العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الذاكرة والتاريخ في مغرب الزمن القريب والراهن

الذاكرة والتاريخ في مغرب الزمن القريب والراهن

Memory and History in Modern and Contemporary Morocco

عبد العزيز الطاهري

الملخّص

ازدادت أهمية الذاكرة في المعرفة التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك في المغرب. بعد مرحلة الكتابة الكولونيالية، بدأ مؤرخون في كتابة تاريخ وطني لتعزيز الهوية والوحدة الوطنية. خلال سنوات الاستقلال الأولى، استُحضرت النضالات الوطنية ضد الحماية لبناء الشرعيات السياسية، بينما في "سنوات الرصاص"، هيمن منظور الدولة الأحادي للذاكرة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، ظهر اتجاه جديد في الكتابة التاريخية، متأثر بمدرسة الحوليات الفرنسية، وركّز على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، من دون الاهتمام بالذاكرة. مع التحوّلات منذ التسعينيات وإنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة"، أُعيد بناء سردية الذاكرة بمنظور تصالحي. واليوم، تشهد الكتابة التاريخية المغربية ميلاد موضوع جديد هو الذاكرة.

Abstract

The importance of memory in historical knowledge increased after World War II, including in Morocco. Following the era dominated by colonial writing, historians began writing a national history to strengthen national identity and unity. During the early years of independence, national struggles against the protectorate were invoked to build political legitimacy, while during the “Years of Lead”, the state’s monolithic perspective on memory prevailed. In the 1970 s, a new trend influenced by the French Annales School emerged in historical writing, focusing on social and economic history without emphasizing memory. With the transformations since the 1990 s and the establishment of the “Equity and Reconciliation Commission”, the narrative of memory was reconstructed with a reconciliatory perspective. Today, Moroccan historical writing has seen the birth of a new subject in the shape of memory.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب
  • الاستعمار الفرنسي
  • الذاكرةالجماعية
  • الهوية الوطنية
Keywords:
  • Morocco
  • Memory
  • National Identity
  • Independence movements
  • Collective memory

القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل

DOI https //doi org/10 31430/GSHJ5447 الرقم التعريفي
DOI: https://doi.org/10.31430/GSHJ5447: الرقم التعريفي
عبد العزيز الطاهري*Abdelaaziz Ettahiri |
الذاكرة والتاريخ في مغرب الزمن القريب والراهن
Memory and History in Contemporary and Modern
Morocco

ازدادت أهمية الذاكرة في المعرفة التاريخية بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك في المغرب. بعد مرحلة الكتابة الكولونيالية، بدأ مؤرخون في كتابة تاريخ وطني لتعزيز الهوية والوحدة الوطنية. خلال سنوات الاستقلال الأولى، استُحضرت النضالات الوطنية ضد الحماية لبناء الشرعيات السياسية، بينما في "سنوات الرصاص"، هيمن منظور الدولة الأحادي للذاكرة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، ظهر اتجاه جديد في الكتابة التاريخية، متأثر بمدرسة الحوليات الفرنسية، وركّز على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، من دون الاهتمام بالذاكرة. مع التحّولّات منذ التسعينيات وإنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة"، أعيد بناء سردية الذاكرة بمنظور تصالحي. واليوم، تشهد الكتابة التاريخية المغربية ميلاد موضوع جديد هو الذاكرة.

The importance of memory in historical knowledge increased after World War II, including in Morocco. Following the era dominated by colonial writing, historians began writing a national history to strengthen national identity and unity. During the early years of independence, national struggles against the protectorate were invoked to build political legitimacy, while during the “Years of Lead”, the state’s monolithic perspective on memory prevailed. In the 1970 s, a new trend influenced by the French Annales School emerged in historical writing, focusing on social and economic history without emphasizing memory. With the transformations since the 1990 s and the establishment of the “Equity and Reconciliation Commission”, the narrative of memory was reconstructed with a reconciliatory perspective. Today, Moroccan historical writing has seen the birth of a new subject in the shape of memory.

أستاذ التاريخ المعاصر، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط. Professor of Contemporary History, Faculty of Literature and Humanities, Mohammed V University in Rabat. tahiri_74@yahoo.fr

مقدمة

يظن كثيرون أن الذاكرة والتاريخ مفهومان متطابقان لاشتراكهما في استعادة الماضي. والحال أنهما، بخلاف ذلك، مختلفا الدلالة، الأولعبارة عن تمّثلّات للماضي مشوبة بالعاطفة والأيديولوجيا والانتقائية والرهانات الفردية والجماعية؛ أما الثاني، فيدل

على دراسة ذلك الماضي وفق مناهج علمية وقواعد عقلانية ومهنية. وبعكس التاريخ الذي حظي باهتمام كبير من الدراسات الهيستوريوغرافية المعاصرة مبكرًا، فقد تأخر اهتمام تلك الدراسات بالذاكرة،

ولم ينطلق جليًا سوى بعد انفجار ظاهرة الذاكرة في سياق مخلّفات الحرب العالمية الثانية والتحّولّات التي حدثت عقبها، فطفق المؤرخون

الغربيون يدرسون ذلك، بل أصبحت الذاكرة من مواضيع التاريخ. أما في المغرب، فلم يُشرع في طرق هذا الموضوع سوى بعد الحضور

الكبير للذاكرة في المشهد السياسي والثقافي والإعلامي في سياق ما عرفته العقود الثلاثة الماضية من تحّولّات دولية ووطنية. تحاول هذه الدراسة إماطة اللثام عن تاريخ الذاكرة في المغرب من عهد الحماية إلى اليوم، بتتبع ما عرفه هذا الزمن من تغيرات على مستوى استعادة الناس ماضيهم وتمثّله، وتفسير هذه التغييرات. وهي لا تَّدَعي الإحاطة الشاملة بهذا التاريخ، بل تسعى لدراسة

تجلّيات الذاكرة وأدوارها ومنظورها إلى حوادث الماضي وصلتها بالتاريخ، ورصد التحّولّات التي شملت ذلك كله، من خلال نماذج

ومؤشرات دالة، تقدّمها الدراسة على سبيل المثال، لا الحصر.

أوالًا: صراع الذاكرة بين لااستعمار والوطنية

سادت خلال زمن الحماية ثلاثة أنماط لاستعادة ماضي المغرب؛ الأول "تقليدي"، والثاني "استعماري"، والثالث "وطني".

1.التاريخ "التقليدي" باعتباره جزءًا من الذاكرة

نصف هذا التاريخ ب "التقليدي" تمييزًا له من التاريخ الأكاديمي المعاصر، ونقصد به الكتابة التاريخية التراثية ذات المرجعية العربية

الإسلامية التي عرفها المغرب في الفترة ما قبل الاستعمارية، واستمر وجودها حتى زمن الحماية الفرنسية في المغرب في الفترة 1912 - 1956. على مستوى الفكر التاريخي، تميزت هذه الهيستوريوغرافيا باستمرار التأكيد على ماهية التاريخ وأهميته باعتباره معرفة ب "أحوال" الماضي، وتركز في الأساس على أحوال "المشاهير"1، خاصة "الأنبياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء"2.

ومن ثمة، فإن له فائدةً تتمثّل في أخذ "العبرة" منه3، و"الانتفاع" به، و"الاسترشاد" به مستقبلًا4. وقد انشغل هذا الفكر، على

غرار ما كان في المراحل السابقة، بإشكالية شرعية التاريخ. وفي هذا الصدد، أكد عبد الرحمن بن زيدان الشرعية الدينية لهذا العلم الدنيوي بناءً على كونه علمًا نافعًا5. وإضافةً إلى ذلك، وضع هذا الفكر محددات أخلاقية لكتابة تاريخ "يصوّر الحوادث كما

هي"6، تتمثل في التثبت والتحرّي ولزوم الصدق والحقيقة التاريخية والتجرّد من الأغراض الشخصية والمحاباة والحميّة7.

1  عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، تحقيق علي عمر، ج 1 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008)، ص 30. 2  العباس بن إبراهيم السملالي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، ج 1، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1993)، ص 130. 3  ابن زيدان، ص 135. 4  المرجع نفسه، ص 32 - 33. 5  المرجع نفسه، ص 35. 6  محمد داود، تاريختطوان، مج 1 (تطوان: معهد مولاي الحسن، 1959)، ص 26. 7  المرجع نفسه، ص 6؛ ابن زيدان، ص 40.

  1. عبد الرحمن بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، تحقيق علي عمر، ج 1 (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008)، ص 30.
  2. العباس بن إبراهيم السملالي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، ج 1، ط 2 (الرباط: المطبعة الملكية، 1993)، ص 130.
  3. ابن زيدان، ص 135.
  4. المرجع نفسه، ص 32 - 33.
  5. المرجع نفسه، ص 35.
  6. محمد داود، تاريختطوان، مج 1 (تطوان: معهد مولاي الحسن، 1959)، ص 26.
  7. المرجع نفسه، ص 6؛ ابن زيدان، ص 40.

اتّسمت السرديات التي أنتجها هؤلاء المؤرخون بالتفاعل بين رؤيتين، إحداهما مجالية، تحصر التاريخ في إطار م لحي: الحواضر

مثل فاس (ابن زيدان، عبد الكبير الكتاني)، ومكناس (ابن زيدان)، ومراكش (السملالي، ابن المؤقت المراكشي... إلخ، والرباط

(محمد بوجندار)، وتطوان (محمد داود)؛ أو البوادي من قبيل سوس (المختار السوسي)، وناحية أسفي (محمد الكانوني)؛ والأخرى

زمنية، تقوم على الانطلاق من التأصيل التاريخي للمواضيع المطروقة من المراحل التأسيسية الموغلة في الماضي، خاصة مرحلة

البعثة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية في المشرق والفتح الإسلامي في المغرب، وفترات تأسيس الحواضر، وصولًا أحيانًا إلى

الأزمنة الراهنة لفعل الكتابة التاريخية. أعاد هذا الفكر إنتاج المنظور التاريخي التراثي السالف الذكر، وعكس استمرارية الكتابة وفق "أساليب القرون الوسطى"8.

ويتجلّى ذلك، من جهة، في التركيز على "المشاهير"، ولا سيما السياسيين والعلماء والفقهاء والقضاة والأولياء والص حلاء... إلخ،

من خلال نمط الكتابة المرتكزة على استعادة الأنساب والسيَر والتراجم والطبقات (السملالي وابن زيدان وعبد الحفيظ الفاسي

وعبد الكبير الكتاني)، والمناقب (ابن المؤقت المراكشي)، مع تهميش واضح لعامة الناس. ومن جهة أخرى، في الاهتمام بالتاريخ

السياسي، خاصة نُظم الدولة ومؤسساتها9 وعلاقتها بنواحيها10. وقد اتّسم هذا التاريخ، على العموم، بتمجيد السلاطين والدفاع عن

الدولة والعمل على بناء ذاكرتها وشرعنة سياساتها وتبرير عنفها11، وانتقاد المجتمع ومهاجمة التمردات والاحتجاجات التي يقوم بها

بعض الجماعات، خاصة القبائل، ورميها بأوصاف شنيعة، من قبيل الفساد والبغي والعتو والفتنة والمروق والأوباش واللقطاء والسقطاء،

وغير ذلك12، من دون البحث عن تفسيرات لفهم العوامل المنتجة لها، والديناميات المحرّكة التي تُحرّكها. ويبدو المؤرخ في مواقفه

هذه، متأثرًا بما رسخ في الذاكرة الثقافية من أفكار الفكر السياسي السلطاني التي ترفض الخروج على الحاكم، حتى لو كان جائرًا،

درءًا للفتنة وحفظًا لبيضة الأمة. ولعل أبرز نموذج لهذا النمط من التفكير، المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان الذي لا يمكن فهم تمّثلّاته

للتاريخ السياسي المغربي من دون استحضار انتمائه إلى الأسرة الحاكمة، وتولّيه مهمة نقيب الشرفاء العلويين الذين تنتمي إليهم

هذه الأسرة. وقليلًا ما يحضر الحس النقدي لدى هذا المؤرخ، وينحصر غالبًا في انتقاد بعض "الأفعال التي تخجل منها المروءة، ولا

ترضاها الإنسانية" التي يقترفها مسؤولون أو جنود في حق قبائل متمردة13. على الرغم من ذلك، فإن هذه الكتابة التاريخية قد عرفت تجديدات ارتبطت أساسًا ب "صيرورة "مثاقفة" حقيقية بدرجات

متفاوتة" بين هؤلاء المؤرخين وباحثي الدولتين الحاميتين ومؤسساتهما، بغض النظر عن مواقف هؤلاء المؤرخين منها14. همّت

هذه التجديدات ثلاثة مستويات. أولها مستوى الكتابة التاريخية، حيث جرى طرق مواضيع جديدة، مثل التاريخ الاجتماعي والنُظم

والمؤسسات التقليدية وحركات التحرر الوطني، والاشتغال بتقنيات جديدة، مثل الاعتماد على الوثائق15 والرواية الشفوية16. وثانيها

مستوى الفكر التاريخي، فمن جانب، تجدّد الوعي بالتاريخ وبسياقات إنتاجه ووظائفه، حيث عمل بعض المؤرخين على فهم وتفسير

التحوّل الذي أفضى ببلدهم إلى السقوط فريسة الجهل والتخلف والاستعمار، ومن هنا، فإن الوظيفة الجديدة للتاريخ تقتضي إعادة

8  المختار السوسي، سوسالعالمة (المحمدية: مطبعة فضالة، 1960)، ص 2. 9  عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة، جزآن (الرباط: المطبعة الملكية، 1961.) 10  محمد الكانوني، علائق أسفي ومنطقتها بملوك المغرب، تحقيق علال ركوك والرحالي رضوان ومحمد الظريف (الرباط: منشورات البحث والتوثيق والنشر، 11  ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس، ج 2، ص 235 – 236. 12  المرجع نفسه، ج 1، ص 465 - 479. 13  المرجع نفسه، ص 472. 14  عبد الأحد السبتي، "كتابة التاريخ في مغرب الحماية"، في: الذاكرة والهوية – أعمال مهداة إلى عبد المجيد القدري، تنسيق محمد جادور [وآخرون]

(الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، 2013)، ص 100. 15  ابن زيدان، العز والصولة، ص 6.- 7 16  المختار السوسي، حول مائدة الغداء (الرباط: مطبعة الساحل، [د. ت.])، ص 6.

