العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إعادة كتابة السيرة النبوية في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته

إعادة كتابة السيرة النبوية في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته

Rewriting the Prophetic Sīra in Egypt in the 1930s and 1940s

عمرو عثمان

Amr Osman

الملخّص

ليس الاهتمام بالرسول محمد في العالم الإسلامي أمرًا موجبًا للتساؤل عن مغزاه في ذاته، ذلك أنه من الطبيعي والمتوقع أن يظل الاهتمام بالسيرة حيًّا مع حياة المجتمعات الإسلامية نفسها. بيد أن ظهور أربعة كتب عنه خلال عقد واحد يُثير السؤال عن دلالات ذلك. تسعى هذه الدراسة إلى التعريف بأربعة كتب عن الرسول والسيرة النبوية ظهرت في مصر في الفترة 1931-1942، وتهدف إلى تحديد السمات العامة لتلك الكتب وأوجه الجدة فيها ودوافع ظهورها في سياقها التاريخي. وتستنج الدراسة أنّ كثيرًا من السمات العامة لتلك الكتب عكست الرغبة في تقديم الإسلام بديلًا من المنظومات الفكرية التي انتشرت في مصر والعالم في ذلك الوقت، وذلك من خلال السعي إلى البرهنة على مثالية الرسول وعالمية دعوته وصلاحيتها للعصر الحديث، لا سيما في مقابل آراء بعض المستشرقين "المشككين" في هذا وذاك.

Abstract

In the Islamic world, interest in the Prophet Muhammad is not in itself cause for reflection as to its intent. It is to be expected that a fascination with the sīra would be just as dynamic as the life of Muslim societies themselves. Yet when four books on the subject appear within less than a decade, it raises the question as to the significance thereof. This article considers four works of scholarship on the Prophet and the prophetic sīra published between 1931 and 1942 in Egypt, seeking to identify their general characteristics, originality, and the causes of their appearance within their historical context. The study concludes that many of these books’ general characteristics reflect their authors’ desire to present Islam as an alternative to the intellectual systems in vogue in Egypt and across the world at the time. This is evident through their endeavour to demonstrate the infallibility of the Prophet and the universality and cogency of his message in the modern era, especially as opposed to the views of certain orientalist "sceptics".

الكلمات المفتاحية:
  • السيرة النبوية
  • مصر
  • محمد أحمد جاد المولى
  • طه حسين
  • محمد حسين هيكل
  • عباس محمود العقاد
Keywords:
  • The biography of Prophet Muhammad
  • Egypt
  • Muhammad Ahmad Jad al-Mawla
  • Taha Hussein
  • Mohammed Hussein Heikal
  • Abbas Mahmoud al-Aqqad

إعادة كتابة السيرة النبوية في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته (محمد أحمد جاد المولى، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد) Rewriting the Prophetic Sīra in Egypt in the 1930 s and 1940 s: Muhammad Ahmad Jad al-Mawla, Taha Hussein, Mohammed Hussein Heikal, and Abbas Mahmoud al-Aqqad

ليس الاهتمام بالرسول محمد في العالم الإس مااي أمرًا موجبًا للتساؤل عن مغزاه في ذاته، ذلك أنه من الطبيعي أن يظل الاهتمام بالسيرة حيًّا مع حياة المجتمعات الإسلامية نفسها. بيد أن ظهور أربعة كتب عنه خلال عقد واحد يُثير السؤال عن دلالات ذلك. تسعى هذه الدراسة إلى التعريف بأربعة كتب عن الرسول والسيرة النبوية ظهرت في مصر في الفترة 1942-1931، وتهدف إلى تحديد السمات العامة لتلك الكتب وأوجه الجدة فيها ودوافع ظهورها في سياقها التاريخي. وتستنتج الدراسة أنّ كثيرًا من السمات العامة لتلك الكتب عكست الرغبة في تقديم الإسلام بديلً من المنظومات الفكرية التي انتشرت في مصر والعالم في ذلك الوقت، وذلك من خلال السعي إلى البرهنة على مثالية الرسول وعالمية دعوته وصلاحيتها للعصر الحديث، لا سيما في مقابل آراء بعض المستشرقين "المشككين" في هذا وذاك**.

In the Islamic world, interest in the Prophet Muhammad is not in itself cause for reflection as to its intent. It is to be expected that a fascination with the sīra would be just as dynamic as the life of Muslim societies themselves. Yet when four books on the subject appear within less than a decade, it raises the question as to the significance thereof. This article considers four works of scholarship on the Prophet and the prophetic sīra published between 1931 and 1942 in Egypt, seeking to identify their general characteristics, originality, and the causes of their appearance within their historical context. The study concludes that many of these books’ general characteristics reflect their authors’ desire to present Islam as an alternative to the intellectual systems in vogue in Egypt and across the world at the time. This is evident through their endeavour to demonstrate the infallibility of the Prophet and the universality and cogency of his message in the modern era, especially as opposed to the views of certain orientalist "sceptics".

أستاذ التاريخ بقسم العلوم الإنسانية في جامعة قطر. Professor of History, Department of Humanities, Qatar University. aosman@qu.edu.qa دورية "أسطور" في 2–1 تشرين الثاني/ نوفمبر.2021

مقدمة1

ظهرت في مصر في النصف الأول من القرن العشرين – وفي الثلاثينيات والأربعينيات منه على وجه التحديد – مجموعة من

الكتب التي تناولت الرسول محمد والسيرة النبوية. تركّز هذه الدراسة على أربعة كتب ظهرت جميعها في فترة لم تتجاوز أحد عشر

عامًا، وهي بترتيب ظهورها: محمد صلى الله عليه وسلم: المثل الكامللمحمد أحمد جاد المولى (1931)، وعلى هامش السيرة

لطه حسين (1933)، وحياة محمد لمحمد حسين هيكل (1935)، وعبقرية محمد لعباس محمود العقاد (1942). وقد ظهرت هذه

السير – ولا سيما الثلاثة الأخيرة منها – في طبعات متعددة منذ ظهورها حتى اليوم، وتُرجمت إلى عدد كبير من اللغات الأجنبية. ومع أن

ظهور كتب عن السيرة النبوية في دولة مسلمة لا يعد في ذاته أمرًا باعثًا على الدهشة، حُقَّ لنا السؤال عن دلالات ذلك الأمر ودوافعه

حين تظهر أربعة كتب عن السيرة في ما يقرب من عقد واحد من الزمان. يصدق هذا الأمر خاصة حين تظهر هذه الكتب في مرحلة من

مراحل المخاض التاريخي التي تتصارع فيها قوى وأفكار شتى تسعى كل منها إلى الهيمنة على المشهد المتشكّل لتكون لها السيادة

على المستقبل. وينطبق هذا الأمر على مصر في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته، حيث ماجت باضطرابات سياسية وعواصف

فكرية وتبدلات عنيفة في المواقف تنم كلها عن حالة بحث عام عن مرجع ووجهة. أضف إلى ذلك حقيقة أنّ أيًّا من هؤلاء المفكرين

الأربعة لم يكن مؤرخًا محترفًا أو رجل دين متخصص، وأنهم كانوا من الناشطين في العمل العام المهتمين بأن يكون لهم دور في رسم

خريطة المستقبل تأليفًا وممارسة. وتسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية: 1. ما السمات العامة للمؤلفات التي تناولت سيرة الرسول في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته في مصر؟ 2. ما المصادر والمناهج التاريخية التي اعتمد عليه أصحاب هذه المؤلفات؟ 3. ما الجديد في هذه المؤلفات الحديثة عن الرسول في مقابل المصنفات التاريخية القديمة؟ 4. ما الصورة أو الصور التي سعى هؤلاء المفكرون إلى رسمها عن الرسول وما الدافع لها؟ 5. كيف ترتبط تلك الصورة، أو الصور، بالسياق الوطني والدولي الذي عاش فيه هؤلاء المفكرون؟

أوالً: التعريف بالكتّاب الأربعة: محمد أحمد جاد المولى، وطه حسين، ومحمد حسين هيكل، وعباس محمود العقاد

على الرغم من وجود بعض اختلافات في خلفيات الكتب الأربعة لأصحاب المؤلفات موضوع هذه الدراسة، فإنّ هذه الخلفيات

اتفقت في بعض أمور، من أهمها أنّ أصحابها كانوا جميعًا من المشتغلين بالعمل العام، وأنهم حصلوا على قسط من التعليم الغربي وأجادوا

1  بعد عرض هذه الورقة في ندوة أسطور، لفتت الزميلة الدكتورة سمية الوحيشي (في جامعة غوته) انتباهي إلى فصل في كتاب سلوى إسماعيل يتناول كتابات المؤلفيْن

المصرييْن خليل عبد الكريم وسيد القمني عن فترة صدر الإسلام:

Salwa Ismail, "The Politics of Historical Revisionism: New Re-Readings of the Early Islamic Period," in: Michaelle Browers & Charles Kurzman (eds.), An Islamic Reformation? (Maryland: Lexington Books, 2004).

في معرض التمهيد لكتابات هذيْن المؤلفيْن، تستعرض إسماعيل الكتابات الباكرة عن الرسول في مصر، ومنها مؤلفات العقاد وهيكل وطه حسين، فضلً عن مسرحية محمد للأديب

المصري توفيق الحكيم. تتفق كثير من أفكار إسماعيل مع الأفكار المعروضة في هذه الدراسة، وهو الأمر الذي لزم التنويه به. تتضمن مراجع إسماعيل التي تتناول الموضوع نفسه:

Charles D. Smith, "The 'Crisis of Orientation': The Shift of Egyptian Intellectuals to Islamic Subjects in the 1930 s," International Journal of Middle East Studies , vol. 4 , no. 4 (1973), pp. 382 – 410 ;

وتناقش المؤلفة الطرح القائل بتحول عدد من أعلام النخبة الفكرية العلمانية في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين – ولا سيما طه حسين ومحمد حسين هيكل – من

الدعوة إلى التغريب إلى الاهتمام بقضايا إسلامية، ومنها: السيرة النبوية؛

E.S. Sabanegh, Muhammad, le Prophète: Portraits Contemporains, Égypte 1930  -  19 50 (Paris: Librairie J. Vrin, 1981).

