العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الكتابة التاريخية التركية بعيون مغربية

الكتابة التاريخية التركية بعيون مغربية

Turkish Historical Writing Through Moroccan Eyes

محمد حبيدة

Houbaida Mohamed

الملخّص

أستاذ التاريخ في جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب.

Abstract

Professor of History at Ibn Tofail University, Keneitra, Morocco. houbaidamohamed@yahoo.fr

الكلمات المفتاحية:
  • الكتابة التاريخية
  • الدولة العثمانية
  • الآخر
  • استوغرافيا
Keywords:
  • Histography
  • Ottoman Empire
  • Otherness
  • Historical Writing

كتب عبد الرحيم أبو حسين، أستاذ التاريخ العثماني بالجامعة الأميركية في بيروت، ما يلي: "يختلف كتاب [عبد الرحيم بنحادة] في تناوله لهذه الدولة (العثمانية) عن معظم ما كُتِب عن التاريخ العثماني في اللغة العربية؛ إذ إن تناوله لها ابتعد عما درج عليه المؤرخون الذين كتبوا بالعربية، من إدانة للماضي العثماني أو الإشادة به، كما ابتعد عن الأسلوب السردي للأحداث السياسية والعسكرية، وقدّم كتابًا يعالج التاريخ العثماني عبر محاور معينة" (تقديم، ص 21). وإذا كان عبد الرحيم بنحادة قد أنتج عملً نوعيًا؛ فلأنه راكم تجربة كبيرة في ميدان البحث التاريخي راوحت بين تاريخ المغرب وتاريخ تركيا، وَلسعة اطلاعه على الأرشيفات والأدبيات ذات الصلة بتاريخ العثمانيين والأتراك، ومعرفته باللغات التركية والفرنسية والإنكليزية، ولتمكُنه من أدوات الصنعة التاريخية التي تجعل المؤرخ، كما يقول المؤرخ البريطاني روبين جورج كولينغوُود في كتابه فكرة التاريخ، يرتقي إلى "التبصر فيما يشتغل به من قضايا تاريخية"1. يأتي هذا الكتاب بعد اختمار طويل؛ إذ سبق للمؤلِف، الذي اشتغل في السابق أستاذًا للتاريخ في جامعتي فاس والرباط بالمغرب، وهو يشتغل حاليًا في معهد الدوحة للدراسات العليا، ورئيسَ تحريرٍ لمجلة أسطور للدراسات التاريخية، أن أصدر عددًا من الأبحاث المرتبطة بالتاريخ والثقافة العثمانيين، وخاصة المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر (1998)؛ والعثمانيون: المؤسسات والاقتصاد والثقافة (2008)؛ وجنة الكفار: سفير عثماني في باريس 1721 (2018). ومعنى ذلك أنه انتقل في هذه التجربة الجديدة من التاريخ باعتباره واقعًا وثقافةً إلى التاريخ من منظور الكتابة والتصور والمنهج. وهذا الانتقال هو الذي يفتح للقارئ أفقًا واسعًا على التيارات التاريخية، والتحولات الحاصلة في الهوية التركية، والاستعمالات السياسية للماضي. وقد تطلب هذا العمل التركيبي، من دون شك، سنوات من البحث والتحرير، لكن النتيجة ذات أهمية، ومن شأنها أن تغني المكتبة العربية. في البداية، يستدعي هذا الكتاب عرض مجموعة من الملاحظات: أن يخوض مؤرخ مغربي في بحث يهم تاريخًا غير تاريخ المغرب، فهذا في حد ذاته أمرٌ مهمّ جدًّا، مقارنةً بأغلبية الأبحاث التي ينجزها الباحثون المغاربة، والتي تصب في مجرى التاريخي المغربي، مع العلم أن الانفتاح على تاريخ الآخر يكتسي أهمية قصوى، لأنه يمِّكِن من رؤية تاريخ الذات في المرآة، ولا يتيح للباحث فرصةَ الاطلاع على تاريخ الآخر فحسب، بل إمكانيةَ تلمّس المناهج والرؤى المستعملة في كتابته أيضًا، إضافة إلى اللغة التي يُكتب بها هذا التاريخ؛ ما يعطي الدراسة سمةً ممَّيَزة. ويؤكد تاريخ التاريخ في تركيا هذا الطرح؛ إذ نَّبَه المؤلف إلى أن تاريخ الآخر، المتمثل في التاريخ الأوروبي، شَّكَل بالنسبة إلى المؤرخين الأتراك واجهةً من واجهات تجديد الكتابة التاريخية. فيما يتعلق بالمرحلة المدروسة في هذا الكتاب، يضع التاريخُ العثماني التاريخَ العربي على المحك، وخاصة مرحلة نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين؛ فقد افترقت الُّسُبل بين القاهرة وإسطنبول فيما يتصل بالتعامل مع الحداثة القادمة من أوروبا، وذلك حينما سعت النهضة العربية إلى التوفيق بين الماضي الإسلامي والحاضر المشبع بالأفكار والتقنيات الغربية، ونحَت القومية التركية مع "تركيا الفتاة"، ثم مع جمهورية مصطفى كمال، في اتجاه "فتح الباب على مصراعيه" أمام هذه الأفكار والتقنيات، وتحوّل الدولة العثمانية إلى دولة تركية، أدّى التاريخ دورًا كبيرًا في بناء هويتها. يُستحضر في هذا السياق أيضًا الاحتكاك المبكر الذي أبان عنه المؤرخون الأتراك، من الوجهة الإستوغرافية، مع الكتابات التاريخية الأوروبية، وهو يظهر في محطات كثيرة، منها النقاش الذي أثاره مؤسس مجلة الحوليات، لوسيان فيفر، في تفاعله مع كتاب محمد فؤاد كوبرولي قيام الدولة العثمانية، الذي هو في الأصل مجموعة من المحاضرات كان قد ألقاها في جامعة

