العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الحجابة والحجّاب في إفريقية في العهد الحفصي

الحجابة والحجّاب في إفريقية في العهد الحفصي

The hijaba and the hujjab in Ifriqiya during the Hafsid era

حامد العجيلي

الملخّص

ظهرت الحجابة في إفريقية منذ العهد الأغلبي (184-296هـ/ 800-909م)، وتواصلت إلى العهد الحفصي (627-981هـ/ 1228-1574م)، حيث شهدت تطورًا منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، بلغ أوجه في أواخره، وأدّى الحجّاب أدوارًا مختلفة، وبرزت وجوه عديدة أشادت المصادر بأهميتها. كان عمل الحجّاب متنوعًا في مجالات شتى، وكان السلطان يعيّنهم من خلال مرسوم مكتوب في الغرض على ما يبدو. وتبعًا لأهمية خطة الحجابة التي صارت أهم الخطط السلطانية، فإنّ الحجّاب كانت لهم شبكات علائقية مختلفة الأوجه، حتى إنّهم تمكّنوا من السيطرة على دواليب الحكم في مناسبات عديدة وسيّروا شؤون الدولة الحفصية. تتعرض هذه الدراسة لظهور خطة الحجابة وتطورها وفترة أوجها ثم مهمات الحجّاب المكلفين بها، إضافةً إلى كيفية نسجهم لشبكة علاقات مختلفة، وتأثير ذلك في منصب الحجابة وفي السلطة نفسها والحجّاب.

Abstract

The ḥijāba was an official role that appeared in Ifrīqiya (modern Tunisia and parts of Algeria and Libya) in the Aghlabid era (800 - 909) and continued into the Hafsid era (1228 - 1574). The role of the ḥujjāb , who acted as a gatekeeper and advisor to the Sultan, developed throughout the middle of the 14 th century and reached the peak of its powers towards its end, and numerous sources testify to its importance. The ḥujjāb ’s role was diverse and covered various fields. The Sultan appointed its holder by decree, and given the role’s prominence, this was one of the Sultan’s most important policy decisions. The ḥujjāb had various networks of relations through which he was often able to control the wheels of government and set the trajectory of the Hafsid state. This paper discusses the emergence of the ḥijāba , its evolution and its character at its peak. It then looks at the tasks assigned to the role, how its holders were able to weave a network of relationships, and the impact this had on the position, the ḥijāba and the government.

الكلمات المفتاحية:
  • الحجابة
  • الحجاب
  • علاقات القوة
  • الدولة الحفصية
Keywords:
  • hujaba
  • hujjab
  • Hafsid state
  • power networks

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

DOI: https://doi.org/10.31430/QXCI8896: الرقم التعريفي
حامد العجيلي | Ajili *Hamed
الحجابة والحجّاب في إفريقية في العهد الحفصي
The ḥijāba and the ḥujjāb in Ifrīqiya during the Hafsid era

ظهرت الحجابة في إفريقية منذ العهد الأغلبي (296-184 ه/ 909-800 م)، وتواصلت إلى العهد الحفصي (981-627 ه/ 1574-1228 م)، حيث شهدت تطورًا منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، بلغ أوجه في أواخره، وأدّى الحجّاب أدوارًا مختلفة، وبرزت وجوه عديدة أشادت المصادر بأهميتها. كان عمل الحجّاب متنوعًا في مجالات شتى، وكان السلطان يعيّنهم من خلال مرسوم مكتوب في الغرض على ما يبدو. وتبعًا لأهمية خطة الحجابة التي صارت أهم الخطط السلطانية، فإنّ الحجّاب كانت لهم شبكات علائقية مختلفة الأوجه، حتى إنّهم تمكّنوا من السيطرة على دواليب الحكم في مناسبات عديدة وسيّروا شؤون الدولة الحفصية. تتعرض هذه الدراسة لظهور خطة الحجابة وتطورها وفترة أوجها ثم مهمات الحجّاب المكلفين بها، إضافةً إلى كيفية نسجهم لشبكة علاقات مختلفة، وتأثير ذلك في منصب الحجابة وفي السلطة نفسها والحجّاب.

The ḥijāba was an official role that appeared in Ifrīqiya (modern Tunisia and parts of Algeria and Libya) in the Aghlabid era (800 - 909) and continued into the Hafsid era (1228 - 1574). The role of the ḥujjāb , who acted as a gatekeeper and advisor to the Sultan, developed throughout the middle of the 14 th century and reached the peak of its powers towards its end, and numerous sources testify to its importance. The ḥujjāb ’s role was diverse and covered various fields. The Sultan appointed its holder by decree, and given the role’s prominence, this was one of the Sultan’s most important policy decisions. The ḥujjāb had various networks of relations through which he was often able to control the wheels of government and set the trajectory of the Hafsid state. This paper discusses the emergence of the ḥijāba , its evolution and its character at its peak. It then looks at the tasks assigned to the role, how its holders were able to weave a network of relationships, and the impact this had on the position, the ḥijāba and the government.

أستاذ مساعد في التاريخ الوسيط في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، صفاقس. Assistant Professor in Medieval History at the Faculty of Arts and Humanties in Sfax, Tunisia. hamedajili2@gmail.com

مقدمة

ظل الحديث عن المكونات الإدارية للدولة الحفصية، على الرغم من البحوث والدراسات التي خُصصت للجوانب السياسية

للعهد الحفصي، في إطار البحث عن طبيعة النظام السياسي ومختلف أوجه النشاط الإداري للدولة، في حين بقي تخصيص حيّز

مستقل للبحث في النظم الإدارية بتفصيلاتها غيرَ مطروح، إذا ما استثنينا ما أشار إليه هوبكنز وروبار برنشفيك1. ضمن هذا السياق البحثي، تبقى إشكاليات البنى الإدارية والإداريين الذين شغلوا مناصب عليا في الدولة محَّلَ اهتمام وبحث يمكن أن يسهم في إماطة اللثام عن عديد القضايا المتصلة خاصة بسير دواليب الحكم والإدارة. ومن ثمة نجد أنفسنا أمام تساؤلات عديدة تبدو غامضة وفي حاجة إلى توضيحات، منها: كيف ظهرت خطة الحجابة لدى الحفصيين سليلي الحكم الموحدي الذي اعتمد خاصة على رتبة الوزارة وفئة الكتّاب؟ وكيف تطورت مهمات الحاجب؟ وما الوظائف التي اضطلع بها الحجّاب؟ وما الأسس المعتمدة في اختيارهم؟

وما أصولهم الاجتماعية والجغرافية؟ ثم كيف كانت علاقتهم بالسلطة والمجتمع؟ وما شبكة علاقاتهم السياسية والاجتماعية؟ هذه الأسئلة ضرورية للبحث في موضوع الحجابة والحجّاب في الفترة الحفصية، إضافةً إلى أسئلة أخرى عديدة سنحاول الإجابة

عنها من خلال المنهج التحليلي النقدي وقراءة في أدوار أولئك الفاعلين السياسيين الذين يُعرفون بالحجبة أو الحجّاب.

أولًا: ظهور الحجابة وتطورها2

إن كلمة الحجابة مشتقة من فعل حجب ويعني الستر، أما الحاجب فهو البواب وجمعه حجبة وحجّاب، في حين تعني كلمة

الحجابة ولاية الحاجب، وهو الشخص الذي يقف في باب السلطان، ثم أصبحت الكلمة تعني خطة في البلاط ظهرت منذ الفترة الأموية وتطورت مع العباسيين في بغداد، حيث نشب صراع بين الوزير والحاجب3. أما في الأندلس فالوضع مختلف عن المشرق، حيث كان الحاجب أعلى مرتبة من الوزير. ويرى برنشفيك أن الحجابة قد انتقلت من الأندلس إلى إفريقية4، في حين بيّن هوبكنز أن الأغالبة والفاطميين في إفريقية عرفوا خطة الحاجب، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الموحّدين5.

1 1 ج. ف. ب. هوبكنز، النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى، ترجمة أمين توفيق الطيبي (تونس: الدار العربية للكتاب، 1980)، ص 53 - 58، مع الإشارة

إلى أن الكاتب لم يذكر الحجابة خلال العهد الحفصي؛ روبار برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، ترجمة حمادي الساحلي،

ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988)، ص 181، 146 - 187، 196، 201 - 213؛ ينظر أيضًا: المرجع نفسه، ج 2، ص 54 - 56.

2  حول الحجابة وتطورها في الحضارة العربية الإسلامية، يمكن الرجوع إلى دائرة المعارف الإسلامية، ينظر:

"Ḥādjib," in: J. Schacht et al. (eds.), Encyclopedia of Islam , vol. 3 (Leiden: Brill, 1986), pp. 45 - 49 ; "Ḥidjāb," in: Schacht et al. (eds.), vol. 3 , pp. 360 - 361 ;

محمد حيان السمّان، في تدبير القداسة: الحجابة والحجاب، أدب الدخول على السلطان في التراث العربي الإسلامي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2018)؛ مياسة نايف حاتم، "وظيفة الحاجب في عصر صدر الإسلام"، مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، العدد 65 (آذار/ مارس 2021)، ص 65 - 77. 3  أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن منظور، لسان العرب، مج 1 (بيروت: دار صادر، [د. ت.])، ص 298 - 299؛. 45. p ," Hadjib ". 4  برنشفيك، ج 2، ص 54. 5  آمنة محمود عودة الذيابات، "الحجابة والوزارة في عصر الخلافة الأموية في الأندلس (316 - 422 ه/ 928 - 1030 م)"، رسالة ماجستير في التاريخ، جامعة مؤتة،

الأردن، 2000، ص 52 - 214؛ برنشفيك، ج 2، ص 54؛ 49. p ," Hadjib "؛ هوبكنز، ص 53 - 58؛ يمكن الرجوع إلى ملاحظات محمد القبلي الخاصة بالإدارة الحفصية

والمرينية ومكوناتها وأهمية الحاجب عند الحفصيين الذي يقابله المزوار في فاس:

Mohamed Kably, Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen-âge (Paris: Maisonneuve et Larose, 1986), pp. 263 , 264 ;

وللتعرف أكثر إلى خطة الحجابة في المغربين الأوسط والأقصى، ينظر: أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر، روضة النسرين في دولة بني مرين (الرباط: المطبعة الملكية،

1962)؛ أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر، تاريخ الدولة الزيانية، تحقيق هاني سلامة (بور سعيد: مكتبة الثقافة الدينية، 2006)؛ لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في

أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1975)؛ أبو زكريا يحيى بن خلدون، بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تحقيق عبد

الحميد حاجيات، ج 1 (الجزائر: دار الطباعة الشعبية للجيش، 2007)؛ وللاطلاع أكثر على ببليوغرافيا منوعة بشأن الحفصيين والمرينيين والزيانيين وبني نصر، ينظر:

Jean-Claude Garcin et al., Etats, sociétés et cultures du Monde Musulman médiéval (Xe-XVe siècles) (Paris: PUF, 1995), vol. 1 , pp. LXX-LXXVI.

  1. ج. ف. ب. هوبكنز، النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى، ترجمة أمين توفيق الطيبي (تونس: الدار العربية للكتاب، 1980)، ص 53 - 58، مع الإشارة إلى أن الكاتب لم يذكر الحجابة خلال العهد الحفصي؛ روبار برنشفيك، تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م، ترجمة حمادي الساحلي، ج 1 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988)، ص 181، 146 - 187، 196، 201 - 213؛ ينظر أيضًا: المرجع نفسه، ج 2، ص 54 - 56.
  2. حول الحجابة وتطورها في الحضارة العربية الإسلامية، يمكن الرجوع إلى دائرة المعارف الإسلامية، ينظر: "Ḥādjib," in: J. Schacht et al. (eds.), Encyclopedia of Islam , vol. 3 (Leiden: Brill, 1986), pp. 45 - 49 ; "Ḥidjāb," in: Schacht et al. (eds.), vol. 3 , pp. 360 - 361 ; محمد حيان السمّان، في تدبير القداسة: الحجابة والحجاب، أدب الدخول على السلطان في التراث العربي الإسلامي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)؛ مياسة نايف حاتم، "وظيفة الحاجب في عصر صدر الإسلام"، مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع، العدد 65 (آذار/ مارس 2021)، ص 65 - 77.
  3. أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن منظور، لسان العرب، مج 1 (بيروت: دار صادر، [د. ت.])، ص 298 - 299؛. 45. p ," Hadjib ".
  4. برنشفيك، ج 2، ص 54.
  5. آمنة محمود عودة الذيابات، "الحجابة والوزارة في عصر الخلافة الأموية في الأندلس (316 - 422 ه/ 928 - 1030 م)"، رسالة ماجستير في التاريخ، جامعة مؤتة، الأردن، 2000، ص 52 - 214؛ برنشفيك، ج 2، ص 54؛ 49. p ," Hadjib "؛ هوبكنز، ص 53 - 58؛ يمكن الرجوع إلى ملاحظات محمد القبلي الخاصة بالإدارة الحفصية والمرينية ومكوناتها وأهمية الحاجب عند الحفصيين الذي يقابله المزوار في فاس: Mohamed Kably, Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen-âge (Paris: Maisonneuve et Larose, 1986), pp. 263 , 264 ; وللتعرف أكثر إلى خطة الحجابة في المغربين الأوسط والأقصى، ينظر: أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر، روضة النسرين في دولة بني مرين (الرباط: المطبعة الملكية، 1962)؛ أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر، تاريخ الدولة الزيانية، تحقيق هاني سلامة (بور سعيد: مكتبة الثقافة الدينية، 2006)؛ لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1975)؛ أبو زكريا يحيى بن خلدون، بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تحقيق عبد الحميد حاجيات، ج 1 (الجزائر: دار الطباعة الشعبية للجيش، 2007)؛ وللاطلاع أكثر على ببليوغرافيا منوعة بشأن الحفصيين والمرينيين والزيانيين وبني نصر، ينظر: Jean-Claude Garcin et al., Etats, sociétés et cultures du Monde Musulman médiéval (Xe-XVe siècles) (Paris: PUF, 1995), vol. 1 , pp. LXX-LXXVI.

استنادًا إلى المصادر الإخبارية الحفصية الأساسية المعروفة لدى الدارسين، تبَّيَن لنا غياب الحديث عن الحجابة باعتبارها مكونًا

أساسيًا للدولة في بداية الحكم. وبحسب التحليل الخلدوني لنشأة الدولة، تكون أدوات الحكم بسيطة وبعيدة عن التعقيد، وفي هذا

الصدد نؤكد أن هناك تواصلًا مع آليات الحكم الموحدي، الذي كان يعتمد أساسًا على خطة الوزارة وشيوخ الموحدين والكتّاب، إضافةً

إلى الحجّاب في مرتبة أخيرة داخل الإدارة الموحدية6. أما فيما يتصل بفترة بحثنا فتستوقفنا عبارتان في ما ذكره ابن القنفذ عند حديثه عن أبي القاسم بن الشيخ (من أصل أندلسي واستقر في بجاية ثم في تونس الحفصية)، وبداية دخوله البلاط الحفصي وتقديمه للسلطان الحفصي المستنصر (647 - 677 ه/ 1249 - 1277 م) من جانب عبد الله بن ياسين الهنتاتي8 (أحد شيوخ الموحدين) بقوله: "يليق بباب الخلفاء"9. فهل هي إشارة ضمنية إلى وجود خطة الحاجب في فترة المستنصر؟ أم أنها إحالة على أهمية باب الخليفة بوصفه رمزية إلى علوّ شأن من يلج ذلك الباب؟

ندلي بهذه الملاحظة ونشير في الآن نفسه إلى ما قاله عبد الرحمن بن خلدون (732 - 808 ه/ 1332 - 1406 م)، عند حديثه المزدوج عن الرئاسة الخاصة بابن أبي الحسين، في فترة المستنصر، ورئاسة أبي الحسين بن سيد الناس في علاقة بمنصب الحجابة، زمن حكم أبي حفص عمر الأول (683 - 694 ه/ 1284 - 1295 م)، والذي ربما يفَّسَر بوجود الحجابة، وهو ما أكده أحد الدارسين الذي أشار إلى وجود

تلك الخطة في عهد المستنصر الحفصي؛ ما يجعلنا نرجّح وجود الحاجب منذ حكم أبي يحيى زكرياء بن الشيخ أبي محمد عبد الواحد

(627 - 647 ه/ 1228 - 1249 م)، ولكنه لم يصل إلى مرتبة الرئاسة10. وبالعودة إلى أهم مؤرخ حفصي، وهو عبد الرحمن بن خلدون، نجده خصص حيزًا مهمًا للحديث عن الحجابة يتصل بتطور تلك

الخطة من الزاوية التاريخية، بدءًا بالفترة الأموية والعباسية؛ ليبين لنا أنها كانت تعني حجابة السلطان عن العامة، وترتبط بعملية فتح

الأبواب وغلقها، وتواصل العمل بتلك العادة حتى فترة ابن خلدون؛ ففي مصر يلَّقَب صاحب ذلك العمل بالنائب، ونجد اختلافًا مع الحجابة التي كانت سائدة في الأندلس، حيث كان الحاجب يحجب السلطان عن العامة والخاصة زمن الدولة الأموية، وهو كذلك شخص يكون واسطة بين السلطان ووزرائه، وظهر حجّاب أو حجبة كبار أيام تلك الدولة11. ومقارنةً ببلاد المغرب عمومًا، في رأي ابن خلدون، فإن البداوة ساهمت في إغفال ذلك اللقب وصولًا إلى الفترة الموحدية12.

والحال مثلما بينّا سابقًا أنّ لقب الحاجب ظهر في إفريقية منذ الفترة الأغلبية. فهل يقصد ابن خلدون تطوّر تلك الخطة إلى أرفع منزلة

في مؤسسات الدولة دون غيرها من الخطط في فترة دون أخرى؟ يبدو الأمر كذلك، حيث يقرّ أن بني حفص في إفريقية قد ظهرت

6  يرى عز الدين موسى أنّ المصادر الموحدية لا تشير إلى وجود الحاجب في الإدارة، واكتفى بالحديث عن خطة الوزارة والكتاب، وأضاف موضحًا أن المصادر المغربية

المتأخرة تطلق لفظة حاجب على الوزير، ينظر: عز الدين موسى، الموحدون في الغرب الإسلامي: تنظيماتهم ونظمهم (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991)، ص 155.

