العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مراجعة كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة الشفوية وإشكالية التدوين التاريخي بالمغرب

مراجعة كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة الشفوية وإشكالية التدوين التاريخي بالمغرب

Review of From the Year of the Elephant to the Year of Lamerican: Oral Memory and the Historical Record

عبد الله هرهار

الملخّص

يقتضي النموذج الذي يقدمه عبد الأحد السبتي تجاوز مفهوم وحدة الزمن وتشييد تراتب مفهومي للأشياء التي تعبّر عنه؛ إذ يمكن لهذه الظواهر المتكررة والمتشابكة أن تُعرض على نحو واضح ودقيق. ومن خلال بحثه عن التماثلات، ينتقي مادته.

Abstract

أستاذ بشعبة الأنثربولوجيا، كلية العلوم الإنسانية والاجتمعية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب. Professor in the Department of Anthropology, Faculty of Humanities and Social Sciences, Ibn Tufail University, Kenitra, Morocco. Email: abdelahadsebti@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • الذاكرة الشفوية
  • التدوين التاريخي
  • المغرب
Keywords:
  • Oral Memory
  • Historical Documentation
  • Morocco
DOI: https://doi.org/10.31430/XNLP9675: الرقم التعريفي
عبد الله هرهار | Herhar *Abdellah
مراجعة كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة
الشفوية وإشكالية التدوين التاريخي بالمغرب
Review of From the Year of the Elephant to the Year
of Lamerican: Oral Memory and the Historical Record

"إن الإنسانية في أثناء تقدمها لا تشبه أبدًا الفرد الذي يصعد سُلّمًا، حيث يضيف في كل حركة من حركاته خطوة جديدة لتلك التي حققها، بل تشبه لاعب النرد الذي يتوزّع حظه على مجموعة من المكعبات التي يراها - كلما قام برميها – مبعثرة على السجاد، ومؤدّية إلى حسابات مختلفة، فما يمكن أن نجنيه من ربح في مكعب، يمكن أن نخسره في مكعب آخر؛ فتراكم التاريخ لا يجري سوى من فترة إلى أخرى؛ أي إن الحسابات يُضاف بعضها إلى بعض لكي تشكل تركيبة ملائمة"1.

أوالً: مع الكتاب

يضم هذا الكتاب أربعة فصول، فضلً عن تقديم وتنبيهات تبيّن ظروف التأليف والإنتاج. نقرأ في الفصل الأول زمن الثقافة السياسية، وفي الفصل الثاني نلتقي ذاكرة الكوارث الطبيعية، وفي الفصل الثالث نواجه ذاكرة المعارك العسكرية، وفي الفصل الرابع نجد ذاكرة حقبة الحماية. وفي بداية كل فصل من الكتاب نتسلّم مفاتيح للقراءة، يليه عمل تحليلي وتركيبي، وينتهي بلائحة نصوص مختارة تحمل عناوين دالة. منذ سنوات وأنا أتابع ما يصدره عبد الأحد السبتي، وفي المعرض الدولي للكتاب الذي نُظّم أخيرًا في الرباط، لفت انتباهي كتاب من عام الفيل إلى عام الماريكان، فاقتنيته، وشرعت في قراءته، وتابعت مختلف قراءات الأقران التي تفاعلت معه. وتبيّن لي أن قراءته ممكنة من زوايا متعددة، وبخلفيات معرفية وتكوينية مختلفة؛ فهو يغطي مرحلة زمنية طويلة، تمتد من الماضي البعيد حتى الزمن الراهن، ولم يحصر الكاتب نفسه ضمن الدائرة الضيقة التي كان المؤرخ التقليدي يتحرك فيها، فالبوصلة المعرفية والمنهجية التي يستنير بها الكاتب متعددة ومتنوعة؛ بوصلة تشمل فهمًا خاصًا للتاريخ لا ينضبط بالضرورة بمنطق التحقيب المعهود، وتستفيد من أدبيات باقي العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى ومناهجه التي تتماس والتاريخ، وتوظفها وتستثمرها. نحن أمام كاتب وباحث يتقن حرفته، ويشق مسالك قد تبدو غير سالكة، بل يفتح مسالك جديدة، وفي هذا الفتح يغتني من التراث الأدبي والشعبي كما يتجسد في الأغنية والرواية والمُثل المتراكمة. وفي هذا المسير يعرض الكاتب مختلف مراحل التعامل مع الوثيقة الشفوية، وهي مراحل يجدها متفاوتة، تعاني أحيانًا ازدراء نخبة تحتقر الوثيقة وتقصيها، وتتسم أحيانًا أخرى، وفق وصف الكاتب، ب "الشعبوية"، وفيها يجري إعلاء قيمة هذه الوثيقة التي تتكلم بلسان الفئات المغمورة، وفي حالة ثالثة يبيّن كيفية التعامل مع الثقافة الشفوية في علاقتها مع المجتمع والسلطة والمكتوب (ص 20 - 21). وفي هذا كله، لا يتغاضى عن النقاشات التي تناولت علاقة الشفوي بالمكتوب (ص. 21). وينتهي إلى بعض الاستنتاجات من قبيل: إن الثقافة المغربية التقليدية ليست ثقافة شفوية بالكامل، بل هي مزيج من الشفوي والمكتوب، مع العلم أن الثقافة الشفوية تتجسد من خلال المعيش، بينما تتسم الثقافة المكتوبة بطابع معياري أساسه التمييز الضمني بين ما يُقال وما يُمارس وما يُكتب. وإذا كانت الممارسة الشفوية تهيمن على مستوى المجال الاجتماعي كما يؤكد الكاتب، فهي بذلك تعكس مجمل التفاعلات المتعددة بين الشفوي والمكتوب (ص 20 - 21). واجهتني في قراءة هذا الكتاب مجموعة من الأسئلة، من قبيل: ما الذي يشغل بال الكاتب وهو يشيّد هذا الأثر؟ ونستعمل هنا كلمة تشييد، وكلمة يشغل، وقد نعوض الثانية بالتوتر والقلق، لأنني لاحظتهما في مجمل صفحات الكتاب، فمعظم الكتابات الجيدة ما هي إلا نتاج مخاض يعيشه الكاتب، ويلمسه القارئ بين ثنايا الكتاب. وقد لمسنا بالفعل هذا الأمر في أكثر من لحظة؛ فالكتاب ليس عرضًا وليس تجميعًا لنصوص وأحداث ووقائع تهمّ المجتمع والقبيلة والسلطة والتاريخ، كما يمكن البعض أن يعتقد، بقدر ما هو سعي للإجابة عن إشكال مرتبط بموضوعة دقيقة جدًا، هي موضوعة الزمن. أما عملية التشييد التي أشرت إليها، فالمقصود منها أن