  1. R. G. Collingwood, The Idea of History , Revised Edition, Jan van der Dussen (ed.) (Oxford: Oxford University Press, 1994 [1946]), p. 8.

السوربون، وذلك في السنة نفسها التي صدر فيها هذا الكتاب (1937)2، ومنها أيضًا تلِّقِي المؤرخين الأتراك لأطروحة فيرناند بروديل، التي صدرت عام 1949 كتابًا عنوانه البحر المتوسط والعالم المتوسطي زمن فيليب الثاني، بالنقاش والشرح وإبداء الملاحظات، كما صنع عمر لطفي بركان في القراءة النقدية التي أنجزها عن هذا الكتاب عام 1954، والتي نُشرت في مجلة الحوليات، بعنوان الحوض المتوسط لفيرناند بروديل بعيون إسطنبول3. تناول عبد الرحيم بنحادة الكتابة التاريخية في تركيا من زوايا متعددة، وبلور هندسةً ارتسمت في أربعة فصول متدرجة من الوجهة الزمنية والمعرفية؛ إذ تطابق السياقات السياسية والاجتماعية المتغيرة التي جعلت التاريخ يجيب عن أسئلة هذه السياقات على نحو متغير أيضًا: الكتابة التاريخية في القرن التاسع عشر حتى مطلع العشرين، أي إلى ثورة 1908، وهي المرحلة التي نعتها المؤلِف ب "التاريخ زمن التحديث والتنظيمات" (1798 - 1908)؛ إذ استطاعت هذه التاريخية فتح آفاق غير معهودة في التأليف التقليدي، من حيث حضور الحس النقدي وتوسيع دائرة المصادر والسعي إلى "قول الحقيقة"، علمًا أن هذه المرحلة اتسمت بالعمل الصحافي والإقبال على استعمال الطباعة. التحولات التي تعلقت بهذه الكتابة ما بين 1908 و 1924، وهي معروفة بالمرحلة الدستورية الثانية؛ فقد تمأ سَس التاريخْ وتمهْنَن، وسادت أفكار قومية، وزادت إمكانات الانفتاح على العطاءات الأوروبية؛ ما مكّن من ظهور أولى الأعمال التركيبية المكتوبة بِ "طريقة حديثة". الكتابة التاريخية في ظل الجمهورية الأولى، أي في عهد مصطفى كمال أتاتورك (1924 - 1938)، التي عرفت خلالها تركيا إصلاح الجامعة وإصلاح اللغة بتبنّي الحرف اللاتيني. وهذه المرحلة هي التي ينعتها المؤلف بِ "التاريخ في أسر الجمهورية"؛ إذ جرى تحوّلٌ في الاهتمام من تاريخ العثمانيين إلى تاريخ الأتراك، وأصبح "التاريخ أداةً لتبرير الحاضر" وتعزيز الهوية. مرحلة إعادة تملُك التاريخ العثماني أو "العودة إلى الواجهة" (1938 - 1973)؛ إذ ظهرت كراسيّ عديدة همّت هذا التاريخ، وأخذت العناية بالأرشيف العثماني أبعادًا كبيرة، وبرز مؤرخون مرموقون ذوو صيت عالمي أيضًا. وهذه الفصول الأربعة مبَّيَنةٌ بتعبيرات وتسميات موَّفَقة تضع القارئ في صورة التحول الذي شهدته الكتابة التاريخية بالعلاقة مع التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية. ومن هذا الكم الهائل والغني من المعطيات والتحليلات التي قدمها المؤِّلِف بلغة متينة وأسلوب انسيابي، يمكن الاحتفاظ بهذه الثلاثية التي بدت لي ذات أهمية قصوى، مقارنةً بتجارب إستوغرافية أخرى.

