العبيد في القصور المخزنية في تافيلالت خلال القرن التاسع عشر قراءة في الأرشيف السلطاني والمتن الرحلي الأجنبي
Slaves at Royal Palaces in Morocco's Tafilalt-Sijilmassa in the 19th Century
الملخّص
تحاول هذه الدراسة معالجة موضوع العبيد في القصور المخزنية، في تافيلالت/ سجلماسة، اعتمادًا على الرسائل السلطانية وبعض المصادر المعاصرة، وما سجّلته المتون الرّحلية الأجنبية - التي زار أصحابها المنطقة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين - من تفاصيل دقيقة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا مناص من الاعتراف بالعجز عن سبر أغوار موضوع العبيد؛ بسبب التهميش المصدري الذي لحق وضعيتهم داخل القصور المخزنية، وطبيعة النظرة الدونية تجاههم، إلا بعض الإشارات التي قد ترد في أثناء عرض بعض الوقائع العسكرية، أو التراجم السلطانية، أو مما يستنبطه الباحث من سياقات بعض الرسائل المخزنية، عبر مقارنتها بمضمون فتوى فقهية، أو أمثال شعبية، أو رواية شفهية. ومما يزيد الموضوع غموضًا سعي السلطة السياسية لحجبه عن الناس، واعتبار شؤون هذه الفئة ونشاطاتها من خصوصيات البلاط.
Abstract
This research paper examines social, economic and political details of the lives of slaves at Moroccan palaces in the Tafilalet-Sijilmassa region, relying on the Sultan's correspondence and other contemporary sources, as well as accounts by foreign travellers who visited the region during the th and th centuries. Any study of this subject will inevitably come up against the paucity of source materials on the situation of palace slaves. However, a scattering of references may be found in narratives of certain military events and in chronicles and biographies of the Sultans. The researcher may also extract rare snippets of information from royal correspondence on certain administrative matters. This data may be read in parallel with religious rulings, popular proverbs and oral histories found in other contexts, giving them added meaning and relevance. Yet the subject also remains opaque due to the authorities' perceptions of slaves' inferiority and efforts to conceal their affairs from the public eye, considering them a private matter of the palace.
- العبودية
- سجلماسة
- تافيلالت
- القصور المخزنية
- Slavery
- the Makhzen palaces
- Tasfilalet
- Sijilmassa
| حسن امحرزي | Mharzi *Hassane | |
| العبيد في القصور المخزنية في تافيلالت خلال القرن التاسع عشر قراءة في الأرشيف السلطاني والمتن الرحلي الأجنبي Slaves at Royal Palaces in Morocco's Tafilalt-Sijilmassa in the 19 th Century A Reading from the Sultan's Archives and Foreign Travellers' Accounts | |
مقدمة
احتضنت أسواق تافيلالت تجارة الرقيق منذ كانت سجلماسة (140 ه/ 757 م) الحاضرة مركزًا رئيسًا في طريق التجارة الدولية، وقد استمر هذا النشاط بعد أفول المدينة، وانتقال إرثها الحضاري إلى القصور1 الفيلالية المجاورة، منذ مرحلة التراجع المريني وبداية العهد السعدي، حتى فترة القرن التاسع عشر التي تزامنت مع العهد العلوي. وعلى طول هذا الزمن، سجّل الرقيق حضورهم داخل بيوتات العائلات الميسورة وقصور الشرفاء العامرة، وفي مؤسسات الزوايا، بأعداد عالية، لكن، كان لوجودهم داخل أروقة القصور المخزنية ميزة خاصة؛ كونهم يحظون بعناية الحضرة السلطانية. لقد ظلت القصور المخزنية السلطانية2 عالمًا مجهولًا في ذهنية الرعية التي كانت تتصوّرها عبارة عن فضاءات عامرة بالعبيد والجواري، المُحاطين بالكثير من الخبايا والأسرار، المحجوبة وراء مجموعة من الطقوس والصور والهالات، ناسجة بسلاسة خيوط تلك الروابط المعنوية، الضامنة لسلطة الحاكم أو الوالي في قلوب الرعية3. لذا حامت حولها أساطير وحكايات، همّت قاطني دار المخزن، خاصة الحرّاس منهم والخادمات، وساهمت كثيرًا في إسباغ قدرٍ من الهيبة والوقار على هذه البنايات، وعلى كل العاملين والعاملات فيها. بناء عليه، فإن موضوع الرق والرقيق داخل أسوار القصور المخزنية يمكنه أن يضعنا أمام تصور واضح لفهم مجموعة من التساؤلات التي تفرض نفسها حاليًا على هذا المجتمع الواحي، أو على غيره. إذًا، كيف كانت وضعية الرقيق في تافيلالت خلال القرن التاسع عشر، خاصة داخل القصور المخزنية؟ وما المهمات التي اضطلعوا بها داخل أسوار هذه البنايات السلطانية؟ ثم كيف كان واقعهم الاجتماعي في داخلها؟ وما طبيعة ردات الفعل التي عبّروا بها عن واقعهم؟
أولًا: وضعية الرقيق في تافيلالت خلال القرن التاسع عشر
وصل العبيد إلى منطقة تافيلالت بعد ترحيلهم قسرًا من بلاد السودان الغربي، فشكّلوا قاعدة هرمها الاجتماعي، وغالبًا ما كان وجودهم في القصور المخزنية خدَمًا، أو في بيوتات بعض الأسر الشريفة، أو داخل بعض الزوايا. لكنهم مع ذلك كانوا أكثر الفئات ولاءً للمخزن؛ فقد كان بعضهم يعيش داخل القصور المخزنية، ويقوم بمهمات الحراسة والسُخرة والطهي والنظافة وخدمة الأمراء
والأميرات، بل إن الأسر الحاكمة ابتنت لهم قصورًا وقصبات إلى جانب قصورها، حملت أسماء بعض هؤلاء العبيد، كقصرَي أخنوس وصوصو اللذين يحملان اسمَي عبدَين كانا تحت إمرة المولى علي الشريف4. في الوقت ذاته، شكّلت هذه الفئة سلعة رائجة، يتداولها تجار القوافل في تافيلالت، خاصة في سوق أبو عام المشهورة5. وهذا ما أثبتته الكتابات الأجنبية التي عبرت طريق الصحراء صوب بلاد السودان، مرورًا بهذا القصر6 خلال القرن التاسع عشر، بشهادة ريني كاييه Caillé René الذي زاره في عام 1830، وعاين النشاط الكبير الذي كانت تعرفه تجارة العبيد في سوقه. ثم جاء بعده والتر هاريس Walter Harris الذي أقام فيه مدة كذلك7، إضافة إلى الرحّالة الألماني غيرهارد غولفس الذي زاره مرتين، في عامي 1861 و 1864، وأشار إلى أن القوافل المكوّنة من تجّار فاس وتافيلالت كانت تحط الِرحال في قصر أبو عام، قبل مواصلة الرحلة نحو شمال المغرب8. واستوطنت هذه الفئة أيضًا بعض القصبات والقصور الفيلالية، وشكّلت عنصرًا مهمًا من عناصرها البشرية، إلى حد تباينت فيه أعدادها من قصر إلى آخر، سواء في قصور أبناء السلاطين9، أم في القصور المخزنية11، أم لدى بعض العائلات الميسورة التي كانت في حاجة إلى سواعد العبيد للاستعانة بهم في النشاطات الفلاحية، أو الأشغال المنزلية. والظاهر، بحسب ما تتضمنه المراسلات السلطانية، أنه كانت تُبنى لهم أماكن خاصة للسكن في أطراف القصور المخزنية، أو في بعض الأروية12، أو في القصبات المجاورة13. يتكلّف السلطان بمؤونة هؤلاء العبيد والإماء الذين يقدّمون الخدمة لساكنة دار المخزن، يقول الوصيف مسعود الشباني في رسالة موجّهة إلى خليفة السلطان في تافيلالت سيدي محمد: "فلينهي لكريم علم سيدنا أنّا قد وجّهنا لحضرة سيدنا صحبة كتابنا هذا زمام ما صُيّر على دار سيدنا الغالية بالله وعلى مونة وصفان سيدنا في شهر رجب وفي شعبان وفي رمضان"14. وقد أشار الضّعيف الرباطي إلى أن عددهم في قصبة السيفة15، مثلًا، وصل إلى خمسة آلاف، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر16. ولعل المقصود هم عبيد البخاري الذين جنّدهم السلطان المولى إسماعيل (1672 - 1727)، وجرى توطينهم في هذه القصبة في عهد خلفه السلطان محمد بن عبد الله (1757 - 1790)، تحت إمرة قائده سعيد بن العياشي.
