في نقد التاريخ المحلي: عودة الأمد الطويل من منظور أنكلو-أميركي
A Critique of Local History: The Return of the Longue Durée from an Anglo-American Perspective
الملخّص
تتناول هذه الدراسة عودة الأمد الطويل مؤخرًا في الأبحاث التاريخية، باعتباره نمطًا رئيسًا من أنماط التحليل التاريخي الذي يضع في الواجهة القضايا الكبرى والتاريخ الشامل، وذلك بعد اختفاءٍ دام سنوات طويلة، ساد خلالها التاريخ المحلي الغارق في التفاصيل، المبني على الرؤية القصيرة الأمد، الذي فتَّت الدراسات وحصرَها في دائرة ضيقة من القراء، وعوّق الأعمال التركيبية المتماسكة. لكن هذه العودة، التي تيسّرها وفرة الأدوات والبيانات الرقمية، تؤطّرها طموحات جديدة تتمثل في الرغبة في المساهمة في تفسير الأحداث والظواهر من منظور عالمي، وتقديم أبحاث تركيبية يقرؤها المتخصصون وغير المتخصصين، وإثراء النقاش المرتبط بالسياسات العامة إلى جانب باقي الفاعلين في العلوم الإنسانية والاجتماعية المجاورة.
Abstract
This study discusses the recent return of the longue durée in historical research, as a major type of historical analysis that prioritizes major issues and global history. In the many years of its absence, microhistory steeped in details and based on a short-term vision prevailed, with fragmented studies limited to a narrow circle of readers, hindering coherent synthetic works. But this return, aided by the abundance of digital tools and data, is framed by new ambitions represented in the desire to contribute to the interpretation of events and phenomena from a global perspective, to provide synthetic research that can be read by specialists and laypersons alike, and to enrich the debate related to public policies alongside other actors in the neighbouring humanities and social sciences.
- الأمد القصير
- التاريخ المحلي
- التاريخ الشامل
- المنعطف اللغوي
- المنعطف الشامل
- David Armitage
- longue duree
- Microhistorical Approach
- Global History
- global turn
- short history
| DOI: https://doi.org/10.31430/EFLL9448: الرقم التعريفي | ||
|---|---|---|
| في نقد التاريخ المحلي: عودة الأمد الطويل من منظور أنكلو-أميركي**** The Return of the Longue Durée: An Anglo-American Perspective | ||
ما يقال بينكم عن فايتون، ابن إله الشمس، الذي أراد أن يقود عربة والده ولم يتمكن من إبقائها على الطريق السّوي، فأشعل النار في الأرض وهلك عندما صعقه البرق، يكتسي مظهر الخرافة؛ والصحيح أنه في حركات النجوم حول الأرض يمكن أن تحدث كوارث على فترات زمنية طويلة، حيث تدمّر النار كل شيء على الأرض1. إن الخوف من التاريخ الشامل هو الذي يقتل التاريخ الشامل2. المؤرخون جوّالون بطبيعتهم؛ لأنهم يحبّون أكثر من غيرهم تغيير وجهتهم. خلال الخمسين سنة الأخيرة، غالبًا ما انخرط المؤرخون الأنكلوسكسونيون، بالعلاقة مع زملائهم في الدول الأخرى، في منعطفات جديدة. وكان المنعطف الاجتماعي، من دون شك، هو الأول من نوعه، حيث جرى التخلي عن تاريخ النخب لفائدة تاريخٍ"من أسفل" ينطلق من تجربة عامة الناس، من المحكومين (التابعين)، والمهَّمَشين، والمقهورين. ثم كان هناك المنعطف اللساني النابع من الفلسفة الت لحيلية، الذي كيّفه المؤرخون مع مشاريعهم3. وأدى هذا المنعطف إلى توجهٍثقافي وتجديدٍ للتاريخ الثقافي4. ومنذ ذلك الحين، سعت منعطفات جديدة إلى تجاوز حدود التاريخ القومي، لبلوغ منعطف عابر للقوميات، ومنعطف مرتبط بتاريخ الإمبراطوريات، أو بلوغ منعطف شامل5. كان العديد من هذه المنعطفات الهيستوريوغرافية إيجابيًا. وقد يعتقد بعضهم أن الحال لم يكن على هذا النحو إطلاقًا، لكن ليس في إمكان المتحمسين أو المشِّكِكين أن يتجاهلوا فكرة التقدم الفكري الذي تنطوي عليه لفظة "المنعطف"، فقد أصبحت هذه الكلمة شائعة ومُربكة جدًا، حتى إن المجلة التاريخية الأميركية نظّمت مؤخرًا لقاءً مهمًا حول "المنعطفات الهيستوريوغرافية من منظور نقدي"، للنظر في هذه الظاهرة. وقد خلُص معظم المشاركين إلى أن الوقت قد حان للتفكير في الموضوع من أجل التمييز، على نحو أكثر وضوحًا، إلى أين قادت كل هذه الحركات المؤرخين، وما ينبغي لهم عمله بعد كل ذلك6. يفترض الحديث مسبقًا عن الحركات الهيستوريوغرافية، انطلاقًا من مصطلح "المنعطفات"، أن المؤرخين يسافرون إلى المستقبل عبر طريق أحادي الاتجاه، حتى لو كانت هذه الطريق ملتوية. يعترف مؤلّفا هذه الدراسة طوعيًا بمسؤوليتهما عن استعمال لفظة "المنعطفات". فقد كتب أحدنا مؤخرًا جينيالوجيةً عن "المنعطف المكاني" في العلوم الاجتماعية، ودرس الآخر الآفاق التي
حملها "المنعطف الدولي" في التاريخ الفكري بوجه خاص7. مع ذلك، نرجو التخلص من هذه النقاشات، وتناول التطور الذي يبدو أكثر أهمية بالنسبة إلينا. لن يتعلق الأمر بالمنعطف، بل بعودةٍ إلى نمط قديم من الت لحيل التاريخي: عودة الأمد الطويل8. اختفى الأمد الطويل باعتباره أفقًا زمنيًا للبحث التاريخي على نحو تام، تقريبًا، على مدى جيل كامل، لكن يبدو أنه بدأ يعود مؤخرًا. وهدفنا هو إظهار أسباب هذا الاختفاء؛ لأنها كانت سوسيولوجية بقدر ما كانت فكرية. وأما أسباب عودته فهي سياسية وتقنية في الآن ذاته. ومع ذلك، فإن الأمد الطويل في صورته المتجددة يختلف عن شكله الأول. وكما لاحظ بيير بورديو، "هذه العودة المتكررة مظهرية دائمًا؛ لأنها مفصولة عمّا تجده بوساطة الإحالة السلبية [...] إلى شيء كان في حد ذاته نفيًا (نفي النفي، وما إلى ذلك) لما وجدَتْه"9. ويحدث ظهور الأمد الطويل الجديد، مثل نفيٍ لنفيه، في نظام فكري مختلف تمامًا؛ ما يمنحه دينامية ومرونة لم تتوافرا في نُسخه السابقة. وتبقى إمكانياته النقدية أعظم، سواء بالنسبة إلى المؤرخين أم غيرهم من الباحثين في العلوم الاجتماعية، أم الفاعلين السياسيين. وإذا كانت أصول الأمد الطويل موجودة في الماضي، فإن توجهاته أضحت مرِّكِزة، على نحو كامل، على المستقبل. لم يختفِ الاهتمام بالآفاق الزمنية الممتدة البتّة داخل مجالات معينة، كما هو الحال في علم الاجتماع التاريخي أو في النظرية الكونية للأنساق10. غير أنه، في مجال التاريخ بالمعنى الدقيق للكلمة، كان مفهوم الأمد الطويل، المقترن أولًا بأعمال فيرناند بروديل وبمدرسة الحوليات، قد ازدهر، ثم انتشر على أوسع نطاق، ليتوارى، قبل أن يعود بطموحات جديدة وحيوية متجددة وتعهّد بتأثير أكبر. نستمد هنا معظم أمثلتنا من العالم الناطق باللغة الإنكليزية، لكن حجّتنا تصلح لجميع المؤرخين، في وقتٍ يبدو فيه المدى القصير هو الأفق الزمني لمعظم المؤسسات، سواء أكانت حكومات، أم منظمات غير حكومية، أم شركات، وحتى الجامعات11. ليست عودة الأمد الطويل هذه ممكنة فحسب، بل ضرورية قبل كل شيء، فقد أصبحت ممكنة بفضل كمية من المعطيات المتوافرة الآن، وبوجود الأدوات التي تسمح بدراستها. فالمؤرخون، في أوائل القرن الحادي والعشرين، لا تنقصهم البيانات ولا النصوص الموضوعة للدراسة؛ فقد أتاحت قواعد البيانات الرقمية إمكانية الوصول إلى كميات هائلة من النصوص والصور. أما أدوات الت لحيل، فلم تعُد تطرح مشكلة، بل إنها مفيدة بوجه خاص لمعالجة هذه الأسئلة؛ لأنها زمانية (نفكر هنا في عارض "ن- غرام غوغل") ومكانية (حالة الت لحيل المكاني)12.
والعودة إلى الأمد الطويل ضرورية أيضًا إذا فكّرنا في التأثير الضعيف لعدد من الأعمال التاريخية ذات المدى القصير في باقي التخصص، فضلًا عن التخصصات الأخرى. ومن المؤكد أن هذه الأعمال تساهم في بناء المعرفة، لكنها لا تقترح منعطفًا من شأنه أن يثير اهتمام بقية التخصص، ولا تبريرًا لأهميتها بالنسبة إلى عامة الناس. ومن الصعب في كثير من الأحيان فهم مدى تمُّثُلية مثل هذه الدراسات على المستوى القومي، وبالأحرى على مستويات أرحب. وعلى العكس من ذلك، يسمح لنا تاريخ الأمد الطويل بتجاوز حدود التاريخ القومي ودراسة تشكّل المجموعات على مدى عدة عقود أو قرون أو حتى آلاف السنين؛ لذا لن نتمكن من تفسير نشأة الأزمات العالمية المعاصرة وفهمها إلا من خلال تبنّي مثل هذه المقاييس الزمنية. غالبًا ما يُنظر إلى "المنظور العالمي" على أنه مجموع المشاكل الم لحية التي تجعلنا نشعر أنها تشِّكِل جزءًا من أزمة ذات طبيعة كونية أكثر. وظاهرة التجميع هذه تمثّل في حد ذاتها مؤشرًا لحركةٍ تتجه نحو مستويات مكانية أكبر بوصفها الوحيدة القادرة على استيعاب التحديات المعاصرة، هذا مع الأخذ في الاعتبار الفكرة القائلة إن الأزمات الم لحية ليست سوى حالات خاصة ناشئة عن مشاكل بنيوية أعمق، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية. وينبغي أيضًا دراسة هذه التحديات على مستويات زمنية أكبر. وفي هذا الصدد، تجِّسِد عودة الأمد الطويل مطمحًا من المطامح الأخلاقية؛ لأنها تُلزم العالَم الأكاديمي بمواجهة نمط إنتاج المعرفة الذي يميز لحظة الأزمة التي نعيشها، وهذا ليس في العلوم الإنسانية وحدها، بل أيضًا على نطاق النظام العالمي.