  1. C.L. Strauss, Anthropologie structurale deux (Paris: Plon, 1973), pp. 391 , 398.

الموضوعة التي يشتغل عليها الكاتب، والتي تشغله، ليست أمرًا معطى وجاهزًا كما أسلفت، بل مشيّدة ومبنيّة، وهنا يحضرني النموذج المثالي عند ماكس فيبر2. فكيف نتمثل الزمن؟ وهل تشكّل لنا عبر مسيرتنا التاريخية تصوّر معيّن للزمن يوجهنا ونخضع لقوانينه؟ إن كان الأمر كذلك، فما هو هذا التصوّر؟ هل لا نزال نخضع لتمثلات ونجترّ عبر سيرورتنا التاريخية تمثلات وصور تستمد قوتها وسلطتها أحيانًا من وقائع وأحداث طبيعية وسياسية معيشة، وسنجدها أحيانًا أخرى في تخييلات ثقافية ودينية؟ وما دام الأمر يتعلق بحرفة المؤرخ، فكيف تعامل المؤرخ خلال هذه السيرورة الممتدة مع موضوعة الزمن؟ وهل استطاع أن يتحرر فعلً من هذه الحمولة؟ وهل لديه القدرة على التحرر وابتكار نماذج تحليلية ومفاهيم مجردة تجعله على مسافة مما يدرسه؟ لعل مجموع هذه الأسئلة التي فككتها هي ما يجمعه الكاتب في العبارة الآتية: "الأمر يتعلق في تجربتنا الجديدة بدراسة تعامل المجتمع والثقافة مع أسئلة الزمن" (ص. 28). يبدو أن الزمن هو بوصلة هذا الكتاب، وحين ينقّب الكاتب عن الزمن، لا ينقّب عنه في حقبة خاصة ومحدودة، بل ينقّب عنه في ديمومته؛ فيبدأ من التاريخ القديم، ويطل على الزمن الراهن، ينقّب في متون متعددة، رسمية وغير رسمية، كتابية وشفوية، فردية وجماعية. وعندما يفعل هذا كله، فهو يسعى لمحاصرة الزمن وعزله بالوصف والتدقيق والتفكيك، ويعيد تجميع ذلك وربطه بالإشكال العام الذي يوجهه، فهو بكلمة واحدة يحاصر الزمن، ويبدأ في مساءلته واستنطاقه في مختلف تجلياته، وخلال عمليات الاستنطاق هاته، يقرأ النصوص والمتون، ويستمع إلى النصوص والمتون المختلفة، ويحسن الإنصات إليها، ويستشهد بها. وفي استنطاقه يستحضر شهودًا ويستمع إليهم، ويسجل شذرات من شهاداتهم، وهنا يصير الزمن محلال Analyseur3، يقرأ من خلاله الظواهر والأحداث في شموليتها الفردية والجماعية، ويصير البحث في الزمن مدخلً لإعادة قراءة التاريخ، وبذلك يصير الكتاب تعبيرًا عن "مجمل تاريخ المغرب". أقول هذا لأن الكاتب رغم تتبعه خيوط الزمن، وسعيه لتحريرها مما علقت به من ظواهر وأحداث، فهو لا يقف عند ذلك، بل يحيط بالظاهرة والحدث في شموليتهما واصفًا ومقارنًا ومستنتجًا. وبذلك نكون أمام معظم نتائج الأبحاث الكثيرة التي راكمها الأستاذ عبد الأحد السبتي.