وقد تعذر على مؤلف هذه الدراسة العثور على هذا المرجع الأخير.

  1. بعد عرض هذه الورقة في ندوة أسطور، لفتت الزميلة الدكتورة سمية الوحيشي (في جامعة غوته) انتباهي إلى فصل في كتاب سلوى إسماعيل يتناول كتابات المؤلفيْن المصرييْن خليل عبد الكريم وسيد القمني عن فترة صدر الإسلام: Salwa Ismail, "The Politics of Historical Revisionism: New Re-Readings of the Early Islamic Period," in: Michaelle Browers & Charles Kurzman (eds.), An Islamic Reformation? (Maryland: Lexington Books, 2004). في معرض التمهيد لكتابات هذيْن المؤلفيْن، تستعرض إسماعيل الكتابات الباكرة عن الرسول في مصر، ومنها مؤلفات العقاد وهيكل وطه حسين، فضلً عن مسرحية محمد للأديب المصري توفيق الحكيم. تتفق كثير من أفكار إسماعيل مع الأفكار المعروضة في هذه الدراسة، وهو الأمر الذي لزم التنويه به. تتضمن مراجع إسماعيل التي تتناول الموضوع نفسه: Charles D. Smith, "The 'Crisis of Orientation': The Shift of Egyptian Intellectuals to Islamic Subjects in the 1930 s," International Journal of Middle East Studies , vol. 4 , no. 4 (1973), pp. 382 – 410 ; وتناقش المؤلفة الطرح القائل بتحول عدد من أعلام النخبة الفكرية العلمانية في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين – ولا سيما طه حسين ومحمد حسين هيكل – من الدعوة إلى التغريب إلى الاهتمام بقضايا إسلامية، ومنها: السيرة النبوية؛ E.S. Sabanegh, Muhammad, le Prophète: Portraits Contemporains, Égypte 1930  -  19 50 (Paris: Librairie J. Vrin, 1981). وقد تعذر على مؤلف هذه الدراسة العثور على هذا المرجع الأخير.

بعض اللغات الأجنبية، ولم يكونوا مؤرخين محترفين بشكل عام أو رجال دين. كان محمد أحمد جاد المولى (1883 – 1944) تربويًّا مصريًّا

ذا خلفية أزهرية. عمل بضع سنوات في جامعة أكسفورد البريطانية مدرسًا للغة العربية فضلً عن دراسته للجغرافيا بها، وتدرّج في السلم

الإداري في وزارة المعارف المصرية2. يشترك طه حسين (1889 – 1973) مع جاد المولى في الخلفية الأزهرية وفي عمله الإداري في وزارة المعارف التي ترأسها بعد ذلك، وإن كان قد حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية، حيث كتب رسالة عن "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون". وقد تعددت اهتمامات حسين الفكرية والنقدية لتشمل التاريخ إلى جانب الأدب، فتعرض بسبب كتاباته الأدبية التاريخية لهجوم متكرر وصل إلى حد اتهامه بالكفر. أما محمد حسين هيكل (1888 – 1956)، فكان كاتبًا وسياسيًّا مصريًّا معروفًا

في عصره. حصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية مثل طه حسين، واشترك في العمل السياسي من خلال المشاركة في وضع دستور عام 1923 في مصر، ثم أصبح وزيرًا في بعض الحكومات المصرية، فضلً عن رئاسته لحزب الأحرار الدستوريين ذي النزعة

الليبرالية، بل رئاسته لمجلس الشيوخ المصري أيضًا. وإضافةً إلى كتاباته الفكرية والتاريخية، كان صاحبَ ما عُدَّ أول رواية عربية حديثة

(زينب) وقد تحولت إلى أول فيلم سينمائي صامت في مصر والعالم العربي. وأخيرًا، لم يحصل محمود عباس العقاد (1889 – 1964) على

فرصة التعليم العالي الذي حصل عليه الكتاب الثلاثة الآخرون، بل كان ذاتيَّ التعليم والثقافة، فذاع صيته مفكرًا ومؤلفًا وأديبًا وشاعرًا

وناقدًا ومجددًا، بل صحافيًّا وسياسيًّا معارضًا أيضًا، فلُقّب بعملاق الفكر العربي. ننتقل للحديث عن السمات العامة لمؤلفات الكتب الأربعة عن السيرة النبوية. ولأسباب أفصّلها لاحقًا، أفرد كتابحياة محمد

لمحمد حسين هيكل بالمناقشة بعد الحديث عن سمات الكتب الثلاثة الأخرى.

ثانيًا: السمات العامة لمؤلفات جاد المولى وطه حسين وعباس محمود العقاد عن الرسول والسيرة النبوية

نرصد الآن بعض السمات التي غلبت على كتابات المؤلفين الثلاثة المذكورين عن الرسول والسيرة النبوية، مثبتين الاختلافات بينها إن وجدت في كل أمر من هذه الأمور.

1. التأكيد على مثالية شخصية الرسول

باستثناء كتاب طه حسين لأسباب ترتبط بطبيعته كما يتضح لاحقًا، يظهر في كتابَي جاد المولى والعقاد حرص واضح على تصوير

الرسول على أنه شخصية مثالية في جوانب الحياة المختلفة. يظهر هذا الحرص في عنوان كتاب جاد المولى، أي محمد صلى الله عليه وسلم: المثل الكامل، كما يظهر في عنوان كتاب عبقرية محمد للعقاد3. لقد سيطر دافع إظهار مثالية الرسول والتأكيد عليها على هذين الكتابين إلى حد أنهما تخلّيا عن السرد التقليدي للسيرة. فقد بُوّب هذان الكتابان أساسًا لتبيان عظمة الرسول في

جوانب معينة. فجاد المولى يبدأ كتابه بحديث عن فضائل الرسول الشخصية والاجتماعية، وعن "كمال منطقه" و"كمال عقله"، ثم

2  "محمد أحمد جاد المولى"، مركز تفسير للدراسات للقرآنية، شوهد في 29 / 5 / 2021، في: XVZm 0 / pw. encr:// https وهو الأقل شهرة بين الكتّاب الأربعة.

3  في مداخلة عبد الرحيم بنحادة إزاء هذه الورقة في ندوة أسطور المشار إليها، نوّه بأن الاهتمام بالسيرة النبوية في تلك الفترة تجاوز مصر ليشمل أقطارًا أخرى في العالم

العربي، منها العراق وتونس، وهي ملاحظة صائبة آمل أن تتناولها أوراق أخرى. وقد نضيف هنا أنه ظهرت في بيروت في عام 1936 على الأرجح سيرة للرياشي. ينظر: لبيب

الرياشي، نفسية الرسول العربي محمد بن عبد الله: السوبرمَنْ الأول العالمي (بيروت: دار ريحاني للطباعة والنشر،]د. ت.[)، وهو عنوان غريب من جهة استخدامه

لفظةً أجنبية غير متداولة في الأدبيات العربية – أي السوبرمن – ولكنه شديد الدلالة على ذلك الحرص على تصوير الرسول بشكل مثالي. ويزيد هذه الحالة غرابةً تحديدًا أنّ

صاحب الكتاب ليس مسلمًا. وللكتاب مقدمتان، "مقدمة محمدية" للشيخ عبد القادر المغربي، وأخرى "مسيحية" لأمين نخلة، ويتضمن الكتاب أيضًا رسالة تقريظ كتبها

شيخ الأزهر آنذاك محمد مصطفى المراغي. ويشرح الرياشي على غلاف الكتاب نفسه المقصود ب "السوبرمن" Übermensch، أي ذلك الإنسي الأعظم والأسمى، وفقًا

لتعريف فريدريش فيلهيلم نيتشه، "عظيم كتاب العالم وأعمقهم فكرًا" في رأي الرياشي.

  1. محمد أحمد جاد المولى"، مركز تفسير للدراسات للقرآنية، شوهد في 29 / 5 / 2021، في: XVZm 0 / pw. encr:// https وهو الأقل شهرة بين الكتّاب الأربعة.
  2. في مداخلة عبد الرحيم بنحادة إزاء هذه الورقة في ندوة أسطور المشار إليها، نوّه بأن الاهتمام بالسيرة النبوية في تلك الفترة تجاوز مصر ليشمل أقطارًا أخرى في العالم العربي، منها العراق وتونس، وهي ملاحظة صائبة آمل أن تتناولها أوراق أخرى. وقد نضيف هنا أنه ظهرت في بيروت في عام 1936 على الأرجح سيرة للرياشي. ينظر: لبيب الرياشي، نفسية الرسول العربي محمد بن عبد الله: السوبرمَنْ الأول العالمي (بيروت: دار ريحاني للطباعة والنشر،]د. ت.[)، وهو عنوان غريب من جهة استخدامه لفظةً أجنبية غير متداولة في الأدبيات العربية – أي السوبرمن – ولكنه شديد الدلالة على ذلك الحرص على تصوير الرسول بشكل مثالي. ويزيد هذه الحالة غرابةً تحديدًا أنّ صاحب الكتاب ليس مسلمًا. وللكتاب مقدمتان، "مقدمة محمدية" للشيخ عبد القادر المغربي، وأخرى "مسيحية" لأمين نخلة، ويتضمن الكتاب أيضًا رسالة تقريظ كتبها شيخ الأزهر آنذاك محمد مصطفى المراغي. ويشرح الرياشي على غلاف الكتاب نفسه المقصود ب "السوبرمن" Übermensch، أي ذلك الإنسي الأعظم والأسمى، وفقًا لتعريف فريدريش فيلهيلم نيتشه، "عظيم كتاب العالم وأعمقهم فكرًا" في رأي الرياشي.