وقد أثارت هذه القضية نقاشًا خلال الفترة الإسماعيلية بين مؤيّدٍ لعملية تجنيد العبيد، معتبرًا إيّاها أكبر خطوة تحررية في حياة الرقيق في المغرب17؛ ومعارضٍ لها، خاصة في مرحلة الجمع الثانية التي وصلت إلى تجنيد العبيد الأحرار وتمليك حراطين فاس، بعدما كانت مقتصرة في مرحلتها الأولى على عبيد الزنقة. وقد أدى هذا العمل إلى استياء العلماء، ومهّد لصدام حاد بينهم وبين السلطان في مسألة الجبر على الجندية19. ومن أبرز من عارض هذا التوجّه السلطاني علماء فاس الذين فرّ بعضهم، واعتزل الخلق آخرون منهم، أمثال: سعيد الحميري المكناسي ومحمد بن عبد القادر والعالم بردلّه الفاسيين، والفقيه عبد السلام جسوس الذي قُتل في هذه القضية، وكان أهل فاس قد انضموا إليه وناصروه لأنه اعتبر عملية جمع حراطين المدينة منافية للشرع20. وظلت فئة العبيد تحتل المكانة الدنيا في المجتمع الواحي في تافيلالت، بما في ذلك أمهات أولاد الأمراء من الإماء، اللواتي كنّ يتعرضن لسوء المعاملة من الزوجات الحرائر. ومهما علت مكانتهن، فإن هذه النظرة انعكست على أبنائهن، فولّدت منافسة بينهم وبين إخوتهم؛ فقد كان أبناء الإماء يتعرّضون للسخرية، خاصة أبناء السَوْداوات الذين ورثوا سواد البشرة (ولد العبدة) من أمهاتهم. وهذا ما صرّح به الرّحالة غولفس، حينما أتيحت له فرصة الدخول إلى قصر أبّار لمعالجة إحدى الأميرات، فأثارته السمرة التي تميز بشرتها كونها وُلدت من أمة سوداء21. لقد خضعت فئة الرقيق في تافيلالت للمعاملات التجارية من بيع وشراء، شأنها في ذلك شأن بقية السلع الوافدة، وهو ما أشارت إليه العديد من الوثائق المحلّية التي أفصحت عن عمليات عتقهم، وخوّلتهم إمكانية الحصول على بعض الممتلكات؛ لضمان معاشهم وتجنّب استعبادهم22، واستمرت هذه الوضعية حتى عهد السلطان عبد الرحمن بن هشام (1822 - 1859)، ثم إلى حدود فترة الحماية الفرنسية23. وفي خصوص مصادر الرق الوافد إلى مجالات تافيلالت، فإنه يمكن حصرها في:
1.المصادر الاجتماعية
أدى الواقع الاجتماعي المتمثل في كثرة الصراعات والحروب والغزوات المسلحة، التي دارت رحاها بين قبائل منطقة بلاد السودان الغربي، والتي تُعدّ المصدر الأول لتزويد سوق تافيلالت بالعبيد، إلى تنامي ظاهرة الاسترقاق الناتج من استقواء المتغلّب على المنهزم المستضعف، هذا الوضع الاجتماعي جعل تجارة الرق تُرخي بسدولها على الفئات الفقيرة والمتوسطة، وبعض الفئات القيادية في هذه المجتمعات الزراعية، وقد يسقط الفرد فريسة عالم الرق كذلك بسبب الكوارث الطبيعية، مثل الجفاف وانتشار المسغبة، أو بسبب الأمراض المستعصية، إضافة إلى عامل زواج الأرقّاء، وما ينتج منه من تسخير لأبنائهم في الزراعة أو الرعي أو الأعمال التي
يأنف من مزاولتها الأشراف وعليّة القوم24، وكلها مصادر رئيسة وثانوية ساعدت في تكاثر هذا الحشد الكبير من الرقيق في تافيلالت وغيرها25.
2.المصادر الاقتصادية
شكلت القرصنة واللصوصية وهجمات قطّاع المسالك الطرقية، إضافة إلى أسرى الحروب، أحد أهم مصادر تجارة الرقيق وتموين أسواق النخاسة، فنشطت بذلك حركة بيعهم وشرائهم، سواء داخل أسواق تافيلالت أم خارجها، كما هي الحال في سوق أبو عام. ولعل تنامي هذا النشاط في المنطقة، راجع إلى طبيعتها القاحلة وقلة مصادر المياه فيها، ما جعل جزءًا من ساكنة الواحة ينصرف عن الأرض صوب التجارة26. أما ظاهرة خطف الأطفال وبيعهم عبيدًا، باعتماد بعض الخدع، فكانت من مصادر الرق الشائعة في مغرب القرن التاسع عشر، حيث لم تُستثن من ذلك منطقة تافيلالت وغيرها، وهذا ما يرويه صاحب الاستقصا، أبو العباس أحمد الناصري، قائلًا: "بل صار الفسقة اليوم وأهل الجراءة على الله، يختطفون أولاد الأحرار من قبائل المغرب وقُراه وأمصاره، ويبيعونهم في الأسواق جهارًا من غير نكير ولا امتعاض للدين"27، ومنهم من كان يخطف أبناء الزنوج، أو بنات ونساء وصبيان الأحرار، خداعًا بالتمر أو الزواج، وفي حالات أخرى باستعمال العنف، ما كان يضمن المادة الأوّلية لهذه التجارة باستمرار28. إجم لًا، بقيت أسواق تجارة الرقيق قائمة إلى عهد متأخر في بلاد المغرب، بما في ذلك منطقة تافيلالت، على الرغم من توالي الدعوات والمؤتمرات الدولية التي تدعو إلى إلغاء الرق ووقف تجارته، فقبل القرن الثامن عشر، كان نظام الرق مقنّنًا، لذلك اشتهرت أسواق تافيلالت بتوثيق عقود بيع العبيد عدليًا، كما كان معمولًا به في سائر الأسواق، حتى إنها أصبحت واقعًا قانونيًا مفروضًا على الأسير والمختطف في ما بعد، عبر كتاب يُسلّمه البائع للمشتري، ويبقى مرافقًا له في حركة تنقله كلها29. وفي مطلع القرن التاسع عشر، قامت حملات دولية تُندّد بطبيعة هذا النظام، وعُقدت مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي تنحو صوب إلغائه ومكافحة تجارته، كانت آخرها اتفاقية بروكسل في عام 1890 التي أقرّت بنودها منع اصطياد العبيد وخصاء الغلمان والرجال، وقد مُنحت الدول، بموجب هذه الاتفاقيات، حق مراقبة السفن المشتبه بها وتفتيشها، وتوقيف ربّانها والبحارة المرافقين فيها، وصولًا إلى محاكمتهم وتحرير من فيها من العبيد30. إن التلميحات والإشارات المتناثرة هنا وهناك، بين ثنايا النصوص المصدرية الرحلية والنوازلية، أو ضمن محفوظات الأرشيفات الوثائقية، لا تسعف الباحثين في تكوين صورة واضحة عن وضعية الرقيق وحياتهم الخاصة ونشاطاتهم، إضافة
إلى المناطق التي جُلبوا منها إلى منطقة تافيلالت، كما تزداد الصورة عتامةً عندما نتحدث عن الحالة الاقتصادية التي كانوا يعيشونها، ابتداء من عملهم في الأرض وما يرتبط بها، أو من امتهانهم حِرفًا وصنائع وأعم لًا شاقة، تتطلب جهدًا بدنيًا مُضنيًا، حمل بصمتهم في تاريخ المنطقة، فقد كانت غالبية الرقيق المستجلبين خدّامة في البيوتات، ولم تكن يدًا عاملة فاعلة في النشاط الزراعي والأعمال الحرفية في المغرب، عدا في المجالات الواحية، مثل تافيلالت وغيرها، حيث نجدهم في خدمة الأراضي الفلاحية لدى أمراء القصور المخزنية، أو عند القوّاد ومشايخ الزوايا31، أو في الأسواق، يمارسون النشاط التجاري الذي سُمح لهم بامتهانه.