أوالًا: من الأمد الطويل إلى التاريخ المجهري
كان الأمد الطويل الأصلي في حد ذاته نتاج "أزمة عامة في العلوم الإنسانية"، هكذا وصفه بروديل في مقال نشره في مجلة الحولياتفي عام 1958، فقد ابتكر هذا التعبير في حوار، من بين حوارات أخرى، مع كلود ليفي ستروس الذي دفع بالتاريخ "اللاواعي" إلى الأفق. وفي ضوء النقاشات الحالية حول مستقبل العلوم الإنسانية والاجتماعية، تبدو طبيعة هذه الأزمة مألوفة. هنا، تكثر الصلات بما نعيشه اليوم: انفجار المعرفة (خاصة تكاثر المعطيات)، والشك في الحدود بين التخصصات، والإحساس بفشل محاولات التعاون بين هذه التخصصات، أو أيضًا تبادل الاتهامات بشأن القبضة الخانقة ل "إنسانوية متردية وخادعة"، وهي أمور قد تكون لها أوجه تشابه معاصرة. كان بروديل قد أعرب عن أسفه لإهمال العلوم الإنسانية المجاورة لما يمكن أن يقدّمه التاريخ لحل الأزمة، وهي مساهمة في أعماق الواقع الاجتماعي، وتشكّل، في رأيه، صلب أيّ دراسة للإنسان: "هذا التعارض [...] البطيء السيل بين ال حلظة والزمن". وبين هذين القطبَين، ثمة مقاييس زمنية أكثر تقليدية، استخدمها التاريخ السردي والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي: فترات من عشرة، وعشرين، وخمسين عامًا على الأكثر. لكن تاريخ الأزمات والدورات المبنية انطلاقًا من هذه الزمانيات يُخفيان، في رأيه، الانتظامات والاستمراريات العميقة الكامنة وراء مسارات التغيير. وكان من الضروري توسيع الآفاق، لفائدة تاريخ ممتد على مدى قرون أو حتى آلاف السنين: "تاريخ الأمد الطويل، بل الطويل جدًا"13. في عام 1958، دفعت العلاقة المتوترة التي أذكاها بروديل في وجه العلوم الإنسانية الأخرى، أكثر فأكثر، إلى اقتراح سلسلة واسعة جدًا من بُنى الأمد الطويل. ومن ذلك الحين، انضم أمد الثقافات الطويل مثل الحضارة الرومانية، والفضاء الهندسي أو التصور الأرسطي للكون، إلى البيئة المادية أو الأنظمة الزراعية. وقد عبّرت هذه البنى، التي أنشأها الإنسان، عن التغيير، وأيضًا عن القطائع في العمل، في لحظات الابتكار أو في استبدال التقاليد أو تصورات العالم لدى الآخرين. وقد كان أمدها، بالتأكيد، أطول من أمد
الدورات الاقتصادية، ولكن أقصر كثيرًا من الحركة غير المحسوسة للجبال والمحيطات، أو من إيقاعات البداوة والانتجاع. ويمكن قياس هذه الآماد الطويلة إلى حدٍ ما بقرون من الزمن، كما يمكن فهمها من خلال الناس أنفسهم، على عكس تلك الخاصة بالمشاهد الطبيعية والتفاعلات البشرية التي تنتج منها. اعترف بروديل أن أفكاره الأولى حول الأمد الطويل وجدت مصدرها في تجربة الأسر المؤلمة في ألمانيا بين عامَي 1940 و 1945. وكانت هذه التأملات، بطريقةٍ ما، محاولة للهروب من الآماد التي تخ للت الحياة في المعسكرات، وكان هذا المفهوم يدعو إلى الأمل، فقد لجأ على نحو متكرر، من باب المفارقة، إلى صورة السجن14. وعندما وضع نظرية الأمد الطويل في عام 1958، أصبح يعتقد أن مثل هذا المفهوم ضروري لأيّ محاولة متعددة التخصصات، وأنه يوفر المخرج الوحيد من النزعة الحاضرية التي سادت في فترة ما بعد الحرب. وكانت دوافعه المباشرة مؤسساتية بقدر ما كانت فكرية، فبعد وقت قصير من نشر بروديل مقالته، تولّى إدارةَ مجلة الحولياتورئاسة القسم السادس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، خلفًا للوسيان فيفر بعد وفاته في عام 1956. كان على بروديل ألا يبرر حضور التاريخ فحسب، بل أيضًا تفوقه داخل العلوم الاجتماعية الأخرى، وخاصة في وجه الاقتصاد والأنثروبولوجيا. وفي ذلك الوقت، كان التاريخ في منافسة مع العلوم الاجتماعية الأخرى التي كانت في طور التمكين، مثل الإثنولوجيا وعلم الاجتماع، وحتى علم النفس الاجتماعي. كما أنه تعرّض لاختبار شديد بسبب الميل السائد في القطاع العام كما في القطاع الخاص، والقائم على مفهومَي التحديث والنمو، وتفضيل المشاكل المعاصرة والمستقبلية. وفي هذا السياق من التنافس، حيث كانت مسائل الحظوة والمال لا تقل أهمية عن المسائل البسيطة المتعلقة بشرف المهنة، "[كان] الأمد الطويل بالنسبة إلى [بروديل] الوسيلة الرئيسة - وفي الواقع الوحيدة - التي [سمحت له] بالمطالبة للتاريخ، إلى جانب الرياضيات، بدور موحد لعلوم الإنسان"15. وقد تزامنت هذه الأجندة مع ظهور علم المستقبل في فرنسا؛ ذلك النظير المرتقب للأمد الطويل الذي رقّى غاستون بيرجيه، صديق بروديل، إلى منصب مدير عام للتعليم العالي، في وقت دَّعَم فيه القسم السادس من المدرسة المذكورة، وأطلق مشروع دار علوم الإنسان، التي صار بروديل على رأسها بعد مدة وجيزة16. قابل بروديل بين التاريخ الحدثي والأمد الطويل، ليس لأن تاريخًا مثل هذا يمكنه، فحسب، دراسة الأشياء الزائلة - "الزّبَد" و"اليراعات" التي استصغرها في كتابه المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني - ولكن لأنه كان أكثر قربًا من الأحداث. بهذا المعنى، كان التاريخ يشبه عمل الاقتصاديين المعاصرين الذين، لسوء الحظ، ربطوا دراساتهم بمشاكل ال حلظة وغيرها من الضرورات السياسية القصيرة المدى فحسب17. ومِثل قِصر النظر التاريخي هذا، المتشبث بالسلطة والمهووس
بالحاضر، لم يكن ليؤدي إلى نتيجة سوى الهروب من ضرورة التفسير، والحساسية تجاه النظرية. فبالنسبة إلى بروديل، افتقر تاريخ الأحداث إلى المسافة النقدية والمضمون الفكري في الوقت نفسه. إن ما اقترحه للعلوم الاجتماعية هو العودة إلى النماذج والمشكلات القديمة، مثل معالجة الرأسمالية التجارية على يد كارل ماركس "العبقري"، الذي كان له السبق في تشييد "نماذج اجتماعية حقيقية انطلاقًا من الأمد التاريخي الطويل". باختصار، كان بروديل نفسه قد دعا إلى العودة إلى الأمد الطويل قبل خمسين عامًا؛ ما يوضح أن السؤال اندرج، بالنسبة إليه، ضمن متابعةِ نموذجٍمثالٍّيٍ لتاريخ علمي؛ ذلك التاريخ الذي سعى إليه أيضًا مارك بلوك ولوسيان فيفر18. ومع ذلك، بدأ المؤرخون الناطقون باللغة الإنكليزية، من الجيل الذي أعقب بروديل مباشرة، في أخذ مسافة مع الأمد الطويل باعتباره صنفًا علميًا مشروعًا. هذا التراجع أمام الأسئلة العريضة هو مسألة خشية وقلق، كما أبان عن ذلك بروديل. وهكذا، كان قانون "جي آي بيل" في الولايات المتحدة الأميركية، بعد الحرب العالمية الثانية، سبب انفجار حقيقي للدراسات العليا في جميع المجالات، بما في ذلك التاريخ. وقد انتقلت دراسات الدكتوراه من ثلاث إلى ست سنوات، وفي بعض الأحيان استمرت أطول من هذه المدة. وفي أواخر سبعينيات القرن العشرين، لما نضج جيل جديد من الدكاترة، "حصل إشباع في السوق الأكاديمية في معظم التخصصات"، وفقًا لمؤسسة العلوم الوطنية، "وبدأت تظهر المخاوف من الإفراط في تكوين الدكاترة"؛ فقد "ارتفع العدد السنوي لحاملي درجة الدكتوراه من 8611 في عام 1957 إلى 33755 في عام 1973؛ أي بزيادة قدرها 9 في المئة تقريبًا سنويًا"19. بدأ مؤرخو هذا الجيل، في سعيهم لتحقيق الاستقلال المهني والنجاح الفردي في بيئة تنافسية متزايدة، في إعادة التفكير في علاقتهم بالأرشيف، كما بالجمهور. وأصبحت الحاجة إلى التخصص أكثر وضوحًا، وصار التمكن من المستندات المعيار الأساسي لهذا التخصص؛ ما أدى إلى قيود زمنية بِّيِنة جدًا. وفي السنوات الأولى للمهنة في الولايات المتحدة، كان في مقدور الأطروحة أن تشمل قرنين من الزمان أو أكثر، كما صنع فريدريك جاكسون تورنر، ووليام إدوارد بورغهاردت دي بوا، الأول في دراسته للمراكز التجارية في أميركا الشمالية، والثاني في عمله حول إلغاء تجارة الرقيق في الفترة 1638 - 187020. وقد أظهر بحث حديث العهد هَّمَ 8000 أطروحة تاريخية حُِّرِرت في الولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، أن متوسط الفترة التي تمت دراستها في عام 1900 كان 57 عامًا. وفي عام 1975، تراجعت هذه المدة إلى نحو 30 عامًا فقط. ولم ينقلب هذا الاتجاه إلا بعد عام 2000؛ إذ راوحت المدة المدروسة بين 75 و 100 عام، وهي إشارة إلى عودة عامة إلى الأمد الطويل21. كانت الدراسات التي عبّرت عن المخاوف بشأن التخصص - "المزيد من المعرفة عن القليل من الأشياء" - قد تابعت عن كثب عملية المهْنَنة، التي بدأت أول الأمر في العلوم الصلبة، ثم امتدت على نطاق أوسع منذ عشرينيات القرن العشرين لتشمل العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولم يبدأ المؤرخون على ضفتي المحيط الأطلسي في الشكوى من التفُّتُت الحقيقي الذي أدخله التخصص على مجالهم المعرفي إلا في ثمانينيات القرن العشرين.
الشكل (1) تردد عبارة "المزيد من المعرفة عن القليل من الأشياء" مع عارض ن-غرام غوغل (1900 - 1990)
"تفَّتَتت الدراسات التاريخية إلى مئة اتجاه في وقت واحد، من دون أي تنسيق بينها [...]، ويكاد يكون من المستحيل تخُّيُل تركيب متماسك، حتى بالنسبة إلى مناطق محدودة"، هكذا عَّلَق، على هذا الوضع، بيرنار بايلين، في عام 1982، في محاضرة افتتاحية ألقاها في مؤتمر الجمعية التاريخية الأميركية. ويكمن ما سمّاه ب "تحدي الهيستوريوغرافيا المعاصرة"، في رأيه، في الحاجة إلى "تنظيم حقب تاريخية عريضة، من أجل جعل التاريخ في متناول جمهور أوسع، وذلك بفضل الأعمال التركيبية التي تقدّم سُرودًا حول مواضيع رئيسة"22. وبعد وقت قصير من ذلك، في عام 1985، انتقد روبرت بالمر، وهو رئيس سابق آخر للجمعية المذكورة، مجال دراسته، قائلًا: "أصبح التخصص مفرطًا [...] ومن الصعب أن نرى ما يقدّمه هذا التخصص المفرط إلى تعليم الشباب أو الثقافة العامة"23. وأخيرًا، في عام 1987، دان الشاب ديفيد كانادين أيضًا "تقديس المهْننة" التي دفعت "المزيد من المؤرخين المحترفين إلى كتابة المزيد من التاريخ الأكاديمي الذي يقرؤه عدد متناقص من الناس". وحذّر من النتيجة الوحيدة لهذا الوضع، والمتمثلة في "الاختفاء المتواتر لدور المؤرخ باعتباره أستاذًا"24. بعبارة أخرى، أدى مسار الاحتراف إلى تهميش غير مسبوق، وجرى عزل المؤرخين على نحو متزايد عن القراء غير المتخصصين، وتحويلهم إلى الحديث في ما بينهم، فحسب، حول موضوعات ضيقة، جرت دراستها على مدى فترات قصيرة أكثر فأكثر. ورأى بيتر نوفيك، في سيرته ذات السمة الأخلاقية عن مهنة التاريخ في الولايات المتحدة، أن فترة الثمانينيات شكّلت منعطفًا؛ إذ أصبح التفُّتُت متفشيًا على نحو واضح، انطلاقًا من هذا التاريخ؛ فلم "يعد هناك من سِّيِدٍ في القوم"25. وساهمت قوى مفِّتِتة في