أولًا: اللغة والترجمة والهوية التركية

ما يثير الانتباه في التجربة التركية/ العثمانية هو الاهتمام باللغات الأوروبية وترجمة أعمال الأدباء والمفكرين والمؤرخين الأوروبيين منذ القرن التاسع عشر. وخير مثال على هذه المرحلة المبكرة أحمد وفيق (1823 - 1891) الذي درَس في باريس ستّ

  1. Lucien Febvre, "Aux origines de l'Empire ottoman," Compte rendu, Annales d'histoire économique et sociale , vol. 9 , no. 43 (1937), pp. في هذه القراءة يصف لوسيان فيفر الكِتابَ بأنه "رائع"، ويصف صاحبَه بالعاِلم "الذي يحظى بالتقدير لدينا [أي لدى المؤرخين الفرنسيين] بفضل أعمالِه والدروسِ التي ألقاها بنجاح في السوربون"، ينظر: 100. p., Ibid.
  2. O. L. Barkan, "La 'Méditerranée' de Fernand Braudel vue d′Istamboul," Annales. Economies, Sociétés, Civilisations , 9 ème année, no. 2 (1954), pp. 189 - 200.

سنوات، وكان عارفًا بعدد من اللغات الحية (الفرنسية والإيطالية والألمانية) والكلاسيكية (اللاتينية والإغريقية). ولم تهتمّ الترجمة إلى اللغة العثمانية في هذه المرحلة بدراسات الأوروبيين عن تاريخ العثمانيين، خاصة تلك التي استندت كثيرًا إلى الأرشيف العثماني فحسب، بل اهتمت أيضًا بالأعمال المرتبطة بتاريخ أوروبا، ومناهج البحث التاريخي الأوروبي، على النحو الذي تمثّل في تجربة المؤرخ علي رشاد الذي ترجم عددًا من الدراسات المهمة، مثل تلك التي جادت بها قريحة كبار المؤرخين الفرنسيين الوضعانيين، وفي مقدمتهم شارل سينيوبوس وإرنست لافيس وألفريد رامبو، مع العلم أن حركة الثقافة والترجمة كانت قد شهدت رواجًا كبيرًا خلال القرن التاسع عشر في صفوف المدِّرِسين والصحافيين والموظفين والدبلوماسيين. لقد "كان التاريخ بالترجمة، كما يقول صاحب الكتاب، مدخلًا مهًّمًا لتوجه جديد في الكتابة التاريخية التركية" (ص. 71). وهذا التوجه الجديد المنفتح على تاريخ العالم هو الذي تواصل مع عدد من المؤرخين خلال القرن العشرين. مكّن هذا الانفتاح على الإنتاجات المعرفية الأوروبية، بواسطة اللغة والترجمة، من اكتساب أدوات منهجية جديدة في تناول الماضي، ومراجعة عدد من القوالب التاريخية، مثل التحقيب؛ إذ كان الأتراك، في الأصل، يفهمون تاريخهم انطلاقًا من التمييز بين مرحلتَي ما قبل الإسلام وما بعده، فصاروا يعتمدون التحقيب الأوروبي القائم على أساس عصر قديم (إلى حدود سقوط روما) وعصر وسيط (ممتد من سقوط روما إلى سقوط القسطنطينية بيد العثمانيين) وعصر "حديث" (حتى القرن التاسع عشر)، تلك الحقب التي نعتها أحمد حلمي بِ "الأزمنة المتقدمة" و"الأزمنة المتوسطة" و"الأزمنة