ثانيًا: الرقيق في القصور المخزنية السجلماسية في القرن التاسع عشر: أنموذج قصر أبّار المخزن
يُعدّ قصر أبّار من القصور المخزنية السلطانية في منطقة تافيلالت، جرى تشييده في عهد السلطان عبد الرحمن بن هشام (1822 – 1859) الذي يُنسَب إليه قصر مولاي عبد الرحمن. يقول ابن زيدان في هذا الصدد: "وقصر أبّار الحفيل المتّسع الأكتاف، يشمل على دور أنيقة، وكان تأسيسه له أيام سلطنته لأولاده [مولاي عبد الله، ولالة رقية بنت مولاي سليمان والمولى الحسين]، وجعل به مسجدًا جامعًا تُقام فيه الجمعة"32. بُني هذا القصر في عام 1248 ه/ 1833 م، وهذا ما توضحه إحدى الوثائق الملكية المؤرخة في 16 ذي الحجة عام 1248 ه/ 5 ماي [أيار/ مايو] 1833 م، وهي رسالة من السلطان عبد الرحمن بن هشام إلى الفقيه مولاي عبد الهادي في شأن بناء قصر أبّار33، وأخرى مؤرخة في 19 شوال 1262 ه/ 9 [تشرين الأول/] أكتوبر 1846 م، تتعلق بالتوسعة العمرانية التي عرفها القصر في عهد ابنه محمد بن عبد الرحمن، بطلب من السلطان34. وهذا ما تشهد له تلك الكتابات المنقوشة على أبواب الدار الكبيرة في القصر، التي تُعدّ وثيقة شاهدة على هذه التوسعة؛ منها هذا البيت الشعري: "يا داخل المنزل أبشر بهناك أبشر بما تريد الله أعطاك شوال عام 1262 "35. يحُدّ هذا البناء المخزني شم لًا قصر حمو داوود، وجنوبًا قصر منوگة، وشرقًا قصبة تغمرت المندرسة، وغربًا قصبة مولاي سليمان بن محمد بن عبد الرحمن. وتورد بعض الوثائق الأخرى إشارات تدل على أن القصر شُيّد لأجل استقرار بعض أفراد العائلة السلطانية، رفقة حشمها وخدمها وحرّاسها، وقد كان بمنزلة مقر للخزينة المحلية ولتجميع المؤن وحفظها36. وعن مميزاته المعمارية، فإن مظاهر هندسته تخالف طراز بقية القصور الأخرى، بحكم طابعه المخزني، حيث نجد ساحة المشور: وهي الباحة الواقعة أمام المدخل الرئيس
الذي يتميّز بعلّو سوره وتنوّع مغروساته37.
1.أصناف الرقيق بالقصور المخزنية وأصولهم
. أ الخصيان والغلمان
قصورهم المخزنية، مع تكليفهم بالإنفاق على غيرهم من العبيد، وتأديب من يستحق العقاب38.
وأذنًا على عبد الدار المذكور، فإنه لا يُحسن التصرف"39.. ب الجواري والعريفات
والماشطات والمكلّفات بالنظافة، ومنهن المتّخذات للتسرّي40. للقصر، الذي يحدّه برجان كبيران من الجهتين اليمنى واليسرى، وتعلو واجهته زخارف من الجبس والقرميد والخشب، ويحيط بهذه الباحة سور؛ لكن لم يعد له أثر، ثم هناك السور الخارجي الذي يُحيط بالقصر، ويصل علوّه إلى تسعة أمتار، تتخلّله مجموعة من الأبراج المربعة، إضافة إلى المسجد الواقع جهة اليمين، والذي يتكوّن من صحن مكشوف. من دون أن ننسى العرصة أو البستان السلطاني
اتخذ أمراء القصور المخزنية في تافيلالت الرقيق زينة لمجالسهم؛ ما جعل قصورهم تعجّ بأصناف مختلفة من الرقيق، منهم:
حفلت دار المخزن في تافيلالت بهذه الفئة، وهم رقيق يعيشون في جوار الحريم ويختلطون بهن، وظيفتهم الأساس الحراسة وتقديم الخدمات، كما اتّخذهم الأمراء حلقة اتصال بينهم وبين أهليهم، باعتبارهم خدّامًا مطيعين، كانوا يأتمنونهم على نسائهم، لأنهم من غير ذوي الإربة بالنساء، وفي حالات أخرى، يستخدمونهم في قضاء حاجاتهم المالية، ويتّخذونهم أمناء على خزائن
ومما يُروى عن هؤلاء المستضعفين من الخصيان، مرورهم بأسوأ مراحل التعذيب، قبل قيامهم بخدمة حريم سلاطين مراكش أو غيره. ولا يقتني المشترون العبيد الخصيان41 إّلا لطلب خاص ببعض السلاطين أو ببعض الأمراء الأفارقة، ومن أشهر مصادر تزويد الأسواق بالخصيان إبان عهد السلطان المولى إسماعيل، مملكة بامباره42. أما الرقيق الغلمان، فكانوا يعبثون بهم، ويتّخذونهم زينة لمجالسهم ومثاله: عبد الدار الجوبر الصغير الوافد مع العريفة أم السعد من مكناس إلى قصر أبّار في تافيلالت، بتاريخ 3 جمادى الأولى 1262 ه/ 28 [نيسان] أبريل 1846 م، الذي أوصى السلطان عبد الرحمن بن هشام الحاج عبد الله بالانتباه إليه كونه لا يحسن التصرف لصغره. ومما جاء في الرسالة السلطانية: "فبوصول كتابنا هذا إليك، عجّل بتوجيهها [العريفة أم السعد]، ويتوجه صحبتها ولدنا مولاي امحمد وفقّه الله راكبًا على بغلة سريحة [...] وتتوجه صحبته أمته وأمها ووصفانه، ووجه صحبته عبد الدار الجوبر الصغير، ومن يناسب لمرافقتهم والأخذ بيدهم في الطريق من المخازنية، واكتب للحاج عبد الله ولصحبه وأوصهما بالحزم والضبط وأن يكونا عينًا
يشتغلن داخل القصور المخزنية، في جناح الحريم السلطاني الذي يتّسم بخصوصيات عن غيره، فمنهن الطباخات والمرافقات
.العبيد الخدم ج وهم المكلفون بالخدمة داخل البلاط وبمهمة الحراسة، من قبيل: العناية بالدواب والمواشي ورعايتها والسهر على أعلافها وجمع الحطب وفتح البوابات وسقاية الماء وتجهيز الطعام وقضاء حاجات أهل الدار واستقبال الزوّار، وغيرها. واللافت هنا تعدد الألقاب التي تُطلق عليهم وتنوّعها، فيقال: عبد، مملوك، خادم، وصيف، أمة، جارية، وغيرها؛ تبعًا لاختلاف السجلات والنصوص المرجعيةَ43. أما في خصوص أصل عبيد دار المخزن في قصر أبّار وغيره، فإن أصول غالبيتهم تعود إلى العبيد الذين جلبهم السلطان أحمد المنصور السعدي (986 – 1012 ه/ 1578 – 1603 م) من أرض السودان، وقام السلطان المولى إسماعيل بتجنيدهم تحت اسم عبيد البخاري، وهم الذين شكلوا جيشًا خاصًا مُكلّفًا بحراسة القصور والقصبات السلطانية، وبقي معظمهم يتوارثون هذه الخدمة. ولمّا كان الجيش وتنظيمه وتجهيزه من أولويات السلطان المولى إسماعيل، فقد بلغ تعدادهم حوالى 150 ألف نفر، تكاثروا نتيجة تزاوجهم وإنجابهم. وكان السلطان يأخذ بناتهم من سن العاشرة وأكثر، ليوزّعهن على عريفات القصر حتى يؤدّبنهن بآدابها ويُمرّنهنّ على أصول الخدمة وقواعدها وعاداتها. أما الذكور منهم، فيجري توزيعهم على أهل الحِرَف للتعلّم والمران والتمرّس فيها، يقول الناصري: "فُرّق البنات على عريفات داره، كل طائفة في قصر للتربية والتأديب، وفرّق الأولاد على البنّائين والنجارين وسائر أهل الحِرف للعمل والخدمة وسوق الحمير والتدرب على ركوبها"44. كما استمر حضورهم في عهد السلطان المولى عبد الرحمن، وهذا ما تُبرزه الرسالة السلطانية التي بعثها إلى واليه على تافيلالت، سيدي محمد، بتاريخ 21 ربيع الأول عام 1263 ه/ 8 [آذار/] مارس 1847 م، في شأن: تنظيم الجيش من البطاطحة والفاسيين والبواخر من أهل تافيلالت، كما ذكر الوصيف الحسن بن صالح البوعصامي45. وإلى يومنا هذا، لا يزال بعض العائلات ذات الأصول الاجتماعية السودانية يستوطن هذا القصر المخزني، وتتشبث بأصولها الأفريقية العميقة46.