تفكيك مناعة التاريخ؛ منها المنعطف الأنثروبولوجي وإصراره على "الوصف الكثيف"، واستيراد التاريخ المجهري من إيطاليا عبر فرنسا، و"النزعة التشكيكية الناشئة إزاء السرديات الكبرى"، التي شخّصها جون فرانسوا ليوتار26. لكن، في مثل هذا الرثاء، غاب ربما جوهر الأمر؛ ذلك أن انحلال التخصص كان مجرد علامة لاتجاه عام جدًا، هو سيادة الأمد القصير. والسبب في هذا الوضع أملاه الواقع المهني والاقتصادي لسوق العمل الأكاديمي بعد عام 1968، أكثر مما أملته الاعتبارات النظرية؛ ولذلك اختار جيل من المؤرخين، الذين اضطروا إلى مواجهة حالة التراجع المَهول في التوظيف، تحديد تخصصهم في المقام الأول من خلال إتقانهم لأرشيفات معينة. وفي حين عمل المؤرخون الشباب على تنشيط أعمالهم الأرشيفية من خلال ممارساتهم السياسية الاحتجاجية، تحوّل المؤرخون الناطقون باللغة الإنكليزية إلى حد بعيد إلى التاريخ المجهري، فأنتجوا أعم لًا قيّمة جدًا. إلا أن هؤلاء المؤرخين المشتغلين على هذا الصنف من التاريخ، نادرًا ما بذلوا جهدًا لوضع آفاقهم الزمنية القصيرة في سياقها بالنسبة إلى القارئ العادي. وما فضّلوه في النهاية هو تقسيم المعرفة وتسييجها. وفي الجامعات المعتادة تقسيمَ العمل، كانت المساحة المخصصة للأساتذة الشباب، الذين يكتبون المباحث أو الكتِّيِبات، في ضِيق متواصل، وكذلك الأمر في ما يتصل بالعمق الزمني الذي تتطلبه مثل هذه الكتابات. هذه هي المشكلة؛ فقد كانت المعايير المطلوبة لكي يصبح الباحث مؤرخًا تقف في وجه الطموح السياسي لهذا الجيل من المؤرخين. فلم يكن الالتزام السياسي هو السبب في عزل المؤرخين عن جمهورهم، كما أشار إلى ذلك، بلطف، بيتر نوفيك. وفي الواقع، لم يتمكن جيل بأكمله من المؤرخين من الاستفادة من التزامهم السياسي بسبب قواعد مهنتهم. وانتهى الأمر بمؤرخي جيل الطفرة الإنجابية، الذين تداخلت حياتهم كثيرًا مع الحركات الاجتماعية، إلى تقديم النصح إلى طلابهم في الدكتوراه، لكي يتخصّصوا حتى يتمكنوا من إيجاد عمل. وقد انتهى الأمر بهذه الحركة، التي أُعيد إنتاجها عبر أجيال من المؤرخين الذين لم يكونوا بالضرورة على دراية بما كانوا يفعلون، إلى فقدان تام للسيطرة على الوضع. وما تلا ذلك كان "عصر انكسار"، كما نعته مؤرخ الأفكار دانييل رودجرز. ويمكن تعريف ذلك على نحو أساسي من خلال تقليص الآفاق الزمنية: "في منتصف القرن العشرين، كان الحضور المهيمن للتاريخ، وحتميته، وثقله، هو ما يميز كل خطاب حول المجتمع. فالتحدث بجدّية يعني التحدث انطلاقًا من مفهوم الزمن الطويل، ومن المقياس الشامل". وفي الثمانينيات، أفسحت نظريةُ التحديث، والماركسية، و"نظريات التنمية الاقتصادية الطويلة المدى، والتفاوت الثقافي، وأمور الدورة الاقتصادية الصعبة القياس، والأمد الطويل لدى المؤرخين"، المجالَ لرؤية الزمن بصورة مختزَلة في قصر ال حلظة: هنا والآن في الزمن الراهن27. وكانت إحدى النتائج غير المتوقعة للتاريخ المجهري هي أنه حتى الدراسات الغنية جدًا، تجريبيًا ونظريًا، أصبحت غير ذات أهمية في نظر غير المتخصصين، بسبب الانخفاض الشديد في الأمد الذي حملته هذه الدراسات. وبطبيعة الحال، كان للأمد القصير وظيفة أدبية قبل التأثير في كتابة التاريخ الأكاديمية. فمن كتاب حياة العظماء لبلوتارك إلى حياة المهندسينلصمويل سمايلز (1874 - 1899)، شكّلت السيرة الذاتية ركيزة "أخلاقية" بالنسبة إلى كتابة التاريخ، والتي غالبًا ما كانت مهتمّة بمفهوم "الشخصية" الدياكروني المفترض، على النحو الذي يتجلى به في هذه السرود الحياتية28. ومع ذلك، كان من الضروري انتظار السبعينيات لكي ينتفض جيل بأكمله من المؤرخين المحترفين، علنيًا، ضد الأمد الطويل، رافضين أسلوب المؤرخين الملتزمين المنتمين إلى الجيل السابق. وفي الواقع، كانت أعمال المؤرخين الماركسيين، بدءًا من كتاب إدوارد بالمير تومسون
نشأة الطبقة العاملة الإنكليزية إلى كتاب يوجين جينوفيز حول "العبيد"، قد أدمجت تجارب المضطهدين في م حلمة طويلة الأمد، واستعارت تقنيات معيّنة من دراسة الفولكلور، مثل ت لحيل الأشعار والنكات والصور البيانية، من أجل توصيف ثقافة الطبقة العاملة، وثقافة العبيد، والتوترات الثقافية بين الجماهير والنخب29. وتضاءلت هذه الرغبة في دراسة حقب عريضة في أوائل السبعينيات، مع أعمال همّت التاريخ الاجتماعي للعمل، مثل أعمال جوان سكوت، ووليام سيويل، اللذين قصَرا دراستيهما في مستوى ورشة عمل واحدة أو في ورشة التفاعلات داخل الجوار، مقتبسَين من علم الاجتماع التنُّبُه إلى التفاصيل والأفراد30. وانتقل مستوى الت لحيل من التعميمات على مجموعات كبرى إلى سياسة مجهرية تهمّ نجاحات وإخفاقات مرتبطة بصراعات معيّنة، ضمن صراع طبقي أكثر شمولية. ورأى بعضهم في هذا الأمر تخلّي التاريخ الاجتماعي عن أيّ اهتمام بالسياسة والسلطة والأيديولوجيا؛ ما دفع المؤرخين إلى "تحديد موقعهم داخل برج عاجي، في انفصال تام عن الواقع"31. كان هذا التخلي الشامل عن الأسئلة الكبرى والآماد الطويلة، التي كانت في قلب التاريخ الاجتماعي، نتيجةً إلى حدٍ ما، لثورة أوديبيّة ضد الأساتذة الكبار الذين سيطروا على الندوات، وحاوروا أنفسهم رًّدًا على الأسئلة التي طرحها المؤرخون الشباب، وجعلوا من التاريخ الجديد تمرينًا من التصُّنُع. ويحكي جيف إيليه هذه ال حلظة في سيرته الذاتية، خط ملتوٍ، كما تصورها سليل بريطاني من جيل الطفرة الإنجابية، وهو يواجه سوقَ شغلٍ صعبًا، ويناضل رفقة زملائه من أجل نهج جديد في التعامل مع الأرشيف. وبحسب إيليه، شكّل المنعطف الثقافي نوعًا من التحرر بالنسبة إلى المؤرخين الشباب الذين "كانوا مستائين من الأعمال الجافة والمجَّرَدة لمعظم الإنتاج الهيستوريوغرافي الكلاسيكي"، والذين أحيت النظريةُ بالنسبة إليهم "حياة الأرشيف المعرفية". وتُذِكِّر ثورة المؤرخين الشباب هذه ضد أساتذتهم، في صيغتها البلاغية، بالحركات السلمية، والحركات المناهضة للعنصرية، أو الحركات المطالِبة بحرية التعبير، التي رأت النور في ال حلظة نفسها، في نهاية الستينيات وخلال السبعينيات. فقد عكست وعيًا ورغبةً في ملاءمة المؤسسة التاريخية مع سياسة أكثر انتقادًا. وعندما أشار إيليه إلى "عواقب" هذا التمرد، فإنه تحدّث بصراحة قائلًا: تمرّن مؤرخو جيله في الميدان السياسي بالقطع مع مؤسسات النظام العالمي الفاسدة؛ تلك المؤسسات ذاتها التي شكّلت الجزء الأكبر من جمهور تاريخ الأمد الطويل لدى الأجيال السابقة32. كان السلاح الرئيس المستخدم في المعركة هو الاهتمام بالتفاصيل الم لحية، وهو ممارسة نشأت من التاريخ الحضري. كان المؤرخون البريطانيون والألمان المتخصصون في المدن قد اعتادوا وضعَ الحركات العمالية في سياق الحياة الحضرية. وهذا الاهتمام، الذي عزّزته التجارب والممارسات الغارقة في الم لحية، لدى مؤرخين، مثل غاريث ستيدمان جونز أو ديفيد روديجر، هو الذي جعل من الممكن دراسة العلاقات العرقية والعلاقات الطبقية والعلاقات المرتبطة بالسلطة، بحيث لم يكن في مقدور المؤرخ
إلا أن يستنتج الاحتمالية القصوى لفشل الحركات العمالية في تغيير البلاد33. وصار الاشتغال على مجموعة أرشيفية مغمورة بمنزلة طقس عبورٍ إلى مرحلة الرشد بالنسبة إلى المؤرخ، وإحدى العلامات الرئيسة التي يمكن من خلالها الاّطلّاع على الجديّة المنهجية، والثقافة النظرية، والمعرفة الهيستوريوغرافية، والاستئناس بالوثائق. وقد كان الوصول إلى المصادر المهملة، إلى ذلك الحين، مظهرًا من مظاهر المعرفة المتعمقة بما يكفي في ميدان الهيستوريوغرافيا، للكشف عن الثغرات، والإشارة إلى إتقان جميع الأدوات اللازمة لدراسة المصدر التاريخي مهما كان تعقيده أو باطنيته. كان من مظاهر هذا التغيير المميزة، تطويرُ نوع جديد من التاريخ المجهري، بالتخلي عن طموح السرد الكبير أو البناء الأخلاقي، لفائدة الاهتمام بحدث معين: على سبيل المثال، طقوس الشاريفاري لدى ناتالي زيمون ديفيس أو مذابح القطط لدى روبرت دارنتون34. جرى تصوّر التاريخ المجهري بوصفه منهجًا لاختبار الأسئلة التي يطرحها الأمد الطويل، ورَّدَ فعل على النظريات الشمولية للماركسية ومدرسة الحوليات، وسعيًا إلى ما نعته إدواردو جريندي ب "الاستثناء الطبيعي"35. فلم يكن منهجٌ مثل هذا، بصورة محَّدَدة، متنافرًا مع شكلٍ من أشكال العمق الزمني، على النحو الذي تُظهره أبحاث كارلو غانزبورغ حول الطقوس الزراعية، وسَبْت الساحرات، حيث تتنوع مقاييس الزمن بين اليوم والألفية36. وعلاوة على ذلك، لم يكن التاريخ المجهري في بداياته منفصلًا عن المشكلات السياسية والاجتماعية الخارجة عن المجال الأكاديمي. فقد أشارت جذوره الإيطالية، على العكس من ذلك، إلى الإيمان بالقدرة التحويلية للعمل الفردي "في ما وراء أنظمة القواعد وليس خارجها"37. ومع ذلك، أدى التاريخ المجهري، الذي جرى نقله إلى العالم الناطق باللغة الإنكليزية، إلى ظهور أسلوب في الكتابة ركّز على فترات زمنية قصيرة أكثر فأكثر، مع اللجوء المتزايد إلى الأرشيفات. وبطريقةٍ ما، كلما كانت المصادر غامضة جدًا أو صعبة الفهم، كان ذلك أفضل. بمعنى آخر، كلما سمحت الأرشيفات للمؤرخ بإظهار مهارته النظرية - من خلال استخدام نظريات متعددة ومتعارضة (حول الهوية، والجنس، والوساطة، وما إلى ذلك) - مكّنت الباحث من إثبات قدرته على فهم المستندات واقتحامه للميدان. كما ساهم الحذر من السرديات الكبرى في ظهور سرد متعاطف، يروي حياة الأفراد الذين قد يحسّ بهم حتى العوام. ومع ذلك، فإن مثل هذه الدراسات "المتأثرة بالعاطفة" تنطوي على خطر "تهميش المشاكل السياسية الكبرى لصالح الم لحي والخصوصي"، حتى لو جلبت لمؤلفيها نجاحًا خارج الأوساط الأكاديمية38.
باستثناءات قليلة، ركّزت الأعمال الرئيسة ذات الصلة بالمنعطف الثقافي على حدث معين: على سبيل المثال، فحص بعض الاضطرابات النفسية أو ت لحيل أعمال الشغب داخل الحركة العمالية39. حاول جميع المتخصصين في التاريخ الاجتماعي تقريبًا الاشتغال على تاريخ الأمد القصير، حيث ملأ كل واحد منهم خانةً صغيرة من التاريخ الطويل للعمل، والطب، والنساء... إلخ. واتبعت جميع دراسات التشخيص النفسي نموذجًا محددًا؛ إذ ضيّقت كل دراسة على حدة الفترة المدروسة على النحو الذي يجعلها تتوافق مع سِير الأطباء الذين كانوا السبب في أعمال مجِّدِدة مثل تشخيص الهستيريا، وجنون التنويم المغناطيسي، ونشوء رهاب الخلاء، أو الخطاب حول الشرود الذي، بحسب يان هاكينغ في كتابه المسافرون المجانين، انحرف عن ذلك التقليد الطبي الذي عَّمَر عشرين عامًا، ففَقدَ فجأة "موضعه البيئي"40. أصبحت المقاييس الزمنية الطبيعية، التي تراوح من خمس إلى خمسين سنة، نموذجًا لجميع الأعمال التاريخية المبتكرة. وحقق المؤرخون المجهريون إنجازًا تمثّل في إحداث ثورة في كتابة التاريخ حول موضوعات متنوعة، مثل النقابات والعنصرية وامتياز الجنس الأبيض، أو حتى الإنتاج التاريخي نفسه. ومنذ ذلك الحين، انطلقت مجموعة كبيرة من الأطروحات التي همّت دراسة الم لحي- المجهري باعتباره الميدان الوحيد الذي يمكن فيه المؤرخ أن يُظهر مواهبه بوصفه كاتب سيرة، ومهاراته الأرشيفية الجيدة، وإتقانه الزمني لحيزٍ ضيق من الزمن، مختزَلٍ في علبة صغيرة. وفي زمن التاريخ المجهري هذا، كانت هذه الأطروحات المصَّغَرة الأنسب لإثارة إعجاب لجنة التوظيف، وكان المشرفون على الأطروحات لا ينصحون المؤرخين الشباب بتوسيع آفاقهم المكانية والزمانية، بل بتضييقها، معتبرين أن كل بحث مناسب حول النساء أو العلاقات العرقية أو الطبقية، لا يمكن أن يتم إلا من خلال نظرة تفصيلية، وليس انطلاقًا من رؤية شمولية. لكن، بحسب جيف إيليه، فشل الطموح إلى التاريخ الاجتماعي ذي البُعد النقدي والسياسي؛ بسبب هذا الاستثمار المفرط في الأبحاث الم لحية، ف "مع مرور بعض الوقت، انقطعت صلات التبادل بين المستوى التاريخي الشامل، الرامي إلى استيعاب التغيير داخل المجتمع عمومًا، من ناحية، والتواريخ المصغرة الم لحية، من ناحية أخرى". وذهب إيليه إلى مقابلة هذا التاريخ الاجتماعي الم لحي مع صنف آخر من التاريخ في بعدَيه السياسي والنقدي، وهو النهج الذي سارت عليه مدرسة الحوليات، الذي وعد بنقد "شامل" للتاريخ الحالي، وهو لا يختلف كثيرًا عن مشروعه الخاص41. منذ نهاية السبعينيات وحتى نهاية الثمانينيات، بدأت مجموعات كاملة من المؤرخين في رسم هذا التراجع نحو الأمد القصير. فخلال جيل واحد، وجد التاريخ نفسه خاضعًا لسيطرة التاريخ المجهري؛ أي لتاريخٍيتمحور حول الحدث والمدة القصيرة. وبطبيعة الحال، لم يختفِ الأمد الطويل تمامًا من بيانات النشر لدى المنشورات الجامعية؛ ففي العقد الأول من الألفية الحالية، أشار جون هيفر إلى أن "المقاربة المتمحورة حول الأمد الطويل قد تبدو متجاوَزة اليوم، في وقت تدفع فيه نزعة ما بعد الحداثة، بحسب ما يظهر، المثقفين نحو دراسات مفَّتَتة وعابرة، لكنها (أي تلك المقاربة) تظل مث لًا، وهدفًا نطمح إليه من دون التمكن من بلوغه"42. ومع ذلك، فإن ما يبدو عتيقًا يمكن أن يعود بسرعة ليحتل الواجهة، فالأمد الطويل ليس ببعيد كثيرًا؛ لأن بشائره تبقى في المتناول.
