حصيلة البحث في حقل الدراسات العثمانية والإيرانية في المغرب
Research Findings in Ottoman and Iranian Studies in Morocco
الملخّص
اهتم الباحثون في الجامعات المشرقية بالفترة العثمانية باعتبارها جزءًا من تاريخ بلدانهم بحكم خضوع هذه البلدان للسيطرة العثمانية مدةً ناهزت أربعة قرون، في وقت انشغل فيه المغاربة بالتاريخ الوطني في مختلف حقبه التاريخية، وذلك لتأرجح الحضور العثماني فيها بين الحكم المباشر و"الاستقلال الذاتي". وتجاهل المؤرخون، إلى حد بعيد، تاريخ الحضور العثماني، ولم يُثر هذا الحضور إلا على نحو هامشي، أو في إطار استحضار بطولات محلّية. لقد كان الموضوع الذي استرعى انتباه الباحثين هو العلاقات المغربية - العثمانية، وكان هذا الموضوع مشرقيًّا وأوروبيًّا بامتياز في سبعينيات القرن العشرين، لكنه غدا موضوعًا مثيرًا للاهتمام في أوساط الباحثين، وكان فاتحةَ اهتمامٍ مغربي بحقل الدراسات العثمانية، لا سيما بعد إحداث وحدة المغرب والعالم العربي الإسلامي 1500-1900، وهي وحدة للتكوين والبحث، في جامعة محمد الخامس. تحاول هذه الورقة رصد المراحل التي تمأسس فيها هذا الحقل الجديد، والتعريف بمختلف الأبحاث التي أُنجزت في إطاره، في الدراسات العثمانية والإيرانية، على مستويات عدة. وتحاول أيضًا أن تقف على الجدوى من البحث في الدراسات العثمانية والإيرانية.
Abstract
* أستاذ التاريخ في معهد الدوحة للدراسات العليا. Professor of History at Doha Institute for Graduate Studies. abderrahim.benhadda@dohainstitute.edu.qa
- الدراسات العثمانية
- الدراسات الإيرانية
- المغرب
- Ottoman Studies
- Iranian Studies
- Morocco
| OI: https://doi.org/10.31430/IFLQ8400: الرقم التعريفي | DO | ||
|---|---|---|---|
| عبد الرحيم بنحادة | enhadda | *Abderrahim Be | ||
| حصيلة البحث في حقل الدراسات العثمانية والإيرانية في المغرب Research Findings in Ottoman and Iranian Studies in Morocco | |||
تسعى هذه الدراسة لرصد الحصيلة البحثية في مجال جديد في حقل الدراسات التاريخية المغربية، يتعلق بالدراسات العثمانية والإيرانية. فقد اهتم الباحثون في الجامعات المشرقية بالفترة العثمانية باعتبارها جزءًا من تاريخ بلدانهم، بحكم خضوعها للسيطرة العثمانية مدة ناهزت أربعة قرون، بيد أن تناول هذه الحقبة طغى عليه التوتر، ومن ثمّ الأحكام القيمية الصادرة بحق العثمانيين. وقد كان عرب المشرق ضحية لتعامل الدولة في العالم العربي مع الإرث العثماني من جهة، وضحية استهلاك الكتابات الأوروبية التي تعود إلى عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، والتي سعت لأسباب غنية عن البيان للنيل من الدولة العثمانية من جهة أخرى. وفي المغارب، وهي بلاد كان الحضور العثماني فيها متأرجحًا بين الحكم المباشر و"الاستقلال الذاتي"، تجاهل المؤرخون إلى حدٍ بعيد تاريخ الحضور العثماني، ونظروا إلى تاريخ الحقبة العثمانية بمعزل عن إثارة الموضوع إلّ على نحو هامشي، أو في إطار استحضار بطولات محلّية، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الكتابات المنجزة عن خير الدين بارباروسا في الجزائر، أو عن خير الدين التونسي في تونس، وربما كان التوتر في التعامل مع المرحلة الفرنسية يُعوّض عن توتر محتمل في التعامل مع المرحلة العثمانية. وسواء بالنسبة إلى المشرق العربي أم إلى المغارب الخاضع للدولة العثمانية، فقد جرى تضييع فرصة كبيرة للكشف عن تاريخ هذه المرحلة من جوانب عدة، سياسية واقتصادية وثقافية، بحكم ما يزخر به الأرشيف العثماني من وثائق وسجلات تُسعف في تطوير الدراسات التاريخية في هذه البلدان. أما في المغرب، فيبدو أن من المقبول إلى حدٍ ما غياب الدراسات العثمانية عن خريطة البحث التاريخي الجامعي أو غير الجامعي، لأسباب تتعلق بخصوصية التاريخ المغربي. لقد كان الموضوع الذي استرعى انتباه الباحثين هو العلاقات المغربية - العثمانية، الذي كان موضوعًا مشرقيًا وأوروبيًا بامتياز في سبعينيات القرن العشرين، لكنه غدا موضوعًا مثيرًا للاهتمام بالنسبة إلى الباحثين المغاربة، وكان هذا الموضوع فاتحة اهتمام مغربي بحقل الدراسات العثمانية، ولا سيما بعد إحداث وحدة للتكوين والبحث "المغرب والعالم العربي الإسلامي 1500 - 1900 " في جامعة محمد الخامس. تحاول هذه الدراسة أيضًا رصد المراحل التي تمأسس فيها هذا الحقل الجديد، والتعريف بمختلف الأبحاث التي أنجزت في إطار البنية الجديدة في الدراسات العثمانية والإيرانية على مستويات عدة. وتحاول أيضًا أن تتوقف عند الجدوى من البحث في الدراسات العثمانية والإيرانية.
تنبغي الإشارة في البداية إلى أن هذه الدراسة تنطلق من النتائج التي انتهى إليها الزميل والصديق الراحل عبد الرحمن المودن، حيث سبق له أن قدّم بحثًا في الموضوع، في عام 2004، وذلك في ندوة نظمها فريق "المتوسط والعالم الإسلامي" ومختبر "دراسات مغاربية" في تونس عن الكتابة التاريخية في المغارب، نُشرت أعمالها في السنة الموالية، تحت عنوان "نشوء حقل جديد في الكتابة التاريخية المغربية". وكان هذا العرض "عبارة عن انطباعات شخصية مبنية على تجربة ممتدة على عدة سنوات، وعلى حوارات مع الطلبة وبقية الزملاء حول أداء وحدة التكوين والبحث"1. ورصد المودن في بحثه الشروط التي أحاطت ببناء هذا الحقل الجديد، وبيّن الأهداف التي سطّرت له، وأنهاه بالتعرّض للمعوّقات التي حالت في نظره دون بلوغ ما كان مرجوًّا من نتائج. أعود إلى هذا الموضوع لسببين: يتعلق الأول بمرور أكثر من 15 عامًا على إنجاز هذا البحث، ويرتبط الثاني بالرغبة في تقديم حصيلة ما أنجز في هذا الحقل البحثي وتجاوز "النظرة الانطباعية" التي حكمتها الشروط التي كتب فيها المودن بحثه. وسيتناول هذا العرض التطورات التي عرفها حقل الدراسات العثمانية والإيرانية، إن على مستوى الدرس، أو على مستوى البحث في المبحث الأول، والحصيلة العلمية في المبحث الثاني، ثم بعض الخلاصات.
