المستحدثات والشأن الديني في مغرب القرنين 19 و20
Innovations and Religion in Morocco in the 19th and 20th Centuries
الملخّص
عنوان الكتاب: المستحدثات والشأن الديني في مغرب القرنين 19 و20. المؤلّف: أحمد المكاوي. الناشر: طنجة: دار أكورا للنشر والتوزيع. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 360 صفحة.
Abstract
Book Title: Innovations and Religious Affairs in Morocco During the 19th and 20th Centuries. Author: Ahmed El Mekkawi. Publisher: Tangier: Akora Publishing and Distribution. Year of Publication: 2022. Number of Pages: 360 pages.
- المغرب
- النوازل الفقهية
- السجال الفقهي
- الرحالون المغاربة
- Nawazil
- Moroccan travelers
- Jurisprudential debate
- Morocco
| أحمد الحبشي | Elhabchi *Ahmed | |
| مراجعة كتاب المستحدثات والشأن الديني في مغرب القرنين 19 و20 Book Review Innovations and Religion in Morocco in the 19 th and 20 th Centuries | |
| المؤلف: أحمد المكاوي. عنوان الكتاب: المستحدثات والشأن الديني في مغرب القرنين 19 و 20. مكان النشر والناشر: طنجة: دار أكورا للنشر والتوزيع. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 360 صفحة. | |
يحيل القرن التاسع عشر الميلادي في الكتابة التاريخية المغربية إلى قضايا عدة: الجمود الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والضغط الاستعماري، ومحاولات الإصلاح، وما يمكن الاصطلاح عليه ب "الصدمة الحضارية" أيضًا. وقد انبرى لسبر أغوار الصدمة باحثون مرموقون، من بينهم أحمد المكاوي1، الذي يحاول في دراساته شطر هذه الإشكالية إلى أسئلة فرعية، قد تبدو متنافرة في غاياتها، ولكنها تصبّ في عمق الفهم التاريخي لأسباب الصدمة الحضارية التي كشفت تراجع البنى الثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمع المغربي، بعد الاتصال بأوروبا الحداثة والتحديث. اختار المؤلف ذكر مداخل النظر في مقاربته لإشكالية اتصال المغاربة بالأوروبيين خلال القرن التاسع عشر، ومُترتباتها، من ذلك إنجازه أطروحة لنيل دكتوراه الدولة موضوعها: "صورة أوربا في الكتابات المغربية خلال القرن التاسع عشر"2، وكأن المؤلف أراد أن يكشف بداية تمثلات مغاربة القرن التاسع عشر عن الإنسان الأوروبي، الذي شكّل تحديًا عصريًا بالنسبة إليهم. وتواصل اهتمامه بهذا الموضوع؛ إذ أصدر كتابًا عنوانه: الرحالون المغاربة وأوربا3؛ ليرصد عبارات الصدمة في سرديات الرحالة المغاربة، الذين اقتحموا عالمًا مستجًّدًا يعُّجُ بالأعاجيب الزمنية، فسيطرت علامات التعجّب على أوصافهم للمستحدثات الأوروبية، وكانت ردّات فعلهم كشّافة لاتساع الهوة الحضارية بين المغرب وأوروبا. واصل المؤلف العمل على مشروعه في كتاب المستحدثات والشأن الديني في مغرب القرنين 19 و 20، ليكون بمنزلة خرزة في عقد مسألة الاتصال المغربي - الأوروبي خلال القرن التاسع عشر، لكن