العودة إلى تفاصيل المؤلَّف كتابة التاريخ الاقتصادي في المغرب: مسار الإنتاج وسؤال المنهج

كتابة التاريخ الاقتصادي في المغرب: مسار الإنتاج وسؤال المنهج

Writing Economic History in Morocco: The Path of Production and the Question of Method

الطيب بياض

الملخّص

تسعى هذه الورقة إلى تتبع تجربة المؤرخين المغاربة ورصدها من جهة التعامل مع موضوعات ذات طبيعة اقتصادية، وذلك عَبْر معالجة تستهدف النظر في هذا المسار من خلال علاقته بسؤال المنهج؛ أيْ: إلى أيِّ حدٍّ كان المؤرخون المغاربة مستوعبين للاجتهادات النظرية والمنهجية في مجال كتابة التاريخ الاقتصادي، وهم يشتغلون بقطاعات اقتصادية متنوعة عَبْر مراحل مختلفة من تاريخ المغرب؟ ومن هنا، ربما تكمن أهمية هذه الورقة في طرحها ذلك السؤال الإشكالي الذي قد يكون المؤرخون المغاربة تناسوه، أو تفادوه، سابقًا، خاصةً من اشتغل منهم بنشاطات اقتصادية خلال حقبٍ متنوعة من تاريخ بلادهم، وأقصد به ما يلي: أَيهمّ التراكم المنجز في هذا الباب التاريخَ الاقتصادي للمغرب فعلًا أم تاريخ نشاطات اقتصادية بالمغرب؟ وذلك مع استحضار التفاوت الكبير الحاصل بين المعالجتين. وهكذا؛ بقدر ما تتبعت هذه الورقة التجربة المغربية، في ما جرى نعته بكتابة التاريخ الاقتصادي على نحو كرونولوجي، فإنها استهدفت التعامل الإشكالي مع الموضوع، فخلصت إلى استشراف أُفقٍ للتجديد والتجاوز؛ من أجل كتابة التاريخ الاقتصادي للمغرب كتابةً علميةً واضحة من حيث الفكر، موسومةً ببوصلة منهجية مضبوطة.

Abstract

أستاذ التاريخ الاقتصادي والتاريخ الراهن، جامعة عبد المالك السعدي، كلية الآداب تطوان. Professor of Economic and Contemporary History in the Faculty of Arts at Abdelmalek Essaâdi University, Tetouan. biadtaha@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة البحثية
  • ندوة أسطور
  • الاقتصاد
  • المغرب
Keywords:
  • Ostour Seminar
  • Morocco
  • Economy
الرقم التعريفي: //doi.org/10.31430/DLRJ8161DOI: https:/
الطيب بياض | Biad *Tayeb

ظل اهتمام المؤرّخين المغاربة بالمواضيع ذات الطبيعة الاقتصادية، بصفتها مج لً للبحث، محدودًا في البداية، ثم تدريجيًّا بدأت تظهر دراسات تخصّ عددًا من القطاعات الاقتصادية في شتى الحقب والمراحل، مستفيدةً من بعض الوثائق المحلّية المتعلقة بالمعاملات المرتبطة بمختلف الأنشطة الاقتصادية، وكذا من بعض الدراسات التي أنجزها باحثون أجانب، إضافةً إلى ما وفّرته الأبحاث الأثرية من معطيات جديدة بالنسبة إلى الباحثين في تاريخ المغرب القديم، فضلً عن التقارير والأبحاث والوثائق الأجنبية بالنسبة إلى الفترة المعاصرة. بيد أنّ هذا المسار من الإنتاج والتأليف يفرض على الباحث الذي يسعى لقراءته على نحو تركيبي/ نقدي أن ينتبه إلى مسألتَين بالغتَي الأهمية: الحاجة إلى وضع رصيد المؤرّخين المغاربة المرتبط بدراستهم للأنشطة الاقتصادية عبر تاريخ المغرب، في ميزان المنجز العلمي العامّ في الموضوع، والموسوم بإسهام نوعيّ لباحثين مغاربة من خارج حقل التاريخ، خاصّة من أهل الاقتصاد والجغرافيا، وإسهام آخر ربّما أكثر غزارة لباحثين أجانب من مختلف التخصّصات. ويمكن التساؤل من داخل هذا الرصيد المسجّل للمؤرخين المغاربة في مجال التاريخ الاقتصادي، إلى جانب أبناء وطنهم من خارج التخصّص وإسهامات الأبحاث الأجنبية في الموضوع؛ إلى أيّ حدّ جرت الاستفادة من هذه الإنتاجات المساعدة؟ وما مستويات التفاعل معها؟ إلى جانب النظر في الحصيلة والمنجز، هناك سؤال المنهج الذي يفرض نفسه بحدّة في هذا الشأن، بمعنى: هل جاء إنتاج المؤرّخين المغاربة في مجال التاريخ الاقتصادي محكومًا بمنهج معيّن، ونَسبٍ فكريّ محدّد ومؤطّر ضمن توجّه مدروس بأفق واضح في إطار تراكم منتج؟ أم أنّ اختيار الاشتغال على مواضيع ذات طبيعة اقتصادية لم يستحضر هذه الهواجس المنهجية والضوابط العلمية، وكان محكومًا بمحدّدات أخرى؟

أوالً: اجتهادات نظرية تستحضر المنهج والنسب الفكري

انتبه المؤرّخون المغاربة، منذ فترة ليست قصيرة، إلى أهمية العُدّة النظرية والمنهجية المطلوبة في دراسة التاريخ الاقتصادي، من خلال الاستئناس بالمدارس والمناهج الرائدة في هذا الصنف من البحث التاريخي، حيث تلتقي تخصّصات متنوّعة، تتكامل وتتفاعل لإنتاج معرفة تاريخية تُعنى بدراسة الناس في الزمن وبمعاشهم وكسبهم؛ أي بمختلف أنشطتهم الاقتصادية في زمانها البنيوي. حاز إبراهيم بوطالب الريادة في هذا المضمار، ليس فحسب انطلاقًا من أطروحته لنيل دبلوم الدراسات العليا، التي ناقشها سنة 1962، في جامعة السوربون بباريس، في موضوع: "العلاقات التجارية بين المغرب وفرنسا في القرن الثامن عشر"1، بل أيضًا من خلال اختياره لعنوان: "بعض قضايا التاريخ الاقتصادي في المغرب" موضوعًا لمحاضرته التي قدّمها في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1984، بدعوة من جمعية موظّفي كلية الآداب في الرباط، التي نشرتها مجلّة المشروعفي عددها الخامس سنة 1985. يستحضر بوطالب شهادة ابن خلدون، ويقول: "بالرغم من أنّ المقدّمة أقرب إلى التحليل السوسيولوجي منها إلى التحليل الاقتصادي على الشكل الذي نعمل به اليوم، فإنّ ابن خلدون يبقى مرجعنا الأساسي في العديد من القرائن الاقتصادية"2. وبعد تعامله النقدي المنتج مع الطرح الخلدوني في هذا الباب، انتهى في خلاصته إلى القول: "هكذا أخذ المغرب ينتقل من طور 'سياسة المعيشة' إلى طور الاقتصاد السياسي، وشتّان ما بين المفهومين"3. قبل أن يعود الباحث نفسه سنة 1996 لينشر قراءة عميقة ودقيقة في كتاب المؤرخ العراقي عبد العزيز الدوري، الذي خصّصه لتاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري. هذه القراءة في التاريخ الاقتصادي للعراق أرادها صاحبها أن تكون بنفَسٍ إشكاليّ مركّب تُسائل مفارقة تستدعي التوقّف والتأمل، وتتمثّل في القدرة على بناء نظام اقتصادي متكامل ومتماسك وقوي، استفاد من محيطه الطبيعي والبشري. لكن على الرغم من ذلك، فإنه ظلّ عاجزًا عن احتواء دورة العرضية وانعدام الاستقرار على المستويين الاجتماعي والسياسي4. ضمن منحى الاجتهاد النظري نفسه في مجال التاريخ الاقتصادي، يقدّم محمد العيادي مرافعة قوية، مستحضرًا المقولة المعبّرة للمؤرخ الفرنسي بيير شوني: "أخبرني عن التاريخ الذي تكتبه، أخبرك من أنت"5. ويؤكد أنّ "الجهل بالتداخل الموجود بين إشكاليات الخطاب التاريخي وقضايا الوقت، وعدم الوعي بالتداخل الحاصل بين ميدان التاريخ وميادين العلوم الأخرى، وخاصة منها علوم الإنسان، قد يؤدّيان بصاحبهما إلى العجز عن استيعاب مستجدّات حقل البحث التاريخي وصناعة المؤرخ، وقد يؤدّيان به إلى توهّم الانتماء إلى حقل لم يعد تكوينه يستجيب لا للاهتمامات ولا للمهارات التي أصبح يتطلبها اليوم الانتماء إلى هذا الحقل"7. يستحضر عبد الكريم مدون هذه الهواجس الفكرية، وملاحظات منهجية أخرى، ليخلص إلى نتيجة مفادها أنّ "التاريخ الاقتصادي علم يجمع بين علمي الاقتصاد والاقتصاد السياسي، ولكن في الزمن. ويهتم على الخصوص بنشاط الإنسان في عمليات