2.مهمات عبيد القصر وأدوارهم
بعد أن يُباع الرقيق في أسواق تافيلالت/ سجلماسة، يلتحقون بأسيادهم الجدد للعمل لديهم، ويرتبط عملهم هذا بالظروف الاجتماعية والاقتصادية التي وُجدوا فيها، وكذلك تبعًا لاختلاف مصادر جلبهم وأجناسهم وأنواعهم. أما المحظوظون منهم، فيصبحون عمّال رفاهية في قصور الأسرة الحاكمة التي ضمّت أصنافًا كثيرة منهم: الطبّاخون الذين يُقدّمون أشهى أنواع الطعام، ومنهم الحرّاس والأمناء على أسرار الأمراء وأعمالهم. أما النساء، فيُتّخذن للخدمة، متحملات أعباء شؤون دار المخزن، فيُقمن بغسل الثياب والغزل والنسيج، كما يُعهد إليهنّ برعاية الأولاد وخدمة الدواب والقيام بشؤونها، والحسان منهنّ كن يُتّخذن للتسرّي والمخادنة47. يمكن توضيح الأدوار التي قام بها عبيد دار المخزن عبر الأدوار التالية:. أ الدور السياسي يمكن رصده من خلال الأدوار التي اضطلع بها الرقيق في القصور المخزنية خلال القرن التاسع عشر، عبر توزيعهم من السلطة الحاكمة في مؤسسات الدولة، ابتداء من الخدمة في القصر إلى شغل مناصب إدارية رفيعة قد يحتكرونها. وهذا ما يبرز عدم اشتراط
الحرية في تقلد المناصب داخل الإدارة العلوية، مما يفيد بإطلاق يد الأمراء والخلفاء في اختيار من يناسبهم في تسيير إدارة الدولة، وهو تقليد ليس وليد اللحظة، بل كان معروفًا في العهود السابقة48. وإذا كان العبيد جزءًا لا يتجزأ من المجتمع المغربي منذ ما قبل الحقبة الحديثة، فقد استطاعوا تحقيق الاندماج داخل مكوّنات المجتمع المغربي، خاصة داخل القصور المخزنية المتميزة في خصوصياتها. لذلك أسهموا في تدبير شؤونها الإدارية، بل وببقية دُور السلطان الأخرى، وقد نفذ النابهون منهم وأصحاب المواهب إلى قصور الخلفاء والسلاطين، فتدرّجوا في سلّم الإدارة المخزنية خدّامًا للسلطان؛ فكان منهم الوصفان والأمناء والباشوات، ومنهم من تولّى أعمال الإدارة وارتقى إلى القيادة49. وما دام الرقيق يشكلون رأس مال لأسيادهم، يباعون ويشترون ويؤجّرون، فإنهم يُكَلَّفون بتدبير الشؤون المالية للقصر وخزائنه، وقد يصرف إليهم النظر في بيت المال، وفي خزائن البُِّرِ والكساء وصرف الغلات، ويؤدّون عملهم بتفانٍ وإخلاص، وهو شأن المكلف بأمور الوصفان في قصر أبّار "فرجي الأحلافي" الذي كان طرفًا في الفتنة التي أشعلها العبيد داخل القصر، وغيره من وصفان السلطان الذين تدرّجوا في سلك الإدارة المخزنية في زمن السلطان عبد الرحمن بن هشام وخلَفه، ومن أشهرهم القائد فرجي50الذي كان يشغل منصب القائد داخل قصر السلطان المولى سليمان أولًا، ثم احتفظ به في عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، وقد ذكر ابن زيدان أن فرجي كان من القواد والباشوات المُسخّرين على الجيش الفاسي51. اشتغل فرجي في منصب القائد حوالى خمسين سنة، وكوّن ثروة مهمة من منصبه هذا، لكن باستعماله طرائق عدة، كالارتشاء ومدّ يده إلى ممتلكات السلطان الذي عزله، ثم أعاده إلى منصبه53.. ب الدور الاجتماعي جدير بالذكر أن العبيد داخل أسوار القصور المخزنية تقاسموا، ذكورًا وإناثًا، تقديم مجموعة من الخدمات الاجتماعية للأمراء والأميرات. ونظرًا إلى أعدادهم الكبيرة من الجنسين، فقد ضبطت إدارة دار المخزن أعمالهم على نحوٍ منظم، تفاديًا لما قد ينتج منه من خلافات في ما بينهم. ومن أبرز الأدوار الاجتماعية التي أنيطت برقيق قصر أبّار المخزن، نذكر مجالات عمل الإماء، المتمثلة في إعداد الطعام وما يرتبط به؛ فيطبخون للأمراء، ويحضرون الماء للبيت، ويُنظّفون المائدة بعد أن يُتم الأمراء الأكل، كما يقمن بأعمال التنظيف والتنظيم، وتلبية حاجات الكبار والصغار، إضافة إلى طحن الحبوب، وقد يخرج بعضهن إلى الغابة أو السوق لشراء بعض اللوازم الخاصة بالأميرات والأمراء. أما الذكور، فمنهم الحراس ومنهم الخدم، خاصة المكلفين بذبح المواشي وسلخها، أو بحمل متاع
الأمراء في أثناء السفر54، ويُعلف آخرون الدواب والمواشي، ويعتنون بها، وقد يُكَلّف بعض الإماء بالاحتطاب في غير أملاك المخزن، أو بخدمة الضيوف، فتسقيهم وتقضي حوائجهم55. وقد أثبتت كثيرات من الجواري والإماء مهارات عالية في صناعة الطبخ وإعداد أنواع الحلويات، ما جعلهن من علية الرقيق، حاذقات وعريفات في القصر56. وحرصًا من الأمراء والولاة والخلفاء على إشاعة الكرم في ما بينهم، كانوا يُبالغون في تبادل الهدايا من العبيد والإماء، مثلما يتهادون الحُليّ والجواهر والدواب، وفي حالات أخرى، يكرم الخلفاء أبناءهم الأمراء بهدايا من الرقيق، أو يقدمونهم أعطيات لمن يبشّرهم بأخبار سارة، وقد كان اختيار هؤلاء الهدايا العبيد يجري بحسب رغبة الشخص المراد التقرب منه، أو كسب ودّه. ومن أمثلة ذلك ما أشارت إليه الرسالة التي وجّهها محمد أولحسين أوهاشم إلى السلطان الحسن الأول في أيار/ مايو 1892، يُخبره فيها بإرسال عبد مخصي هدية إليه، كان قد اشتراه من موسم وادي نون57. لا مناص من القول إن السلاطين والأمراء العلويين في تافيلالت، استكثروا من امتلاك الرقيق داخل القصور المخزنية، حتى إن الرّحالة الألماني والطبيب السلطاني، غيرهارد غولفس، قدّر عددهم عند دخوله إلى قصر أبّار المخزني، بقصد تطبيب إحدى الأميرات، بما يقارب ثلاثمئة امرأة، وهذا العدد الكبير دليل على استعمالهم في كل ما يحتاج إلى يد عاملة أو قضاء حاجة، من قبيل تنقية الحبوب وطحنها، والسهر على طقوس استحمام الأميرات، أو للتسرّي بهن والإنجاب. أما الكبيرات منهن، فساهمن في تطبيب حريم القصر، إضافة إلى أعمال أخرى مختلفة58. مما تفصح عنه بعض الوثائق السلطانية، أن زوجة الحاج عبد الله، المُكلّف بشؤون الوصفان، كانت ماشطة في القصر، وظيفتها تزيين حريم السلطان وأهله59، وغيرها من الوصيفات كنّ مكلّفات بشؤون الدار الداخلية، وغالبيتهن من النساء، يقمن بالطبخ والعجن والكنس، والسهر على تدبير شؤون الدار وتربية الأبناء وغسل الثياب والغزل والنسج وغير ذلك. وتتقدم هؤلاء الوصيفات من النساء أكثرهن خبرة وحذاقة، ويُطلق عليها في عرف دار المخزن اسم العريفة؛ وأشهرهن العريفة فاطمة إبراهيم التي كانت مشهورة بخصالها الحميدة، وحزمها في عمارة شؤون دار المخزن وضبطها، وبعد وفاتها خلفتها الوصيفة أم السعد الوافدة من مكناسة، لكنها لم تتمكن من ملء الفراغ الذي تركته سابقتها، حتى قال السلطان في حقها: "أعمش خير من أعمى"60. وأُسندت إلى الذكور من الرقيق مهمة خدمة المسجد في القصور المخزنية، بما فيها مسجد أبّار، والقيام عليه بالأذان والكنس والفرش والوقود وفتح الأبواب وغلقها61، وحفظ الحُصر والقناديل، من دون أن نغفل بعض الأعمال الوضيعة الأخرى، من قبيل إفراغ الغائط من دار المخزن وكسح المراحيض والأزبال التي ارتبطت بهم حتى بعد تحرّرهم؛ لأن غيرهم من سكان القصر كانوا لا يرضون القيام بها62.