ينتقل لاحقًا إلى الحديث عن "محمد أكبر المصلحين نجاحًا"، ثم عن كونه "أشرف الخلق"، إلى أن يصل أخيرًا، في باب الكتاب

العاشر، إلى "موجز سيرة الرسول" التي تسرد أهم الأحداث التي وقعت في حياة الرسول في ما يزيد قليلً على عشر صفحات، من مجموع مئتين وسبعين صفحة. ويفصّل جاد المولى الحديث عن محمد المصلح، مبينًا أوجه "حذقه في المعاهدات"4 و"نجاحه

في حروبه"5. وفي كل ذلك، يتحيّن جاد المولى الفرص للحديث عن موقف الإسلام من أمور معينة، مثل وضع المرأة في الإسلام

وإنصاف الإسلام لها6، وموقف الإسلام من الرق7. بيد أن مجرد موجز سيرة الرسول لا يظهر في كتاب عبقرية محمد للعقاد؛ إذ يصف كتابه بأنه "تقدير 'لعبقرية محمد' بالمقدار الذي يدين به كل إنسان، ولا يدين به المسلم وكفى"8. وفي فصل عن "محمد في التاريخ" ينهي به العقاد كتابه، يصف الرسولَ بأنه "عظيم بالغ في العظمة، وفقًا لكل مقياس صحيح يقاس به العظيم عند بني الإنسان في عصور الحضارة"9. والواقع أن هذه العبارة لا تبرهن على النقطة التي نثبتها هنا – أي الحرص على إثبات مثالية الرسول – فحسب، بل تشير كذلك إلى نقطة أخرى تتعلق بطبيعة دعوة الرسول وفقًا لكتابَي جاد المولى والعقاد، وهو الأمر الذي ننتقل إليه.

2. لااهتمام بجوانب سيرة الرسول لااجتماعية والسياسية وبعالمية دعوته وصلاحيتها للعصر الحديث

باستثناء كتاب طه حسين الذي لا يغطي إلّ جزءًا من سيرة الرسول، يغلب على كتابَي جاد المولى والعقاد التركيز على محمد

رجل الدولة والمصلح الاجتماعي. يقول جاد المولى: "اجتمع [لمحمد] ما لم يجتمع لمصلح من قبله: لأنه كوّن أمة، وأسس دولة،

وأقام دينًا"10، ويصفه بأنه "الأسوة الحسنة الصالحة لتأديب الأفراد وسياسة الأمم "11. ويحتل الرغبة في إظهار هذا الجانب في

سيرة الرسول والتأكيد عليه جزءًا كبير من كتاب جاد المولى؛ إذ يتحدث عن جهود الرسول في "إصلاح المجتمع إصلاحًا شاملً"12.

وبالمثل، يذكر العقاد في معرض حديثه عن باعث تأليف كتابه أن "العالم اليوم أحوج مما كان إلى المصلحين النافعين لشعوبهم وللشعوب كافة"13. وتتجلى رغبته في وضع جوانب سيرة الرسول العامة موضع الصدارة في بدئه بالحديث عن عبقريات الرسول العامة قبل عبقرياته وفضائله الخاصة. فيتحدث العقاد عن عبقرية الرسول العسكرية والسياسية والإدارية قبل الحديث عن عبقريّته بوصفه

صديقًا وزوجًا وأبًا. ويؤكد العقاد أيضًا في كتابه لاحقًا على أن غياب المعاملات والنظم الحكومية والقوانين والدساتير في المسيحية لا

يعني أنها "ليست من شأن الدين"14. ثم يتحدث عن مزية الإسلام بين الأديان الأخرى في مسائل عامة كالرّق. وينهي كتابه بعبارة:

"وعسى أن يجد العالم عزاءً باقيًا من يوم الغار ومن صاحب يوم الغار"15.

4  محمد أحمد جاد المولى، محمدصلى الله عليه وسلم: المثل الكامل)القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1931)، ص 118. 5  المرجع نفسه، ص 130. 6  المرجع نفسه، ص 165  -  196. 7  المرجع نفسه، ص 196  -  211. 8  محمود عباس العقاد، عبقرية محمد (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر،]د. ت.[(، ص 6. 9  المرجع نفسه، ص 150. 10  جاد المولى، ص 3. 11  المرجع نفسه، ص 4. 12  المرجع نفسه، ص 220، 227، 236. 13  العقاد، ص 6. 14  المرجع نفسه، ص 31. 15  المرجع نفسه، ص 156.

  1. محمد أحمد جاد المولى، محمدصلى الله عليه وسلم: المثل الكامل)القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1931)، ص 118.
  2. المرجع نفسه، ص 130.
  3. المرجع نفسه، ص 165  -  196.
  4. المرجع نفسه، ص 196  -  211.
  5. محمود عباس العقاد، عبقرية محمد (القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر،]د. ت.[(، ص 6.
  6. المرجع نفسه، ص 150.
  7. جاد المولى، ص 3.
  8. المرجع نفسه، ص 4.
  9. المرجع نفسه، ص 220، 227، 236.
  10. العقاد، ص 6.
  11. المرجع نفسه، ص 31.
  12. المرجع نفسه، ص 156.

إن الرسالة الواضحة في كتابَي جاد المولى والعقاد لا تقتصر على مثالية شخصية الرسول في الأمور العامة فضلً عن الأمور

الخاصة، وإنما تزيد لتؤكد على أن مثاليّته التي تتجلى في جوانب سيرته الاجتماعية والسياسية تبرهن على صلاحية رسالته لبناء الأمم

في كل زمان، وهي نتيجة لا تنتج كما هو واضح من مقدماتها، ذلك أن نجاح الرسول في تلك الجوانب العامة في حياته لا يستتبع صلاحية رسالته للسياقات الزمانية والمكانية الأخرى. وقد أدى هذا الاهتمام الواضح بأمور قيمية وأيديولوجية، لا وصفية أو تحليلية، إلى بعد آخر مهم في هذين الكتابين، بل في كتاب طه حسين أيضًا، أي غياب السرد التاريخي.

3. غياب السرد التاريخي

يغلب على كتب جاد المولى وطه حسين والعقاد غياب الاهتمام بالسرد الزمني التاريخي، وهو الأمر الذي يرتبط بالنقطتين الأولى والثانية. رأينا في ما سبق أن سرد أحداث السيرة زمنيًّا لا يحتل إلّ موضعًا صغيرًا في كتاب جاد المولى، ويظهر أن الاهتمام به جاء في

نهاية كتابه من باب الحرص على إظهار بعض الالتزام بالشكل التقليدي المعروف للسيرة النبوية، الذي يغلب عليه الطابع السردي الزمني أو الحولي. وفي شرحه لطبيعة كتابه، يوضح العقاد أن كتابه "ليس [...] سيرة نبوية جديدة تضاف إلى السير العربية والأفرنجية [...] لأننا لم نقصد وقائع السيرة لذاتها"16، وهو تصريح يبرهن على نحو واضح على أن الأمريْن اللذين قصد إليهما الكتاب – واللذين

أوضحناهما في النقطتين السابقتين – أمليا عليه وعلى كتاب جاد المولى شكل عرض معين. وبطبيعة الحال، نجد في كل هذا إشارات إلى بعض الأحداث التي وقعت في زمن الرسول، إلّ أنها تأتي من فترات مختلفة من حياة الرسول، ولا يمكن أن يضع القارئ غير الملم بتتابع أحداث السيرة وصورتها العامة تلك الأحداث في أي تسلسل زمني معين. أما في كتاب على هامش السيرة لطه الحسين، فنجد عرضًا أكثر شبهًا بالقصص الأدبي من السرد التاريخي، وإن كان المؤلف يحافظ

على الترتيب التاريخي للأحداث. على سبيل المثال، يبدأ الكتاب بفصل عن "حفر زمزم"، يليه فصل عن "التحكيم"، وثالث عن "الفداء"، وهي عناوين يمكن لمن لديه بعض الإلمام بأحداث السيرة تعرُّف مضمون الفصول من خلالها. ثم يأتي بعد ذلك فصلان بعنوان "راهب

الإسكندرية"، و"الفيلسوف الحائر"، يتناول فيهما المؤلف بعض ما كان يجري في عالم الحضارة الرومانية الشرقية في زمن ظهور الإسلام. إن من يقرأ كتاب طه حسين وهو لا يعلم أساسيات السيرة النبوية لن يستطيع بكل تأكيد ضم هذه الفصول في سردية واحدة، وهو ما يجعل هذه النقطة – أي غياب السرد التاريخي – تنطبق على كتابه أيضًا، وإن اختلف كتابه في طبيعته وفي تقسيمه وتبويبه عن الكتابين الأولين. تنقلنا هذه النقطة الأخيرة إلى نقاط أخرى تتعلق بتلك الكتب من حيث هي دراسات تاريخية كما يُفترض فيها، وهي نقاط تتعلق

باستخدام المصادر التاريخية، والالتزام بمنهج بحث ونقد معين، والحفاظ على الطبيعة التاريخية المفترضة لتلك الكتب.

.4 عدم لااهتمام بالمصادر التاريخية

يغلب على الكتب الثلاثة التي ألفها جاد المولى وطه حسين والعقاد عدم اهتمامها بذكر المصادر التاريخية التي استندت إليها، أو قلة تلك المصادر بالنسبة إلى ما توفر منها في زمن التأليف، أو عدم الإحالة إليها داخل السيرة نفسها بهدف التوثيق. فجاد المولى يكتفي بالقرآن مصدرًا من دون الرجوع إلى مصادر التاريخ الإسلامي المعروفة في وقته، فضلً عن ذكره لمجموعة من المراجع لكتّاب

عرب وهنود وغربيين في صدر كتابه ولا يحيل إليهم لاحقًا في هوامش توثيقية. وفي عبارة تنم عن عدم إلمام جاد المولى بالمصادر التاريخية والاختلافات بينها، يقول واصفًا الرسول: "فهو الرسول التاريخي بالمعنى الصحيح: لأن سيرته من مولده إلى مماته ثابتة ثبوتًا لا مرية فيه"17. ويبدو فعلً من كتاب جاد المولى أنه لم يكن واعيًا بالاختلافات الموجودة في المصادر أو عدم اعتقاده في

16  المرجع نفسه، ص 6. 17  جاد المولى، ص 47.