  1. عمر أفا، "الأستاذ إبراهيم بوطالب، سيرة موجزة"، في: وقفات في تاريخ المغرب: دراسات مهداة للأستاذ إبراهيم بوطالب، تنسيق عبد المجيد القدّوري (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001)، ص 17.
  2. إبراهيم بوطالب، "بعض قضايا التاريخ الاقتصادي في المغرب"، مجلة المشروع، العدد 5 (1985)، ص 37.
  3. المرجع نفسه، ص 43.
  4. إبراهيم بوطالب، "قراءة في التاريخ الاقتصادي للعراق"، مجلة مقدّمات، العدد 7 - 8 (1996)، ص 13 - 15.
  5. محمد العيادي، "التاريخ الاقتصادي: مدارسه ومناهجه"، في: أعمال ندوة التجارة في علاقتها بالمجتمع والدولة عبر تاريخ المغرب، ج 1 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989)، ص 46. 6 المرجع نفسه.

الإنتاج وما يرتبط بها من تحدي الطبيعة واكتشاف وسائل الحياة والسيطرة عليها، والعلاقات المترتبة على الإنتاج، أي دراسة قوى الإنتاج ومراحل تطوّرها وما يترتب عليها من نظم اقتصادية في مراحل وفترات تاريخية معينة"8. يسترشد عبد العالي الفقير بتجارب متعددة في كتابة التاريخ الاقتصادي، إنكليزية وفرنسية وأميركية، ويتوقّف بتدقيق عند التجربة السويسرية، ليقترح مداخل للاستفادة من التجارب الغربية في هذا المجال "للإقلاع بالتاريخ الاقتصادي المغربي"، ويرى أن "الأخذ بها وبأخرى على منوالها ستمكّننا مستقبلً من رسم معالم تاريخ اقتصادي مغربي، بخلق نظرة جديدة إلى سيرورة ومادة التاريخ، وبالتالي إلى الحقبة كوحدة زمنية متميزة، وسيدفع الدارس المكون على النمط المذكور دفعًا إلى إعادة النظر في تحقيب الماضي المغربي"9. تفرض مسألة التحقيب ذاتها على المشتغلين في مجال التاريخ الاقتصادي عمومًا، حيث التعامل مع البنى يستدعي تحرّرًا من القوالب التحقيبية المنمّطة على مقاس الأحداث. وفي تجربتنا المغربية، حين تحتفظ الكثير من فصول مقدّمة ابن خلدون10، الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، براهنيّتها في تفسير معطيات اقتصادية كثيرة لمغرب القرن التاسع عشر، تصير "تبيئة" أطروحة جاك لوغوف في موضوع التحقيب11 في التربة المغربية مشروعة، للحديث عن عصر وسيط ممتدّ إلى مشارف القرن العشرين. وإلى جانب مسألة التحقيب، يجد الباحث نفسه أمام إشكاليّتين مركّبتين: تحديد البنية الاقتصادية، أو نمط الإنتاج السائد، الذي استمرّ طوال هذا العصر الوسيط الممتد، والتعامل مع المصادر والدراسات والأرشيفات. "فقد يستحضر المؤرّخ جدولً إحصائيًّا أو رسمًا بيانيًّا أو خريطة توضيحية لتقريب الفهم أو الاستدلال على تطوّرٍ ما، لكن دون الارتهان إلى مقاربتي الرقم والمجال، بل لتوظيفها في إيجاد عناصر إجابة عن أسئلته وقضاياه التاريخية وتحليلها ومعالجتها من زاوية المؤرخ المنفتح على الحقول المعرفية الأخرى دون الانصهار فيها، أي بالحفاظ على هويته بوصفه مؤرّخًا"12.

ثانيًا: الأنشطة لااقتصادية بين الأركيولوجيا والتاريخ

عادة ما يُطرح سؤال بديهي في وِرَش الباحثين المهتمّين بالتاريخ القديم، يُسائل تبادل الخدمات بين الأركيولوجيا والتاريخ، بصيغة: أوُجدت الأركيولوجيا لتكون لتعتمد على خدمات أم هل هي مستغنية عنه ولها خصوصياتها وقنواتها المستقلة لتصريف أبحاثها، في حين أن التاريخ الموغل في القدم هو الذي يحتاج بالضرورة إلى الأركيولوجيا لتنشيط خلايا مصادره؟ هذا الجدل الفكريّ، وإن حضر في شكل تراشق أزلي بين المؤرّخين والأثريين في اللقاءات العلمية التي يجتمعون فيها13، يعكس في الواقع نقاشًا صحيًّا يؤسس لتكاملٍ وتفاعلٍ منتجٍبين هذين الحقلين المعرفيّين. أتاحت هذه الديناميةُ البحثية، في نسختها المغربية، المؤسسةُ على تلاقح مثمر بين أسرار مهنة المُنقّب الأثري وهواجس المؤرّخ المنشغل بأسئلة تبحث في مختلف الأنشطة الاقتصادية في المغرب القديم، إمكانية التأسيس التدريجي لتحقيق نوع من "مغربَة"

  1. عبد الكريم مدون، "ملاحظات منهجية حول كتابة التاريخ الاقتصادي"، مجلة أمل، مج 22، العدد 43 (2014)، ص 22.
  2. عبد العالي الفقير، "التاريخ الاقتصادي المغربي وإمكانيات استفادته من التجارب الأجنبية: تجربة جامعة جنيف نموذجًا"، مجلة أمل، العدد 43 (2014)، ص 34.
  3. عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق وفهرسة أبي عبد الله السعيد المندوه (بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 2005.)
  4. Jacques Le Goff, Un long moyen-âge (Paris: Editions Fayard, 2011).
  5. الطيب بياض، "كتابة التاريخ الاقتصادي لمغرب القرن العشرين"، في: ممارسة العلوم الاجتماعية في البلدان المغاربية: نصوص مهداة إلى إدريس المنصوري، إشراف محمد المبكر وفرانسوا بويون (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، 2014)، ص 47.
  6. علي واحدي وسعيد البوزيدي، "مساهمة الأبحاث الجامعية في البحث الأثري بالمغرب، نموذج كلية الآداب، ظهر المهراز، فاس"، في: ممارسة العلوم الاجتماعية في البلدان المغاربية، ص 28.