الحديثة". وقد مكّن هذا الانفتاح من ظهور "تواريخ عالمية" جديدة، متحررة من الرؤية الإسلامية، لأنها كُتبت بنفَس مستلهم من التصور الأوروبي، كما يظهر من ما أصدره أحمد وفيق عام 1863، حكمت ء تاريخ (فلسفة التاريخ)، وأحمد حلمي ومحمد مراد، على التوالي، في الأعوام 1866 - 1875، و 1880 - 1882، ضِمن العنوان نفسه تاريخ عمومي (التاريخ العام)، ورفعت أفندي عام 1879 الذي أصدر نقد التواريخ، فضلًا عن مؤلفين آخرين كانوا يتقنون اللغات الأوروبية، وخاصة اللغة الفرنسية التي أثّرت حينئذ في الأتراك وغيرهم من الأمم، بالنظر إلى ما اشتملت عليه المؤلفات المكتوبة بهذه اللغة من أفكار مرتبطة بفلسفة الأنوار، وبالتحولات التي أحدثتها الثورة الفرنسية. واستمرت هذه الدينامية في المرحلة الجمهورية حينما تحولت الدولة العثمانية إلى دولة وطنية تركية، خاصة مع التطور الذي لحق المؤسسات التي اعتنت بها الدولة الجديدة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، في سياق تعزيز الهوية التركية؛ إذ جرى التشديد على التاريخ الوطني المرتبط بِ "تاريخ أتراك الأناضول"، حتى إنه هيمن على الدراسات التاريخية التركية خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، وأفرز توجهًا سعى إلى القطع مع الماضي العثماني وتغيير الاهتمام نحو "البحث عن الأصول التركية"، واعتبار تركيا مج لًا للبحث التاريخي. وظهرت أيضًا مجلة توركياتالتي صدر عددها الأول عام 1925 بإشراف المؤرخ كوبرولي، والتي عملت على تعزيز الدراسات التركية، وترجمة الأبحاث المكتوبة باللغات الأجنبية، والتعريف بالوثائق ونشرها، ومراجعة المؤلفات، خاصة تلك الصادرة في أوروبا والمهتمة بتركيا. ظهرت هذه الدينامية منذ "المرحلة الدستورية الثانية" (1908 - 1924)؛ إذ تمأسس التاريخ، بعد ثورة 1908 وتوجهات جمعية الاتحاد والترقي السياسية، فظهر باحثون جدد ساهموا في تدفق الكتابة التاريخية، من بينهم أحمد أغا أوغلو الذي درَس في جامعة موسكو وساهم في ترسيخ الدرس الاستشراقي، ونشأت جمعياتٌ (مثل "جمعية التاريخ العثماني")، ومجلاتٌ متخصصة (مجلة جمعية التاريخ العثمانيالتي صدر عددها الأول عام 1910، و مجلة تورك يوردي (الوطن التركي) التي أسست عامُ1911، ونشأت أيضًا جامعاتٌ (دار الفنون) كان لها كذلك تأثير عميق في مهْنَنة التاريخ بعد أن كان من اختصاص "القلمية". كانت اللغة حاضرة بقوة في هذه التجارب. ومع إحداث الجامعة عام 1900، انفتح الأتراك على أوروبا انفتاحًا علمًّيًا كبيرًا؛ إذ جرى إرسال الطلاب إلى ألمانيا، خصوصًا، لتلقي المعارف ونقلها، إضافة إلى مجيء عدد من المؤرخين الألمان الذين دَّرَسوا في الجامعة