.دور الرقيق في النشاط الاقتصادي ج اضطلع الرقيق بأدوار مهمة في مختلف النشاطات الاقتصادية داخل القصر المخزني، أهمها: ӵ دور الرقيق في الفلاحة وردت معلومات شحيحة، تشير إلى الدور الذي قام به الرقيق في المجال الفلاحي، لكنها ذات أهمية كبرى؛ كونها تقدم لنا نماذج يمكن الاعتماد عليها في استنتاج الدور الذي كان يقوم به هؤلاء الرقيق في دار المخزن في تافيلالت، ومنه: العمل في زراعة أرض المخزن وسقي الأشجار وتعهّد النخيل، خاصة عرصة السلطان الملاصقة للقصر ذات المغروسات والأشجار المثمرة63، ومنهم المهتمون بإسطبلات الخيول، والساهرون على توفير حاجات القصر من الحطب وغرس الأشجار والاعتناء بها وجني ثمارها، ومن مهماتهم أيضًا تربية مواشي القصر والقيام برعيها، ومنهم من كان مُكلّفًا بالسهر على شؤون مخازن المؤن في تافيلالت التي كان مركزها في قصر أبّار64. ӵ دور الرقيق في المجال الحرفي مارس الرقيق في تافيلالت حرفة صناعة الملابس الصوفية ونسج الحصائر المخصصة للصلاة أو للجلوس في القصر، إضافة إلى مهمة تسمير حفائر البهائم، من دون أن نغفل دورهم في عمليات البناء والإشراف على ترميم القصور المخزنية تحت قيادة وصفان السلطان، وهذا ما أشارت إليه رسالة الوصيف مسعود الشباني، إلى خليفة السلطان في تافيلالت سيدي محمد في موضوع: تقويم بناء بعض القصور المخزنية في تافيلالت التي ورد ذكرها في كتاب وصيف السلطان القائد أحمد الفيضي، وقبله الوصيف محمد العربي (رحمه الله). ومن المنشآت التي سهر الوصفان على ترميمها: سقف المسجد والسقالة والكشينة والمصرية والدفة البرانية والمشور الداخلي بحضرة سيدي مولاي سليمان والأنباح والأسوار والأبراج وغيرها65. وذلك بالاستعانة بهم في عجن الطين المخصص للملاط [التملاس]، وتوفير أنواع الخشب للتسقيف، حتى إن بعضهم كان يتقن هذه المهمة؛ فكم من أسوار بُنيِت وزُخرفت، وأرجاء نُصبت، وواجهات قصور بُنيَت بسواعدهم، سواء بقصر أبّار أم القصبة الحلومية وغيرها، من دون أن ننسى استخدامهم في التجارة وحمل السلع رفقة الدواب، وفي الخصوص أمتعة الأمراء في حالة المسالك الوعرة التي لا تستطيع الدواب التنقل عبرها66.
ثالثًا: الواقع الاجتماعي لرقيق القصور المخزنية
ألمحت بعض الكتابات الرحلية الأجنبية، بإشارات قليلة، إلى واقع العبيد داخل أسوار القصور المخزنية، ونخص بالذكر رحلة الألماني غيرهارد غولفس الذي زار تافيلالت مرتين: الأولى في عام 1861؛ والثانية في عام 1864، وقد جاء متنكرًا بزيّ طبيب، حتى أصبح حكيم البلاط السلطاني، مستفيدًا من رسائل التوصية السلطانية، ومن رسائل بعض كبار زعماء الزوايا التي كانت توفر له قدرًا من الأمان، وتدعو المغاربة إلى ضيافته واستقباله، خاصة بعد ادّعائه اعتناق الإسلام. ومبالغةً منه في الحيطة والحذر حتى لا يكتشف أمره
في تافيلالت، قال: "وحتى لا يشك مسلمو البلد في مسيحيتي، وأنني بحق على دينهم الإسلام، اتجهت صوب ضريح مولاي علي الشريف، ومارست بعض الطقوس الشعبية بداخله، كالتمسح والتقبيل ووضع شيء من النقود في موضع خاص"67. في ظل هذه الظروف، أتيحت لغولفس فرصة لفتح باب الحريم النسوي المذكور في دار المخزن، وهي فرصة لم تُتَح لرجل أجنبي قبله، ويتعلق الأمر بتطبيبه ابنة الأمير مولاي عبد الله، البالغة من العمر خمس عشرة سنة، أصيبت بمرض خطر في عينها، وطلب منه مساعدتها، فاستغلها فرصة ليقدم وصفًا عامًا لواقع الرقيق والحريم السلطاني داخل القصر المخزني في أبّار، حيث يقول: "عندما سافر الأمير مولاي عبد الله إلى مراكش لزيارة أخيه السلطان، ترك نساءه بالحرم المذكور الشبيه بالسجن تحت حراسة العبيد الخصيان بهذه القصبة المحصنة الكبيرة الموجودة بمركز قصر أبّار"68. أما وصفه لابنة الأمير، فأشار إلى جمالها، على الرغم من لونها المقارب إلى السواد، ورجّح أنها ابنة أمة سوداء، مع أن المرض قد شوّه بعضًا من جمال وجهها، فقدم لها المستطاع من العلاج. ثم استطرد في تقديم إحصاء تقريبي بعدد نساء جناح الحريم السلطاني، وقدّر عددهن بحوالى ثلاثمئة امرأة، بمن فيهن الشابات والعجائز، وكلهن يرجعن إلى عهد السلطان المولى عبد الرحمن. بعدها أصدر غولفس حكمًا قيميًا تجاه وضعية الحريم السلطاني، فاعتبر دخول أي واحدة منهن إلى هذا الحرم وتخطي عتبة بابه، كأنها في حكم السجين، لا تخرج من الحرم أبدًا69. نظرًا إلى ارتفاع أعداد العبيد في القصور المخزنية، كان بعضهم يتعرض للسرقة من قبائل الرُحّل، خاصة في زمن اضطراب الأوضاع السياسية؛ طمعًا في إعادة بيعهم، وهذا ما تشير إليه إحدى المراسلات السلطانية: التي "ذكرت أن الشرفاء وأهل الغرفة هم سبب الفتنة وجلب هذه المحن حتى إن الشرفاء يدلّون المفسدين على اختلاس وصفائنا هناك وبيعهم مبالغة في الفساد، وطلبت الرحيل من وسطهم إن لم ينصب لهم من يحكمهم ويُحسن سياستهم"70. وعلى الرغم من تغير وضعية العبيد، فإنهم بقوا حتى بعد تحريرهم، مرتبطين بروابط الولاء بأسيادهم، يساعدونهم في الأشغال الشاقة كلها، ما دفع بعض الأسر الشريفة في تافيلالت إلى توريثهم كأبنائها71. وهو تصرف يعكس طبيعة العلاقة الاجتماعية الوطيدة التي كانت تجمع تلك الأسر بهؤلاء الرقيق، وهذا ما تؤكده حادثة تطبيق القصاص التي لم يتردد السلطان المولى سليمان في تطبيقها على أحد أبنائه، حينما أمر بقتله قصاصًا لوصيف قُتل بغير موجب حق72. لكن مع ذلك، فالغالب أنه كانت تُسند إليهم أحقر الأعمال التي لا يرضى غيرهم من سكان القصر القيام بها73. وحري بنا هنا التطرق إلى بعض الخلافات الاجتماعية التي تقع بين هذا الحشد الكبير من عبيد القصور المخزنية، والتي تنتج غالبًا من سوء تدبير المكلف برئاسة شؤونهم على القيام بالأدوار المنوطة به، ما يُحدث خلافات بينهم، قد تصل في بعض الحالات إلى حد رفعها إلى خليفة السلطان في تافيلالت، ومن ثمة إلى السلطان الذي كان حريصًا على التدخل لوأد الفتنة والشنآن الواقع بين المُكلّف منهم بالقيادة وصاحب الحظوة لدى السلطان، وغير المحظوظين منهم، ومن أمثلتها:
الفتنة التي أوشك وقوعها بين عبيد قصر السلطان وفرجي الأحلافي74، وهو ما شخّصته بجلاء رسالة السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام إلى ابن عمه مولاي إدريس بن الصديق، بتاريخ 11 شوال 1264 ه/ 9 شتنبر [أيلول/ سبتمبر] 1848 م التي أوضحت وجه الخلافات الواقعة بين عبيد دار السلطان في أبّار، مع فرجي الأحلافي، التي وصلت إلى حد الفتنة، وكان سببها الشطط الذي مارسه الحاج عبد الله، المسؤول عنهم، والمتكلم فيهم بإذن السلطان، مع زوجته ماشطة القصر، وبتقدير السلطان، فتمرد عبيد الدار (الطواشين)، مردّه إلى غياب من يضبطهم ووجود من يُحرّكهم، وممن كانت في صفّهم وصيفة دار المخزن أم السعد المكلفة بتدبير شؤون الدار الداخلية، التي لحقها تأنيب السلطان وأمرها بالكفّ عن التدخّل في هذه الشؤون، لأنها ليست من مهماتها75. وكانت هذه التصرفات التي صدرت عن القائم بشؤون العبيد كافية لإثارتهم، غير أنّ استقراء ظروف هذا الحراك يكشف عن محدوديته في الزمان والمكان؛ ما جعله عبارة عن هبّة اجتماعية ناتجة من التذمر والسخط والاحتجاج.