  1. المختار السوسي، سوسالعالمة (المحمدية: مطبعة فضالة، 1960)، ص 2.
  2. عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة، جزآن (الرباط: المطبعة الملكية، 1961.)
  3. محمد الكانوني، علائق أسفي ومنطقتها بملوك المغرب، تحقيق علال ركوك والرحالي رضوان ومحمد الظريف (الرباط: منشورات البحث والتوثيق والنشر،
  4. ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس، ج 2، ص 235 – 236.
  5. المرجع نفسه، ج 1، ص 465 - 479.
  6. المرجع نفسه، ص 472.
  7. عبد الأحد السبتي، "كتابة التاريخ في مغرب الحماية"، في: الذاكرة والهوية – أعمال مهداة إلى عبد المجيد القدري، تنسيق محمد جادور [وآخرون] (الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، 2013)، ص 100.
  8. ابن زيدان، العز والصولة، ص 6.- 7
  9. المختار السوسي، حول مائدة الغداء (الرباط: مطبعة الساحل، [د. ت.])، ص 6.

كتابته "بما فيه من نواحي القوة والكمال والضعف والانحلال"، في إطار مشروع إصلاحي نهضوي يفضي إلى الاستقلال والرُقّي

الحضاري17؛ ومن جانب ثان، الوعي بتعدد ماهيات التأليف التاريخي، فقد ميّز محمد داود بين ثلاثة أصناف، هي: التأليف المدرسي

الذي يجب، بحسب قوله، "أّلا يُثْبَت فيه من الحوادث والأخبار والمواقف إّلا ما يناسب المقام من مفاخر وأمجاد"، والتاريخ الذي

يؤَّلَف لمقاومة العدوان والظلم والطغيان والتجبّر والاستعمار والاستغلال، فإن "من شأنه أن يحتوي على تشويه صورة الظالمين

المعتدين وهدمها بالحق وحتى بغيره"18، يتوسّل الصنف الأول بالانتقائية لأهداف بيداغوجية، وقد يوظف الثاني الخيال لتحقيق

العدل على مستوى السرديات التاريخية، وهذا ما يجعلهما أقرب ما يكون إلى الذاكرة الجماعية، ومن ثم، فهما يختلفان عن "التاريخ الحقيقي الذي يكتب للاعتبار، ويسجل مختلف الحوادث والأخبار، فينبغي أن يكون كالمرآة أو كالآلة المصوّرة التي تثبت الأشياء

كما هي"19. ومن جانب ثالث، الدعوة إلى الانطلاق من كتابة التاريخ الم لحي قبل كتابة تاريخ تركيبي، انطلاقًا من نتائجه، ليس على المقياس الوطني فحسب20، بل أيضًا على مقياس عالمي يتدرّج من العالم العربي إلى بلاد الإسلام، وصولًا إلى تاريخ العالم21. أما المستوى الثالثفيتعلق بالخطاب التاريخي، فقد جرى، على سبيل المثال، إغناء المعجم التاريخي بمفاهيم جديدة، غالبيتها مستوحاة من السياق الغربي المعاصر، وإن كان قد جرى إسقاطها على السياق التاريخي المغربي ما قبل الاستعمار، مثل الديمقراطية22 وحقوق الإنسان23 ونظام الحكم الدستوري24. بقيت التجديدات جزئية وفردية، ولم ترق إلى مستوى تحوّل شمولي للهيستوريوغرافيا المغربية من حال إلى آخر. وعلى العموم،

بقيت هذه الكتابة التاريخية تنتمي إلى المرحلة التي كان التاريخ فيها جزءًا من الذاكرة، وفق التعبير الذي استعمله كريستوف بوميان

لوصف وضعيته قبل أن يغدو تخصصًا أكاديميًا25. ولذلك، بقيت موسومة بكثير من سمات الذاكرة. لقد بقيت دواعي التأليف عن

الماضي مرتبطة بواجب الذاكرة، وواجب الَّدَيْن تجاه الأسلاف26 وحفظ الماضي من النسيان27 أو من التهميش المجالي28 أو

الاجتماعي29. وفضلًا عنه، اعتمدت أحيانًا على الذاكرة والرواية الشفوية، أو "التاريخ الحي" الذي "يجمع من الحقائق ما لا يوجد

في غيره"30، مصدرًا للكتابة، من دون حاسة نقدية تستحضر آفات الذاكرة31. وبناء عليه، فقد عكست رهانات الذاكرة وتمّثلّاتها

المطبوعة بالانفعالية والأسطورية والانتقائية.

17  داود، ص 24 - 25. 18  المرجع نفسه، ص 33. 19  المرجع نفسه، ص 34. 20  المرجع نفسه، ص 25؛ السوسي، سوس العالمة، ص أ. 21  السوسي، سوس العالمة، ص ج. 22  عبد الرحمن بن زيدان، الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة (الرباط: المطبعة الاقتصادية، 1937)، ص 7. 23  ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس، ج 2، ص 259 – 276؛ ابن زيدان، العز والصولة، ج 1، ص 116، ج 2، ص 114 - 115 - 132 - 145 - 148 - 228. 24  ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس، ج 4، ص 535 - 542.

25  Krzysztof Pomian, "De l'histoire, partie de la mémoire, à la mémoire, objet de l'histoire," Revue de Métaphysique et de morale , no. 1 (Mars 1998).

26  محمد بن محمد بن عبد الله بن الموقت المراكشي، السعادةالأبديةفيالتعريفبمشاهيرالحضرةالمراكشية، مراجعة وتعليق أحمد متفكر، ط 3 (مراكش:

مؤسسى آفاق للدراسات والنشر، 2011)، ص 13؛ ابن زيدان، الدررالفاخرة، ص 6. 27  عبد الحفيظ الفاسي، معجم الشيوخ: المسمى رياض الجنة أو المدهش المطرب (الرباط: المطبعة الوطنية، 1931)، ص 5. 28  السوسي، سوسالعالمة، ص أ. 29  عبد الكبير الكتاني، زهرةالآس في بيوتات أهل فاس، تحقيق علي بن المنتصر الكتاني، ج 1 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2002)، ص 19. 30  السوسي، حولمائدةالغذاء، ص 6. 31  المرجع نفسه، ص 105.

  1. داود، ص 24 - 25.
  2. المرجع نفسه، ص 33.
  3. المرجع نفسه، ص 34.
  4. المرجع نفسه، ص 25؛ السوسي، سوس العالمة، ص أ.
  5. السوسي، سوس العالمة، ص ج.
  6. عبد الرحمن بن زيدان، الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة (الرباط: المطبعة الاقتصادية، 1937)، ص 7.
  7. ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس، ج 2، ص 259 – 276؛ ابن زيدان، العز والصولة، ج 1، ص 116، ج 2، ص 114 - 115 - 132 - 145 - 148 - 228.
  8. ابن زيدان، إتحاف أعلام الناس، ج 4، ص 535 - 542.
  9. Krzysztof Pomian, "De l'histoire, partie de la mémoire, à la mémoire, objet de l'histoire," Revue de Métaphysique et de morale , no. 1 (Mars 1998).
  10. محمد بن محمد بن عبد الله بن الموقت المراكشي، السعادةالأبديةفيالتعريفبمشاهيرالحضرةالمراكشية، مراجعة وتعليق أحمد متفكر، ط 3 (مراكش: مؤسسى آفاق للدراسات والنشر، 2011)، ص 13؛ ابن زيدان، الدررالفاخرة، ص 6.
  11. عبد الحفيظ الفاسي، معجم الشيوخ: المسمى رياض الجنة أو المدهش المطرب (الرباط: المطبعة الوطنية، 1931)، ص 5.
  12. السوسي، سوسالعالمة، ص أ.
  13. عبد الكبير الكتاني، زهرةالآس في بيوتات أهل فاس، تحقيق علي بن المنتصر الكتاني، ج 1 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2002)، ص 19.
  14. السوسي، حولمائدةالغذاء، ص 6.
  15. المرجع نفسه، ص 105.

وقد هيمن على الكثير منها في نظرته إلى الماضي، ما سماه جاك لوغوف "أسطورة فضيلة السلف" و"الحنين إلى الماضي"32. وإضافة إلى ذلك، غلب على أكثرها الطابع السردي الأدبي، ومنها ما اعتمد أسلوب الحوليات الإخبارية، حيث سجّل حوادث الماضي

وفقًا لتعاقب الدول والحكام والسنوات في حالات كثيرة، من دون رابطة فكرية بينها، ولا تترك هذه الطريقة مج لًا لإمعان النظر في الحوادث وإبداء الموقف الإجمالي منها33. لم تخرج هذه الكتابة، عمومًا، من دائرة تقاطع الذاكرة والهوية والسياسة. لقد اختلفت مواقفها من نظام الحماية، فبينما أيّده

بعض المؤرخين من منطلق إصلاحي، ثم انتقده لاحقًا، نظرًا إلى عدم وفائه بالتزاماته الإصلاحية (محمد الحجوي)، تأرجح بعضٌ ثانٍ

بين أيديولوجية ذاكرة المخزن التقليدي، واستراتيجية الحماية في توظيف المؤسسات التقليدية المغربية (عبد الرحمن بن زيدان)، وكانت كتابة بعض ثالث ذات أبعاد نضالية وطنية (علال الفاسي)، وقد ركّز بعضُها على التاريخ الم لحي (المختار السوسي ومحمد داود... إلخ)، لأسباب تتعلق أساسًا بالحافز الهوياتي من خلال التأكيد على أصالة النخب الثقافية الم لحية، وباشتغال ثقافة الرقابة

الذاتية، الأمر الذي نتج منه تجنب التاريخ السياسي والشعور بأن عملية التجديد لا يمكن أن تتم سوى بتوفير المادة التوثيقية للأجيال اللاحقة34.

2.ذاكرة استعمارية مدبَّرة

ظهرت كتابات استعمارية فرنسية قبل إعلان نظام الحماية في المغرب وبعده، بعضها ينتمي إلى حقول معرفية مختلفة، خاصة الإثنوغرفيا والأنثروبولوجيا والتاريخ والجغرافيا... إلخ، وبعضها الآخر من تأليف بعض مسؤولي نظام الحماية وضباطه في الشؤون الأهلية. وفي سياق بروز ما سُمّي "المسألة المغربية" في بداية القرن العشرين، نتيجة ارتفاع حدّة التنافس الاستعماري بين قوى أوروبية

متعددة حول المغرب، ارتفعت وتيرة تلك الكتابات، بل جرى تنظيمها في مؤسسات علمية، وعلى رأسها البعثة العلمية الفرنسية التي

أُسّست في عام 1903، وتبنّت توجهًا يقضي بالانتقال من الدراسات الاستشراقية المحض إلى أعمال ذات صيغة عملية تُلبّي حاجات

صانعي القرار والمخططين الفرنسيين لاستعمار المغرب35. وقد نشر الكثير من هذه الأعمال في سلسلة "الأرشيفات المغربية" التي أصدرتها تلك البعثة. كان الهدف من الهيستوريوغرافيا الاستعمارية، إذًا، توفير معرفة "علمية" شاملة عن المغرب، تساعد في صوغ سياسة مناسبة لاستعماره بأقل تكلفة مادية وبشرية، وتيسير مهمة حكمه بعد احتلاله، وإقناع الرأي العام الفرنسي بذلك36. لهذا، اهتمت بتاريخ المغرب وبنياته الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية والاقتصادية. لكن، رسمت غالبيتها صورةً سلبية عن هذا التاريخ، خاصة الفترة الإسلامية منه. فإضافة إلى أن الكثير منها أضفى صورًا غرائبية على المغرب ومكوّناته البشرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، من

أبرزها أنه بلد أسطوري عتيق، يُشكّل جزءًا من الشرق37، وأن المغربي هو ذلك الإنسان "المتوحّش الطيب" والبدائي38، فإن منها

32  Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988), p. 240.

33  ليفي بروفنصال، مؤرخوالشرفاء، تعريب عبد القادر الخلادي (الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977)، ص 69 - 70. 34  السبتي، ص 91 – 101. 35  إدموند بورك III، الدولة الإثنوغرافية: فرنسا واختلاق الإسلام المغربي، ترجمة محمد أعفيف (الرباط: منشورات جامعة الرباط الدولية؛ دار أبي رقراق للطباعة

والنشر، 2023)، ص 101. 36  المرجع نفسه، ص 23.

