العودة إلى تفاصيل المؤلَّف بين الإمبراطوريات والأمة: ذكريات الحرب الكبرى والهوية الوطنية العراقية

بين الإمبراطوريات والأمة: ذكريات الحرب الكبرى والهوية الوطنية العراقية

Between Empires and Nation: Memories of the Great War and Iraqi National Identity

دينا خوري*Dina

Khoury

الملخّص

تتناول هذه الدراسة في العلاقة بين تطوّر ذاكرة الحرب العالمية الأولى والهوية الوطنية العراقية. وتجادل بأنه، خلال الفترة الملكية التي امتدت حتى سقوط السلالة الهاشمية في عام 1958، لم يكن هناك إجماع وطني على معنى الحرب الكبرى بالنسبة إلى الهوية العراقية. وسعى الملوك الهاشميون لربط الحرب بتشكيل أولى الدول العربية العراقية الحديثة. أما بالنسبة إلى أولئك الذين عارضوا إحياء ذكرى الحرب الهاشمية، فإنها كانت تمثل استعمار العراق. بعد ثورة عام 1958، تم دمج الحرب العظمى تدريجيًا في سرد دولة التحديث المناهضة للإمبريالية، والتي كافحت من أجل التحرير منذ تأسيسها. وقد أدّت حربا الخليج وإخفاقات الدولة التحديثية بعد الاستعمار إلى إعادة التفكير في ذكرى الحرب هذه.

Abstract

This article discusses the relationship of World War I memory to Iraqi national identity. It argues that from the establishment of the monarchy until the fall of the Hashemite dynasty in 1958 , there was no national consensus on what the Great War meant for Iraqi identity. The Hashemite kings sought to link the war with the formation of the first modern Iraqi Arab state. For those who oppose Hashemite commemoration of the War, it represents the colonization of Iraq. After the 1958 revolution, the Great War was incorporated into the narrative of an anti- imperialist modern state that had struggled for liberation since its founding. The Gulf Wars and the failures of the post-colonial modern state have led to a re-evaluation of this memory.

الكلمات المفتاحية:
  • الذاكرة
  • الهوية العراقية
  • الحرب العالمية الأولى
  • الاستعمار
  • الهاشميون
Keywords:
  • Memory
  • Iraq
  • World War I
  • Colonialism
  • Hashemites

بين الإمبراطوريات والأمة: ذكريات الحرب الكبرى والهوية الوطنية العراقية Between Empires and Nation: Memories of the Great War and Iraqi National Identity

تتناول هذه الدراسة العلاقة بين تطوّر ذاكرة الحرب العالمية الأولى والهوية الوطنية العراقية. وتجادل بأنه، خلال الفترة الملكية التي امتدت حتى سقوط السلالة الهاشمية في عام 1958، لم يكن هناك إجماع وطني على معنى الحرب الكبرى بالنسبة إلى الهوية العراقية. وسعى الملوك الهاشميون لربط الحرب بتشكيل أولى الدول العربية العراقية الحديثة. أما بالنسبة إلى أولئك الذين عارضوا إحياء ذكرى الحرب الهاشمية، فإنها كانت تمثل استعمار العراق. بعد ثورة عام 1958، تم دمج الحرب العظمى تدريجيًا في سرد دولة التحديث المناهضة للإمبريالية، والتي كافحت من أجل التحرير منذ تأسيسها. وقد أدّت حربا الخليج وإخفاقات الدولة التحديثية بعد الاستعمار إلى إعادة التفكير في ذكرى الحرب هذه.

This article discusses the relationship of World War I memory to Iraqi national identity. It argues that from the establishment of the monarchy until the fall of the Hashemite dynasty in 1958 , there was no national consensus on what the Great War meant for Iraqi identity. The Hashemite kings sought to link the war with the formation of the first modern Iraqi Arab state. For those who oppose Hashemite commemoration of the War, it represents the colonization of Iraq. After the 1958 revolution, the Great War was incorporated into the narrative of an anti- imperialist modern state that had struggled for liberation since its founding. The Gulf Wars and the failures of the post-colonial modern state have led to a re-evaluation of this memory.

أستاذة التاريخ والشؤون الدولية الفخرية في كلية إليوت للشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن. Professor Emerita of History and International Affairs at the Elliott School of International Affairs, George Washington University. dikhy@email.gwu.edu

"إن وجود الذاكرة التاريخية هو تعليم ونداء للعمل على حٍّدٍ سواء"1. "يمكن القول إن الحنين إلى الماضي كونيٌ ومستمر؛ فقط حنين الآخرين يسيء إلينا"2. بعد أقل من شهر من احتلال العراق، في نيسان/ أبريل 2003، تأمّل الروائي والمفكر السعودي/ العراقي الراحل، عبد الرحمن

منيف، في معنى الحرب الثانية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، فرأى أنها مغامرة إمبريالية تستحضر المخططات التعسفية البريطانية نفسها إبان الحرب العالمية الأولى. ويُعدّ كتابه، الذي جُِّمِع على عجل، مجموعة من الروايات للأحداث التاريخية

المستوحاة من التاريخ العراقي حول الشخصيات والسياسات الإمبريالية البريطانية والمقاومة العراقية لهذه السياسات3. في سياق ما بعد احتلال العراق، كان كتاب منيف، الذي يدلّ على اليأس والتحدي، مذكّرًا فع لًا للتضحية والمقاومة، في الوقت الذي لم يقاتل

العراقيون دفاعًا عن نظامٍنكّل بهم وأفقرهم. ولم يكن منيف مدافعًا عن نظام البعث، بل كان مؤيدًا قويًا لتحقيق الديمقراطية في

العالم العربي، وناقدًا لحزب البعث في العراق، وللنظام السعودي وغيرهما. غير أن دعوته إلى أبناء وطنه للتذكّر كانت محاولة لإعادة

تعزيز نوع واحد من الذاكرة التاريخية؛ وهو نوع مألوف للعراقيين الذين انغمسوا في تاريخ تكوين شعورهم بالوطنية، كما هو مُدَرَّس في

الكتب التاريخية ووسائل الإعلام الثقافية الأخرى. ربما لا يصعب معرفة ما جعل ذكريات الحرب العالمية الأولى تصبح مشِّكِلة، إلى حد بعيد، جزءًا من الخطاب العام عن العراق في

أعقاب الغزو الأميركي؛ إذ إنها كانت فترة مفعمة بصور الإمبراطورية والمقاومة. إلى جانب "إحياء الإمبراطورية"، على حد تعبير المؤرخ رشيد الخالدي، فإن الحربين الأخيرتين في العراق أعادتا إحياء ذكريات الحرب العالمية الأولى4. وقد نبّهنا جاك لوغوف وغيره إلى

التكاثر الحديث للذكريات الجماعية التي تُغذّيها وسائل الإعلام وانتشار "التاريخ الفوري"5. تفترض الطبيعة الآنية لاسترداد الصور

والمواضيع، من العراقيين وغيرهم، وجود ذاكرة جماعية ل حلرب، متاحة على الفور من دون تاريخ ولا طمس. وفي هذا السياق، تعدّ

هذه الدراسة محاولة للتأريخ لذاكرة الحرب الكبرى. سأركز فيها على علاقة الذاكرة بالسلطة، في حالة العراق، في ما يخص تشكيل الدولة وتعزيز الهوية برعاية الدولة. إن أي عملية إنتاج لذاكرة جماعية تنطوي على حذف للذكريات الأخرى؛ وتسعى هذه الدراسة، بقدر ما تسمح به المصادر، للبحث عن ذكريات بديلة ل حلرب6. ولا يقتصر هدفي على استكشاف الطرائق التي تم بها الاعتراض

1  عبد الرحمن منيف، العراق: هوامش من التاريخ والمقاومة (بيروت: الدار العربية للعلوم والنشر، 2003.)

2  Raymond Williams, The Country and the City (Oxford: Oxford University Press, 1975).

3  منيف. ركّز منيف وكتّاب آخرون على موضوع تدمير الموروث الثقافي لبغداد وسرقته للتمييز بين الغزو البريطاني والأميركي.

4  Rashid Khalidi, Resurrecting Empire, Western Footprints and America's Perilous Path in the Middle East (Boston: Beacon Press, 2004);

للاطلاع على استنساخ تقارير المسؤولين البريطانيين عن الحرب العالمية الأولى، ينظر:

Paul Rich (ed.), Iraq and Imperialism: Thomas Lyell's The ins and outs of Mesopotamia (Lincoln: Author's Choice Press, [1991] 2001). 5  Jacque Le Goff, History and Memory , Steven Rendall & Elizabeth Claman (trans.) (New York: Columbia University Press, 1992), p. 95.

6  ينظر:

Mona Ozouf, Festivals and the French Revolution (Cambridge: Harvard University Press, 1988);

لت لحيل مفصل بشأن حذف بعض ذكريات الثورة، ينظر أيضًا:

Shahid Amin, Event, Metaphor and Memory, Chauri Chaura 1922 - 19 92 (Berkely, CA: University of California Press, 1995).

كيف يتم تحويل ذكريات من الذاكرة القومية أو حذفها؟ للمناقشات حول الذاكرة الجماعية في مقابل الذاكرة التاريخية، ينظر:

Susan Crane, "Writing the Individual Back into Collective Memory," The American Historical Review , vol. 102 , no. 5 (December 1997), pp. 1372 - 1385.

تحذير ألون كونفينو من مخاطر تجزئة دراسات الذاكرة بطريقة من شأنها أن تحوّلها إلى دراسات فولكلورية (مصط حلي)، وكذلك تحذيره من ضرورة عدم اقتصار الذاكرة

على الأيديولوجيا، ينظر:

Alon Confino, "Collective Memory and Cultural History," The American Historical Review , vol. 102 , no. 5 (December 1997), pp. 1386 - 1483.

  1. عبد الرحمن منيف، العراق: هوامش من التاريخ والمقاومة (بيروت: الدار العربية للعلوم والنشر، 2003.)
  2. Raymond Williams, The Country and the City (Oxford: Oxford University Press, 1975).
  3. منيف. ركّز منيف وكتّاب آخرون على موضوع تدمير الموروث الثقافي لبغداد وسرقته للتمييز بين الغزو البريطاني والأميركي.
  4. Rashid Khalidi, Resurrecting Empire, Western Footprints and America's Perilous Path in the Middle East (Boston: Beacon Press, 2004); للاطلاع على استنساخ تقارير المسؤولين البريطانيين عن الحرب العالمية الأولى، ينظر: Paul Rich (ed.), Iraq and Imperialism: Thomas Lyell's The ins and outs of Mesopotamia (Lincoln: Author's Choice Press, [1991] 2001).
  5. Jacque Le Goff, History and Memory , Steven Rendall & Elizabeth Claman (trans.) (New York: Columbia University Press, 1992), p. 95.
  6. ينظر: Mona Ozouf, Festivals and the French Revolution (Cambridge: Harvard University Press, 1988); لت لحيل مفصل بشأن حذف بعض ذكريات الثورة، ينظر أيضًا: Shahid Amin, Event, Metaphor and Memory, Chauri Chaura 1922 - 19 92 (Berkely, CA: University of California Press, 1995). كيف يتم تحويل ذكريات من الذاكرة القومية أو حذفها؟ للمناقشات حول الذاكرة الجماعية في مقابل الذاكرة التاريخية، ينظر: Susan Crane, "Writing the Individual Back into Collective Memory," The American Historical Review , vol. 102 , no. 5 (December 1997), pp. 1372 - 1385. تحذير ألون كونفينو من مخاطر تجزئة دراسات الذاكرة بطريقة من شأنها أن تحوّلها إلى دراسات فولكلورية (مصط حلي)، وكذلك تحذيره من ضرورة عدم اقتصار الذاكرة على الأيديولوجيا، ينظر: Alon Confino, "Collective Memory and Cultural History," The American Historical Review , vol. 102 , no. 5 (December 1997), pp. 1386 - 1483.

على الذاكرة الرسمية ل حلرب، بل أيضًا محاولة فهم معايير هذا الاعتراض والطرائق التي ساعدت في تشكيل مفاهيم متعددة للهوية الوطنية العراقية بين مختلف الأفراد والجماعات7. اللافت أنه، إلى سبعينيات القرن العشرين، كان يتوافر في الخطاب الوطني العراقي بعض الإجماع على معنى الحرب الكبرى وتأثيرها. فقد تشكّل العراق بوصفه دولة قومية في أعقاب الحرب الأولى، مثله مثل جارته سورية، وكان ذلك من صنع القوى الاستعمارية، حيث دُمجت الذاكرة الجماعية ل حلرب بنجاح في سورية في السردية الوطنية. وتمحورت هذه الذاكرة حول الاضطهاد

العثماني والتفكك الاجتماعي الكبير الناجم عن التعبئة والتجنيد الإجباري، والمجاعة التي أدّت إلى هجرة جماعية. وتركزت ذاكرتها

السياسية على القمع العثماني للتطلّعات القومية العربية، بدءًا من أواخر العهد العثماني، وإعدام القادة القوميين في دمشق، في

20 آب/ أغسطس 1915، ويجري إحياء ذكرى هذه المناسبة حتى اليوم في يوم الشهداء، فضلًا عن مقاومة القوميين الذين انضموا إلى الثورة العربية الكبرى في عام 1916، ودخلوا منتصرين إلى دمشق، بقيادة فيصل بن الشريف حسين، وأسسوا أول دولة عربية (1920). وعلى الرغم من أن الفرنسيين هزموهم في العام نفسه، فإن الذاكرة الجماعية ل حلرب ومخلّفاتها كانت مشاركة العرب في صنع تاريخهم الحديث8. لم تنشأ مثل هذه الذاكرة ل حلرب في العراق، بل إن الثورة ضد البريطانيين، التي تُذكّر بثورة عام 1920، هي

التي رسّخت الذاكرة الجماعية للعراقيين؛ باعتبارها الحدث الوحيد الذي صاغ هويتهم الوطنية9. وهذا لا يعني أن النظام الملكي،

الذي أُسّس بمساعدة البريطانيين، لم يحاول خلق ذاكرة ل حلرب بوصفها نقطةَ تحوّل في تشكيل الأمة العراقية، لكنها جاءت في

مقابل ذكريات فردية وإقليمية وجماعية متباينة ل حلرب10. وقد واجه النظام الملكي، الذي كان في نظر الكثير من معارضيه مشروعًا

أجنبيًا، استورد البريطانيون قائده من الجزيرة العربية ونصّبوه، معارضة قوية من قطاعات المجتمع العراقي التي اعترضت على ذاكرته

الرسمية ل حلرب. لماذا فشلت أجندة النظام الملكي في إحياء ذكرى الحرب الكبرى في العراق؟ كيف تم الطعن فيها؟ سأجادل في هذه الدراسة بأن حتى إطاحة النظام الملكي في ثورة عام 1958 كانت ذكرى الحرب العالمية الأولى عنصرًا مهمًا في تشكيل هوية وطنية عراقية متعددة

الأوجه، لكنها بقيت متجَّزَأةً. حتى الخمسينيات، لم يكتب العراقيون سوى القليل من المذكرات التي تشمل تجربتهم في الحرب.