  1. المرجع نفسه، ص 6.
  2. جاد المولى، ص 47.

وجود أثر لتلك الاختلافات في ما يريد البرهنة عليه في كتابه، أي مثالية الرسول وعالمية دعوته وصلاحيتها لكل زمان ومكان. أما طه حسين، فيذكر بعض المصادر القليلة، وهي سيرة ابن هشاموطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري، غير أنه يحيل إليها في حالات قليلة جدًّا في نهاية الكتاب، وفي سياق الحديث عن أخبار تتعلق بحياة الرسول نفسه، كما يصرح طه حسين في مقدمة كتابه18. وأخيرًا،

لا يذكر العقاد أي مصدر لكتابه، لا في قائمة منفصلة في بداية الكتاب أو نهايته، أو في متن الكتاب نفسه.

5. غياب المنهج والنقد التاريخيين

تتفاوت حظوظ الكتّاب الثلاثة من النقد والوعي التاريخيين كما يظهر في كتبهم موضوع هذه الدراسة. يبدو هذا الجانب غائبًا

تمامًا لدى جاد المولى؛ فمع أنه يبدأ كتابه متحدثًا عن "الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي اقتضت بعثة محمد (ص")19، يتعامل

مع أحداث السيرة التي يوردها كأنها في معزل عن أي سياق تاريخي معين. ويغفل جاد المولى أيضًا ذكر أي رواية متعارضة أو مختلفة

اختلافات مهمة، وهو أمر – أي تعارض الروايات واختلافها – شائع في المصادر التاريخية كما هو معروف. أما طه حسين، فيصرّح في

مطلع كتابه بأنه لم يُكتب للمؤرخين ولم يُقصد به إلى التاريخ كما سنرى، وهو ما يعني أن النقد التاريخي لم يكن هدفًا من أهدافه في

المقام الأول، وإن لم يمنع هذا الأمر من برهنة كتابه على تمتع مؤلفه بقدر كبير من الوعي التاريخي. أما العقاد، فيُظهر بعض النقد والحس التاريخيين؛ إذ يرفض بعض الأخبار التاريخية على أنها لا تستقيم مع منطق الأمور، كرفضه

ما ترويه الكتب عن "بشائر الرسالة المحمدية" التي سبقت ميلاد الرسول أو صاحبته، مبينًا أن "الذين شهدوا العلامات المزعومة يوم

الميلاد، لم يعرفوا يومئذ مغزاها ومؤداها، ولا عرفوا أنها علامة على شيء أو على رسالة ستأتي بعد أربعين سنة"20. ويشير العقاد أحيانًا إلى عدم ثبوت بعض الروايات التاريخية، كعدم ثبوت "أكثر" الحوادث التي تتحدث عن ميل الرسول لسفك دماء أعدائه في

رأيه، ورفضه في هذا السياق الروايات التي تتحدث عن تحريض النبي على قتل امرأة يهودية هجت المسلمين (اسمها عصماء بنت مروان)، استنادًا إلى حديث ينهى فيه الرسول عن قتل النساء21. بيد أن العقاد لا يشرح منهجه في الحكم على تلك الروايات، أو

فلنقل إنّ منهجه يتميز بغياب الحس النقدي في ما يخص أمورًا غير تاريخية. ففي المثال السابق، يبدو العقاد غير مدرك لفكرة أن

الحديث المذكور قد يكون لاحقًا على أمر الرسول بقتل تلك المرأة، أو أن ذلك القتل كان استثناءً من القاعدة العامة التي ينص عليها

الحديث، وهي أمور معروفة في الفقه الإسلامي. فضلً عن ذلك، غفل العقاد عن ضرورة التحقق من صحة بعض الأحاديث النبوية، وهو أمر لا ينفصل البتة في دراسة تاريخ الإسلام عن نقد الروايات التاريخية. بل يذكر العقاد أيضًا بعض العبارات التي رآها محدّثو

الإسلام وعلماؤه ضعيفة، أو لا سند لها، أو مُنكَرة، على أنها صحيحة ثابتة22.

6. خلط التاريخ بالأدب

تعكس الكتب الثلاثة التي نركز عليها في هذا السياق قدرًا كبيرًا من خلط التاريخ بالأدب. وتتمثل أظهر دلالات هذا البعد في لغة

هذه الكتب؛ إذ تميل، بشكل عام، إلى الاهتمام باللغة اهتمامًا يسعى بوضوح إلى لفت الانتباه إليها وإحداث تأثير معين في النفس.

على سبيل المثال، يتسم كتابه بفقراته القصيرة وعباراته القوية وألفاظه الجزلة المنتقاة لمخاطبة الوجدان والتأثير في النفس. فحين

18  طه حسين، على هامش السيرة (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012)، ص 11. 19  جاد المولى، ص 52. 20  العقاد، ص 17. 21  المرجع نفسه، ص 51. 22  يذكر العقاد، على سبيل المثال، رواية تقول: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق فعُرفت". ينظر: العقاد، ص 138. فضلً عن عدم ذكر المصدر،

لا يبدو العقاد مهتمًّا بالتثبت من صحة نسبة هذا القول إلى الرسول، وقد رفضه نقاد الحديث بشكل عام.

  1. طه حسين، على هامش السيرة (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012)، ص 11.
  2. جاد المولى، ص 52.
  3. العقاد، ص 17.
  4. المرجع نفسه، ص 51.
  5. يذكر العقاد، على سبيل المثال، رواية تقول: "كنت كنزًا مخفيًّا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق فعُرفت". ينظر: العقاد، ص 138. فضلً عن عدم ذكر المصدر، لا يبدو العقاد مهتمًّا بالتثبت من صحة نسبة هذا القول إلى الرسول، وقد رفضه نقاد الحديث بشكل عام.

يصف وضع جزيرة العرب والخطر المحدق بها قبل ظهور الإسلام، يقول: "خطر من خارجها، يزيد الأمة يقظة وانتباها لوجودها. وخطر من داخلها، يدفع بها إلى الزوال أو إلى استكمال النقص المستشري في حياتها"23. ثم يلخص الحاجة إلى ظهور الرسول في ذلك الوقت وتهيُّؤ الظروف لذلك بقوله: "عالم يتطلع إلى نبي [...] وأمة تتطلع إلى نبي، ومدينة تتطلع إلى نبي، وقبيلة وبيت وأبوان أصلح

ما يكونون لإنجاب ذلك النبي"24. أما الكتاب الذي يتجلى فيه هذا البعد أكثر من غيره، فهو كتاب على هامش السيرة لطه حسين الذي كان كتابه أجرأ الكتب الثلاثة تصريحًا في ما يخص طبيعته؛ إذ يقول: "هذه صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين؛ لأني لم أرد بها إلى العلم، ولم أقصد بها

إلى التاريخ. وإنما هي صورة عرضت لي أثناء قراءتي للسيرة فأثبتّها مسرعًا". ويضيف: "ولعلي رأيت في نشرها شيئًا من الخير؛ فهي

ترد على الناس أطرافًا من الأدب القديم قد أفلتت منهم وامتنعت عليهم، فليس يقرؤها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واقعة عميقة في الأدب العربي القديم"25. ثم يبيّن المؤلف وكأنه يرد على نقد لاحق للمؤرخين: "وأنا أعلم أن قومًا سيضيقون بهذا الكتاب؛

لأنهم مُحدثون يكبرون العقل ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه"26. يرد حسين على هذا النقد ردًّا يؤكد على طبيعة كتابه الأدبية: "وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملكات أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئن إليها العقل، ولم يرضها المنطق، ولم تستقم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها، ما يحبب إليهم هذه الأخبار ويرغبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشق عليهم الحياة. وفرق عظيم بين من يتحدث بهذا الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يقرها العلم وتستقيم لها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفة عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش"27. يقسم طه حسين كتابه إلى فصول تعكس عناوينُها طبيعتها الأدبية، ويتناول في بعضها بعضَ ما كان يجري في عالم الحضارة

الرومانية الشرقية آنذاك. ونجد فصولً بعنوانين مثل "حديث باخوم" و"صاحب الحان" و"نادي الشياطين"، وهي أشبه بما قد يتوقعه المرء في كتاب أدبي أو رواية، لا في كتاب تاريخي. ويتحدث المؤلف في كل فصل من هذه الفصول عن حادثة تاريخية معينة قد لا يزيد ما نعرفه عنها من المصادر التاريخية على معلومة أو اثنتين، غير أنه يضع هذه المعلومات القليلة في قالب أدبي، إما في شكل

حِكائي أو حِواري لا يهتم بإثبات "الحقائق التاريخية" بقدر اهتمامه بعرضها بشكل شيق مثير للفكر والوجدان في آنٍ. ومع كون تصريح طه حسين يعبّر بشكل مباشر عمّا نسعى إلى إثباته هنا – أي اختلاط التاريخ بالأدب في تلك الكتب – فإنه

يبرهن في الوقت ذاته على وعي طه حسين التاريخي؛ فحسين يدرك الفرق بين الأدب والتاريخ، وأن الأدب ليس تاريخًا وإن استند إلى بعض الوقائع التاريخية. بيد أن الأدب الذي يكتبه هنا يستند بالفعل إلى واقع تاريخي، وهو الأمر الذي يعني أنه يصعب تصور استقبال القراء له بوصفه أدبًا صرفًا مع تحييد الجانب التاريخي فيه، ولا سيما مع إشارته إلى مصادره التاريخية في صدر كتابه كما سبق

أن بينَّا. ولو افترضنا رغبة حسين في ذلك الفصل، أو قدرة القراء عليه، جاز لنا التساؤل عن سبب اختيار هذا الموضوع تحديدًا ليثير

23  المرجع نفسه، ص 12. 24  المرجع نفسه، ص 15. 25  حسين، ص 7. 26  المرجع نفسه، ص 10. 27  المرجع نفسه.