أوالً: المرحلة الجنينية
على الرغم من كون الدولة العثمانية وتاريخ المشرق العربي يشكلّان أساسًا في الدرس الجامعي في المغرب منذ نشوء الجامعة المغربية2، فإن الاهتمام بهذه المجالات لم يكن من أولوية الباحثين في تاريخ المغرب من المغاربة، ولم يكن موضوع العلاقات المغربية - العثمانية مثلً يستوقف الباحثين إلّ في إطار الربط بالأحداث المحلية. وكان هذا الموضوع من اختصاص بعض الباحثين المشارقة، من أمثال حسن إبراهيم شحاتة، والباحثين الفرنسيين، من أمثال شانتال دولا فيرون وبيير برتيي. واقتصرت أعمال الباحثين المغاربة على بعض الأبحاث المنشورة هنا وهناك3. مع النصف الثاني من القرن العشرين، عرف البحث التاريخي المتعلق بالعلاقات المغربية - العثمانية انتعاشًا تجلّى في إنجاز بعض الأطروحات التي كانت انطلاقتها مع الراحل قدور بوزياني الذي تناول موضوع العلاقات بين باشوية الجزائر والمغرب خلال القرن السابع عشر، وفي الوقت نفسه، كان عبد الحفيظ الطبايلي قد انطلق في مشروع عن كتابة تاريخ العلاقات المغربية - العثمانية في القرن السادس عشر4، مسجّلً فيه انفتاحًا أوّليًا على الأرشيف العثماني. وما لبث هذا التوجّه أن تكرّس مع الأبحاث والأطروحات التي أنجزها كل من عبد الرحمن المودن عن "البادشاه والشريف: دراسة في الثقافة الدبلوماسية"5، وعبد الرحيم بنحادة عن
"المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر"6، وخديجة بونيت7 عن "العلاقات بين المغرب والدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر". وقد سعت هذه الأطروحات لتجاوز النظرة الضيّقة لتاريخ العلاقات المغربية - العثمانية وصورتها النمطية القائمة على أساس "الخطر العثماني"، وفتحت هذه العلاقات على وضعها المتوسطي، وهناك من سعى لدراستها في إطار شبكة العلاقات المتوسطية الإسلامية، وسعى بعض آخر لاستحضار الثقافة الدبلوماسية مفتاحًا لقراءة هذه العلاقات. ولعل هذه الدراسات كلها كانت واعية بأهمية الأرشيف العثماني والنصوص العثمانية. على مستوى آخر، كان مصطفى الغاشي يُحضّر رسالة لا ترتبط مباشرة بالعلاقات المغربية - العثمانية، بل بالرحّالة الفرنسيين في الدولة العثمانية8، حيث قام بعملية استقراء واسعة لكتب الرحلات الفرنسية وأبرزَ دورها في كتابة تاريخ الدولة العثمانية خلال الفترة الممتدة بين القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر. ومن خلال استعراض هذه الأبحاث، يمكن أن نسجل ما يلي من الملاحظات: الملاحظة الأولى، أنها كانت تسير وفق برامج بحثية خاصة ومختلفة تنطلق من خلفيات علمية فردية. الملاحظة الثانية، الوعي بضرورة الاعتماد على الأرشيفات العثمانية التركية باعتبارها السبيل الوحيد لتجاوز ضنك المعلومات المتعلقة بهذه العلاقات. الملاحظة الثالثة، لم تهتم هذه الدراسات باستحضار التطورات العميقة التي كانت تعرفها الدولة العثمانية إلّ لمامًا. فقد كانت المعرفة بالدولة العثمانية انطباعية جدًا، وكانت زاوية النظر مغربية بامتياز؛ إذ تحضر في الكثير من الأحيان التحولّات السياسية في المغرب في تفسير تطورات العلاقات المغربية - العثمانية بالنسبة إلى الأطروحات التي تناولت تاريخ هذه العلاقات والتطورات السياسية في فرنسا بالنسبة إلى أطروحة مصطفى الغاشي.
ثانيًا: مأسسة البحث في الدراسات العثمانية والإيرانية
1. التكوين في الدراسات العليا
في عام 1997، تبنّت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في إطار إصلاح نظام الدراسات العليا (السلك الثالث) اعتماد نظام وحدات البحث والتكوين الذي يقوم على أساس التدريس في سنتين دراسيتين للحصول على دبلوم الدراسات العليا المعمّقة. وقد عرفت الدراسات التاريخية في كلية الآداب في الرباط إحداث خمس وحدات في التاريخ، عكست التوجهات البحثية في هذه الكلية، وهذه الوحدات هي: تاريخ شمال أفريقيا القديم، والمغرب وأوروبا، والمجتمع والدولة في المغرب الوسيط، والمغرب والعالم الإسلامي 1500 - 1900، والمغرب والعالم المعاصر (التي تحوّلت إلى دراسات مغاربية معاصرة). وقد ساهمت هذه الوحدات في تكوين مجموعة من الباحثين في المجالات الخمسة، إلّ أن معظمها توقّف عن التكوين لأسباب تراوح بين مغادرة الأساتذة المؤطرين للكلية، وأخرى تتعلق بعدم وفاء الجامعة بالتزاماتها تجاه هذه الوحدات من حيث التأطير المادي9.
وقد تميزت من بين هذه الوحدات كلها وحدة المغرب والعالم العربي الإسلامي 1500 - 1900، ويمكن أن نرصد هذا التميز على المستويات التالية: أولً، الاستمرارية، فمنذ إحداثها في عام 1997 ومباشرتها التكوين في عام 1998، لم تتوقف إلّ في عام 2014. واستمرت تحت مسمّيات مختلفة، واستطاعت أن تتحوّل إلى فريق بحثي بامتياز من خلال الانخراط في مشاريع بحثية وطنية ودولية، وأن تُغذّي الإنتاج التاريخي المغربي في مستويات متعددة. ثانيًا، جمعت الباحثين جميعهم الذين اشتغلوا في تاريخ العلاقات المغربية - العثمانية والمشرق العربي10، واستدرجت آخرين في مجالات أخرى11. وقد ساهم هؤلاء جميعهم إلى حدٍ بعيد في التدريس والتأطير والإشراف على مجموعة من المشاريع البحثية في ما بعد. ثالثًا، المواد التي كانت تُدرّس على مستوى دبلوم الدراسات العليا المعمّقة، حيث جرى التركيز في السنة الأولى على تاريخ الدولة العثمانية من التأسيس إلى القرن الثامن عشر، وتاريخ إيران الصفوية، وتاريخ المغارب في العهد العثماني، والإستوغرافيات الإسلامية. وشمل التدريس في السنة الثانية مواد من الدولة العثمانية إلى الجمهورية، وإيران بين القاجار والجمهورية وتاريخ المدن العربية الإسلامية في العصر الحديث. رابعًا، إضافة إلى هذه المواد، جرى التركيز على تدريس اللغتين الفارسية والتركية، باعتبارهما أداتين لا مناص من تعلّمهما بالنسبة إلى المشتغل على المجتمعات الشرقية الإسلامية. وفي هذا الباب، لا بد من التنويه بالمساعدات التي قدّمها العديد من الجامعات التركية ومؤسسة الوقف الإسلامي في استقبال عدد من طلابنا لتعلّم اللغة التركية والعثمانية. وقد تُوّج ما بُذل من مجهود في هذا الباب بإحداث معهد يونس إمره Enstitüsü Emre Yunus الذي تحتضنه كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط منذ عام 2012. خامسًا، جرت الاستفادة من خبرات الباحثين من داخل المغرب وخارجه في إطار حلقة تدارسية، تحت عنوان "تجارب في البحث"، وفي إطارها جرت استضافة أسماء وازنة في التاريخ المغاربي والعثماني، من أمثال كارل براون Brown Karl وجان لويس وفريدريك هيتزل Odile Moreau وأوديل مورو Cemal Kafadar وجمال كفدر Jean Louis Bcqué Grammont باكي كرامون
Tufan Bozpinar وتوفان بوزبينار Zakaria Kursun وزكريا كورسون Koruki Hedimitsu وكوروكي هيدمتسو Frederic Hitzel
وعزمي أوزجان Ozcan Azmi وكاسو موريموتو Morimoto Kasuo وعبد الرحيم أبو حسين ومسعود ضاهر ومحمد عفيفي وغيرهم. انتبه فريق البحث عندما كان يعمل على تقييم أداء الوحدة إلى مجموعة من القضايا: الأولى، تتعلق بمسألة الحيّز الجغرافي الذي كانت تتناوله الوحدة، ورأى أن توسيع الدائرة وفتح المجالات المغاربية والإسلامية على العالم المتوسطي سيُسعف، من دون شك، في مقاربة أفضل. ولا يسمح هذا التوسيع بتجديد المقاربات فحسب، بل يُسهم أيضًا في تجاوز ما يمكن تسميته "المركزية المغربية" Marococentrisme التي تجعل من المغرب المبتدأ والمنتهى. الثانية، تتعلق بالحيّز الزمني الذي تتناوله، فقد جرت العادة عند المؤرخين ألّ يتعرّضوا للقضايا التي لم يجر الكشف رسميًا عن وثائقها، ولما كان التوجّه في بداية العقد الأول من الألفية الثالثة يطرح إمكانية طرح ما هو راهن، فقد كان من الضروري إعادة النظر في المحددات الزمنية.