ثانيًا: من توظيف النصوص إلى البحث عن حوامل جديدة

تعددت مصادر تحصيل المادة المعرفية وطرائقها التي استند إليها الكاتب في عمله (أصدقاء، باحثون، مناطق متعددة، أراشيف بعض المؤسسات). كما اشتغل على فترة طويلة ترصد الأعوام في المصادر التاريخية (بداية العصر الإسلامي وبداية القرن العشرين) (ص 18 - 25). لم يكن هذا الاختيار سهلً، وهو الذي يقرّ بمحدودية المتن الذي تكوّن لديه انطلاقًا من تراث الكتابة التاريخية. عندما يعود إلى النصوص، يعود إلى الروايات، وعندما يعود إليها، يبحث في خلفياتها، فيجد أن الروايات تختلف كثيرًا، وتتعارض في بعض الحالات بسبب انتماء المؤرخين إلى خلفيات مختلفة (ص. 232). ماذا يعني الاشتغال بالنصوص؟ حضور النصوص في عمل باحث معناه أن الكاتب يستند فيما يكتبه إلى مراجع وأطرٍُ معرفية تمنحه هوية الانتماء إلى مجاله أولً، وتدخله في حوار مع معاصريه أو سابقيه، وثانيًا عندما يشهر الكاتب النصوص التي تؤطر عمله وتغنيه، يكون واضحًا مع القارئ المفترض. إن طريقة السبتي في الكتابة، التي سماها البعض "كتابة بوساطة النصوص"، و"إعطاء الكلمة للنصوص"، تحضر هنا بوصفها شاهدًا أو شهودًا من دون منحها الثقة الكاملة، ولاحظ آخرون أنه أسلوب يتغذى

  1. Max Weber, Essais sur la théorie de la science , introduits par Julien Freund (Paris: Plon, 1965 (.
  2. René Lourau, L'analyse institutionnelle (Paris: Éditions de minuit, 1970), p. 281.

من اللغة السينمائية... إلخ (ص. 27)، يقول: "وجدنا أنفسنا في البداية أمام خليط غير معهود من المصادر، من كتب الأخبار وتاريخ البلدان والتراجم والأيام والتفسير والسيرة النبوية والأدب والأنواء والجغرافيا والعجائب. والواقع أننا اضطررنا، في بعض الأحيان، لقراءة النصوص بشكل مفصّل ومعمق، وفي أحيان أخرى، وجدنا ضالتنا في التقاط شذرات تفي بالمقصود" (ص. 33). إن إظهار هذه النصوص هو بمنزلة تعاقد بيداغوجي وأخلاقي بين الكاتب والقارئ المفترض، وكأن لسان حاله يقول: هذه هي مرجعياتي وهذه هي إحالاتي، وهذا هو فهمي، ولك أيها القارئ الحق في العودة إلى قراءتها. ما يميّز طريقته في الاشتغال على النص هو جمعه بين التوثيق والاستشكال، واقتراح تأويلات معينة من دون ادّعاء استنفاد مضمون النصوص أو الشذرات المنتقاة (ص 27، 46). ويُظهر الاعتماد على النصوص الاختلاف في مستويات السرد وتصوّر المؤرخين للحدث، فضلً عن اشتغاله على النصوص التي يفكر ويحاور من خلالها، فهو يستثمر حوامل جديدة لا تنتمي بالضرورة إلى الكتابة التاريخية ويوظفها، ويجدها مساهمة في نقل الذاكرة من الشفوي إلى المكتوب.

ثالثًا: السبتي يعيد قراءة التاريخ من خلال مفهوم الزمن

يقتضي النموذج الذي يقدمه عبد الأحد السبتي تجاوز مفهوم وحدة الزمن وتشييد تراتب مفهومي للأشياء التي تعبّر عنه؛ إذ يمكن لهذه الظواهر المتكررة والمتشابكة أن تُعرض على نحو واضح ودقيق. ومن خلال بحثه عن التماثلات، ينتقي مادته. وبذلك فهو يعتمد بالضرورة على مفهوم الإهمال أو الترك لعدد كبير من المعطيات الإمبريقية؛ فيهمل جميع تلك العناصر التي لا ترتبط بالمشكل أو المشاكل التي لا يهتم بها الدارس، وهو إهمال مشروع عمليًا. وتأتي مشروعية ذلك من المصادرة الأولى لتعريف العلم، التي تؤكد أن العلم لا يقدم المعرفة ككل أو بالكليات، بل يقدم فقط الجوانب التي تهتم بالتماثلات والانتظامات، وهي الأقرب إلى لغة الاحتمالات. نحن هنا أمام مسألة منهج. والمنهج هو مجموع قواعد وإجراءات وتدابير منطقية ومعيارية. وبذلك تكون النماذج المشيّدة مظهرًا من مظاهر المنهجية العلمية، وتتميز بمنطق خاص وقواعد معيارية خاصة بها، ابتداء من اللحظة التي يمكن أن نقدّم فيها تعريفات أو تحديدات للموضوعات التي ندرسها حتى نبلغ آخر مظاهر التنظير والتفسير والضبط. وانطلاقًا من هذا، يمكن تعريف النموذج المشيّد كما يلي: انتقاء وتجريد وتركيب، وفي بعض الحالات تضخيم مقصود ومنظم لمجموعة من المقاييس التي تتميز بكونها ذات أصل إمبريقي. وتقوم هذه المقاييس بوظيفة المقارنة بين بعض الحالات الإمبريقية. انطلاقًا من هذا التعريف المبدئي يمكن القول إن جميع النماذج مشيّدة، وإن العالم يشيّد الوحدات التي ينطلق منها في دراساته. بناء عليه، فإن الأبحاث التي راكمها الكاتب ساعدته في تشييد نماذج تحليلية، فهو يربط بين "مسألة الحدث ومسألة العلاقة بين الذاكرة الشفوية وذاكرة الثقافة المكتوبة" (ص. 19). ولبلوغ هذا النموذج، نجده يبحث في "بعض جوانب موقع الحدث ودلالاته ومختلف تجلياته بين الذاكرة الشفوية والكتابة التاريخية" (ص 20 - 21)، فنجده يبدأ بالبحث من خلال التوثيق بواسطة الحدث لتسمية العام، وهي فكرة اعترضتها صعوبات، لكون العام الواحد يحمل أكثر من اسم (يحيل إلى حدث أو أكثر)، كما أن الاسم نفسه يطلَق على أكثر من حدث، بل إن التسمية تهمّ منطقة أو أكثر. ووجد أن كلمة عام لا تعني السنة الواحدة، بل حقبة يصعب أحيانًا تحديدها بدقة (ص. 23). وفي هذا النبش، يسائل الكاتب المعرفة التاريخية، فيقف مثلً عند مثال الحدث، فيجد أن "العامة" تؤرخ بالحدث، حتى إن كانت المصادر تشير أحيانًا إلى أن السلطان هو الذي يطلق التسمية على العام نسبة إلى حدث بارز (ص. 24).