  1. المرجع نفسه، ص 12.
  2. المرجع نفسه، ص 15.
  3. حسين، ص 7.
  4. المرجع نفسه، ص 10.
  5. المرجع نفسه.

به حسين عواطف الخير لدى الناس ويصرف عنهم بواعث الشر. إن حسين يدرك جيدًا أن هذا الأثر لا يتأتى إلا إذا فكر القراء في

كتابه على أنه سيرة نبوية، أي تاريخٌ. ولهذا السبب، لا يملك إلا أن يصرح بأنه: "لن يتعب الذين يريدون أن يردوا فصول هذا الكتاب

القديم في جوهره وأصله، الجديد في صورته وشكله، إلى مصادره القديمة التي أخذ منها [...] وليس في هذا الكتاب فصل أو نبأ أو حديث إلا وهو يدور حول خبر من الأخبار ورد في كتاب من هذه الكتب"28. يعني هذا أن الفصل الذي ادعاه حسين بين التاريخ

والأدب لا يزيد على كونه فصلً إنشائيًّا، لا فصلً حقيقيًّا، وهو ما يعود بنا إلى الطرح الأصلي، أي أن هذه السير غلب عليها اختلاط

الأدب بالتاريخ بدرجات متفاوتة.

ثالثًا: محمد حسين هيكل وكتاب حياة محمد

يحق للمفكر والسياسي والروائي المصري محمد حسين هيكل أن نفرد له قسمًا خاصًّا من هذه الدراسة، ذلك أنه الكاتب الوحيد

من الكتّاب الأربعة الذي جمع كل ما يحتاج إليه المؤرخ في كتابه حياة محمد: أي كتابة السيرة وفق منهج مُختار، استنادًا إلى تناول

نقدي لمجموعة متنوعة من المصادر الأولية التي توفرت له حين ألّف كتابه منذ ما يقرب من 90 عامًا مضت. يبدأ هيكل في مقدمة كتابه عن سيرة الرسول بالتأكيد على أن كتب السيرة "أضافت إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة"29. ويفسر هذا الأمر لاحقًا بالقول إن "أول كتب السيرة إنما كتب بعد قرنين من عصر محمد، دُسّت أثناءهما

في سيرته وفي تعاليمه إسرائيليات كثيرة، ووضعت أثناءهما ألوف الأحاديث المكذوبة"30. ويناقش هيكل الاختلافات الموجودة في كتب السيرة، وحتى زيادة نسبه الخوارق والمعجزات المنسوبة إلى الرسول في السيَر المتأخرة زمنيًّا عن السير المتقدمة31. ويرجع

سبب الاختلافات إلى العصر الذي دونت فيه السيرة، "بعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية كانت اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب"32. يصرح هيكل بأن كتابه يمثل "دراسة علمية على الطريقة الغربية الحديثة، خالصة لوجه الحق، ولوجه الحق وحده"33. ويناقش

في مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب ما يعده "الطريقة الصحيحة في البحث"، مصرحًا بأن المؤرخ يجب ألّ أن يكون مجرد ناقل،

"بل هو أيضًا ناقد لما ينقل، ممحص إياه لمعرفة ما ينطوي عليه من الحق. والنقد سبيل التمحيص. والعلم والمعرفة أساس هذا النقد

والتمحيص"34. وعملً بهذا المبدأ، ينقد هيكل بعض مؤرخي الإسلام ممن رووا أخبارًا لا يمكن أن تصح في رأيه35. وفي معرض ردّه

على بعض المستشرقين ومقلديهم من المسلمين، يتناول مجموعة من القضايا التأسيسية، مثل مشروعية الاعتماد على كتّاب السيرة

من المسلمين36، وقضية أصالة القرآن التاريخية ودقته37، وقضية جمع الحديث ونقده38. أما في ما يخص المصادر التاريخية،

28  المرجع نفسه، ص 11. 29  محمد حسين هيكل، حياة محمد (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 36. 30  المرجع نفسه، ص 40  -  41. 31  المرجع نفسه، ص 65. وإشارته في هذا السياق هي من باب المقارنة بين سيرة ابن هشامالمتقدمة وما كتبه أبو الفداء إسماعيل بن علي في تاريخه المختصر في

أخبار البشر، أو ذكره القاضي عياض في كتابه الشفا في أحوال المصطفى. 32  المرجع نفسه، ص 66. 33  المرجع نفسه، ص 39. 34  المرجع نفسه، ص 58. 35  المرجع نفسه، ص 65. 36  المرجع نفسه، ص 48  -  49. 37  المرجع نفسه، ص 49  -  57. 38  المرجع نفسه، ص 67  -  70.

  1. المرجع نفسه، ص 11.
  2. محمد حسين هيكل، حياة محمد (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص 36.
  3. المرجع نفسه، ص 40  -  41.
  4. المرجع نفسه، ص 65. وإشارته في هذا السياق هي من باب المقارنة بين سيرة ابن هشامالمتقدمة وما كتبه أبو الفداء إسماعيل بن علي في تاريخه المختصر في أخبار البشر، أو ذكره القاضي عياض في كتابه الشفا في أحوال المصطفى.
  5. المرجع نفسه، ص 66.
  6. المرجع نفسه، ص 39.
  7. المرجع نفسه، ص 58.
  8. المرجع نفسه، ص 65.
  9. المرجع نفسه، ص 48  -  49.
  10. المرجع نفسه، ص 49  -  57.
  11. المرجع نفسه، ص 67  -  70.

فيستخدم مجموعة متنوعة من المصادر المتقدمة والمتأخرة من التاريخ الإسلامي، أكثرها مطبوع، وإحداها مخطوط، وذلك فضل عن مجموعة من المراجع الحديثة المكتوبة باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية39. ويلخص فهمه للطريقة العلمية الحديثة في البحث في قوله: "ألا يجعل [الباحث] من العلم والبحوث العلمية في التاريخ أو غير التاريخ مطية لإثبات هوى من أهوائه أو نزوة من نزوات مزاجه"40. ثم يأخذ هيكل بعد ذلك في سرد أحداث السيرة النبوية ومناقشتها، مبتدئًا بالحديث عن بلاد العرب قبل الإسلام. ويقسّم الكتاب

إلى فصول قصيرة نسبيًّا يركز كل فصل منها على محطات تاريخية محددة قد تستغرق بضعة أعوام41، ولكنها تنتهي بحدث ذي

أهمية تاريخية في نظره، كالهجرة التي "أدت إلى ظهور محمد السياسي إلى جانب محمد الرسول"42. وعلى الرغم من أنه لا يحيل إلى مصادره في كل معلومة تاريخية يذكرها، فإنه يحيل إليها وإلى مراجعه من وقت إلى آخر في متن النص نفسه، وهو ما يعني أنه لا يشير إلى أرقام الصفحات كما يفعل المؤرخ المحترف في هوامش البحث. وينبه هيكل إلى الاختلافات بين الروايات ويرجّح بينها

أحيانًا، أو يلفت النظر إلى روايات ضاعت في ثنايا المصادر فلم تنتشر. وفي كل ذلك، لا يضيّع فرصة إلا اغتنمها للحديث عن "جوهر

الدعوة المحمدية"43، أو التعليق على دلالة أحداث معينة44، أو شرح مفاهيم وقضايا محددة45. ويُنهي كتابه بخاتمة من مبحثين،

يتناول في أولهما "الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن"، ويتحدث فيها عن مجموعة مختلفة من الموضوعات، مثل "اشتراكية الإسلام"، أمّا ثانيهما فهو "المستشرقون والحضارة الإسلامية"، حيث يقارن بين الإسلام والحضارة الغربية، ضمن أمور أخرى46. يأخذ كتاب هيكل إذًا شكل السيرة النبوية التقليدية على نحو عام، وإن زاد عليها اهتمامه بالتحليل والتفسير ومناقشة قضايا أوسع من مجال السيَر التقليدية. ومع اختلاف كتابه اختلافًا واضحًا عن الكتب الثلاثة الأخرى، فإنه يشترك معها في الحرص على

الاهتمام بجوانب سيرة الرسول الاجتماعية والسياسية وبعالمية دعوته، بل ربما مثاليته، وإن كان يُظهر في طرحه حرصًا أكبر على أن

تلك المثالية كانت مثالية بشرية ناتجة من تفاعل حي مع ظروف عصره، لا مثالية ناتجة من مكرُمة إلهية ترتبط بكونه محمد الرسول

المعصوم. ينقلنا هذا الأمر إلى الحديث عن أوجه الجدة في هذه المؤلفات الحديثة عن الرسول.

رابعًا: الجديد في الكتب الأربعة موضوع الدراسة

تختلف الكتب الأربعة التي تتناولها هذه الدراسة بالبحث عن مصنفات منها من ناحية الشكل والمضمون في عدد من الأمور. قد يتمثل أول أوجه الجدة وأوضحها – باستثناء كتاب هيكل – في عدم اهتمامها بسرد أحداث السيرة بالتسلسل التاريخي المعروف. إن أغلب المصادر التاريخية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي وتناولت السيرة النبوية اعتمدت أسلوب السرد بشكل عام، سواء

39  المرجع نفسه، ص 11 – 13. 40  المرجع نفسه، ص 75 – 76. 41  على سبيل المثال، يتناول أحد الفصول الفترة الزمنية "من البعث إلى إسلام عمر [بن الخطاب]"، وفصل آخر "من نقض الصحيفة إلى الإسراء"، وهكذا. وتتناول

فصول أخرى قضايا معينة في السيرة بشكل مطوّل، مثل "قصة الغرانيق" التي يناقشها هيكل في الفصل السادس بسبب قبول المستشرقين لها، وقضية زيجات النبي

– ولا سيما زواجه بزينب بنت جحش – وكلام المستشرقين فيها (الفصل السابع عشر). 42  هيكل، ص 166. 43  المرجع نفسه، ص 159. 44  مثل أسباب قتل الرسول ليهود بني قريظة، ينظر: المرجع نفسه، ص 226. 45  مثل مفهوم الجهاد، ينظر: المرجع نفسه، ص 249؛ أو وضع المرأة والرجل في الإسلام، ينظر: المرجع نفسه، ص 329  -  335. 46  المرجع نفسه، ص 481  -  507.