ثانيًا: تغيير المقياس: عودة إلى الأمد الطويل
بالعودة إلى الأمد الطويل، فإن أفضل طريقة للمضي قُدمًا قد تكون هي النظر إلى الوراء. وبوجه عام، كانت التاريخيات الغربية الكبرى، المرتبطة بالعصر القديم والقرون الوسطى، قد استندت إلى اللاهوت والجغرافيا وعلم الفلك لتقديم أعمال تركيبية واسعة النطاق حول حقب تاريخية عريضة. وبالنسبة إلى ثوقيديدس وهيرودوت وأوغسطينوس، سعى التاريخ إلى فك الخيوط التي تربط دراسة سِير الشخصيات ودراسة الثقافات الأخرى من الوجهة الأنثروبولوجية والجغرافية. وبقدر ما كان طموحهم هو تفسير المعرفة في شموليتها، نظر المؤرخون الأوائل إلى الأمد الطويل. أضاف هيغل إلى هذا الاهتمام بتقدّم الأمم الكوني ما يمكن أن نسميه بروح التنوير، في شكل حتمية أخلاقية جديدة جسّدتها الدولة القومية. فدراسة التاريخ العالمي أتاح لكل أمة إدراك مكانتها الكونية ضمن الوحي الإلهي من خلال الواقع المادي. وفي هذا المسعى، كما يظهر من خلال أفكار جول ميشليه أو توماس بابينغتون ماكولاي، لفهم الغاية الأخلاقية للأمة، مَّكَن الأمد الطويل من وضع مختلَف أنواع التقدم في سياقها، سواء أكان المنظور إمبراطوريةً، أم ثورةً، أم ليبراليةً، أم أرستقراطيةً، أم ديمقراطيةً. وتأثير مثل هذا المشروع هو الذي نلمسه في مجموع الكتابات التاريخية خلال القرن الموالي. وفي مطلع القرن العشرين، كان الأمد الطويل (بمسُمّيات أخرى) أداةً كلاسيكية تمكّن من إنتاج تاريخ منَّقَح، في خدمة النزعة الإصلاحية. وهكذا، أجرى مؤرخون ينتمون إلى جمعية فابيان، مثل ريتشارد هنري توفنيه، وباربارا، وجون هاموند، أو حتى بياتريس وسيدني ويب، مقارنات ذات نفَس طويل الأمد، للكشف عن الأصول القديمة لبريطانيا الاشتراكية. وبحسب بياتريس وسيدني ويب، توجد أصول الحكم النيابي والتشاركي الحديث، فضلًا عن جذور نظام الرفاه، في قلب الحكم الكنسي القروسطي. ويعتقد توفنيه أن صراعات القرن السادس عشر بين مّلاك المواشي الذين ساندوا عمليات التصدير، والمزارعين الفقراء الذين كافحوا من أجل البقاء، شكّلت سابقةً، ونموذجًا للنضالات المعاصرة ضد نظام المَلكية في عصر الرأسمالية المتقدمة والإصلاح الزراعي43. كان التاريخ الممتد أداةً قادرة على ت لحيل المؤسسات المعاصرة، وفهمِبعض اليوتوبيات والمشاريع الثورية الرامية إلى تغيير المجتمع. وفي هذا الصدد، يُظهر مسار توفنيه المعرفي الطريقة التي خدم بها الأمدُ الطويلُ النضالَ الذي مارسه هذا الجيل من المؤرخين. فقد كتب، بعد أن أرسله معهد علاقات المحيط الهادئ إلى الصين في عام 1931، تاريخًا زراعيًا لهذا البلد يحمل تشابهًا صارخًا مع عمله عن بريطانيا، فقد قدّم فيه الصراعات بين مّلاك الأراضي والفلاحين، باعتبارها المحور المركزي للتاريخ، وهو ما أظهر الحاجة الم لحّة إلى إصلاح زراعي44. وبهذه الطريقة، سمح التاريخ لهذا المؤرخ بتعميم حججه (ذات الصلة الوثيقة ببريطانيا العظمى في عهد رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج، وقت ميزانية الشعب والإصلاح الزراعي) على المستوى العالمي. وبذلك أظهر توفنيه كيف أن الحقيقة العالمية حول دينامية الطبقات الاجتماعية والرهانات العقارية، المتصلة بالتاريخ الممتد، والتي تجد مصدرها لدى كارل ماركس، وهنري جورج، المتخصص في الاقتصاد السياسي ومصلح ضريبة الأراضي، يمكن تكييفها مع تقاليد قومية معيّنة،
وتوسيعها على نحو مقنع لتشمل مناطق أخرى. وقد اختلفت مثل هذه المحاولات تمامًا عن تلك التي انتقدها بروديل لدى معاصريه بسبب نزعتهم الحاضرية المفرطة، وعَماهم عن مسألة السلطة، وحيرتهم في مواجهة الأسئلة الأساسية، مثل تلك المتعلقة بالسببيّة والتفسير. وفي فترة ما بعد الحرب مباشرة، بدأت مؤسسات جديدة في الاهتمام بقضايا التنمية الدولية. وكثيرًا ما كان أعضاء هذه المؤسسات يتطلعون إلى التاريخ عندما يخططون لاقتراح تغيير كبير في السياسات. وترَّكَز نقاش مهم حول الفائدة من الاستمرار في برنامج إعادة توزيع الأراضي، الذي جرى تصوره بديلًا من الشيوعية، والذي اضطرت الإمبراطورية البريطانية إلى تطبيقه في إيرلندا، وباشرته في إسكتلندا وإنكلترا من خلال ميزانية الشعب ومخططات التأميم. في حين قامت الهند، بمجرد استقلالها، على الفور باتخاذ مثل هذه التدابير. وفي إطار الأمم المتحدة، تم تقديم الإصلاحات الزراعية باعتبارها طريقًا ثالثًا بين الشيوعية السوفياتية والرأسمالية الأميركية45. وفي كل هذه النقاشات، أدت الدراسات التاريخية المرتبطة باستخدام الأراضي، والمِلكية الخاصة، والسياسات الزراعية، دورًا رئيسًا، حيث جرى الاعتماد على أبحاث ريتشارد هنري توفنيه، وجوان ثيرسك، ومؤرخين بريطانيين آخرين ممن فكّروا في أهمية مشاعات الفلاحين ومأساة المسَّيَجات، وذلك على مدى جيلٍ قبل مجيء إدوارد بالمير تومسون وتناوله هذا الموضوع46. تطلّعت مؤسسات التنمية الدولية إلى التاريخ لتوفير خريطة طريق نحو الحرية والاستقلال والنمو الاقتصادي والسلام بين الأمم. وهكذا بدأ جون بويد أُور، أول مدير لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، مساره المهني بنشر تاريخ المجاعة منذ غزو يوليوس قيصر لإنكلترا، وحتى قانون الزراعة لعام 1920، وآثاره المفيدة في العلاقات بين المزارعين ومّلاك الأراضي47. وفي فجر الستينيات، أعاد المتخصصون في التاريخ الاقتصادي، مثل ديفيد لاندز، توجيه دراسة الثورة الصناعية إلى دعم سياسات الثورة الخضراء، واعدين بمستقبلٍ من الوفرة بفضل نشر التكنولوجيا48. وفي السبعينيات، تحوّل بعض منظّري الإصلاح الزراعي، مثل الاقتصادي إلياس توما أو الجغرافي راسل كينغ، إلى تاريخ الأمد الطويل، وقاموا، بوصفهم مستشارين للمنظمات الدولية، بتركيب العديد من الأعمال التاريخية، فاقترحوا وضع سياق للإصلاحات الزراعية المعاصرة في ضوء قرون من نضالات الفلاحين من أجل السيطرة على الأرض، وذلك منذ روما القديمة49. ومن الممكن ذكر العديد من الدراسات التاريخية المستندة إلى الأمد الطويل، التي همّت السياسة الزراعية. ففي الوقت الذي كان فيه مؤسسو الأمم المتحدة يناقشون السياسات المتعلقة بالجنوب، والتي كان من شأنها أن تضع العالم على
طريق النظام السلمي، اعتنق أتباع الاقتصادي الأميركي هنري جورج، وعددهم كثير على طرفَي المحيط الأطلسي، مفهوم الأمد الطويل بغية اقتراح سرد تاريخي لتفسير احتكار مّلاك الأراضي بوصفه جريمة بارزة في التاريخ المعاصر، ولتقديم الملكية الشعبية للأرض باعتبارها الترياق الضروري. وقد أُِّلِفت كتب تاريخية "جورجية" عدة (نسبة إلى هنري جورج) في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، حول تاريخ العمل الزراعي الأميركي منذ توماس جيفرسون. وسعى هؤلاء المؤرخون "الجورجيون" إلى الكشف عن العديد من الانتهاكات التي ارتكبها المّلاك، وعن الحاجة إلى حكومة شعبية للتدخل قصد منع مثل هذه العمليات. وفي السياق نفسه، يمكننا الاستشهاد ببحث ألفريد تشاندلر، أصول ملكية الأرض، الذي يتطرق إلى تاريخ سلطة الرأسماليين المتزايدة على الأرض؛ إذ أرجع المؤِّلِف المشكلةَ إلى أرباب السكك الحديدية الذين كانوا معاصرين لهنري جورج، وعلى وجه الخصوص، إلى تحكمهم في الجامعات التي منحتها الحكومةُ الأراضي (الكليات المستفيدة من الأراضي)50. وبالمثل، أسس آرون ساكولسكي في كتابه حيازة الأراضي والضرائب العقارية في أميركا، تاريخ الولايات المتحدة الفكري على دراسة الإصلاحات المتعاقبة لقانون الملكية، وانخرط من ثمّ في تقليد طويل من النقاشات حول تاريخ ملكية الأراضي، والتي تميز بها على نحو خاص هنري ماين، ونوما فوستيل دي كولانج، وماكس فيبر، وجورج جيجر51. وبالنسبة إلى آرون ساكولسكي، عكست الأحكام القضائية بخصوص الأرض، في نهاية المطاف، مفهومًا للعدالة انبنى على مجموعة من القيم الروحية والدينية؛ ذلك أن الفكرة القائلة إن كل إنسان له اعتبار، فقيرًا كان أم غنيًا، كانت متبوعة بفكرة أخرى مفادها أن الوصول إلى ملكية الأراضي يجب أن يكون متاحًا قدر الإمكان. وكتب ساكولسكي: "كان القساوسة متشِّبِعين تشُّبُعًا عميقًا بالتقاليد العبرية القديمة، وكانوا يتقاسمون تصور العدالة نفسه في ما يتعلق بملكية الأراضي"52. ومنذ العصور التوراتية، كانت هناك سوابق عديدة تشهد على مناهضة تراكم رأس المال من طرف نخبة من مّلاك الأراضي، حيث اتُخِذت مبِّرِرًا لسياسة زراعية على المستوى الوطني، وحتى الدولي. لم تكن هذه النقاشات العديدة من دون نتائج على الطريقة التي تصوّر بها المؤرخون المحترفون عملهم، فقد كتبوا لجمهور مكَّوَن من كبار الموظفين والخبراء الذين استخدموا الأمد الطويل التاريخي لبلورة توجهاتهم الإصلاحية وتبريرها. وكان مؤرخو المسائل الزراعية قد استعاروا من ريتشارد هنري توفنيه الأمد الطويل من أجل أبحاثهم، ولمعالجة المشكلات الأكثر عمومية ذات الصلة بالسياسات العامة، فمزجوا التاريخ الأكاديمي ومسائل الحكامة العالمية في مشاهد ممتدة قرونًا عدة، وذلك بالاستعانة بت لحيلات دقيقة لبعض الوثائق أو الأحداث، وبالاعتماد كذلك على أبحاث أعضاء آخرين في هذا التخصص. وبالنسبة إلى مؤرخي خمسينيات القرن العشرين وستينياته - وعلى وجه التحديد الجيل الذي ثار ضده جيف إيليه ووليام سيويل - شكّل الأمد الطويل أداةً لإقناع أعضاء المؤسسات الدولية والتأثير في سياساتهم. ومع ذلك، فقد أُسِيء استخدام الأمد الطويل الكلاسيكي المرتبط بالتاريخ الاجتماعي، لمّا وقع في أيدي مراكز البحوث والمنظمات غير الحكومية. ولذلك، جرى اختزال هذا الأمد في استغلال مجموعة مقتضبة من البيانات التاريخية
من طرف غير المتخصصين، الذين استخدموها لرسم صورة للاتجاهات المستقبلية الرئيسة. وفي معظم الأحيان، غُِّيِبت الأدبيات الموجودة حول هذا الموضوع أو النظم الفكرية الكبرى التي تناولت الأحداث المعنيّة بالأمر. وكانت المقاربات الماركسية، أو اليسارية إلى حدٍ ما، قد هُِّمِشت منذ البداية، لفائدة تأويلٍ تاريخي متزامن على نحو مرتبك مع أيديولوجية اقتصاد السوق، ومع الثقة بالتقدم التقني وبالوفرة التي يضمنها الإبداع الغربي. ليس بالأمر الجديد أن تجري تعبئة التاريخ لأغراض سياسية؛ إذ يمكننا، بطبيعة الحال، أن نجد سوابق لمثل هذا الانحراف عن الأمد الطويل، على الأقل منذ كتاب تشارلز دوبين قوة بريطانيا العظمى التجارية، مرورًا بتاريخ التقنيات العامّي في خمسينيات القرن التاسع عشر53. غير أن مثل هذا الصنف من تناول التاريخ لا يمكن أن يظهر إلا تحت مظلة ظروف سياسية ومؤسساتية مواتية. وفي الولايات المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، أدى انتشار المنظمات غير الحكومية، واتساع الهيمنة الأميركية، وإنشاء مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة أو البنك الدولي، إلى خلق الظروف اللازمة لظهور جمهور عريض مهتم بالتاريخ الممتد، ومتعطش للمعرفة التي تمِّكِن من التعامل مع المشاكل الكبرى، مثل المجاعة أو الفقر أو الجفاف أو الاستبداد. لكن عندما ابتعد مؤرخو جيل الطفرة الإنجابية عن هذه الأسئلة للاهتمام بالتاريخ المجهري للعلاقات الطبقية أو العرقية، أصبح التاريخ الممتد المهتم بالفقر والمجاعة مج لًا لكتّاب من دون أيّ تكوين تاريخي. وكان بعض هؤلاء من الديموغرافيين أو الاقتصاديين العاملين لدى نادي روما أو مؤسسة راند، ومن علماء النفس، أو علماء الأحياء، أو ممن نَّصَبوا أنفسهم مستقبليّين، أو غيرهم من الهواة الذين كانوا يهدفون إلى الوصول إلى قاعدة واسعة من القراء، في عصر ما يسمى ب "الانفجار الديموغرافي" و"محدوديات النمو"54. وقد ازدهرت صيغة الأمد الطويل المحَّرَفة هذه، على الرغم من أن المؤرخين لم يشاركوا في تقويضه. أبقت المؤسسات الدولية وطلبها المتواصل على الدراسات التاريخية المفيدة على إنتاج الأعمال التركيبية الواسعة النطاق؛ ولذلك تضاعفت الفجوات المنطقية والتجريدات غير المشروعة. وكانت الادّعاءات الأكثر مجانَبةً للصواب هي، من دون شك، تلك التي عبّر عنها هيرمان كان، ذلك الفيزيائي السابق الذي تحوّل إلى منِّظِرٍ للأنظمة وعالمٍ للمستقبل، فقد اقترح إغلاق النقاشات حول المواد الخام والكوارث البيئية والاستهلاك من خلال دراسة الاتجاهات الطويلة الأمد في تاريخ العالم. ورسم هيرمان كان وزملاؤه بيانًا لمعدلات النمو السكاني منذ الألفية الثامنة قبل الميلاد، وتنبؤوا بعالم ما بعد الصناعة تسوده "الوفرة"، وذلك في تقابل مع المتنِّبِئين بالتقدم التكنولوجي وتحديد النسل55.
الشكل (2) معدل النمو السكاني من منظور تاريخي طويل الأمد
ﻣﻌﺪل اﻟﻨﻤﻮ ﻣﻌﺪل اﻟﻨﻤﻮ
ﻗﺒﻞ اﳌﻴﻼد ﺑﻌﺪ اﳌﻴﻼد
المصدر: He rman Kahn, William Brown & Leon Martel, The Next 200 Years: A Scenario for America and the World (New York: Morrow, 1976), p. 29.