وبالعودة إلى النصوص، وجد أن تسمية الأعوام ظاهرة غير منتظمة، أي إن هناك سنوات وقعت فيها أحداث بارزة وسنوات لم تعرف أحداثًا بهذا المستوى تركت بصمات في الذاكرة الجماعية، أو تترك البصمة من دون أن نجد صداها في ذاكرة التدوين التاريخي. وبفضل بعض الدراسات الإثنوغرافية، تبيّن للكاتب أن بعض المجتمعات تعوّدت على إطلاق اسم أو أكثر على الأعوام كلها، وهو ما يُنتج كرونولوجيا حقيقية، تقوم على الذاكرة الشفوية، وتستمر أحيانًا حتى القرن العشرين (ص. 24). إن هذه النماذج في التحليل، قد تبدو مغرية ويكثر استعمالها، إلا أن المؤرخ اليقظ ينبهنا إلى ضرورة "الحذر في التعامل مع نماذج معينة"، يقول: "وحين نتأمل في هذه النماذج، فإننا نجد صعوبة في فهم مضمونها" (ص. 24). إن الاشتغال على موضوعة الزمن، تعود بالمؤرخ إلى مساءلة مجاله المعرفي الخاص الذي يتصل بالتوثيق والكرونولوجيا والتحقيب، واعتماد تعدد الأزمنة عند الحاجة، تلك هي عناصر زمن المؤرخين. ويضيف إلى زمن المؤرخين بُعدًا آخر هو زمن المجتمعات، وهو إما زمن معيش كزمن الإنتاج والتبادل والشعائر الدينية والسلطة والعنف والاحتفال والسفر، وفي حالة تاريخ المغرب، تبرز بعض الظواهر الخاصة مثل القافلة والموسم وركب الحاجّ والحركة، وإما زمن تاريخي يتصل بأشكال تمثّل المجتمع للزمن والتحوّل (ص. 28). ولتوسيع هذا النقاش، يطرح السبتي مسألة نظام الزمن، وقد ميّز فيه مع كريستوف بومان Pomain Krzysztof بين آليات أربع، هي: الكرونوميتريا والكرونولوجيا والكرونوغرافيا والكرونوزوفيا. في الحالة الأولى، يتم قياس الزمن بواسطة وحدات، مثل التقويم القمري أو الشمسي. وهو ما ينتج زمنًا دائريًا، وهنا نكون أمام زمن يتكون من أجزاء متناظرة، تعود باستمرار إلى أسماء الأيام والشهور نفسها، وكل وحدة هي دائرة، ثم اعتمادها في صنع الآلات لتقسيم اليوم والساعة إلى أجزاء (ص. 27). أما الآلية الثانية، فتقوم على تنظيم الزمن بشكل خطي، بوساطة علامات محددة، ينتج منها الاختلاف الكيفي بين ما قبل لحظة الانطلاق وما بعدها، وفي هذا النظام ترقّم السنوات بعدد يرتفع كلما ابتعدنا عن سنة الانطلاق، وهذا ما يسري في حالتَي العام الميلادي أو الهجري (ص. 29). ثم هناك نوع ثالث وهو الذي يصف مضمون الزمن إما بوساطة الإخباريات التي تنقل أخبار الحاضر، وتكتفي بتسجيل وقائع لافتة تخالف المألوف وتثير الدهشة والاستغراب، وإما بوساطة المحكي الذي يدل على الانتقال إلى "زمن مستمر" من خلال سيرة شخصية أو تاريخ عائلة أو مؤسسة أو مجموعة تنتسب إلى منطقة معينة، أو تجمع بين الهوية الإثنية والعقيدة الدينية (ص. 29). أما النظام الرابع، فيشتغل بشكل ضمني أو صريح على منح دلالة معينة للأخبار، ويتحكم في العلاقات بين الحاضر والماضي والمستقبل، وعلى الأخص بين الماضي البعيد والمستقبل البعيد؛ إنه نظام يقوم على مبدأ الإحاطة الشاملة بالمسارات الجماعية، ويعتمد على معارف مثل الكهانة والتنجيم، أو تبنّي الخطاطات التي وردت في الكتب المقدسة (ص. 29). إن مثل هذه الاختيارات النظرية والتحليلية ساهمت في هندسة كتاب يركز على أحداث مفصلية مثل (تاريخ العرب قبل الإسلام)، ومرحلة الإسلام المبكر، وإحداث "العام الهجري"، إلى غير ذلك (ص. 29). وهو أيضًا كتاب لا يستثني الأعوام التي تؤرخ للكوارث الطبيعية (المجاعات والأوبئة)، وأعوام المعارك العسكرية (ص. 30). فضلً عن ذلك، يعرض لما يُعرف بسنوات الشدائد (كالحرب العالمية الثانية)، بل يقف على دلالات أسماء تعوّدنا استخدامها من دون التفكير فيها، مثل كلمة "يوم" التي تحيل في الأصل إلى الموقعة والشدة. وكان يُقال في الأصل "أيام ووقائع العرب"، وتقوم الأيام بوظيفة تمجيد القبيلة، وترتبط بمفهوم "المناقب" الذي يقابله مفهوم "المثالب"، مثلما تقابل عملية المفاخرة عملية المناصرة (ص. 38). وفي بحثه هذا، يظهر أن هناك عملية تكامل بين أدب الأيام وأدب الأنساب الذي يصوّر استمرارية الكيانات القبلية الفاعلة داخل مشاهد الأيام والأنساب من خلال الذاكرة الشفوية، وانتقل إلى عملية التدوين ابتداء من القرن الثاني للهجرة، وحصل تداخل بين الأنساب والأيام والأخبار (ص. 38).