1.نفقات رقيق القصور المخزنية في تافيلالت
مما لا شك فيه أن نفقات عبيد دار المخزن في أبّار ومصاريفهم كانت تكلّف بيت مال الدولة أمو لًا ومؤنًا كثيرة، حيث يقوم مئات من الخدم والعبيد والإماء بمهمات مختلفة، كما كانت لهم مراتب ودرجات، فكيف كان يجري تدبير مصاريفهم، بالموازاة مع مصاريف الأمراء والأميرات في القصر؟ يقوم الأمير على كسوة هؤلاء الرقيق والخدم العاملين في دار المخزن من خزينة الدولة، ويُمدّهم أيضًا بالطعام المتوافر من غّلات أراضي مؤسسة المخزن في المنطقة ونخيلها وأشجارها، خاصة محصول التمور الذي يجري الاحتفاظ به في خزانة القصر76. أما بقية المواد الأخرى، مثل: السمن والصابون والسكر والشاي والشمع والفلفل والتوابل والزيت والثوم والشحم، وغيرها، فتصل من خزينة الدولة في مكناس أو فاس أو غيرها، إلى خزينة دار المخزن في أبّار التي كانت محسوبة في مرتبة دور السلطان الأخرى، بما فيها الدار العالية77. وتُسلّم هذه النفقات، بحسب حاجيات الوصفان والأمراء، أو بحسب طلبات عريفة السلطان، تبعًا لحاجيات القصر في كل شهر عربي، مع تدوينها في سجلات إدارة الخزينة من المكلف بمفاتيح الخزين، وبِصائر ونفقات دار الشرفاء في قصر أبّار التي كانت تحت يد ابن عم السلطان مولاي إدريس بن الصديق78. وقد تُصرف لهؤلاء العبيد بعض المواد الفاسدة التي لا يصلح تقديمها للأمراء من الشرفاء، مثل بعض التمور أو الزروع الفاسدة، وهذا ما تشير إليه رسالة الوصيف السلطاني المعطي السوسي إلى الأمير سيدي محمد، بتاريخ 18 شوال عام 1228 ه/ 1813 م، حيث يقول: "أما تمر الخلط الفاسد بأبّار وأولاد عبد الحليم، فنعطي منه للوصفان كل شهر"79. وبدهي أن إقامة الرقيق في القصر المخزني للخدمة تستدعي تخصيص أماكن مستقلة لاستقرارهم، أو محلات مجاورة لبيوتات الأسرة الأميرية، كما في قصر أبّار المخزن، وتُسمّى "بيت الخدم". وقد تُخصّص لهم قصبات مستقلة، أو أروية، كما هي حال وضعيتهم في قصر كحايك. وهذا ما تثبته مجموعة من الرسائل السلطانية، منها:
رسالة الوصيف الشباني إلى خليفة السلطان في تافيلالت، بتاريخ 18 شوال 1228 ه/ 13 [تشرين الأول/] أكتوبر 1813 م، في موضوع النفقات الخاصة بقصر الفيضة العليا وخطارة جنان الأجهال والفقيه مولاي الصادق المدغري، ومصاريف مونة وصفان السلطان لشهر رجب وشعبان ورمضان80. رسالة من السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام إلى ابنَي عمه سيدي الهاشمي بن ملوك وسيدي محمد الصديق، بتاريخ 2 ربيع الثاني 1250 ه/ 7 غشت [آب/ أغسطس] 1834 م، في موضوع تعيين الخديم الحاج محمد الزياني بمهمة الصائر بدار الشرفاء في أبّار، والوصيف عزوز في الخدمة81. رسالة من وصيف السلطان المعطي السوسي إلى الأمير سيدي محمد، بتاريخ 18 شوال عام 1228 ه/ 13 [تشرين الأول/] أكتوبر 1813 م، بشأن حالة الشرفاء العلويين في تافيلالت، وفي موضوع فساد التمر بفعل الأمطار والغبار، يقول: "أما تمر الخلط الفاسد بأبّار وأولاد عبد الحليم، فنعطي منه للوصفان كل شهر، والعلف للدواب دون الخيل، كما تطلب عريفة سيدنا شيئًا من المكاب82 ومن البخور للأسياد "83. في بعض الحالات، قد يحصل رقيق القصر على بعض الملابس الجيدة التي خلعها الأمراء عليهم أو تخلّوا عنها، غير أنها تبقى ألبسة مهلهلة في الغالب لا تناسب مقاساتهم، وبعضهم قد يملك م لًا مما يجزله لهم بعض الشخصيات الوافدة على القصر، أو من هدايا المناسبات التي يبعث بها السلطان إليهم، خاصة هبة عاشوراء التي لم تستثنِ رقيق دار المخزن الذين حظوا بحصتهم من الدراهم والملابس من باب الصلة84، ومنهم من كانوا يبتزون بعض التجار السذّج في الأسواق، فيستدرجونهم، ليأخذوا منهم بعض المال، مستغلّين حماية القصر لهم85.
2.فرق عبيد دار المخزن
ارتبط عدد الرقيق في القصور المخزنية الفلالية، بكثرة المهمات والنشاطات التي كانوا يضطّلعون بها داخل فضاءات دار المخزن وأجنحتها، كما إن كثرتهم فرضها العدد الهائل لقاطني القصر، خاصة فئة الحريم. وترجع الخلفية التاريخية لخدم القصور السلطانية وعبيدها إلى الدول السابقة التي تعاقبت على حكم المغرب، خاصة خلال العهدَين الموحّدي والمريني، وهم عبيد سود ذوو أصول سودانية، كانوا يمشون في المواكب السلطانية، حاملين الرماح والسيوف والأعلام86. ينتظم خدم القصور المخزنية السجلماسية وعبيدها وفق تراتبية خاصة تتكوّن من فرق، وعلى رأس كل فرقة منها قائم على أمورها؛ فمنهم: المكلّف بإسطبلات الخيل87 والمكلف بالخزينة والمكلّف بالطعام والعريفة88 المكلفة بالحريم وماشطة
شؤون الوصفان في القصر، الذي يجري تعيينه بظهير سلطاني للقيام عليهم وتنظيم أدوارهم89، ومن أهمها:. أ فرقة المشاورية وهم عبيد المشور الذين يستوجب حضورهم في كل مناسبة في القصر.. ب فرقة عبيدات العافية
عند دخول الأميرات إلى الحمام، أو الخروج منه، أو عند استيقاظ الوصيفات90. ج- فرقة خدام الحريم
د- فرقة خاصة بالمائدة الأميرية
على العرش العلوي بين الأشقاء أو الأقرباء91. دار السلطان92. وتسمى هذه الفرق في عرف دار المخزن "حناطي المخازنية"، وتخضع كل هذه الفِرَق لمسؤولية المكلّف بتدبير
وهن المكلّفات بتطبيق العقوبات (الجلد أو الحبس بالبنيقة)، الصادرة بحق أهل دار المخزن، سواء كنّ من الخدم والجواري، أم من نساء الحريم، وهناك إماء أخريات في الدار، يطلق عليهن "الماشطات"، مهمّتهن تزيين الأميرات والاهتمام بلباسهن الأصيل، ويُشرفن على الحريم ومؤانستهن، ويكثر نشاطهن خلال المناسبات وغيرها، بل منهن من يقتصر دورها على إطلاق الزغاريد، سواء
هي فئة من العبيد الخصيان، يختارهم السلطان بعناية خاصة لخدمة جناح الحريم، هذا الفضاء الذي لا يَلجه إّلا الأمير وهذه الفئة التي أوقفت نفسها لخدمته، وذلك حتى لا يُذاع ما في داخله من أسرار، وفي حالة السفر، غالبًا ما تكون الحريم ملثمات بإحكام، ويسرن في مجموعة مغلقة على البغال، يحفّ بهن الخصيان، يمتطون خيولهم السريعة93. وغالبًا ما يحملون أسماء دالّة على الأنس والرّقة، أو أسماء بعض العطور، مثل: السيد كافور والسيد مسك، والسيد عطر الوردي، في القصر السلطاني في مكناس... إلخ94. وقد بقيت خدمة هذا الجناح مهَّمَةً متوارثةً بين فئة خاصة من عبيد القصر الذين كان مسموحًا لهم، دون غيرهم، بولوج فضاء الحريم والوصيفات، وكانت هذه الفرقة تقوم بمختلف الأشغال والأعمال، ومن ضمنها المساعدة في تحضير لوازم الاستحمام وتقديم المساعدة لمن يحتاج إليها داخل هذا الفضاء الذي يضم الوجوه النسوية البارزة في البلاط، وهن الأميرات، خاصة لالة رقية بنت مولاي سليمان، وحريم أبناء السلطان95.