و"استمروا في أداء هذا الدور في الثلاثينيات من القرن العشرين" (ص. 129)، ومنهم يوهان هاينريش مورتمان الذي دَّرَس المناهج التاريخية، وليمان هاوت المتخصص في التاريخ القديم، وعالم الآثار إيكهارد أونغر. والجدير بالذكر أن هذه المواد دُِّرِست بالألمانية بحضور مترجمين إلى اللغة التركية، وأن عددًا من الباحثين نشروا أبحاثًا ذات طبيعة منهجية مترجمة من اللغات الأوروبية؛ ما مكّن من خلق نقاش فكري كبير حول أهمية الدراسات التاريخية وتطورها وسُبل تجاوز الكتابة الإخبارية؛ لكونها دراسات مرتبطة بِ "تركيب فلسفي وأدبي مبني على التوثيق" (ص. 132)، وليست مرتبطة باستعراض الأحداث والشخصيات. وتعززت هذه الرؤية في العهد الجمهوري حينما نهج مصطفى كمال سياسة تحديث هياكل النظام التعليمي، فحوّل دار الفنون إلى جامعة إسطنبول التي حضرت فيها اللغة والمعرفة الألمانية حضورًا قوًّيًا استمر حتى السبعينيات من القرن العشرين. وتزامن هذا الحضور مع إصلاح اللغة، بلتْنَنة الحروف والتخلي عن الحرف العربي، المعروف في الأدبيات التاريخية بِ "الثورة اللغوية". ويرى المؤلف أن ما عاشته تركيا من تحولات على مستوى اللغة يشكّل امتدادًا للتطور اللغوي الذي شهدته أوروبا والعالم في القرن التاسع عشر، باعتباره قرن "صناعة اللغات" على المستوى "البنائي والمعجمي" و"تطوير المنتوج المكتوب بشكل عام" (ص. 195). وقد أدّت هذه الثورة اللغوية دورًا كبيرًا في تطوير حركة الترجمة؛ إذ نُقلت كرّاسات وكتب كثيرة من اللغات الأوروبية إلى اللغة التركية، وإن كانت ترجمة "الأعمال الأدبية والفلسفية الغربية الخالدة" لم تبدأ إلا في خمسينيات القرن العشرين. وساهمت جامعة أنقرة التي تأسست قبيل الحرب العالمية الثانية، وجامعات جديدة أخرى، وأيضًا مؤسسة التاريخ التركي، والعناية التي أولتها الدولة للأرشيف، ذلك أنها جعلته رهنًا لإشارة الباحثين، في تعزيز الدراسات التاريخية بإحداث كراسي تهم مختلف التخصصات والحقب، ونشر الأعمال التاريخية، وكذلك الترجمات التي همّت كتب التاريخ من اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية إلى اللغة التركية. وفي كل هذه العمليات، استطاع المؤرخون الأتراك توجيه الدراسات بأفكارهم وتكوينهم المرتبط في معظم الأحيان بالدراسة في الخارج وإتقان اللغات الأوروبية؛ كما هو الحال بالنسبة إلى عفت إينان التي تعلمت اللغة الفرنسية في لوزان، ويوسف أكجورا الذي درَس في باريس وكان على دراية بالنقاشات المعرفية والمنهجية الدائرة بين المؤرخين الوضعانيين الفرنسيين خلال القرن التاسع عشر، وكوبرولي المهتم باللغات الأوروبية، وخاصة الفرنسية؛ إذ ترجم عددًا من الأعمال إلى اللغة التركية، وأنور ضياء قرال الذي تابع دراساته في التاريخ في فرنسا تحت إشراف المؤرخ الوضعاني البارز شارل سينيوبوس، وعمر لطفي بركان الذي درَس التاريخ الاقتصادي بجامعة ستراسبورغ بداية من عام 1920، فهذه الجامعة كانت المعقل الرئيس لمجموعة من المؤرخين المجددين الذين أحدثوا تيار الحوليات، وقد جمعت أيضًا بين بلوسيان فيفر ومارك بلوك وموريس هالفاكس، إضافة إلى خليل إنالجيك، وهو المؤرخ الذي "اخترق الآفاق"، وفق تعبير المؤِّلِف، لكونه دَّرَس في جامعات عالمية، وحاز عضوية أكاديميات علمية في تركيا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

ثانيًا: تاريخ الآخر واجهةً من واجهات التجديد والوعي التاريخيين

تأثر المؤرخون الأتراك تأثرًا كبيرًا بتاريخ فرنسا خلال القرن التاسع عشر. ويتجلى ذلك في اطلاعهم على ما كتبه الفرنسيون في عصر الأنوار وحول الثورة الفرنسية. غير أن الانفتاح على الغرب يعود إلى القرن الثامن عشر لما أرسلت الدولة العثمانية بعثات سفارية كثيرة إلى مختلف بلدان أوروبا قصد الاطلاع على منجزاتها والنهل منها. لكن المخاض السياسي الذي عاشه العثمانيون في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، مع تجربة 1876 الدستورية وثورة تركيا الفتاة (1908)، مَّثَل سياقًا سياسًّيًا وثقافًّيًا ملائمًا، حصل فيه تفاعل كبير بين المثقفين الأتراك الشبان الذين درَسوا في باريس، وبين الأفكار الثورية والقومية الرائجة في فرنسا، فقد تشكّل