وكانت بعض المزاعم التاريخية التي أدلى بها مديرو المؤسسات الدولية بشأن مجالاتهم المعرفية على القدر نفسه من الإثارة. فعلى سبيل المثال، قدّم ويليام كلارك، مدير المعلومات في البنك الدولي، في خطاب ألقاه في عام 1970، اقتصادَ التنمية في ضوء التحولات التاريخية ذات الصدى العالمي. ولم يكن استنتاجه مدعومًا بالمعطيات التاريخية جيدًا، لكنه دعا إلى تفضيل اقتصاد التنمية على حساب السياسات الأخرى المتّبعة في ذلك الإبان: "لن يتذكر الناس هذه الحقبة باعتبارها عصرًا نوويًا، أو عصر غزو للفضاء، أو القرن الأميركي، أو عصر الإنسان العادي"، ولكن "سوف يتذكرونها بوصفها عصر التنمية، الذي شهد انتفاضة ثلثَي سكان العالم ضد ظروف معيشتهم التقليدية، التي لم تعد مقبولة". فبالنسبة إليه، قد يرى المؤرخون في حركة الحقوق المدنية الأميركية مجرد "مناوشة" مقارنة بهذه المسألة الأساسية56. ومع نهاية السبعينيات، بدأ هذا الاتجاه نحو الأمد الطويل يفقد صدقيته. وعلاوةً على ذلك، تعرّض المؤرخون القلائل الذين ظلّوا مرتبطين بالأمد الطويل لضغوط من القراء الذين قسمتهم آراء متعارضة، وهي سمة ثابتة للمشهد الدولي خلال الحرب الباردة. والمثال البارز في هذا الصدد هو الذي تقدّمه كارولين وير، مؤِّلِفة كتاب تاريخ البشرية، ذلك المشروع المكون من أجزاء عديدة، الذي أعدّته بين عامي 1954 و 1966، بتكليف من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو". وقد خضع بحثها هذا لفحصٍ من مسؤولي الدول الممَّثَلة في هذه المنظّمة، فجرى نقاش أيديولوجي حامي الوطيس بين القرّاء الروس والفرنسيين، والمقررين البروتستانتيين والكاثوليكيين، وغيرهم، حيث طالبوا اليونسكو بإدخال تعديلات تعكس تفسيرهم الخاص لتاريخ العالم. وبالنسبة إلى من يعمل في خدمة مؤسسة دولية، مثل كارولين وير، فإن نجاح مثل هذا المشروع يعتمد على قدرة مؤلّفيه على اقتراح تركيب مناسب لكل من الشيوعيين والرأسماليين. وثبت أن مثل هذه المهمة صعبة جدًا؛ فقد كانت طلبات مراجعة المضامين كثيرة إلى درجة أن أصحاب المشروع يئسوا من القدرة على كتابة تاريخ عالمي في مقدوره خلق إطار توافقي. وفي رسالة شخصية، كتبت كارولين وير:
"من غير الممكن كتابة تاريخ القرن العشرين"57. ساهمت تجارب العمل هذه، الموضوعة رهن إشارة المنظمات الدولية، في الإبقاء بعض الشيء على تاريخ الأمد الطويل. ولم يكن استياء كارولين وير من مطالب الاسترضاء الخطابي ليزعج زملاءها من المؤرخين المجهريين، فكانت مثل هذه التجارب سببًا رئيسًا في انكماش جيل من المؤرخين، والعمل خارج الأمد الطويل. وبوجه عام، بعد هذه الأحداث، رفض المؤرخون التعاون مع علماء المستقبل، فتركوا الأمد الطويل وقد سقط في أيدي الصحافيين والخبراء. ونادرًا ما جرى تدريس هذا العلم الزائف، كما لم تتم مناقشته أو تقليده إطلاقًا. ومن المؤكد أن الأبحاث التاريخية المجهرية قد وسّعت معرفتنا بحياة الفلاحين، وتنوّع الدوافع النفسية، سواء أكانت عامة أم خاصة، وأيضًا ببناء التجربة الإنسانية بأكملها، لكنها تخلّت، في المقابل، عن الخطابة والطموح إلى نقد اجتماعي أكثر شمولية، والذي يمكن أن يستخدمه غير المؤرخين لتصوّر أشكال اجتماعية جديدة عن الأمد الطويل. في أوقات الصراع الأيديولوجي هذه، نأى الباحثون في العلوم الاجتماعية، مثل جوان سكوت، ووليام سيويل، بأنفسهم عن مطالب المنظمات الدولية، حيث بدا بالنسبة إليهم الحياد الأيديولوجي، فضلًا عن فاعلية هذه المؤسسات، مشكوكًا في أمرهما أكثر فأكثر، مع تلاشي وعود نظرية التحديث، خاصة بعد حرب فيتنام58. فقد نُشرت أبحاثهم، على عكس تلك التي أنجزتها الأجيال السابقة، في مجلات محَّكَمة، بدلًا من الأدبيات الرمادية التي أنتجتها المنظمات الدولية على نطاق واسع. وكما هو الشأن بالنسبة إلى المؤرخين، توقف الأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع أيضًا عن تعاونهم، وحلّ محلّهم الاقتصاديون59. وخارج أقسام التاريخ، كانت عواقب خسارة هؤلاء الباحثين عديدة؛ منها: ظهور التطلعات العلموية في العلوم الاجتماعية مع تطور النمذجة أو حتى الاهتمام بنظرية الألعاب وبالعقلانية؛ باختصار، تراجع نحو الفردي والمجرد، على حساب الجماعي والملموس، وانطفأ تدريجيًا التقليد المقترن بالتفكير في القرارات السياسية استنادًا إلى دراسات الحالة في كليات الحقوق (التي أنشئت في القرن التاسع عشر) ليرى النور في كليات التجارة، وفي أقسام العلوم السياسية، حيث لا يتعلم موظفو المستقبل سوى أساسيات التاريخ. وهؤلاء الطلاب، الذين تربّوا على الإحصاء، من دون أي منظور تاريخي أو هيستوريوغرافي، لا يستفيدون إلا قليلًا من الثورات التي شهدها التاريخ على مدى الأربعين عامًا الماضية، سواء فكرنا في نظرية الهوية أو في مجالات معرفية أخرى. وإذا كان جيل الطفرة الإنجابية قد بذل مجهودًا كبيرًا لتعزيز قدرة المؤرخ على فهم العالم، فإن ذلك كان على حساب القدرة على الحوار مع المؤسسات الدولية. ولذلك يمكن قراءة حيز واسع من الهيستوريوغرافيا الناطقة باللغة الإنكليزية، من نحو عام 1968 حتى عام 2008، باعتباره علامة على أزمة أخلاقية، فقد خاطر المؤرخون بالتقوقع على أنفسهم، وبصرفهم النظر عن الأسئلة المعاصرة الرئيسة، وتصوّر أشكال
الحياة. وخلال هذه الفترة، تخلّوا عن أدوارهم السابقة بوصفهم مستشارين سياسيين أو متنِّبِئين بالوفاق السياسي، وبالتعاون الدولي. وبدلًا من ذلك، شرعوا في تطوير ميتافيزيقا الظلم، وكتبوها انطلاقًا من العرق والطبقة والجنس، وحَّدَدوها من خلال دراسة العقليات والزواج والقانون، وغيرها من الموضوعات. وفي حين طوّروا أدواتهم ومفهومهم للعدالة الاجتماعية، فقد أولوا الاهتمام لتخصصهم من زاوية ما هو م لحي، حتى خرجت الأمور عن صميم الموضوع، فأصبح المؤرخ، وقد انقطع عن المشهدَين السياسي والاقتصادي، مثل عالم فلك في مرصده. عزف المؤرخون عزوفًا متزايدًا عن الانخراط في مسائل السياسة العامة أو العلاقات الدولية؛ ما يفسر هذه الأزمة جزئيًا. كان المؤرخون المنتمون إلى جيل ويليام سيويل وروبرت دارنتون قليلًا ما يعلّقون على الأحداث السياسية الجارية، مقارنةً بمعاصري ريتشارد هنري توفنيه أو لويس مومفورد. وقد تولّى زملاؤهم في أقسام الاقتصاد هذا الدور المتمثل في تقديم المشورة للمواطنين والسياسيين بشأن إمكانيات التغيير على المدى الطويل؛ ما أدى إلى انتشار نظريات في الصحف والدوائر السياسية تحتفي باقتصاد السوق، ولا تأخذ مأخذ الجد الدروس المستفادة من التاريخ الإمبراطوري والتصنيع والصحة العامة والبيئة60. وخلال تسعينيات القرن العشرين، انتفض مايكل بيروبيه، إلى جانب باحثين أميركيين آخرين، ضد تهميش التاريخ والعلوم الإنسانية الأخرى، وأحيوا بحنين ذكرى أنتليجنسيا نيويورك في الخمسينيات، لما أدى المؤرخون ونقاد الأدب دورًا نشطًا في الفضاء العام61. وفي نهاية التسعينيات، بدأ جيل جديد من المؤرخين في الاهتمام من جديد بالأمد الطويل؛ إذ أعرب معظم المتخصصين في التاريخ القديم أو في القرون الوسطى، عن أسفهم، بوجه خاص، لهذا الصمت عن الحقب الطويلة. وفي الآونة الأخيرة، تابع المؤرخ الوسيطي دانييل لورد سمايل، هذه الأسئلة من خلال حوار مع علم الأحياء التطوري، مركّزًا الاهتمام على أسئلةٍ مثل تحقيب الهوية البشرية والنزعة الاستهلاكية62. مكّن بروز "التاريخ العالمي" والتاريخ العريض من توسيع المجال ودمج إعادة تأويل التاريخ في ضوء المسألة البيئية، من خلال وضع الأحداث البشرية في سياق أوسع لتاريخ الطبيعة. وهكذا، بدأت العودة إلى الأمد الطويل، وهي تتأسس، في جانبٍ منها، على عدم الرضا إزاء محدوديات التاريخ المجهري. ورافق ذلك تفكيرٌ في مكانة المؤرخين في الجامعة وخارجها. وبعيدًا عن هذه الأسباب الأخلاقية، أدت العوامل التقنية البحتة دورًا لصالح هذا التطور؛ الأول، يكمن في العدد المتزايد باستمرار للأرشيفات المتاحة، والثاني يتوافق مع تكاثر الأدوات الت لحيلية63. وبغضّ النظر عن النقاشات حول تغيّر المناخ أو حول واجب المؤرخين النقدي، فإن هذين العاملين دفعا بهم إلى دراسة حقب طويلة أكثر فأكثر.
ثالثًا: ثم عاد الكبير: عودة الأمد الطويل
على مدى العقد الماضي، أظهرت علاماتٌ عديدة عودة الأمد الطويل إلى المشهد الفكري؛ فقد أشار جيريمي أدلمان في مجال تخصصه إلى أن "اقتراح نظريات حول المسارات التاريخية الطويلة الأمد أصبح متجاوزًا"، لكن هذا الأمر تغيّر من ثمة فصاعدًا: "لقد عاد الأمد الطويل"64. وقال توماس لاكور لزملائه خلال أحد المؤتمرات: "إننا جميعًا منخرطون، بدرجات متفاوتة، في تاريخ الحياة الجنسية من منظور الأمد الطويل"65. وأشارت سوزان جيلمان، وهي تتحدث عن تخصصها، إلى أن "كل من نظر مؤخرًا إلى عناوين الكتب والندوات والمشاريع البحثية وحتى الدروس الجامعية لا يمكنه إلا أن يلاحظ كلمتين رئيستين [...] تؤديان دورًا مهمًا في التحقيب داخل العلوم الإنسانية": الأولى، جغرافية (العالم الأطلسي)، والثانية، زمنية، هي الأمد الطويل66. جعلت الأعمال الحديثة العهد، بفضل استنادها إلى الأمد الطويل، موضوعات متنوعة في الواجهة مثل الحرب الباردة، وظواهر الهجرة، والبحر الأسود، والربيع العربي، والروحانية النسائية، والتاريخ النمساوي، والاستشراق الألماني، والإمبريالية67. وتكشف نظرة سريعة على المنشورات الصادرة مؤخرًا الحضور الكبير للتواريخ ذات النفَس الطويل، المرتبطة بالجولات عبر العالم على مدى خمسمئة عام، وبالثلاثة آلاف عام الأولى للمسيحية أو معاداة اليهودية في مصر حتى اليوم، وبالإبادة الجماعية "من إسبرطة إلى دارفور"، وباستراتيجية الشمبانزيه في ما يتصل بنظرية الألعاب، وب "شكل" التاريخ البشري منذ خمسة عشر ألف عام، وبالعديد من الموضوعات الرئيسة الأخرى التي تهمّ جمهورًا واسعًا68. عاد التاريخ العريض في أشكالٍ مختلفة. والأكثر طموحًا على الإطلاق هو بلا شك التاريخ الكبير؛ ذلك السرد الذي يهتمّ بالماضي منذ بداية الكون69. أما "التاريخ العميق"، المعروض بصورة أكثر تواضعًا، لكونه ينحصر في التاريخ البشري، فيمتد امتدادًا
فريدًا؛ لأنه يشمل أكثر من أربعين ألف عام، ليكسر بذلك، عن قصد، الحدود التقليدية بين "التاريخ" و"ما قبل التاريخ"70. وعلى نحو محدود، على الرغم من أنه ربما أكثر انسجامًا مع النقاشات المعاصرة، فإن تاريخ الأنثروبوسين يركّز على القرنين الماضيين منذ الثورة الصناعية، حيث شكّل البشر خلالهما فاعلًا جماعيًا قويًا بما يكفي للتأثير في البيئة على نطاق الكرة الأرضية71. إن المقاييس الزمنية لهذه الحركات الثلاث هي على التوالي كونية وأثرية ومناخية؛ إذ تتميز كل واحدة منها بتوسيع جديد للمنظورات التاريخية، وتدرس جميعها آفاقًا أعلى - في معظم الأوقات أعلى من ذلك بكثير - من الجيل والحياة البشرية أو من معظم المقاييس البيولوجية الأخرى التي استُخدمت مؤخرًا في كتابة التاريخ. وفي السنوات الأخيرة، بشّرت مشاريع الرقمنة الواسعة النطاق وإنشاء قواعد بيانات التاريخ الشفهي، بعصرٍ جديد يتيّسر فيه الولوج إلى عدد هائل من المصادر. وتعتبر هذه الأدوات الرقمية، المتصلة ببرامج الت لحيل الجديدة - مثل عارض ن-غرام غوغل (تسلسل الكلمات المتجاور)، أو "وُوردل" (تخمين الكلمات على الإنترنت) أو "بيبر ماشينز" (مجموعة أدوات رقمية) - دعوةً لاختبار الفرضيات التاريخية على مدار عدة قرون72. وتسمح طبيعة هذه الأدوات وثراء النصوص المتاحة بتاريخٍ طويلِ الأمد ومبنٍّيٍ، في الوقت ذاته، على العمل الأرشيفي. وفي ما يتعلق بالقانون وأشكال أخرى من التاريخ المؤسساتي، حيث يبدو الأمد الطويل هذا ذا امتياز بفضل التركيز على ما ذُكر، ينبغي لنا أن نتوقع الوقوف سريعًا على تطور مثل هذه الأبحاث. لاحظ المختصون في تاريخ القانون أن الأساليب الرقمية تسمح لهم بالإجابة عن أسئلة أكبر: على سبيل المثال، يغطي موقع "أولد بايلي أونلاين" الفترة 1673 - 1914؛ وهي أكبر مجموعة أرشيفية عن الطبقة العمالية متاحة الآن في العالم الناطق باللغة الإنكليزية؛ وأيضًا، يسعى مشروع عالَم مفكّري عصر الأنوار لكولين وايلدر Wilder Colin، من خلال رقمنة النصوص القانونية الحديثة وربطها بخريطة عملاقة للعلاقات الاجتماعية بين أساتذة القانون وطلابهم، إلى معرفة ما الذي يحدد تطور القانون في ألمانيا الحديثة، حيث ظهرت العديد من مفاهيمنا حول المِلك العام والمِلكية الخاصة والمشاعات73. وفي مواجهة هذين الحَّدَين، الأخلاقي والتقني، يتعيّن على المؤرخين مناقشة ما يعنيه التفكير في حقبة ممتدة على مدى قرون، وليس على مدى عقود. ويجب علينا أن نؤكد على بعض التقنيات الرقمية، ونفكر في تطبيقها على حقب ملائمة لأبحاث طلاب الدكتوراه. وعلينا أن نجد نماذج جديدة، وأن نخترع نظرية تاريخية جديدة عابرة للأزمنة، تسمح لنا بفهم ما يجب أن تكون عليه دراسة تاريخية مقنعة مبنيّة على عدة قرون، و"عصور"، و"حقب". ولتحقيق هذا الهدف، ليس من الضروري، فحسب، دراسة المناهج التي
استخدمت في المجالات التي تعاملت بنجاح مع الأمد الطويل، ولكن أيضًا التفكير في العلاقات التجريدية بين الجزئي والكلي، فضلًا عن مختلف الأدوات التي يمكن أن تكون مفيدة في عملية التركيب هذه. لكل مجال علاقات معيّنة مع الحركات الاجتماعية، ومع الحكامة العالمية، لكن من الممكن إيجاد أبحاث واعدة، مبنيّة على الأمد الطويل، في كل منها. أولئك الذين يعملون في مجال الصحة العامة محظوظون؛ لأن لهم إمكانية الاعتماد على كتب آلان براندت وروبرت بروكتور حول كارثة السجائر في الولايات المتحدة74. كما أن الاقتصاد السياسي مزَّوَد بما فيه الكفاية بالأعمال الطويلة الأمد، فقد ربطت دراسة فريدريك ألبريتون جونسون المقنعة جدًا عن آدم سميث والرأسمالية، المجالات التي عادةً ما كانت منفصلة - التنقيب البيولوجي الاستعماري، وتاريخ العلوم، والحجج المالتوسية (نسبة إلى توماس مالتوس) لدى أصحاب القرار - ووضعت الأمور في سياقها في ما يتصل بقرن من الجدل بين مؤيدي التاريخ الطبيعي، الذين نظَروا بتفاؤل إلى قدوم عصر الوفرة، وأنصار الاقتصاد السياسي المقتنعين بعقيدة بروتستانتية مناهضة للفقراء75. وعلى المنوال نفسه، جمعًا بين الاقتصاد والبيئة، ربطت أليسون باشفورد بين تاريخ السكان، وتحسين النسل، والزراعة، والجغرافيا السياسية، في دراسة شمولية لهذه الاستمرارية المذهلة للنزعة المالتوسية الجديدة حتى زمن اعتماد الأمد الطويل الذي زاغ عن الطريق خلال السبعينيات76. غير أن موضوعات أخرى ظلت أقل انفتاحًا على الأمد الطويل، مثل الحركات الاجتماعية التي، على الرغم من اهتمام المؤرخين بها، نادرًا ما وُضعت في سياق تاريخي ممتد؛ إذ كان من شأن ذلك أن يمنحها قيمة ويجعلها في متناول جمهور أوسع. وعلينا أن نعود إلى الثمانينيات لنجد مثل هذه الدراسة، مع تاريخ العمل، التي كتبها هوارد زين، والتي قرأها الناشطون اليساريون على نطاق واسع77. وإذا حاولنا أن نفكر في الأبحاث التركيبية الحديثة العهد، مثل تاريخ التطرف الذي أنتجه بيتر مارشال أو البحث الرائع الذي كتبه جون كورل حول التعاونيات، فيجب علينا الاعتراف بأن المؤرخين المحترفين لم يبتكروا في هذا المجال؛ ذلك أن الدراسات التي تدخل في اهتمام مؤرخي المدن، اعتنى بها بالأحرى صحافيون، مثل مايك ديفيس، أو ممن ينتمون إلى هذه التعاونيات نفسها، مثل بيريل ساتر78. كما تعيّن على الناشطين في حركات الهوية والجنس أن يعودوا بعيدًا إلى الوراء للعثور على دراسات طويلة الأمد، مثل تلك التي أجراها جون بوزويل ووليام ليتش؛ لأن الأعمال التركيبية الرئيسة اختفت بعد عام 198079. أما الأبحاث التاريخية الأخرى - كمية هائلة منها لسوء الحظ - فهي أقل مقروئية لدى الجمهور المتعلم، بمن في ذلك الصحافيون.