لا يقف الكاتب عند هذا الحد، بل يبحث في رمزية الأحداث والوقائع، مثل الاحتفال بالمولد النبوي، ويُظهر اللغز في قلة الاهتمام بتاريخ الولادة في الثقافة العربية القديمة (عدم اتفاق المصادر على تحديد تاريخ المولد على أساس أن هذا العيد مجرد تقليد المسيح) (ص. 46). بل يتابع النبش في هذه الخطاطة الزمنية في استمراريتها، ويكشف أن اعتماد الهجرة للتأريخ، كان بمبادرة من الخليفة عمر بن الخطاب، ولم يكن هذا التزامن نتيجة للصدفة، بل جاء ضمن سلسلة من الوقائع والإجراءات التي ساهمت في مأسسة الدولة الإسلامية الناشئة (ص. 53)، فتم اختيار الهجرة لأن تاريخها مؤكد (ص. 56). ثم ينتقل إلى التحقيب الثاني الذي يقوم على تسلسل الأعمار البشرية (ص 57 - 58). نحن أمام خطاطة زمنية بخلفياتها الاجتماعية والسياسية والرمزية؛ إذ يظهر من خلال التحقيب أن الدولة الإسلامية وفّرت في وقت قياسي "بنية زمنية جاهزة"، فبإحداث العام الهجري، دشنت الأمة الإسلامية تاريخها الخاص (ص. 59). فصارت لهذه الكلمة معانٍ متعددة: فهي تدل على التوقيت، والتقويم الذي يساعد في ترقيم السنوات. وعندما يبحث الكاتب في دلالتها اللغوية، يجد أنها تحيل إلى "فن التاريخ": الإعلام بالوقت. أما المعنى الاصطلاحي، فيشير إلى التعريف بالوقت الذي به تُضبط الأحوال و"موضوع التاريخ"، وهو الإنسان والزمن، والبحث عن "وقائع الزمان من التعيين والتوقيت" (ص 59 - 60). إن التأريخ بالعام الهجري لم يُنهِ التاريخ بالذاكرة ولم يقطع معه، بل ظل مستمرًا (ص. 60). كما استمرت التسمية بالأعوام وارتبطت بمتغيرات كالكوارث الطبيعية والأحداث العسكرية والسياسية (ص. 63). يتبع التقويم الهجري إمكانية تحديد تسلسل الأحداث، لأنه يحدد نقطة انطلاق نظام كرونولوجي ابتداءً من حدث معيّن (ص. 64). يُظهر الكاتب أن كلمتَي "التقويم" أو "الروزنامة" تدلان أيضًا على نظام مكونات السنة؛ أي الفصول والشهور والأسابيع والأيام. ويضيف: وإذا كان الاستعمال المتداول يربط التقويم الهجري بنظام الشهور العربية، فإن هذا النظام عرف عند عموم العرب سلسلة من التحولات منذ ما قبل الإسلام، وهي تتصل بتأرجح الممارسات بين شهور النظام القمري وشهور النظام الشمسي. كما ينبهنا الكاتب إلى أن الشهور المتعارف عليها حاليًا ليست أقدم شهور عرفها العرب، فقد أوردت المصادر لوائح مغايرة، منها ما يُنسب إلى عموم "العرب"، ومنها ما يخص ثمود (ص. 64). بل إن نظام الشهور المعروفة حتى الوقت الراهن أُحدث قبل مجيء الإسلام بمئتي سنة، وتحمل الأسماء معاني تنتمي إلى مجالات المناخ وأصول الطقس ونمط العيش والمقدس (ص. 65). لا يقف الكاتب عند هذا الحد أيضًا، بل يذهب إلى ما وراء التسمية والبحث في شروط التسمية ودلالتها، "نظام الأشهر الحرم" (ص. 66)، ويؤكد أن نظام الشهور العربية قبل التقويم الهجري لم يكن يعني وجود نظام كرونولوجي يتيح عملية ترقيم السنوات، كما أن عددًا من المؤرخين لم يترددوا في تحديد الأيام والشهور التي وقعت فيها أحداث عديدة تخص بدايات الإسلام، بل حتى تاريخ الأنبياء. تتحدث المصادر العربية، إلى جانب حديثها عن الشهور العربية، عن "الشهور العجمية" (ص. 66). وفي مطاردته للزمن وتجلياته، نجد الكاتب يعود إلى العديد من الإسهامات النظرية المبنية على معطيات ميدانية، كما هو الحال في بحث بيير بورديو Bourdieu Pierre حول المجتمع الجزائري، والذي ميّز فيه بين الفصول والأزمنة القصوى والأزمنة الانتقائية. كما تتمظهر في مجال الممارسات والطقوس والمعتقدات. وفي الحالة المغربية، استند إلى أبحاث علي أمهان عن قبيلة غجدامة بالأطلس الكبير، وهو الذي ميّز بين ثلاثة أزمنة: زمن التقويم العام، والزمن العملي، وزمن الشهور القمرية (ص 70 - 77). ويلاحظ الكاتب، أن أمهان يضعنا أمام مقاربة توليفية تضع الزمن في عدة مستويات؛ زمن يقر بوجود ثنائية زمنية تميّز بين زمن ذكوري يتصل بالأنواء والأشغال الفلاحية، وزمن نسوي يتصل بنظام الشهور القمرية العربية الإسلامية وأعيادها الدينية وغير ذلك (ص. 79). وينتهي إلى نفي وجود تسلسل زمني، بل يقر بوجود أزمنة تتقاطع وتتراكب. وسواء تعلق الأمر بتسلسل الأعوام