ذلك قد كان من مدخل جديد، هو المستحدثات الأوروبية التي وصلت إلى المغرب بعد أن جرى اختراقه سياسيًا واقتصاديًا. وتنقسم هذه المستحدثات إلى نوعين: التدبير الحديث للشأن المالي (البنوك، والأوراق المالية، والتأمين)، والمخترعات التقنية (التلغراف، والتلفون، والبواخر، والمطبعة... إلخ). عالج المؤلف إشكالية الكتاب في أربعة مباحث موزّعة بحسب نوعيّة المستحدث: 1. معاملات مالية عصرية في ضوء الشرع، 2. "السلك" والخبر الشرعي، 3. المركوبات العصرية والشأن الديني، مستحدثات سمعية بصرية: نظرات دينية، 4. مبتكرات أخرى في ضوء الشرع (الفوتوغراف، والاسطمبا، والكازيطة، والكهرباء، وجرس الساعة... إلخ.) يحيلنا الحصر الزمني للدراسة (القرنان 19 و 20) إلى مرحلة تطور الاتصال المغربي - الأوروبي عن طريق وسائط عدة: الدبلوماسية، والحروب والمعارك، والتجارة، ثم كانت فترة فرض الحماية (1912 - 1956) هي أقصى ما بلغه هذا الاتصال، مخلّفًا وراءه تأثيرًا جلًّيًا، غيّر ملامح المغرب في معظم المجالات. ومثّلت المستحدثات الأوروبية وسيلة مثلى للاختراق الاقتصادي والثقافي، بل السياسي أحيانًا، ولا سيما أنها قد أخذت ألباب المغاربة الذين زاروا أوروبا خلال هذه المرحلة، ثم كانت قوتها الوظيفية والحاجة العصرية إليها عاملين كافيَين لانتشارها في أوساط المجتمع المغربي، وقد حدث ذلك على نحوٍ تدريجي - هرمي يبدأ من دائرة السلطان وأغنياء البلد إلى أن يبلغ الطبقات المتوسطة. أما عنوان الكتاب، فيشير إلى قضية المستحدثات في علاقتها بالشأن الديني، والحديث هنا عن مواقف "النخبة العالمة" التي مثّلت الفئة الأكثر دراية بالشريعة الإسلامية داخل المجتمع، والأكثر تطلّعًا إلى خدمته وحماية حدوده. ثم إن هذه الفئة تجسّد طبقة واعية، يفوّض إليها المجتمع إدراك مص حلته الدنيوية قبل الأخروية، هذا إن افترضنا وجود مص حلة دنيوية منفصلة عن الدين؛
فالإسلام خلال العصر الوسيط الممتد شكّل في الواقع اليومي المغربي الإطار الثقافي الوحيد، والقالب الرئيس الذي خرجت منه كل أشكال الفعل والتمثّل، فشمل تأثيره كل شيء: السياسات، والعلاقات مع الخارج، والممارسات الاقتصادية، والّصلّات الاجتماعية، والسلوكيات4. بناءً عليه، كان للفقهاء المغاربة، خصوصًا أولئك الذين يتمتعون بشرعية علمية وشعبية، مواقف مختلفة من هذه المستحدثات، راوحت بين الإباحة والرفض؛ إذ كان لكل مبتكر من المبتكرات نصيب متفاوت الحجم في السجال الفقهي ضمن ثنائية المستحدث والشرع" (ص. 5). نحن، إذًا، بصدد عملية فحص ثقافي لواردات (مستحدثات)؛ إن كانت تقنية في الظاهر، فإن السياق التاريخي والثقافي لا يجعلها كذلك في عيون نخبة المجتمع المغربي. ويكشف هذا الجدل المستوى الفكري لهؤلاء الفقهاء، كما سيقرّبنا من أحد جوانب ذهنية المجتمع. تستوجب القراءة المستوعبة لكتاب المكاوي تسليط الضوء على نوعية المادة المصدرية المعتمدة، ثم حصر إطارها النظري الذي يحدد بدقة الجانب التاريخي المُستهدف؛ ما