إن النقاشات الأكثر حدة حول العرق والطبقات الاجتماعية والنقابات لا تكون وجيهة إلا عندما يقرؤها الطلاب الذين يصبحون ناشطين، فمن دون ما يقدّمه الأمد الطويل من منظور وتركيب، تظل هذه النقاشات عسيرة الاستيعاب بالنسبة إلى معظم طلاب السنة الأولى من التكوين، وغير المتخصصين، والقراء العاديّين. فمؤِّلِفٌ مثل هوارد زين يبقى مرجعًا مركزيًا للناشطين وللإعلام البديل. فقد استهدف، بالأحرى، مؤرخون ينتمون إلى جيل آخر، مثل توفنيه، جمهورًا من القراء التكنوقراطيين، الذين استخدموا التاريخ للتفكير في إمكانيات التدخل والسياسات الدولية، ولاقتراح حلول أكثر طموحًا من تلك التي يقدّمها علماء السياسة، المقيّدون كثيرًا بالنظرية والعلوم الاجتماعية. يشترك هذان المؤلفان في الإيمان نفسه بقدرة التاريخ على تقديم سرود لها إمكانية إقناع الأشخاص المناضلين، سواء من خلال وضعهم الاجتماعي، أو انطلاقًا من خبرتهم (في حالة توفنيه)، أو من خلال عددهم، وتنظيمهم، وإيمانهم، واقتناعهم بقضيةٍ ما (في حالة زين). وقد أصبح تصور المستقبل البديل مج لًا للمستقبليّين وللخيال العلمي، وذلك عندما انسحب المؤرخون منه. ونأمل أن تؤدي العودة إلى الأمد الطويل إلى مواجهة جديدة، في كل المجالات، مع هذه الكتابات السابقة الملتزمة، داخل المهنة وخارجها80. وفي ضوء هذه التحديات والإمكانيات، فإنه من المناسب التفكير في العودة الأخيرة إلى الأمد الطويل؛ لأنها تحتل مكانة مركزية في النقاشات المتعلقة بالبيئة؛ إذ لا شيء في الأدوات الرقمية الجديدة يدفع التاريخ البيئي الممتد إلى معالجة المسائل البيولوجية. وفي المقابل، يفتح التاريخ الرقمي إمكانيات كثيرة لفهم تطور بعض المؤسسات المعاصرة على نحو أفضل، وهي فرصة أضاعها أنصار الأنثروبوسين. وقد استخدم المؤرخون، مثل دانييل سمايل وديبيش شاكرابارتي، الأمد الطويل لدراسة العلاقات بين التلوث والضرر البيئي وتطور أثر البشر في بيئتهم الطبيعية، منذ عصر الأنثروبوسين81. ومن منظور أبحاث الأمد الطويل على طريقة توفنيه أو مومفورد، فإن فتح حوار مع أقسام البيولوجيا يُعدّ أمرًا ثانويًا أمام قدرة التاريخ على التأثير في الخبراء والناشطين المهتمين بالتغيّر المناخي. ومن باب المفارقة، يبدو تاريخ البيولوجيا الممتد مرتبطًا بغرض أخلاقي، جانبيّ إلى حد، مقارنةً بالقضايا التاريخية الأكثر إلحاحًا، مثل التذكير بأن الدولة لديها القدرة على إنشاء المساحات المشتركة وتدميرها، سواء أكانت برية أم بحرية. وفي عصر التغيّر المناخي وما يثيره من صراعات محتملة في خصوص الحدود البرية والبحرية، نحتاج بالتأكيد إلى دراسات تاريخية تهمّ الصراعات الطبقية في ما يتصل بالولوج إلى الأراضي والمياه، ولكن لسوء الحظ هناك أمثلة قليلة يمكن اللجوء إليها. يرتبط هذا التحرك نحو المقاييس الكبرى ارتباطًا مباشرًا بتوافر كميات جديدة من البيانات، وبإمكانية ت لحيلها، ثم يُطرح السؤال حول إذا ما كان ينبغي استخدامها على المدى القصير أو الطويل. تُظهر العديد من الأمثلة على مثل هذا الاختيار في تاريخ هذا التخصص، أن النتائج عظيمة. فالحاجة إلى طرح أسئلة عريضة أكثر فأكثر، هي التي تحدد نوعية البيانات التي يمكن استخدامها وكيفية استخدامها. هذا هو التحدي الذي تواجهه معظم الأبحاث ذات الأمد الطويل. ويتيح هذا التأطير بلورة تفسيرات رائعة، وإثارة النقاشات حول التغيير الاجتماعي وإمكانياته ومحدودياته. وسيكون من الخطأ اختزال الأمد الطويل في المسائل البيولوجية أو في الرغبة في جذب انتباه زملائنا العلميّين. استخدمنا، نحن معشر المؤرخين، تقنيات رقمية تتيح بكل اطمئنان عزل حدثٍ ما عن سياقه الطويل، وأيضًا تقديم أعمال تركيبية أكثر دقة للتاريخ الممتد قرونًا حول بعض الحركات الاجتماعية العابرة ل حلدود الوطنية. ففي دراسة جو جولديه حول تاريخ المشي، أتاح محرّك مجموعة كتب غوغل اختبار نطاق مقترحات والتر بنيامين وريتشارد سينيت وتوسيعها حول سلوك الغرباء في شوارع مدن القرن التاسع عشر. وبعد أن اشتغلت الباحثة على التعارض بين أنظمة الِم لكية الخاصة والمِلكية الجماعية منذ عام 1870،
شرعت في استخدام الأدوات الرقمية لتجميع الكلمات الشائعة الاستخدام في المخططات الزمنية التي توضّح بروز مختلف المفاهيم وتراجعها. وقد أدى هذا البحث إلى إنشاء مجموعة أدوات رقمية، هي بيبر ماشينز، التي أصبحت متاحة في عام 2012 بفضل تعاون كريستوفر جونسون-روبرتسون. وبحسب جولديه، سواء أكانت هذه التقنية رخيصة (محرك مجموعة كتب غوغل) أم مكلفة (بيبر ماشينز)، فإنها تشتغل مثل "آلة مكِّبِرة" مفتوحةٍ على التغيير ذي الأمد الطويل، وقائمةٍ على أساس الت لحيل الكمي للكلمات داخل سياقها. هذه الجرأة ذات الطبيعة الكمية، المستندة إلى الت لحيل الخوارزمي لكتل من البيانات الثقافية أو المؤسساتية، تمِّكِن الباحث من اقتراح فرضيات جديدة وتوصيف حقب زمنية طويلة82. ولذلك تعمل المكِّبِرات مثل منشطات فكرية؛ ما يجعل من الممكن صياغة الفرضيات على مدى فترة طويلة، وذلك من خلال تأسيسها على التوصيفات المكانية والمؤسساتية والخطابية والزمانية، التي يمكن أن يدمجها المؤرخ مع بعضها في سياق غني، ويكون في مقدور عمله الأرشيفي أن يرتكز عليه. يُعدّ العمل الأخير الذي أنجزه الاقتصادي توماس بيكيتي وزملاؤه مث لًا آخر على هذا المنعطف الكمي. يتعلق الأمر بدراسة مقارنة للمستويات النسبية المقترنة بالتفاوتات الناجمة عن الرأسمالية منذ الثورة الصناعية؛ ما يسمح ببلورة سياق تزايد التفاوتات في الأجور في العالم منذ عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر83. تستغل هذه الت لحيلات الكمية مجموعةً هائلة من البيانات، وتؤثر في العمل العمومي، تمامًا بالطريقة التي نود أن نرى بها تاريخ الأمد الطويل. وكذلك فهي تثير أسئلة مهمة حول إمكانية تعميم العمل على البيانات في مجال الدراسات الأخرى، فهل يكون هذا العمل من اختصاص مختبرات بحثية معزولة؛ ما يسمح بصياغة بعض الفرضيات المحددة فحسب، مثل المنعطف الكمي في السبعينيات؟ وهل يمكن تعميم هذه البيانات الرقمية، المكتسبة بوساطة جهد كبير، على أمور أخرى؟ وهل سيتبع البحث الرقمي الكمي المسار الذي فتحته الأدوات الرقمية الأخرى على مستوى العلوم الإنسانية؛ ما يخلق أدواتٍ تمِّكِن من توصيف التغيير على مدى فترات طويلة من الزمن؟ بهذا الصدد، تتمتع بعض المشاريع، مثل ن-غرام غوغل أو بيبر ماشينز، بالقدرة على إحداث ثورة في ممارسات التدريس من خلال تمكين الجميع من أدوات ت لحيل قوية جدًا. تصبح مثل هذه الأسئلة، حول الطريقة التي يستخدم بها أنصار الزمن الطويل أرشيفاتهم وأدواتهم، أكثر أهميةً إذا فكّرنا في إمكانية الإصغاء لأصوات الهامش، في عالم تهيمن عليه النقاشات باللغة الإنكليزية والأرشيفات القومية. وعندما يجري تصُّوُر تمويل الرقمنة على أنها وسيلة لبناء الأمة (أي في كل مكان تقريبًا)، حينئذٍ يتجلى الخطر الكبير في إهمال المستندات المتعلقة بالنساء والأقليات والفقراء، وخاصة أن الوثائق الرقمية تتطلب تمويلًا مستمرًا لصيانة الخوادم الحاسوبية. وفي هذا الباب، ترتبط إمكانية إدماج آفاق أخرى، غير تلك المتعلقة بالدولة القومية على مستوى تركيب الأمد الطويل، بإنشاء أرشيفات مفتوحة فعلًا وصيانتها. تقترن هذه الأسئلة بأساليب التاريخ المجهري، التي سعت إلى إظهار الكيفية التي تمِّكِن الشهادات الخاصة والهشة من تسليط الضوء على تاريخ العبودية، والرأسمالية أو الحياة المنزلية. وفي الواقع، يشكّل الحفاظ الرقمي على هذه الأصوات الهامشية، من
خلال دمجها في الأرشيفات الصغيرة، أفقًا حيويًا للبحث؛ لذا يستحق هذا العمل الهائل، وكل العمل النقدي الذي يقوم عليه، أن يُقَدَّر ويُكافَأ بمنشورات خاصة ومنح دراسية وجوائز مهداة إلى الباحثين الذين يستثمرون جهودهم في هذه المهمة. وهذا نوع آخر من العمل حول الأمد الطويل، لا يستهدف الجمهورَ، ونشرَ الكتب على نطاق واسع، والتأثيرَ في الخبراء، بل يهُّمُ إنشاء أرشيفات صغيرة مكوّنة من وثائق، وأشياء، وحكايات، وموارد ضرورية لفهم الموضوعات التاريخية الشاملة ذات الأهمية84. يستلزم البعد الأخلاقي للموضوعات التي يتناولها الأمد الطويل، مثل إعادة توجيه الاقتصاد ليدمج مسألة تغُّيُر المناخ أو مراعاة السياسات العمومية للأهالي الذين يعيشون على الهامش، من المؤرخين أن يتوجهوا إلى جمهور أوسع ما أمكن، بقدر سعة الموضوعات المتطرق إليها، وخاصة البيئة، والحكامة العالمية، والرأسمالية، والاستغلال، وغير ذلك. إن تاريخ الأمد الطويل مشروع متكامل؛ لأنه يحيل إلى عصر الأنثروبوسين، من أجل إقناع الجمهور بوجود علاقة طويلة الأمد بين الإنسان والكوكب، خاصة في ما يتعلق بالغلاف الجوي، والنظم البيئية الهشة، والموارد الطبيعية المحدودة. ومن ثم، ينبغي له الكشف عن الخلافات الطويلة حول الظلم الذي تولّده الرأسمالية، على النحو الذي قام به توفنيه ومومفورد، أو حول حكامة البيئة، بالطريقة التي بَّيَنها دونيس غوسغروف وجون جيليس مؤخرًا85. في زمن الأمد الطويل هذا، عندما يصبح التجريب على مدى عدة قرون جزءًا لا يتجزأ من مجموعة الأدوات التي يمتلكها كل طالب دكتوراه، سيجري دمج النقاشات حول الجمهور المناسب، وحول نتائج الدراسات التاريخية ذات المنظور الرحب، في التكوين الأساسي لجميع أقسام التاريخ. ولا ينبغي لنا أن نقتصر على الأنثروبوسين أو الماركسية فحسب، بل سيكون من الحكمة اتباع التطلعات الطوباوية لهذين الخطابين، من أجل العودة إلى كتابة تاريخية تسعى إلى التأثير في النقاش العمومي والسياسات العامة. تتصل عودة مفهوم الأمد الطويل اتص لًا وثيقًا بحركات المقياس والتسوية. ففي وقت يتّسم بانفجار الاختلالات، والأزمات في الحكامة العالمية، وتغيّر المناخ، فإن أدنى اعتبار للعوامل التي تحكم حياتنا يستلزم تغييرًا في المقياس نحو الأعلى. ويتطلب منا هذا الأمد الطويل الجديد، وإن كان يكتسي أشك لًا مختلفة ويركّز على أهداف متجددة، العودةَ إلى الأسئلة الأكثر جوهرية في المنهجية التاريخية: اختيار المشكلات، والحدود التي نضعها للموضوعات، والأدوات التي نستخدمها في دراستها. فالذاكرة تنعم بالقدرة على إحياء إمكانيات الإقناع والخيال والإلهام التي تتمتع بها المعرفة التاريخية. وهكذا، دافع مؤرخ عصر النهضة قسطنطين فاسولت عن الفكرة القائلة إن الاهتمام بمؤسسات أوروبا الحديثة نبع من موقف ذي صلة ب "ثورة على التصورات التاريخية"86. ومن هذا المنظور، ينبغي لمؤرخي الأمد الطويل الجدد استخدام التاريخ لانتقاد المؤسسات التي تحيط بنا، ومن ثمّ التوفيق بينه وبين دوره باعتباره علمًا اجتماعيًا نقديًا87. وفي استطاعة التاريخ رفض المغالطات التاريخية القائمة على مراعاة استمرارية المؤسسات فحسب. ولا بد من أن يساعدنا التفكير التاريخي المبني على الأمد الطويل في اختيار أٍّيٍ من مؤسساتنا تستحق الطمس أو الإنقاذ.