لديهم وعي تاريخي بإرادة التغيير، فنقلوا معهم هذه الأفكار ووضعوها على محك الواقع؛ من خلال ما أبانوا عنه من حيوية سياسية في معترك الأحداث، وما نشروه في شكل مقالات وترجمات ومؤلفات. وهذا ما يفسر اهتمام عدد من المؤرخين الأتراك بتاريخ الثورة الفرنسية التي كانت "بمنزلة أداة استعملت للتحضير لثورة 1908 " (ص. 172). ومن هؤلاء المؤرخين علي كمال، وديران كليكيان، وعلي رشاد. فقد كتب كمال رجال الثورة، فاستعرض سِيَرهم وأفكارهم وتوجهاتهم، معتبرًا الثورة الفرنسية "حادثًا فارقًا في تاريخ البشرية جمعاء"، و"مختبرًا ليس فقط لتعلم تاريخ فرنسا، ولكن أيضًا تاريخ الإنسانية" (ص. 175). وألّف كليكيان كتابين في تاريخ أوروبا، التاريخ السياسي العامالذي تناول فيه القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأوروبا الاجتماعية والسياسية في القرن التاسع عشر، الذي تحدث فيه عن تاريخ فرنسا، وخاصة عن أعمال فلاسفة الأنوار الفرنسيين، مثل شارل لوي دي سيكوندا (مونتيسكيو)، وفرانسوا ماري آروويه (فولتير)، وجان جاك روُّسُو، وعن الثورة الفرنسية باعتبارها حدثًا سياسًّيًا بارزًا "يندرج ضمن النضال من أجل الحريات السياسية والاجتماعية والبناء السياسي للأمم، ومصدرَ إلهامٍ أساسي" (ص. 177). أمّا علي رشاد، الذي يعتبر "مؤرخ الثورة الفرنسية بامتياز"، فقد خصص كتابيه تاريخ الحاضر، ومفصل ومصور فرانسه اختلال كبيري تاريخي (التاريخ المفصل والمصور لتاريخ الثورة الفرنسية الكبرى) لأحداث ثورة 1789، وما أعلنته من مبادئ وحقوق، وما وَّلَدته من نزعة وطنية وجمهورية. ومن ناحية أخرى، وخاصة عقب إعلان مصطفى كمال الجمهورية التركية عام 1923 وتراجع الاهتمام بتاريخ الإمبراطورية العثمانية، نهجت الدولة الجديدة في برامجها التعليمية سياسة تقضي بإعادة بناء الوعي التاريخي عبر ربط الصلة بتاريخ أوروبا والعالم، فجرى التركيز على دور الأتراك في الحضارات العالمية، ومساهمتهم في الانتقال من القرون الوسطى إلى الأزمنة الحديثة، وعلى تاريخ النهضة والإصلاح الديني، والثورات الأوروبية، وتاريخ روسيا، والاستعمار في أفريقيا وآسيا، والحرب العالمية الأولى. وجرى الاهتمام كذلك بِ "مفهوم التاريخ وأهميته وعلاقته بالعلوم الأخرى" (ص. 211) ولعل ما أفرزه هذا الانفتاح على تاريخ أوروبا، وفرنسا بوجه خاص، متمثّل في الرؤية الجديدة التي صارت تفعل فعلها في طريقة فهم المؤرخين الأتراك للتاريخ، ألا وهي الصلة الموجودة بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي. حينما قال كليكيان:"في القرن التاسع عشر أصبحت آمال الشعب تدخل معترك السياسة، ولم تعد السياسة ساحة لتدافع الدبلوماسيين" (ص. 177)، فإنه وَّقَع على تحول كبير في منظور الكتابة التاريخية التركية في مطلع القرن العشرين. وستتسع هذه الرؤية، التي صارت تأخذ في الحسبان أهمية الفعل الاجتماعي ودور الأفكار في بلورة هذا الفعل، في أواسط هذا القرن بفضل انفتاح جيل جديد من المؤرخين على مناهج مدرسة الحوليات الفرنسية، كما يظهر ذلك لاحقًا.

ثالثًا: تطور تيارات البحث التاريخي

بعد مرحلة من الانحسار عرفتها الدراسات التاريخية المرتبطة بالتاريخ العثماني خلال المرحلة التي كانت فيها تركيا تحت حكم مصطفى كمال، انتعشت هذه الدراسات وتطورت بفضل الجهود الكبيرة التي بذلها عدد من المؤرخين الأتراك، وفي مقدمتهم كوبرولي الذي تكوّن على يده جيل من الباحثين الذين اشتغلوا وفقًا لمناهج جديدة. ويرى المؤلف أن التأثير الذي مارسه كوبرولي أنجب تيارين كبيرين؛ أحدهما تيارٌ وضعاني ارتبط بالوثائق وسرد الوقائع، على النحو الذي يظهر مع إسماعيل حقي أوزون جارشلي، وأنور ضياء قرال، وأحمد وفيق، أما الآخر فهو تيارٌ مجِّدِد انفتح على المدارس التاريخية الغربية، وقد مثّله بصفة رئيسة عمر لطفي بركان وخليل إنالجيك، مع الأخذ بعض القواسم المشتركة بين التيارين في الحسبان؛ لكون جميع هؤلاء المؤرخين اهتموا بنشر الوثائق (بطريقة نقدية وتحليلية)، وكتبوا تاريخًا تركيبًّيًا. وإذا كان التيار الأول الذي اهتم بالتاريخ السياسي والدبلوماسي قد ركز على المرحلة المتأخرة