  1. المرجع نفسه، ص 11 – 13.
  2. المرجع نفسه، ص 75 – 76.
  3. على سبيل المثال، يتناول أحد الفصول الفترة الزمنية "من البعث إلى إسلام عمر [بن الخطاب]"، وفصل آخر "من نقض الصحيفة إلى الإسراء"، وهكذا. وتتناول فصول أخرى قضايا معينة في السيرة بشكل مطوّل، مثل "قصة الغرانيق" التي يناقشها هيكل في الفصل السادس بسبب قبول المستشرقين لها، وقضية زيجات النبي – ولا سيما زواجه بزينب بنت جحش – وكلام المستشرقين فيها (الفصل السابع عشر).
  4. هيكل، ص 166.
  5. المرجع نفسه، ص 159.
  6. مثل أسباب قتل الرسول ليهود بني قريظة، ينظر: المرجع نفسه، ص 226.
  7. مثل مفهوم الجهاد، ينظر: المرجع نفسه، ص 249؛ أو وضع المرأة والرجل في الإسلام، ينظر: المرجع نفسه، ص 329  -  335.
  8. المرجع نفسه، ص 481  -  507.

تناولت تلك المصادر السيرة النبوية تحديدًا، أو التاريخ الإسلامي بشكل عام. اختلف شكل السرد بالطبع وفقًا لتطور الكتابة التاريخية،

إلا أن افتراض ذكر أحداث السيرة بشكل متسلسل يظهر بوضوح في السير التقليدية المعروفة. وهكذا، تقترب هذه الكتب الجديدة – ولا سيما كتابَي جاد المولى والعقاد – في منهجها، مثلً، من الشفا بتعريف حقوق المصطفىللقاضي عياض بن موسى اليحصبي

.(ت 544 ه/  1149 م)، الذي بوّب كتابه أبوابًا تتناول مناقب الرسول في جوانب حياته المختلفة. ومع أننا قد لا نعتبر هذا النوع من

الكتب ضربًا من ضروب السيرة النبوية في المقام الأول، فإنّ الحديث عن مناقب الرسول يستتبع بالضرورة الحديث عن حياته. على

أي حال، يُفقد غيابُ السرد الكتبَ التي أهملته قدرًا كبيرًا من قيمتها التاريخية؛ إذ تنتزع الأحداث الجزئية من سياقها العام، وتصبح

مجرد وحدات تاريخية لا يربط بينها إلا تعلقها بشخصية تاريخية معينة هي شخصية الرسول. يتمثل وجه الجدة الثاني في الكتب موضوع هذه الدراسة في اتخاذ السيرة منطلقًا للحديث عن الإسلام بشكل عام، وهو الأمر الذي قد يمثل وجه الاختلاف الأهم من جهة المضمون. فالسير الأقدم عمومًا، لا تتحدث عن الإسلام إلا عرَضًا، وينصب تركيزها

على رواية أحداث السيرة ونقدها من جهة ثبوتها والربط بينها. أما الكتب موضوع هذه الدراسة، فتتحين بشكل عام الفرص إما للدفاع عن الإسلام، أو السعي لإثبات تفوقه على الأديان والمنظومات الفكرية والروحية الأخرى. ولا نغفل هنا استثناء كتاب طه حسين من هذا الأمر تحديدًا، وإن كان تحيزه الإيجابي إلى الإسلام يظهر بوضوح في كثير من أجزاء كتابه. أما المصنفات الأقدم التي تناولت

سيرة الرسول، فقد انصب اهتمامها بوضوح على سرد أحداث السيرة كما أوضحنا، لا محاولة إثبات تفوّق الإسلام على غيره أو عظمة

الرسول، ذلك أن هذه الأمور لم تكن موضوع جدلٍ أصلً بشكل عام، وإن لم يمنع ذلك ظهور مصنفات تتناول مناقب الرسول كما أوضحنا. أما وجه الجدة الثالث، فهو الباعث الأكبر على الدهشة. يتمثل هذا الوجه في غياب المصادر التاريخية عمومًا كما رأينا، وغياب

الإحالة إلى تلك المصادر إن وجدت في متن الكتب. والواقع أن هذا الوجه لا يختلف فحسب عن الكتابة التاريخية "الاحترافية" التي كانت معروفة لهؤلاء الكتاب في ذلك الوقت بكل تأكيد، بل يختلف كذلك عن المصنفات التاريخية في التاريخ الإسلامي التي أحال مؤلفوها على نحو اعتيادي إلى مصادر أخبارهم، والتي قد تكون أفرادًا تضمهم سلسلة إسناد للأخبار التي رووها، أو مصنفات أقدم يُشار

إلى مؤلفيها غالبًا وتُذكر عناوينها أحيانًا. في الواقع، ينبغي ألّ نستغرب وجوب هذه الأمور كثيرًا في تلك الكتب الجديدة، ذلك أنّ أيًّا من الكتّاب الأربعة ليس مؤرخًا

محترفًا كما أوضحنا في مقدمة هذه الدراسة. وقد يلقي لنا السياق الذي ظهرت فيه هذه الكتب الأربعة والأسباب التي دعت إليها بعض الضوء على أسباب اصطباغها بتلك السمات الشكلية والموضوعية فيها.

خامسًا: الكتب الأربعة في سياقها التاريخي

يمكننا بوجه عامّ تحديد عاملين رئيسَين لظهور تلك الكتب عن الرسول والسيرة النبوية في النصف الأول من القرن العشرين

في مصر، عامل ظاهر وآخر أقل ظهورًا خارج الكتب نفسها. أما العامل الظاهر، فهو الظروف التي عاشتها مصر في زمن ظهور تلك

الكتب والسعي إلى تحديد وجهة لثقافة المجتمع. وأما العامل الأقل ظهورًا، وإن كان الأكثر وضوحًا في الكتب نفسها، فهو كتابات

المستشرقين عن الإسلام بشكل عام والرسول محمد بشكل خاص. يتمثل العامل الأول في الصراع الذي عاشته مصر بدءًا من القرن التاسع عشر بين الأصالة والمعاصرة، أو لنقل الجدل حول

مكانة التراث في المجتمع الحديث المنشود. بدأ هذا السياق في مصر بعد الحملة الفرنسية عليها (1798 – 1801) التي مثلت زلزلً

ثقافيًّا للمصريين في ذلك الوقت. تبع ذلك تولي محمد علي حكم مصر ورغبته في تحويلها إلى قوة حديثة. كان الاهتمام بالتعليم

الحديث وإرسال الطلاب المصريين إلى أوروبا من أهم أدوات محمد علي لتحقيق هذا الحلم. وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى ظهور تيارات فكرية متعددة يميل بعضها إلى تغليب أفكار الحداثة، وأخرى إلى التمسك بالتراث، وثالثة إلى التوفيق بين هذا وذاك. وعكست الأحزاب المصرية التي ظهرت في بداية القرن العشرين تلك الاتجاهات المختلفة. وزادت من حدة هذا الجدل آمال الاستقلال (عن بريطانيا التي أنهت علاقة مصر الرسمية بالدولة العثمانية) بعد الحرب العالمية الأولى وثورة سنة 1919، والحصول على قدر من الاستقلال أدى إلى كتابة دستور جديد (دستور عام 1923) وقيام حياة برلمانية، ثم الحصول على قدر آخر من الاستقلال في عام 1936. وليس أدل على هذا السياق من عنوان أسنده طه حسين إلى كتاب آخر له، أي مستقبل الثقافة في مصر الصادر سنة 1938، وهو يعبر عن بحث المصريين عن وجهة، وعن تصارع التيارات الفكرية المختلفة. وهكذا، نفهم حديث هيكل في تقديمه لكتابه عن سعي الكتاب إلى هداية الإنسانية "إلى الحضارة الجديدة التي تلتمسها". بل يضيف أنه "كان خليقًا بكل من يتصدى للبحث في مثل هذا الموضوع أن يتوجه به إلى الإنسانية كلها لا إلى المسلمين وحدهم"، ذلك أن "الغاية الصحيحة منه [ليست] دينية محضة كما قد يظن بعضهم، بل الغاية الصحيحة منه أن تعرف الإنسانية كيف تسلك سبيلها إلى الكمال الذي دلها محمد على طريقه"47. وتتكرر هذه الفكرة بوضوح في كتابَي جاد المولى والعقاد كما ذكرنا سابقًا في سياق الحديث عن رغبتهما في إثبات تفوق

الإسلام وعالميته وصلاحيته للعصر الحديث48. وفي هذا السياق، يقول أحمد زكريا الشلق في معرض حديثه عن طه حسين: "ومنذ عام 1933 اشترك طه حسين في موجة معالجة الموضوعات الإسلامية، والتي كان فرسانها العقاد والدكتور هيكل وأحمد أمين وتوفيق الحكيم، والتي على أثرها نُشر في عام 1935 وحده نحو عشرين كتابًا عن الإسلام، عدا المجلات الإسلامية، وكان وراء هذه الظاهرة

تدهور المادية الغربية وعجزها، ولجوء كنيستها إلى موجة عارمة من التبشير، بالإضافة إلى الفزع من الشيوعية، مما دفع الجميع إلى الاعتصام بالعقائد واللياذ بالإسلام"49. ومع إشارة الشلق إلى طه حسين هنا، فإن وضع طه حسين اختلف عن الكتّاب الثلاثة الآخرين

مؤلفي الكتب موضوع هذه الدراسة، ذلك أن تذبذبه في سؤال علاقة النهضة بالتراث والحداثة الغربية ظل قائمًا فترةً طويلة بعد ذلك.