في حين نرى أن المراكشي ذكر بعض الحجاب عند حديثه عن العاملين في الإدارة الموحدية، ينظر: عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق

محمد زينهم محمد عزب (القاهرة: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، [د. ت.])، ص 220، 257، 267. 7  لا تذكر المصادر تاريخ ميلاده ووفاته، عاش خلال القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. 8  أبو العباس أحمد بن الخطيب بن القنفذ، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، تحقيق محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي (تونس: الدار التونسية للنشر،

1968)، ص 147. 9  عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مج 6 (بيروت: دار الكتاب

اللبناني، 1959)، ص 705؛ إبراهيم جدلة، المجتمع الحضري بإفريقية في العهد الحفصي (تونس: المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بقفصة، جامعة

قفصة، 2010)، ص 130. يبدو من خلال ما ذكره ابن خلدون أن الرئاسة تعني تغلّب خطة من الخطط على بقية مكونات الجهاز الإداري الحفصي، أما وجود حاجب لدى

أبي زكرياء الحفصي في رأينا فيعود إلى التقليد الموحدي الذي أوجد الحاجب استنادًا إلى رواية المراكشي، لذلك يجب التفريق بين خطة الحجابة باعتبارها مكوّنًا من

مكونات الإدارة في البلاط، والحاجب الذي قد تكون مهمّاته محدودة جدًا في بدايات نشأة الدولة.

10  عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الجيل، [د. ت.])، ص 265. وفيما يتعلق بالحجابة في الأندلس، ينظر: الذيابات. 11  ابن خلدون، المقدمة، ص 266.

  1. يرى عز الدين موسى أنّ المصادر الموحدية لا تشير إلى وجود الحاجب في الإدارة، واكتفى بالحديث عن خطة الوزارة والكتاب، وأضاف موضحًا أن المصادر المغربية المتأخرة تطلق لفظة حاجب على الوزير، ينظر: عز الدين موسى، الموحدون في الغرب الإسلامي: تنظيماتهم ونظمهم (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991)، ص 155. في حين نرى أن المراكشي ذكر بعض الحجاب عند حديثه عن العاملين في الإدارة الموحدية، ينظر: عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد زينهم محمد عزب (القاهرة: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، [د. ت.])، ص 220، 257، 267. 7  لا تذكر المصادر تاريخ ميلاده ووفاته، عاش خلال القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي.
  2. أبو العباس أحمد بن الخطيب بن القنفذ، الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، تحقيق محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي (تونس: الدار التونسية للنشر، 1968)، ص 147.
  3. عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مج 6 (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1959)، ص 705؛ إبراهيم جدلة، المجتمع الحضري بإفريقية في العهد الحفصي (تونس: المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بقفصة، جامعة قفصة، 2010)، ص 130. يبدو من خلال ما ذكره ابن خلدون أن الرئاسة تعني تغلّب خطة من الخطط على بقية مكونات الجهاز الإداري الحفصي، أما وجود حاجب لدى أبي زكرياء الحفصي في رأينا فيعود إلى التقليد الموحدي الذي أوجد الحاجب استنادًا إلى رواية المراكشي، لذلك يجب التفريق بين خطة الحجابة باعتبارها مكوّنًا من مكونات الإدارة في البلاط، والحاجب الذي قد تكون مهمّاته محدودة جدًا في بدايات نشأة الدولة.
  4. عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة (بيروت: دار الجيل، [د. ت.])، ص 265. وفيما يتعلق بالحجابة في الأندلس، ينظر: الذيابات.
  5. ابن خلدون، المقدمة، ص 266.

وتفوّقت في بداية دولتهم الوزارة وصاحب الأشغال؛ ولذلك، حتى المصادر الحفصية الأخرى ركزت على أهم الخطط ونسيت الحديث

عن الحاجب، الذي يبدو أنه قد وجد منذ فترة أبي يحيى زكرياء حتى أضحت الرئاسة فيما بعد لتلك الخطة على حساب الخطط الأخرى، فأصبح الحديث عنها متواترًا في المصادر إلى جانب الخطط الأخرى. فكيف تطورت الحجابة؟ لا نجد إجابات واضحة في المصادر ما عدا مؤَّلَف العبر لابن خلدون، من خلال تعرّضه في مقدمته للتعريف بالحاجب وبعض

مهماته باقتضاب شديد، مبينًا تحوّل ذلك اللقب إلى خطة إدارية مهمة، بل أرفع الخطط مقارنةً بالخطط الأخرى، وبيّن لنا النقاط

التالية: كان الحاجب "قهرمانًا خاصًا" بدار السلطان13، ويهتم بالرزق والعطاء والكسوة والنفقة في المطابخ والإصطبلات وغيرها، وحصر

الذخيرة، وغير ذلك. كان الحاجب يقوم بكتابة العلامة على السجلات، إذا كان يحسن صناعة الكتابة. أصبح الحاجب واسطة بين الناس وأهل الرتب كلّهم. في آخر الدولة، جُمع له السيف والحرب ثم الرأي والمشورة. ӵ وصول الحاجب إلى مرحلة الاستبداد والحجر. إذهاب خطة الحجابة ومباشرة السلطان لأموره بنفسه14. إنّ مختلف تلك النقاط المذكورة يمكن أن تحيلنا إلى التطورات في مهمات الحاجب، التي ارتبطت باتساع الملك وكثرة المرتزقين. وهكذا، نرى ابن خلدون يميز بين مرحلتين لتطور تلك الخطة، هما: مرحلتا البداوة و"الحضارة الداعية إلى انتحال الألقاب"، على حد تعبيره، وزاوج في ذلك بين تحليله لظهور تلك الخطة ومعاينته الواقع الحفصي، وهي شهادة مهمة سنجد دعائمها في كتابه العبر وفي المصادر الأخرى، من خلال تخصيصها حيّزًا مهًّمًا للحديث عن تلك الخطة، ومختلف الشخصيات التي شغلتها،

إلى منتصف القرن التاسع الهجري. وفي السياق ذاته، نشير إلى أنّ هناك مسألة مهمة طالما بحث فيها ابن خلدون، وهي مشكل الدولة وتشكّلها ثم تضخّم بعض هياكلها، في رأيه، على حساب هياكل أخرى. ويرى في ذلك علاقة مباشرة بالملك وما تصل إليه الدول، بصورة عامة، من حالات القوة والضعف. ويبدو هذا الربط الذي يجده بين عظمة خطة الحجابة وهرم الدولة يشوبه بعض الغموض، خاصة في علاقة بمنصب الحاجب، ليس على صلة بالديناميكية الداخلية للدول وما يعتري سياساتها من تبدّل، نتاج ظروف عديدة. وهذا الكلام ينطبق في

الحقيقة على الدولة الحفصية. فإذا أخذنا في الاعتبار الفترات الكبرى، التي مرّت بها الدولة الحفصية، يتبين لنا أنّ المصادر نبّهت إلى أهمية فترتَي أبي يحيى

زكرياء المؤسس، وابنه أبي عبد الله المستنصر، ثم فترة تراجع نتاج الصراع الذي نشب على الحكم (675 - 718 ه/ 1277 - 1346 م)، وهي الفترة التي شهدت تتالي تسعة سلاطين على الحكم، وفي أثناء ذلك بدأ الحديث في المصادر على خطة الحجابة، وتحديدًا في

12  قهرمان القصر هو الشخص الذي يتولى شؤون القصور الملكية ويتصرف في أدوات بيت الأمير ونفقاته، ينظر: برنشفيك، ج 2، ص 53 - 55. 13  ابن خلدون، المقدمة، ص 267. ويقدّم لنا ابن الأزرق نوعين من الاحتجاب: المأذون فيه والممنوع منه، وينبه السلطان من احتجابه عن العامة حيث يمكنهم معرفة

أعماله المستورة عنهم، والاحتجاب الممنوع هو ذلك الذي يسرع في خراب الدول ويكون السلطان في عداد الموتى، ويذكر ما قاله أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي:

"لا تزال الرعية ذات سلطان واحد ما وصلوا إلى السلطان فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة"، ينظر: أبو عبد الله بن الأزرق، بدائع السلك في طبائع الملك، تحقيق

وتقديم علي سامي النشار (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2008)، ص 310 - 318.

  1. قهرمان القصر هو الشخص الذي يتولى شؤون القصور الملكية ويتصرف في أدوات بيت الأمير ونفقاته، ينظر: برنشفيك، ج 2، ص 53 - 55.
  2. ابن خلدون، المقدمة، ص 267. ويقدّم لنا ابن الأزرق نوعين من الاحتجاب: المأذون فيه والممنوع منه، وينبه السلطان من احتجابه عن العامة حيث يمكنهم معرفة أعماله المستورة عنهم، والاحتجاب الممنوع هو ذلك الذي يسرع في خراب الدول ويكون السلطان في عداد الموتى، ويذكر ما قاله أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي: "لا تزال الرعية ذات سلطان واحد ما وصلوا إلى السلطان فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة"، ينظر: أبو عبد الله بن الأزرق، بدائع السلك في طبائع الملك، تحقيق وتقديم علي سامي النشار (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2008)، ص 310 - 318.

فترة حكم المستنصر الحفصي، الذي كان يعتمد على "الحاجب الأعلى" أبي عبد الله سعيد بن اليقظان. ويبدو أنّ عبارة "الحاجب الأعلى" تحيل على تطوّر خطة الحاجب مقارنة بما كانت عليه أيام أبي يحيى زكرياء الحفصي، من دون أن نجد تفاصيل تتعلق

بمهمات الحاجب، التي يبدو أنها كانت بسيطة في البداية، ثم توسعت أكثر في فترة المستنصر15. وبالرجوع إلى تلك الإشارة نفسها "الحاجب الأعلى"، فإنه يمكن أن يقابلها "الحاجب الأدنى"؛ لأن المصادر تحدثت في فترات لاحقة عن "الحاجب الأول"، إشارةً إلى أهميته مقابل حاجب ثانٍ على ما يبدو، ونلاحظ في هذا السياق أنّ هناك تقاربًا في المعنيين

بين "الحاجب الأعلى" و"الحاجب الأول". وتغفل المصادر في الوقت نفسه عن "الحاجب الثاني"، الذي يبدو أنّ مهماته ثانوية. وإذا كان لفظ "الحاجب الأعلى" قد وُجد زمن المستنصر الحفصي، فإننا نرجّح وجود حاجب فترة أبي يحيى زكرياء، لكن في مرتبة ثانية

مع "قهرمان الدار"، أشار إليها ابن خلدون باعتبارها تعني الحاجب ذا المهمات الخاصة بدار السلطان، وهو أهم من الشخصية الثانية التي ربما كانت تقف في الباب السلطاني16. وليس مصادفة أن نجد ذكر عديد الأسماء للحجّاب منذ بداية حكم أبي إسحاق إبراهيم (678 - 681 ه/ 1280 - 1282 م). ثم بلغت

تلك الخطة أوجها مع فترة السلطان أبي بكر يحيى بن إبراهيم (718 - 747 ه/  1318 - 1346 م)، وتوقفت المصادر عن ذكر تلك الخطة مع منتصف القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر ميلادي. ومعنى ذلك، على ما يبدو، بداية اضمحلالها وربما تواصل عمل الحاجب، حتى نهاية العصر الحفصي، لكنه ظهر بألفاظ أخرى17. ولتوضيح ذلك، رأى ابن خلدون أنّ هناك فرقًا بين الحجابة والحجّاب، مستندًا في ذلك إلى فكرة التطور الطبيعي للملك الذي

أدى إلى ظهور الحجّاب باعتباره ضرورة سلطانية، وقال إن الحجّاب ثلاثة أصناف: حجّاب فرضتهم ضرورة الملك، وحجّاب فرضهم

تطور الملك، وحجّاب فرضتهم حاجة المحافظة على الملك. وهي كلّها تحيل إلى أصناف مختلفة من الحجّاب؛ فالأول حجابة على

العوام، ثم حجابة على بعض الخواص من السلطان، ثم حجابة على الخواص والعوام، وهي فترة استبداد الحجّاب على السلطان18. يبدو أن ابن خلدون قد ميّز بين ظهور الحجّاب وفق مراحل تاريخية معينة؛ لذلك ذكرنا سابقًا أنّ الحجابة ظهرت منذ زمن أبي

يحيى زكرياء الحفصي مؤسس الدولة، باعتبارها ضرورية للملك. ثم بعد ذلك، ظهرت الحجابة بوصفها خطة إدارية مهمة، غير أنّ ما ذكره من ملاحظات مهمة لا نجد له أثرًا تفصيليًا في المصادر الحفصية، وما يمكن فهمه أيضًا من ملاحظات ابن خلدون أنّ الحجابة

14  جدلة، ص 130، حيث يذكر مقتطفًا من قصيدة لحازم القرطاجني (608 - 684 ه/ 1211 - 1286 م) تحدّث فيها عن الحاجب أبي عبد الله سعيد بن اليقظان، جاء فيه

ما يلي:

فسعدتُ يا بن سعيدٍ الَأعلى أبي *** عبد الِإَِله ونلتُ ما أنا أَرتجيَ

الحاجبِ الَأعلى الذي مُذْ فََّتّحتْ *** يُمناهُ أبوابَ المنى لم تُرْتجَ

ذخرُ الإِمام المجتبى وعياذه *** ومنيرُ غيهبِ كِّلّ خطبٍ مدّج

15  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 805 - 806. ويقول في هذا الصدد: "ثم استقدم الأمير أبو زكريا حاجبه الأول لعهد ابن سيد الناس وهو أبو عبد الله محمد بن

فرحون، وقد كان السلطان بعثه في غرض الرسالة إلى ملك المغرب"، ونقل الزركشي ما رواه ابن خلدون، ينظر: أبو محمد عبد الله اللؤلؤي الزركشي، تاريخ الدولتين

الموحدية والحفصية، تحقيق الحسين اليعقوبي (تونس: المكتبة العتيقة، 1998)، ص 161. مع الإشارة إلى أن هذه الأحداث تعود إلى فترة السلطان أبي يحيى أبي بكر

(718 - 747 ه/ 1318 - 1347 م) الذي عُرف بكثرة حجّابه.

16  يمكن الرجوع إلى قائمة الحجّاب خلال كامل الفترة الحفصية، بحسب المصادر في الصفحات القادمة. ونشير إلى توقّف كتاب الزركشي تاريخ الدولتينعند فترة

أبي عمرو عثمان (839 - 892 ه/ 1436 - 1488 م)، وتحديدًا عند أحداث سنة 882 ه/ 1477 م، أما ابن أبي دينار فلا يذكر تلك الخطة. ينظر: أبو عبد الله محمد بن أبي دينار،

المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تحقيق محمد شمام (تونس: المكتبة العتيقة، 1967)؛ ويرى برنشفيك استنادًا إلى مؤلف وصف إفريقيا للحسن الوزان، أنّ "صاحب

التشريفات" هو الحاجب خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. ينظر، برنشفيك، ج 2، ص 56. 17  ابن خلدون، المقدمة، ص 321 - 322. لا يختلف رأي ابن خلدون في النقطة الأخيرة التي ذكرها عن استبداد الحجّاب على السلطان، عمّا ذكره الطرطوشي الذي

قال إنّ ذلك يعجّل ويسرّع في المضرة و"هدم السلطان وسرعة خراب الدول"، ينظر: ابن الأزرق، ص 318.

  1. جدلة، ص 130، حيث يذكر مقتطفًا من قصيدة لحازم القرطاجني (608 - 684 ه/ 1211 - 1286 م) تحدّث فيها عن الحاجب أبي عبد الله سعيد بن اليقظان، جاء فيه ما يلي: فسعدتُ يا بن سعيدٍ الَأعلى أبي *** عبد الِإَِله ونلتُ ما أنا أَرتجيَ الحاجبِ الَأعلى الذي مُذْ فََّتّحتْ *** يُمناهُ أبوابَ المنى لم تُرْتجَ ذخرُ الإِمام المجتبى وعياذه *** ومنيرُ غيهبِ كِّلّ خطبٍ مدّج
  2. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 805 - 806. ويقول في هذا الصدد: "ثم استقدم الأمير أبو زكريا حاجبه الأول لعهد ابن سيد الناس وهو أبو عبد الله محمد بن فرحون، وقد كان السلطان بعثه في غرض الرسالة إلى ملك المغرب"، ونقل الزركشي ما رواه ابن خلدون، ينظر: أبو محمد عبد الله اللؤلؤي الزركشي، تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية، تحقيق الحسين اليعقوبي (تونس: المكتبة العتيقة، 1998)، ص 161. مع الإشارة إلى أن هذه الأحداث تعود إلى فترة السلطان أبي يحيى أبي بكر (718 - 747 ه/ 1318 - 1347 م) الذي عُرف بكثرة حجّابه.
  3. يمكن الرجوع إلى قائمة الحجّاب خلال كامل الفترة الحفصية، بحسب المصادر في الصفحات القادمة. ونشير إلى توقّف كتاب الزركشي تاريخ الدولتينعند فترة أبي عمرو عثمان (839 - 892 ه/ 1436 - 1488 م)، وتحديدًا عند أحداث سنة 882 ه/ 1477 م، أما ابن أبي دينار فلا يذكر تلك الخطة. ينظر: أبو عبد الله محمد بن أبي دينار، المؤنس في أخبار إفريقية وتونس، تحقيق محمد شمام (تونس: المكتبة العتيقة، 1967)؛ ويرى برنشفيك استنادًا إلى مؤلف وصف إفريقيا للحسن الوزان، أنّ "صاحب التشريفات" هو الحاجب خلال القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. ينظر، برنشفيك، ج 2، ص 56.
  4. ابن خلدون، المقدمة، ص 321 - 322. لا يختلف رأي ابن خلدون في النقطة الأخيرة التي ذكرها عن استبداد الحجّاب على السلطان، عمّا ذكره الطرطوشي الذي قال إنّ ذلك يعجّل ويسرّع في المضرة و"هدم السلطان وسرعة خراب الدول"، ينظر: ابن الأزرق، ص 318.