أو بدورة العام الواحد، فإن هناك علاقة تداخل بين الذاكرة الشفوية والذاكرة المكتوبة، كما أن هناك تداخلً بين المعرفة، سواء أكانت علمية أم عملية أم غيبية (ص 81 - 82). إذا عدنا إلى ذاكرة الكوارث الطبيعية، فسنجد أن الكاتب يتناولها من خلال "الأعوام"، مثل "عام الجوع" و"عام الزلزال" و"عام الخير"، من خلال تسجيل الكتابة التاريخية التقليدية لهذه الصيغ الشفوية (ص. 133). ويرى أن البحث في ذاكرة الكوارث بمنزلة ورش لتحديث الكتابة التاريخية في المغرب وحول المغرب (ص. 133)، وينتهي إلى القول إن ظاهرة الكوارث أصبحت تشتغل بوصفها بنية مادية وتاريخية، يتقاطع فيها عدد كبير من الجوانب مثل المناخ والديموغرافيا، وأشكال المعاش والشرائح الاجتماعية، والسلطة السياسية، إلى جانب مظاهر الحياة اليومية، مثل الأغذية، وموقف المغاربة تجاه المرض والموت. ويذهب أبعد من ذلك عندما يرى إمكانية إدراج الكوارث الطبيعية ضمن مفهوم "الظاهرة الاجتماعية الشاملة" (ص. 134)، والتي تشمل الزلازل والصواعق والجراد والسيول والحرائق والفئران والبراغيث، وظواهر فلكية تثير الذعر (ص. 136). بل إن انتظام الجفاف والمجاعات من عوامل هشاشة النسيج الاقتصادي، لأن مستوى المحاصيل كان يؤثر على نحو أساسي في الرواج التجاري وتغذية البوادي والمدن على حد سواء. مرة أخرى، نؤكد أن الكاتب يتبنى استراتيجية نقدية إزاء الكتابات التاريخية، سواء تعلق الأمر بالمصادر المعتمدة في بناء المعرفة أو الأبحاث التي توظف هذه المصادر؛ إذ يقول: "حين نهتم بذاكرة الكوارث من خلال التأريخ بها في صيغة 'الأعوام' فإننا نستثمر كل الثغرات في حد ذاتها، ونمعن في مساءلتها وفك ألغازها، لأنها تعكس المنطق الذي يؤطر حديث المؤرخ التقليدي عن المجاعات والأوبئة والزلازل وغيرها. وبالتالي، ننتقل من مظاهر البنية المادية إلى جوانب من بنية التمثلات والرموز والمخيال" (ص. 138). وفي حديثه عن التأريخ، نجده يتأرجح بين متغيرات تاريخ الدول وتاريخ الرجال (ص. 139)، فالمؤرخون الذين تبنّوا المنهج الحولي رتبوا الأخبار على "السنين"، في حين نجد الأدب البيوغرافي قد تخلى، تدريجيًا، عن مصطلح "الطبقات" لفائدة مصطلح "التراجم"، بل اعتمد المؤلفون ترتيب الشخصيات المترجم لها بحسب سنة الوفاة بدلً من ترتيبها وفق أسماء الأعلام، وأصبحت الترجمة تُختزل في الوفاة، فيكون الحديث عن كتاب الوفيات (ص. 139). يكشف الكاتب أن التأليف ينتظم داخل سلاسل زمنية محكمة، وهو ما يعكس بوضوح تشبّع الأدب البيوغرافي بالهاجس الكرونولوجي الذي يُنسب عادة إلى تواريخ الدول. كما يكشف عن مبررات الاختيارات في التأريخ (ص. 140)؛ التأريخ بوفيات المشاهير (سنة الفقهاء، سنة الأدباء) (ص. 142)، التأريخ بالشدة والفرج [عام الفرج وعام الشدة] (ص. 160). وحتى إن كانت تسمية عام الفرج ظاهرة نادرة، فإن ثنائية الشدة والفرج تتكرر عبر مرويات الشدائد (ص. 166)، عام اللوبية، عام الصابة (ص. 167). كما وقف على استعمال المؤرخين لمصطلحات دأبت "العامة" على استعمالها لتسمية أعوام "الفرج" و"الخلق" و"الصابة" و"عام الخير" و"عام الجفاف" و"عام الجوع"، و"عام الخبيزة" و"عام يرني" (ص. 172). وعندما يشتغل على ذاكرة المعارك العسكرية، فهو يستعمل "عام المشعلة" و"عام ظافر" (ص. 224) و"سنة كروم الحاج" (ص. 225). هنا يلاحظ السبتي: "جل هذه 'الأعوام' كانت تنتمي إلى الذاكرة المحلية، وقد ورد ذكرها عند الإخباريين في شكل شذرات، لأنها كانت بمثابة حلقات داخل سلسلة الأحداث التي رافقت قيام أو سقوط دولة معينة". غير أن حاجته إلى التحليل والتأويل دعته إلى انتقاد حالات أسهم المؤلفون في ذكر سياقاتها وحيثياتها وأطوارها، ثم توصل إلى ترتيب أعوام المعارك العسكرية وفق تحقيب يقوم على ثلاث مراحل؛ ففي أخبار العصر الوسيط، تبرز ثلاث معارك، وهي الزلاقة والأرك والعُقاب، بين دولتَي المرابطين والموحدين،