ربما يفسر هذا الأمر اختلاف كتاب طه حسين عن السيرة عن كتب الكتّاب الثلاثة الآخرين الذين سعوا بوضوح للتأكيد على صلاحية

الإسلام مرجعًا للنهضة. أما العامل الثاني لظهور تلك الكتب في ذلك الوقت تحديدًا، فكان الرد على المستشرقين والدفاع عن الرسول وعن الإسلام

ضد مجموعة من الأمور أثارها هؤلاء المستشرقون. يذكر العقاد صراحةً في مقدمة كتابه أن ما دفعه في البدء إلى التفكير في الكتابة عن الرسول هو تطاول أحد الحضور في مجلسه على النبي، ولا سيما في ما يتعلق بزيجاته وحروبه، وهو الأمر الذي يفسر إفراده العقاد مساحة كبيرة من كتابه لمناقشة القضيتين50. وتتكرر بعد ذلك إشارة العقاد إلى المستشرقين و"المتعصبين" والرد عليهم. أما أوضح الإشارات إلى هذا الأمر فتظهر في كتاب حياة محمد لهيكل الذي يمهد لكتابه بمقدمة طويلة يتحدث فيها – ضمن أمور أخرى – عن "كتّاب المسيحية ومحمد"، مستعرضًا فيه ما تذكره بعض الموسوعات (مثل موسوعة لاروسالفرنسية) والشخصيات

47  المرجع نفسه، ص 75. 48  لمزيد عن هذا السياق، ينظر على سبيل المثال: أحمد صلاح الملا، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة: رشيد رضا ومجلة المنار (1898 – 1935)

(القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2008)؛ لويس عوض، تاريخ الفكر المصري الحديث: من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة

للكتاب، [ج 1] 1980، [ج 2] 1983)؛ أحمد زكريا الشلق، "الشيخ مصطفى عبد الرازق (1988 – 1947) وآراؤه الإصلاحية والفلسفية"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم

الاجتماعية، العدد 17 (1994)، ص 233 – 273؛ أحمد زكريا الشلق، "الجامعة الإسلامية والقومية المصرية في فكر أحمد لطفي السيد"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم

الاجتماعية، العدد 10 (1987)، ص  267 – 297. 49  أحمد زكريا الشلق، "طه حسين وقضية التغريب"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 11 (1988)، ص 289. 50  العقاد، ص 4، 6.

  1. المرجع نفسه، ص 75.
  2. لمزيد عن هذا السياق، ينظر على سبيل المثال: أحمد صلاح الملا، جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة: رشيد رضا ومجلة المنار (1898 – 1935) (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2008)؛ لويس عوض، تاريخ الفكر المصري الحديث: من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، [ج 1] 1980، [ج 2] 1983)؛ أحمد زكريا الشلق، "الشيخ مصطفى عبد الرازق (1988 – 1947) وآراؤه الإصلاحية والفلسفية"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 17 (1994)، ص 233 – 273؛ أحمد زكريا الشلق، "الجامعة الإسلامية والقومية المصرية في فكر أحمد لطفي السيد"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 10 (1987)، ص  267 – 297.
  3. أحمد زكريا الشلق، "طه حسين وقضية التغريب"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 11 (1988)، ص 289.
  4. العقاد، ص 4، 6.

الغربية من إساءات إلى الرسول وتطاول عليه وعلى رسالته51. وربما نظرنا إلى هذا الأمر على أنه جزء من مواجهة الإمبريالية الغربية التي عُدَّت تهديدًا؛ لا للاستقلال السياسي فحسب، بل لأي مبادئ عدّها هؤلاء الكتّاب أصيلة في تراثهم وثقافتهم أيضًا52. ولا يظهر أثر الاستشراق في السعي إلى الرد عليه فحسب، بل يظهر أيضًا في محاولة توظيفه للبرهنة على عظمة الرسول وتفوق الإسلام، وهو الأمر الذي يربط هذه النقطة بالنقطة التي سبقتها. على سبيل المثال، يحيل جاد المولى إلى المستشرق البريطاني وليم موير Muir William، مقتبسًا فقرة يصرح فيها موير بأنه "لم يشهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس، وأحيا الأخلاق،

ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد"53. والواقع أن هذا الأمر يشير إلى تناقض موقف الكتاب العرب من الدراسات الغربية عن الإسلام. فمن جهة، يعتز هؤلاء الكتّاب بالتقييمات الإيجابية للإسلام ونبيه، ويشجبون – في الوقت ذاته – أي تقييمات سلبية، رادّين إياها إلى التحيز ضد الإسلام والكيد له، أو الجهل بتعاليمه ومبادئه، أو كليهما معًا. وقد انتبه العقاد إلى ذلك الأمر

في كتابه؛ إذ يذكر في حديثه عن الواقعة التي دفعته إلى التفكير في كتابة عبقرية محمد أن الحضور تساءل عن سبب القناعة ب "تمجيد كارليل للنبي، وهو كاتب غربي لا يفهمه كما نفهمه، ولا يعرف الإسلام كما نعرفه"54. أما هيكل، فيعترف بفضل بعض الباحثين في الإسلام من الغربيين ويدعو إلى الاستفادة من دراساتهم، غير أنه يبين أيضًا أن "أبناء الإسلام وأبناء الشرق" هم "أقرب بطبعهم إلى حسن إدراك الروح الإسلامي والروح الشرقي"، فوجب عليهم أن يكونوا هم رواد الدراسات الإسلامية والدراسات

الشرقية55. وبالمثل، يوضح الشلق أن طه حسين عندما سُئِل في أواخر أيامه عن اهتمامه بالإسلام في فترة الثلاثينيات، قال:

"هل كان واجبنا المقدس أن نترك هذه الموضوعات للمستشرقين؟ إن العلم ليس حكرًا عليهم ونحن أولى بتاريخنا منهم [...]

إن الإسلام ثقافة عالمية ومرحلة من مراحل الرقي الإنساني عظيمة"56. وقد ساعد على هذا الاشتباك المزدوج مع الاستشراق معرفة هؤلاء المثقفين بلغات أوروبية كالفرنسية والإنكليزية كما سبق أن أوضحنا، وليس توفر ترجمات لكثير من الكتب الغربية عن الإسلام والرسول في ذلك الوقت57.

51  هيكل، ص 31. 52  بشأن أهم الكتابات الغربية التي ظهرت عن الرسول في بدايات القرن العشرين، يُنظر على سبيل المثال:

Maxime Rodinson, "A Critical Survey of Modern Studies on Muhammad," in: Merlin L. Swartz (trans. & ed.), Studies on Islam (Oxford: Oxford University Press, 1981), pp. 24 – 27.

53  جاد المولى، ص 101. 54  العقاد، ص 4. 55  هيكل، ص 38. 56  زكريا الشلق، "طه حسين وقضية التغريب"، ص 289. وربما عبّر هذا الرأي عن موقف طه حسين في سنواته الأخيرة، لا في الوقت المحدد الذي كتب فيه عن

السيرة. وللمزيد عن تطور فكر طه حسين ومواقفه في تلك الفترة وما سبقها وما تلاها، ينظر: أحمد زكريا الشلق، "مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين: دراسة وتحليل"،

حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 13 (1990)، ص 151 – 172. 57  ظهرت الترجمات إلى العربية، من دون شك، في القرن التاسع عشر، إلا أن ترجمات الكتب التاريخية ركزت أساسًا على الكتب التي تناولت تاريخ العالم وأوروبا،

لا السيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي بشكل خاص. ينظر على سبيل المثال: أحمد زكريا الشلق، من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر

(القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2011)، ص 38، حيث يتحدث عن الكتب التي اختارها رفاعة الطهطاوي للترجمة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو

توجّهٌ استمر بعد ذلك فترةً طويلة. وقد اهتمت المطابع التي ظهرت وانتشرت في مصر بدءًا من القرن التاسع عشر بطباعة كتب التراث الإسلامي بشكل أساسي، لا بترجمة

الكتب الغربية؛ بشأن نبذة عن تلك المطابع، ينظر على سبيل المثال: وائل إبراهيم الدسوقي، التاريخ الثقافي لمصر الحديثة: المؤسسات العلمية والثقافية في القرن

التاسع عشر (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2012) ص 305 – 365. وكما ذكرنا في الحديث عن مصادر هيكل، اعتمد المؤلف على مجموعة من المصادر الأجنبية

باللغتين الإنكليزية والفرنسية ولم يذكر ترجمة واحدة لأي منها لعدم توفرها على الأرجح. ولا يعد هذا الأمر – أي غياب الترجمات – باعثًا على الدهشة، ذلك أنه لم يكن

هناك ما يدفع المسلمون في ذلك الوقت إلى الاهتمام بترجمة كتب غير المسلمين عن الإسلام، وهو أمر دفع إليه بعد ذلك في القرن العشرين الرغبة في الرد على هؤلاء

المستشرقين. ومهما كان الأمر، أدى غياب ترجمات كتب المستشرقين عن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي إلى ضرر كبير في أسلوب التعامل معها، ذلك أنه نُسب إلى

كثير من المستشرقين عدة أمور غير صحيحة أو دقيقة لاقت استحسانًا وقبولً غذّيا الشك المبدئي في نياتهم وأغراضهم.