وجاء القليل الموجود من ذكريات الحرب في شكل شعر أو مقالات قصيرة في الصحافة أو في قصص شعبية. كان يجمع بين هذه

الذكريات عن الحرب مزاجٌ معادٍ للاستعمار، غير محدد المعالم، تجلّى في صور متعددة منها القومية والعثمانية والعراقية والإسلامية.

أنشأت ثورة عام 1958 التي بشّرت بالجمهورية مساحة للأصوات المتصارعة داخل النخب الثقافية والسياسية العراقية الجديدة، لإعادة

7  وجهات النظر المختلفة للذاكرات الكردية واليهودية والمسيحية ل حلرب. لن أستطيع مناقشتها كلها في هذه الدراسة المختصرة.

8  Elizabeth Thompson, Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege in French Syria and Lebanon (New York: Columbia University Press, 2000);

عن الذاكرة الوطنية ل حلرب، بوصفها ولادة للأمة العربية السورية بقيادة قادة الثورة العربية الكبرى التي كذّبتها الحقائق على الأرض، ينظر:

James Gelvin, Divided Loyalties, Nationalist and Mass Politics in Syria at the Close of the Empire (Berkeley: University of California Press,

9  لا يزال هناك جدل حول طبيعة ثورة عام 1920، وأهمية اختلاف الجهات الفاعلة (قبلية، دينية، حضرية). بدأت المناقشات في خمسينيات القرن الماضي، مع صعود

القوة السياسية القبلية التي بقيت إلى يومنا هذا. من أجل المزيد حول حوادث الخمسينيات، ينظر: علي بازركان، الواقع الحقيقي في الثورة العراقية (بغداد: مطبعة أسعد،

1954)؛ فراتي، على هامش الثورة العراقية الكبرى (بغداد: شركة النشر والطباعة، 1952)؛ الأكثر إثارة للجدل هو تفكير عالم الاجتماع العراقي، علي الوردي، الذي أكد

الطابع القبلي للثورة. ينظر: علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مج 5 (بغداد: مطبعة الأديب، 1978.) 10  لمزيد من الت لحيل لتاريخ العراق خلال هذه الفترة، ينظر:

Hanna Batatu, Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq (Princeton: Princeton University Press, 1978); Sami Zubaida, "The Fragments Imagine the Nation: The Case of Iraq," International Journal of Middle East Studies , vol. 34 , no. 2 , Special Issue: Nationalism and the Colonial Legacy in the Middle East and Central Asia (May 2002), pp. 205 - 215.

  1. وجهات النظر المختلفة للذاكرات الكردية واليهودية والمسيحية ل حلرب. لن أستطيع مناقشتها كلها في هذه الدراسة المختصرة.
  2. Elizabeth Thompson, Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege in French Syria and Lebanon (New York: Columbia University Press, 2000); عن الذاكرة الوطنية ل حلرب، بوصفها ولادة للأمة العربية السورية بقيادة قادة الثورة العربية الكبرى التي كذّبتها الحقائق على الأرض، ينظر: James Gelvin, Divided Loyalties, Nationalist and Mass Politics in Syria at the Close of the Empire (Berkeley: University of California Press,
  3. لا يزال هناك جدل حول طبيعة ثورة عام 1920، وأهمية اختلاف الجهات الفاعلة (قبلية، دينية، حضرية). بدأت المناقشات في خمسينيات القرن الماضي، مع صعود القوة السياسية القبلية التي بقيت إلى يومنا هذا. من أجل المزيد حول حوادث الخمسينيات، ينظر: علي بازركان، الواقع الحقيقي في الثورة العراقية (بغداد: مطبعة أسعد، 1954)؛ فراتي، على هامش الثورة العراقية الكبرى (بغداد: شركة النشر والطباعة، 1952)؛ الأكثر إثارة للجدل هو تفكير عالم الاجتماع العراقي، علي الوردي، الذي أكد الطابع القبلي للثورة. ينظر: علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مج 5 (بغداد: مطبعة الأديب، 1978.)
  4. لمزيد من الت لحيل لتاريخ العراق خلال هذه الفترة، ينظر: Hanna Batatu, Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq (Princeton: Princeton University Press, 1978); Sami Zubaida, "The Fragments Imagine the Nation: The Case of Iraq," International Journal of Middle East Studies , vol. 34 , no. 2 , Special Issue: Nationalism and the Colonial Legacy in the Middle East and Central Asia (May 2002), pp. 205 - 215.

النظر في تاريخ الحرب العالمية الأولى ودور النخبة القديمة. وشهدت فترة الستينيات والسبعينيات إعادة صوغ ذكريات الحرب، لتصبح ذاكرة قومية جماعية. وتحوّل المزاج المناهض للاستعمار إلى أيديولوجيا مناهضة للإمبريالية؛ إذْ أعادت نخبةٌ شابة صوغَ ذكريات

الأفراد والجماعات المختلفة في رواية النضال الوطني الدائم ضد الهيمنة. بدأ العثمانيون الحرب ضد العراق بالإعلان عن التعبئة العامة، في بداية آب/ أغسطس 1914. وقد شمل ذلك إعادة انتشار الفوج 35، المتمركز في بغداد، إلى القوقاز للقتال في الجبهة الروسية. لم يعُد من أصل 1700 جندي وضابط إلى بغداد، سوى عدد قليل، بينما

هلك الباقون في البرد أو أسرهم الروس. أما الفوج الآخر، فقد نُِق ل من مدينة الموصل إلى حلب. ترك العثمانيون جناح جنوب شرق العراق ليدافع عنه أفراد القبائل غير النظاميين والشرطة الم لحية، إلى جانب فرقة الجيش 38 الضعيفة من حيث القيادة والتموين،

وسرعان ما خسر العثمانيون معظم جنوب العراق. أُسر الآلاف من الجنود والضباط العراقيين والأتراك، وسُجنوا في معسكرات في

الهند، بينما مات آخرون على الجبهة. ولم يبدأ العثمانيون بإعادة تنظيم جبهتهم الشرقية إّلا بعد هذه الهزائم التي لحقت بهم، حيث عيّنوا جنرلًا جديدًا، وأعادوا تشكيل الوحدات العثمانية في الوحدة السادسة للجيش، بمساعدة المارشال الألماني فون دير غولتز.

وقد عاد عليهم هذا الجهد بالنصر في الكوت، غير أنه كان نصرًا مؤقتًا. فقد غيّر البريطانيون قيادتهم ل حلملة، ونقلوها من مكتب الهند

إلى مكتب الحرب في لندن، وعُيّن الجنرال فردريك ستانلي مود لإصلاح ما يمكن إصلاحه في المجهود الحربي لبلاد الرافدين11. تمّ التصدي للتعبئة العثمانية لرعاياها العراقيين بالمحاولات البريطانية لكسب قلوبهم وعقولهم. وبذل عدد من المسؤولين

البريطانيين، من بينهم السيدة جيرترود بيل الشهيرة (1868 - 1926)، جهودًا لشراء ولاءات سكان القبائل العراقية في الجنوب12.

تزامنًا مع هذه الجهود، حضّر مكتب الشؤون العربية في القاهرة، الذي كان تحت الحكم البريطاني، الشريف حسين [أمير] مكة،

ليكون القائد المحتمل للثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين. حصل الشريف حسين على وعود غامضة بشأن قيادة الدولة العربية المستقلة، مقابل المساعدة التي قدّمها للبريطانيين. وأعلن ثورته التي أصبحت تعرف في التاريخ العربي ب "الثورة العربية الكبرى" في

10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1916. وعلى الرغم من أن الدولة الموعودة لم تشمل العراق، فإن البريطانيين بدؤوا بتجنيد الضباط والجنود العراقيين، خاصة الموجودين منهم في سجون الحرب في الهند، للانضمام إلى الثورة، وفي ذلك أثبتوا نوعًا من النجاح. وحينما حان

وقت دخول فيصل إلى دمشق في عام 1918، استُقدم جزء كبير من الضباط الشريفين من العراق، وأصبحوا العمود الفقري للنظام

الملكي العراقي الذي أُسّس في عام 1921، وتولّى فيه فيصل الأول الحكم. بين عامَي 1918 و 1920، حكم البريطانيون العراق بالطريقة نفسها التي حكموا بها الهند، معتمدين في ذلك على الأعيان

التقليديين وزعماء القبائل لتعزيز سلطتهم، وذلك بإرساء أسس الإدارة المدنية13. وتجنّبوا النخب المثقفة في المناطق الحضرية

الناشطة خلال الفترة العثمانية في مختلف التنظيمات السياسية التي دعت إلى نوع من الحكم الذاتي للمقاطعات العربية، أو الذين

11  محمد أمين العمري، تاريخ حرب العراقخلال الحرب العظمى سنة 1914 - 1918، مج 1 - (بغداد: المطبعة العربية 2، 1935)؛ علي الوردي، لمحات اجتماعية

من تاريخ العراق الحديث، مج 4 (بغداد: مطبعة المعارف، 1974). كان مجلدا العمري أولَ تاريخ عسكري ل حلرب، وكان من المفترض أن يكون كتابه هذا كتابًا مدرسيًا

لطلاب أكاديمية العراق العسكرية. وكان العمري ضابطًا في الجيش العثماني، وحافظ على ولائه ل حلكومة العثمانية حتى سقوط الموصل، مسقط رأسه. بالنسبة إلى الجانب

البريطاني من الحرب حتى عام 1917، ينظر:

Mesopotamia Commission, Report of the Commission Appointed by Act of Parliament to Enquire into the Operations of War in Mesopotamia, together with a Special Report by Commander J Wedgwood, DSO, MP, and Appendices (London: His Majesty's Stationary Office, 1917). 12  Lady Florence Bell (ed.), The Letters of Gertrude Bell , vol. 2 (New York: Boni and Liveright, 1927); The Arab War, Confidential Information for General Headquarters from Gertrude Bell , Being Despatches from The Secret "Arab Bulletin," Kinahan Cornwallis (Intr.) (London: The Golden Cockerel Press, 1940).

13  يفحص دودج النزعة الإمبراطورية التي عارضت بناء السياسة البريطانية في العراق، ينظر:

Tobias Dodge, Inventing Iraq (New York: Columbia University Press, 2004).

  1. محمد أمين العمري، تاريخ حرب العراقخلال الحرب العظمى سنة 1914 - 1918، مج 1 - (بغداد: المطبعة العربية 2، 1935)؛ علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مج 4 (بغداد: مطبعة المعارف، 1974). كان مجلدا العمري أولَ تاريخ عسكري ل حلرب، وكان من المفترض أن يكون كتابه هذا كتابًا مدرسيًا لطلاب أكاديمية العراق العسكرية. وكان العمري ضابطًا في الجيش العثماني، وحافظ على ولائه ل حلكومة العثمانية حتى سقوط الموصل، مسقط رأسه. بالنسبة إلى الجانب البريطاني من الحرب حتى عام 1917، ينظر: Mesopotamia Commission, Report of the Commission Appointed by Act of Parliament to Enquire into the Operations of War in Mesopotamia, together with a Special Report by Commander J Wedgwood, DSO, MP, and Appendices (London: His Majesty's Stationary Office, 1917).
  2. Lady Florence Bell (ed.), The Letters of Gertrude Bell , vol. 2 (New York: Boni and Liveright, 1927); The Arab War, Confidential Information for General Headquarters from Gertrude Bell , Being Despatches from The Secret "Arab Bulletin," Kinahan Cornwallis (Intr.) (London: The Golden Cockerel Press, 1940).
  3. يفحص دودج النزعة الإمبراطورية التي عارضت بناء السياسة البريطانية في العراق، ينظر: Tobias Dodge, Inventing Iraq (New York: Columbia University Press, 2004).

أيّدوا الحكومة التركية الحديثة. ومع ذلك، بدأت نواة من العراقيين المعارضين ل حلكم البريطاني بتنظيم جمعيات سرية، بعد أن

سحبوا عضويتهم وقيادتهم من مختلف الدوائر الانتخابية العراقية. كان بعضهم متمركزًا في المدن المقدسة الشيعية، في النجف

وكربلاء والكاظمية، في حين تجاوز الآخرون الخطوط الطائفية والإقليمية. إّلا أن معظم المعارضة كان في بغداد، وفي منطقة وسط الفرات والجنوب. في عام 1920، ساهمت عدة عوامل في انتفاضة ضخمة، تجاوزت الخطوط القبلية والطائفية، منها فرض الانتداب البريطاني الرسمي من عصبة الأمم على العراق، وزوال الدولة العربية بقيادة فيصل في سورية. دفعت ثورة عام 1920 البريطانيين إلى إعادة النظر في أسس حكمهم، وقد ساعد مؤتمر القاهرة في عام 1921 في وضع السياسة البريطانية الجديدة. وتمّ تنصيب فيصل ابن

الشريف حسين، الذي هُزم في سورية في عام 1920، ملكًا على العراق، وحكم البريطانيون العراق بصفة غير مباشرة. يُعدّ عام 1921

بداية جديدة بالنسبة إلى فيصل وأنصاره البريطانيين والضباط العراقيين الذين تبعوه من الحجاز إلى سورية، ثم إلى العراق. واعتبره الآخرون نهاية غامضة، إذا لم نقُل كارثية، لكل أمل في إقامة عراق مستقل يحكمه العراقيون14. كانت الطريقة التي تم بها إحياء ذكرى الحرب الكبرى، وتذكّرها، بمنزلة استفتاء على من أنشأ العراق الحديث، الذي ساهم في تشكيل ذاكرة حديثة له. كان إنشاء الدولة العراقية في ظل النظام الملكي، بالنسبة إلى فيصل وأنصاره، قد شكل محور الشعور بالهوية

الوطنية الحديثة في العراق. وقد ارتبط هذا الشعور ارتباطًا وثيقًا في الذاكرة الرسمية بماضٍ عربي وبثقافة عربية، حيث كانت الثقافة العراقية مجرد نسخة مختلفة منها. ربط أولئك الذين تحدّوا هذه النسخة من التاريخ حكمه وحكم خلفه بالاضطهاد الاستعماري.