الثالثة، توسيع الاستفادة من الخبرات، وفي هذا الباب جرى إدماج حلقة نقاشية جديدة، إضافة إلى تجارب في البحث، وهي مسارات في البحث خُصّصت لعرض مسارات باحثين، ليس في حقل الدراسات التاريخية فحسب، لكن أيضًا في مجالات بحثية أخرى، مثل الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والعلوم السياسية. بناء على هذا التقييم، قدّم فريق التكوين طلب اعتماد لوحدة أخرى توسّع دائرة المجال وتسعى لوضع تاريخ المغرب وتاريخ الدولة العثمانية ضمن سياقه المتوسطي، وفي زمن أوسع يأخذ في الحسبان التحولّات التي عرفتها الكتابة التاريخية، ولا سيما إدماج ما يسمى بتاريخ الزمن الراهن. وقد استمر العمل بهذه الوحدة حتى عام 2008، عندما قدم الفريق اعتمادًا يميل إلى تعميق البحث في موضوع يخص "المجتمعات الإسلامية والحداثة". في إطار هذه الوحدات التكوينية الثلاث، وعلى مدى ما يزيد على عقد ونصف العقد من الزمن، تخرج بدرجة الماجستير ما يربو على 60 طالبًا باحثًا، بعضهم واصل الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه في جامعة محمد الخامس، وبعضهم في جامعات أخرى، مثل تطوان وفاس ومكناس، وانشغل بعضهم عن البحث بالتدريس في التعليم الثانوي، واختفى آخرون عن الأنظار. لم يكتفِ الفريق بمهمات التكوين في الدراسات العليا فحسب، بل عمل على "الاستثمار" في البحث، فقد كان يرى أن التكوين لا يمكن أن يجري سوى في إطار البحث، وأن تطوير التكوين رهين بتطوير البحث. وفي هذا الباب، عمل الفريق على عقد ندوات، حتى قبل بَنْينة البحث في الجامعة المغربية، وعلى تنظيم ندوات في إطار ما كان يتيحه التعاون بين كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط ومؤسسة كونراد أديناور، وفي هذا الباب نظم الندوات التالية بين عامي 2002 و 2005: "العثمانيون والعالم المتوسطي: مقاربات جديدة"12(2002)، دُعي إليها عدد من الباحثين الأتراك والمغاربيين والأوروبيين، ونُشرت أعمالها بعد سنة من ذلك. "السفر في العالم العربي الإسلامي: التواصل والحداثة"13(2003)، وأ هديت أعمالها المنشورة في عام 2004 إلى واحد من مؤسسي وحدة التكوين والبحث "المغرب والعالم العربي الإسلامي" عثمان بناني. "المغارب في العهد العثماني بين الأرشيفات المحلية والمتوسطية"14(2004)، ونشرت في العام الموالي (2005.) مكّنت هذه الندوات من التعريف بوحدة البحث والتكوين "المغرب والعالم العربي الإسلامي" وطنيًا ودوليًا. وعقد الفريق شراكات مع جهات علمية عدة، من بينها جهات دولية، وأنجح تلك التجارب على الإطلاق التي ارتبط فيها الفريق مع مختبر دراسات مغاربية في جامعة 9 أفريل، حيث نُظّمت في هذا الإطار فعاليات عدة: شملت الأولى منها العمل على مشاريع بحثية، وانخرط الفريق في مشاريع التعاون العلمي بين المغرب وتونس. وهذه المشاريع هي: "الكتابة التاريخية في المغرب: الهوية والذاكرة والإستوغرافيا " , Identité: Maghreb du Histoire ' l de Ecriture
. mémoire et historiographie
"شبكات التواصل في المغارب والعالم المتوسطي." ӵ "الرحلة والغيرية."
"المعرفة الطبية وتاريخ الأمراض في المغارب والعالم المتوسطي." وقد نُظّمت موائد مستديرة في تونس والمغرب، كانت عبارة عن مخرجات البحث في هذه المشاريع، ففي إطار المشروع الأول، نُظّمت ندوتان: الأولى حول "الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإستوغرافيا" (2004)، نشرت أعمالها في عام 2005. والثانية حول "التحقيب في الكتابة التاريخية"، في عام 2005، نشرت أعمالها ضمن منشورات مخبر دراسات في عام 2007. أما الفعالية الثانية، فقد تمخض عنها تنظيم مائدتين مستديرتين، الأولى حول انتقال الأفكار والتقنيات في المغارب والعالم المتوسطي (2005)، والثانية عن شبكات التواصل في المغارب والعالم المتوسطي (2007). وتمخّض عن الفعالية الثالثة تنظيم ورشة عن "الرحلة والغيرية" (2008). أما الفعالية الرابعة، فقد نتج منها نشر كتاب المعرفة الطبية وتاريخ الأمراض في المغارب. وقد وضعت الاحتياطات المنهجية كلها في المقدمة التي خصصتها للوقوف عند المفاهيم والمقاربات التي استعملتها تحت عنوان المشروع نفسه في إطار تعاون ثلاثي بين الفريق ومخبر تونس ومؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلامية في الدار البيضاء (2011). لم يكتفِ الفريق بالتعاون مع الجامعة التونسية، بل تمكّن من توسيع دائرة هذا التعاون عن طريق ربط شراكات مع المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في باريس وجامعة طوكيو للدراسات الأجنبية15، ولعل الأهم من ذلك هو الشراكات مع الجامعات التركية، وفي هذا الإطار ارتبط الفريق مع جامعة ساقاريا وجامعة إسطنبول ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثفافة الإسلامية (إرسيكا) IRCICA في إسطنبول. كان من شأن التعاون الدولي أن يفتح آفاقًا لحركية الطلاب والباحثين، ولا سيما أنهم يشتغلون في مجالات جغرافية غير المغرب. فمن جهة، شاركوا في جامعات صيفية مختلفة في تونس أو في تركيا، ومن جهة أخرى حصلوا على إقامات علمية مكّنتهم من الاحتكاك بمجتمعات مجال الاشتغال والاستفادة من أرشيفات ومكتبات البلدان التي زاروها في إطار هذا التعاون في أفق التحضير لأطروحاتهم وأبحاثهم. حصل معظم الطلاب المسجّلين في وحدتي الدكتوراه "المغرب والعالم العربي الإسلامي 1500 - 1900 " و"المتوسط والعالم الإسلامي 1500 - 2000 "، على إقامات بحثية. ويبدو أن هذه الإقامات كانت مثمرة. وفي ما يلي قائمة بالبلدان التي زارها باحثو الوحدتين: إيران: كُرّست هذه الزيارة لتمتين اللغة الفارسية، حيث تُوّجت عند بعضهم بالحصول على شهادة في اللغة الفارسية (حالة ليلى مبارك في صيف 2007، وعبد الصمد الأشهب في عام 2005)، وتوّجها بعض آخر بالحصول على العديد من المراجع باللغة الفارسية التي استُثمرت في بحث يتعلق بالعلاقات بين الصفويين والعثمانيين. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الزيارات، على الرغم من أنها جرت في مرحلة هدوء في العلاقات المغربية – الإيرانية، عانى الطلاب فيها مضايقات اكتست مسوحًا بيروقراطية. تركيا: راوحت الإقامات العلمية في تركيا بين المشاركة في دروس اللغة التركية والعثمانية من جهة، والعمل في الأرشيف العثماني من جهة ثانية، والاستفادة من الرصيد المكتبي16 في الجامعات التركية والمؤسسات البحثية التركية، مثل وقف الديانة Diyanet Vakfi ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) من جهة ثالثة.