الأبحاث العلمية في هذا المجال، بعد هيمنة أجنبية عمَّرت طويلً14. حصل ذلك على نحو متعثّر أوّل الأمر، قبل أن تحقق هذه الورشة سنة 1985 طفرة نوعية مع تأسيس المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث. وربما الأهم أنّ هذا المجهود مكّن من توطين بعض الاستغلاليات والضيعات الفلاحية، وكذا المعاصر والمطاحن والمصانع المرتبطة بالصيد البحري وزيت الزيتون والخزف، التي جرى تحديد إحداثياتها علميًّا بواسطة خرائط وأطالس أثرية، فضلً عمّا وفّره اكتشاف النقود من فرص لدراسة الدورة الإنتاجية والتدبير الاقتصادي خلال هذه الفترة المبكرة من تاريخ المغرب وفهمهما. سعى هذا المشروع العلمي إلى تحقيق التجاوز عن طريق الاستفادة ممّا وفّرته الأبحاث الأثرية، غير أنّ هذا الاختيار الجديد وضعه أمام جملة من التحدّيات، لعلّ من أهمّها صعوبة القيام بمسح شامل يغطّي الأنشطة الاقتصادية في مختلف المراحل والجهات، خلال هذه الفترة المتقدمة من تاريخ البلاد، على الرغم من المجهود المبذول في هذا الشأن15. في إطار هذا التراكم، لم تقتصر نتائج الاختيار الجديد على اتّجاه الباحثين المهتمين بهذا الموضوع إلى اصطفاء أنشطة اقتصادية دون أخرى موضوعًا للدراسة والبحث، مفضّلين معالجتها خلال حقب معيّنة على حساب أخرى فحسب، بل ركّزوا أهم وِرَشهم البحثية على الحواضر أكثر من البوادي على الرغم من الطابع القروي للبلاد خلال هذه الفترة، ومالوا في أحيان معينة إلى التأويل أكثر من التحليل في تعاملهم مع ما جادت به الأبحاث الأثرية في هذا الشأن، خاصة في قراءتهم لدلالات رموز وكتابات النقود والفسيفساء. غير أنّ أهمّ هذه التحديات وأكثرها تعقيدًا يكمن في الخلفية الفكرية للمعالجة، المحكومة أحيانًا برهانات معاصرة، في إطار تفاعل الباحثين المهتمّين بالموضوع مع قضايا عصرهم، فإذا كانت بعض الكتابات الأجنبية قد ركبت الموجة الاستعمارية ووفّرت لها المبرّرات "العلمية" المطلوبة، وأسهبت في تنميق "رسالتها الحضارية"، الطامحة إلى إعادة إحياء ازدهار اقتصادي عرفته المنطقة بفعل "استثمارات أجنبية وافدة"، خاصة في نسختها الرومانية، فإنّ جزءًا من الأبحاث المغربية المهتمة بالموضوع لم يتردّد بدوره في ركوب نزعة كتابة التاريخ الوطنيّ والردّ على الأطروحات الاستعمارية، بإعلاء شأن المجهود الاقتصادي المحلّي، في مقابل الكشف عن البُعد الاستغلالي للتدخل الاقتصادي الأجنبي وما رافقه من استنزاف للموارد والخيرات.

  1. شكل عمل موريس بيزنيي (1906)، مسعى بحثيًّا أجنبيًّا مبكّرًا لدراسة الجغرافيا الاقتصادية للمغرب القديم، ينظر: Maurice Besnier, "La géographie économique du Maroc dans l'Antiquité," Archives Marocaines , vol. 7 (1906), pp. 271 - 295. ثم بعد حوالى نصف قرن تقريبًا نسج رايمون توفينو (1954) على المنوال نفسه، أي على مسعى المعالجة العامة للموضوع عوضًا عن المقاربة القطاعية، ينظر: Raymond Thouvenot, "Quelques aperçus sur la vie économique dans le Maroc antique," Bulletin économique et social du Maroc , vol. 17 , no. 59 (1954), pp. 84 - 90.
  2. ينظر على سبيل المثال لا الحصر: Aomar Akerraz & Maurice Lennoir, "Les huileries de Volubilis," Bulletin d'archéologie marocaine , no. 14 (1981 - 1982), pp. 69 - 120 ; Abdelaziz El khyari, "Echanges entre le Maroc et la Méditerranée de l'époque phénicienne à l'époque tardo-républicaine," in: Anna Gallina Zevi & Rita Turchetti (dir.), Méditerranée occidentale antique: Les échanges (Soveria Mannelli: Rubbetino Editore, 2004), pp. 149 - 168 ; Halima Ghazi Ben Maissa, "Le règne de Bogud (78 - 38 avant J.-C.) ou l'extraordinaire effervescence économique du Maroc antique," La Recherche Historique , no. 3 (2005), pp. 5 - 23 ; Mohammed Laayoud, "L'économie de Banasa à l'époque provinciale," L'Africa romana , vol. XV (2004), pp. 1899 - 1912 ; Hassan Limane & Mohamed Makdoun, "La mise en valeur antique de l'arrière-pays de Volubilis: Problèmes de sources et approche géographique," L'Africa romana , vol. XII (1998), pp. 325 - 342 ; Mohamed Sounni, "La présence romaine en Maurétanie Tingitane et son influence sur l'économie," Revue des Lettres et Sciences Humaines Kénitra , no. 6 (2006), pp. 61 - 67 ; محمد مجدوب، دراسات عن الحياة الاقتصادية بموريطانيا في القرن الأخير قبل الميلاد (المحمّدية: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013)؛ البيضاوية بلكامل، "أنشطة فلاحية واستغلاليات من خلال فسيفساء الشمال الأفريقي"، في: البادية المغربية عبر التاريخ، تنسيق إبراهيم بوطالب (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999)، ص 11 - 28؛ علي واحدي وسعيد البوزيدي، "تنظيم واستغلال المجال القروي بحوض اللوكوس خلال الفترة القديمة بين المعطيات التاريخية ونتائج الأبحاث الأثرية"، في: ومضات من تاريخ شمال أفريقيا القديم: تكريم الأستاذ مصطفى أعشي، تنسيق البيضاوية بلكامل وسيدي محمّد العيوض وزهراء قنينبة (الرباط: مطبعة دار السلام، 2019)، ص 201 - 236؛ عبد العزيز أكرير، "دور حوض درعة في التجارة المتوسطية الصحراوية خلال العصور القديمة"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال، العدد 2 (1997)، ص 75 - 87؛ ماجدة بنحيون، "مساهمة المصادر الأثرية في الكشف عن بعض الجوانب المجهولة من اقتصاد المغرب القديم"، في: المدينة في تاريخ المغرب العربي: أشغال الندوة المنظمة من 24 إلى 26 نوفمبر 1988 (الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1990)، ص 149 - 164.

يكثّف الباحث حميد عرايشي أوجه التعارض بين الطرحين، وكيفية تأثّر إنتاجات الباحثين المغاربيّين المهتمين بالحياة الاقتصادية خلال العصر القديم عمومًا بهذا الجدال المحكوم بخلفيّات قد لا ترتهن أحيانًا بما هو أكاديمي صرف، بالقول: "كثيرًا ما شدّدت بعض الأقلام المعاصرة، مغاربية وعربية بصفة خاصّة، في سياق حديثها عن الاحتلال الأجنبي، الروماني بوجه خاصّ، لشمال أفريقيا عمومًا، و"المغرب القديم" (موريطانيا) خصوصًا، على "الاستعمار" و"الاستغلال" و"الاستنزاف" [...] و"الاستعباد" و"الاسترقاق" و"الظلم" و"التعسف" و"الجشع" والاضطهاد" و"القمع" و"التفقير" [...] و"البطش" و"الإذلال" و"النهب" و"الازدراء" و"الإقصاء" [...]، بل "العنصرية" أحيانًا [...] و"التخلف" أو "الاصطدام" و"المقاومة" و"الكفاح" أو "الإرهاب" [...] و"انعدام الأمن"... إلخ أحيانًا أخرى. وفي المقابل، لا تتردد الأقلام نفسها أحيانًا، في الإشادة بالمراحل السابقة و/ أو اللاحقة لهذا الاحتلال، واعتبارها فترات "استقلال" و"ازدهار" وإشعاع" و"رخاء" و"نهضة" و"مجد" و"علا" و"تنوير" و"نموّ" و"سلام" و"طمأنينة" و"انسجام" و"انفتاح" و"تعايش" و"أخوّة" و"تحابّ" و"تسامح" أو ما يؤدّي معانيها. وبقدر ما تُعاب الكتابات الكولونيالية بأنّها جعلت من روما وحدها المسؤول الرئيس عن أيّ تطوّر حضاري تكون قد شهدته منطقة شمال أفريقيا عمومًا، يعاب اليوم على بعض الأقلام العربية والمغاربية والغربية، على حدٍّ سواء، أنّها تجعل من روما، وروما وحدها، المسؤول الرئيس عن كل مآسي شمال أفريقيا القديم"16. في غياب النصوص المكتوبة، اتّجه الباحثون المهتمون بالحياة الاقتصادية للمغرب القديم إلى المصادر الأثرية المستخرجة من باطن الأرض، لعلّها تجود بعناصر تفسيرٍ للكثير من إشكالياتهم. وللخروج من شرنقة السجالات المحكومة بخلفيّات الذات والآخر، تطلّب الأمر المزيد من الاجتهاد لابتكار مواضيع جديدة بإشكاليات ومقاربات جديدة، ولو بالجمع بين "تأريخ نسبيّ ومطلق"17.