37  Pierre Loti, Au Maroc (Paris: La boite à documents, 1988), p. 26. 38  Ibid., p. 100.

  1. Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988), p. 240.
  2. ليفي بروفنصال، مؤرخوالشرفاء، تعريب عبد القادر الخلادي (الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977)، ص 69 - 70.
  3. السبتي، ص 91 – 101.
  4. إدموند بورك III، الدولة الإثنوغرافية: فرنسا واختلاق الإسلام المغربي، ترجمة محمد أعفيف (الرباط: منشورات جامعة الرباط الدولية؛ دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2023)، ص 101.
  5. المرجع نفسه، ص 23.
  6. Pierre Loti, Au Maroc (Paris: La boite à documents, 1988), p. 26.
  7. Ibid., p. 100.

من وصف إسلام المغاربة بالسطحي والخرافي39، ومن اعتبر أن تاريخ هذا البلد يتّسم بغياب الدولة40 وسيادة الفوضى والصراع

والعنف المستدامين، سواء بين بلاد المخزن أو بلاد السيبة، أو بين القبائل نفسها41، والانحطاط الحضاري، بينما أعلى من شأن الاحتلال الروماني في المغرب القديم واعتبره فترة رقي حضاري42، ومن ثم، فقد سعى من خلال ذلك لإضفاء الشرعية على الوجود الاستعماري الفرنسي المعاصر باعتباره وريثًا للفترة الرومانية وجالبًا ل حلضارة إلى المنطقة. وظّفت فرنسا الكثير من مخرجاتها لرسم معالم السياسة الأهلية والإسلامية لنظام الحماية الذي أقامته في المغرب. وتقوم هاتان السياستان على إعادة إنتاج الماضي ومخزونات الذاكرة الجماعية وتقاليد البلد ورموزه وتوظيف بنياته التقليدية، بغرض إضفاء الشرعية

على هذا النظام وتيسير حُكْمِه المغرب بأقل تكلفة. عكست هذه الكتابات، في جوانب منها، نزعة المركزية الأوروبية والشعور بالتفوّق الحضاري الغربي وتمّثلّات الذاكرة الجماعية

الغربية عن المغرب والعالم الإسلامي، وجزء منها موروث عن أزمنة الحروب الصليبية. وعبّرت عن الكثير من التصوّرات الأيديولوجية

الاستشراقية. وكانت أيضًا جزءًا من الذاكرة الكولونيالية التي عملت على إبراز "الرسالة التمدينية" لفرنسا في ما وراء البحار43، وتبرير

الاستعمار وإخفاء أهدافه الحقيقية والسكوت عن ممارساته القمعية. لذا، اتّسمت تمثلاتها بطغيان الأيديولوجيا على الجانب العلمي؛ إذ يصبح من المجازفة الحديث عن كتابة ذات طابع أكاديمي44. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الكتابات وفّرت، على الرغم من أغراضها الاستعمارية، معلومات كثيرة لم تَِرد في الكتابة التاريخية "التقليدية"45. وبينما تمكّن هذه الكتابة من التعرف إلى فكر النخبة المغربية وأعمالها، توفر الهيستوريوغرافيا الكولونيالية معطيات

تاريخية عن المجتمع ومكوّناته وأنظمته46. ويجب تمييز الكتابات التي أُلّفت لأهداف استعمارية (ميشو بلير وهنري تيراس وروبير

مونتاني وجورج سبيلمان... إلخ)، من تلك التي كُتبت في السياق الكولونيالي، وانتقدت الرواية الاستعمارية في سياق تصفية الاستعمار ومناهضته (جاك بيرك)، أو دعمت القضية الوطنية المغربية (شارل أندري جوليان).

3.ذاكرة وطنية نضالية

في مواجهة المنظور الاستعماري للتاريخ، عملت الحركة الوطنية على إعادة بناء الذاكرة التاريخية المغربية، وقد كان وراء ذلك تحقيق جملة من الأهداف. يتمثل أولها في التأصيل التاريخي لعمل هذه الحركة، ويدخل في هذا الإطار تبنّيها الدعوة السلفية التي

اعتبرت أن المدخل الإصلاحي لدين الأمة ودنياها، يتمثل في الاستلهام من الأصول التأسيسية للرسالة المحمدية والاقتداء بما كان عليه السلف الصالح خلال العصر الذهبي في الذاكرة الإسلامية العميقة. واحتفت بمراحل التاريخ التي عرفت وصول تلك الدعوة

39  René De Segonzac, Au cœur de l'Atlas: Mission au Maroc 1904 - 19 05 (Paris: Emile Larose, 1910), pp. 265 - 268. 40  E. Michaux-Bellaire, Le Rif (Cour des affaires indigènes, Direction des Affaires Indigènes et du Service des Renseignements, Protectorat de la République Française au Maroc, 1925), p. 3. 41  Henri Terrasse, Histoire du Maroc tome 1 (Casablanca: Atlantide, 1952), p. 33 ; Ibid., tome 2 , p. 422. 42  Emile F. Gautier, Les siècles obscurs du Maghreb: L'islamisation de l'Afrique du Nord (Paris: Payot, 1927). 43  Pascal Blanchard & Nicolas Bancel, Culture post–coloniale 1961 - 2006: Traces et mémoires coloniales en France , Collection Mémoires 126 (Paris: Autrement, 2005), p. 22. 44  Jamaâ Baida, "Le Maroc au 20 ° siècle entre histoire et mémoire," Revue de la Recherche Historique , no. 1 (2003), p. 49.

45  إبراهيم بوطالب، "البحث الكولونيالي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية: حصيلة وتقويم"، في: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، سلسلة

ندوات ومناظرات 14 (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989)، ص 121. 46  بورك III، ص 21.

  1. René De Segonzac, Au cœur de l'Atlas: Mission au Maroc 1904 - 19 05 (Paris: Emile Larose, 1910), pp. 265 - 268.
  2. E. Michaux-Bellaire, Le Rif (Cour des affaires indigènes, Direction des Affaires Indigènes et du Service des Renseignements, Protectorat de la République Française au Maroc, 1925), p. 3.
  3. Henri Terrasse, Histoire du Maroc tome 1 (Casablanca: Atlantide, 1952), p. 33 ; Ibid., tome 2 , p. 422.
  4. Emile F. Gautier, Les siècles obscurs du Maghreb: L'islamisation de l'Afrique du Nord (Paris: Payot, 1927).
  5. Pascal Blanchard & Nicolas Bancel, Culture post–coloniale 1961 - 2006: Traces et mémoires coloniales en France , Collection Mémoires 126 (Paris: Autrement, 2005), p. 22.
  6. Jamaâ Baida, "Le Maroc au 20 ° siècle entre histoire et mémoire," Revue de la Recherche Historique , no. 1 (2003), p. 49.
  7. إبراهيم بوطالب، "البحث الكولونيالي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية: حصيلة وتقويم"، في: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، سلسلة ندوات ومناظرات 14 (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989)، ص 121.
  8. بورك III، ص 21.

وحضورها في المغرب. بيد أن رهانًا سياسيًا كَمُن أيضًا وراء ذلك، يتمثل في مواجهة الزوايا باعتبارها قوى سياسية منافسة، وتحميلها

المسؤولية عن التخلف والاستعمار، وتهميش الإسلام في "صيغته" المغربية الذي أسهمت تلك الزوايا في تشكّله، وقام بدور كبير في مواجهة الظاهرة الاستعمارية منذ الحقبة الحديثة؛ لأن طابعه الجهادي، والمهدوي أحيانًا، وقيامه على قيم قبلية ومحلّية، لم يكن يتوافق مع النهج الإصلاحي الوطني، ويتيح للزوايا إمكانات كبرى لقيادة الناس47. ويظهر من خلال الممارسة السياسية أن الحركة لم تُحدث قطيعة نهائية مع هذا الإسلام، بل أعادت قراءته قصد عقلنته وإكسابه بعدًا إصلاحيًا يلائم المقاومة السياسية السلمية. ويتجلّى الهدف الثانيفي مواجهة الأطروحات الاستعمارية ونقضها، بالتأكيد، مثلًا، على أن وجود الدولة في تاريخ المغرب "حقيقة بيّنة ودائمة"، وأن "علاقة الحكومة بالشعب كانت على العموم محكومة بالقانون الإسلامي الذي يشكل القانون العام

للدولة"48. ويتعلق الهدف الثالثببثّ الوعي الوطني، من خلال العمل الثقافي والتعليمي في صفوف الناس، باستحضار بعض صفحات الماضي من خلال الأنشطة المسرحية، مثلًا، التي كانت تعرض فيها روايات تاريخية، مثل صلاح الدين الأيوبي وهارون الرشيد والبرامكة، وغير ذلك49. وقد كانت الذاكرة موردًا أساسيًا من موارد بناء شرعية عمل الحركة الوطنية. لقد سعت لأن تُبيّن أن مقاومتها للاستعمار المعاصر

ما هي إّلا وريثة للمقاومات المغربية عبر التاريخ. وكان من أهداف وضع هذه الاستمرارية إضفاء الشرعية على المقاومة السياسية، والتأكيد على أن اندحار الجهاد المسلح الذي ظهر قُبيل توقيع معاهدة الحماية وبعده، باعتباره أحد مكوّنات الوطنية الجنينية

Protonationalisme، يؤمن للوطنية السياسية التمثيل الحصري للتاريخ المغربي50. وفضلًا عن ذلك، فقد وظّفت الحركة الذكرى في محاولة لكسب السلطان في مواجهة النظام الاستعماري، ونموذج ذلك احتفالها بذكرى عيد العرش في عام 1933، للمرة الأولى في تاريخ المغرب. علاوة على ما سلف، كانت الذاكرة آليةً سياسيةً وظفتها الحركة الوطنية في مواقفها من نظام الحماية وسياساته. وفي هذا الصدد، كان بعض الوطنيين المغاربة يستعيد جوانب من الماضي الفرنسي، خاصة عصر الأنوار والثورة الفرنسية وميثاق حقوق الإنسان، لإبراز التناقض بين التاريخ الوطني لفرنسا وتاريخها الاستعماري، ولإحراج نظام الحماية وكسب تعاطف النخب الفرنسية مع القضية المغربية. وفي فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، كانت كتاباتهم مُعبّرة عن السياق الإصلاحي الوطني. ونشير هنا مثلًا إلى مقالات

صحافية تضمّنت قراءات في التاريخ ومواقف سياسية عكست تلك التصوّرات وموازين القوى السياسية التي كانت في مص حلة نظام

الحماية، وحملت سِمات خطاب سياسي معارض من داخل هذا النظام. ومن هذه المقالات ما عاد إلى أزمنة بعيدة في القدم، مثل الفتح الإسلامي والدول الأمازيغية التي تعاقبت على حكم المغرب، من أجل التأكيد على الوحدة الوطنية وتمسك المغاربة بالإسلام وانتمائهم إلى حضارته وإسهامهم الكبير في بنائها51، وذلك في إطار مواجهة السياسة البربرية الفرنسية، خاصة "الظهير البربري"

47  نور الدين الزاهي، الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص 136 - 137.

48  Mohammed Ouezzani, "Protectorat: L'infidélité à la mission," Revue Maghreb , no. 11 (Juillet 1933), p. 17.

49  أبو بكر القادري، مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930 إلى 1940، ج 1 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992)، ص 230 - 237؛ أحمد معنينو،

ذكريات ومذكرات، ج 1 (طنجة: مطبعة سبارتيل، 1991)، ص 118 - 128.

50  Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830 - 1912) (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1993), p. 424. 51  Mohammed Lyazidi, "Divers aspects de la politique berbère au Maroc," Revue Maghreb , no. 11 (Mai-Juin 1933), pp. 8 - 19.

  1. نور الدين الزاهي، الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011)، ص 136 - 137.
  2. Mohammed Ouezzani, "Protectorat: L'infidélité à la mission," Revue Maghreb , no. 11 (Juillet 1933), p. 17.
  3. أبو بكر القادري، مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930 إلى 1940، ج 1 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992)، ص 230 - 237؛ أحمد معنينو، ذكريات ومذكرات، ج 1 (طنجة: مطبعة سبارتيل، 1991)، ص 118 - 128.
  4. Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830 - 1912) (Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1993), p. 424.
  5. Mohammed Lyazidi, "Divers aspects de la politique berbère au Maroc," Revue Maghreb , no. 11 (Mai-Juin 1933), pp. 8 - 19.

وفق رؤية عربية إسلامية. ومنها ما استحضر التاريخ القريب والراهن للبرهنة على عدم وفاء نظام الحماية بمقتضيات معاهدة الحماية، وسلوكه في ممارساته السياسية مسلك الإدارة الاستعمارية المباشرة، والمسّ بسيادة السلطان وسلطته، وممارسته العنف والقمع

وانتهاك الحقوق والحريات، وعدم إنجاز الإصلاح الذي نصّت عليه تلك المعاهدة، وغير ذلك52. وقد شهد الخطاب الوطني تطورًا واضحًا بعد تحوّل الحركة الوطنية نحو المطالبة بالاستقلال في ظرفية الحرب نفسها.