فرنسا: حيث كرّس العديد من الباحثين جهودهم في هذه الإقامات العلمية على الاشتغال بالأرشيف الدبلوماسي في نانت والتنقيب عن الوثائق المتعلقة بالدولة العثمانية، ولا سيما تلك المتعلقة بعلاقات فرنسا بولايات الشمال الأفريقي، ثم الوثائق التي تخص الإصلاحات التي باشرتها الدولة، والمندرجة ضمن أرشيف البريد postes des Archives17 التي تغطي الفترة الممتدة بين القرنين الثامن عشر ومطلع القرن العشرين. تونس: مكّنتنا هذه العمليات المندرجة في إطار برنامج التعاون التونسي – المغربي CMPTM من استفادة العديد من الطلاب من السفر إلى تونس من أجل إقامات علمية جمعت بين التكوين والبحث، فمن جهة حضر هؤلاء الطلاب السيمنارات التي كان يعقدها مخبر "دراسات مغاربية" وقدّموا عروضًا في إطارها18، ومن جهة أخرى استفادوا من هذه الإقامات للكشف عن الأرصدة الوثائقية المتعلقة بالدولة العثمانية في الأرشيف التونسي. وفي إطار المأسسة أيضًا، أحدثت بنية جديدة ساهمت إلى حدٍُ بعيد في تطوير العمل خارج أسوار الجامعة، حيث أحدث فريق البحث جمعية الدراسات التركية - الإيرانية في شباط/ فبراير 2006، وقد وُضعت الجمعية في الأساس لتنشيط البحث في تاريخ البلدان العربية وتركيا وإيران، باعتبارها مجالات متشابهة وتلتقي في المشترك الحضاري، وذلك بغية تكوين خبرة مغربية في هذه المجالات. وقد شرعت هذه الجمعية منذ أيار/ مايو 2006 في تنظيم فعاليات ثقافية وعلمية، كان أوّلها في 30 أيار/ مايو 2006 بمناسبة ذكرى فتح القسطنطينية.
2. الحصيلة
لا بد من التأكيد في البداية أن وحدة البحث والتكوين "المغرب والعالم العربي الإسلامي 1500 - 1900 " احتضنت في البداية مجموعة من الأطروحات التي لم يتابع مُعدّوها الدراسة في الوحدة نفسها في الدراسات العليا، وسجل فيها العديد من الطلاب من الحاصلين على دبلوم الدراسات العليا في النظام القديم19. ومن بين الأطروحات التي استأثرت بالانتباه وتدخل في صلب تخصص الدراسات العثمانية، أطروحة قدّمها محمد الحيمر عن "الجيش الدخيل في الدول الإسلامية: جيش العبيد والإنكشارية العثمانية، محاولة في المقارنة"20. أما ثاني هذه الأطروحات، فتلك التي قدّمها محمد الخداري في موضوع "دور الزوايا والطرق الصوفية في العلاقات بين المغرب وولاية الجزائر: حالة الزاوية الدرقاوية من 1786 إلى 1823 "21. كانت هاتان الأطروحتان باكورة التكوين والبحث في هذا الحقل الجديد. وإذا كانت الأولى قد اعتمدت مقاربة المقارنة بين تجربتين لمعالجة واحدة من أهم المشكلات البنيوية التي واجهتها الدول في البلاد الإسلامية، فإن الثانية تميل إلى مقاربة موضوع العلاقات بين المغرب وباشوية الجزائر العثمانية انطلاقًا من الدور الذي قامت به الزوايا في هذه العلاقات، بعيدًا عن رصد التطورات السياسية والمواجهات العسكرية.
تدور مواضيع الأطروحات التي أنجزت في وحدتي "المغرب والعالم العربي الإسلاميُ1500 - 1900 " و"المتوسط والعالم الإسلامي 1500 - 2000 " حول محاور أساسية تعكس التوجهات التي وضعها فريق البحث أساسًا، وتسعى لتغطية بحثية للدوائر الثلاث: الدائرة التركية العثمانية، والدائرة الإيرانية، والدائرة المغاربية. المحور الأول، الأطروحات التي غطت الدائرة التركية العثمانية، ونشير هنا إلى أطروحتين: الأولى تتعلق ب "النخبة المثقفة وأزمة السلطة في البلاد الإسلامية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر: مقارنة بين المغرب والدولة العثمانية"22. وقد اختار الباحث مقاربة المقارنة بين مجالين إسلاميين مختلفين من خلال البحث في المسارات والتصورات للمشاريع الإصلاحية لدى النخب. واستند في ذلك إلى النصوص المغربية والعثمانية، ولا سيما تلك التي تُدرج في إطار كتب النصيحة، كما استند إلى كم هائل من الدراسات التي تناولت أزمات السلطة في البلاد الإسلامية بلغات مختلفة (عربية وفرنسية وإنكليزية وتركية). ويبدو أن الجهد الذي بذله الباحث على مستوى دراسة الأزمات العثمانية كان أكثر وضوحًا مما نلاحظه على المستوى المغربي. أما الأطروحة الثانية في هذا المحور، فتلك التي تناول فيها محمد العواد "السياسة الفرنسية تجاه العالم الإسلامي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: الدولة العثمانية والمغرب نموذجًا"23، باحثًا في جذور السياسة الاستعمارية الفرنسية. وقد انطلق فيها من فرضية أن السياسات الأجنبية لم تكن ذات منحى واحد، وتميزت ببعض الخصوصيات التي أدّت التطورات الداخلية والصور النمطية دورًا كبيرًا في رسم معالمها. وقد توقف الباحث عند تحقيب هذه السياسة وميّز بين حقبتين أساسيتين، شكّل عام 1798 فارقًا أساسيًا بينهما. وقد ركّز الباحث على سياسة الامتيازات التي سعت لها فرنسا، مقارنًا بين هذه السياسة في المغرب وفي الدولة العثمانية. أما الأطروحة الثالثة، فهي التي خُصّصت للحريم السلطاني، وتناولت فيها فاطمة الزهراء قديحي موضوع "نساء السلطان في البلاد الإسلامية: المغرب والدولة العثمانية نموذجًا"24. وقد سارت هذه الأطروحة أيضًا في اتجاه المقارنة بين الحريم في البلاطين المغربي والعثماني، واللافت هنا هو أن هذه المقارنة سمحت للباحثة بإماطة اللثام عن الكثير من جوانب التاريخ المغربي؛ إذ توقفت عند مسألة بالغة الأهمية، هي أن النصوص القمينة بدراسة هذا الموضوع على المستوى الإسلامي نادرة جدًا، ولا يسمح ما جاء في ثنايا المصادر الإسلامية من تتبّع وضعية المرأة في التاريخ الإسلامي، سواء داخل أسوار البلاط أم خارجها. وتُعدّ المصادر الأجنبية السبيل الوحيد لدراسة هذا الموضوع، ولا سيما نصوص الرحّالة الأوروبيين، بيد أن هذه النصوص تطرح معضلة على مستوى استغلالها، ويتمثل الإشكال الأساسي في انطلاقها مما اختزنته الذاكرة من مرويات وامتلأت به من خيال. لقد اعتمد هؤلاء على ما بلغ مسامعهم، ومن الصورة التي تكوّنت لديهم حول البلاد الإسلامية حتى قبل أن تطأ أقدامهم أراضي البلاد الإسلامية. استطاعت الباحثة قديحي، بعد عرض الكلمات المفتاحية لهذا الموضوع وتتبعها لغويًا واصطلاحيًا، وتتبّع جذور ظاهرة الحريم في المجتمعات الإسلامية، أن تقدّم إجابات عن مؤسسة الحريم من خلال عرضها لنوعية النساء في البلاطين العثماني والمغربي، وعن الدور الذي قامت به حريم السلطان في المغرب وفي الدولة العثمانية، سواء في زمن السلاطين الأقوياء، أم في أزمنة الأزمات السياسية.