ثالثًا: نزعات مادّية في كتابة التاريخ لااقتصادي

ظهرت أولى الدراسات العلمية المتخصّصة في قضايا اقتصادية للمغرب الوسيط مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث اتّجه رعيل من الباحثين في الجامعات المغربية نحو الاهتمام بهذا الميدان، من خلال اختيار مواضيع تخصّ قطاعات اقتصادية متنوعة لإنجاز أبحاث جامعية على مستوى دبلوم الدراسات العليا. وكانت الريادة في هذا الاتجاه لعمل اهتمّ بموضوع التجارة المغاربية العابرة للصحراء، واحتضنته جامعة بوردو الفرنسية18. بعد ذلك، جاء دور الجامعات المغربية لتحتضن بدورها أعم لً أكاديمية سارت في اتجاه البحث نفسه في مختلف الأنشطة الاقتصادية للمغرب الوسيط، خاصة في جامعة الرباط19. بل نسجّل داخل هذه الورشة، وجود تجربتين اتّسمتا بطموح تحقيق التراكم داخل الاهتمام العلمي نفسه على مستوى دبلوم الدراسات العليا ودكتوراه الدولة معًا20.

  1. حميد عرايشي، "'استقلال' و'ازدهار' موريطانيا (المغرب القديم) تحت حكم الملك يوبا الثاني وابنه بطوليمايوس: حقيقة أم أسطورة؟ (مقاربة أولية)"، في: الأزمات والهشاشة بالمغرب مقاربات متقاطعة: أعمال مهداة للأستاذ محمد استيتو، تنسيق مصطفى نشاط [وآخرون] (الرباط: مطابع الرباط نت، 2019)، ص 369 - 370.
  2. علي واحدي، صناعة الزيت بالمغرب القديم (فاس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2017)، ص 167.
  3. Abdelaziz El Alaoui, "Le Maghrib et le commerce transsaharien (milieux du XI-milieu XIV S): Contribution à l'histoire économique, sociale et politique du Maroc médiéval," Thèse en vue du doctorat de 3 ème cycle, Institut d'études arabes et islamiques, Université de Bordeaux III, Bordeaux, 1983.
  4. ينظر على سبيل المثال لا الحصر: محمد ناصح، "جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب الوسيط، القرن 6 ه/ 12 م نموذجًا"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1987 / 1988؛ عبد الرحيم شعبان، "المسكوكات الموحدية في تاريخ المغرب الوسيط (524 - 668 ه/ 1129 - 1269 م)"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1995  /  1996.
  5. يتعلق الأمر ب: محمد حجاج الطويل، "الفلاحة المغربية في العصر الوسيط"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1987 / 1988؛ محمد حجاج الطويل، "النقل والتنقل في المغرب خلال العصر الوسيط"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1996 / 1997؛ مصطفى نشاط، "التجارة بالمغرب الأقصى في العصر المريني الأول 668 - 759 ه"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشق، الدار البيضاء، 1988 / 1989؛ مصطفى نشاط، "جنوة وبلاد المغرب من سنة 609 إلى 759 ه/ 1212 - 1358 م"، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، 1996  /  1997.

ليس خافيًا على المهتمين بتجربة مدرسة الحوليّات الفرنسية، التي أولت اهتمامًا خاصًّا للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، تأثّرها بالتيار الفكري الماركسي، وما صاحبه من مفاهيم مُوَجِّهة من قبيل "المادّية التاريخية" و"المادّية الجدلية"، وبحث في مختلف أنماط الإنتاج وظروفه. وقد امتد إشعاع هذه المدرسة، واكتسبت الريادة دوليًّا فترةً مهمّة، ومارست تأثيرها على تجارب مختلفة في الكتابة التاريخية. غير أنّ رياحها لم تهبّ على مجموع الباحثين المغاربة المهتمّين بقضايا اقتصادية واجتماعية تخصّ تاريخ المغرب خلال العصر الوسيط من الشمال نحو الجنوب مباشرة، بل وصلت إلى ثلّة منهم في ركاب مدٍّ ماركسيّ/ قوميّ وصل صداه من الشرق إلى الغرب، ولو على نحو متأخّر. تبدو البصمات المشرقية، والمغاربية أيضًا، واضحة في اهتمام المؤرّخين المغاربة الوسيطيّين بالحياة الاقتصادية والاجتماعية، فأعمال العراقي عبد العزيز الدوري، والسوداني عز الدين عمر موسى، والتونسيّ الحبيب الجنحاني، كانت لها جاذبيّتها ومفعولها بلا شكّ، غير أنّ التأثير الكبير والمباشر كان للمصريّ محمود إسماعيل عبد الرزاق بخلفيّته "الماركسية" الذي بلغ بريقه على وجه الخصوص جامعات فاس ومكناس ووجدة. وهو القائل:" إبّان وجودي في المغرب لمدّة عشر سنوات، وبعد عودتي لمصر، أشرفت على الكثير من الرسائل الجامعية في كليات الآداب بفاس ومكناس ووجدة في حقل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وتاريخ الفكر الإسلامي في الشرق والمغرب التي أنجزها جيل جديد من المؤرّخين المغاربة الأفذاذ، من أمثال أحمد الطاهري، وإبراهيم القادري، وهاشم العلوي، وأحمد تضغوت، وعبد الإله بنمليح وغيرهم ممّن شكّلوا مدرسة عرفت في العالم العربي ب 'المدرسة المحمودية"'21. حازت هذه التجربة إشعاعًا، وخلّفت تراكمًا يحضر فيه التاريخ الاجتماعي بمهماز اقتصادي حينًا، ويطمح إلى السير على تخوم الذهنيات أحيانًا أخرى. وهي تجربة من المفيد قراءة بعض منجزها في ضوء التنبيه المنهجيّ لإبراهيم بوطالب القائل: "هناك نوع من الأناكرونيّة خفيّ يهدّد مجهود المؤرّخ من حيث لا يحتسب، ويتسرّب إلى كتاباته من حيث كان يعتقد أنّه يزيدها عمقًا وبيانًا، وذلك بإسقاط مجموعة من المفاهيم الدخيلة أو المستجدّة على أزمنة وعلى مجتمعات لم تكن لتخطر لها على بال، بقصد إضفاء مسحة الجدلية العلمية على السرد التاريخي ومحاولة النهوض به من طور العرفان الملتزم بالوثيقة إلى مستوى العلم القابل للمناظرة وللأخذ والرد"22. وفي ضوء المراجعة النقدية لمصطفى نشاط، التي عبّر عنها بالقول: "إنّ مقولة 'اقتصاد المغازي' تبدو وكأنّها استحضار لمواصفات 'نمط الإنتاج الآسيويّ' كما أثيرت في أدبيات المدرسة الماركسية، وكما هو معلوم، فمقولة 'نمط الإنتاج الآسيوي' لا تعدو أن تكون رسائل تُبودلت بين قطبين من هذه المدرسة لاقتراح تجاوز ميكانيكيّ، وليس [جدليًّا] لسيرورة المجتمعات التي لا يندرج تطوّرها التاريخي ضمن اللوحة الخماسية التي فسّرت بها الأدبيات الماركسية حركية التاريخ [...] إنّ حصر موارد 'اقتصاد المغازي' في الموارد غير القابلة للاستثمار، مثل المصادرة وغنائم الحروب وضرائبها يستدعي التأريخ لمالية الدولة ومصادرها، وهو أمر يبدو أنّه لم ينجز [إلى] الآن. ثم إنّ الأخذ بمقولة 'اقتصاد المغازي' قد يترك انطباعًا عن الدولة المغربية الوسيطية قوامه أنّها عاشت دومًا في وضعية حرب، ولم تنعم بفترات السلم، وبالتالي بالظروف المشجّعة على الإنتاج والعمران"23.