بالنسبة إليهم، ذكريات الأمة العراقية، بغض النظر عن التعريف الناقص، سبقت حكمه في عام 1921. في حين كانت تجري محاولات رسمية لصوغ ذاكرة عراقية متجانسة ل حلرب والتعريف بها، سعت ذكريات أخرى مشتّتة عن الحرب، لكن لا تقلّ قوّة عنها، لتقويض

صورة الحرب، باعتبارها معركةً بطولية من أجل الأمة. كانت المعاناة الإنسانية والتفكك الاجتماعي والثقافي الذي سببته الحرب واضحة في فترة ما بين الحربين. إنّ العودة الصعبة إلى الديار وحال أسرى الحرب القدامى، وقوانين المواطنة والأسياد المستعمرين الأجانب والموظفين الحكوميين المستعمرين الهنود، ودور السينما، وأسماء الشوارع الجديدة، وتماثيل شُيّدت لتكريم الغزاة، كان

ذلك كله مرتبطًا بما سمّاه الشاعر خيري الهنداوي "عهد السقوط" أو "عصر التدهور"، ملمحًا إلى سقوط بغداد في يد البريطانيين،

وإلى ما اعتبره هو وآخرون عصرًا من الليونة والارتباك15. إن الارتباك والغموض هما اللذان يكذّبان الذاكرة الرسمية ل حلرب الكبرى،

باعتبارها زمن "النهضة"، زمنًا جلبت فيه النخبة المستنيرة الحداثة، وحرّرت العراقيين من الاحتلال العثماني. كانت سياسة فيصل لصوغ ذاكرة الحرب وتأسيس العراق الحديث بسيطة على نحوٍ مضلل. فالثورة العربية الكبرى ستكون هي الذاكرة العراقية المحددة ل حلرب، وسيُكرّس هو نفسه بصفته مؤسسًا للدولة الجديدة. وعلاوة على ذلك، ستصبح سياسة خلق

ذاكرة الماضي العربي، الذي كان العراق مساهمًا رئيسًا فيه، ركنًا أساسيًا للهوية الجديدة. كانت هذه السياسة مسكونية في مقاربتها

مختلف الطوائف في العراق، لكنها كانت إشكالية للغاية بالنسبة إلى الأقلية الكردية. وبعد وقت قصير من تنصيب هذه السياسة في السلطة، خصصت حكومة فيصل عيدًا وطنيًا لإحياء ذكرى اليوم الذي أعلن فيه الشريف حسين ثورته الكبرى. وفي عام 1924، تضمن

الاحتفال موكبًا عسكريًا للجيش العراقي الفتي ووضع حجر الأساس لجامعة آل البيت16. وأطلق على الاحتفال اسم "عيد النهضة"،

في إشارة إلى نهضة الأمة العراقية/ العربية من سُبات عميق. وطوال العشرينيات، وبصفة أكبر في الثلاثينيات، في الاحتفالات وفي

المناهج التعليمية، ارتبطت النسخة الملكية لما تعنيه هذه الصحوة بتسجيل الحرب الكبرى وتأسيس الدولة بوصفها محورًا لولادة

14  Peter Sluglett, Britain in Iraq, 1914 - 19 32 (London: Ithaca Press, 1976).

15  الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4، ص 344. 16  "تقرير عن بدء إحياء الذكرى عام 1924 "، البلاد (بغداد)، 24 / 3 / 1930، ص 2.

  1. Peter Sluglett, Britain in Iraq, 1914 - 19 32 (London: Ithaca Press, 1976).
  2. الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4، ص 344.
  3. تقرير عن بدء إحياء الذكرى عام 1924 "، البلاد (بغداد)، 24 / 3 / 1930، ص 2.

الذاكرة الوطنية العراقية الحديثة17. وب لحول الثلاثينيات من القرن العشرين، نجحت الحكومة في إعادة تسمية معظم شوارع بغداد الرئيسة بأسماء الزعماء العرب والمسلمين18. وكان الهدف من إعادة تسمية شبكة بغداد المكانية هذه، هو إعادة تعزيز هذا الإحساس بعصر جديد، وُلد في خضم الحرب الكبرى وتأصيل هذه الهوية في الماضي العربي العراقي. وقع الصراع حول تراث الحرب في عدة منتديات عامة، ولا سيما في وقت التفاوض وإعادة التفاوض على المعاهدة العراقية - الإنكليزية التي حدّدت العلاقة بين النظام الملكي وبريطانيا. أهتم هنا بتناول التحدي الذي واجهته الذاكرة الرسمية ل حلرب التي

دارت حول محاولات تخليد ذكراها. وسأركز، على وجه الخصوص، على المحاكمات العلنية لصحافيَين متهمَين بالتشهير بالثورة

العربية الكبرى والملك فيصل. في آب/ أغسطس 1930، قدّمت الدولة العراقية علي أفندي محمود ناشر صحيفة صوت العراق

للمحاكمة، بتهمة التشهير بذكرى الثورة العربية الكبرى في عام 1916، وببعض رجال السلطة المرتبطين بالثورة. وكتب أن الثورة كانت لها عواقب وخيمة على العرب والعراقيين. فقد أدت إلى إخضاعهم ل حلكم الاستعماري وصعود نخبة حاكمة في العراق مرتبطة به19. شكك المدعى عليه في كيفية ربط الوطنية بالثورة، وأكد أن هناك وطنية أخرى غير مرتبطة لا بالثورة الكبرى، ولا بفيصل والهاشميين. قال محاميه داود السعدي: "الحقيقة أن موكلنا كان في سن مبكرة وقت الثورة العربية الكبرى، وكان غير قادر على تقييم عواقبها. أما الآن فقد نضج، واستطاع أن يدرس الثورة وأسبابها ونتائجها وأفعال رجالها. وقد خلص إلى نتيجة مفادها أن الثورة لم تكن في مص حلة الدول العربية، سواء من حيث المبدأ أو النتيجة، وأن تصرفات بعض رجالها، ولا سيما رجال السلطة، تشهد بأنها كانت في صالح دول ال لحفاء "20. كان تشكيك الصحافي في إحياء ذكرى الثورة الكبرى، باعتبارها محورية في تكوين الأمة العراقية، صفعةً في وجه المشروع الهاشمي برمّته. لم ينشئ الهاشميون دولة عربية مستقلة، ولا هم حرروا العراق. في الواقع أن أصل الثورة برمّتها موضع شك، لارتباطها

بالقوى الاستعمارية. لقيت محاكمة علي أفندي محمود، وهي واحدة من عدة محاكمات تتعلق بالصحافة، جرت في الثلاثينيات في خضم جهود الحكومة لإصلاح قوانين الرقابة العثمانية، اهتمامًا وحضورًا عاليَين21. تزامن ذلك مع إعادة التفاوض على المعاهدة

الأنجلو-عراقية التي مهّدت لانضمام العراق إلى عصبة الأمم بوصفه دولةً مستقلةً، حتى إن كان ذلك تحت قيود الاستعمار الجديد.

أثارت المعاهدة سخرية منتقديها، لمحاولة النخب الحاكمة في العراق، والعديد منهم من قدامى المحاربين في الثورة العربية الكبرى، تكريس الثورة باعتبارها الذاكرة المميزة ل حلرب التي حقق فيها العراقيون أهدافهم الوطنية. تم إحياء التحدي للذاكرة الرسمية ل حلرب مجددًا في محاكمة عام 1947. في 21 آذار/ مارس من العام نفسه، نشرت صحيفة

راية الاستقلال، لسان حال حزب الاستقلال المعارض، قصيدة بعنوان "تمثال الاستعباد"، في إشارة إما إلى تمثال الجنرال مود، وإما إلى تمثال فيصل الأول. وكان الأخير قد أمر ببناء التمثال قبل وفاته في عام 1933 بفترة وجيزة22. وقد وضعه بالقرب من تمثال

17  للاطلاع على الصراع على الرسالة التربوية للعراق، ينظر: سامي زبيدة، "الشظايا تتخيل أمة: حالة العراق"، في: كيف نقرأ العالم العربي اليوم؟ رؤى بديلة في

العلوم الاجتماعية، إيمان حمدي [وآخرون] (محررون)، ترجمة شريف يونس (القاهرة: دار العين للنشر، 2013)، ص 212 - 214؛

Reeva Simon, Iraq between the Two World Wars: The Creation and Implementation of a Nationalist Ideology (New York: Columbia University Press, 1986).

18  فخري الزبيدي، بغداد من 1900 حتى 1934 الجامع من المفيد والظريف، ج 1 (بغداد: دار الحرية للنشر والطباعة، 1990)، ص 296، 304 - 307. 19 البلاد، بغداد (آب/ أغسطس–تشرين الأول/ أكتوبر 1930)، ص 2 - 3. 20  المرجع نفسه، ص 3. 21  حول هذه المحاكمات وهشاشة حياة الصحافة خلال هذه الفترة، ينظر: روفائيل بطي، الذاكرة العراقية 1900 - 56 19، مج 1 (دمشق: دار المدى، 2000)، ص

131 - 211؛ أحمد فوزي، أشهر المحاكم الصحفية في العراق (بغداد: مطبعة الانتصار، 1985)، ص 7 - 16. وكان بطي من بين روّاد الصحافة العراقية ومؤسس صحيفة

البلاد، ومنه ومنها أخذت محاكمة محمود. 22  الزبيدي، ص 307.

  1. للاطلاع على الصراع على الرسالة التربوية للعراق، ينظر: سامي زبيدة، "الشظايا تتخيل أمة: حالة العراق"، في: كيف نقرأ العالم العربي اليوم؟ رؤى بديلة في العلوم الاجتماعية، إيمان حمدي [وآخرون] (محررون)، ترجمة شريف يونس (القاهرة: دار العين للنشر، 2013)، ص 212 - 214؛ Reeva Simon, Iraq between the Two World Wars: The Creation and Implementation of a Nationalist Ideology (New York: Columbia University Press, 1986).
  2. فخري الزبيدي، بغداد من 1900 حتى 1934 الجامع من المفيد والظريف، ج 1 (بغداد: دار الحرية للنشر والطباعة، 1990)، ص 296، 304 - 307.
  3. البلاد، بغداد (آب/ أغسطس–تشرين الأول/ أكتوبر 1930)، ص 2 - 3.
  4. المرجع نفسه، ص 3.
  5. حول هذه المحاكمات وهشاشة حياة الصحافة خلال هذه الفترة، ينظر: روفائيل بطي، الذاكرة العراقية 1900 - 56 19، مج 1 (دمشق: دار المدى، 2000)، ص 131 - 211؛ أحمد فوزي، أشهر المحاكم الصحفية في العراق (بغداد: مطبعة الانتصار، 1985)، ص 7 - 16. وكان بطي من بين روّاد الصحافة العراقية ومؤسس صحيفة البلاد، ومنه ومنها أخذت محاكمة محمود.
  6. الزبيدي، ص 307.

الجنرال مود، فاتح بغداد، في إحدى الحدائق الغربية للمدينة في منطقة الكرخ. بنى البريطانيون التمثال بعد فترة وجيزة من وفاة مود في عام 1917، وأصبح مركزًا لإحياء الذكرى الرسمية البريطانية في يوم الجندي المجهول24. باسم مستعار، تساءل الشاعر عن وظيفة

التمثال وقيمته في الجهة الغربية للمدينة. وادّعى أنه جلس متغطرسًا، يسخر من الشعب. ولم يكن هناك ما يبرر هذه الغطرسة. وقد

تساءل الشاعر، متهكمًا: "هل كان الشخص الذي يمثله قد قاد الجيوش العربية إلى النصر؟"، و"هل هزم الأعداء وصنع تاريخًا مجيدًا

للأمة؟"25. واصل الشاعر قائلًا إن التمثال عبارة عن رمز للعبودية والحقوق الضائعة. كان من الواضح أن القصيدة تستهدف تمثال فيصل الأول، وقد أثارت رًّدًا قوًّيًا من الحكومة. اعتُقل مدير الصحيفة قاسم حمودي، وجرى تفتيش مكاتبها. وبعد ذلك بفترة وجيزة، رُفعت قضية حكومية ضد الصحيفة

ومديرها. وفي الشهور القليلة التالية، استمرت المحاكمة حتى آب/ أغسطس من السنة نفسها، وقد تلى ذلك نقاش مدرسي حول معنى الأسطر الثمانية من القصيدة. ناقش محامي الدفاع والخبراء والشهود، بأن البناء اللغوي والنحوي للقصيدة يشير إلى تمثال مود، إّلا أن الادّعاء، مستعينًا بخبرائه، شدّد على أن الشاعر كان يقصد تمثال فيصل26. لقيت محاكمة الشاعر صدى لم تلقه محاكمة عام

1930، التي جاءت بعد أن غزا البريطانيون العراق مرة أخرى في عام 1941، عقب الانقلاب الموالي للمحور، وإعادة تنصيب الملكية الهاشمية. كانت هشاشة ادّعاء النظام الملكي أنه قد أطلق عصر الصحوة واضحة بصفة خاصة في الحاجة إلى تدخل أجنبي لإنقاذه. كانت مخاوف النظام الملكي من التشكيك في مقولته الرسمية ل حلرب مبرّرًا لها تمامًا. من بداية الحرب إلى غاية الفترة الملكية،

لم تكن هناك ذاكرة مشتركة ل حلرب تشير إلى فترة الاستقلال وتأسيس الأمة، كما لم يتذكّر المجتمع العراقي، في كلّ مراحله، الحرب بالطريقة نفسها. لم يكن لدى السكان الشيعة، المنقسمين اجتماعيًا واقتصاديًا وحضريًا وريفيًا، ذاكرة جماعية واحدة ل حلرب. كما

لم يكن لدى السكان السنّة ذاكرة من هذا القبيل. بالنسبة إلى بعض ضباط السنّة الذين انضموا إلى الثورة العربية في الحجاز، كانت

الحرب جزءًا من المسيرة الكبرى للأمة العراقية/ العربية التي بدأت في أواخر العهد العثماني. أما بالنسبة إلى آخرين، فكانت الحرب

علامة على انحلال الدولة العثمانية التي كانوا يشعرون بحس وطني تجاهها. أما بالنسبة إلى بعض الذين اختاروا عدم الانضمام إلى الثورة، فقد كانت الحرب تعني لهم حبسًا طويلًا في معسكرات الاعتقال في روسيا والهند ومصر، ووجد هؤلاء صعوبة في التكيّف مع

الوضع الجديد.

أوالًا: الخطاب الجهادي والتحّولّاات العثمانية

بدأ العثمانيون جهودهم الحربية في العراق، كما هي الحال في أي أماكن أخرى، باستحضار الذكرى الإمبراطورية الإسلامي ة المهددة بانتهاكات القوى المسيحية. كان هذا أسلوبًا مبتذلًا، يلجأ إليه العثمانيون في محاولاتهم المستمرة ل حلصول على دعم

رعاياهم27. وجدت الدعوة إلى الأيديولوجية الجهادية مؤيدين لها بين قطاعات واسعة من الشعب العراقي، خاصة بين رجال الدين الشيعة المقيمين في مرقد الكاظمية المقدس، في ضواحي بغداد، وفي مدينتَي النجف وكربلاء المقدستين، حيث ولّدت الدعوة إلى

23  المرجع نفسه، ص 181 - 212؛ حينما تم الكشف عن تمثال مود في عام 1923، قارنته الصحافة الرسمية بسايروس ملك فارس Persia of king Cyrus، والإسكندر

الأكبر Great the Alexander.

24  فوزي، ص 99. 25  المرجع نفسه، ص 99 - 135؛ ويعيد فوزي إنتاج جزء كبير من الاتهام والشهادات. 26  للاطلاع على حياة النبي محمد ومعاركه في أثناء الحرب، ينظر:

Gottfried Hagen, "The Prophet Muhammad as an Exemplar in War: Ottoman Views on the Eve of World War I," New Perspectives on Turkey , vol. 22 (Spring 2000), pp. 145 - 172.

  1. فوزي، ص 99.
  2. المرجع نفسه، ص 99 - 135؛ ويعيد فوزي إنتاج جزء كبير من الاتهام والشهادات.
  3. للاطلاع على حياة النبي محمد ومعاركه في أثناء الحرب، ينظر: Gottfried Hagen, "The Prophet Muhammad as an Exemplar in War: Ottoman Views on the Eve of World War I," New Perspectives on Turkey , vol. 22 (Spring 2000), pp. 145 - 172.
  4. 23  المرجع نفسه، ص 181 - 212؛ حينما تم الكشف عن تمثال مود في عام 1923، قارنته الصحافة الرسمية بسايروس ملك فارس Persia of king Cyrus، والإسكندر الأكبر Great the Alexander.