ومثال ذلك كتاب علال الفاسي الحركات الاستقلالية في المغرب العربي53(1948) تلبية لطلب من جامعة الدول العربية، حيث تميّز الكتاب بالمواجهة السياسية المباشرة مع النظام الاستعماري والدعوة إلى التحرر منه، لأنه كُتب في سياق استقلالي،

تأزّمت خلاله العلاقة بين الإقامة العامة الفرنسية والسلطان والحركة الوطنية، وكان صاحبه مستقرًا في القاهرة، ما جعله متحررًا

من الإكراهات السياسية لسلطة الحماية التي خضعت لها كتابات محمد حسن الوزاني. وقد اعتمد الفاسي فيه قراءة قومية عربية وإسلامية للتاريخ المغربي، علمًا أن المشرق العربي الذي خاطبه وسعى لكسب دعمه للقضية المغربية، عرف حضورًا كبيرًا لأفكار

القومية العربية والسلفية الدينية. وقد أفضت به هذه القراءة إلى إسقاط الكثير من عناصر الحاضر على الماضي، بما فيه مرحلة ما قبل دخول الإسلام. وتجدر الإشارة إلى تحوّل مهم على مستوى الذاكرة خلال زمن الحماية. ففي الوقت الذي استمر حضور ذاكرات م لحية تُؤَرَّخ

بأحداث عسكرية م لحية مرتبطة، خصوصًا بالمقاومة المس حلة أو بكوارث أو شدائد، فقد بدأت تظهر ذاكرة وطنية عبر مجموع التراب

الوطني المغربي، اتّخذت أشك لًا وتجليات سياسية وثقافية نخبوية وشعبية، كانت من نتائج بناء الدولة الترابية الحديثة التي بسطت سلطتها الإدارية على المجال الترابي ووحّدت الكثير من الممارسات الإدارية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فأسهم

ذلك في بناء تمّثلّات جماعية للماضي على مستوى الُّسَُّلَم الوطني54. وقد اتّضح هذا الأمر جلًّيًا بعد استقلال المغرب وسعيه لبناء

دولته المستقلة.

ثانيًا: استقلال المغرب وبناء الذاكرة الوطنية

شرع المغرب بعد استقلاله في بناء دولته الوطنية المستقلة، وذلك في ظرفية دولية تميزت بتصاعد الحركات التحررية ومناهضة الاستعمار وتصفيته، وبروز العالم الثالث وصعود نجم القومية العربية ونشوب الحرب الباردة. وقد كان من نتائج ذلك أن أصبح التاريخ شأنًا سياسيًا، راهنت عليه القوى السياسية لتقوية شرعيتها الوطنية، وذلك في أجواء الصراع السياسي.

1.الذاكرة والشرعية

كانت الدولة الوطنية، الحديثة العهد بالاستقلال، ترى في التاريخ قضية دولة، لأن شرعيتها تؤسّس عليه. لهذا، كانت في حاجة

م لحّة إلى سردية تؤكد عمقها التاريخي والحضاري، وتوحّد الأمة وتُقوّي اللُحمة الوطنية، وتعيد بناء الهوية والذاكرة الجماعية وتحرّرها

من الاستعمار55.

52  Mohammed Ouezzani, "Protectorat," Revue Maghreb , no. 9 (Mars 1933), pp. 31 - 34.

53  علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ط 6 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة؛ مؤسسة علال الفاسي، 2003.) 54  عبد الأحد السبتي، من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخ (إيطاليا: منشورات المتوسط، 2022)، ص 423 - 593.

55  Driss Maghraoui, "Histoire et mémoire: Quels enjeux politiques au Maroc," in: Mohamed Kenbib (coordination), Temps présent et fonction de l'historien (Rabat: Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2009), p. 20.

  1. Mohammed Ouezzani, "Protectorat," Revue Maghreb , no. 9 (Mars 1933), pp. 31 - 34.
  2. علال الفاسي، الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ط 6 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة؛ مؤسسة علال الفاسي، 2003.)
  3. عبد الأحد السبتي، من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخ (إيطاليا: منشورات المتوسط، 2022)، ص 423 - 593.
  4. Driss Maghraoui, "Histoire et mémoire: Quels enjeux politiques au Maroc," in: Mohamed Kenbib (coordination), Temps présent et fonction de l'historien (Rabat: Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2009), p. 20.

وقد أدى بعث الماضي على الصعيد الرسمي إلى إعادة بناء وطنية وفيّة لتلك التي كانت قبل عام 1956 في وجهتها وتنظيمها

وبرامجها56، وجرى ترسيخ منظور مشترك وأحادي للهوية الوطنية بين حزب الاستقلال والقصر الملكي، قائم على ثلاثة مرتكزات:

النظام الملكي والعروبة والإسلام، في حين هُمّشت بقية المرتكزات. ولتأكيد هذا المنظور، انتُقِيَت الأحداث المشرقة وخُِّلِدت الأمجاد.

لقد اعتبر علال الفاسي، على سبيل المثال، في مهرجان خطابي بالعرائش في عام 1958 تخليدًا لذكرى معركة وادي المخازن، أن هذه

المعركة تشكل إحدى أكبر لحظات تأكيد الهوية الوطنية والدينية والوحدة الوطنية للمغرب57. ومن أبرز ما جرى التركيز عليه، في ما يتعلق بزمن الحماية، مسألة وحدة الأمة المغربية التي كانت قد حفّزت الحركة الوطنية على مواجهة الحماية، انطلاقًا من إصدار ظهير 16 [أيار/ مايو] ماي 1930، وقد أسهمت هذه السياسة "البربرية" الفرنسية، خلال عقود طويلة، في إبطال شرعية المطالب الأمازيغية58. وبينما هُمّشت مساهمة قوى وطنية أخرى، خاصة حزب الشورى والاستقلال والحزب الشيوعي وجيش التحرير، في صنع

حوادث الكفاح الوطني، فقد هيمن حزب الاستقلال، أكبر حزب سياسي في هذه الفترة، على السرديات الحزبية التي استعادت هذه الحوادث. لقد صدر عن مؤتمره في عام 196059، في أجواء الانشقاق في صفوفه الذي أدى إلى تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وانطلاق الصراع بين الحزبين، تقرير سياسي كتبه زعيمه علال الفاسي، أعاد إنتاج المنظور الذي تبنّاه الحزب خلال

فترة الكفاح ضد المستعمر، ويقوم على الإصلاح الديني السلفي والانتماء القومي العربي والتحالف بين الملكية والحزب. بعد سنتين من ذلك، ظهر تقرير آخر تبنّى منظورًا مناقضًا وذاكرة معارضة بنبرة ثورية. يتعلق الأمر ب "الاختيار الثوري "60 الذي

وجّهه المهدي بنبركة إلى المؤتمر الوطني لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنظم في عام 1962. وقد عكست استعادة بنبركة

لمرحلة الحماية حالة الصراع التي دخل فيها حزبه مع حزب الاستقلال ومع الملكية. وعلى الرغم من أنه من السياسيين الذين أسهموا في المفاوضات مع فرنسا التي أفضت إلى عودة السلطان من المنفى واستقلال المغرب، فإنه قد انتقد التسويات التي تمخّضت عنها، خاصة مسألة ربط استقلال المغرب بعودة السلطان المنفي، ووصف تلك التسويات بأنصاف ال لحول التي أدّت إلى استقلال منقوص.

2.تاريخ من أجل ذاكرة وطنية

في هذا السياق الذي اتسم بهيمنة الذاكرة والرغبة في تحريرها، تأخر البحث التاريخي الأكاديمي. ولم يكن المؤرخون خلاله مستعدين للاستفادة من المدارس التاريخية المعاصرة، وعلى رأسها مدرسة الحوليات، قبل تصفية الحساب مع التاريخ الكولونيالي61. لهذا، ظهرت كتابة تاريخية وطنية حملت على عاتقها مواجهة الكتابة الاستعمارية وتحرير التاريخ الوطني وإعادة بناء الهوية على أسس عربية إسلامية. ومن أبرز رموزها المؤرخان جرمان عياش62 ومحمد المنوني63.

56  Laroui, p. 16. 57  Lucette Valensi, Fables de la mémoire: La glorieuse bataille des trois rois (Paris: Seuil, 1992), p. 237.

58  عبد الأحد السبتي، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 189. 59  علال الفاسي، عقيدة وجهاد: نص التقرير الذي ألقاه الرئيس علال الفاسي في المؤتمر العام لحزب الاستقلال، 8 - 10 يناير 1960 (الرباط: المطبعة

الاقتصادية، 1960.) 60  المهدي بنبركة، الاختيار الثوري في المغرب (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011). 61  محمد المنصور، "الكتابة التاريخية بالمغرب خلال ثلاثين سنة (1956 - 1986) ملاحظات عامة"، في: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، ص 19. 62  من بين كتابات: جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الرباط/ الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986)؛ جرمان عياش، أصول حرب

الريف، ترجمة محمد أمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني (الرباط: الشركة المغربية المتحدة، 1992.) 63  من بين كتابات محمد المنوني: محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، 2 ج (الدار البيضاء: منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛

شركة النشر والتوزيع والمدارس، 1985.)

  1. Laroui, p. 16.
  2. Lucette Valensi, Fables de la mémoire: La glorieuse bataille des trois rois (Paris: Seuil, 1992), p. 237.
  3. عبد الأحد السبتي، التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص 189.
  4. علال الفاسي، عقيدة وجهاد: نص التقرير الذي ألقاه الرئيس علال الفاسي في المؤتمر العام لحزب الاستقلال، 8 - 10 يناير 1960 (الرباط: المطبعة الاقتصادية، 1960.)
  5. المهدي بنبركة، الاختيار الثوري في المغرب (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011).
  6. محمد المنصور، "الكتابة التاريخية بالمغرب خلال ثلاثين سنة (1956 - 1986) ملاحظات عامة"، في: البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم، ص 19.
  7. من بين كتابات: جرمان عياش، دراسات في تاريخ المغرب (الرباط/ الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986)؛ جرمان عياش، أصول حرب الريف، ترجمة محمد أمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني (الرباط: الشركة المغربية المتحدة، 1992.)
  8. من بين كتابات محمد المنوني: محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، 2 ج (الدار البيضاء: منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛ شركة النشر والتوزيع والمدارس، 1985.)

تميزت هذه الكتابة بتقديس الوثائق والمصادر الوطنية، خاصة المخزنية، وتهميش الوثائق الأجنبية، وغض الطرف عن الذاكرة والرواية الشفوية في كتابة التاريخ. وحاولت إبراز الوحدة الوطنية وتأكيد وجود الدولة في تاريخ المغرب. وغالبًا ما أرجعت سبب جمود هذا

البلد وتأخّره واضطرابه والصراع بين مكوّناته السياسية والاجتماعية إلى عوامل خارجية، تتمثّل في الضغوط والتدّخلّات الاستعمارية.

لكن، يُرجعه بعضُها، على قلّته، إلى أسباب داخلية أيضًا. لقد عملت على دحض الأطروحة الاستعمارية جملة وتفصيلًا، وصاغت صورة ناصعة البياض لتاريخ المغرب، وأعطت الأولوية ل حلدث السياسي. وبذلك، تميّزت بمنسوب عالٍ من الجدال والذاتية والأيديولوجيا، ما جعلها قريبة من بناء ذاكرة وطنية، أكثر منها

أبحاث أكاديمية علمية64.

3.ذاكرة مفروضة ونسيان مُرْغَم

احتدم الصراع والعنف السياسيان في المغرب منذ الستينيات، خاصة خلال سنوات الرصاص، وقد نجم عن ذلك انتهاكات لحقوق الإنسان. ولم تكتف الدولة في مواجهتها مع المعارضة السياسية باستعمال العنف المادي، بل لجأت أيضًا إلى فرض التقليد في الحياة السياسية65 باستعادة الكثير من رموز الثقافة المخزنية التقليدية ومكوّناتها، واعتمدت العنف الرمزي الذي

يقوم، بحسب بورديو، على فرض الرموز الثقافية وتصوّرات الشرعية التي تعكس علاقات القوة66. وفي هذا الإطار، فرضت

منظورها للماضي وذاكرتها الرسمية67، عن طريق أجهزتها الأيديولوجية، خاصة المدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والمواسم والاحتفالات وتخليد الذكريات68. وفي هذه الأجواء المتّسمة بالعنف السياسي، خاصة عنف الدولة، أصبح وجود

ذاكرات منافسة أو مناقضة أو معارضة أمرًا صعبًا. وقد شكّلت هذه الهيمنة خطرًا على استعادة حوادث الذاكرة، يكمن في

"استعمال تاريخ مسموح به ومفروض ومُحتفى به من طرف التاريخ الرسمي، وعندما تأخذ السلطات العليا هذه الحبكة وتفرض

سردًا شرعيًا عن طريق التخويف والتضليل والتملق، تصبح مصادر السرد عبارة عن فخاخ. وفي هذه الحالة ينشأ شكل ماكر

من النسيان من طرف الفاعلين الاجتماعيين بسبب فقدانهم سلطتهم الأصلية ل حلكي بأنفسهم"69. لهذا، كانت المذكرات السياسية التي كُتبت في هذه الفترة نادرة جدًا، ولم تخرج عن التصور الوطني والرسمي، مثل مذكّرات محمد حسن الوزاني

التي ألّفها في السنوات الأولى من السبعينيات، وقدم فيها رواية لتاريخ الحركة الوطنية مخالفة لرواية حزب الاستقلال، ليس في المسار العام لهذا التاريخ، بل في التفاصيل الجزئية المتعلّقة بدور كل حزب فيه، حيث عمل على رفع التهميش الذي شمل دوره وتنظيمه الوطني70. وإذا كانت الفترة الممتدة من الاستقلال قد شهدت هيمنة الذاكرتين الوطنية والرسمية والتاريخ الوطني، فقد عرفت سنوات السبعينيات البدايات الأولى للتاريخ الأكاديمي.