يفتح مج لًا ل حلديث عن النوازل الفقهية مصدرًا للكتابة التاريخية، وحقل الذهنيات أفقًا جديدًا لإعادة بناء الماضي. قبل ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن سيرورة الاهتمام بموضوع الكتاب - المستحدثات والشأن الديني - قد بدأت في المغرب مع المؤرّخ محمد المنوني (1915 - 1999)، حينما أشار إلى بعض الجوانب من دون الخوض في تفاصيله، أو إفراده بدراسة، وإنما نبع ذلك من إدراك دور هذه المخترعات الأوروبية في قلب الأوضاع5، ووقوفه عرضًا عند الجدل الذي أحدثته بعد أن وصلت إلى المغرب6. ثم لمّا كان المنوني من كبار المعتنين بمجال المخطوطات، فقد أورد في أعماله (خصوصًا كتابَي: مظاهر يقظة المغرب الحديثفي جزأين، والمصادر العربية لتاريخ المغرب) عناوين تقييدات ومخطوطات لها علاقة ما بفتاوى الفقهاء ومواقفهم إزاء المستحدثات. خلال سبعينيات القرن العشرين أيضًا، لم يغفل عبد الله العروي في أطروحته " du culturelles et sociales origines Les 1912 - 1830 marocain nationalisme "7عن الاستعانة بمواقف العلماء تجاه المستحدثات الغربية في إطار توصيفه لوضعية المغرب خلال القرن التاسع عشر. وربط هذه المواقف بسياق الضغوط الاستعمارية على المغرب، وما أثارته من عداء داخلي للأجانب، مع أخذ ارتهان الفكر الفقهي بالقيود الموروثة من السلف في الاعتبار؛ أي إن اجتهادات الأحياء "تعتمد وتُنفد باعتبارها تكييفًا لأحكام السلف"8. بعد ذلك، توقف المؤرخون عن تناول إشكالية المستحدثات والشأن الديني بالدراسة، والتقطها المشتغلون بحقل الفلسفة، ومنهم سعيد بنسعيد العلوي في كتابه: الاجتهاد والتحديث: دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب، الذي صدر سنة 1992، وهو مرجع ذو أهمية بالغة. ثم بعد سبع سنوات، خصّص المفكر محمد سبيلا محورًا لت لحيل مواقف النخبة المغربية من المستجدات التقنية خلال القرن التاسع عشر، وذلك في مؤَّلَفه المغرب في مواجهة الحداثة.
وقد أُعيد طرح الموضوع في دراسات تاريخية من غير تعمّق، وفي حٍِّلٍ من إطار نظري واضح، يعطي الخلاصات والاستنتاجات المستنبطة صيغة علمية مُحكمة. وحتى الدراسات الأكاديمية لم تهتم على نحو كافٍ بهذا الموضوع على أهميته9. لذلك، يُمكن اعتبار عمل المكاوي أوّلَ عمل تاريخي يصدر في هذا الباب.
أوالًا: تاريخ الذهنيات من خلال النوازل الفقهية
قبل الشروع في تناول إشكالية تاريخية، من الضروري اختيار بردايم محدّد، حتى تكون الخلاصات والقراءات المُقدّمة ذات مشروعية علمية؛ وهذا ما يجعل بردايم الذهنيات10 هو الأنسب لتناول إشكالية المستحدثات والشأن الديني. وقد كان المكاوي مدركًا لذلك، وإن أجّل الإشارة إليه حتى نهاية كتابه؛ إذ أقرّ بإمكانية إدراجه "ضمن التأريخ لجانب من الذهنية المغربية لا سيما الفقهي منها، حيث هيمن السجال على النظر في علاقة المبتكرات التقنية وغيرها بالشأن الديني" (ص. 338). تتسم مصادر تاريخ الذهنيات ببعض الخصوصية؛ إذ توجد مادتها