الوحدة في مواجهة تهديدات الكفار تأييدًا م حلوظًا28. احتاج العثمانيون إلى هؤلاء العلماء لتجنيد القوة القتالية للقبائل الشيعية في

جنوب العراق. وقد استجاب الكثير منهم للعثمانيين، لكن ذكرى الحرب للشيعة كانت متأثرة بالصورة الشيعية؛ فبدلًا من الدعوة إلى مبايعة آل عثمان وخليفتهم السنّي، استخدم رجال الدين صور الدفاع ضد الكفار، ودعوا إلى رفع راية الحيدر، وهي راية شيعية، في

القتال ضد الإنكليز. وكان وقوفهم البطولي ضد الكفار، على الرغم من اضطهاد العثمانيين لهم، هو الأهم. ولهذا السبب كان على السنّة والشيعة أن يجتمعا معًا. ومن ثمّ، حينما بدأ الإمام السيد مهدي الحيدري، شيخ علماء الكاظمية، رحلته إلى الجنوب لقيادة

القبائل الشيعية، انضم إليه كل من السنّة والشيعة29. خلال تجمعات الحسينية لإحياء ذكرى استشهاد الحسين بن علي على يد

الأمويين (10 محرم 61 ه/ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 680 م)، جاء السنّة والشيعة للاستماع إلى الخطابات التي تشبّه معركة الحسين

بمعركة الشيعة والسنّة في مواجهة الكفار30. خلال هذه المعركة، كان أنصار السيد المهدي ينشدون: سيد مهدي ركن الدين نمشي للجهاد ويّاه نمشي بقوتك يا دين يا طارش لإنكلترا وفرنسا ولروسيا إن ما تطيع لحكمنا بالسيف نقطع روسها حيدر، يا عزنا وسور لنا31. على الرغم من هذه الذاكرة الجهادية للدفاع عن الدين ضد الكفار، فإن شيعة العراق لم يجدوا في هذه الدعوة من القوة ما يمنعهم من التمرّد. وسرعان ما تبدّد الدعم الأوّلي الذي أبدته مدينتا النجف وكربلاء المقدستان للعثمانيين. ففي عام 1915، تمرّدت

النجف وكربلاء والحِلّة على العثمانيين، وأدّى هذا التفكك الناجم عن تدفق الجنود العراقيين الفارّين، من الجيش العثماني إلى

المدن، إلى تأجيج التمردات. يتذكر عالم الاجتماع علي الوردي، في كتاباته في السبعينيات، أن والده الذي كان موظفًا شيعيًا، قد

هرب آنذاك أولًا إلى قبيلة بني أسد، ثم إلى النجف. ولم يعد إلى الجيش، إّلا بعد أن اتخذ العثمانيون إجراءات صارمة ضد الفارين من الجيش، وهددوا باحتجاز أفراد من أسرهم رهائن إذا لم يلتحقوا بالخدمة32. يصور التاريخ الم لحي للمدن هذه التمردات باعتبارها نتيجةً لسوء الإدارة والقمع العثماني. كان الشيعة الآخرون أقل تمسّكًا بهذه النسخة من الذاكرة الجماعية ل حلرب، فقد وجدوا أن تجربتهم المعيشة ل حلرب،

وذاكرتهم عنها، كانت أقرب إلى مجتمعهم السنّي الحضري المثقف السياسي، مقارنة بالشيعة الآخرين. تشاركوا مع السنّة الآخرين

فكرة أن العراق عربي، لكن ليس بالضرورة أن يكون تحت حكم الهاشميين. لقد واجهوا بتجربتهم تلك تجربة القبائل الشيعية، وفي

27  الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4، ص 130 - 131. جنّد العثمانيون حميد كليدار من عائلة شيعية كانت محتفظة بمفاتيح مقبرة الإمام موسى الكاظم في الكاظمية.

ووجّهوا رسالة إلى رجال الدين في النجف، يطالبون فيها بإصدار فتوى الدعوة إلى الجهاد ضد الكفار. كما تمّت استمالة زعماء القبائل الشيعية، خاصة قبيلة الفرات الأوسط

في فتلة. 28  أحمد الحسين، الإمام الطاهر: السيد مهدي الحيدري (النجف: مطبعة الأدب، 1966)، ص 30 - 34. 29  طالب مشتاق، أوراق أيامي 1900 - 58 19 (بيروت: دار الطليعة، 1968)، ص 9 - 16؛ كان مشتاق يقيم في الكاظمية، وهو سنّي، تذكّر حضوره في الحسينية وصلاته

في الكاظمية خلال هذه الفترة، ينظر أيضًا: الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4، ص 131.

30  المرجع نفسه، ص 132. 31  المرجع نفسه، ص 120.

  1. الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4، ص 130 - 131. جنّد العثمانيون حميد كليدار من عائلة شيعية كانت محتفظة بمفاتيح مقبرة الإمام موسى الكاظم في الكاظمية. ووجّهوا رسالة إلى رجال الدين في النجف، يطالبون فيها بإصدار فتوى الدعوة إلى الجهاد ضد الكفار. كما تمّت استمالة زعماء القبائل الشيعية، خاصة قبيلة الفرات الأوسط في فتلة.
  2. أحمد الحسين، الإمام الطاهر: السيد مهدي الحيدري (النجف: مطبعة الأدب، 1966)، ص 30 - 34.
  3. طالب مشتاق، أوراق أيامي 1900 - 58 19 (بيروت: دار الطليعة، 1968)، ص 9 - 16؛ كان مشتاق يقيم في الكاظمية، وهو سنّي، تذكّر حضوره في الحسينية وصلاته في الكاظمية خلال هذه الفترة، ينظر أيضًا: الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4، ص 131.
  4. المرجع نفسه، ص 132.
  5. المرجع نفسه، ص 120.

بعض الأحيان حتى رجال الدين الشيعة. كان علي بازركان بغداديًا، وعلى علاقة جيدة بالمجتمع التجاري الشيعي في المدينة، وكان

مؤسسًا لأول مدرسة شيعية علمانية خلال سنوات الحكم العثماني المتضائلة. دعم هو وغيره من الشيعة من المجتمع التجاري في

بغداد المجهود الحربي العثماني، مع بعض التحفّظات. وفي نهاية الحرب، شكّل هو وغيره من أهل السنّة، سواء كانوا مؤيدين سابقين

للعثمانيين أم معارضين لهم، جمعية سرّية معادية لبريطانيا، سُمّيت "حراس الاستقلال". تمثّلت مهمتهم في الدعوة إلى الاستقلال

التام للعراق. تعاون أعضاؤها مع جمعية سرّية أخرى تُدعى "العهد"، أ سّست أساسًا من ضباط جيش عثمانيين سنّة، في عام 1913، وقد

دعا أعضاؤها إلى استقلال عربي تحت سلطة الحكم العثماني. وب لحول عام 1920، كان بازركان ناشطًا في تعبئة الدعم بين القبائل الشيعية والعلماء لثورة عام 1920 المناهضة للبريطانيين. في عام 1954، نشر كتابًا عنوانه الوقائع الحقيقية للثورة العراقية (1920).

كان الكتاب ردًا على ادّعاء فريق مظهر الفرعون، رئيس قبيلة آل فتلة الشيعية، بأن هؤلاء الضباط العراقيين الذين كانوا في الجيش

العثماني، وشكّلوا العهد وحرس الاستقلال، لم يقفوا حقًا في وجه البريطانيين. وكان هذا الشرف يخص رجال الدين الشيعة والقبائل الشيعية، مثل آل فتلة. على الرغم من أن الزعيم القبلي وبازركان كانا يدّعيان إرث ثورة عام 1920، فإن كليهما رأى أن من المناسب

تحديد أصول نشاطهما؛ ومن ثم شرعية مطالبهما في السنوات قبل الحرب وفي أثنائها. كان رد بازركان على اتهامات فرعون وخيمًا.

قام زعيم قبيلة آل فتلة بتشويه التاريخ؛ بسبب العداء القديم الذي كانت تُكنّه القبائل تجاه طبقة المسؤولين العثمانيين في المدن

العراقية التي كانت تُعرف باسم الأفندية. في الواقع، كانت هذه الفئة، وهم المتنورون، الوحيدين القادرين على قيادة حركة وطنية.

كان أبناء القبائل الذين يرتدون الزي التقليدي (المعقلون)، في الواقع، أسيادًا إقطاعيين، يعملون من أجل مصالحهم الخاصة؛

حيث يُغيّرون الُولُاة وفقًا لمن يدفع لهم أعلى سعر. كان تأكيد فرعون أن قبيلته كانت في طليعة النضال الوطني ضد العثمانيين، ثم

البريطانيين، قراءة خاطئة للواقع، ومحاولة لإلباس الوعي الوطني ما كان سمة متأصلة في القبائل للتمرد على السلطة. وفي ما يتعلق بادّعاء فرعون أن تمرد النجف وكربلاء على العثمانيين في عام 1915، ثم على البريطانيين في ما بعد، كان وطنيًا بحتًا، فينبغي للكاتب

أن يتذكّر أنّ طليعة الحضريين المتنورين هي التي أعطت ما كان في الأساس انتفاضة دينية أجندة وطنية. وقد ظهرت هذه الثنائية الحضرية/ - القبلية في عدد من المذكرات التي كتبها ضباط الجيش الذين خاضوا الحرب، خاصة في منطقة وسط الفرات، وفي جنوب العراق، وفي الحجاز مع الجيوش الشريفية. فقد كتب علي جودت، الذي أصبح بعد ذلك رئيسًا

للوزراء، أن الوحدات القبلية التي حشدها العثمانيون كانت غير موثوقة، وكانت تفرّ من الجيش في منتصف المعارك، وغالبًا ما كانت

هذه القبائل تسرق الجنود الذين كان من المفترض أن يكونوا حلفاءهم. عندما هُزم الجيش العثماني في الشعيبة، في عام 1914، فرّ

جودت إلى سوق الشيوخ، وهي بلدة قبلية في جنوب العراق. إّلا أنه كان أكثر تخوفًا بشأن مضيفي قبائله من البريطانيين الذين أخذوه في نهاية المطاف أسيرًا33. تذكّر علي بازركان أنه، في عام 1916، زاره ضابط مُضعف ومُنْهك كثيرًا في الجيش العثماني، وكان قد

فرّ للنجاة بحياته من قبائل شمّر وزبيد وربيعة التي كانت تسيطر على الطريق الرابطة بين بغداد والكوت، وتسلب الجنود العثمانيين

المنسحبين من المعارك34. وقد كثرت الأمثلة على عدم موثوقية القبائل وغدرها في مذكرات هؤلاء الحضريين. ولم تبدأ عملية انتقائية لتخليد ذكرى بعض القبائل بوصفها محورية في الذاكرة الوطنية ل حلرب إّلا في أعقاب ثورة عام 1958، كما سنرى، وهي عملية استمرت حتى أواخر العهد البعثي. ربما كانت القضية الشائكة، بالنسبة إلى الجيل الذي نجا من الحرب، هي كيفية صوغ وفهم الانتقال من المواطنة والهوية العثمانية، إلى مواطنة وهوية عراقية. وقد مال التأريخ القومي للنصف الأول من القرن إلى اعتبار أولئك الذين انقلبوا في ولاءاتهم

32  علي جودت، ذكريات (بيروت: مطبعة الوفاء، 1967)، ص 33 - 36 33  بازركان، ص 53 - 54.

  1. علي جودت، ذكريات (بيروت: مطبعة الوفاء، 1967)، ص 33 - 36
  2. بازركان، ص 53 - 54.

خلال الحرب انتهازيين. بل تم تصوير الانقسام الذي ظهر ببساطة، باعتباره انقسامًا بين أولئك الذين كانوا أعضاء ناشطين في

المنظمات القومية العربية، مثل "العهد" في عهد العثمانيين، وقرّروا الانضمام إلى الثورة العربية الكبرى، وأولئك الذين تمسّكوا بالولاء

للدولة العثمانية، حيث ادعى أولئك الذين انضموا إلى الثورة أنهم كانوا فاعلين في تأسيس عراق متعدد الأعراق وغير طائفي، بينما أبحر آخرون في المياه الصعبة لعراق ما بعد الحرب، محاولين إيجاد مكان لأنفسهم فيه، وفي الوقت نفسه مشوبين بخيبة أمل من الطابع شبه الاستعماري للدولة. ومع ذلك، فإن الشعور بالوجود بين رؤية التغيير، وفي الوقت نفسه أن تكون ضحية لهذا التغيير، لا يمكن أن يُصنّف، بكل بساطة، باعتباره تأريخًا قوميًا، ولا ذاكرة ل حلرب التي تميل إلى إدراج التعقيد للتجربة الفردية تحت فئة رسمية

أو أخرى. ولا يتجلّى أي تناقض آخر حول معنى الحرب أكثر وضوحًا مما هو عليه في تجارب أسرى الحرب. ليس لدينا أرقام دقيقة للعراقيين الذين وقعوا في الأسر في أثناء الحرب. ووفقًا لإبراهيم الراوي، وهو ضابط عراقي عثماني انضم لاحقًا إلى الثورة العربية، جرى تجنيد 1700 عراقي في بداية الحرب للذهاب إلى الجبهة الروسية/ القوقازية. لم يعد من هؤلاء سوى

عدد قليل، وهلك معظمهم أو أ سر35. وفي عام 1920، نشر عدد من أسرى الحرب البغداديين في إسطنبول، ومعظمهم من جنود الطبقة العاملة، رسالة في إحدى الصحف اليومية العراقية، يطلبون فيها أمو لًا لمساعدتهم في العودة إلى بغداد. لقد قضوا طوال مدة

الحرب في السجون الروسية، ونُقلوا إلى سيبيريا ومنها إلى اليابان. وبعد الحرب، شُحِنُوا على متن سفينة يونانية إلى اليونان التي كانت

آنذاك في خضمّ الحرب مع الحكومة العثمانية المهزومة. بعد إيداعهم في إسطنبول من طرف السفينة اليونانية، وجدوا القليل من

التعاطف من بقايا الحكم العثماني في المدينة. وباعتبارهم عربًا، اُّتّهموا بخيانة العثمانيين، وجرى توجيههم إلى القنصلية البريطانية،

وقد أبلغهم البريطانيون أنهم مستعدون لإرسالهم إلى وطنهم، لكن في مقابل تمويل رحلتهم بأنفسهم. لأنهم معوزون، لم يكن أمامهم سوى مناشدة سخاء مواطنيهم البغداديين ل حلصول على التمويل36. غير أنّ الجزء الأكبر من أسرى الحرب العراقيين كان من الذين سُجنوا في حملة جنوب ووسط العراق. أما أولئك الذين أُسِرُوا

في الحملات الأولى من عام 1914، فقد أ رسلوا في النهاية إلى معسكر سجن ثايتمويو في بورما العليا. وب لحول حزيران/ يونيو 1915، بلغ عدد أسرى الحرب 4889 جنديًا و 158 ضابطًا من الحملة العراقية، بحسب تقديرات أحد أسرى الحرب. وكان من بينهم جنود