معجم المصطلحات
. Littérature grise
هيستوريوغرافيا (مجموع الكتابات التاريخية:) Historiographie / Historiography. ӵ امتياز الجنس الأبيض: Whiteness. ӵ أنتليجنسيا (النخبة المثقفة:) Intelligentsia.
. Anthropocene / Anthropocène
ӵ الأمد الطويل: durée Longue. أولد بايلي أونلاين (موقع أرشيفي إلكتروني:) Online Bailey Old. بيبر ماشينز (مجموعة أدوات رقمية:) Machines Paper.
. Histoire évènementielle التاريخ الحدثي: ӵ
. Big history / Grande histoire التاريخ العريض أو الكبير: ӵ التاريخ العميق: history Deep. التاريخ المجهري أو التاريخ الجزئي: histoire - Micro / Microhistory.
. Nationalization / Nationalisation التأميم: ӵ. Periodization / Périodisation تحقيب: ӵ. Cult of professionalism / Culte du professionnalisme تقديس المهْننة:. Representative / Représentativité التمثُّلية: ӵ. Autonomous / Autonomisation التمكين: ӵ
. American Historical Association , AHA المتحدة:)
جمعية فابيان (ناد فكري وسياسي يساري إنكليزي تأسس في عام 1884:) Society Fabian. جينيالوجيا (سلسلة النسب:) Généalogie / Genealogy. ӵ الخوادِم الحاسوبية: Serveurs / Servers.
. Maison des Sciences de l ' Homme , MSH
الأدبيات الرمادية (الكتابات المنجزة تحت طلب الإدارات أو الجمعيات أو المنظمات غير الحكومية:) / Literature Grey
أنثروبوسين (عصر الإنسان: حقبة جيولوجية مرتبطة بأثر الإنسان في الأرض والنظام البيئي، خصوصًا منذ الثورة الصناعية:)
الثورة الأوديبيّة (في سياق النص، ثورة المؤرخين الشباب على أساتذتهم الكبار:) œdipienne Révolte / Revolt Oedipal. الجمعية التاريخية الأميركية (تأسست عام 1884، وهي أقدم جمعية عال مة أميركية، وتضم المؤرخين ومدرِسي التاريخ في الولاياتِ
دار علوم الإنسان (مؤسسة فرنسية للأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية تأسست بمبادرة من فيرناند بروديل في عام 1963:)
. Sentimentalist accounts / Etudes sentimentalistes:"الدراسات "المتأثرة بالعاطفة. Digitization / Numérisation الرقمنة: ӵ. Empathetic stories / Histoire empathique السرد المتعاطف:
الشاريفاري (طقس جماعي غربي قريب من طقوس الكرنفال، يتميز بالضوضاء الناجمة عن قعقعة الأواني المنزلية:) Charivari. ӵ الطفرة الإنجابية: boom - Baby. عارض ن-غرام غوغل (تسلسل الكلمات المتجاور:) Ngram Google. ӵ عالَم مفكري عصر الأنوار: Letters of Republic. عصر الانكسار: Fracture of Age. ӵ عقيدة بروتستانتية (كالفينية/ نسبة إلى جون كالفن:) presbytérien Dieu / God Presbyterian.
. Futurology / Futurologie علم المستقبل: ӵ العلْموية: Scientisme / Scientism. ӵ
قانون جي آي بيل (قانون أميركي صدر في عام 1944، منحَ جنودَ الحرب العالمية الثانية المسرَحين دعمًا ماليًا لمواصلة دراساتهم الجامعية أو تكوينهم المهني:) Bill. I. G. الكليات المستفيدة من الأراضي: colleges grant - Land. المدرسة التطبيقية للدراسات العليا (مؤسسة فرنسية للتعليم العالي تأسست في عام 1868، وتخصَصت في العلوم الطبيعية، والعلوم التاريخية، والعلوم الدينية:) EPHE , Etudes Hautes des Pratique Ecole. "المزيد من المعرفة عن القليل من الأشياء:" less and less about more and more.
. Time - scales / Echelles temporelles المقاييس الزمنية:
ӵ المنظمات غير الحكومية: ONG / NGO.
. Professionalization / Professionnalisation المهْننة:
المؤرخون المجهريون (المؤرخون المختصون في التاريخ المجهري أو الجزئي:) historiens - Micro / Microhistorians. مؤسسة العلوم الوطنية (وكالة أميركية مستقلة تأسست في عام 1950، وتُعنى بدعم البحث العلمي:) Foundation Science National. مؤسسة راند (مؤسسة أميركية تأسست في عام 1948، تُعنى بالبحث التطبيقي والت لحيل الاستراتيجي، وتضع خبرتها رهن إشارة السياسات العمومية:) Corporation Rand. نادي روما (مجموعة تفكير مكونة من صناعيين واقتصاديين ودبلوماسيين، اهتمت بقضايا البيئة في نهاية الستينيات من القرن
العشرين:) Rome de Club / Rome of Club.
. Consumerism / Consumérisme النزعة الاستهلاكية:
. Presentism / Présentisme النزعة الحاضرية: ӵ. Postmodernism / Postmodernisme نزعة ما بعد الحداثة:
النظرية الكونية للأنساق: Theory Systems - World.
النمذجة: Modélisation / Modeling. ӵ
ӵ وُوردل (تخمين الكلمات على الإنترنت:) Wordle.
المراجع
Adelman, Jeremy. "L atin American Longues Durées." Latin American Research Review. vol. 39 , no. 1 (2004).
AHR Forum. Dossier. "Historiographic 'Turns' in Critical Perspective." The American Historical Review. vol. 117 ,
no. 3 (2012).
Akram-Lodhi, A. Haroon, Saturnino M. Borras, Jr. & Cristóbal Kay (eds.). Land, Poverty and Livelihoods in an
Era of Globalization: Perspectives from Developing and Transition Countries. London: Routledge, 2007.
Aligică, Paul Dragoș. Prophecies of Doom and Scenarios of Progress: Herman Kahn, Julian Simon, and the
Prospective Imagination. New York: Continuum International Publishing Group, 2007.
Allardyce, Gilbert. "Toward World History: American Historians and the Coming of the World History Course."
Journal of World History. vol. 1 , no. 1 (1990).
Andersson, Jenny. "The Great Future Debate and the Struggle for the World." The American Historical Review.
vol. 117 , no. 5 (2012).
Armitage, David. "W hat's the Big Idea? Intellectual History and the Longue Durée." History of European Ideas.
vol. 38 , no. 4 (2012).
_______. Foundations of Modern International Thought. Cambridge: Cambridge University Press, 2013.
_______. Civil War: A History in Ideas. New York: Alfred A. Knopf, 2017.
Atkinson, Anthony B. & Thomas Piketty (eds.). Top Incomes over the Twentieth Century: A Contrast between
Continental European and English-Speaking Countries. Oxford: Oxford University Press, 2007.
Atkinson, Anthony B., Thomas Piketty & Emmanuel Saez. "Top Incomes in the Long Run of History." Journal of
Economic Literature. vol. 49 , no. 1 (2011).
Bailyn, Bernard. "The Challenge of Modern Historiography." The American Historical Review. vol. 87 , no. 1
Bashford, Alison. Global Population: History, Geopolitics, and Life on Earth. New York: Columbia University
Press, 2014.
Bayly, Christopher A. et al. (ed.). History, Historians and Development Policy: A Necessary Dialogue. Manchester:
Manchester University Press, 2011.
Berger, Gaston. Phénoménologie du temps et prospective. Paris: PUF, 1964.
Berry, Adrian. The Next Ten Thousand Years: A Vision of Man's Future in the Universe. New York: Saturday
Review Press, 1974.
Bohstedt, John. Riots and Community Politics in England and Wales, 1790-18 10. Cambridge, MA: Harvard
University Press, 1983.
Bonnell, Victoria E. & Lynn Hunt (eds.). Beyond the Cultural Turn: New Directions in the Study of Society and
Culture. Berkeley: University of California Press, 1999.
Borlaug, Norman. Mankind and Civilization at Another Crossroad. Madison: FAO, 1971.
Boswell, John. Christianity, Social Tolerance, and Homosexuality: Gay People in Western Europe from the
Beginning of the Christian Era to the Fourteenth Century. Chicago: University of Chicago Press, 1980.
Bourdieu, Pierre. Les règles de l'art: Genèse et structure du champ littéraire. Paris: Seuil, 1992.
Brandt, Allan M. The Cigarette Century: The Rise, Fall, and Deadly Persistence of the Product that Defined
America. New York: Basic Books, 2007.
Braudel, Fernand. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l'époque de Philippe II. Paris: Armand Colin,
_______. "H istoire et sciences sociales: La longue durée." Annales ESC. vol. 13 , no. 4 (1958).
_______. "Gaston Berger, 1896-1960." Annales ESC. vol. 16 , no. 1 (1961).
_______. Les ambitions de l'Histoire. Paris: Éditions de Fallois, 1997 [1941-1944].
_______. Geschichte als Schlüssel zur Welt: Vorlesungen in deutscher Kriegsgefangenschaft 1941. Stuttgart:
Klett-Cotta, 2013.
Brown, Cynthia Stokes. Big History: From the Big Bang to the Present. New York: New Press, 2007.
Burke, Pe ter. The French Historical Revolution: The Annales School, 1929- 89. Cambridge: Polity Press, 1990.
_______ (ed.). New Perspectives on Historical Writing. Cambridge: Polity Press, 1991.
Burton, Antoinette (ed.). After the Imperial Turn: Thinking with and through the Nation. Durham: Duke University
Press, 2003.
Cannadine, David. "British History: Past, Present - and Future?" Past and Present. no. 116 (1987).
Carmignani, P. (dir.). Autour de F. Braudel. Perpignan: Presses universitaires de Perpignan, 2001.
Chakrabarty, Dipesh. "The Climate of History: Four Theses." Critical Inquiry. vol. 35 , no. 2 (2009).
_______. "Postcolonial Studies and the Challenge of Climate Change." New Literary History. vol. 43 , no. 1 (2012).
Chandler, Alfred N. Land Title Origins: A Tale of Force and Fraud. New York: Robert Schalkenbach Foundation,
Chaplin, Joyce E. Round about the Earth: Circumnavigation from Magellan to Orbit. New York: Simon and
Schuster, 2012.
Christian, David. "The Return of Universal History." History and Theory. vol. 49 , no. 4 (2010).
_______. Maps of Time: An Introduction to Big History. Berkeley: University of California Press, 2011 [2004].
Cook, James W., Lawrence B. Glickman & Michael O'malley (eds.). The Cultural Turn in U.S. History:
Past, Present, and Future. Chicago: University of Chicago Press, 2008.
Cooper, Frederick & Randall M. Packard (eds.). International Development and the Social Sciences: Essays on the
History and Politics of Knowledge. Berkeley: University of California Press, 1997.
Cosgrove, Denis E. Apollo's Eye: A Cartographic Genealogy of the Earth in the Western Imagination. Baltimore:
The Johns Hopkins University Press, 2001.
Cox, Pamela. "The Future Uses of History." History Workshop Journal. vol. 75 , no. 1 (2013).
Cragoe, Matthew & Paul Readman (eds.). The Land Question in Britain, 1750-19 50. London: Palgrave Macmillan,
Curl, John. For all the People: Uncovering the Hidden History of Cooperation, Cooperative Movements, and
Communalism in America. Oakland: PM Press, 2009.
Curto, D.R. et al. (eds.). From Florence to the Mediterranean and Beyond: Essays in Honour of Anthony Molho.
Florence: L.S. Olschki, 2009.
Darnton, Robert. Mesmerism and the End of the Enlightenment in France. Cambridge: Harvard University Press,
_______. Le grand massacre des chats. Attitudes et croyances dans l'ancienne France. M.-A. Revellat (trad.).
Paris: R. Laffont, 1984.
Davis, Mike. City of Quartz: Excavating the Future in Los Angeles. London: Verso, 1990.
_______. Planet of Slums. London: Verso, 2006.
Davis, Natalie Zemon. Les cultures du peuple. Rituels, savoirs et résistances au XVIe siècle. M.-N. Bourguet
(trad.). Paris: Aubier Montaigne, 1979 [1975].
Du Bois, W.E.B. The Suppression of the African Slave-Trade to the United States of America, 1638-18 70. New York:
Longmans, Green, and Co., 1896 [1895].
Dupin, Charles. Voyages dans la Grande-Bretagne entrepris relativement aux services publics de la guerre, de la
marine et des ponts et chaussées, en 1816 , 1817 , 1818 , 1819 et 1820. Paris: Bachelier, 1824.
Ehrlich, Paul R. The Population Bomb. New York: Ballantine Books, 1968.
Eley, Geoff. A Crooked Line: From Cultural History to the History of Society. Ann Arbor: University of Michigan
Press, 2005.
Faral, Edmond. La vie quotidienne au temps de saint Louis. Paris: Hachette, 1942.