تطورت وفقًا لتطور الملك، وفي علاقة مباشرة بالسلطان الذي يبحث في ترتيب شؤون ملكه أكثر فأكثر، انطلاقًا من حاجته إلى الحجب عن الرعية وعن الخاصة ممّا يقابله تطور مهمة الحاجب والاستفراد بأمور الدولة في ميادين عديدة. ومن هنا، نلاحظ أنّ تطور

تلك الخطة يعني في الأساس الاستبداد بالدولة، ثم الاستبداد على السلطان أو الأمير. ومن زاوية أخرى، تطلعنا المصادر الحفصية على معلومات مهمة يمكن التعرّف من خلالها إلى تنامي دور الحجّاب وحضورهم

في البلاط الحفصي، أو في مدن حفصية أخرى، مثل بجاية وقسنطينة وبونة وسوسة وقفصة وتوزر. وهي إحالة إلى الاهتمام بتلك الخطة وتعيين حجّاب لمعاضدة الأمراء الحفصيين في تلك المدن. وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الحاجب في فترة تأسيس الدولة كان بمنزلة قهرمان دار مثلما بيّن ابن خلدون، وتلك الخطة

نفسها ستشهد تطورًا وانفص لًا على الحاجب لتصبح الخطتان موجودتين في البلاط الحفصي، ويرى برنشفيك أنه جرى الفصل بين

الخطتين بعيد وفاة الحاجب ابن الشيخ سنة 694 ه/ 1295 م، وهو الذي جمع ثلاث خطط؛ التنفيذ والخرج وكاتب علامة. وهي خطط تقَّلَدها ابن الشيخ منذ تعيينه حاجبًا؛ لذلك نرجح أنّ الفصل جرى قبل ذلك التاريخ المشار إليه19. ثم لا ننسى أنّ فترة حكم ابن أبي

عمارة (681 - 683 ه/ 1282 - 1284 م)، تقلّد ابن مكي20 الحجابة إلى جانب ابن الشيخ، وهو ما يطرح غموضًا في المهمات التي كُلّف بها هذان الحاجبان آنذاك21. يبدو أنّ إشارة ابن خلدون السابقة الذكر، والمتصلة بفكرة أنّ قهرمان دار السلطان هو الحاجب، بالغة الأهمية وتستند إلى حجج واقعية؛ حيث وُجدت منذ فترة أبي يحيى زكرياء الحفصي إلى نهاية الدولة الحفصية، بعدما تطوّر لقب الحاجب وأصبح مستقلًا كلّما

تقدمنا في زمن عمر الدولة، مع الإبقاء على العلاقة التي تربط الحاجب بقهرمان دار السلطان، مثلما بيّنت ذلك المصادر عند حديثها

عن علاقة عائلتَي ابن غمر السلمي وابن أبي جبّي بمرجان الخصي والحاج فضل قهرمانَي دار السلطان للأمير أبي زكرياء بن إسحاق

(684 - 700 ه/ 1285 - 1301 م) صاحب بجاية22. وبعد ذلك، تطور لقب الحاجب؛ حيث تفيدنا المصادر أنه جرى تعيين حاجبين في الوقت نفسه منذ فترة ابن أبي عمارة، وكان ابن الدباغ رديفًا للشخشي وعبد الله الرخامي23، عيّن إلى جانب ابن غمر، وكذلك السلطان أبي العباس أحمد (772 - 697 ه/

1371 - 1394 م)، الذي عيّن حاجبين. ويبدو أنّ هذين المثالَين يادّلان على قيمة الحجابة وأهميتها، حيث يكون غالبًا الشخص الثاني

المتحجب قد حصل على شرف تلك الخطة مقابل عمل مهمّ قام به ليصل ذلك السلطان إلى الحكم24. ونشير، من جهة أخرى، إلى تقمّص بعض الحجبة للحجابة وتعيين كاتب لديهم يُعرف بكاتب الحاجب، وظهرت تلك الخطة

عندما كان الحاجب في البداية لا يحسن الكتابة، ثم أصبحت فيما بعد تحيل على كثرة مشاغل الحاجب وعدم تفرّغه لبعض الأمور،

فيعيّن كاتبًا لذلك الغرض، وتفرّد بعض الحجبة بالتصرف في ولايتين مثل بجاية وقسنطينة، اللتين خُصّتا لمحمد بن سيد الناس

18  برنشفيك، ج 2، ص 55؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 707 - 709. 19  هو عبد الملك بن مكي المتوفى بعد سنة 706 ه/ 1306 م من رؤساء عائلة بني مكي، التي ظهرت في إفريقية الحفصية منذ القرن السابع الهجري في مدينة قابس

جنوب إفريقية. ينظر: إبراهيم جدلة، دراسات حول تاريخ بعض مدن إفريقية وقبائلها في العصر الوسيط ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.])؛ "بنو مكي والحفصيين:

من التحالف إلى الصراع 624 ه/ 1227 م- 796 ه/ 1394 م"، ص 155 - 163. 20  الزركشي، ص 98؛ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الشماع، الأدلة البيّنة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية، تحقيق الطاهر المعموري (تونس: الدار العربية للكتاب،

1984)، ص 81؛ ابن القنفذ، ص 146. 21  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 724 - 725. 22  كاتب ابن أبي جبّي وصديقه. ينظر: ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 723.

23  الزركشي، ص 98، 208؛ ابن الشماع، ص 81؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 711، 725 - 726.

  1. برنشفيك، ج 2، ص 55؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 707 - 709.
  2. هو عبد الملك بن مكي المتوفى بعد سنة 706 ه/ 1306 م من رؤساء عائلة بني مكي، التي ظهرت في إفريقية الحفصية منذ القرن السابع الهجري في مدينة قابس جنوب إفريقية. ينظر: إبراهيم جدلة، دراسات حول تاريخ بعض مدن إفريقية وقبائلها في العصر الوسيط ([د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.])؛ "بنو مكي والحفصيين: من التحالف إلى الصراع 624 ه/ 1227 م- 796 ه/ 1394 م"، ص 155 - 163.
  3. الزركشي، ص 98؛ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الشماع، الأدلة البيّنة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية، تحقيق الطاهر المعموري (تونس: الدار العربية للكتاب، 1984)، ص 81؛ ابن القنفذ، ص 146.
  4. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 724 - 725.
  5. كاتب ابن أبي جبّي وصديقه. ينظر: ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 723.
  6. الزركشي، ص 98، 208؛ ابن الشماع، ص 81؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 711، 725 - 726.

فترةً زمنية محددة، وإضافة إلى ذلك، عُني بعض الحجّاب بالإشراف على الأعمال العسكرية والمدنية، ما يحيل على تطوّر مهمات

الحاجب25. تمكّن العديد من الحجّاب من تعيين إداريين في الدولة، وخاصة أقاربهم، أما دور الوساطة مع الأمير أو السلطان فقد ساهم في

اصطناع الحجبة الذين غالبًا ما كانوا يشغلون قبل تعيينهم وظائف مخزنية26، خاصة الكتابة، ما جعل السلاطين والأمراء الحفصيين

يعتمدون عليهم في مهمات متعددة سمحت بتطور الحجابة، مع الإشارة إلى الإبقاء على العمل الأصلي، وهو الوقوف عند باب السلطان، ما يعني تطوّر النظرة إلى باب السلطان وصعوبة ولوجه من جانب العامة والخاصة27. هكذا، نلاحظ تطور لقب الحاجب خلال العصر الحفصي، من خلال تطور المهمات الموكلة إلى الحجّاب، حتى إن المصادر

تحدّثت عن استبداد بعض الحجبة، مثل ابن غمر وابن سيد الناس، وهو استبداد على الدولة. أما الاستبداد على السلطان فنذكر خاصة

استبداد البالقي وأبي محمد عبد الله بن تافراجين28 (ت. 667 ه / 1364 م)، لأنه جرى تعيين سلطانين صغيري السن، بل إنّ ابن تافراجين قد وصل مرحلة متقدمة من النفوذ والاستبداد حصل خلالها على خطة الحرب والمشورة والتفرّد بزمام الدولة، وصار الحاكم

الفعلي لإفريقية، مدةً زمنية مهمة، سنوضحها أكثر لاحقًا29. لقد أنتج رأي ابن خلدون السابق الذكر معنى الحجابة في إفريقية، وأوضح بدايات ظهور ذلك المنصب، وبيّن كيف أصبح

الحاجب مع مرور الوقت شخصية مهمة منذ تفرّده عن خطة القهرمان، التي صارت مفردة، وانضافت إلى الحاجب الكتابة ثم التنفيذ،

وبعد ذلك أضيفت إليه خطة الخرج30. وكلما ازدادت مهماته ازداد باب السلطان والأمير مكانةً ورفعةً؛ لذلك لاحظنا خطة الحجابة في بجاية تحاكي نظيرتها في الحاضرة تونس. وتمدّد نفوذ الحجّاب، وصارت خطة الحجابة من أسمى الخطط خلال القرن الثامن

الهجري/ الرابع عشر الميلادي، بحسب شهادة ابن خلدون، الذي تولّى تلك الخطة ورأى في الشخصيات التي تحدّث عنها في كتابه

العبر، والتي عُيّنت في منصب الحجابة، مث لًا وعيّنةً لما وصلت إليه من أهمية. واهتم بالحجّاب الكبار، مثل ابن غمر وابن سيد الناس

وابن تافراجين، وتتبّع مسيرتهم عن قرب، ما جعله موضوعيًا في تحليله واستنتاجاته. وقال في هذا الصدد "ومعنى الحجابة في دولنا

بالمغرب الاستقلال بالدولة والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته لا يشاركه في ذلك أحد"31. ويبقى الإشكال مطروحًا في علاقة بصمت المصادر لإيفائنا بالتفاصيل الخاصة بتلك الخطة والحركية اليومية، التي كانت داخل

البلاط أو في المدن المشار إليها سابقًا، والتي ظهرت فيها خطة الحجابة؛ وهو ما يفضي إلى نقصٍ حادّ في المعلومات التاريخية

24  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 769 - 770، 788 - 789. 25  المخزن من فعل خزن، ويبدو أن الكلمة استُخدمت في إفريقية منذ القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وتعني في العهد الأغلبي (184 - 296 ه/ 800 - 909 م)

الصندوق المخصص لجمع الضرائب، وفي إفريقية الحفصية استُخدم مصطلح مخزن للتعبير عن الدولة ومختلف أجهزتها بحسب المصادر، أما في المغرب الأقصى فيعني

الخزينة المخصصة للأموال، ثم صار يعني السلطة ومكوناتها، وتعددت دلالات المصطلح خلال العهد الحديث، واختلفت آراء الدارسين بشأنها، ينظر: محمد جادور،

مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2011)، ص 383 - 401؛

"Makhzan," in: Edmund Bosworth, Ch. Pellat & E. J. van Donzel (eds.), Encyclopaedia of Islam , vol. VI (Leiden: Brill, 1991), pp. 133 - 136.

26  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 747. يقول ابن خلدون متحدثًا عن ابن تافراجين: "جلس بالباب لمكان الحجابة"، ص 802.

27  ينتمي إلى بني تافراجين من بيوت الموحدين في تينملل ومن آية الخمسين وولي عبد المؤمن بن علي كبيرهم عمر بن تافراجين على فاس أول ما ملكها الموحدون

عام 540 ه، أما أبو محمد عبد الله بن تافراجين فكان شيخ الموحدين ثم أصبح وزيرًا ثم حاجبًا وعاش بين نهاية القرن السابع الهجري وبعد منتصف القرن الذي يليه، نجهل

تاريخ ميلاده وتوفي عام 766 ه/ 1364 م، ينظر: المرجع نفسه، ص 794 - 953. آية الخمسين هيئة موحدية تمثل القبائل الست التي انبنى عليها أمر الدعوة، وتينملل من

بينها، أما عبد المؤمن بن علي فهو خليفة المهدي بن تومرت ويعتبر مؤسس الدولة الموحدية. ينظر: موسى، ص 65 - 66. 28  المرجع نفسه، ص 857، 864 - 865، 888؛ ابن القنفذ، ص 174؛ ابن الشماع، ص 106، 107. 29  خطة في القصر السلطاني يقوم متوليها بضبط مصاريف القصر.

30  عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1979)، ص 103.

  1. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 769 - 770، 788 - 789.
  2. المخزن من فعل خزن، ويبدو أن الكلمة استُخدمت في إفريقية منذ القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وتعني في العهد الأغلبي (184 - 296 ه/ 800 - 909 م) الصندوق المخصص لجمع الضرائب، وفي إفريقية الحفصية استُخدم مصطلح مخزن للتعبير عن الدولة ومختلف أجهزتها بحسب المصادر، أما في المغرب الأقصى فيعني الخزينة المخصصة للأموال، ثم صار يعني السلطة ومكوناتها، وتعددت دلالات المصطلح خلال العهد الحديث، واختلفت آراء الدارسين بشأنها، ينظر: محمد جادور، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2011)، ص 383 - 401؛ "Makhzan," in: Edmund Bosworth, Ch. Pellat & E. J. van Donzel (eds.), Encyclopaedia of Islam , vol. VI (Leiden: Brill, 1991), pp. 133 - 136.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 747. يقول ابن خلدون متحدثًا عن ابن تافراجين: "جلس بالباب لمكان الحجابة"، ص 802.
  4. ينتمي إلى بني تافراجين من بيوت الموحدين في تينملل ومن آية الخمسين وولي عبد المؤمن بن علي كبيرهم عمر بن تافراجين على فاس أول ما ملكها الموحدون عام 540 ه، أما أبو محمد عبد الله بن تافراجين فكان شيخ الموحدين ثم أصبح وزيرًا ثم حاجبًا وعاش بين نهاية القرن السابع الهجري وبعد منتصف القرن الذي يليه، نجهل تاريخ ميلاده وتوفي عام 766 ه/ 1364 م، ينظر: المرجع نفسه، ص 794 - 953. آية الخمسين هيئة موحدية تمثل القبائل الست التي انبنى عليها أمر الدعوة، وتينملل من بينها، أما عبد المؤمن بن علي فهو خليفة المهدي بن تومرت ويعتبر مؤسس الدولة الموحدية. ينظر: موسى، ص 65 - 66.
  5. المرجع نفسه، ص 857، 864 - 865، 888؛ ابن القنفذ، ص 174؛ ابن الشماع، ص 106، 107.
  6. خطة في القصر السلطاني يقوم متوليها بضبط مصاريف القصر.
  7. عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1979)، ص 103.

الخاصة بتلك الخطة وأصحابها. غير أننا رصدنا تطور تلك الخطة من خلال كثرة الأسماء الواردة للحجّاب، خلال القرن السابع

الهجري. ثم شهد القرن الذي يليه تطورًا كبيرًا في عدد الحجّاب. ووفقا لذلك، يتبين لنا أن هناك اهتمامًا ملحوظًا من السلطة

الحفصية بخطة الحجابة، من خلال تعيين الأفراد الذين تولّوا تلك الخطة. فكيف كان يُنتدَب الحجّاب؟ وما أصولهم ومؤهلاتهم؟

ثانيًا: تعيين الحجّاب والمهمات الموكلة إليهم

تتيح لنا المصادر الحفصية إمكانية تتبّع تعيين الحجّاب كرونولوجيًا، بحسب فترات حكم السلاطين، ما يساعدنا على فهم

مختلف المهمات التي كلّفوا بها. لكنّ البحث في مسألة تعيينهم يطرح مشكل ندرة التفاصيل المتعلقة بذلك الموضوع؛ حيث يتبادر

إلى الذهن سؤال مركزي: كيف أصبح تعيين الحجّاب تقليدًا في البلاط الحفصي؟ وهل يمكن التوصل إلى وجود شروط محددة في

تعيين الحجّاب؟

1.تعيين الحجاب

يُطرح هذا الإشكال في علاقة بميكانيزمات الإدارة الحفصية، في حد ذاتها، ومن ورائها السلطة نفسها والثقافة السائدة آنذاك؛

إذ إنه من البديهي طرح المشكل في جانبه التوثيقي ومدى ملاءَمة ذهنيات الحكّام الحفصيين مع تقاليد الكتابة والتوثيق لحدثٍ ما

يتصل بالإدارة والبلاط السلطاني، والحال أننا نعلم أن المصادر استخدمت مصطلحات بعينها عند الحديث عن تعيين الأمراء وبيعة السلاطين وبعض شخصيات الدولة، كنّا بينّاها في عمل مفرد يتصل بإشكالية التوثيق32. ضمن ذلك السياق، نذكر أنّ الأندلس، خلال فترة الخلافة الأموية (316 - 422 ه/ 929 - 1031 م)، كان السلطان يصدر وثيقة التعيين للحجّاب ويعلم عليها33. ويبدو أن ذلك التقليد لم يكن غائبًا خلال الفترة المعنية بالدراسة، حيث لدينا وثيقة رسمية صادرة

عن السلطان أبي حمو موسى بن أبي يعقوب بن أبي زيد (759 - 788 ه/ 1359 - 1389 م) أرسلها إلى عبد الرحمن بن خلدون قصد تعيينه حاجبًا، وهي وثيقة مهمة جدًا سنستغلها في عديد التفاصيل. ونص الوثيقة كما يلي: "أكرمكم الله يا فقيه أبا زيد ووالى رعايتكم. إنا قد ثبت عندنا وصحّ لدينا ما انطويتم عليه من المحبة في مقامنا والانقطاع إلى جنابنا

والتشيع قديمًا وحديثًا لنا مع ما نعلمه من محاسن اشتملت عليها أوصافكم ومعارف فقتم فيها نظراءكم ورسوخ قدم في الفنون العلمية

والآداب العربية، وكانت خطة الحجابة ببابنا العلي - أسماه الله - أكبر درجات أمثالكم وأرفع الخطط لنظرائكم قربًا منا واختصاصًا بمقامنا

واطلاعًا على خفايا أسرارنا. آثرناكمبها إيثارًا وقدمناكملها اصطفاء واختيارًا فاعملوا على الوصول إلى بابنا العلي أسماه الله ومستودعًا

لأسرارنا وصاحب الكريمة علامتنا إلى ما يشاكل ذلك من الإنعام العميم والخير الجسيم والاعتناء والتكريم لا يشارككم مشارك في ذلك ولله يزاحمكم [لعلها ولا يزاحمكم] أحد وإن وجد من أمثالكم فاعلموه وعولوا عليه [...]"، وكان ذلك سنة 769 ه/ 1368 م34. تحتوي هذه الوثيقة على عديد التفاصيل المهمة، فمن جهة بيّنت لنا العلاقة الجيدة بين ابن خلدون وأبي حمو، وهو شرط

أساسي في اختيار الشخص لشغل ذلك المنصب من وجهة نظر السلطة، التي تعرف عن كثب مواقف ابن خلدون من الأسرة الزيانية

31  حامد العجيلي، التوثيق وكتب الوثائق بإفريقية في العهد الحفصي (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2002). وبينّا استخدام المصادر لمصطلح

"عقد"، الذي يحيل على كتابة العقد، وكذلك كتابة وثيقة البيعة بالنسبة إلى السلاطين الحفصيين والاحتجاج بها عند النزاعات على السلطة لاستيفاء الحقوق. 32  الذيابات، ص 87. 33  ابن خلدون، التعريف، ص 110 - 111.