64  Jamaâ Baida, "Historiographie marocaine: De l'histoire contemporaine à l'histoire du temps présent," in: Mohamed Kenbib (Coordination), Du Protectorat à l'indépendance: Problématique du temps présent (Rabat: Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2006), p. 13. 65  Laroui, p. 16.

66  بيير بورديو، العنف الرمزي (بحث في أصول علم الاجتماع التربوي)، ترجمة نظير جاهل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994.)

67  Valensi, pp. 238 - 249. 68  Maghraoui, p. 25. 69  Paul Ricœur, La Mémoire. L'Histoire. L'Oubli (Paris: Seuil, 2000), p. 580.

70  محمد حسن الوزاني، مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحريرية المغربية، 6 ج (فاس: مؤسسة محمد حسن الوزاني، 1982 - 1987.)

  1. Jamaâ Baida, "Historiographie marocaine: De l'histoire contemporaine à l'histoire du temps présent," in: Mohamed Kenbib (Coordination), Du Protectorat à l'indépendance: Problématique du temps présent (Rabat: Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2006), p. 13.
  2. Laroui, p. 16.
  3. بيير بورديو، العنف الرمزي (بحث في أصول علم الاجتماع التربوي)، ترجمة نظير جاهل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994.)
  4. Valensi, pp. 238 - 249.
  5. Maghraoui, p. 25.
  6. Paul Ricœur, La Mémoire. L'Histoire. L'Oubli (Paris: Seuil, 2000), p. 580.
  7. محمد حسن الوزاني، مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحريرية المغربية، 6 ج (فاس: مؤسسة محمد حسن الوزاني، 1982 - 1987.)

4.التاريخ وعقلنة الذاكرة

أسهم تزايد عدد الجامعات المغربية في انطلاق البحث التاريخي الأكاديمي، من دون أن ننسى أدوار باحثين أجانب، فرنسيين وأنكلوسكسونيين، في الخصوص، في هذا المسار. وقد تميّز هذا البحث بانفصاله عن الإرث الكولونيالي وتينك

الذاكرتين، وارتباطه تدريجًا برهانات البحث العلمي. واتّسم بتأثره بمدرسة الحوليات الفرنسية، ومن تجليات ذلك استبداله التاريخ

الحدثي القصير بالتاريخ البنيوي الطويل الآماد، وانفتاحه على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وتجديده مفهوم الوثيقة التاريخية ليشمل الوثائق الأجنبية والروايات الشفوية والمصادر الغميسة، مثل التراجم والمناقب والأنساب والفتاوى الدينية... وغيرها، واتّجه الباحثون الجدد نحو القيام بتاريخ إشكالي، وانفتحوا على مواضيع جديدة، خاصة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني والذهنيات والأنثروبولوجيا التاريخية والعلاقات مع الآخر، بينما انحسر التاريخ السياسي واتّجه نحو دراسة آليات السلطة والحكم ومؤسساته71. نحت غالبية الباحثين نحو البحث المونوغرافي، لاقتناعها بأنه معبر أساسي نحو كتابة التاريخ الشمولي وت لحيل البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لكن يلاحظ أنه باستثناء حالات نادرة جدًا، مثل تاريخ المغربالذي أصدره مؤرخون مغاربة وأجانب، ومجمل تاريخ المغربوتاريخ المغارب: محاولة في التركيبلعبد الله العروي، وتاريخ المغرب: تحيين وتركيب الذي أصدره المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، بقي البحث محصورًا في الإطار المونوغرافي، ولم ينتقل إلى مستوى

التركيب الذي من شأنه أن يطوّر المعرفة التاريخية، ويمنحها مكانة بين العلوم الاجتماعية72. يلاحظ أن التاريخ الأكاديمي، على الرغم مما حققه من تطورات منهاجية وتراكمات معرفية، ومساهمته في عقلنة الذاكرات الفردية والجماعية، فإنه لم يحقق قطيعة تامة معها. فالكثير من الأبحاث ما زال متأثرًا بالمنظور الوطني السجالي، ويتضح ذلك

من خلال التركيز على مواضيع هوياتية، من قبيل الاستعمار والمقاومة، والمغرب والغرب، والدولة وعلاقتها بالإصلاح والقبيلة والفقهاء والزاوية والنسب الشريف، وغير ذلك. وبناء عليه، يميل المؤرخ إلى اختيار مراحل التألق، ويهمل مراحل التراجع73. وحمل عدد من الأبحاث الكثير من "البطولة المبطنة" والنضالية والوطنية" والمفاهيم التي تنتمي إلى حقل الذاكرة أكثر من التاريخ، من قبيل "الدفاع عن الوطن" و"الذود عن قدسية الدين الإسلامي" و"العدو"، وبذلك تحوّلت كتابة التاريخ، في بعض

الحالات، إلى بحث عن الهوية ومحاولة دعمها وترسيخ الذاكرة الجماعية74. وقد أدى استمرار هذا المنظور الوطني إلى نموّ ذهنية م لحية لدى عدد من المؤرخين المغاربة، أسهم في عدم انفتاحهم على

الكتابة التاريخية الغربية والدولية، ما جعلهم غير قادرين على مواكبة المفاهيم والمكتسبات والإشكاليات التاريخية الجديدة. وفي ما يتعلق بالمصادر والوثائق، يلاحظ استمرار هشاشة الاعتبارات المنهجية المتعلقة بمساءلة الإشكاليات وطرحها على هذه المصادر من أجل توظيفها في الكتابة التاريخية75.

71  محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015) ص 35 - 36. 72  المرجع نفسه، ص 67 - 68. 73  السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 55. 74  عبد الرحيم بنحادة، "البحث التاريخي في الجامعة المغربية: العصور الحديثة نموذجًا"، في: الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا،

تنسيق عبد الرحمن المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)، ص 18 - 19. 75  السبتي، التاريخ والذاكرة، 55 – 57.

  1. محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 2015) ص 35 - 36.
  2. المرجع نفسه، ص 67 - 68.
  3. السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 55.
  4. عبد الرحيم بنحادة، "البحث التاريخي في الجامعة المغربية: العصور الحديثة نموذجًا"، في: الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا، تنسيق عبد الرحمن المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007)، ص 18 - 19.
  5. السبتي، التاريخ والذاكرة، 55 – 57.

تجدر الإشارة إلى أزمة البحث التاريخي وتراجعه خلال العقود الأخيرة، ليس في المغرب فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضًا. وفي هذا الصدد، هناك من اتّهم التاريخ بعدم علميته واعتبره مجرد سرد أدبي76. وثمة من لاحظ "عودة الحدث"77

السياسي الذي طالما همّشته مدرسة الحوليات. فضلًا عمّن تحدّث عن "التاريخ المفتت"78، المهدد بالتشظّي نتيجة تعدد

مواضيعه، وبفقدان هويته بسبب اعتماده على غيره من العلوم الإنسانية. وقد وصف مؤرخون مغاربة وضعية التاريخ المغربي بنعوت تحيل إلى أزمته، منها "التراجع" و"الانكماش"79 و"البؤس "80. وإضافة إلى الإكراهات السياسية والمعرفية وصعوبة ظروف البحث، فإن التاريخ يكتب في المغرب خلال العقود الأخيرة، باستعارة قولة لبيير نورا، تحت ضغط الذاكرات ومصالحها وفضولها81.

ثالثًا: عودة الذاكرة وتاريخ الزمن الراهن

1.نسيان من أجل التوافق

أتى سياق ما بعد نهاية الحرب الباردة بتحّولّات، تمثّلت، في الأساس، في تعالي الأصوات الداعية، على المستوى العالمي، إلى

احترام حقوق الإنسان وإقامة أنظمة ديمقراطية في بلدان العالم واشتداد حدة انتقاد المنظمات الحقوقية العالمية والوطنية للسجِّلِ الحقوقي المغربي. قامت الدولة بخطوات عدة لتحسين صورتها الحقوقية عالميًا، فدشّنت انفتاحًا سياسيًا، وباشرت إصلاحات دستورية، وقامت

بتوسيع هامش الحريات العامة، وأغلقت المعتقلات السياسية، وأنهت سنوات الرصاص، وأعلنت العفو عن المعتقلين السياسيين وأطلقت سراحهم، وسمحت بعودة المنفيين. وقد كان الهدف من هذا العفو الذي اتّخذ شكل نسيان مؤسساتي82، تحقيق المصالحة والتوافق الوطني والسلم الأهلي، وتوفير الأجواء المناسبة لتحقيق رغبة الملك الحسن الثاني في تدبير انتقال سلس ل حلكم إلى خلفه الملك محمد السادس، وذلك بإشراك أحزاب المعارضة الوطنية في الحكومة. وهو ما تحقق مع حكومة التناوب التوافقي. وبعد وفاة الحسن الثاني، واصل خلفه المسار نفسه، وعمد إلى إنجاز عدالة انتقالية في المغرب للتخلّص من تركة الماضي، فأسس هيئة الإنصاف والمصالحة. أسهمت هذه التحّولّات في عودة قوية للذاكرة، وحضور كبير لها في المجال السياسي والثقافي والإعلامي، بل توجّهها نحو

الهيمنة على المعرفة التاريخية، ولا سيما تاريخ الفترة الاستعمارية والزمن الراهن. وقد كان للدينامية الكبيرة للإعلام المكتوب والمسموع والمرئي والإلكتروني التي صاحبت تلك التحولات، دورٌ كبيرٌ في انتشارها الواسع. وقد اتخذت هذه الذاكرة تجليات هوياتية

وسياسية وتصالحية.

76  Paul Veyne, Comment on écrit l'histoire (Paris: Seuil, 1971), p. 185. 77  Pierre Nora, "Le retour de l'événement," in: Jacques Le Goff & Pierre Nora, Faire de l'histoire, vol. I: Nouveaux problèmes (Paris: Gallimard, 1974).

78  فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.) 79 التاريخ الحاضر مهام المؤرخ، تنسيق محمد كنبيب (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)، ص 10. 80  حبيدة. 81  بيير نورا، "الذاكرة والتاريخ"، في: محمد حبيدة، من أجل تاريخ إشكالي: ترجمات مختارة (القنيطرة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005)، ص 102.

82  Ricœur, p. 585.

  1. Paul Veyne, Comment on écrit l'histoire (Paris: Seuil, 1971), p. 185.
  2. Pierre Nora, "Le retour de l'événement," in: Jacques Le Goff & Pierre Nora, Faire de l'histoire, vol. I: Nouveaux problèmes (Paris: Gallimard, 1974).
  3. فرانسوا دوس، التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009.)
  4. التاريخ الحاضر مهام المؤرخ، تنسيق محمد كنبيب (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009)، ص 10.
  5. حبيدة.
  6. بيير نورا، "الذاكرة والتاريخ"، في: محمد حبيدة، من أجل تاريخ إشكالي: ترجمات مختارة (القنيطرة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005)، ص 102.
  7. Ricœur, p. 585.

2.ذاكرة هوياتية

أنتج عدد من مثقفي الحركة الثقافية الأمازيغية عددًا مهمًا من السرديات ذات المضمون التاريخي القائم على استعادة الذاكرة،

بغية نقض المنظور الوطني المهيمن، وإعادة لمّ شظايا هوية شملها التهميش والإقصاء، وباتت مستهدفة، يهدّدها الأفول والانقراض.

وقد أصرّ كثيرون منهم على تأكيد هوية المغرب الأمازيغية، بل كان ثمة منهم معارضون لفكرة تعدد الهوية المغربية في إطار الوحدة التي

تبلورت في بوتقة وحدة مكوّناتها وتنوعها، وذلك في خضمّ النقاش الفكري والسياسي الطويل الذي واكب هذه المطالب الهوياتية التي

انتهت إلى بلورتها ضمن دستور المملكة، في عام 2011. وبحسب المنظور نفسه، فإن التعدد كان على مستوى الثقافة واللغة، أما الهوية فقد بقيت في عمقها هويةً أمازيغيةً واحدة، على الرغم ممّا شهده التاريخ من توافد شعوب متعددة إلى المغرب واستقرارها فيه. ومثلما انتقد

صاحب هذا الطرح ربط الإسلام بالعروبة، فقد عارض فكرة اعتبار هذا المكوّن من عناصر هوية المغاربة، لأنه، على حدّ زعمه، دينٌ كوني،

يمارسه قرابة مليار ونصف مليار إنسان، وليس خاصًا بهم83. ورفض المنظور الوطني الذي يقول بعروبة المغرب84. ونظرًا إلى ظهور ذلك

المنظور، تزامنًا مع إصدار ظهير 16 [أيار/ مايو] ماي 1930، ثم كرّسته دولة الاستقلال، فقد حظي هذا الظهير باهتمام هؤلاء المثقفين. ولقد خلصت غالبيتهم إلى أنه "أكذوبة"85 و"خدعة"86 و"أسطورة"87، اختلقتها الحركة الوطنية، ورسّختها في الذاكرة بهدف

فرض تصوّرها الهوياتي القائم على التلازم بين العروبة والإسلام88، والتنقيص من إسلام الأمازيغ، واستغلته بعد الاستقلال لشيطنة

الأمازيغية وربطها بالاستعمار وبتهديد الوحدة الوطنية ومعاداة العروبة والإسلام89. وإلى ذلك، فقد كشفت هذه الكتابات الكثير من المنسي والمسكوت عنه في الرواية الوطنية في خصوص الظهير، وما خضع له من توظيف أيديولوجي، ومن ذلك استغلاله الربطَ بين المطالبة بالحقوق الأمازيغية والاستعمار والتجزئة. وفنّدت الأطروحة القائلة