  1. حوار مع محمود إسماعيل عبد الرزاق، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس"، أجرى الحوار عبد الرحيم بنحادة، مجلة أسطور، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير 2016)، ص 297.
  2. إبراهيم بوطالب، "إشكالية المصطلح في التاريخ"، مجلة أمل، العدد 15 (1998)، ص 44.
  3. مصطفى نشاط، "كشكول من الجوانب الحضارية للغرب الإسلامي"، مجلة رباط الكتب الإلكترونية، 22 / 1 / 2009، شوهد في 10 / 1 / 2022، في: http://bit.ly/ 3 EsI 4 If

رابعًا: صدى التحوّل الكبير في البحث التاريخي المغربي

اهتمت الدراسات الغربية بفهم أسباب التحوّل الكبير الذي عرفته الحضارة الغربية، والأوروبية منها على وجه الخصوص، منذ ما قبل الثورة الصناعية وصولً إلى مرحلة التصنيع، في مسعى لفهم الأصول السياسية والاقتصادية للمتغيّرات المعاصرة. وانخرط في هذه الورشة المعرفيّة اقتصاديّون ومؤرّخون وباحثون في الأنثروبولوجيا الاقتصادية. وعلى الرغم من أنّ كارل بولانيي يُعدّ مرجعًا أساسيًّا، بل صاحب عنوان شهير في هذا الموضوع24، فإنّ التراكم الحاصل في هذا المجال عكس تمايزات كثيرة في فهم السياقات والتحولّات والامتدادات باختلاف أوجه الانتماء إلى حقول معرفية متنوعة، فضلً عن تباين المرجعيّات الفكرية ما بين ليبرالية واشتراكية. كانت هذه العودة في الضفّة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط مفيدة لقراءة مسار من التحوّل الكبير في سياق الطفرة الأوروبية بعناوين كبرى: الكشوفات، والنهضة، والمركنتيلية، والأنوار، والحداثة، والبرجوازية، والتصنيع... إلخ، وخاصة أنّ القرن التاسع عشر اعتُبر قرنًا للعلوم الإنسانية أيضًا، التي فتحت فروعُها المعرفيةُ دروبًا بحثية لفهم الواقع المعيش من خلال السياقات الشارحة. أمّا في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسّط، فقد عاش المغرب تداعيات هذا التحوّل، الذي انقلب استعمارًا يقضم ثغوره البحريّة، ليمهّد لضرب وساطته التجارية، وحرمانه من موارد مالية مهمّة. وباستثناء أطروحة إبراهيم بوطالب لنيل دبلوم الدراسات العليا المشار إليها سابقًا، فقد تفاعل المؤرّخون المغاربة المهتمون بهذه الفترة بالتركيز أساسًا على التاريخ السياسي والعسكري والدبلوماسي للبلاد في تأثّرها بهذه المتغيّرات الطارئة التي أعقبت محطّة 1492 م بدلالتيها الإيبيرية في اتّجاه الفعل والتوسّع، والموريسكية نحو الانفعال والانكماش، وما تحمله للذات من تحدّيات؛ فحضر موضوع الاحتلال ومسعى تحرير الثغور، وصعود دولتي الأشراف إلى الحكم، وتعقيدات الوضع آنئذٍ بين كمّاشتي العثمانيّين والإيبيريّين، بوصفها انشغالاتٍ معرفيّةً للبحث التاريخي المغربيّ المعنيّ بهذه الحقبة المسمّاة "حديثة". ثمّ جرى الاهتمام بموضوع الانفعالات الجماعية والخاصّة مع هذه الأوضاع المستجدّة وجدانيًّا ودينيًّا عن طريق مداخل الزوايا والتصوّف والعلماء. كان هذا هو الاتّجاه العامّ لتفاعل أغلب المؤرّخين المغاربة مع ردّ فعل الذات إزاء ما عرفه الجوار من تحوّل كبير، في حين سجّل باحثون آخرون الاستثناء عن هذه القاعدة، ولو على نحو متأخّر، وانكبّوا على دراسة الأوضاع الاقتصادية للبلاد خلال هذه المرحلة. وهكذا، اعتنت إحدى الدراسات برصد المظاهر العامّة للاقتصاد خلال هذه الفترة25، في حين ركّزت أبحاث أخرى على الجانب المالي وموارد الدولة26، ولامس صنف ثالث من الدراسات، ضمن الاهتمام ذاته، موضوع التجارة27. وداخل التوجّه نفسه، الرامي إلى دراسة قطاعات اقتصادية محددة، اختار بعض الباحثين تركيز الاهتمام أكثر على نشاط اقتصادي معيّن، لكن في نطاق محلّي أو جهويّ28.

  1. كارل بولانيي، التحوّل الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر، ترجمة محمد فاضل طبّاخ (بيروت: المنظمة العربيّة للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.)
  2. زهراء إخوان، "من مظاهر التطوّر الاقتصادي والعمراني في مغرب القرن 16 "، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1984.
  3. نستحضر في هذا الشأن بحث: حليمة بنكرعي، "مداخيل بيت المال على عهد السعديين"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1985؛ الفقيه الإدريسي، "الجباية في عهد الدولة السعدية: مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، 1994  /  1995.
  4. من بين هذه الدراسات بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا نُشر كتابًا: عثمان المنصوري، التجارة بالمغرب في القرن السادس عشر: مساهمة في تاريخ المغرب الاقتصادي (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001)؛ الحسين عماري، "المغرب والتجارة العابرة للصحراء من القرن 15 إلى القرن 18: إسهام في دراسة تاريخ المغرب وعلاقته التجارية مع السودان الغربي في العصر الحديث"، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2003.
  5. كما هو الشأن بالنسبة إلى دراسة: عبد الرحيم بنحادة، "النشاط الاقتصادي في سوس خلال القرن السادس عشر (1513 - 1623)"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، 1986  /  1987.

الواضح أنّ هذه الدراسات جاءت في شكل رسائل جامعية لنيل دبلوم الدراسات العليا أو الدكتوراه، وليست أبحاثًا في إطار ورش علمية مؤطّرة بسؤال الذات في مرآة التحوّل الكبير للآخر، أو في علاقتها بمسارها ومنعطفاته المادّية، وخاصّة أنّ الفترة موضوع الاشتغال قد جرى نعتُها بالحديثة. في حين حضر بعض من هذه الانشغالات في مقالات متفرّقة تهمّ الموضوع29، أو في أعمال جامعيّة اشتغلت على مواضيع أخرى. لكن حضر فيها الجانب الاقتصادي بصيغ مختلفة30. والراجح أنّ الاهتمام بمواضيع اقتصادية في البحث، داخل مختلف هذه الأصناف، حصل ضمن منحى من التأثّر، بدرجات متفاوتة، بأعمال رائدة لباحثين فرنسيّين اعتنوا مبكّرًا بدراسة تاريخ المغرب الاقتصادي، في زمن إشعاع مدرسة الحوليات31.

خامسًا: التاريخ لااقتصادي في مرآة لااستعمار

أثار عبد الأحد السبتي، منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي، انتباه المؤرّخين المغاربة إلى أنّ التغلغل الرأسمالي في المغرب أنتج وثائق من نوع جديد، وهي وثائق تتحدّث بلغة الأرقام (إنتاج، ومبادلات... إلخ)؛ فيتمكّن المؤرّخ من مقاربة الظواهر على نحو يتعدّى الوصف الانطباعي. وهناك مستندات البعثات الدبلوماسية والشركات التجارية الأوروبية، وهي تتضمن تقارير اقتصادية، مثل لوائح الصادرات والواردات وبعض التحقيقات حول قطاعات اقتصادية معيّنة. وهناك وثائق الدولة المخزنية التي دخلت في علاقات جديدة أجبرتها على هيكلة الإدارة المالية في مستوى غير معهود. استغلال النوع الأوّل من المصادر الانفتاح على أوضاع المغرب الاقتصادية، وخاصّة على حجم المبادلات الخارجية، والميزان التجاري، وتطوّر العملة. وقد دُرست كلّ هذه الجوانب من زاوية الأزمة واختلال التوازن، ثمّ جاءت الأبحاث المونوغرافية بوصفها حملة استكشاف أوّليّ لما تتضمنه المستندات المخزنية من مراسلات وسجلّت جبائية، إلى جانب حوالات الأحباس ووثائق المجموعات المحلّية والخواص33. وقد سُجّل في هذا الشأن تفرّد المؤرخ الفرنسي جان لوي مييج، من بين زملائه في الجامعة المغربية، بإنجاز أطروحة حول المغرب وأوروبا، شكّلت "محطّة بارزة في اقتحام التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لمغرب القرن التاسع عشر"؛ وإشراف "جرمان عيّاش على جلّ المونوغرافيات التي أُنجزت في كلية الآداب بالرباط"34. بعد انصرام زهاء ثُلث قرن على هذا الرصد، يظلّ التاريخ الاقتصادي لمغرب القرنين التاسع عشر والعشرين خارج الاهتمامات المركزية لأغلب المؤرّخين المغاربة المهتمين بهذه الفترة، إلى درجة يبدو معها الرصيد الهيستوريوغرافي المتّصل بالقرن التاسع عشر شبه مختزل في الأبحاث المونوغرافية، في حين أن الأعمال التي همّت القرن العشرين جاءت محمولة بهواجس كتابة تاريخ العمل الوطني ضدّ الاستعمار ببعديه السلميّ والمسلّح، وبتدبير الحكم بعد حصول البلاد على استقلالها.