  1. حامد العجيلي، التوثيق وكتب الوثائق بإفريقية في العهد الحفصي (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2002). وبينّا استخدام المصادر لمصطلح "عقد"، الذي يحيل على كتابة العقد، وكذلك كتابة وثيقة البيعة بالنسبة إلى السلاطين الحفصيين والاحتجاج بها عند النزاعات على السلطة لاستيفاء الحقوق.
  2. الذيابات، ص 87.
  3. ابن خلدون، التعريف، ص 110 - 111.

الحاكمة، بعد أن ذاع صيته في البلاطات في بلاد المغرب والأندلس، فاعتقله، مدة سنتين عام 755 ه، السلطان أبو عنان، الذي كانت علاقاته متوترة مع بني عبد الواد وبني حفص، ويبدو أنّ السلطان أبا حمو كان على علم بذلك. ونلاحظ أنّ اختيار ابن خلدون لمنصب الحجابة كان نتيجة تفوّق المعني بالأمر على نظرائه ورسوخ قدمه في الفنون والآداب

العربية، إضافة إلى المعارف الأخرى التي يمتلكها، ومعنى ذلك أن السلطان يرفع من شأن دولته وسلطته من خلال اختيار شخصية ذائعة الصيت، ولها ثقافة ومكانة بين نظرائها المعاصرين لها، ويقودنا ذلك إلى معرفة علاقة السلطة بالنخب خلال تلك الفترة التي شهدت تنافسًا بين دول بلاد المغرب في جذب النخبة العالمة، على نحو عام، حتى صار التنافس على أشدّه بين شخصيات عديدة

تحدّثت عنها المصادر بإطناب من خلال الإشارة إلى السعايات والمؤامرات، التي كانت تُحبَك في تلك البلاطات، والتي كان ضحيتها

ابن خلدون مثلما ذكرنا. لا شك في أنّ تقليد كتابة "عهد بولاية الحجابة"، على حد تعبير ابن خلدون، كان أمرًا سائدًا مع الحفصيين كذلك، حيث يضيف

الكاتب نفسه أنّ أمير بجاية أبا عبد الله "كتب بخطه عهدًا بولاية الحجابة"، إلا أنه اعتذر وأرسل أخاه يحيى للقيام بذلك، ثم وصل

إلى بجاية عام 766 ه/ 1367 م، وتقمّص الحجابة، وقال في هذا الصدد: "ثم وصلت إلى السلطان فحيا وفدّى وخلع وحمل وأصبحت

من الغد، وقد أمر السلطان أهل الدولة بمباكرة بابي واستقللت بحمل ملكه واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه"35. ضمن هذا الإطار، نفهم أن تعيين الحجّاب كان يجري من خلال وثيقة كتبها الأمير أو السلطان، وهو ما يعني أننا إزاء تقليد في

عملية التعيين وضوابط محددة، ويشترط في الشخص المعني بالحجابة عدة شروط ربما نجدها في كتب الآداب السلطانية ونقارنها بما ورد في المصادر الحفصية. واستنادًا إلى الكاتب الأندلسي ابن رضوان (ت. 783 ه/ 1381 م)، يمكن أن نستشف تلك الشروط، التي بيّنها في مؤَّلَفه الشهب

اللامعة في السياسة النافعة، بقوله: "ينبغي للحاجب أن يكون سهل الوجه لين العريكة، سالم الجوارح من كل آفة، عارفًا بالناس ومنازلهم وأقدارهم عند رئيسه حتى يكون وجهه عنوانًا عن وجه محجوبه [...] وأن يكون بينه وبين محجوبه رسول لطيف المعنى يشعر بحضور كل من حضر، وعلى أي صفة وصل، فإن أحب الإذن له، أعلمه فاستأذن له وإلا اعتذر عن استئذان على محجوبه قبل تصريحه بمنعه لأن الاستئذان أوسع لعذر الرئيس من التصريح بالمنع على لسان صاحب الأمر، ولهذا كان الحاجب عند الخلفاء الماضين والملوك المتقدمين في رتبة الوزارة ومتجاوز القدر لتوسطه في الجلالة"36. بهذا المعنى الذي ذكره ابن رضوان، يتبيّن لنا أنّ الحاجب هو "وجه السلطان" وشرط انتدابه يوازي شرط اعتلاء العرش، حيث

قال من الواجب أن يكون "سالم الجوارح من كل آفة"، بمعنى سلامة الحواس، وأن يكون له دراية بمكونات المجتمع بمعرفة منازلهم وأقدارهم عند السلطان، وذلك الترتيب مرتبط بما يجب أن يسمح له بالدخول على السلطان من عامة وخاصة، وهي شروط تضاف إلى الشروط السالفة الذكر والمتصلة بالتحصيل العلمي والمعرفي للحاجب، ويستشف من خلال إجراءات اختيار الحجاب لدى الحفصيين أنّ الكفاءة كانت شرطًا أساسيًا في عمليات انتقائهم. لا شك في أن اختيار الحاجب ترافقه معرفة، ولو وجيزة، بسيرته الذاتية، مثلما لمّح إلى ذلك أبو حمو موسى في الوثيقة المشار

إليها سابقًا؛ ولذلك فإن تعيين أبي القاسم بن الشيخ في فترة حكم السلطان الحفصي أبي إسحاق تحيلنا المصادر إلى أنه أصيل مدينة

34  المرجع نفسه، ص 103، 104. 35  أبو القاسم المالقي المعروف بابن رضوان، الشهب اللامعة في السياسة النافعة، تحقيق علي سامي النشار (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1984)، ص 138.

  1. المرجع نفسه، ص 103، 104.
  2. أبو القاسم المالقي المعروف بابن رضوان، الشهب اللامعة في السياسة النافعة، تحقيق علي سامي النشار (الدار البيضاء: دار الثقافة، 1984)، ص 138.

دانية في الأندلس ووفد على بجاية الحفصية، فاشتغل هناك بالعطارة ثم اتصل بأحد شيوخ الموحدين المؤثرين في الدولة، وهو الشيخ أبو عبد الله بن ياسين الهنتاتي، الذي انتدبه للكتابة، ثم بعد ذلك تمكّن ابن الشيخ من العمل في بلاط المستنصر الحفصي، فراكم تجربة جيدة في البلاط الحفصي حتى جرى اختياره حاجبًا في زمن أبي إسحاق37. وقد اختار السلطان أبو إسحاق، عند استيلائه على العرش، ابنه أبا فارس وليًا للعهد وعيّن أبا العباس أحمد بن سيد الناس38

حاجبًا عليه، وعلى حد تعبير ابن خلدون "خلع عليه لبوس كرامته واختصه بلقب الحجابة على ابنه"39؛ وهو ما يعني كتابة العلامة

والحجابة في الوقت نفسه. وفي عام 679 ه/ 1281 م، عُيّن محمد بن أبي بكر بن الحسين بن خلدون حاجبًا على أبي فارس ثم أبي

زكريا وأبي محمد عبد الواحد أبناء السلطان أبي إسحاق، ويعني ذلك أنّ أبا العباس أحمد بن سيد الناس لم يبقَ في الحجابة سوى عام

واحد، ويشوب المصادر في هذا السياق غموضٌ في المعطيات التي قدّمتها، حيث يُذكر في الإطار نفسه أن محمد بن أبي بكر بن

الحسين بن خلدون نافس الحاجب ابن الشيخ40. وتخبرنا المصادر أنّ ابن أبي عمارة " صرف " خطة الحجابة إلى عبد الملك بن مكي عام 681 ه/ 1282 م41، المنحدر من قبيلة

لواتة البربرية؛ مجازاةً له على مساندته له في الوصول إلى السلطة42. لكنّ السلطان لم يستغنِ كذلك عن أبي القاسم بن الشيخ،

الذي يُعرف ب "الفقيه" و"الرئيس"، واشتغل في خطة التنفيذ وكاتب العلامة في فواتح السجلات إضافة إلى خطة الحجابة. ونظرًا إلى

أهمية ذلك الحاجب، فقد بقي في منصبه كذلك في فترة السلطان أبي حفص عمر، حيث " قلده " الحجابة مجموعة إلى تنفيذ الخرج وصرف العلامة43. وقال أبو حفص عمر في هذا السياق "حاجتنا إليه أكثر من حاجته لنا"44. وهكذا، بقي أبو القاسم ابن الشيخ في العمل المخزني منذ فترة المستنصر الحفصي وعاصر فترة ثلاثة سلاطين حفصيين، وظل يمارس مهماته في خطة الحجابة إلى وفاته، عام 694 ه/ 1295 م45. وفي العام نفسه (694 ه) جرى تعيين المدعو الشخشي حاجبًا لأبي عبد الله محمد بن الواثق الملقّب بأبي عصيدة (693 -

709 ه/ 1294 - 1309 م)، إلى تاريخ وفاته عام 697 ه/ 1297 م، وخلفه في الخطة نفسها أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن الدباغ، وكان قد ورد أبوه من إشبيلية عام 646 ه/ 1248 م، وولد هو في تونس عام 651 ه/ 1253 م، وتقلّد كتابة العلامة عام 695 ه/ 1295 م ثم الحجابة46. من خلال ما تقَّدَم ذكره، تبدو الكفاءة والعلاقة بالسلطة والعمل المخزني، إضافةً إلى رغبة السلطان، كلّها عوامل مجتمعة في

تقلّد مهمة الحجابة، وتبعًا لذلك كانت بجاية وتونس قبلةً للأندلسيين الذين كان لهم حضور لافت للانتباه. ورأى محمد الطالبي أنّ

36  ابن القنفذ، ص 147. 37  عن عائلة ابن سيد الناس، ينظر: صالح بعيزيق، بجاية في العهد الحفصي: دراسة اقتصادية واجتماعية (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2006)،

ص 203 - 209. وقد بيّن الباحث انتقال تلك العائلة من الأندلس إلى بجاية، وكذلك إلى مدينة تونس، وقد تولّى أعلام من العائلة مناصب دينية، ثم عهد إليهم بمناصب

إدارية في الدولة الحفصية، وخاصة اشتغالها بخطة الحجابة، ويمكن معرفة مختلف فروع تلك العائلة من خلال الرسم التوضيحي الذي قدّمه الباحث في ص 209.

38  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 681. 39  المرجع نفسه، ص 707؛ الزركشي، ص 92. 40  الزركشي، ص 98. 41  جدلة، دراسات حول تاريخ بعض مدن إفريقية وقبائلها، ص 155 - 166، خاصة ص 158. 42  ابن الشماع، ص 81؛ ابن القنفذ، ص 146؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 709. 43  ابن الشماع، ص 81. 44  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 707 - 709. 45  المرجع نفسه، ص 711 - 712، 716 ابن القنفذ، ص 154.

  1. ابن القنفذ، ص 147.
  2. عن عائلة ابن سيد الناس، ينظر: صالح بعيزيق، بجاية في العهد الحفصي: دراسة اقتصادية واجتماعية (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2006)، ص 203 - 209. وقد بيّن الباحث انتقال تلك العائلة من الأندلس إلى بجاية، وكذلك إلى مدينة تونس، وقد تولّى أعلام من العائلة مناصب دينية، ثم عهد إليهم بمناصب إدارية في الدولة الحفصية، وخاصة اشتغالها بخطة الحجابة، ويمكن معرفة مختلف فروع تلك العائلة من خلال الرسم التوضيحي الذي قدّمه الباحث في ص 209.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 681.
  4. المرجع نفسه، ص 707؛ الزركشي، ص 92.
  5. الزركشي، ص 98.
  6. جدلة، دراسات حول تاريخ بعض مدن إفريقية وقبائلها، ص 155 - 166، خاصة ص 158.
  7. ابن الشماع، ص 81؛ ابن القنفذ، ص 146؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 709.
  8. ابن الشماع، ص 81.
  9. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 707 - 709.
  10. المرجع نفسه، ص 711 - 712، 716 ابن القنفذ، ص 154.

الجالية الأندلسية "حملت في حقائبها المرض الذي منه ماتت الأندلس فزادوا إفريقية في المستوى السياسي مرضًا على مرضها"47. وهو رأي مشطّ في حقّهم؛ نظرًا إلى تلهّفهم على ما يبدو على الخطط السلطانية، فكان التنافس بين الأندلسيين وشيوخ الموحدين

على أشدّه في جل الرتب المخزنية، وكان البلاطان الحفصي والبجائي مسرحَين للسعايات والدسائس، التي برع فيها الأندلسيون48. غير أن الأندلسيين أنفسهم كانوا ضحايا المكائد، أيضًا، ونذكر في هذا السياق ما حدث لأحمد بن سيد الناس الذي "تعاورته

السيوف"، وُألقي في بعض الحفر نتاج وشاية وسعاية من عبد الوهاب الكلاعي، الذي كان من علية الكتّاب، ولم يمنع ذلك الحدث

من استئثار أعلام من العائلة المذكورة بمنصب الحجابة، حيث نُصب أبو الحسين محمد بن سيد الناس حاجبًا للأمير أبي زكرياء بن

إسحاق في بجاية من عام 684 ه/ 1285 م إلى 690 ه/ 1291 م49. وتخبرنا المصادر عن بعض مسار حياة أبي الحسين بن سيد الناس، الذي نشأ في جو الدولة وحجر كفالتها وعدل عن طلب العلم إلى طلب الدنيا على حد تعبير ابن خلدون50، حيث عقد له أبو زكريا صاحب بجاية على الحجابة "وفوض إليه فيما وراء بابه وأجراه في رئاسته [...] وكانت رئاسة هذا في حجابته أبلغ [...] لخلاء جو الدولة ببجاية من مشيخة الموحدين الذين يزاحمونه وصار إلى الحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وتمكن في يده الزمام إلى أن هلك سنة 690 ه/ 1291 م"51. لقد أشارت المصادر، مثلما بينّا سابقًا، إلى أن أغلب الحجّاب كانت لهم سابقة في العمل الإداري، ما يجعل السلطان أو الأمير

على بيّنة ممن يختاره لمنصب الحجابة، ويعيّنه من بين الذين على معرفة بهم. ويبدو أيضًا أنّ تكتّل الأندلسيين مع بعضهم سهّل عليهم

الوصول إلى مراتب عليا في الدولة، حيث أفاد بعض الدارسين أن "هذه الجالية لم تكن ميالة إلى الانصهار في الوسط الإفريقي"52. ويبدو ذلك واضحًا من خلال مثال أبي القاسم بن أبي جبي، الذي كان كاتبًا لابن سيد الناس المذكور سابقًا. وتذكر المصادر أنه كان

كفؤًا "حتى عنت إليه الوجوه وأمله الخاصة واضطلع السلطان على اضطلاعه وكفايته بل إنه كان مستبدًا على الدولة في حجابته"53. ولا يوضح لنا صاحب كتاب العبر قصده بالاستبداد على الدولة، والحال أنه مثلما بينّا سابقًا قد نبّه إلى الحالات التي يصبح فيها

الحاجب مستبدًا على الدولة، وهي على ما يبدو منافية لما ذكره في هذا السياق؛ حيث بيّن توافر عنصر الكفاءة ورضا السلطان عن

أدائه، ما يعني أنّ الاستبداد هنا ارتبط بعلاقات الحاجب بالخاصة داخل البلاط، على نحو يحيل ضمنيًا إلى أنّ السلطان نفسه كان على

بيّنة من التنافس بين رجالات البلاط، وربما شجّعه في أحايين كثيرة. من خلال ما تقدّم ذكره، نلاحظ أن عديد الأشخاص الذين جرى تعيينهم في رتبة حاجب، خلال القرن السابع الهجري، كان

أغلبهم في بداية الأمر يتولّون خططًا سلطانية أخرى، وكانوا من أصول اجتماعية مختلفة، فمنهم الوجهاء أو الشرفاء ومن فئات

46  محمد الطالبي، دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط (تونس: منشورات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية،

1982)، ص 185. 47  المرجع نفسه، ص 180 - 181. وما يمكن ملاحظته أن الأندلسيين كانوا على ما يبدو على دراية بمؤلفات الآداب السلطانية التي تقدم نصائح مهمة للراغبين في العمل

مع السلطان فتأثروا بما ورد في تلك المؤلفات، إضافة إلى تجاربهم الشخصية، وهو ما أسهم في تميزهم، ولا نوافق رأي الطالبي المذكور لأن المسألة في اعتقادنا في

علاقة مباشرة بثقافة العصر وخاصيات البلاطات ومزاج السلطان الذي كان يغذي أحيانًا تلك الصراعات، ليضمن توازن ملكه، ينظر: عز الدين العلام، الآداب السلطانية:

دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة 324 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006)، ص 154 - 163. 48  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 685، 700. 49  المرجع نفسه، ص 684. 50  المرجع نفسه، ص 704 - 705؛ بعيزيق، ص 410. 51  الطالبي، ص 201. 52  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 706، 720؛ حول عائلة ابن جبي، ينظر: بعيزيق، ص 410.