المحور الثاني، يتعلق بإيران، فقد سجل التاريخ الإيراني، أول مرة، حضوره في البحث التاريخي25 في الجامعة المغربية. وقد راوح هذا الحضور بين مواضيع خُصّصت لتاريخ إيران، وأخرى كانت فيها المقارنة أداةً للكشف عن جوانب من هذا التاريخ، وثالثة همّت العلاقات بين إيران والدولة العثمانية. كانت أطروحة ليلى مبارك "القبيلة والدولة في إيران في العهدين الصفوي والقاجاري"26تُدرج في إطار سؤال أوسع، شمل العلاقة التي نسجتها الدولة بالمجتمع في العالم الإسلامي، وكانت الباحثة عندما تقوم بسبر أغوار هذا الموضوع، تستحضر تلك العلاقات المعقدة بين القبيلة والدولة في مختلف ربوع البلاد الإسلامية، وتستحضر كذلك الأعمال الأنثروبولوجية التي أنتجها باحثون غربيون، وانتهوا من خلالها إلى نظريات سعوا لتطبيقها على سائر المجتمعات الإسلامية. لقد سعت مبارك للإجابة عن أسئلة محلية: كيف ساهمت القبيلة في نشأة الدولة، وحالت دون مركزتها؟ وكيف عملت القبيلة على إسقاط الدولة القائمة وتشكيل دولة جديدة؟ وانتهت الإجابات إلى تأثير القبائل التركمانية في الحياة السياسية عندما تمكّنت هذه القبائل من توحيد المجال الإيراني تحت سلطة سياسية واحدة، وعندما استطاعت هذه القبائل تغيير التشكيلة السكانية لهذا البلد ونمط العيش السائد فيه، من نمط عيش يعتمد على الاستقرار والزراعة، إلى مجتمع يعتمد على الترحال والرعي. وعلى مستوى آخر، أبرزت مبارك كيفية تأثير القبيلة في تبنّي المذهب الشيعي في إيران واصطفاف القبائل وراء الدولة لمحاربة المد العثماني فترةً طويلة. وأخيرًا، أظهرت الباحثة كيفية مساهمة القبيلة في إسقاط الدول القائمة في إيران بين القرنين السادس عشر وبداية القرن العشرين، وأبرزت التراجع الواضح للقبيلة في الحياة السياسية بعد تعنيفها من الجهاز المركزي، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه لعناصر جديدة تسهم في تشكّل الكيانات السياسية منذ عشرينيات القرن العشرين. أما الصنف الثاني من الأطروحات التي همّت إيران، فهو تلك الأطروحات التي جرت فيها المقارنة بتركيا، من ضمنها كانت الأطروحة التي أعدّتها الباحثة المتألقة سعاد بنعلي في موضوع "التحديث وإشكاليات الهوية في العالم الإسلامي: دراسة مقارنة بين إيران وتركيا الجمهورية"27. ولسبر أغوار هذا الموضوع، انطلقت الباحثة من طرح أسئلة منهجية أساسية، لخّصتها في ستة: كيف استجابت إيران وتركيا للمؤثرات الخارجية الناتجة من لحظة الاصطدام بالغرب؟ هل كانت الإصلاحات كافية لإنقاذ الإيرانيين والعثمانيين من حالة الضعف؟ ما مدى تأثير الإصلاحات في هوية الدولة والمجتمع المؤطرَين بالإسلام؟ كيف بُنيت الدولة الحديثة في زمن كمال ورضا شاه؟ ما الخطوط العريضة لهوية الوطن والمواطن الجديدَين؟ هل يعتبر البناء من فوق أداة فعالة لبناء الهوية؟ لقد وُفّقت الباحثة في الإجابة عن معظم هذه الأسئلة وفصّلت في بعضها بأجوبة مقنعة تعتمد أسلوب المحاجّة، وقد وضعت الاحتياطات المنهجية كلها في المقدمة التي خصّصتها للوقوف عند المفاهيم والمقاربات التي استعملتها. واستحضرت أربعة عناصر، اعتبرتها بمنزلة أعمدة أساسية في المشروعين التحديثيين الإيراني والتركي في صوغ معالم هوية وطنية من شأنها نقل البلدين إلى مصافّ الدول الحديثة، ويتعلق الأمر بالقومية وإعادة كتابة التاريخ والإصلاح اللغوي، ثم اللباس باعتباره مظهرًا من المظاهر المُعبّرة عن الهوية الجديدة للمواطن. وانتهت الباحثة إلى أن تتبّع هوية الأتراك والإيرانيين منذ الإصلاحات، أظهر الأسلوب الفوقي للتحديث وتعقّد البنية الثقافية، وهما عاملان أسهما في تأرجح الهوية بين التحديث على النمط الغربي ومحاولات الإحياء الديني، فضلً عن أن البعد القومي لم يلغِالعديد من الإشكاليات المرتبطة بالتعددية العرقية.
يتناول الصنف الثالث العلاقات بين إيران والدولة العثمانية، وقد خص عبد الصمد الأشهب28 أطروحته للعلاقات الصفوية - العثمانية، حيث يتوقف فيها عند أطوار هذه العلاقات والخلفيات التي كانت وراء الصدامات العسكرية المتواترة وكيفية اللجوء إلى وقفها عن طريق وضع هذه العلاقات في سياقها الدولي. فهل تمكّن الباحث من تقديم جديد في هذا الموضوع؟ ولا سيما أن الموضوع نفسه كان قد حظي بدراسة مفصلة قام بها جان لويس باكي كرامون29. المحور الثالث يتعلق بالمغارب، ويمكن أن نُميّز فيه بين ثلاثة مجالات، الأول يرتبط بالتاريخ العلائقي بين الدولة العثمانية والمغرب من زوايا مختلفة، ويمكن أن أذكر في هذا الباب ما أنجزه عزيز أوكادير عن "العلاقات المغربية - العثمانية ومسألة الخلافة"30، ويُدرج هذا العمل في إطار العلاقات الإسلامية - الإسلامية واتخاذ مسألة الخلافة حجر زاوية في طرحه، وما يتفرّع عن هذا الموضوع من قضايا ترتبط بمسألة الشرف، ويعالج مسألة الحدود التي تتنافى واقتناع الطرفين بالخلافة باعتبارها آلية لتدبير علاقاتهما. أما المجال الثاني، فهو المتعلق بتتبّع قضية عابرة لتاريخ المغارب في علاقته بأوروبا من خلال موضوع الأسرى في المغارب. إن موضوع أسرى الضفة الجنوبية31 الذي حصرت فيه الباحثة وفاء المصمودي نفسها، يُعتبر من المواضيع المهمة التي تحتاج إلى مزيد من الدرس والتحليل، على الرغم من أن عددًا من الباحثين كان قد تناوله بأشكال مختلفة. فهو موضوع مهم لاعتبارات شتى، بيّنتها الباحثة على نحو جلي في أطروحتها، فهو من جهة مدخل أساسي لدراسة التطورات في العلاقات بين ضفتي المتوسط، لأنه شكّل محورًا أساسيًا في هذه العلاقات، حيث استُعملت ورقة الأسرى لتحقيق أغراض سياسية، سواء من هذا الطرف أم ذاك. ومن جهة أخرى، كان أداة لدراسة التاريخ الاقتصادي للبلدان المغاربية؛ إذ أدّى الأسرى دورًا بارزًا في اقتصادات المنطقة، ولا أدلّ على ذلك من الدور الذي قاموا به في المغرب في تطوير فلاحة قصب السكر وصناعة السفن والأسلحة في العصر السعدي. وُفّقت الباحثة إلى حدٍ بعيد في دراسة الموضوع من خلال المحورين السابقين، وكان التوفيق حليفها بفضل قدرتها على: أولً، الإلمام بغالبية ما كُتب في الموضوع، فقد استطاعت أن تحيط بمعظم ما أنتج في الموضوع باللغتين العربية والفرنسية، إن على مستوى المصادر أو الدراسات، واستطاعت أن تُعرّفنا بالعديد من الدراسات الغميسة التي لم تجد بعدُ طريقها إلى النشر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجزائر، حيث اعتمدت على رسائل وأطروحات حديثة، مثل الرسالة التي أعدّها بومدين دباب عن الأسرى والسجون في مدينة الجزائر بين عامي 1519 و 1830. ثانيًا، استطاعت الباحثة استثمار النصوص الأصلية التي عادت إليها، إذ استندت دراستها إلى نصوص منوعة، تُراوح ما بين مذكرات الأسرى التي عدّتها في صدارة المادة المصدرية، باعتبارها ترسم صورة حيّة لواقع الأسر، إلى مؤلفات الرهبان الفدائية، وتقارير السفراء، ورأت في هذه التقارير نصوصًا دقيقة وخالية من المبالغات التي تتميز بها كتابات الأسرى أنفسهم، إلى نصوص المعاهدات المتعلقة بالافتداء، التي عكست حجم ظاهرة الأسر في العلاقات المغاربية - الأوروبية. وعلاوة على ذلك، لجأت الباحثة