وبين ملوك مسيحيين في الأندلس. وفي العصر الحديث برزت مواجهتان، هما: بوعقبة والكارة، حصلتا في ظرفية انتقال الملك من سلالة حاكمة إلى أخرى، الأولى بين دولة في طور الأفول وأخرى في طور الاستيلاء على الحكم، والثانية بين قوتين جهوتين صاعدتين، برزتا خلال تفكك الدولة المركزية" (ص. 226). من خلال التأمل في هذه المعارك، ظهر أن هذا التحقيب الثلاثي يعكس بعض جوانب التطور الذي عرفته طبيعة المواجهات والرهانات، أو نوعية الأطراف المتحاربة، والدلالات التي تظهرها الروايات المتواترة، وتكشفها روايات هامشية ويبرزها التحليل التاريخي الحديث (ص. 227). وخلال مرحلة الحماية، بيّن أن المغرب عرف في تلك الحقبة تحولات في الممارسة الاجتماعية للزمن، ومن بين مؤشراتها ظهور "يوميات بوعياد"، وهي يوميات تسجل بالنسبة إلى كل يوم التاريخ بحسب ثلاثة تقاويم؛ الهجري و"الإداري" و"الفلاحي" (ص. 379). وخلال هذه المرحلة، ركز على علاقة الزمن بالذاكرة الجماعية، وسجل ظهور أشكال جديدة في التفاعل بين الذاكرة المحلية والذاكرة الوطنية، وأشكال جديدة تولت نقل الذاكرة الشفوية إلى الكتابة في غياب التدوين التاريخي التقليدي. وقد استند في حديثه عن "الأشكال الجديدة" إلى فرضية تعتبر أن ثمة منعطفًا في مستوى الذاكرة الجماعية مثّلته ثلاثية أعوام "البون" و"ماريكان" و"الجوع" التي تزامنت وسنوات الحرب العالمية الثانية. وقد لاحظ أن الأعوام المحلية تهيمن عليها ذاكرة الشدائد المشار إليها سابقًا، مثل الوباء والجفاف والجراد والجوع، وثنائية الجفاف والغلة والوفرة، بتنويعات محلية، يصعب أحيانًا تحديد معناها الدقيق على غير العارف بالتاريخ المحلي للجماعات المعنية (ص. 381). يقترن حضور السلطة الاستعمارية بأحداث معينة، أو بإجراءات اتخذتها إدارة الحماية أو القادة التابعون لها، فسكان فاس مثلً، يؤرخون ب "عام الكيلو" الذي يسجل تغيير نظام الأوزان، و"عام تبدال الورقة" يؤرخ بتغيير نظام النقود في ذاكرة أهل الرباط، في حين يؤرخ أهل سلا "بعام الجابون"، وتحفظ الذاكرة في منطقة عبدة ب "عام العبرة" (ص. 382). يقف الكاتب، وهو يترصد تمظهرات الزمن، على نماذج محلية (ص. 383)، ففي الريف مثلً يؤَرّخ بعام الجراد (أسكاس ن تمورغي)، أو عام الببوش (ص. 384)، أو عام الريفوبليك (زمن ممتد) (ص. 386)، عام الكور (تطوان)، عام الريفي (يحدده جاك بيرك بسنة 1925)، (ص. 387)، عام باعلي (أسكاس ن باعلي) (ص. 389)، ثم عام الخوف (ص. 392). وينتهي إلى القول: لقد سجلنا أن "أعوام" الذاكرة الشفوية المحلية تؤرخ بأحداث عسكرية محلية، أو بكوارث وشدائد عرفتها جل جهات المغرب خلال العقدين الأولين من الحماية (ص. 394). كما احتفظت الذاكرة عبر مجموع التراب المغربي بثلاث علامات زمنية كان لها صدى على مستوى الذاكرة الوطنية، وهي على التوالي: عملية تقنين المواد الأساسية عام 1940، والإنزال الأميركي عام 1942، والمجاعة الكبرى عام 1945. يتساءل الكاتب: كيف انتقلت الكوارث التي واكبت الحرب العالمية الثانية في المغرب من الذاكرة الشفوية إلى ذاكرة التدوين؟ (ص. 407). للإجابة عن هذا السؤال ينفتح الكاتب على الأعمال الروائية التي اشتغلت على جوانب تطور المجتمع المغربي في سياق "البون" والإنزال الأميركي والجوع من طرف أدباء زاوجوا بين التخييل واسترجاع مشاهد عاشوها أو استقوها من ذاكرة محيطهم العائلي (ص. 410). ويتساءل أيضًا: لماذا نعد أن "أعوام" البون وماريكان والجوع ثلاث علامات تعكس الانتقال من الذاكرة المحلية إلى الذاكرة الوطنية (ص. 423)؟ يبدو أن عام البون جاء بممارسات جديدة ضمن مستوى تدخل السلطات الإدارية في الحياة اليومية للساكنة، إذ وحّدت السوق الوطنية بوساطة الندرة، وأحدثت سوقًا موازية بوساطة "المارشي نوار" الذي نسج شبكاته لاختراق حدود المنع والتقنين.