وضباط أتراك وأكراد وعرب37. وقد حاول البريطانيون فصل الجنود الأتراك عن العرب، عن طريق إرسال الأخيرين إلى سومربور في الهند، على أمل تجنيدهم ومساعدتهم ضد العثمانيين. في البداية، لم ينجحوا في ذلك، حيث لم يتقبل العديد من الجنود والضباط التصنيف البريطاني39. ومع ذلك، ب لحول حزيران/ يونيو 1916، تم سجن نحو 00 3 ضابط عربي و 4000 جندي عربي، معظمهم من

العراق في سومربور.40 وقد سُحِب بعض هؤلاء الجنود من ثايتمويو، بينما اقتيد بعضهم الآخر مباشرةً إلى السجن الهندي. وبعد عام

1917، سُجن بعض أسرى الحرب العثمانيين في مصر. تقدم لنا مذكرات ضابطَين عثمانيَين/ عراقيَين كانا أسيرَي حرب، لمحة عن الولاءات والتفاهمات المتعارضة للأمة العراقية

خلال الحرب. صحيحٌ أنهما ذوا خلفيات اجتماعية اقتصادية مختلفة، إّلا أنهما كانا عضوين في نخبة مؤلفة من مجموعة من الشبان

34  إبراهيم الراوي، من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث: ذكريات (بيروت: مطبعة دار الكتاب، 1969)، ص 11. 35  الزبيدي، ص 179 - 181. 36  محمد رؤوف السيد طه الشيخلي، مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها، مج 2 (البصرة: مطبعة البصرة، 1972)، ص 362 - 370. 37  المرجع نفسه، ص 372 - 376؛ يروي الشيخلي كيف كان الضباط البريطانيون في معسكرات ثايتمويو في تشرين الثاني/ نوفمبر 1915 يحاولون فصل الضباط العرب

عن الأتراك. أدّى نقل السجناء العرب إلى سومربور، بالغصب، إلى تمرد شبه كامل. إبراهيم الراوي، ضابط عربي انضمّ إلى الثورة العربية في مراحلها الأولى، كتب أنه أ رسل

إلى ثايتمويو، على الرغم من اعترافه بنسبه العربي، ينظر: الراوي، ص 14. 38  المرجع نفسه.

  1. إبراهيم الراوي، من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث: ذكريات (بيروت: مطبعة دار الكتاب، 1969)، ص 11.
  2. الزبيدي، ص 179 - 181.
  3. محمد رؤوف السيد طه الشيخلي، مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها، مج 2 (البصرة: مطبعة البصرة، 1972)، ص 362 - 370.
  4. المرجع نفسه، ص 372 - 376؛ يروي الشيخلي كيف كان الضباط البريطانيون في معسكرات ثايتمويو في تشرين الثاني/ نوفمبر 1915 يحاولون فصل الضباط العرب عن الأتراك. أدّى نقل السجناء العرب إلى سومربور، بالغصب، إلى تمرد شبه كامل. إبراهيم الراوي، ضابط عربي انضمّ إلى الثورة العربية في مراحلها الأولى، كتب أنه أ رسل إلى ثايتمويو، على الرغم من اعترافه بنسبه العربي، ينظر: الراوي، ص 14. 38  المرجع نفسه.

العثمانيين الإقليميين الذين استفادوا من التعليم الثانوي العثماني في بغداد، والتحقوا بمؤسسات التعليم العالي في إسطنبول، في هذه الحالة، كلية تدريب الضباط. تُعدّ مذكرات محمود الشيخلي أكثر تفصيلًا وخصوصية، وهو الذي قضى أربع سنوات في السجن.

لقد أسر في كوت الزين، فيُ17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، بعد عشرة أيام فقط من هبوط القوات البريطانية في الفاو، وُأفرج عنه في نيسان/ أبريل 1919. وُلد في أسرة بغدادية من الطبقة المتوسطة، وتخرّج في كلية تدريب الضباط في إسطنبول، في عام 1903.

وبعد عودته إلى بغداد بفترة وجيزة، نُقل إلى البصرة، وفي نهاية المطاف إلى ثكنة العثمانيين في الأحساء في شرق الجزيرة العربية.

وبصفته ضابطًا صغيرًا (يوزباشي)، شارك في تدريب الجنود في الجزيرة العربية المنخرطين في الصراع ضد سلطة ابن سعود الناشئة.

وكان الشيخلي جنديًا محترفًا، لم يجد ما يثير اهتمامه لدى وصول أخبار عن إعلان ثورة تركيا الفتاة عن الحرية والحقوق الدستورية

إلى ثكناته، في عام 1908. وبحسب رأيه، فإن "الهستيريا" التي رافقت الثورة لم يكن لها صدى يُذكر، بل بقيت بلا معنى بالنسبة

إلى الجندي العادي الذي كان انشغاله الوحيد هو البقاء على قيد الحياة41. كان همّه الأساسي هو تدريب القوات في الزاوية النائية

والخطرة من الإمبراطورية العثمانية. وحينما انضم العثمانيون إلى الحرب، أُرسل إلى العمارة، في جنوب العراق، لتدريب المجندين والقبليين غير النظاميين. وكان حتى سجنه في معركة كوت الزين من الرعايا العثمانيين المخلصين، الذين كانوا يشكون من سوء تموين الجيش العثماني، وسوء إعداده. في حكاية معبّرة قبل سجنه مباشرة، يُخبر عن المواجهة التي حصلت بين الجنود ورجل دين

سنّي، ألحق بفرقته بأمر من الحكومة لتشجيع الجنود على المثابرة والطاعة. وكان الجنود قد أمضوا ثلاثة أيام من دون طعام، وكانوا

يعانون نقصًا في الذخيرة؛ ما جعلهم يسخرون ويضحكون على الوعد الذي قطعه رجل الدين بحياة سعيدة في الآخرة، وقالوا إن أكثر

ما يحتاجون إليه ليس طعامًا للروح، بل طعام لكل من الرجال والبنادق42. خُصص الجزء الأكبر من المجلد الثاني من مذكرات الشيخلي لسجنه، فتغطيته المفصلة لحياة السجن، وتوثيقه للمرتّبات التي

كان يتقاضاها الجنود والضباط، ونوع الترفيه الذي ساعدوا في تنظيمه، ونوع الطعام الذي كانوا يطهونه، ذلك كله يشهد على احتفاظه بمذكرات في أثناء فترة سجنه. وعلى الرغم من العفوية التي تتّسم بها مذكراته، هناك شعور بتوقّف الزمن والهوية، تُعزّزه النبرة الساخرة

أحيانًا في المذكرات. وبينما يسافر من البصرة إلى الهند، إلى بورما، ثم إلى الهند، وأخيرًا إلى مصر، فإنه يُزج به في عالم ينظر فيه إلى

جغرافية الحرب والإمبراطورية من خلال منظور سلسلة من معسكرات الاعتقال. ما كان يوحّدهم هو الشعور بسجن أوسع في عالم

جديد، يضطلع فيه الجنود الهنود والمصريون، ومن ثم الضباط العرب/ العراقيون الذين انضموا إلى الثورة العربية بدور حراس البوابة. لكن حتى حراس البوابة عالقون في مذكرات الشيخلي في شبكة من الولاءات التي جعلت من الصعب تقديم رواية متماسكة، تنتهي بتحرير من أي نوع. ومن هنا، فإن عنوان مذكراته المكوّنة من مجلدين هو في حد ذاته شهادة على تناقضه. وتتضمّن مذكّراته،

وعنوانها مراحل الحياة خلال الفترة المظلمة وما بعدها، في جزءٍ منها قصة عن السجن على شكل مذكّرات رحالة، تصبح من خلالها

كل مرحلة وسيلةً للبحث في تفاصيل حياة السجن بحثًا سريريًا، وتتضمن في جزئها الآخر تعليقًا على نطاق الإمبراطورية البريطانية

وانهيار الدولة العثمانية. صحيحٌ أنّ الشيخلي كان أسيرًا لأقوى إمبراطورية، ومواطنًا للإمبراطورية المحتضرة، إّلا أنه يحافظ على

مسافة م حلوظة من الخطاب القومي الذي كان يتبنّاه آخرون من مواطنيه الذين كتبوا مذكراتهم عن هذه الفترة. وعلى الرغم من

كون مذكراته معادية للسياسات الإمبريالية البريطانية، ومتعاطفة مع العثمانيين، فإن البريطانيين والأتراك والهنود والعراقيين يظهرون بوصفهم أفرادًا في مذكراته، وكان حكمه في النهاية أن التكلفة البشرية والسياسية ل حلرب كانت باهظة جًّدًا. كانت الحرب فترة

مظلمة، لكن ما يأتي بعدها لا يزال غير واضح، ومن هنا جاء وصفه لها ببساطة ب "تداعياتها."

39  الشيخلي، مج 2، ص 275.

40  المرجع نفسه، ص 332. كتب الشيخلي أنه لم يكن لدى العثمانيين خريطة للتضاريس التي كانوا يقاتلون فيها. الشيء الأول الذي لاحظه عندما أ خذ أسيرًا هو أنُ

البريطانيين كانوا يمتلكون خريطة للعراق.

  1. الشيخلي، مج 2، ص 275.
  2. المرجع نفسه، ص 332. كتب الشيخلي أنه لم يكن لدى العثمانيين خريطة للتضاريس التي كانوا يقاتلون فيها. الشيء الأول الذي لاحظه عندما أ خذ أسيرًا هو أنُ البريطانيين كانوا يمتلكون خريطة للعراق.

لا يوجد أي مكان يتجلّى فيه الإحساس بأن الحرب كانت فترة ولاءات غير مكتملة، أكثر مما يتجلى في رواية الشيخلي عن

محاولات البريطانيين حشد دعم الضباط والجنود العرب، وفي لقائه مع الجنود الهنود في الجيش البريطاني. حينما أُسِر الشيخلي أول

مرة، اقْتِيد عبر ساحة معركة مليئة بالجثث، مثل "أحجار رقعة الشطرنج" إلى ضابط استفسر عن رتبته، ثم سأله إن كان عربيًا أم تركيًا.

وأجاب الشيخلي، مستغربًا، أنه عثماني43. ومنذ ذلك الحين، أصبح على علم بالسياسة البريطانية الرامية إلى كسب تأييد الضباط

والجنود العرب، وعزلهم عن الضباط والجنود الأتراك. وفي ثايتمويو، كان الجنود الأتراك والجنود العرب يقيمون في أكواخ منفصلة، وكانوا يحصلون على حصص غذائية مختلفة. وقد اعترض العرب على ما اعتبروه معاملة تفضيلية تمتع بها الأتراك؛ ما أدّى إلى نشوء

توترات. وعلى الرغم من هذه التوترات، انضم الضباط والجنود العرب - العثمانيون إلى رفاقهم الأتراك في الاحتفال بذكرى تولّي السلطان العرش، وهتف الجميع "عاش سلطاني"44. في نهاية المطاف، مع بدء الثورة العربية، نُقِل السجناء العرب في بورما إلى سومربور، وهناك تعرّضوا لمحاولات تجنيد عدة، وطُلب

منهم الانضمام إلى الثورة. بين تموز/ يوليو وأيلول/ سبتمبر 1916، وبعد شهور فحسب من الإعلان الرسمي للثورة، غادر 624 جنديًا

و 26 ضابطًا سومربور للالتحاق بالثورة. غيّر أغلب الجنود رأيهم بمجرد الوصول إلى الحجاز، بينما قرر 22 ضابطًا الالتحاق بالجيش

الشريفي45. بقي الفرق الكبير بين عدد الجنود والضباط سمةً بارزةً في جهود البريطانيين والقوميين العرب لتجنيد المؤيدين46. في هذه المرحلة من روايته، يحاول الشيخلي تفسير ولاءاته. فقد كان تقييمه الذي كتبه، بعد أكثر من نصف قرن من انتهاء الحرب، خاليًا

بصفة م حلوظة من الخطاب القومي. بالنسبة إليه، كان الاختيار محسوب المخاطر والفوائد، فقد وجد أن الحركة في الحجاز كانت غير منظمة، وتفتقر إلى التماسك في الأهداف، ولم تكن لها قيادة موحدة، ولم تخضع في الأساس إلى أي اختبار بما يكفي لتنال الدعم المطلوب. وأضاف أنه كان يساوره شك عميق في النيات البريطانية؛ لأن خبرته في العمل، في شرق الجزيرة العربية والخليج، أعطته دليلًا كافيًا على أطماعهم في المنطقة. وفي الوقت نفسه، كان متأكدًا من أن العثمانيين لو علموا بتغيير ولائه، لأعدموا أقاربه

في العراق أو نفوهم47. إن لم يكن المشروع الحجازي لتحرير العرب جديرًا بالاهتمام، خاصة بالنسبة إلى الشيخلي، فقد أثبتت رحلته إلى الهند بأنها

كانت أكثر تعليمًا. لقد كانت نذيرًا للنظام العالمي الجديد، ومكانة الشيخلي والعراق فيه. منذ بداية سجنه، واجه الشيخلي ما كان يراه

تناقضًا: المُستعمَرون ذوو البشرة الداكنة يخوضون حرب المستعمرين. وهو، بوصفه مواطنًا وضابطًا عثمانيًا، لم يكن ينظر إلى نفسه

بهذه الطريقة. ولم يكن لمحاولات زملائه الضباط الذين انضموا إلى الثورة العربية القول إن وضع العرب في ظل العثمانيين يشبه في بعض النواحي وضع السكان الأصليين في القارة الأميركية، صدقية عالية. ومع توغله أكثر في الجزء الآسيوي من الإمبراطورية

البريطانية، أعجب بحداثة الهند، وبمدى حداثة نظام السكك الحديدية فيها، وبكفاءة إدارة البريطانيين لإمبراطوريتهم من خلال استخدام الهنود. لكنه بقي مدركًا تمامًا للانقسام بين المستعمر الأوروبي والمستعمر الهندي. فقد علّق، على سبيل المثال، على

الانقسامات في الجيش البريطاني بين الضباط، خاصة البيض منهم، والجنود الهنود العاديين48. واشتكى من أنه عومل في البداية

41  المرجع نفسه، ص 341. 42  المرجع نفسه، ص 340 - 365.

43  المرجع نفسه، ص 382 - 383. أولئك الذين غيّروا رأيهم، أُرسلوا إلى معسكرات الاعتقال في مصر، أو أُعيدوا إلى سومربور.

44  يتذكر إبراهيم الراوي، الذي كان من أوائل المنشقين عن المعسكر العربي، أول أيامه في الحجاز، لما كان جنود وغالبية من الناس في جدة ضد الشريف حسين.

الجنود العثمانيون الذين استسلموا لجيش الشريف حسين ملؤوا الشوارع بهتافاتهم، متمنين عمرًا طويلًا لسلطانهم. كان للراوي دور مهم في تحويلهم إلى سجناء الحرب،

ينظر: الراوي، ص 78 - 80. 45  الشيخلي، ص 384 - 385. 46  المرجع نفسه، ص 345.

