 1 (March 1957).

McCoy, Charles R. N. The Structure of Political Thought: A Study in the History of Political Ideas. New York:

Routledge, 1963.

McGrade, Arthur S. "The Coherence of Hooker's Polity: The Books on Power." Journal of the History of Ideas.

vol. 24 , no. 2 (April - June 1963).

Merkl, Peter H. Political Continuity and Change. New York: Harper & Row, Publishers, 1967.

Mintz, Samuel I. The Hunting of Leviathan: Seventeenth-Century Reactions to the Materialism and Moral

Philosophy of Thomas Hobbes. Cambridge: Cambridge University Press, 1969.

Morgenthau, Hans J. Dilemmas of Politics. 3 rd ed. Chicago: The University of Chicago Press, 1958.

Morris, Christopher. Political Thought in England: Tyndale to Hooker. Oxford: Oxford University Press, 1953.

Murphy, N. R. The Interpretation of Plato's Republic. Oxford: Clarendon Press, 1951.

Nelson, Leonard. "What is the History of Philosophy?" Ratio. no. 4 (1962).

Oakley, Francis. Omnipotence, Covenant, and Order: An Excursion in the History of Ideas from Abelard to Leibniz.

Ithaca, NY.: NCROL, 1984.

_______. Politics and Eternity: Studies in the History of Medieval and Early-Modern Political Thought. Leiden;

Brill Academic Pub, 1999.

Parkin, Charles. The Moral Basis of Burke's Political Thought. New York: Cambridge University Press, 1956.

Plamentaz, John. Man and Society. 2 vols. London: Mcgraw-Hill Book Company, Inc., 1963.

Plucknett, Theodore F. T. "Bonham's Case and Judicial Review." Harvard Law Review. vol. 40 , no. 1 (November 1926).

Popkin, Richard H. "Joseph Glanvill: A Precursor of David Hume." Journal of the History of Ideas. vol. 14 , no. 2

(April 1953).

Popkin, Richard H. The History of Scepticism from Erasmus to Spinoza. Berkeley, Cal.: University of California

Press, 1979.

Popper, K. R. The Open Society and its Enemies. 2 vols. 4 th ed. London: Princeton University Press; Oxford

University Press, 1962.

Prezzolini, Giuseppe. Machiavelli. G. Savini (trans.). London: Farrar, Straus & Giroux, 1967.

Raab, Felix. The English Face of Machiavelli: A Changing Interpretation 1500-17 00. London: Routledge & K.

Paul, 1964.

Reid, Thomas. Essays on the Intellectual Powers of Man. A. D. Woozley (ed.). London: Macmillan and Co., 1941.

Richter, Melvin (ed.). Political Theory and Political Education. Princeton, N. J.: Melvin Richter, 1980.

Robinson, Howard. Bayle the Sceptic. New York: Columbia University Press, 1931.

Russell, Bertrand. History of Western Philosophy. New York: Simon & Schuster/ Touchstone, 1946.

Ryan, Alan. "John Locke and the Dictatorship of the Bourgeoisie." Political Studies. no. 13 (1965).

Sabine, George H. A History of Political Theory. 3 rd ed. London: George G. Harrap & Co Ltd, 1964.

Sampson, R. V. Progress in the Age of Reason: The Seventeenth Century to the Present Day. Cambridge, Mass.:

Harvard University Press, 1956.

Seliger, M. The Liberal Politics of John Locke. London: Routledge, 1968.

Shirley, F. J. Richard Hooker and Contemporary Political Ideas. London: S. P. C. K., 1949.

Young, Roland (ed.). Approaches to the Study of Politics: Twenty-Two Contemporary Essays Exploring the Nature

of Politics and Methods by Which It Can Be Studied. 3 rd ed. Evanston: Northwestern University Press, 1958.

Skinner, Quentin. "The Limits of Historical Explanations." Philosophy. vol. 41 , no. 157 (July 1966).

Spitz, J. F. "Comment lire les textes politiques du passé? Le Programme méthodologique de Quentin Skinner."

Droits. no. 10 (1989).

Stark, Werner. Montesquieu: Pioneer of the Sociology of Knowledge. London: Routledge, 1960.

Stewart, John B. The Moral and Political Philosophy of David Hume. New York: Columbia University Press, 1963.

Strauss, Leo & Joseph Cropsey. The History of Political Philosophy. 3 rd ed. Chicago: The University of Chicago

Press, 1963.

Strauss, Leo. Persecution and the Art of Writing. New York: The Free Press, 1952.

_______. Natural Right and History. Chicago: The University of Chicago Press, 1953.

_______. What is Political Philosophy? And Other Studies. Glencoe: Free Press, 1957.

_______. Thoughts on Machiavelli. Glencoe: Free Press, 1958.

Talmon, J. L. The Origins of Totalitarian Democracy. London: Secker & Warburg 1952.

Taylor, A. E. "The Ethical Doctrine of Hobbes." Philosophy. vol. 13 , no. 52 (October 1938).

Taylor, Charles. The Explanation of Behaviour. London: Routledge, 1964.

Thorne, S. E. "Dr Bonham's Case." Law Quarterly Review. no. 54.

Thomson, David (ed.). Political Ideas. London: Penguin Books Ltd, 1966.

Tucker, Robert C. Philosophy and Myth in Karl Marx. Cambridge: Cambridge University Press, 1961.

Tully, James. An Approach to Political Philosophy: Locke in Contexts. Cambridge: Cambridge University Press, 1993.

Turner, Stephen. "'Contextualism' and the Interpretation of the Classical Sociological Texts." Knowledge and

Society. no. 4 (1983).

Vile, M. J. C. Constitutionalism and the Separation of Powers. Oxford: Oxford University Press, 1967.

Warrender, Howard. The Political Philosophy of Hobbes: His Theory of Obligation. Oxford: Oxford University

Press, 2000.

Watkins, J. W. N. Hobbes's System of Ideas. London: Hutchinson University Library, 1965.

Weldon, T. D. States and Morals. London: John Murray, 1946.

Weston, Corinne. English Constitutional Theory and the House of Lords. London: Routledge, 1965.

Wolin, Sheldon S. Politics and Vision: Continuity and Innovation in Western Political Thought. Boston, Mass.:

Princeton University Press, 1961.

Woodhouse, A. S. P. Puritanism and Liberty. London: J. M. Dent & Sons, Ltd., 1938.

Wootton, David (Preface and Introduction). Divine Right and Democracy: An Anthology of Political Writing in

Stuart England. Harmondsworth: Penguin Books, 1986.

Zuckert, Michael P. "Appropriation and Understanding in the History of Political Philosophy: On Quentin Skinner's

Method." Interpretation. vol. 13 , no. 3 (1985).