وفي الوقت ذاته، عرفت دائرة الكوارث الثلاث توحيدًا غير مسبوق بسبب حركة الهجرات الداخلية التي عرفها المغرب، وبسبب تأثير وسائل النقل الجديدة مثل القطار وحافلات النقل بين المدن، وكذلك تأثير وسائط الاتصال الجديدة مثل الأسطوانة والمذياع (ص. 423). تعددت تسميات الكارثة الواحدة، ولا سيما تسمية "عام الجوع"، فقد سُمي ب "عام بوهيوف" بفاس، وفي منطقة الشاوية سُمي ب "عام الهيف"، وفي قبيلتَي أولاد جابر وأولاد يعقوب بالجنوب الشرقي سُمي ب "عام الحريرة"، وفي الريف سُمي ب "عام بربوش"، وفي تطوان سُمي ب "عام روافة" (ص. 424). تعكس ظاهرة "الأعوام" علاقة معقدة بين الذاكرة الجماعية وتاريخ الوقائع؛ إذ تُستخدم "الأعوام" مبدئيًا أداة كرونولوجية حين تعتمد الحدث المفرد، لكنها تطلق تسميات تكرارية على الكوارث الطبيعية والمعارك العسكرية، مثل "عام الجوع" أو "عام يرني" أو "عام الهربة"، وتستعمل ذاكرة "الأعوام" في عملية تحقيب فضفاض في حالات مثل "عام السيبة" (ص. 486). اعتبر الكاتب مرويات الأعوام جزءًا من التراث الشفوي، فهي جزء من الأمثال (والأمثال كما يقول: شكل من أشكال التعبير عن التجربة الجماعية). كما أن حصيلة الأعوام (هزيلة) التقطتها مختلف روافد الكتابة التاريخية التقليدية (ص. 487). لقد حاولنا من خلال هذه الورقة أن نُظهر أهم الإشكالات التي تواجه هذا الكتاب، وأهم الأسس المفاهيمية والمنهجية التي اعتمدها الكاتب من أجل بناء نموذج تحليلي لموضوعة الزمن، وهي عملية لم تكن سهلة، نظرًا إلى الحقبة التاريخية الطويلة التي غطاها الكتاب، وتنوع الموضوعات التي تناولها كاتبه.

المراجع

Lourau, René. L'analyse institutionnelle. Paris: Éditions de minuit, 1970.

Strauss, C.L. Anthropologie structurale deux. Paris: Plon, 1973.

Weber, Max. Essais sur la théorie de la science. Introduits par Julien Freund. Paris: Plon, 1965.