  1. المرجع نفسه، ص 341.
  2. المرجع نفسه، ص 340 - 365.
  3. المرجع نفسه، ص 382 - 383. أولئك الذين غيّروا رأيهم، أُرسلوا إلى معسكرات الاعتقال في مصر، أو أُعيدوا إلى سومربور.
  4. يتذكر إبراهيم الراوي، الذي كان من أوائل المنشقين عن المعسكر العربي، أول أيامه في الحجاز، لما كان جنود وغالبية من الناس في جدة ضد الشريف حسين. الجنود العثمانيون الذين استسلموا لجيش الشريف حسين ملؤوا الشوارع بهتافاتهم، متمنين عمرًا طويلًا لسلطانهم. كان للراوي دور مهم في تحويلهم إلى سجناء الحرب، ينظر: الراوي، ص 78 - 80.
  5. الشيخلي، ص 384 - 385.
  6. المرجع نفسه، ص 345.

كجندي هندي متواضع، وليس كضابط عثماني، وأن البريطانيين لم يحترموا في المراحل الأولى من الحرب البروتوكول العسكري في طريقة معاملتهم للأسرى. وقد انتابه القلق من إمكانية تعرّضه للاستعمار، مثل الهنود والبورميين. غير أن الهند التي زارها كانت

أيضًا مكانًا يمكن أن يجد فيه مسلمين دعموا سًّرًا إخوانهم العثمانيين. وكثيرًا ما كان الجنود الهنود المسلمون يقدمون له ولغيره من

الأسرى الطعام49. وكان يتمّ نقل الجنود والضباط العرب من سومربور إلى بومباي لشحنهم إلى مصر، وبمجرد الاشتباه بأنها خدعة

وضعت لإجبارهم على الذهاب إلى الحجاز، كان الجنود يرفضون النزول من القطار. وأمام احتمال حدوث تمرد صغير، بدأ البريطانيون بالتفاوض مع الضباط العرب. خلال هذه الحادثة، وإظهارًا للتضامن، بدأ الجنود الهنود المسلمون الذين كانوا يحرسون القطار بتمرير

السجائر والطعام للجنود50. وفي مثال آخر، تحوّلت جنازة أول ضابط تركي عثماني توفي في بونا، إلى موكب استمر يومًا كاملًا، هاجم

فيه السكان الم لحيون الشرطة البريطانية. كان من الواضح، بالنسبة إلى الشيخلي، كان من الواضح أن الحماية التي كان يتمتع بها في ظل الإمبراطورية الإسلامية قد ضاعت، وأنه مثل مسلمي الهند قد يلقى المصير نفسه. ومع ذلك، فقد توسع عالمه الآن ليشمل الهوية التي ربطته بالشعوب المسلمة المستَعمرة عبر العالم. عكست مذكرات الشيخلي معضلة الرجل العالق بين إمبراطوريتين، ولم يكن متشبثًا بعد بفكرة الرواية الوطنية البطولية، أو

النضال الوطني. كان لديه طوال فترة سجنه شعور قوي بالانتماء إلى الفضاء العراقي، لكن هذا الفضاء كان محدّدًا إلى حدٍ بعيد بشبكة

حضرية من الروابط العائلية والاجتماعية والثقافية. تم تصوير ذكريات إبراهيم الراوي وعدد من ضباط الجيش العثماني - العراقي الآخرين الذين انضموا إلى الثورة العربية، وأصبحوا في ما بعد مهندسي الدولة العراقية، بيقين يحسدون عليه51. كانت ذكرياتهم

مشبعة بشعور الحنين إلى أواخر العالم العثماني، حيث كانوا من بين الأعضاء العراقيين الذين اخْتِيرُوا للسفر إلى إسطنبول، وانضموا

إلى الجمعيات السرية، وساعدوا في تشكيل ما اعتبروه مص حلة وطنية عربية. وقد اختار عدد من زملائهم أن يظلوا مواطنين مخلصين للعثمانيين، لكن ظلوا يرون أن اختيارهم هذا ليس خيانة، بل محاولة شجاعة لنحت مكانة ل "أمتهم" في فترة ما بعد الحرب. كرس

معظم المذكرات قدرًا كبيرًا لهذه الفترة التكوينية في حياتهم. سُجِن العديد منهم خلال الحرب الكبرى، إّلا أن تجربة هؤلاء في السجن

لم تكن سوى فترة وجيزة وفاصلة لدورهم في الثورة العربية. لم تكن الهند أو أي مساحة استعمارية أخرى هي السائدة في روايتهم، بل الحجاز وشرق الأردن. أصبح الحجاز نقطة انطلاق ل حلرب ضد خلافة العثمانيين المزيّفة، وكانوا يشبهون محاربي صدر الإسلام الذين

حشدوا سكان القبائل لخوض جهاد جديد، لكن هذه المرة باسم القومية العربية كما حدّدتها قيادة الثورة العربية. لم يكن لدى هؤلاء

الضباط جميعهم الخيال أو الشجاعة، لرسم مثل هذه المقاربة الواضحة بين مسعى الشريف حسين والنبي، وكان آخرون أكثر حذرًا

ومتأخرين نسبيًا في التحوّل إلى القضية الشريفية52. ومع ذلك، قدم إبراهيم الراوي هذه الادّعاءات، وحاول حشد قواته المشكوك

فيها إلى المعركة53. بالنسبة إلى الراوي، وغيره من الضباط الشريفيين العراقيين، لم يكن الانتقال من العثمانية المتعددة الأعراق إلى القومية العربية، أو العراقية، عملية صعبة. وفي الوقت نفسه، كان لكل من القومية العربية ورؤيتهم لعراق مستقل غامضًا.

47  المرجع نفسه، ص 342؛ هناك أمثلة عديدة في مذكرات الشيخلي على الاختلافات في المعاملة التي تلقوها على يد الهنود المسلمين، بدلًا من الجنود الهندوس.

ومن الممكن أن يكون جزءٌ من هذا التناقض بسبب تحيّز الشيخلي؛ إذ كان يحمل في بعض الأحيان بعض الاستياء العنصري تجاه الهنود الذين خطفوه، لهذا الأمر لم

يكن سهلًا عليه تقبل ما اعتبره صدقة من الجنود العاديين. كان على وعي تام برتبته العسكرية كضابط. 48  المرجع نفسه، ص 388 - 389. 49  جودت؛ ناجي شوكت، سيرة وذكريات الثمانين عامًا، ط 2 (بيروت: مطبعة دار الكتب، 1977.)

50  الذكريات التي ذُكرت من شوكت. كان عضوًا من عائلة أرستقراطية وبيروقراطية بغدادية، كان عمه في وقت واحد الصدر الأعظم. وكان متأخرًا نسبيًا في القضية

الشريفية، وكذلك أحد مؤيدي الانقلاب المناهض لبريطانيا الذي دبّره رشيد عالي الكيلاني ضد النظام الملكي في عام 1941. وكان عمه، حكمت سليمان، مديرًا لدائرة

تربية بغداد العثمانية. وكان مسؤولًا عن تعبئة الطلاب خلال الحرب. وكان عمه الآخر أسيرَ حرب معه في الهند في عام 1917، واتهم ابن أخيه بالخيانة، ينظر: المرجع

نفسه، ص 42 - 45. 51  الراوي، ص 54 - 84.

  1. المرجع نفسه، ص 342؛ هناك أمثلة عديدة في مذكرات الشيخلي على الاختلافات في المعاملة التي تلقوها على يد الهنود المسلمين، بدلًا من الجنود الهندوس. ومن الممكن أن يكون جزءٌ من هذا التناقض بسبب تحيّز الشيخلي؛ إذ كان يحمل في بعض الأحيان بعض الاستياء العنصري تجاه الهنود الذين خطفوه، لهذا الأمر لم يكن سهلًا عليه تقبل ما اعتبره صدقة من الجنود العاديين. كان على وعي تام برتبته العسكرية كضابط.
  2. المرجع نفسه، ص 388 - 389.
  3. جودت؛ ناجي شوكت، سيرة وذكريات الثمانين عامًا، ط 2 (بيروت: مطبعة دار الكتب، 1977.)
  4. الذكريات التي ذُكرت من شوكت. كان عضوًا من عائلة أرستقراطية وبيروقراطية بغدادية، كان عمه في وقت واحد الصدر الأعظم. وكان متأخرًا نسبيًا في القضية الشريفية، وكذلك أحد مؤيدي الانقلاب المناهض لبريطانيا الذي دبّره رشيد عالي الكيلاني ضد النظام الملكي في عام 1941. وكان عمه، حكمت سليمان، مديرًا لدائرة تربية بغداد العثمانية. وكان مسؤولًا عن تعبئة الطلاب خلال الحرب. وكان عمه الآخر أسيرَ حرب معه في الهند في عام 1917، واتهم ابن أخيه بالخيانة، ينظر: المرجع نفسه، ص 42 - 45.
  5. الراوي، ص 54 - 84.

وُلد إبراهيم الراوي في الرمادي في عام 1895، والتحق بالمدرسة الثانوية في بغداد، وأكمل تعليمه العالي في كلية تدريب

الضباط في إسطنبول. أنهى تدريبه في عام 1914، قبل الحرب ببضعة شهور. وعلى الرغم من تحفّظاته على احتمالات انتصار العثمانيين، وعدائه ل حلزب الاتحادي الحاكم في إسطنبول، فإنه التحق بالجيش العثماني؛ لأنه، كما أخبر صديقه نوري السعيد،

كان خائفًا من أن يعدمه العثمانيون54. هُزمت وحدته في معركة العمارة، وأُسِر ونُقِل إلى ثايتمويو، وبعد ذلك إلى سومربور. تتشابه

الخطوط العريضة لتجربة الراوي القصيرة في السجن مع تجربة الشيخلي، إّلا أن هناك اختلافًا في الطريقة التي عاشا بها تجربة السجن. فالراوي، الذي خصص 18 صفحة فقط من كتابه ل حلديث عن تجربته في الحرب العثمانية وسجنه، قد ركز أيضًا من خلال هذا الكتاب على تفاصيل سوء إدارة العثمانيين ل حلرب وممارساتهم التمييزية ضد العرب حتى في السجن، وعلى توضيح رؤيته للعراق. حينما بدأ البريطانيون بفصل الأتراك عن العرب، قال بعض السجناء من كركوك إنهم أتراك وليسوا عربًا. فانتقدهم الراوي،

وشرح لهم أنّ العراق مجتمع متعدد الأعراق والطوائف، وأنه يجب التغلّب على جميع هذه الاختلافات55. كان الراوي يكتب بعد أكثر من أربعين عامًا من إنشاء دولة العراق، حيث ظلت هذه الرؤية بعيدة كل البعد عن تحقيق المثالية. لم تكن هناك مؤشرات

على أن هذا البرنامج الوطني الواضح للعراق قد عبّر عنه أي تجمع سياسي في البلاد في عام 191556. على عكس الشيخلي،

لم يكن الراوي منزعجًا من السياق الاستعماري لتعاونه مع البريطانيين، ولم يقارن بين التجربتين الهندية والعربية. حتى لو كان

لديه أي قلق حول تعارض محتمل بين هويته الإسلامية وطبيعة تحالفه مع البريطانيين، فلم يكن ذلك واضحًا. فحينما وصل إلى

جدة، على سبيل المثال، وجد المدينة التي غزاها الجيش الشريفي في حالة فوضى. كان كل من الجنود العثمانيين والإندونيسيين والهنود المسلمين والسكان الم لحيين غاضبين مما اعتبروه خيانة للإمبراطورية الإسلامية. حُمّلت مسؤولية هذه الفوضى لفشل

قيادة الجيش الشريفي في معاملة الجنود العثمانيين بوصفهم أسرى حرب، وشرع في تنظيم نظام أسرى حرب شريفي يتم فيه سجن الجنود العثمانيين57. ومباشرة بعد إطلاق سراحه من معسكرات أسرى الحرب البريطانية، حيث كان محتجزًا بوصفه جنديًا

عثمانيًا، وجد أن التحوّل سهل للغاية. فقد رفض الجنود العراقيون الذين جاؤوا معه إلى جدة الانضمام إلى الثورة، وباتوا ضحايا

التعصب الديني والجهل.

ثانيًا: معضلات المواطنة

كان للعراق الذي ظهر بعد الحرب نخبة حاكمة جديدة، كثيرون منها بلا جذور تاريخية في المجتمعات التي يحكمونها. وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تقوم بتنفيذ المشروع رسميًا لتحديد الهوية العراقية. غالبًا ما أصبح قانون الجنسية أداة للمساومة بين الدولة

والمجتمعات المختلفة، وليس بالضرورة داعمًا للطبيعة الاستعمارية الجديدة للعراق المستقل الجديد وسياسات النخبة الجديدة58.

وفي حين أننا لا نملك إمكانية الوصول إلى تجارب العراقيين العاديين وذكرياتهم خلال هذه الفترة، فإن شكلًا شائعًا من القصص

القصيرة، وهي نسخة حديثة من المقامات البغدادية القديمة - وهي نوع أدبي تقوم فيه الشخصيات الشعبية التقليدية بتوزيع الحكمة والتعليق الاجتماعي بروح الدعابة - قد يعطينا فكرة عن معنى الحرب بالنسبة إلى العراقيين العاديين. فقد أصبحت هذه المقامات

52  المرجع نفسه، ص 12. 53  المرجع نفسه، ص 16 - 18. 54  سليمان فيضي، مذكرات سليمان فيضي: من رواد النهضة العربية في العراق، تحقيق وتقديم باسل سليمان الفيضي (بيروت: دار الساقي، 1998). المذكرة هي

توسيع من مذكراته التي أملاها على ابنته حينما كان مريضًا في عام 1952.

55  الراوي، ص 78 - 80. 56  زبيدة.

  1. المرجع نفسه، ص 12.
  2. المرجع نفسه، ص 16 - 18.
  3. سليمان فيضي، مذكرات سليمان فيضي: من رواد النهضة العربية في العراق، تحقيق وتقديم باسل سليمان الفيضي (بيروت: دار الساقي، 1998). المذكرة هي توسيع من مذكراته التي أملاها على ابنته حينما كان مريضًا في عام 1952.
  4. الراوي، ص 78 - 80.
  5. زبيدة.