  1. نذكر في هذا المجال على سبيل المثال: أحمد بوشارب، "محضر محاكمة بحار برتغالي من لدن محكمة التفتيش الدينية بتهمة الاتجار مع المغاربة ونقلهم إلى بلادهم"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية - فاس، عدد خاص (1985)، ص 247 - 320؛ محمد بوكبوط، "جوانب من تاريخ المغرب الاقتصادي في القرن 18: النتائج الاقتصادية لسياسة سيدي محمد بن عبد الله 1757 - 1790 "، مجلة البحث العلمي، العدد 41 (1993)، ص 57 - 78.
  2. نورد في هذا الشأن مثلً: عبد المجيد قدوري، المغرب وأوروبا ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر (مسألة التجاوز) (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000)؛ محمد مزين، فاس وباديتها: مساهمة في تاريخ المغرب السعدي، 1549 - 1637 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1986.)
  3. نستحضر منها على سبيل المثال: Paul Berthier, Les anciennes sucreries au Maroc et leurs réseaux hydrauliques: Etude archéologique, et d'histoire économique, un épisode de l'histoire de la canne à sucre (Paris: CNRS; Rabat: Centre Universitaire Marocain de la recherche scientifique, 1966); Bernard Rosenberger, "Les vieilles exploitations minières et les Anciens centres metallurgiques du Maroc: Essai de carte historique," Revue de géographie du Maroc , no. 17 (1970), pp. 71 - 108 ; Henri Terrasse, "L'ancien Maroc, pays d'économie égarée," Revue de la méditerranée , vol. 4 (1947), pp. 37 - 53 , 147 - 160.
  4. عبد الأحد السبتي، "التاريخ الاجتماعي ومسألة المنهج: ملاحظات أولية"، في: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، أعمال ندوتَي البحث الغربي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية، أكتوبر 1986، وثلاثون سنة من البحث الجامعي بالمغرب، ديسمبر 1986 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989)، ص 48. 32 المرجع نفسه.

لم يقتحم أيٌّ من المؤرّخين المغاربة مجال التاريخ الاقتصادي لإنجاز عمل من موقع آخر، يضاهي الكتاب الضخم لمييج. وقد جرى الاكتفاء بتفاعلات معه عبر مقالات بحثية نبّهت إلى الشوائب الأيديولوجية العالقة فيه، سواء في قراءته لما سماه ب "الانغلاق المغربي"35، أو في توقّفه عند "التمدين والبرجوازية"36. وبعد تحرّرهم من "جاذبية القرن التاسع عشر"، وولوجهم عالم القرن العشرين من بوّابتَي فترتَي الاستعمار والاستقلال، لم يسائلوا خلفيّات "مقاولة الحماية" وأسسها ورهاناتها، من باب التفاعل العلميّ الهادئ والرصين مع كتاب جون ديزم هذا المغرب الذي صنعناه37، ولا اعتنوا بما يكفي بالاختيارات الاقتصادية المعتمدة بعد حصول البلاد على استقلالها لتدبير تركة الحماية38. وعلى الرغم من "تهميش" المؤرّخين المغاربة المهتمين بالفترتين المعاصرة والراهنة البحثَ في الأنشطة الاقتصادية، فإنّ ذلك لم يمنع من وجود باحثين اختاروا الاشتغال على مواضيع ذات طبيعة اقتصادية. بل إنّ منهم من سعى إلى التركيب منذ البداية39، أو استحضر الاقتصاد ضمن انشغالات أخرى بخلفية الاهتمام بتاريخ النقود40. في حين اهتم باحثون آخرون بالقضايا الاقتصادية لمغرب القرن التاسع عشر من خلال التركيز على قطاعات معيّنة، لعلّ أهمها القطاع الماليّ لحساسيته خلال هذه الفترة المتّسمة بتعاقب الأزمات المالية، والتي شكّل توقيع معاهدة الحماية تتويجًا لمسار التعقيد فيها، ومنطلَقًا لتدشين تدبير استعماري بخلفية مقاولاتية، لم يكن مغريًا للمؤرّخين المغاربة ليقبلوا على دراسته وفهمه، على الرغم من الزخم الوثائقي والمصدري الذي خلّفه.

  1. إبراهيم بوطالب، "بعض مظاهر التجارة الخارجية بالمغرب قبل 1956 وأسسها الشرعية"، في: أعمال ندوة التجارة في علاقتها بالمجتمع والدولة عبر تاريخ المغرب، ج 1، ص 166 - 168.
  2. إبراهيم بوطالب، "مفهوم البورجوازية في تاريخ المغرب"، مجلة أمل، العدد 18 (1999)، ص 45.
  3. Jean d'Esme, Ce Maroc que nous avons fait (Paris: Hachette, 1955).
  4. تأخّر إنجاز هذا المشروع لعدّة أسباب، يجري فيها تقاطع بين الذاتي والموضوعي، قبل أن تحتضن كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عين الشقّ، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء جزءًا من إنجاز هذ الورشة، عبر مشتل للتكوين في سلك الدكتوراه مخصّص لمواضيع تهمّ قضايا اقتصادية للمغرب الراهن تحت إشراف الطيّب بياض، نوقشت في إطاره أطروحة عزيز سعيدي، "المكتب الشريف للفوسفاط بين رهان المغربة وأفق الشركة المساهمة (1958 - 2008)"، يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر 2018؛ ثم أطروحة وردة مريم، "الزراعة المغربية بين تدبير تركة الحماية وتبنّي مخطّط المغرب الأخضر 1956 - 2008 "، يوم 14 أيّار/ مايو 2022؛ وأطروحة توفيق آيت بوشكور، "مغربة القطاع البنكي في المغرب 1956 - 1977، إسهام في التاريخ الاقتصادي الراهن" (باللغة الفرنسية في إطار شراكة علمية مع جامعة السوربون وإشراف مشترك مع بيير فيرمورين أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة نفسها)، يوم 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2022؛ وأطروحة نبيل توفيق، "من المغربة إلى الخوصصة: 1973 - 2003، إسهام في التاريخ الاقتصادي للمغرب الراهن" (باللغة الفرنسية)، 1 شباط/ فبراير 2023؛ ومن المرتقب أن تجري مناقشة أطروحة نبيل توفيق، "من المغربة إلى الخوصصة 1973 - 2003: إسهام في التاريخ الاقتصادي للمغرب الراهن" (باللغة الفرنسية) قبل نهاية سنة 2022؛ ثم أطاريح كلّ من نبيل الطويهري، "الحياة الاقتصادية والاجتماعية بمنطقة طنجة الدولية 1923 - 1956 "؛ نجاة أحمين، "البنك المركزي وسياسة القروض والاستثمارات"؛ مصطفى أعويش، "المناطق الحرة بالمغرب، 1961 - 2016 "، خلال سنة 2023. وتحت إشراف الأستاذ نفسه، ناقش الطالب الباحث عبد الكبير بران أطروحة لنيل الدكتوراه في جامعة ابن زهر بأكادير (بإشراف مشترك مع عبد الكريم مادون، أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة نفسها) يوم 21 كانون الثاني/ يناير 2022، في موضوع "الفلاحة الاستيطانية في المغرب وانعكاساتها الاقتصادية في سوس 1912 - 1986 ". ويجري الإعداد لمناقشة أطروحتين يشرف عليهما في كلّ من كلية الآداب بالرباط في موضوع: "قرن من الكهرباء في المغرب 1912 - 2012 " من إنجاز الطالب الباحث محمد لهبوب، وكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بالقنيطرة في موضوع "السياحة في المغرب، 1956 - 2006 "، من إنجاز الطالبة الباحثة خيرة نهاري.
  5. رشيد العلوي العبدلاوي، "محاولة تركيبية للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للبوادي المغربية خلال القرن 19 "، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، 1991.
  6. عمر أفا، تاريخ المغرب المعاصر: دراسات في المصادر والمجتمع والاقتصاد (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2002)؛ عمر أفا، مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر، سوس 1822 - 1906 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1988.)
  7. ينظر على سبيل المثال لا الحصر: نعيمة هراج التوزاني، الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن (1290 - 1311 / 1873 - 1894): مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب (المحمدية: مطبعة فضالة، 1979)؛ عبد العزيز الخمليشي، "جوانب من الحياة التجارية بالمغرب في القرن التاسع عشر (1856 - 1896): المخزن والضرائب المفروضة على التجارة الداخلية، مكوس الحواضر"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1989؛ الطيب بياض، المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب، 1880 - 1915 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011). لعل هذه الحساسية هي التي قادت المصطفى برنوسي إلى تكريس مشروعه العلمي لتتبع الموضوع في الزمن، حيث عمل على ترجمة كتاب بيير كيلين، الاقتراضات المغربية 1902 - 1904، بوصفه بحثًا نال به دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط سنة 1993، ونشره كتابًا: بيير كيلين، الاقتراضات المغربية 1902 - 1904، ترجمة المصطفى برنوسي، مراجعة إبراهيم بوطالب (الرباط: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2007). قبل أن يخصّص أطروحته لنيل دكتوراه الدولة: "جوانب من الأزمة المالية في المغرب على عهد الحماية، الميزانيات 1912 - 1925 "، أطروحته لنيل دكتوراه الدولة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2005.
  8. تبقى الأبحاث المغربية في هذا المجال محدودة ومعدودة، نذكر منها، إلى جانب أطروحة المصطفى برنوسي السالفة الذكر، أعمال كلّ من: حسن بن الجيلالي، "انعكاسات أزمة 1929 على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، المنطقة الفرنسية"، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1999؛ محمد تالوزت، "التجارة والتجار بمدينة فاس خلال فترة الحماية"، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس، ظهر المهراز، 2001؛ المصطفى بدر، "بناء مرسى الدار البيضاء 1913 - 1923 "، أطروحة لنيل الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2004.