إلى الصحافة المعاصرة، خاصة جريدة France de Gazette La32 التي تضمنت العديد من المقالات التي تهمّ مسألة الأمن في البحار، ومن ثمة ظاهرة الأسر. كانت المصمودي واعية بالقضايا الأساسية التالية في ما يتعلق بمادة البحث: كانت واعية بالثغرة التي يمكن أن يُخلّفها عدم اطلّاعها على الوثائق في أرشيفي تركيا والجزائر اللذين لم تُتَح لها فرصة الاطلاع على محتوياتهما. وأعتقد أن هذا الأمر يدخل في باب التوجس ليس إلّ، على اعتبار أن هذه الأرشيفات لا تتضمن أشياء جديرة بالاهتمام، ويبقى موضوع الأسرى أوروبيًا بامتياز، ومن ثمّ مادته أوروبية. فالدراسة التي قام بها خيري غوكشن أوزكوراي في موضوع "العبودية في الدولة العثمانية: الأسس القانونية وتمثلّات الواقع الاقتصادي والاجتماعي"33، تُبيّن ذلك بكل جلاء عندما يعرض الدراسات التي تناولت العبيد، سواء في فرنسا، مثل الدراسات التي أنجزها نيكولاس فاتان Vatin Nicolas، أم في تركيا، مثل الدراسات التي أنجزها خليل إينالجيك، أم تلك التي أنجزت في هنغاريا تحت إشراف الباحثين غيزا ديفيد Dávid Géza وبال فودور Fodor Pál، إذ إن كلها اعتمدت على نصوص أوروبية، باستثناء حالات محدودة اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية. وظّفت الباحثة في سبيل الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي وضعتها في مقدمة البحث أسلوبين في الكتابة: الكيفي والكمي. ويهمّني في هذا الباب أن أشير إلى جسارتها وشجاعتها في مقاربة الموضوع كمّيًا. لا يمكن أن نقول إن الباحث في التاريخ الاقتصادي عندما يستعمل إحصاءات وأرقامًا أنه يتبنى المنهج الكمي، فهو يستخدم الإحصاء لدعم وجهة نظره، لإثبات ما يقوله. أما مؤرخ المجالات البحثية الأخرى، فمنحاه مختلف تمامًا، فهو عندما ينهج الأسلوب الكمي، ويسجل مجموعة من البيانات الإحصائية، فذلك يكون بهدف معرفة الترابط الذي يمكن أن يكون بينهما، ويستخدم المزيد من البيانات الإحصائية ليتمكّن من ربط بعضها ببعض؛ وهذا يسمح له بتطوير نماذج تستدعي أنواعًا مختلفة من الإحصاءات وتوفّر معلومات حول ظاهرة معيّنة. وقد برهنت الباحثة على قدرتها على الإمساك بمقاربة ظواهر تاريخ الأسر كميًا عندما تعرضت لملكية الأسر في الفصل الثاني، وتصنيف الأسرى في الفصل الثالث، وعندما تعرّضت لأسعار افتداء الأسرى في الفصل الرابع. وكانت الباحثة واعية بالصعوبات التي تواجه مستعمل الرقم في الكتابات التاريخية ووضعت الاحترازات كلها ونبّهت إليها كلما همّت بتكميم التاريخ. أما المجال الثالث، فيتعلق بالصورة التي كوّنها المغاربة عن المشرق الإسلامي من خلال الكتابات الرحلية، وفي هذا الباب قدمت فتيحة المسعودي أطروحة في موضوع "أزمة الهوية وإشكالية التحديث: دراسة مقارنة لصورة الشرق والغرب في الرحلات المغربية"، وناقش المهدي الغالي أطروحة قدّم فيها نص رحلة الناصري بعنوان "الرحلة الناصرية لأحمد بن عبد السلام الناصري 1239 / 1823: دراسة وتحقيق". طرحت المسعودي أسئلة جديدة على متون الرحلات المغربية إلى أوروبا والدولة العثمانية، ولخّصتها في سؤالين محوريين: كيف قاربت الفئة العالمة المغربية بين هويتها واقتباس مقوّمات النهضة الأوروبية مباشرةً من أوروبا، أو عن طريق الدولة العثمانية؟
وكيف حاول دُعاة الإصلاح المغاربة معالجة عطَب الدولة المخزنية اعتمادًا على النموذج الأوروبي والعثماني؟ وفي سبيل الإجابة عن هذه الأسئلة، عملت الباحثة على استقراء نصوص مجموعة من الرحلات المغربية إلى أوروبا وإلى المشرق الإسلامي. وقد ربطت بين هذه النصوص واستلهام المغرب التجارب التحديثية، عثمانية كانت أم أوروبية، مسجّلة أن هذا الاستلهام وقفت في وجهه عوامل عدة، لعل أهمها مسألة غياب "السفير الدائم" والاكتفاء بإيفاد مبعوثين فترةً زمنية محدودة لم تمكّنهم من استيعاب ما دُهشوا به من جهة، والقضايا المتعلقة بذهنية الرحالة والمتمثلة في امتناعه عن مخالطة المسيحيين وتحرّجهم في الحديث عن أمور يثير الخوض فيها الشعور الديني من جهة ثانية، وصعوبة محاورة الأوروبيين بسبب عائق اللغة من جهة ثالثة. في إطار أوسع من هذا، عرضت أطروحة أخرى لموضوع ذي راهنية كبرى، ويتعلق الأمر بالعمل الذي قدّمه للمناقشة في عام 2012 محمد بن صالح، في موضوع "العالم الإسلامي والغرب خلال العصور الحديثة: بين تواصل الثقافات وصدام الحضارات". وقد ناقشت هذه الأطروحة موضوع التواصل بين الثقافات بين نهاية القرن الخامس عشر وبداية الألفية الثالثة، ويرى الباحث أن هذا الموضوع أخذ بلبّ العديد من الباحثين في الجامعات الغربية، ولا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وقد تناول بالبحث والتحليل نظرية صدام الحضارات وعرض في مقابلها نظرية بناء الثقافات التي تسعى لإعادة بناء العلاقات بين الشعوب على أساس المعرفة والاعتراف والتواصل. ولئن غاصت هذه الأطروحة في قضايا نظرية تخص النظريات التي تكوّنت في الأدبيات الأجنبية عن العلاقة بين العالم الإسلامي والمسيحي، فإنها استحضرت بعض المحطات التاريخية وفصلت في بعض الوقائع التي تدعم أطروحة بناء الثقافات التي يدافع عنها الباحث. استقطبت الوحدات الثلاث طلّبًا من المشرق العربي وتركيا، وجرى توجيههم إلى البحث في مواضيع تهم المجال العثماني، ومن ذلك مثلًالبحث في "تاريخ الجهاد الليبي" الذي حضّره محمد الطوير، وبحث "الأوضاع الاقتصادية في ولاية طرابلس الغرب في العهد العثماني الثاني من 1835 إلى 1911 " الذي أنجزه محمد عبد الله الخباط، وبحث "الحملات العثمانية على اليمن 1520 - 1571 ". ولأن الوحدات وضعت تاريخ الحواضر الإسلامية ضمن اهتماماتها الأولى، فقد ناقش وليد إبراهيم أطروحة عن "المدينة الإسلامية: صنعاء نموذجًا (مقاربات تاريخية ومعمارية)". ولعل ما يستوقف قارئ هذه الأطروحات الثلاث هو مدى التأثر بالمقاربة المغربية لتاريخ الدولة العثمانية، المتمثلة في ترك أحكام القيمة والصور النمطية التي ميّزت معظم الأبحاث العربية حول الدولة العثمانية، جانبًا، ومعالجة المواضيع انطلاقًا من نظرة فاحصة