وهي عبارة عن مجموعة من الخدم والعبيد، مهمتهم السهر على أكل أهل القصر وشربهم، ومنهن طبّاخات زنجيات ماهرات، وعبيد مكلّفون بتقديم الأطعمة، ومن المهمات الخاصة في هذا الصدد، مهمة تذوّق الطعام قبل تقديمه للأمراء أو السلطان، وهي مهمة موكولة إلى أحد خُدّام القصر من الرقيق، يعرف ب "الذواق"، مهمته تناول جزء من كل طبق في لحظة معلومة ومضبوطة قبل تقديمه للسلطان والأمراء ووضعه على المائدة الملكية، وارتبطت هذه المهمة، في تاريخ القصور المخزنية السلطانية، بمجموعة من الحكايات والأساطير التي تصبّ في اتجاه حفظ حياة السلطان من الخيانة والدسائس التي قد تأتي على حياته، خاصة في زمن النزاع
إلى جانب الطباخين ومعاونيهم المتخصصين، هناك فرقة من خدم القصر وعبيده، تتكلّف بمهمة إعداد المائدة السلطانية أو الأميرية المُسمّاة "الميدة" التي يسهرون على تنظيمها وتقديم صحونها ومأكولاتها بمهارة، إضافة إلى تموين المطبخ وتنظيم أوانيه وحاجياته النفيسة، خاصة كؤوس البلور الأصلي. وتعكس هذه الولائم الأميرية في القصر قيمة الكرم والهبات والعطايا التي تقدم للخدم والعبيد القائمين على المائدة الأميرية، التي ارتبط مصدر تموينها بخزينة الدولة وبمداخيل أراضي دار المخزن96. ه - خدم مكلف باللباس الأميري السلطاني وهي فرقة من العبيد، مهمتها إعداد اللباس الأميري الرسمي، ويسمى القائم عليها "قائد الجلباب والبلغة في دار المخزن". أما بقية الوظائف الصغرى في القصر المخزني الموكولة للرقيق، فأغلبها شبيهة بما هو معتاد في القصور السلطانية الكبرى، ومنها: المكلف بالطبخ ومقدم الشاي وحامل الطعام وغيرها من المهمات، وغالبًا ما يؤدّيها العبيد، لكن الكثير منها أيضًا، قد يقوم به بعض الأحرار البيض، من قبيل الحاج عبد الله، القائم بشؤون الوصفان في دار المخزن نيابة عن السلطان، وزوجته ماشطة حريم القصر السلطاني97. عمومًا، كل حركة يقوم بها الأمير تجد لها خادمًا خاًّصًا رهن الإشارة، فمنهم من يدير بُلغة (نعال) الأمير حتى يلقاها عند الارتداء موجّهة ثانية ومباشرة أمام رجليه، ورقيق آخر مكلف بالإمساك بركاب السرج، وآخر مهمته حمل صحن الماء، وغيره يقوم باستقبال فنجان الشاي الذي تم شربه، ومنهم المكلف بتقديم المنديل، وآخر لعرض طست الغسل، ثم رقيق آخرون مهمتهم مرافقة ركب الأمير في أثناء السفر، وفرقة أخرى منهم مهمتها "تعطير" فضاءات دار المخزن بالبخور98، وإجم لًا، لكل عمل صغير للأمير هناك موظف محدد99. يرجع الفضل في زيادة تعمير دار المخزن والمشور في قصر أبّار المخزن بعبيد البخاري إلى السلطان محمد بن عبد الرحمن، ولا سيما العناصر المكلفة بحراسة الأمراء والقصور المخزنية وحمايتهم. فعلى مدار القرن التاسع عشر، كانت الضغوط متواصلة على السلطة المغربية لمنع تجارة الرقيق، وعلى الرغم من التبريرات التي قدّمها السلاطين لإقرارها، فإن بعضهم اتّخذ إجراءات تحاول الحدّ منها، من قبيل مبادرة السلطان محمد بن عبد الرحمن (1859 – 1873) الذي قرر في عام 1863 أن كل عبد لجأ إلى المخزن طالبًا الحماية، لا يُعاد إلى مالكه الذي يأخذ عنه تعويضًا، والواقع أن العبد لا يحصل بموجب هذه الحماية على حريته، بل يُدمج بجيش المخزن، أو بخُدّام السلطان، ويُميّزهم بعبارات "خديمنا الأرضى"، بالنسبة إلى القواد، و"وصيفنا الأرضى"، بالنسبة إلى عبيد المخزن، وفي عام 1905، منع السلطان عبد العزيز الأسواق العمومية في المدن، خاصة الساحلية، في وقت ظلت فيه الأسواق الداخلية والبوادي، تعرض الرقيق إلى ما بعد فترة الاحتلال الفرنسي، بما فيها سوق تافيلالت100. فإذا كان الغالب هو فرار الرقيق واندماجهم في سلك جيوش المخزن، ففي عهد المولى عبد الرحمن، كان بعضهم يفرّ حتى من المخزن، وهو ما تؤكده بعض الوثائق101. ومنهم من جرى ترحيله من تافيلالت في اتجاه القصور السلطانية في مكناس، وهو ما تقرّه
الرسالة السلطانية التي بعثها السلطان عبد الرحمن بن هشام إلى الوصيف إبريك الحبشي، بتاريخ 3 صفر 1268 ه/ 27 نونبر [تشرين الثاني/ نوفمبر] 1851 م، بشأن توجيه وصفان من أبّار في تافيلالت، أولادهم إلى الحضرة الشريفة، إّلا من كان منهم ينتفع به في الخدمة خمسة أو ستة، مع تخصيص العبد عبد الرزاق بإرساله مع الواردين، ولعلّه من الرقيق الذين كان السلطان يعتمد عليهم في القصر102. وقد حرص السلطان والأمراء على أّلا تتجاوز نزاعات قاطني دار المخزن أسوار البلاط، وذلك حفاظًا على هيبته في عيون الرعية، لذلك وجدنا هذه الخصومات متضمنة في رسائل خاصة بين السلطان والأمراء، أو بينه وبين الوصفان المكلفين. وبناء عليه، كانت الخصومات أو النزاعات كلها تُحلّ تحت إمرته داخل القصر، أو بمراسلته في حالة غيابه، كما هي حال فتنة فرجي في أبّار مع بقية الوصفان التي تدخّل السلطان لوقف دابرها بعدما أوشكت على الاشتعال103، وغالبًا ما كان يبتّ بها بنفسه. لذلك كانت دار المخزن يتوافر لها نظام عقابي خاص، يتضمّن الضرب بالعصا أو الفلقة، أو تعليق المخالف بجدار الخرابيش، بما في ذلك سجن خاص (البنيقة) لضبط الخارجين على قواعد نظام دار المخزن لمدة محددة. إجم لًا، كان الخطاب السائد بين خدم دار المخزن وعبيدها، قائمًا على التوقير والتبجيل، فينادون على الأمراء والأميرات والشرفاء ب "سيدي" و"مولاي" و"لالة" و"الشريف" و"الشريفة" و"سميت سيدي"، أما إذا كان الشخص أكثر منهم في تراتبية العبيد، فينادون عليه بلقب "عزيزي"104. ولا بد من التأكيد هنا أن المراسيم في القصر المخزني بالغة في التشدّد، فهناك شخصيات معيّنة لها ميزة، ويُسمح لها بالجلوس، مثل الأمراء والولاة والشرفاء والأعيان، بينما غيرهم، خاصة العبيد، لا يسمح لهم إّلا بالقرفصة فحسب، أو النزول على الرُكَب، أما الملتمسون المرخص لهم بالمثول، فلا يسمح لهم بالطلب إّلا من بعيد، وفي وضع السجود، وبعد أن يُقبّلوا الأرض قبل ذلك105.