بخروج الأمازيغ على السلطة الشرعية، وأكدت أن عملهم بالأعراف لا يعني بالضرورة نقصانًا في تديّنهم أو انزياحهم عن الوحدة90. لكنّ هذه الكتابات سقطت في المؤاخذات التي وجهتها إلى الروايات الوطنية في خصوص الظهير، حيث اعتمدت هي أيضًا

مقاربة عرقية وأيديولوجية، ومن ذلك تقسيم المجتمع إلى أكثرية أمازيغية وأقلية عربية - فاسية - أندلسية، والتشكيك في وطنية النخبة الوطنية ودينها وانتمائها91. وقد عاد باحثون أكاديميون، محمّلون بخلفية نضالية بنفحة أمازيغية، إلى التاريخ لاعتماد تأويلات مستجدة تفند مقاربة الذاكرة

الوطنية لمسألة الهوية. وفي هذا الصدد، انتقد محمد شفيق تصنيف الدول التي حكمت المغرب بعد الفتح الإسلامي إلى عربية أو

أمازيغية، واعتبرها دولًا إسلامية تقع مشروعيتُها خارج أي انتماء سلالي أو عرقي92. وقد تحوّل الإسلام إلى أٍُّسٍ أيديولوجي للمغرب

83  محمد بودهان، في الهوية الأمازيغية للمغرب، سلسلة في سبيل الأمازيغية 5، ط 2 ([د. م.]: منشورات تاويزا، 2013)، ص 19 – 36. 84  المرجع نفسه، ص 237. 85  محمد مونيب، الظهير "البربري": أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2002.) 86  المصطفى أكرد، عشرة مزاعم ضد الأمازيغ (القنيطرة: المطبعة السريعة، 2007)، ص 71. 87  محمد بودهان، "الظهير البربري": حقيقة أم أسطورة ([د. م.]: منشورات تاويزا، 2012)، ص 7. 88  مونيب، ص 38. 89  بودهان، الظهير "البربري"، ص 86. 90  مونيب، ص 49. 91  المرجع نفسه، ص 65، 67، 141؛ بودهان، ص 54 - 55. 92  محمد شفيق، لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنًا من تاريخ الأمازيغيين (القنيطرة: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع؛ منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل

الثقافي، 2000)، ص 48 - 49.

  1. محمد بودهان، في الهوية الأمازيغية للمغرب، سلسلة في سبيل الأمازيغية 5، ط 2 ([د. م.]: منشورات تاويزا، 2013)، ص 19 – 36.
  2. المرجع نفسه، ص 237.
  3. محمد مونيب، الظهير "البربري": أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2002.)
  4. المصطفى أكرد، عشرة مزاعم ضد الأمازيغ (القنيطرة: المطبعة السريعة، 2007)، ص 71.
  5. محمد بودهان، "الظهير البربري": حقيقة أم أسطورة ([د. م.]: منشورات تاويزا، 2012)، ص 7.
  6. مونيب، ص 38.
  7. بودهان، الظهير "البربري"، ص 86.
  8. مونيب، ص 49.
  9. المرجع نفسه، ص 65، 67، 141؛ بودهان، ص 54 - 55.
  10. محمد شفيق، لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنًا من تاريخ الأمازيغيين (القنيطرة: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع؛ منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، 2000)، ص 48 - 49.

ولوعيه الوطني السياسي، كما قال علي صدقي أزايكو93. وكان من نتائج ذلك تبنّي جزء من الأمازيغ لغةَ القرآن، وتخلّيه جزئيًا، ومع

مرور الحقب عن لغته الأمازيغية الأصلية. وقد تم ذلك في وقت لم تكن للعرب سلطة سياسية فعلية؛ إذْ كان وجودهم ضئيل العدد. وعلى الرغم من ذلك، فقد بقيت الأمازيغية لغة الغالبية الساحقة من سكان المنطقة94. وهذا يعني أن تعريب المغرب كان جزئيًا

واختياريًا95. لهذا يجب عدم تقديمه باعتباره بلدًا عربيًا بالمعنى العرقي للكلمة، ويجب عدم تخطّي حقبة تاريخية مهمة، هي استعراب

الأمازيغ وتحوّلهم إلى الحديث بلغة عربية ذات خصوصية مغربية96، قوامُها العمق الأمازيغي والتلوين العربي. ويجب التمييز بين

الإسلام والعروبة، فالمنطقة الأمازيغية، وإنْ أضحت مسلمةَ العقيدة في أقل من قرنين، فهي لم تستعرب نهائيًا إلى اليوم، على امتداد

أربعة عشر قرنًا97. ومن ثمّ، فالمغرب كان وما زال، بحسب أصحاب هذا الطرح، أمازيغي الهوية، ينزع إلى الاستقلال، على الرغم

من اطّراد تفاعله مع مختلف الثقافات واللغات الواردة إليه. وقد عرفت مسألة الهوية في شقها الأمازيغي، خلال السنوات الأخيرة، تطوّرات كبيرة. تمثّلت في توجّه الدولة نحو استيعاب

هذه المطالب والاعتراف الرسمي بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، حيث جرى توسيع حضورها في الإعلام العمومي، وإدراجها في المنظومة التربوية ضمن المواد المدرّسة في التعليم. وفُتح مجال مأسستها بإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الذي يتولّى،

في جانب من اختصاصاته، البحث الأكاديمي المتعدد التخصصات للتعريف بتلك الثقافة، وأضحت الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، بمقتضى دستور عام 1911. وفي السياق ذاته، تغيّرت مواقف الفاعلين السياسيين، والأحزاب الوطنية، من الأمازيغية، من

خلال اعتمادها في برامجها السياسية، كل بحسب قناعاته وأهدافه. ومن ثم، فقد تحوّلت إلى قضية مجتمعية عامة، ووقع التوجّه،

بناءً على هذه التطورات، نحو الاعتراف بالهوية المغربية المتحركة في التاريخ والمتعددة الأبعاد: الإسلامية والعربية والأمازيغية

والأفريقية والمتوسطية، وغيرها، وذلك في إطار الوحدة الوطنية، كما نصّ على ذلك دستور المملكة في ديباجته.

3.ذاكرة جريحة من أجل الإنصاف

يتعلق الأمر بشهادات ومذكرات وكتابات تدخل في إطار أدب الاعتقال السياسي، بدأت تظهر، في الخصوص منذ تسعينيات القرن الماضي، وهي لبعض ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان98، أو أفراد من عائلاتهم99، أو صحافيين100، أو أدباء101، أو لأحد الضباط السابقين في جهاز الاستخبارات المغربية102. استعادت هذه الذاكرة سنوات "الجمر والرصاص"، التي كان الحديث عنها إلى وقت قريب من قبيل التابوهات والممنوعات. وجعلت من واجبها كشف حقائق ذلك الزمن وما شهده من عنف سياسي، أفضى إلى وقوع تلك الانتهاكات التي نتجت منها آلام شديدة ومعاناة كبيرة.

93  علي صدقي أزايكو، الإسلام والأمازيغ أو البدايات الأولى لدخول بلاد الأمازيغ في المجال الإسلامي (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2002)، ص 15. 94  المرجع نفسه، ص 18 - 19. 95  العربي عقون، الأمازيغ عبر التاريخ: نظرة موجزة في الأصول والهوية (الرباط: التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، 2010)، ص 47. 96  المرجع نفسه، ص 5. 97  المرجع نفسه، ص 45. 98  مثلًا: أحمد المرزوقي وفاطمة أوفقير ومليكة أوفقير وفاطمة البيه ومحمد الرايس وعزيز بنبين وجواد مديدش وعزيز الوديع والمهدي بنونة، وغيرهم. 99  مثلًا: البشير بنبركة، المساء، الأعداد 1846 - 1873، 30 / 8 - 10 / 10 / 2012، في ركن كرسي الاعتراف، الصفحة الأخيرة، تناول فيه قضية والده المهدي بنبركة. 100  مثلًا: الصحافي الهولندي سيتسكي دي بوير Boer De Sietske الذي كتب عن قضية الحسين المانوزي، من ضحايا الاختفاء القسري.

101  Taher Ben Jeloun, Cette aveuglante absence de lumière (Paris: Seuil, 2001).

102  أحمد البوخاري، جريدة الأحداث المغربية، نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2004. وبرنامج "لقاء خاص" على قناة الجزيرة، الجزء الأول من البرنامج، في 3 / 8 / 2001؛

والجزء الثاني، في العاشر من الشهر نفسه. وقد أصدر كتابًا حول قضية المهدي بنبركة، شوهد في 1 / 5 / 2024، في: https://tinyurl.com/bdh698fx

  1. علي صدقي أزايكو، الإسلام والأمازيغ أو البدايات الأولى لدخول بلاد الأمازيغ في المجال الإسلامي (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2002)، ص 15.
  2. المرجع نفسه، ص 18 - 19.
  3. العربي عقون، الأمازيغ عبر التاريخ: نظرة موجزة في الأصول والهوية (الرباط: التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، 2010)، ص 47.
  4. المرجع نفسه، ص 5.
  5. المرجع نفسه، ص 45.
  6. مثلًا: أحمد المرزوقي وفاطمة أوفقير ومليكة أوفقير وفاطمة البيه ومحمد الرايس وعزيز بنبين وجواد مديدش وعزيز الوديع والمهدي بنونة، وغيرهم.
  7. مثلًا: البشير بنبركة، المساء، الأعداد 1846 - 1873، 30 / 8 - 10 / 10 / 2012، في ركن كرسي الاعتراف، الصفحة الأخيرة، تناول فيه قضية والده المهدي بنبركة.
  8. مثلًا: الصحافي الهولندي سيتسكي دي بوير Boer De Sietske الذي كتب عن قضية الحسين المانوزي، من ضحايا الاختفاء القسري.
  9. Taher Ben Jeloun, Cette aveuglante absence de lumière (Paris: Seuil, 2001).
  10. أحمد البوخاري، جريدة الأحداث المغربية، نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2004. وبرنامج "لقاء خاص" على قناة الجزيرة، الجزء الأول من البرنامج، في 3 / 8 / 2001؛ والجزء الثاني، في العاشر من الشهر نفسه. وقد أصدر كتابًا حول قضية المهدي بنبركة، شوهد في 1 / 5 / 2024، في: https://tinyurl.com/bdh698fx

بيد أن أهدافها لم تقتصر على واجب الذاكرة بل قد سعت، من جانب، لدفع الدولة إلى كشف حقيقة ما وقع في ذلك الزمن من انتهاكات لحقوق الإنسان، وأماكن الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي وضحاياهما103. ومن جانب ثانٍ، لرد الاعتبار إلى هؤلاء الضحايا عن طريق إعادة تشكيل هويّاتهم الفردية التي تعرّضت خلال السجن الذي لم يقتصر القصاص فيه على سلب الحرية، بل

امتد إلى التأثير في الروح والفكر والإرادة والاستعدادات104، لأنواع من التشويه والتحقير والتدمير النفسي وامتهان الذات البشرية وكرامتها وخلع إنسانيتها105. وعملت من جانب ثالث، على القيام بعمل الحداد وواجب الَّدَيْن تجاه الضحايا الذين فارقوا الحياة في

المعتقلات، ولم يحظوا بطقوس الدفن الكريم، وإخراجهم من دائرة الغياب والمجهول. وقد شكلت الذاكرة بذلك "المعادل الكتابي لطقوس الدفن والقبر"، ومنحت هؤلاء "أرضًا وضريحًا "106. وابتغت، من جانب رابع، إقرار العدالة وإنصاف الضحايا عن طريق البوح والحكي107 وتضميد جراح الماضي والعلاج من آلامه ونسيانه، والوصول إلى ذاكرة هادئة، والعيش بسلام في المجتمع بعد مغادرة أسوار المعتقلات.

4.ذاكرة سياسية توافقية

انطبعت الذاكرة السياسية التي ظهرت منذ مستهل التسعينيات، عمومًا، بطابع التوافق بين الملكية والمعارضة الوطنية، الذي

تعود بداياته الأولى إلى منتصف السبعينيات. لقد دعت الدولة في هذه الفترة المعارضة إلى توافق ديمقراطي في سياق تنظيم المسيرة الخضراء، وتزامن ذلك مع قيام هذه المعارضة بمراجعات في اتجاه التخلّي عن الراديكالية والطوباوية والثورية، والعمل على إصلاح النظام السياسي من داخله. وقد كان من نتائج ذلك انتعاش الذاكرة والتوافق عليها، فقد برز التقارب بين الملكية والمعارضة بمنزلة معاودة ل "ثورة الملك والشعب"، تلك الصيغة التي أطلقت على ذكرى نفي السلطان محمد بن يوسف، في عام 1953108. لكن، لم يظهر هذا الانتعاش والتوافق بجلاء إّلا في التسعينيات، خاصة في سياق حكومة التناوب التوافقي. وقد كانت مذكرات عبد الرحيم بوعبيد109 (كتبها في عام 1891، ونُشرت بعد وفاته في عام 2991)، معبّرةً عن هذا التحول

السياسي، فقد ركّزت على التحالف التاريخي بين الملكية والحركة الوطنية ودوره في تحقيق الاستقلال. ضمن هذا المسار التوافقي، صارت شخصيات معارضة للنظام السياسي حاضرة في الذاكرة والفضاء العمومي. ويتعلق الأمر هنا بحالتين: الأولىهي حالة المهدي بنبركة الذي أطلق اسمه على شارع كبير في أحد الأحياء الراقية في العاصمة الرباط، غير بعيد عن شارع آخر حمل اسم عبد الرحيم بوعبيد. والثانية هي حالة الفقيه البصري الذي بقي اسمه مرتبطًا طوال عقود بالتيار المنعوت ب "البلانكي" داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. فقد أحيت مذكراته التي نشرها عقب عودته من المنفى، في الذاكرة، حوادث

103  Brahim El Guabli, Moroccan Other-Archives: History and Citizenship after State Violence (New York: Fordham University Press, 2023), pp. 115 - 149. 104  Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975), pp. 22 , 233 , 235. 105  Susan Slyomovics, The Performance of Human Rights in Morocco (Philadelphia: University of Philadelphia, 2005), pp. 132 - 133. 106  Ricœur, pp. 476 , 480.