إلى الوثائق والمصادر، مع عدم إغفال النصوص العثمانية. ويمكن القول إن هذه الأطروحات الثلاث نجحت في تحقيق هاتين الغايتين، وتمكّنت من تقديم مراجعة للأحكام التي تكوّنت عن الدولة العثمانية في الأبحاث الجامعية العربية. أما الأطروحة الرابعة التي قدّمها غير المغاربة في هذه الوحدات، فتتعلق بالعلاقات العثمانية - المغربية في القرن التاسع عشر. جاءت أطروحة غوكخان يشيلمان Yeşılman Gökhan34 لتتوج الأعمال التي سبقت الإشارة إليها، والتي ترصد جوانب مختلفة من العلاقات العثمانية - المغربية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر. وقد اعتمدت الأطروحة في الأساس على وثائق الأرشيف العثماني، فبيّنت ما جرى الاشتغال عليه من الناحية الكمية، حيث أشارت إلى كشفها عمّا مجموعه 1595 وثيقة، تعود إلى القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتبرز واحدة من المعضلات الأساسية التي تواجه المشتغل في الأرشيف العثماني، والمتمثلة في أن أكثر هذه الوثائق مكرر، ومن ذلك مثلً "عريضة حول مسألة قانونية تخص مواطنًا عثمانيًا كان يعيش في المغرب"؛ فهذه العريضة مكررة بسبب عرضها على جهات مختلفة في الدولة العثمانية، فقد أرسلت إلى السفارة العثمانية في إسبانيا، وجرى إرسال نسخة منها أيضًا إلى وزارة الخارجية،
وأخرى إلى مقر الاستشارات القانونية، وواحدة إلى مقر الصدارة، وكان الرد الصادر عنها يتّخذ أيضًا الطريق نفسها؛ ما يعني أن الموضوع الواحد في عرضه والرد عليه قد تختلف فيه وثائق متعددة بالمحتوى نفسه، ويعود هذا إلى تعقيدات البيروقراطية العثمانية. والنتيجة هي أن المؤرخ يعتقد أنه حصل على وثائق وفيرة، لكن، في هذه الحالة، لا يحصل إلّ على ثلث الرقم الذي ذُكر آنفًا. إضافةً إلى وثائق الأرشيف العثماني، اعتمد الباحث ما كانت تنشره الصحف العثمانية، والصحف التي نُشرت في العاصمة العثمانية وفي ولايات مختلفة. ويُمكِّن الاطلاع على الصحافة العثمانية من الوقوف عند مصادر الخبر عن المغرب في العاصمة العثمانية إسطنبول، كما يُمكّن من الوقوف على مسألة على درجة كبيرة من الأهمية، وتتعلق بالكشف ولو جزئيًا عن وجهة نظر المجتمع العثماني حول علاقات الدولتين، وكيف تشكّل الرأي العام العثماني حول المغرب. يبدو من خلال هذه الأطروحات أن الأهداف التي سُطّرت في البداية عند إحداث وحدة التكوين والبحث، تحققت إلى حد بعيد، فقد انتبهت كلها إلى القضايا التي جرى تسطيرها: أولً، يمكن القول إن هذه الأطروحات ساهمت مساهمة فاعلة في تجنّب القوقعة (قوقعة البحث التاريخي في المغرب) على المجال المغربي، ومكّنت من ثمّ من مغادرة ما يُسميه عبد الحميد هنية "السجون المعرفية"35. لقد تمكّن العديد من هذه الأبحاث من إدارة الظهر للمحلية. لم تتميز هذه الأبحاث، على الرغم من أنها تشكّل باكورة الدراسات التاريخية الجامعية الأولى في المغرب، بالسطحية وغياب العمق وقلة الدقة، بل نجدها في الكثير من الأحيان تضاهي ما جرى إنجازه في جامعات تركية وأجنبية، وتناقش قضايا دقيقة، وتقدم نتائج الأبحاث الحديثة في الموضوع، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى موضوع الهوية في إيران وتركيا، وأيضًا بالنسبة إلى الدولة والقبيلة في إيران، والنخبة والأزمة في الدولة العثمانية. لقد أسهمت هذه الأبحاث في الانفتاح على المجالين الإيراني والعثماني، ومكّنت الباحث المغربي من الإطلالة على ما كان يدور في عوالم أخرى، وأسهمت أيضًا في تجديد النظرة إلى تاريخ هذه العوالم التي تشكّل لدينا عنها أحكام انطباعية في السابق. وقد مكّن الانفتاح على هذه العوالم من الاطلّاع على أحدث الدراسات الجادّة في مجالات قد تهمّ المغرب. ولا شك في أن العمل على علاقة الدولة بالقبيلة في إيران سيُسعف كثيرًا في فهم العديد من الظواهر المتعلقة بعلاقة هاتين البنيتين في المجالات المغاربية. ومن نافلة القول إن العمل على هذه المجالات التي تبدو أول وهلة مختلفة عن المجال المغربي، سيُمكّن من تجديد أسئلتنا وطرائق مقاربتنا للعديد من الظواهر. ثانيًا، كان همّ المادة الأرشيفية حاضرًا في الدراسات كلها، وإن بدرجات متفاوتة، فقد جعل يشيلمان قوة بحثه في الاعتماد على مخزون الأرشيف العثماني، وتدارك عبد الحي الخيلي عدم العودة إلى أرشيفات الدولة العثمانية باستعمال الأرشيف التونسي، وتحسرت وفاء المصمودي عن عدم تمكنها من استعمال الأرشيف العثماني في القضايا المتعلقة بالأسرى. وعلى مستوى آخر، استطاعت غالبية هذه الدراسات أن تقطع مسافة في استعمال الأرشيف، وتنتبه إلى الكثير من المشكلات التي تحيط باستعمال الأرشيفات، ولا سيما الأرشيف العثماني. ثالثًا، أهمية مقاربة المقارنة، وأعتقد أن هذا الأمر تحقق علنيًا في العديد من الدراسات، وعلى نحو مبطن في بعضها الآخر. فعلنيًا، عندما أفصحت في عناوينها عن هذه المقاربة، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى دراسة محمد الحيمر وأمينة المسعودي وسعاد بنعلي.
وكانت مبطنة حاضرة في المتن عندما تعلّق الأمر بموضوع القبيلة والدولة في إيران. لقد كانت المقارنات بين المجال المغربي والمجال الإيراني معلنة عن نفسها على نحو أو آخر. ولعل ما شجّع على اعتماد مقاربة المقارنة هو انتماء المجالات المقارنة بينها إلى المنظومة الدينية والثقافية نفسها، وإن اختلفت مذهبيًا، ومن ثمّ كان من الضروري أن تحضر على نحو مبطن أو علني، ولها ما يبررها منهجيًا. تنبغي الإشارة في هذا الباب أيضًا إلى أن المقاربة المقارنة في هذه البحوث تجاوزت شكلها الكلاسيكي المتمثل في الوقوف عند التشابهات والاختلافات بعد عرض كل مجال على حدة، إلى المقاربة التحليلية التي تتبع الاختلافات والتشابهات أولً بأول، ومن ثم تساهم في تجاوز التعميمات، وجاز لنا أن ننعتها ب "المقارنة المجهرية". رابعًا، وهي مرتبطة بالخلاصة السابقة، لأن المقاربة المقارنة تؤدي حتمًا إلى الانفتاح على العلوم الأخرى كل بحسب موضوعه. لقد فتحت هذه المقاربة الباب على مصراعيه لاحتكاك النظريات المتعلقة مثلً بالهويات والتشكل القبلي، وقد وجد الباحثون ضالّتهم المنشودة في العديد من الأعمال الأنثروبولوجية التي اعتمدت المنهج نفسه، مثلما هو الأمر عند كليفورد غيرتز وديل إيغلمان وإرنست غيلنر Gellner Ernest وغيرهم. خامسًا، أثارت هذه الأبحاث قضايا إشكالية راهنة، مثل قضية الهوية وبناء الدولة الوطنية، كما استحضرت الدراسات النظرية التي أنجزت حول موضوع الهوية وبناء الدولة الوطنية، من قبيل الأعمال التي أنجزها بندكت أندرسنُAnderson Benedict وغيلنر.