  1. محمد الطالبي، دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط (تونس: منشورات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1982)، ص 185.
  2. المرجع نفسه، ص 180 - 181. وما يمكن ملاحظته أن الأندلسيين كانوا على ما يبدو على دراية بمؤلفات الآداب السلطانية التي تقدم نصائح مهمة للراغبين في العمل مع السلطان فتأثروا بما ورد في تلك المؤلفات، إضافة إلى تجاربهم الشخصية، وهو ما أسهم في تميزهم، ولا نوافق رأي الطالبي المذكور لأن المسألة في اعتقادنا في علاقة مباشرة بثقافة العصر وخاصيات البلاطات ومزاج السلطان الذي كان يغذي أحيانًا تلك الصراعات، ليضمن توازن ملكه، ينظر: عز الدين العلام، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، سلسلة عالم المعرفة 324 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006)، ص 154 - 163.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 685، 700.
  4. المرجع نفسه، ص 684.
  5. المرجع نفسه، ص 704 - 705؛ بعيزيق، ص 410.
  6. الطالبي، ص 201.
  7. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 706، 720؛ حول عائلة ابن جبي، ينظر: بعيزيق، ص 410.

متواضعة؛ وذلك نظرًا إلى أهمية تلك الخطة التي تكون على صلة مباشرة بالسلطان. ولنا مثال عائلة ابن سيد الناس السابقة الذكر،

ويبدو تبعًا لذلك أن التعيين كان يجري بحسب شروط مسبقة مثلما بينّا سابقًا. يبدو أن الحجابة خلال القرن الثامن الهجري قد أخذت صيتًا ذائعًا، حيث بيّنت المصادر تزايد عدد الحجّاب؛ فالسلطان أبو

بكر يحيى بن إبراهيم "كان أكثر السلاطين الحفصيين حجّابًا، حيث كان الحاجب هو المتولي لعامة أموره ولذلك تعددت قواده

وحجابه"54، وأوّل حجّابه الفقيه أبو عبد الرحمان يعقوب بن غمر، الذي كان في السابق حاجب أبي البقاء خالد (709 - 117 ه / 1309 -

1311 م)، في بجاية، وكانت بينه وبين الحاجب ابن أبي جبّي وظافر الكبير منافسة وتوفي عام 719 ه/ 1319 م55. "وآخر حجّابه الشيخ

الرئيس أبو محمد عبد الله بن الشيخ أبي العباس أحمد بن تافراجين التينملي وبينهما نحو اثني عشر حاجبًا"56. وفي سياق السرد التاريخي المتبع في المصادر الحفصية وذكر الحجّاب، كان عبد الله بن القالون حاجبًا في بجاية وقسنطينة

للأميرين أبي عبد الله وأبي زكرياء ابني السلطان أبي بكر يحيى، ثم استبدل بالمولى ظافر حاجبًا على قسنطينة، وكان ذلك سنة 720 ه/

1320 م، إلى أن هلك سنة 727 ه، ثم أصبح ابن سيد الناس حاجبًا على بجاية وقسنطينة سنة 728 ه/ 1327 م، وأنزل معه بقسنطينة

مولاه نبيلًا من المعلوجي57، يقيم له رسم الحجابة. وبعد وفاة ابن سيد الناس، سنة 337 ه / 1332 م، عيّن أبو القاسم بن عبو حاجبًا

على ابن السلطان في قسنطينة، وهو من مشيخة الموحدين سنة 735 ه/ 1334 م58. وتبقى تلك المعلومات المقدّمة من دون تفاصيل

أخرى يمكن أن تفيد الباحث، بل إن ذلك الحرص على الجانب الكرونولوجي، بذكر سنوات تعيين الحجّاب، يدخل ضمن سياق بنية

النص التاريخي السردي الحفصي، الذي يحرص على تتبّع مدى اكتمال صورة الملك ومكوناته الإدارية الأساسية ومدى تفاعلها مع

بعضها أو التنافس الحاصل بشأنها. وقد تولى خطة الحجابة المزوار محمد بن عبد العزيز، واستعان بأبي القاسم عبد العزيز بصفة كاتب للحاجب، وكان أصل سلف هذا الأخير من الأندلس، ثم انتقلوا إلى مراكش حيث استُخدموا للموحدين، واستقر والده إسماعيل في تونس، وبدأ حياته كاتبًا عند

الحاجب ابن الدباغ واستعمله ابن غمر على الأشغال بقسنطينة سنة 713 ه/ 1313 م، ثم ولي أعمال الحامة في فترة ابن سيد الناس. وعند نكبة الأخير سنة 733 ه/ 1332 م، ولي الحجابة بالحضرة إلى وفاته عام 744 ه/ 1344 م، وفي فترته انقسمت خطط الدولة إلى الحرب والتدبير الخاصة بالجيش "ومخالصة السلطان وتنفيذ الأوامر"، وهي من مهمات الحاجب59. نستنتج من خلال هذا السرد لعمليات تعيين الحجّاب أن القرن الرابع عشر شهد كذلك حضور الأندلسيين في خطة الحجابة،

ويبيّن اختبار السلطان الحفصي لبعض العلوج، وهم تلك الفئة التي نجدها خاصة في الجيش الحفصي بأعداد كبيرة؛ ما يوحي بوجود

تنافس بين ثلاثة أطراف: الطرف الأول هو شيوخ الموحدين المسيطرون على السلطة، الذين تقلّص نفوذهم خاصة بعد الحملة التي شنّها المستنصر الحفصي، والطرف الثاني هو الطرف الأندلسي الذي واصل عمله في خطة الحجابة، أما الطرف الثالث فهو عناصر

من الجيش الحفصي، ما يوحي أنّ تعيين الحجّاب لا يخضع لتلك الشروط التي أوردها ابن رضوان سابقًا، بل يخضع لشروط السلطان

التي تكون أحيانًا هي الطاغية.

53  ابن القنفذ، ص 165. 54  برنشفيك، ج 1، ص 146، 158، 161، 163، 182 - 183. 55  ابن القنفذ، ص 165. 56  استخدم المصطلح ابن خلدون في كتاب العبر نسبة إلى العلج، وتعني المرتدين الأوروبيين الذين كانوا في خدمة السلاطين الحفصيين، ينظر:

Reinhart Dozy, Supplément aux dictionnaires Arabes (Beirut: Librairie de Liban, 1881), vol. 2 , p.  159.

57  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 758، 769، 770 - 773، 786 - 789؛ الزركشي، ص 148. 58  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 794؛ الزركشي، ص 144.

  1. ابن القنفذ، ص 165.
  2. برنشفيك، ج 1، ص 146، 158، 161، 163، 182 - 183.
  3. ابن القنفذ، ص 165.
  4. استخدم المصطلح ابن خلدون في كتاب العبر نسبة إلى العلج، وتعني المرتدين الأوروبيين الذين كانوا في خدمة السلاطين الحفصيين، ينظر: Reinhart Dozy, Supplément aux dictionnaires Arabes (Beirut: Librairie de Liban, 1881), vol. 2 , p.  159.
  5. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 758، 769، 770 - 773، 786 - 789؛ الزركشي، ص 148.
  6. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 794؛ الزركشي، ص 144.

ومع منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، نلحظ تغييرًا آخر قد حصل في تعيين الحجّاب، حيث كان جلّهم من

طبقة شيوخ الموحدين، مثل الحاجب محمد بن عبد الله بن تافراجين الذي كان وزيرًا، وأحد شيوخ الموحدين، وهو الذي ينتمي إلى

عائلة من تينملل كان لها حضورها في الدولة الموحدية منذ تأسيسها، لذلك نجده يتصدر حجابة السلطان أبي حفص عمر بن أبي بكر (747 - 748 ه/ 1347 - 1348 م)60. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الحاجب أبي العباس أحمد بن عبو، الذي كان من مشيخة الموحدين وتحجّب للسلطان أبي العباس الفضل (750 - 751 ه/ 1349 - 1350 م)61. وشهدت الفترة نفسها المشار إليها تعيين حجّاب في مدن إفريقية أخرى، حيث عقد السلطان أبو بكر يحيى لابنيه الأميرين

أبي فارس عبد العزيز وأبي البقاء خالد اللذين كانا على سوسة والبلاد الساحلية، واختار لهما محمد بن طاهر حاجبًا، وهو من صنائع

الدولة ومن بيوت أهل الأندلس القادمين في الجالية، ورئاسة سلفهم بمرسية معروفة بأخبار الطوائف. وكان أخوه "صاحب الأشغال بالحضرة"62. ويبدو أن سياسة تعيين الحجّاب إلى جانب أبناء السلاطين الحفصيين في المدن المهمة كانت سائدة منذ القرن الرابع

عشر الميلادي، لكنّ مؤلفي المصادر أغفلوا ذكر ذلك واقتصروا على تدوين إشارات مقتضبة، مثلما هو الحال في فترة السلطان أبي

العباس أحمد، الذي عيّن بقفصة الحاجب عبد الله التريكي، وهو من الموالي الأتراك، حاجبًا للأمير أبي زكرياء، وعُيّن أبو القاسم

الشهرزوري حاجبًا بتوزر للأمير المنتصر63، وتختفي الإشارات بعد ذلك التاريخ من حكم السلطان أبي العباس أحمد. وبعد هروب عبد الله بن محمد بن تافراجين، عقد السلطان الحفصي إبراهيم بن أبي بكر (751 - 770 ه/ 1350 - 1369 م) على الحجابة لأحمد بن إبراهيم البالقي ورفع الحجّاب بينه وبين الناس. وبعد وفاة السلطان، أخذت البيعة لخالد بن إبراهيم (770 - 772 ه/

1369 - 1371 م) عن طريق مولاه منصور وحاجبه أحمد بن إبراهيم البالقي64. وسارا في الناس سيرة غير مُرضية. وحاول الحاجب

البالقي عقد اتفاق مع منصور بن حمزة بمشاركتهم الأمر، غير أنهما تنكّرا له، فلحق بأبي العباس أحمد65. وفي سنة 772 ه/ 1371 م، آلت أمور الحكم إلى أبي العباس أحمد، الذي بقي في الحكم حتى عام 796 ه/ 1394 م، واتخذ أبا زكريا أخاه حاجبًا إضافة إلى أبي عبد الله محمد بن تافراجين "رديفًا" له في الحجابة. وعمل هذا الأخير على التحالف مع العرب من بني كعب وأولاد أبي

الليل، لأخذ تونس. وجرى القبض عليه وُأ لقي في السجن، إلى أن توفي عامُ778 ه/ 1376 م. وهكذا انتهت سطوة عائلة ابن تافراجين66. أما فترة السلطان أبي عمرو عثمان (839 - 892 ه/ 1436 - 1488 م) فكانت الحجابة للشيخ "المعظم أبو الفضل ابن أبي هلال شيخ الموحدين" ودفن حين موته بدار الولي سيدي محرز بن خلف67. وهكذا يتبين لنا أنّ تعيين الحجّاب كان وفق معايير محددة، منها العمل

المخزني مدة، مع الملاحظ أن الدولة اصطنعت عددًا من الأشخاص ومكّنتهم من الحجابة، إضافة إلى تعيين بعض الموالي العلوج، وكانت

عائلات بعينها قد تداولت على الحجابة وفق رغبة السلطان، الذي لجأ إلى حاجب أبيه لما لديه من دربة ومعرفة في تصريف أمور الحكم. ونقدّم في ما يلي جدولًا يضمّ كل الحجاب الذين تولّوا الحجابة في تونس وبجاية الحفصيتين، بحسب ما ذكرته المصادر، في

المدة القرن السابع-القرن التاسع الهجري/ القرن الثالث عشر-القرن الخامس عشر الميلادي.

59  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 794، 802؛ ابن الشماع، ص 90، 91. 60  ابن الشماع، ص 100؛ ابن القنفذ، ص 168؛ الزركشي، ص 185. 61  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 787. 62  المرجع نفسه، ص 881، 882، 895، 905، 940. 63  الزركشي، ص 209، 212. 64  المرجع نفسه، ص 214. 65  المرجع نفسه، ص 217، 219. 66  المرجع نفسه، ص 301.

  1. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 794، 802؛ ابن الشماع، ص 90، 91.
  2. ابن الشماع، ص 100؛ ابن القنفذ، ص 168؛ الزركشي، ص 185.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 787.
  4. المرجع نفسه، ص 881، 882، 895، 905، 940.
  5. الزركشي، ص 209، 212.
  6. المرجع نفسه، ص 214.
  7. المرجع نفسه، ص 217، 219.
  8. المرجع نفسه، ص 301.

جدول بقائمة أسماء الحجّاب في إفريقية الحفصية من سنة 678 ه/ 1280 م إلى سنة 882 ه/ 1477 م

اسم الحاجب
أبو القاسم بن الشيخ
أبو العباس أحمد بن سيد الناس
محمد بن أبي بكر بن الحسين بن خلدون
عبد الملك بن مكي
أبو القاسم بن الشيخ
أبو القاسم بن الشيخ
أبو الحسين بن سيد الناس
أبو القاسم بن أبي جبي
محمد الشخشي
ابن أبي جبي
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن الدباغ
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الدباغ
أبو القاسم بن أبي جبي
علي بن الأمين
عأبد الرحمن بن يعقوب بن غمر
عبد الرحمن يعقوب بن غمر
عبد الله الرخامي
أبو عبد الرحمن بن محمد بن الغازي
القسنطيني
أبو زكريا بن يعقوب
حسن بن إبراهيم بن أبي بكر بن ثابت
أبو زكريا يحيى بن اللحياني
محمد بن القالون
أبو عبد الله محمد بن القالون
أبو يحيى أبو بكر بن أبي زكريا بن أبي
إسحاق (712 - 718 ه/ 1312 - 1318 م)
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 747.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 752.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 752.
أبو عبد الله محمد بن القالون
أبو الحسن بن عمر
عبد الرحمن يعقوب بن غمر
محمد بن عبد العزيز المعروف بالمزوار
محمد بن الحسين بن سيد الناس
عبد الله محمد بن القالون
ظافر السنان
المولى نبيل
أبو العباس أحمد بن محمد بن عبو
محمد بن فرحون
محمد بن طاهر
أبو القاسم أحمد بن عبد العزيز الغساني
أبو القاسم بن عبو
أبو محمد عبد الله بن تافراجين
محمد بن القالون
أبو القاسم بن علناس
المولى فارح
أبو العباس أحمد بن أبي زكرياء الرندي
ابن القشاش
أبو إسحاق بن غلان
علي بن المنت الحضرمي
أبو بكر يحيى بن إبراهيم (718 - 747 ه/
1318 - 1346 م)
ابن القنفذ، ص 165.
الزركشي، ص 139؛ ابن القنفذ، ص 167؛
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 769.
ابن القنفذ، ص 165؛ ابن خلدون، العبر،
ج 6، ص 771، 781 - 782، 789.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 770.
الزركشي، ص 139؛ ابن خلدون، العبر،
ج 6، ص 773.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 789.
الزركشي، ص 136.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 787.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 804.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 782.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 786، 787.
الزركشي، ص 144؛ ابن الشماع، ص 90؛
ابن القنفذ، ص 165، 168.
الزركشي، ص 148؛ ابن الشماع، ص 90؛
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 794.
الزركشي، ص 158؛ ابن خلدون، العبر،
ج 6، ص 804.
الزركشي، ص 161.
الزركشي، ص 162.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 804.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 805.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 804.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 805.
اأبن مكيالأمير عبد الواحد بن اللحياني المتمرد على
السلطان سنة 732 ه/ 1331 م
الزركشي، ص 142.
أبو محمد عبد الله بن تافراجين
أبو القاسم بن عبو
أبو العباس أحمد بن علي بن رزين
أبو حفص عمر بن أبي بكر (747 - 748 ه/
1347 - 1348 م)
الزركشي، ص 165؛ ابن الشماع، ص 91؛
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 807.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 821.
الزركشي، ص 168؛ ابن خلدون، العبر، ج
6، ص 810.
أبو العباس أحمد بن محمد بن عبو
أبو القاسم بن عبو
- 134الزركشي، ص 185.
ابن الشماع، ص 92، 100.
ع ص 9
بن
الزركشي، ص 186؛ ابن خلدون، العبر، ج
6، ص 826.
أبو محمد عبد الله بن تافراجين
أحمد بن مكي
محمد بن محمد عبد الله بن تافراجين
أحمد بن إبراهيم البالقي
إبراهيم بن أبي بكر (751 - 770 ه/ 1350 -
1369 م)
الزركشي، ص 186؛ ابن الشماع، ص 101.
الزركشي، ص 189، 201.
الزركشي، ص 208، ابن خلدون، العبر، ج
6، ص 857.
الزركشي، ص 209؛ ابن خلدون، العبر، ج
6، ص 857.
أحمد بن إبراهيم البالقيخالد بن إبراهيم (770 - 772 ه/ 1369 -
1371 م)
الزركشي، ص 212؛ ابن الشماع، ص 107؛
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 857.
الأمير أبو يحيى زكرياء
محمد بن محمد بن عبد الله بن تافراجين
الخلف بن الخلف
عبد الله التريكي
أبو القاسم الشهرزوري
أبو العباس أحمد (772 - 796 ه/ 1371 -
1394 م)
الزركشي، ص 217؛ ابن الشماع، ص 110؛
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 868.
الزركشي، ص 217؛ ابن الشماع، ص 110؛
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 856، 868.
الزركشي، ص 222؛ ابن خلدون، العبر، ج
6، ص 881.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 882.
ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 895.
أبو عبد الله محمد بن أبي العباس بن أبي
هلال
محمد المنتصر الحفصي (837 - 839 ه/
1434 - 1436 م)
الزركشي، ص 265.
أبو عبد الله محمد بن أبي العباس بن أبي
هلال
أبو الفضل بن أبي هلال
أبو عمرو عثمان (839 - 892 ه/ 1436 -
1488 م)
الزركشي، ص 265.
الزركشي، ص 301.

ضمن عمل المؤرخ الإخباري والمدقق في الأمور السلطانية الحفصية.

المصدر: من إعداد الباحث.