المتنفس الأكثر فاعلية للمواطنين العراقيين، للتعبير عن إحباطهم خارج نطاق الخطاب المتجانس للصحافة السياسية59. تم التقاط تقلّبات الحياة الجديدة في العراق في مواجهة روائية بغدادية فكاهية بين شاوش بلدية بغداد (مصطلح عثماني لموظف عثماني من المستوى الأدنى) وأسير حرب عراقي عائد، نُشرت في عام 1934 في مجلة عراقية، بالاسم المستعار نوري ثابت، وقد كان عنوانها "شاوش البلدية وأزياء المواطنة"، وهي قصة جدعون بن جواد، أي قصة كل رجل بغدادي عاد من معسكر اعتقاله في روسيا في عام 192560، نظرًا إلى تغيبه عن العراق في وقت إنشائه الرسمي، فقد واجه صعوبة في إثبات أنه مواطن. ونتيجة لذلك، واجه صعوبة في

العثور على عمل في الحكومة. ولمّا ذهب لإجراء مقابلة مع موظف حكومي، سأله الموظف إن كان عراقيًا. ما تبع ذلك كان الحوار

التالي: جدعون: نعم من الأب إلى الجد. شاوش: هل تعرف كيف تتحدث العربية؟ جدعون بسخرية وبالعامية البغدادية: أتظنني أتحدث البنياني (مصطلح عام يشير إلى اللغات التي يتحدث بها التجار الهنود الذين كانوا تاريخيًاجزءًا من الحياة التجارية العراقية)؟ شاوش: اُخرج، أنت بلا أدب)أدب سيز بالتركية/ العثمانية). ثم يقارن المؤلف بين حال جدعون وحال البريطانيين والهنود الذين يستطيعون إيجاد عمل بسهولة في الشركات التي يفترض

أنها شركات وطنية. وقام أحد الأجانب بتوكيل محامٍ، نصحه بأن أفضل طريقة ل حلصول على الجنسية، هي الذهاب إلى أحد الأحياء الشعبية في بغداد، وأن يجد لنفسه امرأة يتزوجها ويحصل على شهادة بهذا الزواج من رئيس الحي. ويفعل هنري سانك، الرجل الإنكليزي الوهمي ذلك بالضبط، ثم يذهب إلى الشاوش. شاوش: متى أتيت إلى العراق؟ سانك: مع جيش الاحتلال. شاوش: هل أنت عراقي؟ سانك بالإنكليزية: نعم يا سيدي، هذه الوثيقة من رئيس الحي. لدي بيبي خاتون عراقي. شاوش: جيد، هذه أوراق جنسيتك. بإيجاز وسخرية، تجسّد هاتان الروايتان تناقضات العراق الجديد. يجد المواطن العادي الذي تم تجنيده للقتال في حرب

إمبريالية، وقد تحمّل فترة سجنٍ طويلةٍ، نفسه خاضعًا لقوانين جديدة، يطبّقها الموظفون العثمانيون القدامى الذين يعملون لمص حلة

إمبراطورية جديدة. إن شخصية الشاوش العثماني الفاسد والقاتم، الذي يستخدم التعبير التركي" أدب سيز" siz adab لرفض العراقي البائس، هي شخصية قديمة في الأدب الشعبي العراقي. ما يميزه في الوقت الحاضر هو منصبه كموظف، له الحق في منح هوية رسمية لشخص ما، مطالبته لها قديمة، ولا تستند إلى تعريف رسمي للمواطنة. كان رد جدعون الساخر بأنه لا يتحدث لغة الهنود تحديًا

لوجود طبقة جديدة من المسؤولين الهنود الذين كانوا يساعدون في إدارة الدولة العراقية. أصبح العراق الآن دولة حديثة، بجميع

57  سليم عبد القادر السامرائي، قصاصون من العراق: دراسة ومختارات (بغداد: وزارة العلم، 1977.) 58  الزبيدي، مج 1، ص 360 - 362.

  1. سليم عبد القادر السامرائي، قصاصون من العراق: دراسة ومختارات (بغداد: وزارة العلم، 1977.)
  2. الزبيدي، مج 1، ص 360 - 362.

مكوّنات الحداثة، ومن هنا جاء العنوان الساخر للقصة. ومع ذلك، كانت الهند جديدة أيضًا، حيث تم اختزال نسائه إلى "بيبي خاتون "،

وهو كناية عن الأمم التي تم تأنيثها وإخضاعها من القوى الاستعمارية التي اكتسبت حق الجنسية عن طريق السلاح. وهنا تكمن حقيقة المسيرة العراقية العظيمة نحو المواطنة بالنسبة إلى العراقيين العاديين، كما يبدو أن المؤلف يقول لقرّائه.

ثالثًا: الذاكرة الوطنية للحرب العالمية الأولى

لقد جادلتُ حتى الآن بأنه لم تتطور أي ذاكرة جماعية ل حلرب الكبرى في العراق، على الرغم من محاولات النخبة الحاكمة

دمجها في السردية الوطنية. فقد ظلت أسطورة أصول الدولة العراقية وارتباطها المضطرب بالأمة العراقية، التي سعى الهاشميون

لخلقها، مشكوكًا فيها إلى حدٍ بعيد لدى مختلف الطوائف السياسية والعرقية والدينية، والتي كذّبتها أيضًا الذكرى الفردية ل حلرب. جادل سامي زبيدة بأن الدولة العراقية على الرغم من بداياتها الاستعمارية، فإنها أصبحت حقيقة واقعة، صاغت حولها مختلف الشظايا العراقية تعريفها للهوية الوطنية مع نهاية العهد الملكي. وأود أن أضيف أنه في حين أن الدولة ربما ساعدت في تشكيل شعور هش ومتنازع عليه بالهوية، فإن الأصل الاستعماري للدولة ومشاركة نخبتها في مشروع لم يستقطب ولاءً كبيرًا بين العراقيين خلال الحرب،

جعل من المستحيل تقريبًا إنشاء ذاكرة عراقية جمعية ل حلرب بوصفها ذاكرة تجديد61. إلى غاية الستينيات، كانت ذكرى الفترة 1914 -

1920 عبارة عن استفتاء على طبيعة الدولة العراقية، وبصفة عرضية فحسب على الهوية العراقية. طبعت العديد من التطورات السياسية والثقافية فترة ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، باعتبارها عقودًا ناضجة بصفة خاصة،

لإعادة صوغ الذكريات العراقية عن الحرب، ودمجها في الرواية الوطنية. لقد أنقذت ثورة عام 1958 الدولة من النظام الملكي وبداياته الاستعمارية؛ إذ نشرت الأنظمة التي جاءت في أعقابها خطابًا مناهضًا للإمبريالية والقومية العربية. وفي الوقت نفسه، تم تهميش

الجيل الحدودي الذي عاش في نهاية الإمبراطورية العثمانية، وأصبح من مؤسسي الدولة الوطنية العراقية ومواطنيها. وأصبح المجال مفتوحًا الآن لدراسة تلك الفترة من جيل أكثر شبابًا، استمدّ ذكرياته عن الحرب من مصادر غير مباشرة. سمح بروز المثقفين العلمانيين

الجدد في المجال الثقافي، سواء كانوا من السنّة أم الشيعة، والذين كانوا نتاج التوسع في أقسام العلوم الاجتماعية المموّلة من الدولة

المعادية للإمبريالية بشدة، بإعادة صوغ الكثير من الذكريات المنوعة ل حلرب بزيّ مناهض للإمبريالية. وأخيرًا، سمح التوسع في ثقافة

الطباعة المموّلة من الدولة والقطاع الخاص بانتشار الكتب؛ إذ أصبحت تجربة الحرب للعراقيين جزءًا خطابيًا من سرد خطي لتشكيل

الأمة العراقية بين أواخر العصر العثماني والعهد البعثي. كان ظهور الذاكرة الوطنية الجماعية ل حلرب يعني إعادة صوغ بعض الذكريات ومحو بعضها الآخر، بطرائق مختلفة تمامًا عن الفترة الملكية. أريد هنا أن أركز، بإيجاز، على عملية إعادة التشكيل هذه كما تتجلى

في المذكرات التي كتبها جيل الحرب والأعمال، والتي غالبًا ما تكون جدلية، أو مدحية، صاغها جيل أصغر من العراقيين عن دور

القادة الطائفيين في الحرب. نُشِر نوعان من المذكرات بعد سقوط النظام الملكي: تلك التي كتبتها النخبة السياسية التي انضمت إلى القضية الشريفية ولحقت بفيصل في العراق؛ وتلك التي كتبها أفراد عاصروا الحرب، لكنهم قاتلوا إلى جانب العثمانيين، أو كانوا ضحايا لتقلّبات تفكك الإمبراطورية الإسلامية وتشكيل الدولة العراقية الاستعمارية. ما شاركوه هو الشعور بأنهم جيل انتقالي. أولئك الذين لم تكن لديهم أي أجندة يرون أن مذكراتهم ببساطة كانت بمنزلة أعمال شاهدة وإحياء فردي لحياة اتّسمت بتغيرات زلزالية. لكن شهاداتهم كانت

تتّخذ طابعًا حتميًا؛ لأنهم سجلوا تجربتهم ضد خلفية تطور الدولة الحديثة في العراق، ودورهم في الأمة الجديدة. لقد أخذوا عراقيتهم

59  زُبيدة، ص 214.

  1. زُبيدة، ص 214.

على أنها أمر مفروغ منه، على الرغم من أن الجدل ظل قائمًا حول ما تعنيه هذه الهوية، عربيًا كان أم بغداديًا أم سنيًا أم شيعيًا.

وهكذا حتى رجل مثل طالب مشتاق الذي انسحب مع الجيش العثماني بعد سقوط بغداد في عام 1917، وقضى في النهاية الحرب كلها في الأناضول، عاد لينضم إلى جهاز الدولة كدبلوماسي. بالنسبة إليه، كان نشاطه المناهض للاستعمار ضد البريطانيين في عام 1920 هو الذي ساعد انتقاله من عثماني إلى عراقي62. كانت المذكرات السياسية الأكثر علنية ورسمية تلك التي كتبتها النخبة التي حُرمت من حقوقها بسبب ثورة عام 1958. كتب كثيرون منهم في المنفى، وكانت رواياتهم ل حلرب مشابهة لروايات الراوي مع بعض

الاختلافات. كتبوا ليسجلوا إرثهم في إنشاء الأمة العراقية الحديثة، وفي تحريرها من نير العثمانيين الأتراك، والسماح لهم بإحياء ماضيهم العربي63. يبدو أن الطبقة السياسية الجديدة في العراق لم يكن لديها خبرة ولا ذاكرة للنضال الكبير الذي قام عليه إنشاء الأمة. وقدمت مذكرات أخرى بدائل من النسخة الهاشمية عن نشأة العراق. مذكرات سليمان فيضي التي كتبت في الخمسينيات، واستُشهد بها كثيرًا في الستينيات، تسجل تجربة الحرب لعراقي كان، بحسب تقديره، ناشطًا خلال فترة الحرب في وضع برنامج

للعراق مستقل عن البرنامج الهاشمي. وكان من مؤيدي طالب النقيب، وهو من أعيان البصرة الذين طالبوا بالعرش العراقي قبل أن يختار البريطانيون فيصل لهذا المنصب. ووفقًا لرواية الفيضي التي شككت فيها السجلات البريطانية، اقترح طالب النقيب إنشاء جمهورية أو ملكية دستورية في العراق، في مقابل دعمه للبريطانيين في الحرب64. بالنسبة إلى أولئك الذين كتبوا هذه المذكرات الشخصية، أصبح التنافس على إنشاء الدولة قبل عام 1920 محوريًا في تعريف الرواية العراقية ل حلرب. تزامنت موجة نشر المذكرات التي قدّمت روايات شخصية، لكن متباينة، بشأن تشكيل الأمة العراقية، مع نشر السير الذاتية

لشخصيات مجتمعية أدّت دورًا مهمًا في الحرب، وفي ثورة عام 1920. وفي مثل هذه السير الذاتية، صُِّوِرُوا كأبطال قوميين، حيث

يبدو أنها صُمّمت خصيصًا للاستهلاك الشعبي ووسيلة لاستعادة الماضي المشترك من أجل ذاكرة جماعية وطنية ل حلرب. وهكذا،

فإن سيرة السيد مهدي الحيدري، رجل الدين الشيعي الذي حشد رجال القبائل ل حلرب ضد البريطانيين، أعادت تصويره على أنه ثوري مناهض للإمبريالية. قدم المؤلف موضوعه مؤكدًا أن معركة الحيدري ضد الإمبريالية كانت معروفة بين المجتمع الشيعي في

العراق، لكنه أراد أن يُعرّفها لجميع العراقيين. ترتكز مفردات السيرة الذاتية على الأدب "الهاجيوغرافي" Hagiography للشخصيات

الشيعية والمشبعة بالصور الدينية. ومع ذلك، يوضح المؤلف أن الحيدري كان مناهضًا للإمبريالية. وقد جرت عملية كتابة المجتمع نفسها في الذاكرة الوطنية ل حلرب مع بعض المجتمعات القبلية في العراق. ولقد واجهنا محاولة زعيم قبيلة الفتلة تصوير موقف قبيلته

في الحرب على أنه معادٍ للإمبريالية ووطني. وكان أكثر أبطال القبائل تكريمًا هو الشيخ ضاري بن محمود، زعيم قبيلة الزوبع، وهي

فرع من قبيلة شُمّر، الذي عاش في منطقة الدليم، بين بغداد والفلوجة. وكان الشيخ ضاري قد قتل العقيد جيرارد افيلين ليتشمان،

المكلف بأمن منطقة الفرات الأوسط خلال ثورة عام 1920. كان قد هرب، لكن قُِب ض عليه في النهاية وحوكم في عام 1928. توفي في السجن، وأصبحت جنازته صرخة حاشدة للمظاهرات المناهضة للاستعمار. وفي فترة ما بين الحربين العالميتين، غالبًا ما كان

اسمه يُذكر في الأغاني القبلية الشعبية المعروفة باسم الهوسة، كما تم تمجيد فضائله القبلية المتمثلة في الشرف والشجاعة. وقد بدأت

عملية تقديسه بطلًا وطنيًا مشبعًا بالفضائل القبلية التي اختلطت الآن بالهوية الوطنية للعراقيين في الستينيات، واستمرت حتى الوقت

الحاضر65. في عام 1968، وفي الذكرى الأربعين لوفاة الشيخ ضاري، نشر عبد الحميد العلوجي وعزيز جاسم الحجية سيرته الذاتية.

60  مشتاق. 61  ومع ذلك، حتى هؤلاء الضباط كانوا حذرين من أخطاء النظام الملكي. على سبيل المثال، دعم كل من الراوي وناجي شوكت انقلاب جيلاني في عام 1941. 62  فيضي. 63  عبد الحميد العلوجي وعزيز جاسم الحجية، الشيخ ضاري المحمود رئيس قبيلة زوبع: قاتل الكولونيل ليتشمان في خان النقطة (لندن: دار الحكمة، 2002.)

الكتاب عبارة عن إعادة طبع لطبعة صدرت في عام 1968.

  1. مشتاق.
  2. ومع ذلك، حتى هؤلاء الضباط كانوا حذرين من أخطاء النظام الملكي. على سبيل المثال، دعم كل من الراوي وناجي شوكت انقلاب جيلاني في عام 1941.
  3. فيضي.
  4. عبد الحميد العلوجي وعزيز جاسم الحجية، الشيخ ضاري المحمود رئيس قبيلة زوبع: قاتل الكولونيل ليتشمان في خان النقطة (لندن: دار الحكمة، 2002.) الكتاب عبارة عن إعادة طبع لطبعة صدرت في عام 1968.