خلاصات
تمكّنت وحدات التكوين والبحث التي تخصصت في الدراسات العثمانية والإيرانية أن تعطي نفسًا لحقل بحثي جديد في الدراسات التاريخية المغربية، وتمكنت من المساهمة أيضًا في إخراج البحث التاريخي المغربي من قوقعته وفتحه على مجالات جغرافية أرحب، ولا شك في أن هذا الانفتاح ليس انفتاحًا لذاته، لكنه يساهم أيضًا في إلقاء إضاءات جديدة على الكثير من ظواهر تاريخ المغرب وأحداثه. إن قراءة العلاقات العثمانية - الإيرانية يفيد كثيرًا في فهم الكثير من جوانب هذه العلاقات، وتبقى أسئلة الإصلاح، ولا سيما الإصلاح العسكري في المغرب، قاصرة ما لم يجرِ الانفتاح على دراسة الإصلاح العثماني في مراحله كلها. كان من الطبيعي أن نتأخر في جني ثمار هذه التجربة لأسباب ترتبط بالإمكانيات التي توفّرها الجامعة لإنجاح مثل هذه التجارب، لكن كما يقول الفرنسيون jamais que tard mieux Vaut (أن تأتي متأخرًا أفضل من ألّ تأتي نهائيًا). لقد تمكّن فريق الوحدات، من خلال نكران الذات، من أن يحقق بعض أهدافه، ويعوّل على من التحق بالجامعة من هؤلاء الباحثين في إحياء هذا الحقل الجديد. وقد بدأت فعلً تباشير هذه العودة في أفق ضمان الاستمرارية مع توظيف متخصصين في هذا الحقل واستمرارهم في الإشراف على رسائل وأطروحات تتعلق بالتخصص، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الأطروحة التي أعدّها الباحث الشاب محمد غاشي في موضوع "السياسة الخارجية الألمانية تجاه العالم الإسلامي". هل جرى تعميق البحث في هذا الحقل الجديد؟ ستكون إجابتي عن هذا السؤال عبارة عن انطباعات، تؤسَّس على ملاحظات سجّلتها وأنا أرصد ما نشره خريجو هذه الوحدات من أبحاث بعد الأطروحة، سواء في أعمال ندوات أم في كتب جماعية أو فردية: الأولى، الغياب التام لبعض الباحثين الذين تخرجوا في هذا الحقل البحثي، وربما يعود ذلك إلى العديد من العوامل، لعل أهمها عدم التحاق عدد منهم بالجامعات المغربية، فعلى الرغم من تألّق العديد منهم على مستوى إنجاز الأطروحة، فإنهم لم يستطيعوا الظفر بمنصب في الجامعة.
الثانية، الإنتاج البحثي بقي لصيقًا بالأعمال التي أنجزوها في مستوى الدكتوراه، فالعديد منهم لم يستطع قطع "الحبل السري" مع موضوع الأطروحة. Cordon ombilical الثالثة، تتمثل في عودة بعضهم إلى طرح مواضيع مطروقة تخص العلاقات المغربية - العثمانية، وهو ما لم يفض في النهاية سوى إلى إعادة اجترار ما ورد في الأبحاث السابقة عن تاريخ هذه العلاقات.
المراجع
العربية
الأشهب، عبد الصمد. "العلاقات الصفوية - العثمانية في القرن السادس عشر". أطروحة دكتوراه. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2019. أوكادير، عزيز. "العلاقات المغربية - العثمانية ومسألة الخلافة". أطروحة دكتوراه. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2013.
بنحادة، عبد الرحيم. المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر. زغوان، تونس: مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، 1998.
________. "في تحقيب تدريس التاريخ في الجامعة المغربية". أسطور. مج 3، العدد 5 (كانون الثاني/ يناير 2017).
بنعلي، سعاد. "التحديث وإشكالات الهوية الوطنية في العالم الإسلامي: دراسة مقارنة لتركيا (1839 - 1939) وإيران (1848 - 1941)". أطروحة دكتوراه. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2018.
الحيمر، محمد. "الجيش الدخيل في الدول الإسلامية: جيش العبيد والإنكشارية العثمانية، محاولة في المقارنة". أطروحة لنيل درجة الدكتوراه الوطنية في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 2002.
الخداري، محمد. "دور الزوايا والطرق الصوفية في العلاقات بين المغرب وولاية الجزائر: حالة الزاوية الدرقاوية من 1786 إلى 1823 ". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. الرباط. 2002.
الخيلي، عبد الحي. "النخبة المثقفة وأزمة السلطة في البلاد الإسلامية بين القرنين السادس عشر والثامن عشر: مقارنة بين المغرب والدولة العثمانية". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2011.
زمامة، عبد القادر. "مع أبي الحسن التمكروتي في رحلته إلى القسطنطينية". المناهل. العدد 25 (1982).
الطبايلي، عبد الحفيظ. "العلاقات المغربية - العثمانية خلال القرن السادس عشر". رسالة أعدّت لنيل دبلوم الدراسات العليا في التاريخ. جامعة محمد الخامس. الرباط. 1989.
العواد، محمد. "السياسة الفرنسية تجاه العالم الإسلامي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: الدولة العثمانية والمغرب نموذجًا". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2012.
قديحي، فاطمة الزهراء. "نساء السلطان في البلاد الإسلامية المغرب والدولة العثمانية نموذجًا". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2012.
مبارك، ليلى. "القبيلة والدولة في إيران: من العهد الصفوي إلى العهد القاجاري". أطروحة دكتوراه. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2019. مزين، محمد ويونان لبيب رزق. العلاقات المغربية - المصرية من مطلع العصر الحديث إلى سنة 1912. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1982.
________. "الخطاب التاريخي في العلاقات المغربية – العثمانية". المجلة التاريخية المغاربية. العدد 35 - 36 (1984).
المصمودي، وفاء. "الأسرى الأوروبيون في المغارب ما بين القرنين 16 و 18: دراسة مقارنة بين المغرب والولايات العثمانية". أطروحة دكتوراه. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2020.
المودن، عبد الرحمن وعبد الرحيم بنحادة. العثمانيون والعالم المتوسطي: مقاربات جديدة. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2003.
________. السفر في العالم العربي الإسلامي: التواصل والحداثة. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2004.
________. العثمانيون في المغارب من خلال الأرشيفات المحلية والمتوسطية. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، المودن، عبد الرحمن وعبد الرحيم بنحادة وعبد الحميد هنية (تنسيق). الكتابة التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإسطغرافية. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007.
هنية، عبد الحميد. "المؤرخ العربي ومصادره". أسطور. مج 5، العدد 10 (تموز/ يوليو 2019).
يشيلمان، غوكخان. "العلاقات العثمانية - المغربية في القرن التاسع عشر". أطروحة دكتوراه. جامعة محمد الخامس. الرباط. 2020.
الأجنبية
Bacqué-Grammont, Jean Louis. Les Ottomans, les Safavides et leurs voisins: Contribution à l'histoire des
relations internationales dans l'orient islamique De 1514 à 1524. Istanbul: Publications de l'Institut historique
et archéologique néerlandais de Stamboul, 1987.
Bounite, Khadija. "Contribution à l'étude des relations maroco-ottomanes durant la seconde moitié du XVIIIème
siècle: Tentative et déroulement d'une coopération entre Fès et Istanbul." Thèse de doctorat en Histoire. Paris
I Universite, 1995.
El Moudden, Abderrahmane. Sharif and Padishah, Moroccan-Ottoman Relations from the 16 th Through the 18 th
Centuries: Contribution to the Study of a Diplomatic Culture. Princeton: Princeton University Press, 1992.
El Moudden, Abderrahmane, Abdelhamid Henia & Abderrahim Benhadda (eds.). Ecriture de l'Histoire du
Maghreb: Identité, mémoire et historiographie. Série Colloques et séminaires 138. Rabat: Publications de la
Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2007.
Feyel, Gilles. "Aux origines de l'éthique des journalistes: Théophraste Renaudot et ses premiers discours éditoriaux
(1631-1633)." Le Temps des médias. no. 1 (2003).
Ghachi, Mustapha. "Les voyageurs français et l'empire ottoman." Thèse de doctorat de 3 ème cycle. Université de
Pau et des pays de l'Adoure. 1994.
Özkoray, Hayri Gökşin. "L'esclavage dans l'Empire ottoman (XVIe-XVIIe s.)." Thèse de Doctorat. soutenue sous
la direction de Nicolas Vatin à la IVe. Section de l'École Pratique des Hautes Études. 2017.