من الدولة العثمانية، فإن التيار الثاني الذي وضع في الواجهة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، سلط الضوء بالخصوص على المرحلة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر. وما أثار انتباهنا أكثر، مقارنةً بأهمية الدراسات من الناحية المنهجية، هو التيار الثاني الذي احتك بمدرسة الحوليات وتأثر بها ودخل في حوار معها. وهذا ما يتبيّن من تجربة مؤرخين كبيرين، هما عمر لطفي بركان وخليل إنالجيك. تمكن عمر لطفي بركان، بفضل دراساته العليا في جامعة ستراسبورغ على يد مؤسسي مدرسة الحوليات، بلوك وفيفر، في نهاية عشرينيات القرن العشرين، من الانخراط في التاريخ الاقتصادي. وفي جامعة إسطنبول درّس التاريخ الاقتصادي، بجوار الألماني ألكسندر روستوف، وشرع في البحث في موضوعات همّت في البداية مسألة ملكية الأرض في بدايات الإمبراطورية العثمانية، لينتقل فيما بعد من هذا الموضوع، الذي تزامن مع إقبال الدولة على الإصلاح الزراعي، إلى التاريخ الديموغرافي. ويعتبر اقتحام ميدان التاريخ الديموغرافي بالغ الأهمية بسبب السّبق الذي حققه هذا المؤرخ حتى من خلال مقارنته بمؤرخي مدرسة الحوليات الفرنسيين الذين أنتجوا دراسات مهمة جًّدًا في هذا الموضوع خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. فقد نشر عمر لطفي بركان عام 1940 مقالة عنوانها الدفاتر الإحصائية المتعلقة بأعداد السكان وتقييد الأراضي، وواصل البحث في الموضوع نفسه خلال الخمسينيات، فاتحًا نقاشًا مثمرًا مع الإستوغرافيا العالمية، وعيًا منه بأن "إحدى أهم الطرق في التعامل مع تاريخ الإمبراطورية العثمانية بمنهجية جديدة وإيجاد مكانة لها في التاريخ العالمي، يكمن في تكريس حقل بحثي يساهم في إماطة اللثام عن الكثير من جوانب التاريخ العثماني، وهذا الحقل البحثي هو: الديموغرافيا التاريخية" (ص 363 - 364). وفضلًا عن ذلك، اهتم بالتاريخ المالي، فأنجز سلسلة من الدراسات تناولت القرنين السادس عشر والسابع عشر، دخل إثرها في نقاش مع بروديل الذي كان قد اهتم بتأثير المعادن النفيسة في اقتصاديات بلدان الحوض المتوسط خلال القرن السادس عشر، ليخلص إلى نتيجة أساسية مفادها أن "تخفيض العملة التركية (الأقجه) عام 1566 يشكّل أهم مؤشر على ضعف الدولة العثمانية" (ص. 367). وقد أسس بركان، بفضل هذه الأبحاث، توجهًا كبيرًا في التاريخ الاقتصادي سار عليه فيما بعد خليل إنالجيك وشوكت باموك. أمّا المؤرخ البارز الثاني الذي يمثل تيار التجديد المنهجي، فهو خليل إنالجيك الذي اعتبره مركز كامبريدج الدولي للبيوغرافيا من بين ألفَي باحث مؤثّر في ميدان العلوم الاجتماعية في العالم، وكتب عنه عالم الاجتماع الأميركي إيمانويل والرشتاين هذه العبارات: "اليوم يُقرأ خليل إنالجيك ويُدَرَّس في جامعات عالمية [...] إنالجيك جلب منهجيته ومعرفته إلى مهنة التأريخ، هو علَمٌ ممَّيَز تتفق عليه الدوائر العلمية. تعلم منه مئات الطلاب الذين ينتمون إلى مدرسة إنالجيك، القدرة ليس فقط على استخدام المصادر الأولية، وفحص الوثائق والمخطوطات، ولكن أيضًا كتابة التاريخ من العديد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية" (ص. 381). وإذا كان برنارد لويس قد اعتبر كوبرولي ولطفي بركان "مؤرخَين كبيرَين في زمنهما"، وإنالجيك "مؤرخًا كبيرًا لكل الأزمنة" (ص. 382)، فلأن حياة إنالجيك كانت مديدة (1916 - 2016)، وممتلئة بالتاريخ إلى حد التخمة؛ ففي نهاية حياته وقد بلغ من الكِبر عتًّيًا، أسس قسم التاريخ في جامعة بلكنت الحديثة النشأة، عام 1992، وأشرف على إعداد مجلدين ضخمين عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي العثماني في الفترة 1300 - 1900، وعلى كتاب عن الحضارة العثمانية صدر باللغتين التركية والإنكليزية. لكن قبل هذه المرحلة التي يسميها المؤِّلِف "المرحلة التركية الثانية" (1992 - 2016)، كان إنالجيك قد أنجز أبحاثًا مرجعية عن تاريخ العثمانيين، في طليعتها الكتاب الذي صدر في لندن عام 1973 بعنوان الإمبراطورية العثمانية: العصور الكلاسيكية، 1300 - 1600، الذي لا محيد عنه بالنسبة إلى الدارسين والمتخصصين، مع العلم أنه كان قد تلقّى تكوينه بجامعة أنقرة قبل أن