107  هشام العلوي، ذاكرات على مهاوي الكتابة: مقاربة نقدية (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2011)، ص 48 – 49. 108  السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 195. 109  عبد الرحيم بوعبيد، مذكرات عبد الرحيم بوعبيد: نحو استقلال المغرب (الرباط: مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، 2006.)

  1. Brahim El Guabli, Moroccan Other-Archives: History and Citizenship after State Violence (New York: Fordham University Press, 2023), pp. 115 - 149.
  2. Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison (Paris: Gallimard, 1975), pp. 22 , 233 , 235.
  3. Susan Slyomovics, The Performance of Human Rights in Morocco (Philadelphia: University of Philadelphia, 2005), pp. 132 - 133.
  4. Ricœur, pp. 476 , 480.
  5. هشام العلوي، ذاكرات على مهاوي الكتابة: مقاربة نقدية (الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2011)، ص 48 – 49.
  6. السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 195.
  7. عبد الرحيم بوعبيد، مذكرات عبد الرحيم بوعبيد: نحو استقلال المغرب (الرباط: مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، 2006.)

كانت في عداد المحظور والمسكوت عنه، وأثارت ردات فعل حادّة داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي كان رئيسه، عبد

الرحمن اليوسفي، وزيرًا أوّل110. وقد تواصل تدفق هذه الذاكرة التي اتخذت شكل مذكرات أو شهادات أو سيَر أو سيَر ذاتية، وهي لسياسيين ووطنيين، بدأ

عمل غالبيتهم في عهد الحماية، واستمر بعد الاستقلال، منهم الملك والأمير والمقاوم والزعيم السياسي والحزبي والوزير والمستشار الملكي والسفير، وغير ذلك111. إضافة إلى التعريف بمساراتهم وأدوارهم التاريخية، تناولت هذه الذاكرة قضايا، اتسم بعضها بحساسيته، أو أثار جد لًا سياسيًا

وأيديولوجيًا، منها هوية المغرب وعمقه التاريخي وانتماؤه القومي واللغوي والديني والإقليمي، وعلاقته بالآخر، وعلاقة الدين

بالسياسة والحداثة، والاستعمار وأساليب الكفاح الوطني وتوجهاته، وطبيعة استقلال المغرب، ووضعية حقوق الإنسان والحريات العامة والصراع السياسي في الفترة التي أعقبته. تتميز هذه الذاكرة عمومًا بخاصية معاينة الماضي والحضور فيه وقوة التعرف إليه وطموح الإخلاص له، وهذا ما جعلها أحيانًا

لا تقف عند حد إنتاج الذكرى، بل تدّعي القيام بعمل المؤرخ، وتُعلن ميثاق الحقيقة أمام المتلقي. بيد أن استعصاءات تعوّق التزامها

به. تتثمل في الأساس في تلازم واجب الذاكرة مع عملية النسيان، ففي مقابل ما يستعاد من حوادث، تنسى أخرى قصدًا، أو عن غير

قصد. ويرجع ذلك إلى غياب الحياد إزاء تلك الحوادث والفاعلين فيها، وانتقائيتها واحتفاليتها بالتركيز على الفترات المجيدة ونسيان فترات الضعف والهزيمة، وتحكم حاضر وسياق التذكير ورهاناته وتوازناته في طبيعة تمثلاتها، وغلبة الحدث السياسي والسيرة الذاتية والسرد الأدبي عليها، وهو ما قد يجنح بها في مسعاها للإقناع عن طريق الحبكة الأدبية إلى إضفاء صور من الخيال على الواقع الماضي. يلاحظ أن غالبية الشهود قد نشرت مذكّراتها في المراحل الأخيرة من أعمارها، وتزامن ذلك مع الأزمات التي أضحت تعانيها الأحزاب السياسية، فكانت هذه الذاكرة فرصة لهم لتخليد ذكرهم بعد الموت المحتوم، وإعادة صوغ هوياتهم الفردية والجماعية وإضفاء الشرعية على أنفسهم وانتماءاتهم السياسية، في مقابل إقصاء الآخر وتهميشه وإلقائه في غياهب النسيان112.

.5 ذاكرة تصالحية لنسيان الماضي

احتل تدبير الذاكرة وكشف حقيقة الماضي الممتد في الفترة 1956 - 1999 حيّزًا كبيرًا في أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة113.

وقد كشفت الهيئة حقائق تتعلق بالاختفاء القسري والاعتقال التعسفي؛ من بينها مراكز وظروف الاعتقال وأساليب التعذيب والانتهاكات التي رافقت الحوادث الاجتماعية الحضرية، في الأعوام 1965 و 1981 و 1984 و 1990. وكان البوح العلني بما جرى في الماضي، من خلال جلسات الاستماع السبع التي نظّمتها الهيئة، وبُثت عبر التلفزيون والراديو، من المداخل الأساسية التي اعتمدتها في كشف

الحقيقة وتدبير الذاكرة.

110  السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 196. 111  مثلًا: الحسن الثاني ومولاي هشام والغالي العراقي وعبد الله الصنهاجي وبنسعيد آيت إيدر والحسين برادة والهاشمي الطود وعبد الكريم الخطيب والمهدي بنبركة

وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الهادي بوطالب وأبو بكر القادري وأحمد معنينو ومحمد اليازغي ومحمد الحبابي وعبد الواحد الراضي وعبد الرحمن اليوسفي والمحجوبي أحرضان

ومحمد التازي وعبد الصادق الكلاوي، وغيرهم. 112  ينظر: عبد العزيز الطاهري، الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 – 1956 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016). 113  للاطلاع على هذه الأعمال، ينظر: هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، 6 ج (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006.)

  1. السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 196.
  2. مثلًا: الحسن الثاني ومولاي هشام والغالي العراقي وعبد الله الصنهاجي وبنسعيد آيت إيدر والحسين برادة والهاشمي الطود وعبد الكريم الخطيب والمهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الهادي بوطالب وأبو بكر القادري وأحمد معنينو ومحمد اليازغي ومحمد الحبابي وعبد الواحد الراضي وعبد الرحمن اليوسفي والمحجوبي أحرضان ومحمد التازي وعبد الصادق الكلاوي، وغيرهم.
  3. ينظر: عبد العزيز الطاهري، الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 – 1956 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2016).
  4. للاطلاع على هذه الأعمال، ينظر: هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، 6 ج (الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006.)

بيد أن الهيئة لم تصل إلى أقصى درجات استجلاء الحقيقة وإعلانها، فجاءت المعلومات التي أوردها تقريرها النهائي ناقصة في الكثير من الوقائع والملفات، ولم تكشف عن أخرى، ومن أبرزها ملفات المهدي بنبركة وعبد الحق الرويسي والحسين المانوزي، وغيرهم. علّلت الهيئة ذلك بعوائق مرتبطة بمحدودية الشهادات الشفوية التي استقت منها المعلومات، وهشاشتها في بعض الحالات وتضاربها، ورفض مسؤولين سابقين تقديم شهاداتهم أمامها، والحالة المزرية التي كان عليها الأرشيف، أو تعرّضه للإتلاف أو غيابه أو عدم

القدرة على الوصول إليه، والتعاون غير المتكافئ لأجهزة الدولة ومؤسساتها، حيث قدم بعضٌ منها أجوبةً ناقصةً عن ملفات عرضت عليها. لم يرتبط الأمر بذلك فحسب، بل يجب فهمه في سياق تأسيس الهيئة المتّسم باستمرار النظام السياسي نفسه، وبموازين القوى

الاجتماعية وعلاقات السلطة والقوة القائمة آنذاك التي كانت مدعاة لعدم قدرة القوى السياسية على فرض رؤية تدمج العدالة الانتقالية في إطار تحول شامل لبناء دولة الديمقراطية والحق والقانون. بل يمكن القول إن الهيئة، في إعادة بنائها ما حدث، استعملت الذاكرة آليةً سياسيةً114. فلم تنتج حقيقة تاريخية، بقدر ما أنتجت حقيقة سياسية متوافقًا عليها بين الفاعلين الرئيسين الذين كانوا يشتغلون وفق منطق النظام. وقد انطوى عملها على الكثير من النسيان، حيث همّشت بعض صفحات الماضي، لأن عملها قام على مقاربة إجرائية تصالحية،

فبنت علاقتها بالحقيقة التي أعلنتها وفق تأويل تاريخي انتقائي وجزئي وذاتي يهمّش السياق العام الذي وقعت فيه الانتهاكات، ولا

يقدم تفسيرات للعوامل العميقة للعنف. ولم تكتف بعدم اعتماد مبدأ العقاب في حق الجلادين والمسؤولين عن الانتهاكات، بل لم تكشف عن هوياتهم، وألقت بهم في حقل اللامرئي، وفي خانة المخفي. لقد جعلت الهيئة من الذاكرة أداةً للقيام بعمل الحداد والسلوان والعزاء وآلية علاجية من جراح الماضي، أكثر من الكشف عمّا حدث

فيه، وذلك ما أضعف القيمة التاريخية للشهادات التي جاءت في جلسات الاستماع115، ولعملية تدبير الذاكرة والحقيقة. وبذلك، يمكن القول إن مسارَي الذاكرة والنسيان قد تقاطعا في هذه التجربة، ليشّكلّا معًا " أفق ذاكرة ساكنة، بل أفق نسيان سعيد "116.

.6 الذاكرة موضوعًا للتاريخ

تجاهل بعض المؤرخين هذا الحضور الكبير للذاكرة، ويبدو أن ذلك راجع إما إلى توجّسه منها، وإما إلى أنه يرى فيها جنسًا قاصرًا

عن إدراك الماضي. بينما تفاعل آخرون معه بدرجات وأشكال مختلفة. لقد التأمت ثلةٌ منهم في بادئ الأمر في ندوات علمية، نُشرت أعمالها، وأصدروا دراسات117. وقد اهتموا بدراسة الجوانب النظرية والإبستيمولوجية لإشكالية الذاكرة وصلتها بالتاريخ. وحرصوا على تمييز الذاكرة من التاريخ بمفهومه المهني الأكاديمي، معتبرين إياها مادة أولية لكتابته، وأن من مهماته عقلنتها. ودعوا إلى ولوج غمار كتابة تاريخ الزمن الراهن، على الرغم مما يثيره من إشكالات ترتبط أساسًا بغياب المسافة الزمنية وندرة الوثائق وصعوبة الوصول إلى الأرشيف. وإذا كانت الذاكرة قد أسهمت في "عودة الحدث"، وهو ما قد يشكل مدخلًا لعودة السرد الأدبي عوض التاريخ الإشكالي، فإن ذلك لا يعني، بحسب بعضهم، الركون إلى التاريخ السياسي الحدثي، بل إن قيام المؤرخ بالمعالجة الإشكالية للأحداث، يجعلها

114  Kora Andrieu, La justice transitionnelle: De l'Afrique du sud au Rwanda (Paris: Gallimard, 2012), p. 382.

115  لطيفة بوسعدن، "تجربة جلسات الاستماع العمومية بالمغرب تحت ضوء التجارب المقارنة"، نوافذ، العدد 32 - (كانون الثاني/ يناير 33 2007)، ص 157 - 158.

116  Ricœur, p. 536.

117 مجلة البحث التاريخي، العدد 1 (2003)؛ مجلة البحث التاريخي، العدد 3 (2005)؛ من الحماية إلى الاستقلال: إشكالية الزمن الراهن، تنسيق محمد كنبيب

(الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2004)؛ الكتابات التاريخية في المغارب؛ التاريخ الحاضر.

  1. Kora Andrieu, La justice transitionnelle: De l'Afrique du sud au Rwanda (Paris: Gallimard, 2012), p. 382.
  2. لطيفة بوسعدن، "تجربة جلسات الاستماع العمومية بالمغرب تحت ضوء التجارب المقارنة"، نوافذ، العدد 32 - (كانون الثاني/ يناير 33 2007)، ص 157 - 158.
  3. Ricœur, p. 536.
  4. مجلة البحث التاريخي، العدد 1 (2003)؛ مجلة البحث التاريخي، العدد 3 (2005)؛ من الحماية إلى الاستقلال: إشكالية الزمن الراهن، تنسيق محمد كنبيب (الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2004)؛ الكتابات التاريخية في المغارب؛ التاريخ الحاضر.