استشراف أفق

قادنا تتبّع التجربة المغربية في البحث في التاريخ الاقتصادي، من خلال التفاعل مع الأعمال التي أنجزها الباحثون المغاربة في الموضوع، فضلً عن الأجانب إلى استحضار نماذج معيّنة، بمنزلة عيّنات تُسعف في فهم الاتجاهات والمنحنيات والمرجعيات والاهتمامات، لأنّ هذه الدراسة لا تطمح إلى أن تقدّم جردًا لما أنجزه المؤرخون المغاربة في دراستهم لمختلف الأنشطة الاقتصادية عبر تاريخ بلدهم، بل تسعى لرصد مسار تجربتهم في هذا المجال انطلاقًا من سؤال المنهج وزاوية المعالجة. لم تظهر تجربة كتابة التاريخ الاقتصادي في المغرب تتويجًا لمسار من السجالات الفكرية والنظرية والمنهجية بين باحثين من تخصّصات متنوّعة، تمخّضت عنها فكرة التفاعل مع قضايا العصر، كما هو الشأن مع التجربة الفرنسية، حيث هواجس "الكساد الكبير" في نهاية القرن التاسع عشر وجدت لها صدى في مجلة التركيب التاريخي، التي احتضنت إنضاج شروط مشروع الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، الذي تبنّته مجلة/ مدرسة الحوليات. ولم تُولد من رحم مجلّة رائدة تحلّق حولها باحثون من حقول معرفية مختلفة، كما هو الشأن مع هذه التجربة نفسها بعد أن نضجت شروطها، وآتت أكلها. ولا هي نسجت على منوال التاريخ الاقتصادي الجديد في الولايات المتحدة الأميركية حيث التكوين في الاقتصاد يقود إلى الاهتمام بالتاريخ، بهواجس النموّ وانشغالات الإقلاع الاقتصادي، فتحضر النظريات الاقتصادية والمناهج السوسيولوجية إلى جانب أدوات اشتغال الرياضيات والإعلاميات، بوصفها لوازم لا غنى عنها لولوج مختبر التاريخ الاقتصادي. ثمّ إنّها لم تكن ثمرةً لروح العمل الجماعيّ داخل "حنطة المؤرّخين"، أو في إطار انفتاحهم على نظرائهم الاقتصاديّين، ضمن بنى بحث جامعية (مختبرات، أو مراكز أو فرق بحث متخصّصة)، بل تعلّق الأمر بمبادرات فردية اتّجهت إلى دراسة جوانب من الأنشطة الاقتصادية عبر تاريخ المغرب، بعيدًا عن التلاقح الجدّي مع مختلف التجارب الدولية الرائدة أو الاستئناس النوعي بالمرجعيات المؤسسة نظريًّا ومنهجيًّا في المجال. وجدت هذه التجربة أمامها رصيدًا مهمًّا من الأبحاث والدراسات لباحثين أوروبيّين، بخلفيات لم تكن دائمًا علمية، خاصّة بالنسبة إلى دارسي التجربتين الرومانية القديمة والاستعمارية المعاصرة، فكان على الباحثين المغاربة المهتمّين بدراسة مجموعة من القطاعات الاقتصادية خلال هاتين المحطّتين التفاعل بمستويات مختلفة مع هذه الدراسات الأجنبية. ولمّا كانت المعطيات الاقتصادية من أعزّ ما يُطلب في المصنّفات التاريخية التقليدية، فقد اهتدى الباحثون المغاربة إلى صنفين مصدريّين على درجة كبيرة من الأهمية في هذا الباب، وأعني بهما الحوالات الحبسية والنوازل الفقهية، التي استخرجوا منها مادّة ثريّة ذات صلة بأنشطة ومعاملات اقتصادية خلال فترات طويلة من تاريخ المغرب. حصل هذا في زمن الإعراض عن فتح باب الحوار المثمر مع الزملاء المغاربة الباحثين في حقول معرفية مجاورة، خاصة الاقتصاد، والجغرافيا الاقتصادية، وعلم الاجتماع القروي أو علم الاجتماع الاقتصادي، الذين راكموا أبحاثًا مهمة شملت قطاعات اقتصادية متعدّدة لامست حقبًا مختلفة من تاريخ المغرب، بمقارباتهم الخاصّة. ذلك ما يجعل الباحث ينتهي إلى طرح سؤال مزدوج مستشرف للأفق، مفاده: أكتب الباحثون المغاربة تاريخًا اقتصاديًّا أم تاريخ أنشطة اقتصادية؟ إذا كان الاحتمال الثاني هو الراجح، فمن المفيد اعتبار ما أنتجه المؤرّخون المغاربة في هذا المجال تراكمًا مثمرًا، هيّأ أرضية مهمّة للعبور نحو محطّة كتابة التاريخ الاقتصادي. حينها يغدو النسب الفكري مُلحًّا، والعُدّة النظرية تصبح ضرورة معرفيّة وليست ممارسة انتقائية تركب موجة التشبّه بالآخر، وثلاثية القلق المعرفي والانشغال المنهجي والمنزع الإشكالي تتحوّل إلى محدّد وضمانة للعلمية، وسؤال الجدوى والغاية والبوصلة في إطار تفاعل المؤرّخ مع قضايا عصره يصير شرطًا ملزمًا لولوج التجربة.

إنها أساسيات الصنعة وضروريات العمل، بل المقياس المحدّد والمعيار الفيصل في التصنيف، التي يصعب دونها الحديث عن كتابة التاريخ الاقتصادي للمغرب وفق ضوابط المدارس العريقة والرائدة كونيًّا في هذا التخصص الدقيق من المعرفة التاريخية وقواعدها ومناهجها.

المراجع

References

العربية

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. مقدمة ابن خلدون. تحقيق وفهرسة أبي عبد الله السعيد المندوه. بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 2005. إخوان، زهراء. "من مظاهر التطوّر الاقتصادي والعمراني في مغرب القرن 16 ". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط، 1984.

الإدريسي، الفقيه. "الجباية في عهد الدولة السعدية: مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز، فاس، 1994  /  1995.

الأزمات والهشاشة بالمغرب مقاربات متقاطعة: أعمال مهداة للأستاذ محمد استيتو. تنسيق مصطفى نشاط [وآخرون]. الرباط: مطابع الرباط نت، 2019.

أعمال ندوة التجارة في علاقتها بالمجتمع والدولة عبر تاريخ المغرب. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989. أفا، عمر. مسألة النقود في تاريخ المغرب في القرن التاسع عشر، سوس 1822 - 1906. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1988. _______. تاريخ المغرب المعاصر: دراسات في المصادر والمجتمع والاقتصاد. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2002. أكرير، عبد العزيز. "دور حوض درعة في التجارة المتوسطية الصحراوية خلال العصور القديمة". مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال. العدد 2 (1997).

البادية المغربية عبر التاريخ. تنسيق إبراهيم بوطالب. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1999.

البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، أعمال ندوتَي البحث الغربي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية، أكتوبر 1986، وثلاثون سنة من البحث الجامعي بالمغرب، ديسمبر 1986. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989.

بدر، المصطفى. "بناء مرسى الدار البيضاء 1913 - 1923 ". أطروحة لنيل الدكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 2004.