من خلال الجدول الخاص بأسماء الحجّاب والفترة التي تحجّبوا فيها، يمكن الإدلاء ببعض الملاحظات، فالذي يشدّ انتباهنا

في الدرجة الأولى أننا إزاء تسلسل في عمليات التعيين للحجّاب، من سنة حكم أبي إسحاق (678 ه)، وصولًا إلى زمن حكم أبي عمرو

عثمان، وهو ما يعني أننا انتقلنا من ضبابية في إشارات المصادر إلى تتبّع تلك الخطة وشخصياتها على مستوى المصادر، ويندرج ذلك

أما الملاحظة الثانية فتتصل بعدد الحجّاب خلال تلك الفترة وتوزّعه على زمن حكم السلاطين وأصول الحجّاب والعائلات

التي تواتر ذكرها، إضافةً إلى نصيب كل فترة من عدد الحجّاب، فنلاحظ في مستوى أوّل أنّ عددهم تجاوز الخمسين حاجبًا عُيّنوا

خلال كامل الفترة المشار إليها، مع العلم أنّ هناك أشخاصًا شغلوا منصب الحجابة، مع أكثر من سلطان حفصي. وتوزّع عدد الحجاب

كالآتي: خلال الفترة 678 - 700 ه/ 1280 - 1301 م، بلغ عدد الحجّاب تسعة، وكان النصيب الأوفر فيها يعود إلى أبي القاسم بن الشيخ الذي

عاصر ثلاثة سلاطين منصّبًا عندهم في خطة الحجابة. أما خلال القرن الرابع عشر، وتحديدًا الفترة 709 - 796 ه/ 1309 - 1394 م، فقد

بلغ عدد الحجاب أربعة وأربعين حاجبًا، كان النصيب الأوفر من سنوات الحجابة للآتي ذكرهم: ابن غمر تحجّب لسلطانَين، ومحمد

بن القالون وعبد الله بن القالون تحجبا لسلطانَين، أما ابن تافراجين فتحجب لثلاثة سلاطين. نلاحظ أيضًا كثرة حجّاب السلطان أبي

يحيى أبي بكر، حيث تفرّد بتنصيب خمسة عشر حاجبًا، وهو ما يعكس صحة المعلومات التي قدّمتها المصادر بشأنه. أما خلال القرن

الخامس عشر (837 - 892 ه/ 1434 - 1488 م)، فنجد ثلاثة حجّاب فقط، وهم ينحدرون تقريبًا من العائلة نفسها. أما الملاحظة الثالثة فتتعلق باعتلاء بعض العائلات منصب الحجابة منذ القرن الثالث عشر، وتواصلها في ذلك المنصب إلى منتصف القرن الرابع عشر، وهي عائلة ابن سيد الناس ثم عائلة ابن تافراجين، إضافة إلى ما لاحظناه من تعيين أفراد من عائلة بني مكي البربرية للحجابة، في ثلاث مناسبات، وعائلة عبو الموحدية، إضافة إلى تولي الموالي العلوج تلك الخطة؛ ما يعني انجذاب مختلف مكونات البلاط الحفصي إلى خطة الحجابة، ويعكس اختلاف المشارب والأصول الجغرافية والاجتماعية في تعيين الحجّاب.

2.مهمات الحجاب

عند مطالعتنا للمصادر الحفصية، يتبين لنا شحّ المادة المصدرية التي خصصت للموضوع، حيث اكتفت بإشارات مقتضبة

سنستعرضها بحسب السياقات التي وردت فيها.. أ المهمات السياسية إن شهادة ابن خلدون عند تولّيه الحجابة في بجاية مفيدة جدًا في هذا السياق؛ لأنه عاين ذلك بنفسه، حيث يذكر أنه بلغه وفاة

أمير بجاية أبي عبد الله، حين كان مقيمًا في قصبة السلطان وقصوره، فطلب منه جماعة من أهل البلد القيام بالأمر والبيعة لبعض

الصبيان من أبناء السلطان، ويقول: "فتفاديت ذلك وخرجت إلى السلطان أبي العباس صاحب قسنطينة فأكرمني وحباني وأمكنته من بلده وأجرى أحوالي كلها على معهودها"68. نستشفّ من هذه الشهادة أنّ الحجّاب كان لهم دور كبير في تحديد من يخلف السلطان الذي يُتوفى، ما يعني أنّ لهم دورًا في

تحديد مستقبل الدولة؛ لذلك غالبًا ما ترد الإشارات إلى اجتماع الحاجب بالجند أو طبقة الموحدين لتقرير مصير الدولة. ولنا في هذا

السياق عديد الأمثلة، فبعد موت السلطان في سنة 751 ه/ 1351 م، وقف أبو محمد بن تافراجين "ومهد أمر أبي إسحاق وأحكم دولته وحكّم إمرته ووفى له في مطالبه وذلك في مدة تقرب من خمسة عشر عامًا وهي من سنة إحدى وخمسين إلى سنة وفاة الشيخ أبي

محمد (ابن تافراجين) التي هي سنة ست وستين وسبعمائة/ 1365 م وكانت سيرة أبي محمد سيرة حمدها أهلها إلا أنه لم يكن له في أعرابها وطرقها قوة ظهور"69.

67  ابن خلدون، التعريف، ص 106. 68  ابن القنفذ، ص 174.

  1. ابن خلدون، التعريف، ص 106.
  2. ابن القنفذ، ص 174.

أضف إلى ذلك أنّ الحاجب تجري استشارته والتعويل عليه في شدّ أزر الأمير الذي يرى في نفسه مؤهلً للحكم، فعند وفاة

السلطان أبي بكر في تونس "قام الأمير أبو حفص عمر باستدعاء الحاجب أبي محمد بن تافراكين ودعوا مشيخة الموحدين والموالي وطبقات الجند وأخذ الحاجب عليهم البيعة"70. وفي فترة أبي البقاء خالد بن إبراهيم، كان الحاجب إبراهيم البالقي بحسب ابن الشماع "أخذ له البيعة هو ومولاه منصور ووقفا في تدبير الدولة دون أبي البقاء"71. ونظرًا إلى أهمية إمارة بجاية لدى الحفصيين، فإن الحجّاب الذين عُيّنوا هناك على الأمراء غالبًا ما كان لهم أدوار سياسية

مختلفة؛ إذ إنهم غالبًا يناصرون أميرًا على الآخر، وخاصة في فترة الأزمات السياسية، ويبايعون أميرًا دون آخر أو يقومون بالإجلاب

على حضرة تونس من بجاية، بإيعاز وتدبير منهم أو يدبّرون الانقلاب على السلطان في المناطق الطرفية، مثل توزر وقفصة، في فترة

السلطان أبي العباس أحمد، وقام الحجّاب بتدبير انقلابات على بعض الأمراء المرشحين للحكم وتقديم آخر72. إنّ اختيارنا لهذه النماذج في فترات تاريخية مختلفة يحيل على وجود شبه تقليد في تدخّل الحجّاب في السياسة، وتمهيد الأمر

للسلطان الجديد، ومبايعة أحد السلاطين أو اختيار السلطان، لتدبير شؤون الدولة. ولعل ذلك التدخّل في السياسة هو الذي يفسر

النهايات المأساوية لبعض الحجاب.. ب المهمات العسكرية تنطبق الملاحظة نفسها على الدور العسكري؛ فقد شارك ابن تافراجين بفاعلية في الحروب التي استعاد من خلالها هيبة السلطة والسلطان، وبيّن نجاعة تدخلاته العسكرية. أما بالنسبة إلى القادة من العلوج الذين شغلوا منصب الحجابة، وهم قليلو العدد، فقد

ساهموا في تجهيز الجيوش تقريبًا فحسب. وتدخّل ابن تافراجين في الجيش؛ فقد كان يجهز الجيوش أيام الحرب، مثلما حدث ذلك في المواجهة التي وقعت بين أبي إسحاق

إبراهيم وأخيه أبي زيد عبد الرحمن، وتحالف هذا الأخير مع أحمد بن مكي الذي عُيّن حاجبًا وقائدًا للجيش73. ورفض تدخّل أبي عنان

المريني في إفريقية، حيث جهّز ابن تافراجين لسلطانه أبي إسحاق إبراهيم جيشًا ضخمًا؛ لمقاومة المرينيين سنة 757 ه/ 1356 م74. وبعد فترة، تُحدّثنا المصادر أن ابن تافراجين جهّز جيشًا واسترجع جربة وقابس سنة 763 ه/ 1362 م، بمساعدة ابنه. وحين نقم

أهل بجاية على عامل أبي الحسن المريني بعثوا لابن تافراجين، فجهز عسكرًا هو وابنه أبو عبد الله، فاسترجعوا بجاية ودخلها السلطان

أبو إسحاق عام 761 ه/ 1360 م، وكان الحاجب ابن تافراجين يدبّر الأمر من تونس، ثم عيّن على بجاية شيخًا من أشياخ الموحدين

وابن تافراجين هو الحاجب75. وكان الحاجب يستخدم الجيش في بعض المناسبات الأخرى، ويجمع الجباية من القبائل العاصية، مثلما حدث مع ابن خلدون الذي يقول "فخرجب بنفسي إلى قبائل البربر بجبال بجاية الممتنعين من المغارم منذ سنين فدخلت بلادهم واستبحت حماهم وأخذت رهنهم على الطاعة حتى استوفيت منهم الجباية"76.

69  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 807، 810. 70  المرجع نفسه، ص 857، 864 - 865، 868؛ ابن الشماع، ص 106 - 107. 71  ابن خلدون العبر، ج 6، ص 718، 720، 737. 72  المرجع نفسه، ص 830؛ الزركشي، ص 189. 73  الزركشي، ص 197، 200. 74  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 839، 844، 846 - 847. 75  ابن خلدون، التعريف، ص 105.

  1. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 807، 810.
  2. المرجع نفسه، ص 857، 864 - 865، 868؛ ابن الشماع، ص 106 - 107.
  3. ابن خلدون العبر، ج 6، ص 718، 720، 737.
  4. المرجع نفسه، ص 830؛ الزركشي، ص 189.
  5. الزركشي، ص 197، 200.
  6. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 839، 844، 846 - 847.
  7. ابن خلدون، التعريف، ص 105.

. ج مهمات أخرى أدى الحجّاب أدوارًا دبلوماسية، من خلال تعيينهم سفراء لسلاطينهم. ونذكر في هذا السياق نجاعة أعمالهم الدبلوماسية وكسب

النصر لسلاطينهم، من استبعاد النزاع مع طرف في الحكم إلى كسب ودّ سلطان آخر. اضطلع الحجّاب بالسفارة لتمثيل أسيادهم، حيث كان أبو القاسم بن عبو قد أُرسل في سفارة إلى أبي الحسن المريني، وهو الذي

كان حاجب الأمير أبي حفص عمر؛ قصد البحث في فضّ النزاع الحاصل على الحكم في العائلة الحفصية77. وسافر ابن غمر إلى

طرابلس لمقابلة ابن اللحياني والتفاوض معه في شؤون الحكم وما سيؤول إليه الوضع78. وكان ابن أبي جبي قد أرسل سفيرًا من بجاية إلى حضرة تونس، وأيضًا بعث السلطان أبا عبد الله محمد بن فرحون في غرض

الرسالة إلى ملك المغرب بخصوص الأسطول، الذي أرسله السلطان الحفصي مددًا للمسلمين في الأندلس عند عبور السلطان أبي

الحسن المريني إلى جزيرة طريف79. وكان للحجّاب مهمات أخرى متعددة، مثلما هو حال علي بن محمد الحضرمي، الذي تمكّن

من خطة الحجابة "فقام بإصلاح مونات السلطان وأحوال إقامته في سفره وجهّز له العساكر وجال في نواحي أعماله وكان ذلك قبل

سنة سبع وأربعين وسبعمائة"80. أما ابن تافراجين، فقد صرف عنايته إلى تحصين المهدية، فشيّد من أسوارها وشحن بالأقوات والأسلحة مخازنها ومستودعاتها81.

وهكذا، تنوّعت المهمات التي كان يقوم بها الحجّاب، بين مهمات سياسية وأخرى عسكرية وجبائية، إضافةً إلى تمثيل السلطان في

التفاوض مع بقية السلاطين أو الأمراء، واضطلع آخرون بمهمات على صلة بشؤون القصر، وتفرّد ابن تافراجين بترميم المنشآت العامة

في المهدية وتونس. ونظرًا إلى أهمية خطة الحجابة، يمكن القول إن العديد من الحجّاب صاروا يُعرفون في المصادر بالحاجب، وهو اللقب الذي

كان أكثر شيوعًا، خلال العهد الحفصي، في المصادر للدلالة على أهمية تلك الشخصية. ولنا عديد الأمثلة في هذا الباب، ومنها ابن

الدباغ المعروف بالحاجب، وابن سيد الناس المعروف بالحاجب، وابن تافراجين المعروف بالحاجب، وابن غمر الذي لُقّب بالحاجب الأعظم. وكل هؤلاء كانت لهم أدوار مختلفة في الحياة العامة، حيث لم يكتفوا بحجب السلطان، بل كانوا فاعلين في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية. لقد تطوّر لقب الحاجب، الذي كان مجرد إشارة إلى قهرمان دار السلطان، ليصبح يعني بحسب ما تقدّم الشخص الثاني في

السلطة، منذ القرن الثالث عشر إلى سنة 772 ه/ 1372 م تقريبًا؛ لِما يختص به من أعمال مختلفة ومتعددة، حيث يقع على كاهله عديد

المهمات، ولذلك وُصفت تصرفات ابن تافرجين بأنه كان "يسلّم سلام الملوك"، عندما كان حاجبًا دلالة على أهمية لقب الحاجب.

وعكس ذلك، كان ذلك اللقب قد مثّل عبئًا على العامة، الذين رأوا في ابن الدباغ سبب تطاول الأعراب على مدينة تونس، فطالبوا

بقتله.

76  الزركشي، ص 168، 170، 185 - 186. يذكر الزركشي أنّ الحاجب أبا القاسم بن عبو قتله أبو الحسن المريني ثم يستدرك ليقول إنه قُتل مع السلطان الفضل عام 751 ه/

1350 م. ينظر: ص 170، 188. 77  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 740 - 744. وللاطلاع أكثر على موضوع السفارة، ينظر مقال دومنيك فاليريون:

D. Valérian, "Les agents de la diplomatie des souverains maghrébins avec le monde chrétien (XIIe-XVe siècle)," Anuario de Estudios Médivales (AEM) , vol. 38 , no. 2 (2008), pp. 885 - 900.

78  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 805. 79  المرجع نفسه. 80  المرجع نفسه، ص 839، 844، 846 - 847.

  1. الزركشي، ص 168، 170، 185 - 186. يذكر الزركشي أنّ الحاجب أبا القاسم بن عبو قتله أبو الحسن المريني ثم يستدرك ليقول إنه قُتل مع السلطان الفضل عام 751 ه/ 1350 م. ينظر: ص 170، 188.
  2. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 740 - 744. وللاطلاع أكثر على موضوع السفارة، ينظر مقال دومنيك فاليريون: D. Valérian, "Les agents de la diplomatie des souverains maghrébins avec le monde chrétien (XIIe-XVe siècle)," Anuario de Estudios Médivales (AEM) , vol. 38 , no. 2 (2008), pp. 885 - 900.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 805.
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه، ص 839، 844، 846 - 847.

ثالثًا: شبكة علاقات الحجّاب82

تتيح مهنة الحجابة للقائمين عليها جوانب عديدة على صلة بالاجتماعي والسياسي والعسكري، فهم أولئك الوسطاء بين الرعية والسلطان، وبين الخاصة وصاحب السلطة. ومن خلال بعض ظروف اعتلاء خطة الحجابة، تبَّيَن لنا وجود هوامش عديدة من

العلاقات الاجتماعية والسياسية؛ فبدءًا بتعيين الحاجب نرى أنّ هناك من ورث شبكة علاقات مهمة عن طريق والده أو جدّه، أو عن

طريق العائلة الموسّعة، حتى إنّ الوصول إلى ذلك المنصب اقتصر على عائلات دون غيرها في أحايين كثيرة83. إن ما قدمناه سابقًا فيما يتصل بتطور لقب الحاجب وظهور خطة الحجابة بيّن لنا أهمية العلاقات الشخصية للعديد من الأسماء،

قبل أن يصبحوا حجّابًا، وتبيّن لنا، أيضًا، كيف كانت تجري عملية تعيين الحجّاب بعد أن صارت خطة لها مكانتها بين بقية الخطط، حتى

تراءى لنا أنّ ذلك التدرج في المناصب الإدارية ومنح لقب الحجابة كان بمنزلة مشهد حركي للبلاط الحفصي ينمّ عن أهميته، ولا نعرف

تحديدًا من الذي أسهم في ذلك النشاط الدؤوب داخل البلاط؟ هل السلطان أم الشخصيات المحركة للمشهد السياسي والإداري؟ ضمن تلك الفعاليات التي أوردناها سابقًا، كانت مختلف المراحل التي يمرّ بها الفاعلون داخل البلاط مهمة قصد الوصول إلى

أعلى المراتب، حيث بيّنت لنا على نحو سريع وخاطف، وفي بعض الأحيان مسهب، الحياة اليومية داخل البلاط ولو بإيجاز سريع. وبما

أن الإخباريين دوّنوا ملاحظاتهم في شكل حوليات، فسنحاول تسليط الضوء على بعض الشخصيات وبنائها لشبكة العلاقات، حسبما

توفّره المصادر. وتبعًا لذلك، فإنّ الأمور المفوضة إلى الحجّاب أدّت إلى وجود مستويين من العلاقات: علاقات داخل القصر السلطاني، وعلاقات

خارج البلاط الحفصي، فكيف نفهم ذلك؟ سنسلط الضوء على يعقوب بن غمر الذي تقول المصادر إنه بدأ مشواره بالسعي بابن أبي جبي إلى أن انتهى إلى سدة الحجابة. فما أهم شبكة علاقاته؟ لقد تمكّن ابن غمر من الحجابة بعد أن استُبعد ابن أبي جبي. وتذكر المصادر أنّ ابن غمر "كان رئيسًا في نفسه حريصًا على

طلب المال، صاحب مكر وحيل، وكان بدأ حاجبًا لأبي البقاء خالد سنة 709 ه/ 1309 م وكان يُعرف بالرئيس"84، غير أن بدايته لم

تكن كذلك، بل ساهمت أسرته في نحت مستقبله؛ فقد كان جده قاضيًا في شاطبة ثم هاجر إلى إفريقية، ونزلت تلك الأسرة بالربض

الجوفي لمدينة تونس في أيام السلطان أبي عصيدة، وكان والد يعقوب ابن غمر قد اتجه رفقة أخيه إلى قسنطينة واتصلا بابن أوقيان من مشيخة الموحدين؛ للتوسط لهما في الخدمة السلطانية85. وتمكّن والد يعقوب بن غمر من العمل في الديوان بالقل86، ثم وسّع علاقاته مع إمارة بجاية، حيث تعرّف إلى مرجان الخصي

من موالي الأمير أبي زكريا، وتمكّن بالفعل من ربط علاقات جيدة بأصحاب القصر السلطاني، ما مهّد الطريق لابنه يعقوب بن غمر

81  للاطلاع أكثر على أهمية دراسة شبكة العلاقات، يمكن الرجوع إلى أعمال الندوة التي نُشرت تحت إشراف هنري بريسك:

Henri Bresc (dir.), Réseaux politiques et économiques (Paris: Edition du comité des travaux Historiques, 2016). 82  Pierre Mercklé, Sociologie des réseaux sociaux , Collection repères (Paris: La Découverte, 2016).