وكانت روايتهما محاولة واضحة لدمج قبيلة شمّر، على وجه الخصوص، في الذاكرة الوطنية العراقية ل حلرب التي سبقت تأسيس الدولة

العراقية. وبرز الشيخ ضاري زعيمًا عشائريًا مثقفًا، كان على معرفة بالعالم السلفي الجليل والحداثي محمود شكري الألوسي. قاتل هو

وقبيلته بشراسة ضد البريطانيين، وأشرف على نقل الأسرى البريطانيين إلى بغداد بعد هزيمتهم على يد العثمانيين في الكوت. وهكذا اكتسبت معركة الكوت التي كانت تعتبر انتصارًا عثمانيًا، وليس عراقيًا، صبغة مناهضة للإمبريالية. وتم دمج أولئك الذين شاركوا فيها

كأبطال في النضال ضد الإمبريالية. أصبحت ذكرى الحرب الآن مج لًا مفتوحًا، تستعيد فيه كل طائفة دورًا لها في تشكيل الدولة العراقية، خاصة قبل النظام

الملكي. في مقابل هذا التذكر الطائفي والفردي ل حلرب، أنتج جيل شاب وعلماني من علماء الاجتماع والمؤرخين المعروفينذكريات تاريخية ل حلرب، استنادًا إلى التنقيب في المصادر الأوروبية والوطنية. وقد سعى المؤرخون الشعبيون، مثل محمود الشبيبي، في كتابه

الصادر في عام 1977 لإلقاء الضوء على جوانب الفترة التي لم يكن العراقيون يعرفونها كثيرًا. ونقلًا عن مصادر بريطانية وألمانية، خص

بالذكر المتعاونين القبليين والسياسيين الأوائل مع الحكم البريطاني66. وقد وُصفت بعض القبائل بأنها غير وطنية، بينما صُنّفت قبائل

أخرى باعتبارها لها دور وطني. وقد أدرج رؤوف الواعظ في دراسة للشعر القومي في العراق في مجلده الشعر المكتوب، لإحياء ذكرى الموقف القبلي "المناهض للإمبريالية" ضد البريطانيين خلال الحرب الكبرى67. حينما حاول عالم الاجتماع علي الوردي تصحيح

هذه القراءة الخاطئة للتاريخ، من خلال نشر مجلد كامل عن التاريخ الاجتماعي ل حلرب، وُصِفَ بالرجعية. قراءته لتعقيد الحرب،

وإصراره على تسجيل مختلف ذكريات جيل الحرب، ورفضه قبول التقسيم البسيط للمتعاون، في مقابل المناهض الإمبريالي، مثير

للجدل إلى حدٍ بعيد في سياق النظرية السياسية الراديكالية في السبعينيات181.

خاتمة

كانت الأدبيات المتعلقة بالحرب بمنزلة المحاولات الأولى للتعامل معها بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية. وما كان عرضًا مجزأً

ل حلرب خلال النظام الملكي أعيدت صياغته الآن كذكرى ساهمت فيها مختلف الجهات الفاعلة في إنشاء المشروع الوطني العراقي لبناء الدولة. وقد تم قبول فيصل الأول طوعًا أو كرهًا بصفته مؤسسًا للدولة، لكن مؤهلاته القومية العربية، وعلاقته المعقدة بالبريطانيين، هما

اللتان طبعتا دخوله في ذاكرة الحرب. وفي الوقت نفسه، ساهمت المراجعات التاريخية ل حلرب، وذكريات العديد من الأفراد الذين قدموا بدائل لفيصل، في تعزيز الرأي القائل بوجود مشروع عراقي لدولة مستقلة، سبقت مشروع فيصل العربي؛ ومن هنا جاء الاهتمام بدراسة الفترة 1914 - 1921 التي تطورت فيها كل هذه البدائل. إن تحوّل ذاكرة الحرب، من ذاكرة جهادية إلى ذاكرة معادية للإمبريالية إلى ذاكرة

إمبريالية، أدّى إلى علمنتها، وسمح لمختلف المجتمعات بدمجها في البرنامج البعثي. وبقدر ما كان العثمانيون موجودين في الذاكرة

الجماعية ل حلرب، أحِْبُِطُوا بظهور نضال الأمة ضد الإمبريالية، إّلا أنهم استطاعوا الاندماج في الذاكرة الوطنية ل حلرب بنجاح. لقد فتحت حربا الخليج الأولى (الحرب العراقية – الإيرانية 1980 - 1988) والثانية (حرب تحرير الكويت، 2 آب/ أغسطس 1990 – 28 شباط/ فبراير 1991) مرة أخرى الأبواب أمام إعادة النظر في الذاكرة الجمعية ل حلرب الكبرى. ويتعلق جزء من إعادة النظر هذه بفشل مشروع الدولة البعثية الحديثة، وإعادة تأكيد المخططات الإمبريالية على العراق في أعقاب هذا الفشل. كانت الذاكرة الجمعية التي تطورت في

64  محمود شبيب، جوانب مؤثرة من تاريخ العراق المعاصر: 1914 - 1921 (بغداد: دار الكتاب الجديد، 1977)؛ ينظر أيضًا، الأكثر توازنًا، خيري عمري، حكايات

سياسية من تاريخ العراق الحديث (القاهرة: دار الهلال، 1969.) 65  رؤوف الواعظ، الاتجاهات الوطنية في الشعر العراقي الحديث 1914 - 1941 (بغداد: دار الحرية للطباعة، 1974). 66  الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4. لنقد الوردي، ينظر: ستار جابر ناصر، هوامش على كتاب الوردي (بغداد: مطبعة أفسيط الميناء، 1978.)

  1. محمود شبيب، جوانب مؤثرة من تاريخ العراق المعاصر: 1914 - 1921 (بغداد: دار الكتاب الجديد، 1977)؛ ينظر أيضًا، الأكثر توازنًا، خيري عمري، حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث (القاهرة: دار الهلال، 1969.)
  2. رؤوف الواعظ، الاتجاهات الوطنية في الشعر العراقي الحديث 1914 - 1941 (بغداد: دار الحرية للطباعة، 1974).
  3. الوردي، لمحات اجتماعية، مج 4. لنقد الوردي، ينظر: ستار جابر ناصر، هوامش على كتاب الوردي (بغداد: مطبعة أفسيط الميناء، 1978.)

ظل النظام البعثي في السبعينيات قد قبلت بالأصول الاستعمارية للدولة، بعد أن تحررت من مؤسسيها، لكنها أدرجت ذكريات مجتمعاتها المختلفة في سردية الأمة العراقية المنخرطة باستمرار في صراع ضد الإمبريالية. أما تلك التي لا تتلاءم مع ذاكرة الحرب، فقد تم تهميشها، إما من خلال الإقصاء، وإما من خلال التجانس. تستند دعوة منيف للتذكر، على الرغم من معارضته للسياسات البعثية، إلى هذا النوع من الذاكرة التاريخية ل حلرب. ومع ذلك، فهي أيضًا دعوة إلى النظر مجددًا في أصول الدولة العراقية الأولى وتاريخها، وهي دعوة ينظر فيها

آخرون داخل العراق وخارجه. ومع ذلك، يقدم بعض المثقفين العراقيين حجة لإحياء ذكرى بديلة ل حلرب، وتشكيل دولة الأمم العراقية. يحاول ياسين النصير في كتابه شارع الرشيد: عين المدينة وناظم النص، ليس استعادة ذاكرة واحدة، بل تعدّد الذاكرات.

وهو ناقد أدبي عاصر حين تأليفه الكتاب الحرب العراقية - الإيرانية، ويخلق تصوّرًا خياليًا لشارع الرشيد، أول شارع حديث في بغداد،

الذي بناه خليل باشا، والي المدينة وقائد الجيش السادس العثماني خلال الحرب العالمية الأولى. يريد النصير أن يفكك الذاكرة القومية المتجانسة لتكوين العراق الحديث، ويقدم في سرده قراءة بديلة لما يعتقد أنها ذاكرة ابتُليَتْ بالنزعة العسكرية والحداثة

المشوهة. كان شارع الرشيد الذي شُقّ في عام 1916 لنقل القوات العثمانية والمؤن من الجزء الشمالي من المدينة القريب من

الثكنات العسكرية العثمانية إلى الجزء الجنوبي، ومنها إلى الجبهة، رمزًا واضحًا لهذا التزاوج الصعب بين ضرورات الدولة الحديثة

والفضاء الثقافي والمادي لمواطنيها بتجاربهم الحياتية المتراكمة. في استحضار الإحساس بالمكان وتجنّب الشخصيات السياسية

والسرد التاريخي، يرى المؤلف أن شارع الرشيد يعكس تجارب العراقيين العاديين الذين كانت ذكرياتهم عن مواجهة الحداثة والدولة الوطنية مؤلمة في بعض الأحيان، وغامضة في أحيان أخرى، لكنها لم تكن متجانسة أبدًا. بالنسبة إلى النصير، تم اختطاف السرد

التاريخي لتكوين الأمة ومفردات الهوية من نزعة عسكرية سرقت منها معناها. إنّ الطريقة الوحيدة لاستعادة الذاكرة "الحقيقية" هي الكتابة ليس عن الأمة، لكن عن المكان والأشخاص "العاديين" في أثناء تفاعلهم وتشكيل بيئتهم المادية. ومن الصعب تحديد إمكانية تحقيق مشروع النصير ورفاقه، لكنه يعكس رغبةً في استكمال دورة كاملة، بدءًا من الذكريات المجزأة ل حلرب، إلى محاولة

تفكيك ذاكرة المشروع برمّته الذي تم إنشاؤه في بداية القرن العشرين.

67  ياسين النصير، شارع الرشيد: عين المدينة وناظم النّص (دمشق: دار المدى، 2003.)

  1. ياسين النصير، شارع الرشيد: عين المدينة وناظم النّص (دمشق: دار المدى، 2003.)

المراجع

العربية

بازركان، علي. الواقع الحقيقي في الثورة العراقية. بغداد: مطبعة أسعد، 1954. بطي، روفائيل. الذاكرة العراقية 1900 - 1956. مج 1. دمشق: دار المدى، 2000. جودت، علي. ذكريات. بيروت: مطبعة الوفاء، 1967. الحسين، أحمد. الإمام الطاهر: السيد مهدي الحيدري. النجف: مطبعة الأدب، 1966. الراوي، إبراهيم. من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث: ذكريات. بيروت: مطبعة دار الكتاب، 1969. الزبيدي، فخري. بغداد من 1900 حتى 1934 الجامع من المفيد والظريف. ج 1. بغداد: دار الحرية للنشر والطباعة، 1990. السامرائي، سليم عبد القادر. قصاصون من العراق: دراسة ومختارات. بغداد: وزارة العلم، 1977. شبيب، محمود. جوانب مؤثرة من تاريخ العراق المعاصر: 1914 - 1921. بغداد: دار الكتاب الجديد 1977. شوكت، ناجي. سيرة وذكريات الثمانين عامًا. ط 2. بيروت: مطبعة دار الكتب، 1977. الشيخلي، محمد رؤوف السيد طه. مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها. مج 2. البصرة: مطبعة البصرة، 1972. العلوجي، عبد الحميد وعزيز جاسم الحجية. الشيخ ضاري المحمود رئيس قبيلة زوبع: قاتل الكولونيل ليتشمان في خان النقطة. لندن: دار الحكمة، 2002. عمري، خيري. حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث. القاهرة: دار الهلال، 1969. العمري، محمد أمين. تاريخ حرب العراقخلال الحرب العظمى سنة 1914 - 1918. مج 1 - 2. بغداد: المطبعة العربية، 1935. فراتي. على هامش الثورة العراقية الكبرى. بغداد: شركة النشر والطباعة، 1952. فوزي، أحمد. أشهر المحاكم الصحفية في العراق. بغداد: مطبعة الانتصار، 1985. فيضي، سليمان. مذكرات سليمان فيضي: من رواد النهضة العربية في العراق. تحقيق وتقديم باسل سليمان الفيضي. بيروت: دار الساقي، 1998. كيف نقرأ العالم العربي اليوم؟ رؤى بديلة في العلوم الاجتماعية. إيمان حمدي [وآخرون] (محررون). ترجمة شريف يونس. القاهرة: دار العين للنشر، 2013. مشتاق، طالب. أوراق أيامي 1900 - 1958. بيروت: دار الطليعة، 1968. منيف، عبد الرحمن. العراق: هوامش من التاريخ والمقاومة. بيروت: الدار العربية للعلوم والنشر، 2003. ناصر، ستار جابر. هوامش على كتاب الوردي. بغداد: مطبعة أفسيط الميناء، 1978.

النصير، ياسين. شارع الرشيد: عين المدينة وناظم النّص. دمشق: دار المدى، 2003. الواعظ، رؤوف. الاتجاهات الوطنية في الشعر العراقي الحديث 1914 - 1941. بغداد: دار الحرية للطباعة، 1974. الوردي، علي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. 7 مج. بغداد: مطبعة الأديب، 1978.

الأجنبية

Amin, Shahid. Event, Metaphor and Memory, Chauri Chaura 1922-19 92. Berkely, CA: University of California Press, 1995. Batatu, Hanna. Old Social Classes and Revolutionary Movements in Iraq. Princeton: Princeton University Press,

Bell, Lady Florence (ed.). The Letters of Gertrude Bell. vol. 2. New York: Boni and Liveright, 1927. Confino, Alon. "Collective Memory and Cultural History." The American Historical Review. vol. 102 , no. 5 (December 1997). Crane, Susan. "Writing the Individual Back into Collective Memory." The American Historical Review. vol. 102 , no. 5 (December 1997). Dodge, Tobias. Inventing Iraq. New York: Columbia University Press, 2004. Gelvin, James. Divided Loyalties, Nationalist and Mass Politics in Syria at the Close of the Empire. Berkeley: University of California Press, 1998. Hagen, Gottfried. "The Prophet Muhammad as an Exemplar in War: Ottoman Views on the Eve of World War I." New Perspectives on Turkey. vol. 22 (Spring 2000). Khalidi, Rashid. Resurrecting Empire, Western Footprints and America's Perilous Path in the Middle East. Boston: Beacon Press, 2004. Le Goff, Jacque. History and Memory. Steven Rendall & Elizabeth Claman (trans.). New York: Columbia University Press, 1992. "Mesopotamia Commission. Report of the Commission Appointed by Act of Parliament to Enquire into the Operations of War in Mesopotamia, Together with a Special Report by Commander J Wedgwood, DSO, MP, and Appendices." London: His Majesty's Stationary Office, 1917. Ozouf, Mona. Festivals and the French Revolution. Cambridge: Harvard University Press, 1988. Rich, Paul (ed.). Iraq and Imperialism: Thomas Lyell's The ins and outs of Mesopotamia. Lincoln: Author's Choice Press, [1991] 2001. Simon, Reeva. Iraq between the Two World Wars: The Creation and Implementation of a Nationalist Ideology. New York: Columbia University Press, 1986. Sluglett, Peter. Britain in Iraq, 1914-19 32. London: Ithaca Press, 1976. The Arab War, Confidential Information for General Headquarters from Gertrude Bell , being despatches from the secret "Arab bulletin." Kinahan Cornwallis (Intr.). London: The Golden Cockerel Press, 1940.

Thompson, Elizabeth. Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege in French Syria and Lebanon.

Zubaida, Sami. "The Fragments Imagine the Nation: The Case of Iraq." International Journal of Middle East Studies. vol. 34 , no. 2. Special Issue: Nationalism and the Colonial Legacy in the Middle East and Central

New York: Columbia University Press, 2000. Williams, Raymond. The Country and the City. Oxford: Oxford University Press, 1975.

Asia (May 2002).