تغادر التاريخ السردي وتنتقل من التناثر إلى الانتظام، فتتحوّل إلى بنية118. إن التاريخ السياسي ليس بالضرورة حدثيًا؛ إذ يمكنه

أن يناقش إشكاليات عدة، مثل الآليات الاجتماعية للسلطة ومؤسساتها وعلاقة الدولة بالمجتمع عوض دراسة الأشخاص وتسلسل الحوادث119. وإذا كان الحضور الكثيف للذاكرة قد أدى في بعض الأحيان إلى التوتر بينها وبين التاريخ بسبب تمسك كل طرف بأحقيته في كتابة التاريخ وامتلاك حقيقته، فإن بعض المؤرخين والشهود قد اختار مقاربة قائمة على التعاون والحوار الذي يسهم في إثراء المعرفة التاريخية. ونموذج ذلك كتاب بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة120. وما زالت الذاكرة تمارس تأثيرها في بعض المؤرخين. فعلى الرغم من اشتغالهم وفق أحدث المناهج العلمية والقواعد المهنية في كتابة التاريخ، فإن بعض أعمالهم يعكس في الكثير من الأحيان أيديولوجية المشاريع السياسية التي ينتمون إليها وذاكراتها. وقام بعضهم الآخر بقراءات في الذاكرة، ووظّف مادتها في كتابة التاريخ الوطني، وأعاد إنتاج تمّثلّاتها من دون أن يكلف نفسه عناء نقدها. وقد أصدر مؤرخون في الآونة الأخيرة شهادات121 وسيَرًا ذاتية122، بل ألّفوا روايات أدبية، وذلك لما تتميز به من ليونة سردية

ولغة أدبية جميلة، تتيح فرصًا للتعبير عن خوالج النفس البشرية، عكس اللغة الأكاديمية الشاقة والمتعبة، التي لا تلقى المتابعة نفسها

في ظل اتساع دائرة جمهور الكتابة الأدبية. ونظرًا إلى الزخم الذي عرفته الذاكرة وتأثيرها في المعرفة التاريخية، فقد أصبحت من مواضيع الدرس التاريخي في عدد من

الجامعات المغربية، ولا سيما في سلكي الماجستير والدكتوراه. وقد أنجزت أطروحات جامعية ودراسات، تناول بعضها الجوانب المعرفية في موضوع الذاكرة والتأريخ لها123، وذلك من خلال دراسة حالات، مثل الحركة الوطنية والمقاومة المس حلة وتطورات الحياة السياسية في المغرب الراهن والعنف السياسي والنخب السياسية وغيرها، ووظّف بعضُها الآخر الذاكرة مصدرًا أساسيًا في كتابة

تاريخ الحماية والاستقلال، وتضمّن بعضها قراءات في عدد من المذكرات المنشورة. وبذلك يمكننا القول إن المغرب يعرف البدايات

الأولى لتحوّل الذاكرة إلى أحد مواضيع التاريخ.

خلاصة

يمكن القول، على سبيل الختم، إن أشكال حضور الذاكرة وحجمه في المغرب، وأدوارها وصلتها بالتاريخ والنسيان قد عرفت تحّولّات خلال القرن الماضي، تبعًا لتحوّل الرهانات السياسية والتطلّعات الهوياتية وتغير السياقات التاريخية وتطوّر مستوى المعرفة

التاريخية ومناهجها. هَّمَ هذا التحوّل في الأساس الانتقال من المرحلة التي كان فيها التاريخ التقليدي جزءًا من الذاكرة الجماعية

في بداية القرن، مرورًا بزمنَي الاستعمار والاستقلال اللذين كانت فيهما الذاكرة شأنًا ذا صلة قوية بالسياسة والهوية، وصولًا إلى الزمن

الحالي الذي بدأت تصبح فيه أحد مواضيع التاريخ.

118  السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 118 - 119. 119  حبيدة، بؤس التاريخ، ص 168. 120  مبارك بودرقة، بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة، حوار الطيب بياض (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2020.)

121  Abdallah Laroui, Le Maroc et Hassan II. Un témoignage (Casablanca: Centre culturel arabe, 2005).

122  أحمد التوفيق، والد وما ولد: طفولة في سفح الظل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009.) 123  ينظر: الطاهري.

  1. السبتي، التاريخ والذاكرة، ص 118 - 119.
  2. حبيدة، بؤس التاريخ، ص 168.
  3. مبارك بودرقة، بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة، حوار الطيب بياض (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2020.)
  4. Abdallah Laroui, Le Maroc et Hassan II. Un témoignage (Casablanca: Centre culturel arabe, 2005).
  5. أحمد التوفيق، والد وما ولد: طفولة في سفح الظل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009.)
  6. ينظر: الطاهري.

المراجع

العربية

ابن زيدان، عبد الرحمن. الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة. الرباط: المطبعة الاقتصادية، 1937. ________. العز والصولة في معالم نظم الدولة. الرباط: المطبعة الملكية، 1961. ________. إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس. تحقيق علي عمر. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2008. أزايكو، علي صدقي. الإسلام والأمازيغ أو البدايات الأولى لدخول بلاد الأمازيغ في المجال الإسلامي. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2002. أكرد، المصطفى. عشرة مزاعم ضد الأمازيغ. القنيطرة: المطبعة السريعة، 2007. البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم. سلسلة ندوات ومناظرات 14. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989. بروفنصال، ليفي. مؤرخوالشرفاء. تعريب عبد القادر الخلادي. الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، 1977. بنبركة، المهدي. الاختيار الثوري في المغرب. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011. المودن، عبد الرحمن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة (تنسيق). الكتابات التاريخية في المغارب: الهوية والذاكرة والإسطوغرافيا. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2007. بودرقة، مبارك. بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة. حوار الطيب بياض. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2020. بودهان، محمد. "الظهير البربري": حقيقة أم أسطورة. [د. م.]: منشورات تاويزا، 2012. _______. في الهوية الأمازيغية للمغرب. سلسلة في سبيل الأمازيغية 5. ط 2. [د. م.]: منشورات تاويزا، 2013. بورديو، بيير. العنف الرمزي (بحث في أصول علم الاجتماع التربوي). ترجمة نظير جاهل. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994. بورك III، إدموند. الدولة الإثنوغرافية: فرنسا واختلاق الإسلام المغربي. ترجمة محمد أعفيف. الرباط: منشورات جامعة الرباط الدولية؛ دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2023. بوسعدن، لطيفة. "تجربة جلسات الاستماع العمومية بالمغرب تحت ضوء التجارب المقارنة". نوافذ. العدد 32 - 33 (كانون الثاني/ يناير

بوعبيد، عبد الرحيم. مذكرات عبد الرحيم بوعبيد: نحو استقلال المغرب. الرباط: مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، 2006. التاريخ الحاضر: مهام المؤرخ. تنسيق محمد كنبيب. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2009. التوفيق، أحمد. والد وما ولد: طفولة في سفح الظل. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009. حبيدة، محمد. من أجل تاريخ إشكالي: ترجمات مختارة. القنيطرة: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005.

_______. بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات. الرباط: دار الأمان، 2015. داود، محمد. تاريختطوان. تطوان: معهد مولاي الحسن، 1959. دوس، فرانسوا. التاريخ المفتت: من الحوليات إلى التاريخ الجديد. ترجمة محمد الطاهر المنصوري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009. الذاكرة والهوية: أعمال مهداة إلى عبد المجيد القدري. تنسيق محمد جادور [وآخرون]. الدار البيضاء: كلية الآداب والعلوم. الزاهي، نور الدين. الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2011. السبتي، عبد الأحد. التاريخ والذاكرة: أوراش في تاريخ المغرب. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012. _______. من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخ. إيطاليا: منشورات المتوسط، 2022. السملالي، العباس بن إبراهيم. الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام. ط 2. الرباط: المطبعة الملكية، 1993. السوسي، المختار. حول مائدة الغذاء. الرباط: مطبعة الساحل، [د. ت.]. _______. سوسالعالمية. المحمدية: مطبعة فضالة، 1960. شفيق، محمد. لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنًا من تاريخ الأمازيغيين. القنيطرة: البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع؛ منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، 2000. الطاهري، عبد العزيز. الذاكرة والتاريخ: المغرب خلال الفترة الاستعمارية 1912 – 1956. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر،

عقون، العربي. الأمازيغ عبر التاريخ: نظرة موجزة في الأصول والهوية. الرباط: التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، 2010. العلوي، هشام. ذاكرات على مهاوي الكتابة: مقاربة نقدية. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2011. عياش، جرمان. أصول حرب الريف. ترجمة محمد أمين البزاز وعبد العزيز خلوق التمسماني. الرباط: الشركة المغربية المتحدة، [د. ت.]. _______. دراسات في تاريخ المغرب. الرباط/ الدار البيضاء: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986. الفاسي، عبد الحفيظ. معجم الشيوخ: المسمى رياض الجنة أو المدهش المطرب. الرباط: المطبعة الوطنية، 1931. الفاسي، علال. الحركات الاستقلالية في المغرب العربي. ط 6. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة؛ مؤسسة علال الفاسي،

_______. عقيدة وجهاد: نص التقرير الذي ألقاه الرئيس علال الفاسي في المؤتمر العام لحزب الاستقلال، 8 - 10 يناير 1960. الرباط: المطبعة الاقتصادية، 1960. القادري، أبو بكر. مذكراتي في الحركة الوطنية المغربية من 1930 إلى 1940. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1992.

الكانوني، محمد. علائق أسفي ومنطقتها بملوكالمغرب. تحقيق علال ركوك والرحالي رضوان ومحمد الظريف. الرباط: منشورات البحث والتوثيق والنشر، 2004. الكتاني، عبد الكبير. زهرة الآس في بيوتات أهل فاس. تحقيق علي بن المنتصر الكتاني. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،

المراكشي، محمد بن محمد بن عبد الله بن الموقت. السعادة الأبدية في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية. مراجعة وتعليق أحمد متفكر. ط 3. مراكش: مؤسسة آفاق للدراسات والنشر، 2011. معنينو، أحمد. ذكريات ومذكرات. طنجة: مطبعة سبارتيل، 1991. من الحماية إلى الاستقلال: إشكالية الزمن الراهن. تنسيق محمد كنبيب. الرباط: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2004. المنوني، محمد. مظاهر يقظة المغرب الحديث. الدار البيضاء: منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر؛ شركة النشر والتوزيع المدارس، 1985. مونيب، محمد. الظهير "البربري": أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2002. هيئة الإنصاف والمصالحة. التقرير الختامي. الرباط: المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، 2006. الوزاني، محمد حسن. مذكرات حياة وجهاد: التاريخ السياسي للحركة الوطنية التحريرية المغربية. فاس: مؤسسة محمد حسن الوزاني، 1982 - 1987.

الأجنبية

Andrieu, Kora. La justice transitionnelle: De l'Afrique du sud au Rwanda. Paris: Gallimard, 2012. Baida, Jamaâ. "Le Maroc au 20 ° siècle entre histoire et mémoire." Revue de la Recherche Historique. no. 1 (2003). Ben Jeloun, Taher. Cette aveuglante absence de lumière. Paris: Seuil, 2001. Blanchard, Pascal & Nicolas Bancel. Culture post–coloniale 1961-2006. Traces et mémoires coloniales en France. Collection Mémoires 126. Paris: Autrement, 2005. De Segonzac, René. Au cœur de l'Atlas: Mission au Maroc 1904-19 05. Paris: Emile Larose, 1910. El Guabli, Brahim. Moroccan other-archives: History and citizenship after state violence. New York: Fordham University Press, 2023. Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975. Gautier, Emile F. Les siècles obscurs du Maghreb: L'islamisation de l'Afrique du Nord. Paris: Payot, 1927. Jacques & Pierre Nora. Faire de l'histoire. vol. I: Nouveaux problèmes. Paris: Gallimard, 1974. Kenbib, Mohamed (Coordination). Du Protectorat à l'indépendance: Problématique du temps présent. Rabat: Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2006. _______. Temps présent et fonction de l'historien. Rabat: Faculté des Lettres et des Sciences Humaines, 2009.

Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830-1912). Casablanca: Centre Culturel Arabe, 1993. _______. Le Maroc et Hassan II. Un témoignage. Casablanca: Centre culturel arabe, 2005. Le Goff, Jacques. Histoire et mémoire. Paris: Gallimard, 1988. Loti, Pierre. Au Maroc. Paris: La boite à documents, 1988. Lyazidi, Mohammed. "Divers aspects de la politique berbère au Maroc." Revue Maghreb. no. 11 (Mai-Juin 1933). Michaux-Bellaire, E. Le Rif. Cour des affaires indigènes, Direction des Affaires Indigènes et du Service des Renseignements, Protectorat de la République Française au Maroc, 1925. Ouezzani, Mohammed. "Protectorat." Revue Maghreb. no. 9 (Mars 1933). _______. "Protectorat: L'infidélité à la mission." Revue Maghreb. no. 11 (Juillet 1933). Pomian, Krzysztof. "De l'histoire, partie de la mémoire, à la mémoire, objet de l'histoire." Revue de Métaphysique et de morale. no. 1 (Mars 1998). Ricœur, Paul. La Mémoire. L'Histoire. L'Oubli. Paris: Seuil, 2000. Slyomovics, Susan. The performance of human rights in Morocco. Philadelphia: University of Philadelphia, 2005. Terrasse, Henri. Histoire du Maroc. Casablanca: Atlantide, 1952. Valensi, Lucette. Fables de la mémoire: La glorieuse bataille des trois rois. Paris: Seuil, 1992. Veyne, Paul. Comment on écrit l'histoire. Paris: Seuil, 1971.