  1. هيكل، ص 31.
  2. بشأن أهم الكتابات الغربية التي ظهرت عن الرسول في بدايات القرن العشرين، يُنظر على سبيل المثال: Maxime Rodinson, "A Critical Survey of Modern Studies on Muhammad," in: Merlin L. Swartz (trans. & ed.), Studies on Islam (Oxford: Oxford University Press, 1981), pp. 24 – 27.
  3. جاد المولى، ص 101.
  4. العقاد، ص 4.
  5. هيكل، ص 38.
  6. زكريا الشلق، "طه حسين وقضية التغريب"، ص 289. وربما عبّر هذا الرأي عن موقف طه حسين في سنواته الأخيرة، لا في الوقت المحدد الذي كتب فيه عن السيرة. وللمزيد عن تطور فكر طه حسين ومواقفه في تلك الفترة وما سبقها وما تلاها، ينظر: أحمد زكريا الشلق، "مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين: دراسة وتحليل"، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 13 (1990)، ص 151 – 172.
  7. ظهرت الترجمات إلى العربية، من دون شك، في القرن التاسع عشر، إلا أن ترجمات الكتب التاريخية ركزت أساسًا على الكتب التي تناولت تاريخ العالم وأوروبا، لا السيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي بشكل خاص. ينظر على سبيل المثال: أحمد زكريا الشلق، من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2011)، ص 38، حيث يتحدث عن الكتب التي اختارها رفاعة الطهطاوي للترجمة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو توجّهٌ استمر بعد ذلك فترةً طويلة. وقد اهتمت المطابع التي ظهرت وانتشرت في مصر بدءًا من القرن التاسع عشر بطباعة كتب التراث الإسلامي بشكل أساسي، لا بترجمة الكتب الغربية؛ بشأن نبذة عن تلك المطابع، ينظر على سبيل المثال: وائل إبراهيم الدسوقي، التاريخ الثقافي لمصر الحديثة: المؤسسات العلمية والثقافية في القرن التاسع عشر (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2012) ص 305 – 365. وكما ذكرنا في الحديث عن مصادر هيكل، اعتمد المؤلف على مجموعة من المصادر الأجنبية باللغتين الإنكليزية والفرنسية ولم يذكر ترجمة واحدة لأي منها لعدم توفرها على الأرجح. ولا يعد هذا الأمر – أي غياب الترجمات – باعثًا على الدهشة، ذلك أنه لم يكن هناك ما يدفع المسلمون في ذلك الوقت إلى الاهتمام بترجمة كتب غير المسلمين عن الإسلام، وهو أمر دفع إليه بعد ذلك في القرن العشرين الرغبة في الرد على هؤلاء المستشرقين. ومهما كان الأمر، أدى غياب ترجمات كتب المستشرقين عن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي إلى ضرر كبير في أسلوب التعامل معها، ذلك أنه نُسب إلى كثير من المستشرقين عدة أمور غير صحيحة أو دقيقة لاقت استحسانًا وقبولً غذّيا الشك المبدئي في نياتهم وأغراضهم.

خاتمة

عكست الكتب الأربعة موضوع هذه الدراسة بوضوح السياق التاريخي الذي ظهرت فيه، وعكست كذلك خلفيات مؤلفيها الأربعة الذين ارتبطوا بالشأن العام تأليفًا وممارسة. وقد أدّت خلفية كل واحد من هؤلاء المؤلفين التعليمية واطلاعهم على الحضارة الغربية

دورًا في التركيز على أمور معينة صبغت مؤلفاتهم عن السيرة بسمات شكلية وموضوعية تناسب الهدف الذي سعوا إليه، أي البرهنة على

مثالية الرسول وعالمية دعوته وصلاحيتها لزمانهم كما صلحت لزمن الرسول نفسه. وربما أفادت حقيقة أن هؤلاء المؤلفين لم يكونوا من رجال الدين المعممين التقليديين هذا الهدف تحديدًا، ذلك أنهم خرجوا عمومًا عن الشكل التقليدي للسيرة التي تعتمد على السرد

التاريخي الخالي من التحليل أساسًا، ولا تتعمق في دلالات الأحداث أو شرح قيمة الأفكار. ومع سماتها المشتركة واختلافاتها، يمكننا القول إنّ كتاب هيكل كان أعظمها من ناحية القيمة التاريخية، وكتاب طه حسين أعظمها من الناحية الأدبية. وربما كان كتاب العقاد أعظمها أثرًا من ناحية التأثير، ذلك أن كتابه أيسر في القراءة من كتاب طه حسين

مع اهتمام العقاد نفسه بجمال لغته، كما أنه يخلو من التفاصيل التاريخية التي اهتم بها هيكل، والتي قد يضيق بها بعض القراء أو ربما أكثرهم. ولم تتفاوت قيمة هذه المؤلفات التاريخية بسبب هدفها المذكور فحسب، بل أيضًا بسبب حقيقة أنّ مؤلفيها لم يكونوا مؤرخين محترفين ممن درسوا التاريخ دراسة علمية وامتهنوا تدريسه والكتابة فيه بشكل حصري أو أساسي58. وربما أضرت هذه النقطة بالكتابة التاريخية، وأعطت القرّاءَ فكرة مغلوطة مفادها أنه من الجائز كتابة التاريخ من دون شرح المنهج أو إثبات المصادر،

وهو أمر تختلف فيه هذه الكتب حتى عما سبقها من مصنفات تاريخية تناولت سيرة الرسول أو تاريخ الإسلام، بشكل عام، واهتمت بتوثيق معلوماتها من خلال سلاسل إسناد الأخبار التاريخية. ومهما يكن من أمر، تظل لهذه المؤلفات قيمة في فهم المناخ الفكري في مصر في وقت كتابتها، فضلً عن قيمتها في السياق الأكبر الخاص بالنقد الثقافي بشكل عام وجدل الأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة بشكل خاص.

58  ثمة جذور لهذا الأمر، أي كتابة غير المحترفين عن التاريخ في مصر. ينظر، على سبيل المثال: الشلق، من الحوليات إلى التاريخ العلمي، إذ يتناول أعلامًا كتبوا

عن التاريخ في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأغلبهم لم يكونوا مؤرخين محترفين. ولم يتوقف أمر ظهور هؤلاء المؤرخين بعد ذلك، ينظر، على سبيل المثال:

عبد المنعم إبراهيم الدسوقي الجميعي، دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي في العصر الحديث (القاهرة: مكتبة الصفا والمروة،]د. ت.])، ص 89 – 99، إذ يتناول

المؤلف بعض المؤرخين "الهواة" في النصف الثاني من القرن العشرين. وربما كان هناك استثناء وحيد في ما يخص الكتّاب الأربعة في هذه الدراسة، ألا وهو طه حسين.

صحيح أن طه حسين قد تلقى تدريبًا على دراسة التاريخ، وهو الأمر الذي قد يفسر وعيه التاريخي المشار إليه، غير أنه لم يمتهن تدريس التاريخ إلا فترة قصيرة من حياته

العملية. ثمّ إن طغيان شهرته بوصفه أديبًا لا مؤرخًا – وهو الأمر الذي كان هو شخصيًّا على دراية به – يدل دلالة واضحة على منحى كتاباته العام.

  1. ثمة جذور لهذا الأمر، أي كتابة غير المحترفين عن التاريخ في مصر. ينظر، على سبيل المثال: الشلق، من الحوليات إلى التاريخ العلمي، إذ يتناول أعلامًا كتبوا عن التاريخ في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأغلبهم لم يكونوا مؤرخين محترفين. ولم يتوقف أمر ظهور هؤلاء المؤرخين بعد ذلك، ينظر، على سبيل المثال: عبد المنعم إبراهيم الدسوقي الجميعي، دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي في العصر الحديث (القاهرة: مكتبة الصفا والمروة،]د. ت.])، ص 89 – 99، إذ يتناول المؤلف بعض المؤرخين "الهواة" في النصف الثاني من القرن العشرين. وربما كان هناك استثناء وحيد في ما يخص الكتّاب الأربعة في هذه الدراسة، ألا وهو طه حسين. صحيح أن طه حسين قد تلقى تدريبًا على دراسة التاريخ، وهو الأمر الذي قد يفسر وعيه التاريخي المشار إليه، غير أنه لم يمتهن تدريس التاريخ إلا فترة قصيرة من حياته العملية. ثمّ إن طغيان شهرته بوصفه أديبًا لا مؤرخًا – وهو الأمر الذي كان هو شخصيًّا على دراية به – يدل دلالة واضحة على منحى كتاباته العام.

المراجع

العربية

جاد المولى، محمد أحمد. محمدصلى الله عليه وسلم: المثل الكامل. القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1931. الجميعي، عبد المنعم إبراهيم الدسوقي. دراسات في تاريخ مصر الاجتماعي في العصر الحديث. القاهرة: مكتبة الصفا والمروة، [د. ت.]. حسين، طه. على هامش السيرة. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012. الدسوقي، وائل إبراهيم. التاريخ الثقافي لمصر الحديثة: المؤسسات العلمية والثقافية في القرن التاسع عشر. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2012. الرياشي، لبيب. نفسية الرسول العربي محمد بن عبد الله: السوبرمَنْ الأول العالمي. بيروت: دار ريحاني للطباعة والنشر، [د. ت.]. الشلق، أحمد زكريا. "الجامعة الإسلامية والقومية المصرية في فكر أحمد لطفي السيد". حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد 10 (1987).. "طه حسين وقضية التغريب". حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 11 (1988).. "مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين: دراسة وتحليل". حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 13 (1990).. "الشيخ مصطفى عبد الرازق (1947 - 1988) وآراؤه الإصلاحية والفلسفية". حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 17 (1994).. من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر. القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2011. العقاد، محمود عباس. عبقرية محمد. القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر،]د. ت.]. عوض، لويس. تاريخ الفكر المصري الحديث: من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، [ج 1] 1980، [ج 2] 1983. الملا، أحمد صلاح. جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة: رشيد رضا ومجلة المنار (1898 - 1935). القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2008. هيكل، محمد حسين. حياة محمد. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014.

الأجنبية

Browers, Michaelle & Charles Kurzman (eds.). An Islamic Reformation? Maryland: Lexington Books, 2004. Sabanegh, E.S. Muhammad, le Prophète: Portraits Contemporains, Égypte 1930  -  1950. Paris: Librairie J. Vrin, 1981. Smit. Charles D. "The 'Crisis of Orientation': The Shift of Egyptian Intellectuals to Islamic Subjects in the 1930 s." International Journal of Middle East Studies. vol. 4 , no. 4 (1973). Swartz, Merlin L. (trans. & ed.), Studies on Islam. Oxford: Oxford University Press, 1981.