Fasolt, Constantin. The Limits of History. Chicago: University of Chicago Press, 2004.
Fluck, Winfried, Donald E. Pease & John Carlos Rowe (eds.). Re-Framing the Transnational Turn in American
Studies. Hanovre: Darmouth College Press, 2011.
Freedman, Lawrence. Strategy: A History. Oxford: Oxford University Press, 2013.
Geiger, George Raymond. The Theory of the Land Question. New York: Macmillan, 1936.
Gemelli, Giuliana. Fernand Braudel e l'Europa universal. Venise: Marsilio Editore, 1990.
Genovese, Eugene D. Roll, Jordan, Roll: The World the Slaves Made. New York: Pantheon Books, 1974.
Ghosh, Durba. "Another Set of Imperial Turns?" The American Historical Review. vol. 117 , no. 3 (2012).
Gillis, John R. The Human Shore: Seacoasts in History. Chicago: University of Chicago Press, 2012.
Gillman, Susan. "Oceans of Longues Durées." PMLA. vol. 127 , no. 2 (2012).
Gilman, Nils. Mandarins of the Future: Modernization Theory in Cold War America. Baltimore: The Johns
Hopkins University Press, 2007.
Ginzburg, Carlo. Storia notturna: Una decifrazione del sabba. Turin: G. Einaudi, 1989.
Goldberg, D.T. & P. Svensson (eds.). Humanities and the Digital. Cambridge, MA: MIT Press, 2015.
Goldman, Lawrence. The Life of R.H. Tawney: Socialism and History. London: Bloomsbury Academic, 2013.
Graham, Shawn, Ian Milligan & Scott Weingart. Big Digital History: Exploring Big Data through a Historian's
Macroscope. London: Imperial College Press, 2014.
Grandin, K. (ed.). Going Digital: Evolutionary and Revolutionary Aspects of Digitization. Stockholm: Center for
History of Science at the Royal Swedish Academy of Sciences, 2011.
Grendi, Edoardo. "M icro-analisi e storia sociale." Quaderni Storici. vol. 12 , no. 35 (1977).
Grossi, Paolo. Un altro modo di possedere. L'emersione di forme alternative di proprietà alla coscienza giuridica
postunitaria. Milan: A. Giuffrè, 1977.
Guldi, Jo & David Armitage. The History Manifesto. Cambridge: Cambridge University Press, 2014.
Guldi, Jo. "The Surprising Death of the Public Intellectual: A Manifesto for Restoration." Absent. vol. 1 , no. 2
(2008). at: https://bit.ly/ 3 ViSp 2 D
_______. "What is the Spatial Turn?" Spatial Humanities (2011). at: https://bit.ly/ 3 yJHcyW
_______. "The History of Walking and the Digital Turn: Stride and Lounge in London, 1808-1851." The Journal of
Modern History. vol. 84 , no. 1 (2012).
_______. The Long Land War: A Global Struggle for Occupancy Rights. New Haven: Yale University Press, 2022.
Hacking, Ian. Mad Travelers: Reflections on the Reality of Transient Mental Illnesses. Charlottesville: University
Press of Virginia, 1998.
Hammond, John Lawrence & Barbara Hammond. The Village Labourer, 1760-1832: A Study in the Government of
England before the Reform Bill. London: Longmans, Green and Co., 1911.
Haydon, Colin. Anti-Catholicism in Eighteenth-Century England, c. 1714-80: A Political and Social Study.
Manchester: Manchester University Press, 1993.
Haywood, Ian & John Seed (eds.). The Gordon Riots: Politics, Culture and Insurrection in Late Eighteenth-
Century Britain. Cambridge: Cambridge University Press, 2012.
Hazra, Amit. Land Reforms: Myths and Realities. New Delhi: Concept Publishing, 2006.
Hedetoft, Ulf. The Global Turn: National Encounters with the World. Aalborg: Aalborg University Press, 2003.
Heffer, Jean. "Is the Longue Durée Un-American?" Review. vol. 24 , no. 1 (2001).
Ivan, R. (ed.). New Regionalism or No Regionalism? Emerging Regionalism in the Black Sea Area. Farnham:
Ashgate, 2012.
Jacoby, Russell. The Last Intellectuals: American Culture in the Age of Academe. New York: Basic Books, 1987.
Jockers, Matthew L. Macroanalysis: Digital Methods and Literary History. Urbana: University of Illinois Press,
Jones, Gareth Stedman. Outcast London: A Study in the Relationship between Classes in Victorian Society. Oxford:
_______. Languages of Class: Studies in English Working Class History, 1832-19 82. Cambridge: Cambridge
Jonsson, Fredrik Albritton. "The Industrial Revolution in the Anthropocene." The Journal of Modern History.
_______. Enlightenment's Frontier: The Scottish Highlands and the Origins of Environmentalism. New Haven:
Judt, Tony. "A Clown in Regal Purple: Social History and the Historians." History Workshop Journal. vol. 7 ,
Kahn, Herman, William Brown & Leon Martel. The Next 200 Years: A Scenario for America and the World.
Kiernan, Ben. Blood and Soil: A World History of Genocide and Extermination from Sparta to Darfur.
Lanaro, Paola (dir.). Micro-storia: A venticinque anni de L'eredità immateriale. Milan: Franco Angeli, 2011.
Landes, David. The Unbound Prometheus: Technological Change and Industrial Development in Western Europe
Laqueur, Thomas W. "S exuality and the Transformation of Culture: The Longue Durée." Sexualities. vol. 12 ,
Leach, William. True Love and Perfect Union: The Feminist Reform of Sex and Society. New York: Basic Books,
Lee, Richard E. (ed.). The Longue Duree and World-Systems Analysis. New York: State University of New York Press,
Leffler, M.P. & O.A. Westad (eds.). The Cambridge History of the Cold War. Cambridge: Cambridge University Press,
Legum, C. (ed.). The First U.N. Development Decade and Its Lessons for the 1970 's. New York: Praeger Publishers,
Leonard, George. The Transformation: A Guide to the Inevitable Changes in Humankind. New York: Delacorte Press,
Leonhard, Jörn. "The Longue Durée of Empire: Comparative Semantics of a Key Concept in Modern European
Clarendon Press, 1971.
University Press, 1983.
vol. 84 , no. 3 (2012).
Yale University Press, 2013.
no. 1 (1979).
New York: Morrow, 1976.
New Haven: Yale University Press, 2007.
King, Russell. Land Reform: A World Survey. London: G. Bell, 1977.
Knowles, David. The Historian and Character. Cambridge: Cambridge University Press, 1955.
Kula, Witold. "H istoire et économie: La longue durée." Annales ESC. vol. 15 , no. 2 (1960).
from 1750 to the Present. London: Cambridge University Press, 1969.
no. 4 (2009).
History." Contributions to the History of Concepts. vol. 8 , no. 1 (2013).
Leslie, Grace V. "Seven Hundred Pages of 'Minor Revisions' from the Soviet Union: Caroline Ware, the UNESCO
History of Mankind , and the Trials of Writing International History in a Bi-Polar World, 1954-66." Paper
Presented at the American Historical Association "The Global Dimensions of U.S. Power: Rethinking
Liberal Internationalism at the Midcentury." New Orleans, 3 / 1 / 2013.
Lux-Sterritt, L. & C.M. Mangion (eds.). Gender, Catholicism and Spirituality: Women and the Roman Catholic
Church in Britain and Europe, 1200-19 00. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2011.
Lyotard, Jean-François. La condition postmoderne: Rapport sur le savoir. Paris: Éditions de Minuit, 1979.
MacCulloch, Diarmaid. A History of Christianity: The First Three Thousand Years. London: Allen Lane, 2009.
Markoff, John & Verónica Montecinos. "The Ubiquitous Rise of Economists." Journal of Public Policy. vol. 13 ,
no. 1 (1993).
Marshall, Peter H. Nature's Web: An Exploration of Ecological Thinking. London: Simon and Schuster, 1992.
_______. Demanding the Impossible: A History of Anarchism. Oakland: PM Press, 2010.
McMahon, Darrin M. & Samuel Moyn (eds.). Rethinking Modern European Intellectual History. New York:
Oxford University Press, 2014.
Meadows, Donella et al. The Limits to Growth: A Report for the Club of Rome's Project on the Predicament of
Mankind. New York: Universe Books, 1972.
Moretti, Franco. Distant Reading. London: Verso, 2013.
Morris, Ian. Why the West Rules - For Now: The Patterns of History, and What they Reveal about the Future.
New York: Farrar, Straus and Giroux, 2010.
_______. The Measure of Civilization: How Social Development Decides the Fate of Nations. Princeton: Princeton
University Press, 2013.
Nelson, Eric. The Hebrew Republic: Jewish Sources and the Transformation of European Political Thought.
Cambridge: Harvard University Press, 2010.
Nirenberg, David. Anti-Judaism: The Western Tradition. New York: W.W. Norton, 2013.
Novick, Peter. That Noble Dream: The "Objectivity Question" and the American Historical Profession. Cambridge:
Cambridge University Press, 1988.
Orr, John. A Short History of British Agriculture. London: Oxford University Press, 1922.
Palmer, Robert Roswell. "A Century of French History in America." French Historical Studies. vol. 14 , no. 2 (1985).
Phillips, Mark Salber. On Historical Distance. New Haven: Yale University Press, 2013.
Piketty, Thomas & Emmanuel Saez. "Income Inequality in the United States, 1913-1998." The Quarterly Journal
of Economics. vol. 118 , no. 1 (2003).
Piketty, Thomas. Les hauts revenus en France au XXe siècle: Inégalités et redistributions, 1901-19 98. Paris:
B. Grasset, 2001.
_______. Le capital au XXIe siècle. Paris: Seuil, 2013.
Platon. Timée. Victor Cousin Cousin (trad.). Paris: Rey & Gravierm, 1837.
Posner, Richard A. Public Intellectuals: A Study of Decline. Cambridge: Harvard University Press, 2003.
Proctor, Robert. Golden Holocaust: Origins of the Cigarette Catastrophe and the Case for Abolition. Berkeley:
University of California Press, 2011.
Readman, Paul. Land and Nation in England: Patriotism, National Identity, and the Politics of Land, 1880-19 14.
Woodbridge: Boydell Press, 2008.
Revel, Jacques (dir.). Jeux d'échelles: La micro-analyse à l'expérience. Paris: Gallimard; Seuil, 1996.
Rist, Gilbert. The History of Development: From Western Origins to Global Faith. New York: Zed Books, 2002.
Rodgers, Daniel T. Age of Fracture. Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press, 2011.
Roediger, David R. The Wages of Whiteness: Race and the Making of the American Working Class. London: Verso,
Rorty, Richard (ed.). The Linguistic Turn: Recent Essays in Philosophical Method. Chicago: University of
Chicago Press, 1967.
Rose, Robert Barrie. "The Priestley Riots of 1791." Past and Present. no. 18 (1960).
Rosenberg, E.S. (ed.). A World Connecting, 1870-19 45. Cambridge: Belknap Press of Harvard University Press,
Sakolski, Aaron M. Land Tenure and Land Taxation in America. New York: Robert Schalkenbach Foundation,
Satter, Beryl. Family Properties: Race, Real Estate, and the Exploitation of Black Urban America. New York:
Metropolitan Books, 2009.
Schmidt, Benjamin. "What Years do Historians Write About?" Sapping Attention Digital Humanities: Using
Tools from the 1990 s to Answer Questions from the 1960 s about 19 th Century America. 9 / 5 / 2013. at:
https://bit.ly/ 4 dZb 5 vg
Scott, Joan Wallach. The Glassworkers of Carmaux: French Craftsmen and Political Action in a Nineteenth-
Century City. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1974.
Scrutton, Thomas Edward. Commons and Common Fields, or, The History and Policy of the Laws Relating to
Commons and Enclosures in England. Cambridge: Cambridge University Press, 1887.
Sewell, Jr., William H. Work and Revolution in France: The Language of Labor from the Old Regime to 1848.
Cambridge: Cambridge University Press, 1980.
Shryock, Andrew & Daniel Lord Smail (eds.). Deep History: The Architecture of Past and Present. Berkeley:
University of California Press, 2011.
_______. "History and the Pre." The American Historical Review. vol. 118 , no. 3 (2013).
Smail, Daniel Lord. On Deep History and the Brain. Berkeley: University of California Press, 2008.
Spiegel, Gabrielle M. (ed.). Practicing History: New Directions in Historical Writing after the Linguistic Turn.
London: Routledge, 2005.
Spier, Fred. Big History and the Future of Humanity. Chichester: Wiley-Blackwell, 2010.
Steffen, Will et al. "The Anthropocene: Conceptual and Historical Perspectives." Philosophical Transactions of
the Royal Society. vol. 369 , no. 1938 (2011).
Surkis, Judith. "When was the Linguistic Turn? A Genealogy." The American Historical Review. vol. 117 , no. 3
Suttles, Gerald D. & Mark D. Jacobs. Front Page Economics. Chicago: University of Chicago Press, 2011.
Tawney, Richard H. The Agrarian Problem in the Sixteenth Century. London: Longmans, Green and Co., 1912.
_______. A Memorandum on Agriculture and Industry in China. Honolulu: Institute of Pacific Relations, 1929.
_______. Land and Labour in China. London: G. Allen and Unwin, 1932.
_______. "The Rise of the Gentry, 1558-1640." The Economic History Review. vol. 11 , no. 1 (1941).
Thirsk, Joan. "The Restoration Land Settlement." The Journal of Modern History. vol. 26 , no. 4 (1954).
Thompson, Edward P. La formation de la classe ouvrière anglaise. G. Dauvé, M. Golaszewski & M.N.
Thibault (trad.). Paris: Gallimard; Seuil, 1988 [1963].
Thurgood, Lori, Mary J. Golladay & Susan T. Hill. "U.S. Doctorates in the 20 th Century: Special Report." National
Science Foundation (2006). at: https://bit.ly/ 3 x 00 YFV
Tilly, Charles. Big Structures, Large Processes, Huge Comparisons. New York: Russell Sage Foundation, 1984.
Trivellato, Francesca. "Is there a Future for Italian Microhistory in the Age of Global History?" California Italian
Studies. vol. 2 , no. 1 (2011). at: https://bit.ly/ 4 aEqXR 2
Tuma, Elias H. Twenty-Six Centuries of Agrarian Reform: A Comparative Analysis. Berkeley: University of
California Press, 1965.
Turner, Frederick Jackson. The Character and Influence of the Indian Trade in Wisconsin: A Study of the Trading
Post as an Institution. Baltimore: Johns Hopkins Press, 1891.
Veith, Ilza. Hysteria: The History of a Disease. Chicago: University of Chicago Press, 1965.
Webb, Beatrice & Sidney Webb. English Local Government. vol. 9. London: Longmans, Green and Co., 1906-1929.
Weinstein, Barbara. "History Without a Cause? Grand Narratives, World History, and the Postcolonial Dilemma."
International Review of Social History. vol. 50 , no. 1 (2005).
Zinn, Howard. A People's History of the United States. New York: Harper and Row, 1980