يرحل إلى بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية؛ إذ اطلع على الأرشيفات ووقف على النقاشات الدائرة في أوساط المستشرقين والمؤرخين المتخصصين في التاريخ العثماني، وقد التقى في فرنسا فيرناند بروديل خصوصًا. وتكمن أهمية هذا الكتاب في نفَسه التركيبي الذي مَّيَزه من كثير من الدراسات التي كانت تعج بها ساحة التأليف والنشر، وفي مراجعة الصور النمطية التي هيمنت على أبحاث الأوروبيين عن العثمانيين أيضًا. وفي هذا العمل، وأعمال أخرى كثيرة، كانت مدرسة الحوليات حاضرة بقوة، ويظهر ذلك في مفهوم الزمن الطويل الذي اقتبسه من بروديل ووظّفه في دراساته عن البنى الاجتماعية والاقتصادية؛ من هياكل عقارية، ومستويات ديموغرافية، وأنشطة تجارية، وتوترات اجتماعية، وهو ما جعلها "ثورة في الدراسات العثمانية" وفقًا لعبارة المؤِّلِف (ص. 396). قدّم عبد الرحيم بنحادة عملًا تركيبًّيًا، ومرجعًا أساسًّيًا بالنسبة إلى كل باحث في تاريخ التاريخ. لقد فكّك الكيفية التي فهم بها الأتراك تاريخهم، وبَّيَن التطور الذي حصل في هذا الفهم؛ من تصور تقليدي محكوم بالقوالب الإسلامية المعمول بها في التحقيب وِذكر الأحداث والتعامل مع المستندات، إلى رؤية جديدة مستلهمة من التجارب الأوروبية، تقضي بتفحص الوثائق ونقدها، ولم يكن الاهتمام مركزًا على الأحداث السياسية والعسكرية فحسب، بل شمل أيضًا تاريخ المؤسسات والمجتمع والاقتصاد والثقافة، وذلك ضمن دينامية من المخاض والتحول السياسيين اللذين عرفتهما تركيا، والممتدين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي تطور هذا الفهم، اضطلعت الجامعات، أساسًا، ومختلف الجمعيات والمؤسسات الثقافية والعلمية، بدور كبير في مهْنَنة التاريخ وابتكار الهوية، وفي تكوين أجيال متعاقبة من المؤرخين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة تحصين البحث التاريخي وتطويره ووضعه على محك التجارب العالمية. ومثل هذا الكتاب من شأنه أن ينير الطريق للباحثين العرب من أجل الوقوف على تجارب إستوغرافية أخرى في إيران والهند والصين وأفريقيا وباقي المجالات غير الأوروبية، لكن ذلك يكون بالأدوات واللغات التي تمِّكِن من بلوغ نتائج ذات أهمية، فضلًا عن تقديم إضافات نوعيّة.

المراجع

Barkan, O. L. "La 'Méditerranée' de Fernand Braudel vue d′Istamboul." Annales. Economies, Sociétés, Civilisations.

9 ème année, no. 2 (1954).

Collingwood, R. G. The Idea of History. Revised Edition. Jan van der Dussen (ed.). Oxford: Oxford University

Press, 1994 [1946].

Febvre, Lucien. "Aux origines de l'Empire ottoman." Annales d'histoire économique et sociale. vol. 9, no. 43 (1937).