3. العبيد وطقوس التقبيل والتحيّة في القصور المخزنية
احتفظت القصور المخزنية في تافيلالت بمجموعة من الطقوس والهالات العتيقة التي بقيت راسخة، خاصة ما تعلّق منها بطقوس تقبيل يد الأمراء، فقبل الإمساك باليد لتقبيلها يلف العبيد والخدم أيديهم في أطراف ثيابهم [السلهام مثلًا] حتى لا تلمس مباشرة يد الأمير، وهو تقليد بقي ساريًا في دار المخزن على امتداد قرون، وفلسفته أن صورة السلطان وشخصه مرتبطان بالهيبة التي ينبغي لها أن تبقى راسخة في ذهنهم، وهؤلاء الرقيق ملزمون بامتثال تلك التراتبية في ما بينهم، باعتبارهم خدمًا وعبيدًا، مع خفض النظر، أو الاستدارة إلى الحائط، كلما مرّت إحدى نساء القصر بجانب أحدهم. تعكس هذه الطقوس في ثناياها تمجيدًا لمفهوم القوة، وتعبيرًا عن الطاعة، وترسيخًا لصورة السلطة في ذهنية خدمها، علمًا أن خدم البلاط وعبيده، سابقًا، لم يكونوا يكتفون بتقبيل يد السلطان، إنما يسجدون له ويُقبّلون نعله، لكن هذه العادة اختفت تمامًا
مع الأسرة العلوية، وبقي طقس الانحناء وتقبيل اليد. أما تقبيل النعل، فتمّت الاستعاضة عنه بتقبيل البساط لفظيًا في المراسلات السلطانية. ومن المعلوم أن طقوس البروتوكول المخزني في تنظيم القصر وإدارته، والشؤون المرتبطة بالنشاطات الرسمية لدار المخزن، بقيت مطبوعة بالخصوصية، لأنها من القضايا التي تعود صلاحية التقرير بشأنها إلى السلطان.
خاتمة
بقيت حياة الرقيق المعيشية في تافيلالت خاضعة بدقة لإيقاع حياة مُّلاكهم وحاجياتهم داخل الدور والقصور؛ ما جعل مؤسسة الرق تختزل في جانبها العام والرسمي تلك العلاقات الاجتماعية المنظمة وفق قواعد وبروتوكولات رسمية محددة. في الوقت ذاته، ظل القصر المخزني المحتضن لهذه الفئة الاجتماعية عالمًا مجهولًا في مخيال أهل تافيلالت، باعتباره تلك البناية المحاطة بالأسوار والأسرار والهالات، المكتظة فضاءاتها بالحرس والخدم والعبيد والغلمان، وهذا ما يبرز درجة حضور مسألة العبودية في دواليب الإدارة المخزنية، وفي خطابها السياسي في منطقة تافيلالت، وفي المجال المغربي عامة، وهو ما عبّرت عنه بعض الرسائل السلطانية. إن التلميحات والإشارات المتناثرة هنا وهناك، بين ثنايا النصوص المصدرية، لم تسعفنا في تكوين صورة واضحة عن حياة الرقيق ونشاطاتهم داخل القصور المخزنية في تافيلالت، الأمر الذي يطرح صعوبة الإلمام بكل جوانب هذا الموضوع، وإذا علمنا أن الرقيق شكّلوا قاعدة الهرم الاجتماعي، فإنهم مع ذلك كانوا أكثر الفئات ولاءً للمخزن، بل كانت أصنافٌ منهم تعيش داخل هذه البنايات الضخمة، فاتخذهم الأمراء والُولُاة زينة لمجالسهم، وخدمًا لهم في كل حركاتهم وسكناتهم، سواء كانوا من صنف الخصيان أم الغلمان أم الحرس أم الحشم أم الخدم أم السراري. ونظرًا إلى المكانة الدنيا التي احتلها الرقيق في المجتمع المغربي، وفي منطقة تافيلالت على الخصوص، حرص أمراء القصور المخزنية على عدم نشر مشكلات عبيد دار المخزن وخلافاتهم خارج أسوار البلاط، وذلك حفاظًا على هيبتهم ومكانتهم لدى الرعية. أمام هذا الوضع الذي عاشته فئة العبيد داخل أسوار القصور المخزنية، تصبح معطيات حياتها اليومية غير دقيقة، وهو ما يزيد من صعوبة التأريخ لها، إضافة إلى غياب التجانس بين مكوّناتها، والغموض الذي يكتنف نشاطاتها داخل القصور العلوية؛ وذلك بسبب مسعى السلطة السياسية لحجب أخبارها عن الناس، أو ارتباطًا بتلك النظرة الأخلاقية التي تعتبر شؤون رقيق البلاط من خصوصيات دار المخزن. بناء عليه، فإن هذه النظرة الخاصة قد فوّتت علينا فرصة التقاط أخبارهم ونشاطاتهم داخل البلاط، إّلا نادرًا. ما حدا بنا إلى اعتماد أرشيف الرسائل السلطانية وكتب المتون الرحلية الأجنبية، لمعرفة وضعية هذه الفئة الاجتماعية المُهمّشة.
المراجع
العربية
أحدى، امحمد. دراسات في تاريخ المغرب العميق. أكادير: Print Bj، 2012.
الإدريسي، حمادي. قاعدة المغرب الأقصى قبل فاس سجلماسة ووريثتها تافيلالت تاريخًا وأمجادًا وجهادًا. بيروت: دار الكتب العلمية، 2016.
أعمال الدورة الأولى لجامعة مولاي علي الشريف الخريفية. المملكة المغربية: وزارة الثقافة، 1990.
أعمال الدورة العاشرة لجامعة مولاي علي الشريف الخريفية. المملكة المغربية: وزارة الثقافة، 2003.
امحرزي، حسن. "خزانات التراث المخطوط والوثائق بواحة تافيلالت الكبرى بين الاستثمار ورد الاعتبار". أطروحة دكتوراه. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. ظهر المهراز. جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس. 2017 - 2018. (غير منشورة)
بنمليح، عبد الإله. الرق في بلاد المغرب والأندلس. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2004.
بوبريك، رحال. "سوق العبيد: تجارة الرق في مغرب القرن التاسع عشر". أسطور. مج 7، العدد 14 (تموز/ يوليو 2021).
بوخريص، فوزي. "قراءة في الترجمة العربية لكتاب محمد الناجي 'جند وخدم وسراري: الرق في المغرب'". أسطور. مج 4، العدد 8 (تموز/ يوليو 2018).
بوعصب، امبارك. القصور والقصبات بمنطقة تافيلالت دراسة عمرانية ومعمارية. فاس: منشورات المركز المغربي للدراسات التاريخية في فنون المصاحف وتقاليد المراسلات السلطانية، 2017.
تاوشيخت، لحسن. عمران سجلماسة: دراسة تاريخية وأثرية. المملكة المغربية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2008. الترمانيني، عبد السلام. الرق: ماضيه وحاضره. سلسلة عالم المعرفة 23. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1979. جسوس، عز الدين. السلطة المرابطية: الرمزي والمتخيل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019. زغروت، فتحي. الجيوش الإسلامية وحركة التغيير في دولتي المرابطين والموحدين: المغرب والأندلس. القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2005.
السجلماسي، ابن زيدان عبد الرحمن بن محمد. إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. تحقيق علي عمر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008.
الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي. الاعتصام. تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان. المنامة: مكتبة التوحيد، 2000.
الضعيف، محمد بن عبد السلام بن أحمد. تاريخ الدولة السعيدة من نشأتها إلى أواخر عهد مولاي سليمان (1043 ه/ 1633 م 1238 ه/ 1822 م). تحقيق أحمد العماري. الرباط: دار المأثورات، 1986.
علوي، أحمد عبد اللّوي. مدغرة وادي زيز: إسهام في دراسة المجتمع الواحي المغربي خلال العصر الحديث. 2 ج. الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1996.
علوي، حسن حافظي. سجلماسة وإقليمها في القرن 8 ه/ 14 م. المحمدية: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1997. غولفس، غيرهارد. إقامتي الأولى في المغرب: السفر جنوب الأطلس 1861 م. ترجمة إدريس الجاي. الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، 2018.
القادري، محمد بن الطيب. نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني عشر. تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق. 4 ج. الرباط: مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977.
المملكة المغربية، مديرية الوثائق الملكية. الوثائق: مجموعة وثائق دورية. مج 11 (2006).
________. الوثائق أرقام: 17961، 18333، 18606، 18989، 19033، 19059، 19491، 19612، 20066، 21356، 21405، 22145، المنصور، محمد. المغرب قبل الاستعمار: المجتمع والدولة والدين 1792 - 1822 م. ترجمة محمد حبيدة. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006.
موسى، عايدة العزب. تجارة العبيد في أفريقيا. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007.
الناجي، محمد. "حول الرقيق في المغرب... ما قبل الاستعمار". مجلة أبحاث. مج 1، العدد 1 (1983).
الناصري، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الدرعي الجعفري السلاوي. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى. تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري. الدار البيضاء: دار الكتاب، 1955.
الأجنبية
Gendre, F. "Le Tafilalet." Revue de Géographie du Maroc. 3-4 éme Trimestre (Mai-Aout 1942).
Montagne, Robert. Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc. Paris: Librairie Félix Alcan, 1930.
Rohlfs, Gerhard. Voyages exploration au sahara. Jacques Debetz (trad.). Paris: Ed Karthala, 2001.