يقول المؤلف في ص 9: "من خلال مصطلح الشبكة، لا أريد فقط الإشارة إلى الروابط بين الأشخاص، فمصطلح العلاقة يكفي لذلك، بل أريد أن أشير إلى وجود صلة

بين الروابط نفسها". 83  ابن القنفذ، ص 156 - 164. 84  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 725. 85  مدينة ساحلية تقع في شمال المغرب الأوسط في الجزائر الحالية.

  1. للاطلاع أكثر على أهمية دراسة شبكة العلاقات، يمكن الرجوع إلى أعمال الندوة التي نُشرت تحت إشراف هنري بريسك: Henri Bresc (dir.), Réseaux politiques et économiques (Paris: Edition du comité des travaux Historiques, 2016).
  2. Pierre Mercklé, Sociologie des réseaux sociaux , Collection repères (Paris: La Découverte, 2016). يقول المؤلف في ص 9: "من خلال مصطلح الشبكة، لا أريد فقط الإشارة إلى الروابط بين الأشخاص، فمصطلح العلاقة يكفي لذلك، بل أريد أن أشير إلى وجود صلة بين الروابط نفسها".
  3. ابن القنفذ، ص 156 - 164.
  4. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 725.
  5. مدينة ساحلية تقع في شمال المغرب الأوسط في الجزائر الحالية.

للزواج من إحدى "ربيبات القصر"، فنشأ في ذلك المناخ العام للقصر السلطاني وعرف عن قرب مختلف الشواغل التي كانت سائدة، فأصبحت تلك العائلة من المقرّبين للسلطة، حتى إنّها مددت علاقاتها وربطت أواصرها بعائلة الحاج فضل قهرمان دار السلطان

وخاصّته87. كانت بداياته في العمل المخزني الاشتغال بالجباية إلى أن تمكّن من أن يصبح صاحب الأشغال88. وزاحم ابن أبي جبي وعبد الله الرخامي وتعرّض للسعاية منهما، فغرب إلى الأندلس وتمكّن من العودة ثانية إلى بجاية، بعدما تدخّل لصالحه السلطان

أبو البقاء خالد. وكانت حادثة تغريبه على ما يبدو نقطة تحوّل في حياته، حيث فهم أنّ العمل المخزني ينبني في جزء منه على الوشاية

والسعاية والتآمر؛ ولذلك مثلما سنلاحظ لاحقًا، كان جل حياته في العمل المخزني متربصًا بالآخرين وساعيًا ومنتقمًا منهم. استند عند عودته إلى عمله إلى علاقاته القديمة بمرجان الخصي، ورتّب معه كيفية التصدي لابن أبي جبي وعبد الله الرخامي

غريمَيه السابقَي الذكر. وبالفعل، تمكّن من التأثير في السلطان، واستبعد ابن أبي جبي عن الحجابة. وسعى بعبد الله الرخامي مدّعيًا

لدى السلطان أنه من الموالين لابن أبي جبي؛ فجرت مصادرة أمواله وامتحانه، ثم تغريبه إلى ميورقة. ولتهيئة الأرضية المناسبة لعمله حاجبًا، نجح مرة أخرى ابن غمر في إطاحة مرجان الخصي، الذي نكبه السلطان؛ وهكذا "تفرّد بالحل والعقد"89. بنى ابن غمر على إثر ذلك شبكة علاقات جديدة مع الذين اصطنعهم، حيث عقد لأخيه أبي بكر على قسنطينة، وولّى عليًا ابن

عمه على الحجابة بتونس نائبًا عنه في فترة السلطان أبي البقاء خالد، وكان محمد بن يحيى بن القالون صاحب الديوان ببجاية، وهو

مصطنع ابن غمر، وعقد كذلك لابن عمه محمد بن غمر على قسنطينة سنة 715 ه/ 1315 م، ثم تحجّب للسلطان أبي بكر وحرّضه على

مقاتلة أخيه أبي البقاء خالد وأخذ له البيعة من الناس سنة 710 ه/ 1310 م90. لا شك في أن ابن غمر استبد على السلطان بالحجابة، وأصبح له تأثير قوي فيه إلى درجة أنه أقنعه بإزاحة الحاجب حسن بن إبراهيم بن أبي بكر بن ثابت رئيس أهل الجبل المطل على قسنطينة، والذي تحجّب عند غيبة ابن غمر في سفارته إلى ابن اللحياني،

حيث نُفي إلى الأندلس. ونتاج استبداد ابن غمر، اتصل بعض أهالي قسنطينة بالسلطان، سنة 713 ه/ 1313 م، واقترحوا اغتياله، غير

أنه تفطّن إلى ذلك وعذّبهم الواحد تلو الآخر. ولتجنّب العواقب الوخيمة لتلك السعايات المتواصلة، عمل ابن غمر على تحريض

سلطانه بالزحف على إفريقية؛ لطلب الملك من ابن اللحياني91. ونظرًا إلى الدور الكبير الذي اضطلع به ابن غمر في حجابته، أطلق عليه لقب "الحاجب الأعظم"، حيث نسج شبكة علاقات

كبيرة مكّنته من علوّ شأنه ورتبته. واتجه في سياسته لربط علاقات جيدة بابن مزني مستغلًا في ذلك ما عرفه من سياسة عدوّه سابقًا ابن

أبي جبي، فعمل على توسيع مجال سيطرة تلك العائلة "فاستضاف له عمل جبل أوراس والحضنة وسدويكش وعياض وسائر أعمال الضاحية"92، مستغلًا تلك العلاقة في مدّ خزينة السلطان بأموال إضافية من ابن مزني93.

86  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 725. 87  ويعرف أيضًا عند الحسن الوزان بأمين الخزينة، ويقول برنشفيك إنه بمنزلة وزير المالية، ينظر: برنشفيك، ج 2، ص 56.

88  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص ص 725 - 726. 89  المرجع نفسه، ص 737، 739. 90  المرجع نفسه، ص 740 - 747. 91  الحضنة: تضم مقرة والمسيلة، أما سدويكش فهم من قبيلة كتامة ومواطنهم بين قسنطينة وبجاية، وأما عياض فهم عرب من بني هلال استقروا في جبل قلعة بني

حماد، وما يلاحظ أن كل تلك المنطقة صارت تابعة لإمارة بني مزني بحسب ابن خلدون، ينظر: عبد المالك بكاي، "الحياة الريفية في المغرب الأوسط من القرن 7 - 10 ه/

13 - 16 م"، أطروحة دكتوراه في التاريخ الإسلامي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، 2013 - 2014، ص 90. 92  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 750.

  1. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 725.
  2. ويعرف أيضًا عند الحسن الوزان بأمين الخزينة، ويقول برنشفيك إنه بمنزلة وزير المالية، ينظر: برنشفيك، ج 2، ص 56.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص ص 725 - 726.
  4. المرجع نفسه، ص 737، 739.
  5. المرجع نفسه، ص 740 - 747.
  6. الحضنة: تضم مقرة والمسيلة، أما سدويكش فهم من قبيلة كتامة ومواطنهم بين قسنطينة وبجاية، وأما عياض فهم عرب من بني هلال استقروا في جبل قلعة بني حماد، وما يلاحظ أن كل تلك المنطقة صارت تابعة لإمارة بني مزني بحسب ابن خلدون، ينظر: عبد المالك بكاي، "الحياة الريفية في المغرب الأوسط من القرن 7 - 10 ه/ 13 - 16 م"، أطروحة دكتوراه في التاريخ الإسلامي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، 2013 - 2014، ص 90.
  7. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 750.

يمكن القول إن ابن غمر قد وصل درجة متقدمة من الاستبداد في بجاية سنة 715 ه/ 1315 م، حيث اقتصر على ذكر السلطان في الخطبة واسمه في السكة، وهذا يدل على نقص شارات الملك التي تحدّث عنها ابن خلدون، وكان قد هلك في فراش المرض سنة

719 ه/ 1320 م، فخلفه على بجاية ابن عمه علي بن غمر الذي لا تخبرنا عنه المصادر شيئًا ولا حتى المهمات التي أوكلت إليه، وإذا

ما كان واصل بناء شبكة علاقات أخرى جديدة لعائلة ابن غمر94. اخترنا نموذجًا لأحد أفراد العائلات الأندلسية التي وفدت على إفريقية، خلال بداية القرن الثامن الهجري، حيث تميز الوضع

عمومًا في إفريقية بصراعات على الحكم بين العائلة الحفصية، وبينّا البعض منها من خلال شخصية ابن غمر الذي عاصر تلك الفترة،

باعتباره يشتغل في المخزن الحفصي وترقّى في مناصب مختلفة وصولًا إلى الحجابة. وبينّا من خلال ذلك مدى أهمية تلك الخطة

وكيفية خلق تحالفات بالنسبة إلى الحاجب، عن طريق اصطناع أشخاص موالين له وتعيينهم في رتب إدارية مختلفة؛ قصد التصدي للمنافسات والسعايات. ونجح ابن غمر في تطوير نسيج علاقاته، وفي الإفلات من مقصلة السلطة في بجاية، وترك مكانه بعد وفاته لأقربائه، وهو ما سمح لنا بمعرفة حيثيات الاشتغال بمنصب الحجابة عن قرب. ولمزيد من تسليط الضوء على تلك الخطة، اخترنا مث لًا آخر من الحجّاب كان في الأصل شيخًا من شيوخ الموحدين، ثم ارتقى

إلى رتبة وزير، ليشغل فيما بعد خطة حاجب، منذ تقريبًا منتصف القرن الثامن الهجري إلى حدود نهاية ستينياته؛ والقصد من وراء ذلك

محاولة معرفة واقع تلك الفترة من خلال تصرفات هذا الحاجب، وكيفية تمكّنه من الحفاظ على ذلك المنصب فترة طويلة في الحاضرة السلطانية تونس، والسبل الكفيلة المتبعة في ذلك. تنحدر عائلة ابن تافراجين من أسرة بربرية عريقة تعود جذورها إلى أيام تأسيس الدولة الموحدية في تينملل التي ينسب إليها ابن تافراجين95، والذي اشتغل في منصب الحجابة مدةً تناهز عشرين سنة؛ لذلك أخذ اهتمام الإخباريين الحفصيين، ما مكّننا من تتبّع

مسار شخصيته وشبكة علاقاته، فهو الذي هيّأ الظروف المناسبة لأبي حفص عمر للجلوس على العرش، وقام أبو محمد بن تافراجين

بخطة الحجابة مفوضًا لنفسه صلاحيات عديدة جعلته يصل درجة الاستبداد. وأمام كثرة سعاية البطانة وخوفًا على نفسه من السلطان أبي حفص، فر ليلًا إلى المغرب96. وتخبرنا كل المصادر من دون استثناء أنه كان محنّكًا ومجرّبًا في السياسة، ونفهم ذلك لأنه كان

من مشيخة الموحدين، ورأينا سابقًا أنّ ابن غمر اتصل بأحد أشياخ الموحدين، الذين كان لهم دور بارز في الحياة السياسية الحفصية. لم يكن فراره إلى المغرب إثر السعاية به لدى السلطان خارج مجال اهتمامه بالسياسة؛ وذلك لحافز داخلي على ما يبدو في علاقة بمسيرته السياسية السابقة، قبل أن يصبح حاجبًا، حيث أعطته الخطة الجديدة دافعًا جديدًا للمضيّ قدمًا في الدفاع عن شخصية الشيخ

الموحدي والوزير السابق والحاجب الجديد، لذلك اقترح على السلطان أبي الحسن المريني توسيع ملكه والاستحواذ على إفريقية، نظرًا

إلى الأزمة السياسية التي كانت تمرّ بها. وتخبرنا المصادر أنّ ابن تافراجين كان ينتظر توليته على إفريقية من جانب أبي الحسن المريني،

غير أنه لم يحصل على غرضه حين أصبح المرينيون في إفريقية97. فكيف تصرّف ابن تافراجين ليحقق ذلك الطموح الذي يحدوه؟ الجدير بالملاحظة أن المرينيين وجدوا صعوبة عسكرية كبرى في مواجهة القبائل العربية التي دافعت عن إفريقية، مقابل ذلك سجّلنا موقفًا مغايرًا لأحد شيوخ الموحدين والحاجب ابن تافراجين، وعند المواجهة الصعبة لأبي الحسن المريني مع العرب، طلب هؤلاء

93  المرجع نفسه، ص 756 - 757. 94  برنشفيك، ج 1، 186، 187، 200، 203. 95  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 808. 96  ابن الشماع، ص 94، 97.

  1. المرجع نفسه، ص 756 - 757.
  2. برنشفيك، ج 1، 186، 187، 200، 203.
  3. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 808.
  4. ابن الشماع، ص 94، 97.

أن يكون ابن تافراجين واسطة لعقد الصلح. وحين وفد عليهم، حجبوه لسلطانهم أبي دبوس ووجهوه معه إلى تونس؛ لمحاصرة من بقي من بني مرين. غير أنه لمّا علم بخبر قدوم أبي الحسن المريني إلى تونس تسلل عن أصحابه وغادر البلاد في اتجاه الإسكندرية،

سنة 749 ه/ 1348 م98. وتبيّن من خلال المهمات النشطة التي اضطلع بها ابن تافراجين مدى طموحه إلى المشاركة في حكم إفريقية مع المرينيين، ثم حوّل

وجهته نحو العرب للتحالف معهم. وعند فشله غادر البلاد في اتجاه مصر. ونظرًا إلى مضايقته من جانب المغاربة الذين وُجدوا في مصر،

خرج لقضاء الحج، وتقول المصادر إنه اجتمع مع عمر بن حمزة شيخ الأعراب واتفقا في مكة على التآمر على السلطان الفضل، وكان ذلك سنة 750 ه. وعند العودة إلى إفريقية، تحالف ابن تافراجين مع عمر بن حمزة وإخوته واشترطوا على الفضل تسمية ابن تافراجين حاجبًا،

وعزل ابن عبو، ثم قبضوا على السلطان واختاروا إبراهيم بن أبي بكر سلطانًا جديدًا، وجرى قتل الفضل وحاجبه أبي القاسم بن عبو99. وفي مرحلة لاحقة، قام ابن تافراجين بتدبير شؤون الدولة؛ نظرًا إلى معرفته بعوائد الحكم والتصرف، وتمكّن من تليين مواقف

العرب الذين استولوا على عديد المناطق في إفريقية في أثناء الغزوة المرينية. واسترجع "جميع بلاد قرطاجنة والقيروان وسوسة وباجة وتبرسق والأربس100 وجعلها بأيدي خدامه". واقترح على القبائل العربية تعيين وكيل عنهم لتحصيل جباية تلك المناطق المذكورة. وقام بعديد الإجراءات الأخرى بصفته حاجبًا، حيث استأثر بمردود الجباية الداخلية والخارجية، وضبط حاجة السلطان من الموارد

المالية وغير ذلك101. وفي مرحلة ثانية، عيّن الموالين له، حيث عقد للحجابة في المهدية لأحمد بن خلف102، لكنه قتل على يد الأمير أبي يحيى

زكريا بن أبي إسحاق إبراهيم الذي حاول التحالف مع أحمد بن مكي صاحب جربة وقابس وهو عدوّ ابن تافراجين، فأرسل إليه جيشًا،

واستعاد جربة وقابس، وعيّن عليها محمد بن الركراك وابن خلدون يلقّبه بابن الجكجاك104، أحد أوليائه، وعيّن ابنه قائدًا على

العساكر، وهو أبو عبد الله محمد بن تافراجين، الذي تمكّن سنة 763 ه/ 1362 م من استرجاع جربة من أيدي ابن مكي فاستعمل عليها ابن تافراجين كاتبه محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون105. إلى جانب مختلف الأولياء الذين كانوا تحت تصرفه وتحالفاته مع الأعراب وعلاقاته الجيدة، زوّج ابنته من سلطانه أبي إسحاق

إبراهيم، فوطّد أواصر أسرته وأصبح بمنزلة الحاكم الفعلي لإفريقية إلى وفاته سنة 766 ه/ 1365 م106. ويصف لنا ابن خلدون حالة السلطان وحاشيته إثر وفاته بقوله: "فوجم السلطان لنعيه وشهد جنازته حتى وضع بملحده من المدرسة التي اختطها لقراءة العلوم إزاء داره جوفي المدينة وقام على قبره باكيا وحاشيته يتناولون التراب حثيًا على حدثه فغرب في الوفاء معه بما تحدث به الناس واستبد من

بعده بأمره وأقام سلطانه لنفسه"107.

97  المرجع نفسه، ص 97؛ الزركشي، ص 173، 174؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 818. 98  الزركشي، ص 186 - 188؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 818 - 820. 99  تبرسق: من قرى تونس الواقعة في الشمال الغربي في وطن باجة القمح، أما الأربس فهي قرية توجد في الشمال الغربي لتونس في وطن الكاف. ينظر: مراد عرعار،

"الأربس وناحيتها إلى حدود القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي"، شهادة الدراسات المعمقة في التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 1999. 100  ابن الشماع، ص 101؛ الزركشي، ص 188. 101  من أولياء ابن تافراجين. الزركشي، ص 201. 102  من قرابة عائلة بني ثابت الموجودة في طرابلس، وهو كذلك من بطانة ابن تافراجين، ينظر: ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 845 - 856. 103  الزركشي، ص 201، 207؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 827 - 829. 104  الزركشي، ص 207 - 208؛ ابن الشماع، ص 105. 105  ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 856.