برنوسي، المصطفى. "جوانب من الأزمة المالية في المغرب على عهد الحماية، الميزانيات 1912 - 1925 "، أطروحته لنيل دكتوراه الدولة. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 2005.

بن الجيلالي، حسن. "انعكاسات أزمة 1929 على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، المنطقة الفرنسية". أطروحة لنيل الدكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 1999.

بنحادة، عبد الرحيم. "النشاط الاقتصادي في سوس خلال القرن السادس عشر (1513 - 1623)". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز - فاس. 1986  /  1987.

بنكرعي، حليمة. "مداخيل بيت المال على عهد السعديين". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 1985. بوشارب، أحمد. "محضر محاكمة بحار برتغالي من لدن محكمة التفتيش الدينية بتهمة الاتجار مع المغاربة ونقلهم إلى بلادهم." مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية – فاس. عدد خاص (1985).

بوطالب، إبراهيم. "بعض قضايا التاريخ الاقتصادي في المغرب". مجلة المشروع. العدد 5 (1985).

_______. "قراءة في التاريخ الاقتصادي للعراق". مجلة مقدّمات. العدد 7 - 8 (1996).

_______. "إشكالية المصطلح في التاريخ". مجلة أمل. العدد 15 (1998).

_______. "مفهوم البورجوازية في تاريخ المغرب". مجلة أمل. العدد 18 (1999).

بوكبوط، محمد. "جوانب من تاريخ المغرب الاقتصادي في القرن 18: النتائج الاقتصادية لسياسة سيدي محمد بن عبد الله 1757 - 1790 ". مجلة البحث العلمي. العدد 41 (1993).

بولانيي، كارل. التحوّل الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر. ترجمة محمد فاضل طبّاخ. بيروت: المنظمة العربيّة للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2009.

بياض، الطيب. المخزن والضريبة والاستعمار: ضريبة الترتيب، 1880 - 1915. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011.

تالوزت، محمد. "التجارة والتجار بمدينة فاس خلال فترة الحماية". أطروحة لنيل الدكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز - فاس. 2001.

التوزاني، نعيمة هراج. الأمناء بالمغرب في عهد السلطان مولاي الحسن (1290 - 1311 / 1873 - 1894): مساهمة في دراسة النظام المالي بالمغرب. المحمدية: مطبعة فضالة، 1979.

الخمليشي، عبد العزيز. "جوانب من الحياة التجارية بالمغرب في القرن التاسع عشر (1856 - 1896): المخزن والضرائب المفروضة على التجارة الداخلية، مكوس الحواضر". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 1989.

شعبان، عبد الرحيم. "المسكوكات الموحدية في تاريخ المغرب الوسيط (524 - 668 ه/ 1129 - 1269 م)". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط، 1995  /  1996.

الطويل، محمد حجاج. "الفلاحة المغربية في العصر الوسيط". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 1987  /  1988.

_______. "النقل والتنقل في المغرب خلال العصر الوسيط". أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 1996  /  1997.

العبدلاوي، رشيد العلوي. "محاولة تركيبية للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للبوادي المغربية خلال القرن 19 ". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز - فاس. 1991.

عماري، الحسين. "المغرب والتجارة العابرة للصحراء من القرن 15 إلى القرن 18: إسهام في دراسة تاريخ المغرب وعلاقته التجارية مع السودان الغربي في العصر الحديث". أطروحة لنيل الدكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 2003.

الفقير، عبد العالي. "التاريخ الاقتصادي المغربي وإمكانيات استفادته من التجارب الأجنبية: تجربة جامعة جنيف نموذجًا". مجلة أمل. العدد 43 (2014).

قدوري، عبد المجيد. المغرب وأوروبا ما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر (مسألة التجاوز). الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2000.

كيلين، بيير. الاقتراضات المغربية 1902 - 1904. ترجمة المصطفى برنوسي. مراجعة إبراهيم بوطالب. الرباط: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2007.

مجدوب، محمد. دراسات عن الحياة الاقتصادية بموريطانيا في القرن الأخير قبل الميلاد. المحمّدية: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2013.

مدون، عبد الكريم. "ملاحظات منهجية حول كتابة التاريخ الاقتصادي". مجلة أمل. مج 22، العدد 43 (2014).

المدينة في تاريخ المغرب العربي: أشغال الندوة المنظمة من 24 إلى 26 نوفمبر 1988. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1990.

مزين، محمد. فاس وباديتها: مساهمة في تاريخ المغرب السعدي، 1549 - 1637. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1986. ممارسة العلوم الاجتماعية في البلدان المغاربية: نصوص مهداة إلى إدريس المنصوري. إشراف محمد المبكر وفرانسوا بويون. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، 2014.

المنصوري، عثمان. التجارة بالمغرب في القرن السادس عشر: مساهمة في تاريخ المغرب الاقتصادي. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001.

ناصح، محمد. "جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب الوسيط، القرن 6 ه/ 12 م نموذجًا". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 1987  /  1988.

نشاط، مصطفى. "التجارة بالمغرب الأقصى في العصر المريني الأول 668 - 759 ه". رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. عين الشق. الدار البيضاء. 1988  /  1989.

_______. "جنوة وبلاد المغرب من سنة 609 إلى 759 ه/ 1212 - 1358 م". أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. وجدة. 1996  /  1997.

_______. "كشكول من الجوانب الحضارية للغرب الإسلامي". مجلة رباط الكتب الإلكترونية. 22 / 1 / 2009. في:

http://bit.ly/ 3 EsI 4 If

واحدي، علي. صناعة الزيت بالمغرب القديم. فاس: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2017.

وقفات في تاريخ المغرب: دراسات مهداة للأستاذ إبراهيم بوطالب. تنسيق عبد المجيد القدّوري. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2001.

ومضات من تاريخ شمال أفريقيا القديم: تكريم الأستاذ مصطفى أعشي. تنسيق البيضاوية بلكامل وسيدي محمّد العيوض وزهراء قنينبة. الرباط: مطبعة دار السلام، 2019.

الأجنبية

Akerraz, Aomar & Maurice Lennoir. "Les huileries de Volubilis." Bulletin d'archéologie marocaine. no. 14

Ben Maissa, Halima Ghazi. "Le règne de Bogud (78-38 avant J.-C.) ou l'extraordinaire effervescence économique

Berthier, Paul. Les anciennes sucreries au Maroc et leurs réseaux hydrauliques: Etude archéologique, et d'histoire

économique, un épisode de l'histoire de la canne à sucre. Paris: CNRS; Rabat: Centre Universitaire Marocain

Besnier, Maurice. "La géographie économique du Maroc dans l'Antiquité." Archives Marocaines. vol. 7 (1906).

El Alaoui, Abdelaziz. "Le Maghrib et le commerce transsaharien (milieux du XI-milieu XIV S): Contribution

à l'histoire économique, sociale et politique du Maroc medieval." Thèse en vue du doctorat de 3 ème cycle.

Limane, Hassan & Mohamed Makdoun. "La mise en valeur antique de l'arrière-pays de Volubilis: Problèmes de

Rosenberger, Bernard. "Les vieilles exploitations minières et les Anciens centres metallurgiques du Maroc: Essai

Sounni, Mohamed. "La présence romaine en Maurétanie Tingitane et son influence sur l'économie." Revue des

Thouvenot, Raymond. "Quelques aperçus sur la vie économique dans le Maroc antique." Bulletin économique et

Zevi, Anna Gallina & Rita Turchetti (dir.). Méditerranée occidentale antique: Les échanges. Soveria Mannelli:

du Maroc antique." La Recherche Historique. no. 3 (2005).

de la recherche scientifique, 1966.

d'Esme, Jean. Ce Maroc que nous avons fait. Paris: Hachette, 1955.

Institut d'études arabes et islamiques. Université de Bordeaux III. Bordeaux, 1983.

Laayoud, Mohammed. "L'économie de Banasa à l'époque provincial." L'Africa romana. vol. XV (2004).

Le Goff, Jacques. Un long moyen-âge. Paris: Editions Fayard, 2011.

sources et approche géographique." L'Africa romana. vol. XII (1998).

de carte historique." Revue de géographie du Maroc. no. 17 (1970).

Lettres et Sciences Humaines Kénitra. no. 6 (2006).

Terrasse, Henri. "L'ancien Maroc, pays d'économie égarée." Revue de la méditerranée. vol. 4 (1947).

social du Maroc. vol. 17 , no. 59 (1954).

Rubbetino Editore, 2004.