  1. المرجع نفسه، ص 97؛ الزركشي، ص 173، 174؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 818.
  2. الزركشي، ص 186 - 188؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 818 - 820.
  3. تبرسق: من قرى تونس الواقعة في الشمال الغربي في وطن باجة القمح، أما الأربس فهي قرية توجد في الشمال الغربي لتونس في وطن الكاف. ينظر: مراد عرعار، "الأربس وناحيتها إلى حدود القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي"، شهادة الدراسات المعمقة في التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 1999.
  4. ابن الشماع، ص 101؛ الزركشي، ص 188.
  5. من أولياء ابن تافراجين. الزركشي، ص 201.
  6. من قرابة عائلة بني ثابت الموجودة في طرابلس، وهو كذلك من بطانة ابن تافراجين، ينظر: ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 845 - 856.
  7. الزركشي، ص 207 - 208؛ ابن الشماع، ص 105.
  8. ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 856.
  9. 103  الزركشي، ص 201، 207؛ ابن خلدون، العبر، ج 6، ص 827 - 829.

نستنتج أنّ ابن تافراجين ربط علاقات مصلحية مع كل الذين التقى بهم، بحسب واقع الأزمة آنذاك، وتمكّن بالفعل من تسيير أمور إفريقية والاستبداد على سلاطينها، وهو المعروف بعراقة عائلته التي تعود أصولها البربرية إلى تينملل فحافظ على الخيط الرابط بين أهمية تلك العائلة ضمن شيوخ الموحدين منذ الفترة الموحدية، وكان خبيرًا بأمور الدولة والجيش والسياسة، وهو ما بيّنته المصادر

ومتن شبكة علاقاته مع عديد الشخصيات القبلية والسياسية ومدد نفوذه بتعيين مصطنعيه في مناصب إدارية. حاول ابنه عبد الله بن محمد بن تافراجين استغلال شبكة علاقات والده التي أسسها، عندما خرج على السلطان الحفصي، فارتحل مع قبيلة حكيم من بني سليم وعرض نفسه على معاقل إفريقية، التي "كان يظن أنها خالصة لهم فصدّه محمد بن أبي العيون

كاتبه عن جربة ومحمد بن الجكجاك صنيعتهم وبطانتهم عن المهدية"108. ويبدو ممّا سبق أنّ كل حاجب يحاول بناء شبكة علاقات

خاصة به بحسب ظروف عمله حاجبًا، وهو ما يعني أنّ هندسة شبكة العلاقات كانت مرتبطة بشخصية الحاجب. إنّ النموذجين المقدمين لابن غمر وابن تافراجين اللذَين تقمّصا خطة الحجابة يحيلان على تطور الصلاحيات ومبتدئها، حيث

يصل الحاجب إلى مستوى الحجْر على السلطان، ما يعني الاستبداد على صاحب السلطة، والتفرد شيئًا فشيئًا بأمر التصرف في

الشؤون السلطانية. ويفترض ذلك التحرّك ضمن فضاء آمن، في رأي ابن غمر وابن تافراجين، من خلال تعيين مصطنعيهما؛ قصد

تنفيذ سياساتهما التي يطمحان إليها. وأفادتنا التجربتان في معرفة بعض تفاصيل تلك الفترات، وهي مهمة؛ لأنها بيّنت بالفعل فاعلية

بعض شخصيات الحجّاب، في الواقع، وتعكس في جانب كبير منها عدة قضايا لم تكشف عنها المصادر بوضوح وظلّت غامضة. وإجم لًا، يمكن القول، مثلما أوضح ابن خلدون، إنّ بعض الأسر الأندلسية كانت لها علاقات بالسلطة السياسية منذ القرن السابع الهجري، وهي فترة رحيل عدد كبير من العائلات الأندلسية إلى إفريقية، أو ما يُعرف بالهجرة الأولى للأندلسيين الذين كان

أغلبهم من المثقفين والعلماء201. لقد تمكّنوا من الاتصال بأصحاب السلطة وعرض خدماتهم على السلاطين، حيث حظي أغلبهم بالقبول ودخلوا في خدمة الدولة و"تهالكوا على الخطط السلطانية"، ومنها خاصة الحجابة التي وصلوا إليها بعد انقضاء فترة طويلة في العمل الإداري أو العسكري إلى جانب الفئات الأخرى من أصول إفريقية أو موحدية. داخل ذلك الفضاء، تطورت العلاقات الاجتماعية، عن طريق الزواج من إحدى جواري القصر أو توافر هامش تربية أبناء الإداريين الأندلسيين مع أبناء السلاطين، ما يكسب الشخص علاقات مع مختلف مكونات القصر، من إداريين وعملة داخل المخزن. هكذا تبدأ شبكة العلاقات الاجتماعية داخل فضاء اجتماعي متميز يؤهلون فيه للخطط السلطانية. ولذلك، نجد العديد منهم قد ارتقى في وظيفته من كاتب إلى حاجب، حيث ساهمت معرفته في دمج الخطط بيده، مثل صاحب العلامة وكاتب، إضافةً إلى الحجابة وهي الخطة التي قال عنها ابن خلدون إنها أهم الخطط؛ نظرًا إلى ما يتمتع به صاحبها من ثقافة وتجربة عميقة في الحياة، إضافةً

إلى عقلية الحذر من الدسائس، التي تستوجب شبكة علاقات أخرى أشد تعقيدًا، حيث تكون التحالفات الظرفية والطويلة المدى، مع

تنوّع وجوه الخدمة السلطانية. تقدّم لنا المصادر نماذج عديدة تتصل بشبكات العلاقات الاجتماعية داخل القصر السلطاني، حيث الفضاء الرحب للتعبير عن

فهم أصول الخدمة والتميّز وإرضاء السلطة. وبذلك، فإنّ عائلة ابن أبي جبي ربطت علاقات داخل القصر وخارجه، وكانت من بين

العائلات التي نجحت في تأمين حياتها المميزة؛ فقد كان رافد التجارة وجهًا آخر من وجوه النجاح والدفاع على مستوى عيشهم،

مستندين في ذلك إلى ما قام به ابن أبي جبي من تميز في خدمة السلطان والاستبداد عليه في خطة الحجابة.

106  المرجع نفسه. 107  محمد حسن، المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي، ج 2 (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1999)، ص 573 - 584.

  1. المرجع نفسه.
  2. محمد حسن، المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي، ج 2 (تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1999)، ص 573 - 584.

وقد جعل تطوّر مستوى العلاقات الاجتماعية والسياسية والعسكرية ابنَ سيد الناس الحاكمَ الفعلي في السياسة الداخلية

والخارجية، خاصة في بجاية. وتشير الوثائق إلى مراسلته بعض الدول الأوروبية، وذكر اسمه بادلًا من ابن السلطان. وهي حقيقة تساعد على القيام بأعمال أخرى، مثل مصادرة ثروة أحد التجار، على حدّ رواية ابن بطوطة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى ابن تافراجين

الذي ذكرته الوثائق الرسمية الأندلسية. أمّا عائلة ابن خلدون فهي عائلة مخزنية، أيضًا، تمكّنت من مواصلة العمل داخل القصر السلطاني في وظائف مختلفة، وهي تلك

العائلة العالمة. وكان ابن خلدون قد ربط علاقاته بالأمراء والسلاطين وتمكّن بالفعل من مزاولة مهنة الحجابة في بجاية، وتعذّر عليه مواصلة الخطّة نفسها مع بني عبد الواد. ونتاج علاقاته الجيدة، تمكّن من إخراج أخيه يحيى من السجن. يبدو أنّ الأمر لم يكن متوقفًا عند حجب السلطان عن العامة أو الخاصة، بل صار بعض السلاطين بمنزلة دمى في أيدي الحجّاب،

وكان ذلك خلال فترة الاضطرابات السياسية. وهو ما فعله ابن تافراجين، الذي أخذ البيعة لسلطان صغير السن، وكذلك فعل الحاجب البالقي. ومن هنا، كانت لهم أدوار مختلفة وصلاحيات متعددة، لا تقف عند حدّ مهماتهم الرئيسة. ويبدو، من خلال المصادر، أنّ

الحجّاب قد استغلوا ذلك الضعف الذي كان عليه السلطان أو ابنه، ووسّعوا سلطتهم في اتجاه الجوانب السياسية والعسكرية والوجاهة

الاجتماعية، مثلما هو الحال مع نموذج الحاجب ابن تافراجين، الذي صار يسَّلَم عليه سلام الملوك، وصاهر السلطان، وتخبّط في

شبكة علائقية متداخلة مع كل من يمثّل مصلحته، إضافةً إلى ضبط شبكة علاقات خاصة به داخل القصر السلطاني وخارجه. إنّ شبكة العلاقات السياسية والعسكرية والاجتماعية للحجّاب قد أسهمت في نحتها المهمات والصلاحيات التي اضطلعوا

بها، وإن تمايزت علاقاتهم، فقد ضمن جلّهم لأسرته وأقاربه مواقع إدارية مهمة وحافظوا على الوجاهة الاجتماعية، ونالوا شرف لقب الحاجب، على الرغم من التقلبات والنهايات المأساوية أحيانًا، مثلما حدث لعائلة ابن سيد الناس، التي قتل منها السلطان حاجبَين.

خاتمة

في خاتمة هذه الدراسة، يمكن الإدلاء بجملة من الملاحظات التي جرى استنتاجها، حيث تبيّن لنا أن لقب الحاجب، الذي بدا

بسيطًا مع بداية الدولة الحفصية، قد شهد تحولاتٍ ذات بال، وقلنا إننا نرجّح وجوده مع أبي يحيى زكرياء مؤسس الدولة، مسايرين في

ذلك ما ذهب إليه ابن خلدون في تحليله ورصده تطوّر ذلك اللقب، من خلال تحديد مراحل تطوره، إلى أن أصبح خطة قائمة الذات

تُعرف بالحجابة، ويكتب في شأن المتعهد القيام بها عهدًا لتوليتها. لقد تطورت تلك الخطة نفسها وأضحت مع مرور الزمن أهم خطة إدارية، من خلال منافستها للخطط الإدارية الأخرى، ما ساهم في تطور مهمات الحاجب. وتعددت فيما بعد صلاحياته، ووازى ذلك تزايد اهتمام السلاطين والأمراء الحفصيين بالحجابة، في كل من تونس الحاضرة السلطانية وبجاية وقسنطينة، ثم في مدن أخرى في إفريقية؛ على نحو ساهم في تأهيل الأمراء وتعيين السلاطين ومساعدتهم على القيام بمهمات الحكم. أسهم التطور في خطة الحجابة في ما قال عنها ابن خلدون الاستبداد بالدولة، من خلال التفويض التام للحاجب؛ للتصرف في شؤون الحكم. وتبَّيَن لنا تنوّع ذلك الاستبداد واختلافه، حيث يمكن أن يساهم في ضبط شؤون الدولة، ويمكن أيضًا أن يساهم في

108  أبو عبد الله محمد بن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق علي المنتصر الكتاني، مج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص

31؛ برنشفيك، ج 1، ص 201، 203، 212 - 213.

  1. أبو عبد الله محمد بن بطوطة، تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق علي المنتصر الكتاني، مج 1 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984)، ص 31؛ برنشفيك، ج 1، ص 201، 203، 212 - 213.

بثّ البلبلة وانتزاع الحكم من أحد الأمراء أو السلاطين. ومن جهة أخرى، مثّل الحجْر على السلطان والتصرف في الحكم في الخروج

عن أصول تلك المهنة، على حد تعبير المصادر، بإذلال العامة والخاصة. وأمام توافر هامش حركة الحجاب، نعتقد أن هناك أشخاصًا آخرين كانوا يعضدونهم في تصريف المهمات العديدة، التي

كُلّفوا بها، مثلما يدل على ذلك لفظ "خطة الحجابة" التي تتطلب مجموعة أفراد تكون إلى جانب الحاجب، ولا يتعلق الأمر بمجرد تعيين كاتب للحاجب، بل تبَّيَن لنا أنّ الحجّاب قاموا بمهمات عديدة مجتمعة. واللافت للنظر، في هذا السياق، عدم حديث

المصادر عن علاقة الحجّاب بالعامة؛ فقد أشارت إلى ذلك باقتضاب، عند حديثها عن ابن الدباغ وصدّه للعامة الثائرة، وعند الإشارة

إلى البالقي الذي أهان الأشراف والقضاة وحتى السلطان نفسه، ورضا العامة عن ابن تافراجين، مع عيب وحيد سجلوه عليه وهو التعامل مع العرب. تحيلنا تلك النقاط على ما بلغته تلك الخطة من حظوة؛ فقد تطلعت إليها فئاتٌ متعددة وتنافست عليها، سواء كانوا أندلسيين

أو شيوخًا موحدين أو مواليَ علوجًا؛ نظرًا إلى ما يمكن أن يجنيه صاحب تلك الخطة من هيبة وأبّهة وسموّ، وربط لعلاقات اجتماعية

وسياسية وعسكرية جعلت بعض الحجّاب بمنزلة السلاطين الفعليين، على الرغم من حالات التوجس التي بقيت طاغية لدى أغلب

الحجّاب من السلطة. هكذا حاولنا قدر المستطاع تبيين موقع تلك الخطة الإدارية السياسية في الإدارة الحفصية، وبينّا أهمية الولاءات والعلاقات

الشخصية في تعيين الحجاب، إضافةً إلى رأس المال الرمزي (شرف الانتساب إلى عائلة)، الذي كان له دوره في تقمّص تلك

الخطة. وحاولنا، أيضًا، توضيح موضوع شبكات العلاقات السياسية والاجتماعية ونسيج العلاقات الذي يقوم به الحاجب؛ لتسيير الدولة وللحفاظ على منصبه من السعايات والوشايات التي كان لها نصيبٌ وافرٌ في الحياة السياسية الحفصية.

المراجع

العربية

ابن أبي دينار، أبو عبد الله محمد. المؤنس في أخبار إفريقية وتونس. تحقيق محمد شمام. تونس: المكتبة العتيقة، 1967. ابن الأزرق، أبو عبد الله. بدائع السلك في طبائع الملك. تحقيق وتقديم علي سامي النشار. القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2008. ابن الشماع، أبو عبد الله محمد بن أحمد. الأدلة البيّنة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية. تحقيق الطاهر المعموري. تونس:

الدار العربية للكتاب، 1984. ابن القنفذ، أبو العباس أحمد بن الخطيب. الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية. تحقيق الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي. تونس: الدار التونسية للنشر، 1968. ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد. تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. تحقيق علي المنتصر الكتاني. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1984. ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر وأخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1959. ________. التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا. بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1979. ________. المقدمة. بيروت: دار الجيل، [د. ت.]. ابن رضوان، أبو القاسم المالقي. الشهب اللامعة في السياسة النافعة. تحقيق علي سامي النشار. الدار البيضاء: دار الثقافة، 1984. برنشفيك، روبار. تاريخ إفريقية في العهد الحفصي. ترجمة حمادي الساحلي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988. بعيزيق، صالح. بجاية في العهد الحفصي: دراسة اقتصادية واجتماعية. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2006. بكاي، عبد المالك. "الحياة الريفية في المغرب الأوسط من القرن 7 - 10 ه/ 13 - 16 م". أطروحة دكتوراه في التاريخ الإسلامي. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية. جامعة الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، 2013 - 2014. جادور، محمد. مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز، 2011. جدلة، إبراهيم. المجتمع الحضري بإفريقية في العهد الحفصي. تونس: المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الانسانيات، جامعة قفصة، 2010. ________. دراسات حول تاريخ بعض مدن إفريقية وقبائلها في العصر الوسيط. [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.]. حسن، محمد. المدينة والبادية بإفريقية في العهد الحفصي. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 1999. الذيابات، آمنة محمود عودة. "الحجابة والوزارة في عصر الخلافة الأموية في الأندلس (316 - 422 ه/ 928 - 1030 م)". رسالة ماجستير في التاريخ. جامعة مؤتة، الأردن، 2000.

الزركشي، أبو محمد عبد الله اللؤلؤي. تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية. تحقيق الحسين اليعقوبي. تونس: المكتبة العتيقة،

السمان، محمد حيان. في تدبير القداسة والحجابة والحجاب: أدب الدخول على السلطان في التراث العربي الإسلامي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018. الطالبي، محمد. دراسات في تاريخ إفريقية وفي الحضارة الإسلامية في العصر الوسيط. تونس: منشورات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1982. العجيلي، حامد. التوثيق وكتب الوثائق بإفريقية في العهد الحفصي. تونس: كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، 2002. عرعار، مراد. "الأربس وناحيتها إلى حدود القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي". شهادة الدراسات المعمقة في التاريخ. كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 1999. العلام، عز الدين. الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي. سلسلة عالم المعرفة 324. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006. المراكشي، عبد الواحد. المعجب في تلخيص أخبار المغرب. تحقيق وتقديم محمد زينهم محمد عزب. القاهرة: دار الفرجاني للنشر والتوزيع، [د. ت.]. موسى، عز الدين. الموحدون في الغرب الإسلامي: تنظيماتهم ونظمهم. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991. نايف، مياسة حاتم. "وظيفة الحاجب في عصر صدر الإسلام ". مجلة الفنون والأدب وعلوم الإنسانيات والاجتماع. العدد 65 (آذار/ مارس 2021). هوبكنز، ج. ف. ب. النظم الإسلامية في المغرب في القرون الوسطى. ترجمة أمين توفيق الطيبي. تونس: الدار العربية للكتاب،

الأجنبية

Bosworth, Edmund, Ch. Pellat & E. J. van Donzel (eds.). Encyclopaedia of Islam. Leiden: Brill, 1991. Bresc, Henri (dir.). Réseaux politique et économiques. Paris: Edition du comité des travaux historiques, 2016. Dozy, Reinhart. Supplément aux dictionnaires arabes. Beirut: Librairie de Liban, 1881. Garci, Jean-Claude et al. Etats, sociétés et cultures du monde musulman médiéval (Xe-XVe siècles). Paris: PUF,

Kably, Mohamed. Société, pouvoir et religion au Maroc à la fin du moyen âge. Paris: Maisonneuve et Larose,

Mercklé, Pierre. Sociologie des réseaux sociaux. Collection repères. Paris: La Découverte, 2016. Schacht, J. et al. (eds.). Encyclopaedia of Islam. Leiden: Brill, 1986. Valérian, Dominique. "Les agents de la diplomatie des souverains Maghrébins avec le monde chrétien (XIIe-XVe siècle)." Anuario de estudios médivales. vol.  38 , no. 2 (2008).