الأولية في مصادر قد تكون ثانوية عند المشتغلين ببقية الحقول التاريخية، وهي لا تصرّح بمعطياتها التاريخية مباشرة، بل تحتاج إلى استخراجها من التاريخ الشفوي وحوامل الذاكرة الجماعية (الحكايات، والأمثال، والأغاني الشعبية... إلخ)11. ويختص العالم الإسلامي بمدوّنات يمكن أن تكون بمنزلة "خزّانات" بالنسبة إلى الباحثين في تاريخ الذهنيات، في مقدمتها الشعر العربي والمقامات المسجوعة، إضافة إلى مختلف المصنفات الفقهية، خصوصًا كتب النوازل. يُطلق مصطلح النوازل على الحوادث التي وقعت حقيقة، وهي بذلك تختلف شيئًا ما عن الفتاوى التي تُعنى بالوقائع الاحتمالية المفترضة أو الخيالية12، وترد النوازل في مصنّفات خاصة، أو رسائل، أو تقاييد صغيرة، اتخذها المؤرخون المغاربة، سواء الكلاسيكيون أم الأكاديميون، مصدرًا للكتابة التاريخية، وقد عرف استعمالها تطورًا من اعتمادها مادةً إخبارية إلى اتخاذها مصدرًا لمعطيات تسعف في فهم بنية المجتمع؛ ما شجّع بعض الباحثين على تحقيق عدد مهم من هذه المصنّفات13. لا مناص من أن دراسة موضوع المستحدثات في علاقته بالشأن الديني سيُلجِئ صاحبه إلى النوازل الفقهية مصدرًا أساسًا. وهو مؤشّر دالّ على أن هذا النوع من المصادر التاريخية أضحى ضروريًا لدراسة جوانب تاريخية مهمة كالذهنيات وتاريخ الأفكار. لذلك، فإن الأعلام الذين تردّدت أسماؤهم في ثنايا الكتاب جلّهم فقهاء: محمد الحجوي (ت. 1956)، ومحمد الراضي السناني.(ت 1965)، ومحمد بن أحمد العبدي الكانوني (ت. 1938)، ومحمد سكيرج (ت. 1965)... إلخ. وانصبّ جهد المؤلف على تتبّع السّجال الفقهي حول المستحدثات في مختلف المتون المتاحة أو المبثوثة في فتاوى ضمّتها مؤلفات متنوعّة الاهتمامات؛ ما جعل التقاطها أمرًا لا يتيسّر بسهولة، وحينما تعذّر توظيف بعض المتون، اقتصر على عناوينها التي تفصح إجم لًا عن موقف صاحبها (ص. 9).
ثانيًا: المستحدثات الغربية والحكم الفقهي
أفرزت البنى الثقافية والصناعية بأوروبا خلال التاريخ المعاصر مظاهر حياة غير مسبوقة، تجسّدت في مستحدثات مختلفة، من جملتها معاملات مالية تتوافق مع طبيعة النظام الرأسمالي الذي أخذ في النمو سريعًا خلال القرن التاسع عشر، إضافة إلى مختلف وسائل التواصل والنقل، مثل القطار والباخرة والسيارة والتلغراف والفونوغراف... إلخ. وما إن ظهرت هذه المستحدثات في المغرب، حتى أحدثت سج لًا فقهيًا، عبّر في كثير من جوانبه عن ذهنية المجتمع من جهة، وعن المحدّدات الفكرية بالنسبة إلى النخبة من جهة أخرى. فما أبرز المواقف الفقهية من المستحدثات الغربية التي أوردها المكاوي في دراسته؟ نهج المؤلف طريقة تأريخية في عرضه لهذا السجال؛ إذ يبدأ بتواريخ ظهور بعض المستحدثات في المغرب، ثم يُتبعها بالفتاوى الفقهية التي عنيت بها، منطِل قًا من المعاملات المالية العصرية، ومشيرًا إلى سياق تأسيس البنك المخزني، في عام 1906، الذي فتح باب المعاملات المالية العصرية على مصراعيه (ص. 21)، وفتح معه أيضًا بابًا للسجال الفقهي حول هذه المعاملات، وفي مقدمتها: زكاة الأوراق المالية، وبعدها السكورتاه (التأمين أو الضمان التجاري)، ثم الفائدة البنكية، ليمتد السجال الفقهي حول المعاملات المالية العصرية إلى بلدان إسلامية مختلفة: "قد وجدت فتاوى مشرقية صدى لها في المغرب، كما كان لفتاوى مغربية صدى خارج البلاد" (ص. 69). لم يكن الفقهاء المغاربة على رأي واحد بخصوص هذه المعاملات المالية الجديدة، ولعلّه قد كان لغياب مؤسسة رسمية تنهض بمهمّة الإفتاء، وتوحّد الكلمة، دورٌ كبير في هذا السجال؛ إذ نجد في مسألة التأمين مثلًا علماء مشاهير، من أمثال محمد الحجوي ومحمد الراضي السناني والمامون البلغيثي (ت. 1929)، يميلون إلى الإباحة، بينما نحا عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم الجعفري النتيفي (ت. 1966) منحى التحريم في مؤلّفه المختار عند الأعلام في الحكم على السِيكرُو بالحرام (ص. 35). وبعد رواج المعاملات المالية الورقية وتقنين استعمالها، أثيرت مسألة فقهية مستجدّة متعلقة بإخراج الزكاة من الأوراق المالية، فانقسم الفقهاء أيضًا بين مؤيّد لهذا النوع من الزكاة، ومنهم محمد بن أحمد العبدي الكانوني (ت. 1938) الذي ألّف: نزهة الأحداق في وجوب زكاة الأوراق، ورافض لها كالفقيه محمد عبد الله السباعي (ت. 1970) الذي خصّ المسألة برسالة، هي: الارتفاق في الرد على من يقول بزكاة الأوراق (ص 58، 63). لعلّ السجال الفقهي بشأن المخترعات التقنية هو الأكثر شهرة وتداولًا من بين هذه المستجدات؛ إذ يعود إلى بداية القرن السادس عشر، حينما اعترض العلماء العثمانيون على استعمال المطبعة14. واستمر هذا السجال عند الفقهاء المغاربة، بعدما فشا استعمال المستحدثات التقنية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد استخدم معظمها في التنقّل أو التواصل، خصوصًا أن استخدام بعض الاختراعات تعلّق في كثير من الأحيان بالعبادات، كالصلاة على متن وسائل النقل الحديثة، أو اعتماد بعض وسائل التواصل في معرفة وقت الصيام. عند المحاولات الأولى لإدخال بعض المخترعات الجديدة إلى المغرب، ظهرت بعض المواقف المعارضة، بسبب اقتران تلك المخترعات بالتسرّب الأوروبي. فلم يُخفِ الفقيه والمؤرخ أحمد بن خالد الناصري (ت. 1897) انزعاجه من مطلب السفير الفرنسي سنة 1877، بشأن نصب التلغراف والسكة الحديدية: "وتكلّم الفرنسيس في شأن 'بابور البر ' (القطار) والتلغراف وإجرائهما بالمغرب كما هو
بسائر بلاد المعمور وزعم أن في ذلك نفعًا كبيرًا للمسلمين والنصارى وهو والله عين الضّرر، وإنما جربوا سائر البلاد فأرادوا أن يجرّبوا هذا القطر السعيد" (ص. 92)، وهو موقف سياسي أكثر من أن يكون موقفًا فقهًّيًا. بعد ذلك، توالت فتاوى عديدة اختصت كلّ واحدة منها بمخترع على حدة، ومن الفقهاء من جمع فتاواه المتعلقة بأكثر من مخترع في مؤلّف واحد، ومنهم الفقيه أحمد بن الصديق الغماري، في مؤلّفه: مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية الذي جمع فيه أحكامًا فقهية مختلفة حول مجموعة من الاختراعات، وعمل على "إخراج الآيات والأحاديث من سياقها الوعظي إلى إلباسها لبوسًا علميًا وتقنيًا" (ص. 41). ولم يكن موطن الخلاف دائمًا بين الفقهاء في المخترَع في حد ذاته، وإنما شمل أيضًا استعمالاته، كالتلغراف الذي اختُلف في استعماله لنقل خبر ظهور الهلال من مكان إلى آخر، وما يترتب على ذلك من مناسك، والأمر سيان بالنسبة إلى الطائرة التي أثار استعمالها للتنقل، خصوصًا في الرحلات الحجيّة، أسئلة عن مدى جواز الصلاة على متنها. وهكذا، أثارت بعض المخترعات جد لًا كبيرًا؛ إذ لم يقتصر السجال بين الفقهاء حول استعمالها الديني، أو على الأمور المتصلة بالواجبات الدينية مباشرة، وإنما تجاوزها إلى إصدار الحكم على المستَحدَث نفسه. فحينما تسرّب الفونوغراف إلى المغرب في مستهلّ القرن العشرين، ومع اتساع دائرة مسخدميه، انقسم الفقهاء بين فئة اعتبرته تارة منكرًا، وتارة أخرى "آلة لا يتخذها إلا من لا خلاق له عند الله [...] إذ لا فرق بينها وبين آلات اللهو المحرّمة بالكتاب والسنة"، وقد نُقل ذلك عن الفقيه محمد بن محمد ابن المؤقت المراكشي (ص. 226)، وفئة أخرى اعتبرت تلقّي القرآن عبر جهاز ينبعث منه كلام مخلّ بالجد وخادش للوقار من المناكر، وهو موقف يعتبر أن آلة الفونوغراف "ليست مرفوضة في حد ذاتها، ولكن حينما يصدر منها أمران متنافران بل متناقضان تصبح ممقوتة بل محرّمة" (ص. 222). ثم انتشرت لاحقًا كتابات للفقهاء عن تجويز بثّ القرآن عبر أثير الراديو. وأثار التصوير الشمسي خلافًا حاًّدًا أيضًا، وتوزّعت آراء الفقهاء بين التحريم الصريح والكلّي كما هو عند أحمد الزكاري الذي ألّف تقييدًا في "حظر تعاطي الفونوغراف والفوتوغراف"، ومواقف أخرى أقرّت الكراهة دون التحريم، في حين برزت مواقف أكثر انفتاحًا كرأي القائل إن "التصوير الشمسي صار ضروريًا في الأمور التعليمية بالمدارس والسياسية والحربية والتاريخية" (ص. 292). يتضمن الكتاب موضوع القراءة سردًا تفصيليًا للسجال الفقهي الذي واكب انتشار هذه المخترعات، ويتضمّن كذلك مختلف الآراء والمواقف بشأن مستجدات أخرى من قبيل المطبعة والصحف والعطور الرومية وغيرها، على نحو لا يُشفى غليل الباحث الفضولي إلا بالعودة إلى التفاصيل التي يزخر بها الكتاب نفسه.
ثالثًا: الموضعة التاريخية لمواقف النخبة العالمة من المستحدثات
وصف جاك لوغوف، أحد أعمدة تاريخ الذهنيات، العلاقة بين الحاضر والماضي في خطاب التاريخ بأنها "ملمح أساس من ملامح المشكلة التقليدية للموضوعية في التاريخ"15؛ فالمواقف والتمثلات على غرار الأحداث، لا بد من أن تُفهم في سياقها التاريخي. ويُحوجنا هذا إلى ربط السجال الفقهي حول المستحدثات بالبنية الثقافية للمجتمع المغربي قُبيل مرحلة الاستعمار وخلالها، مع استحضار الظروف السياسية والاقتصادية التي طغت عليها حالة الأزمة؛ وذلك حتى لا ينقلب التفسير إلى محاكمة الماضي انطلاقًا من الحاضر. خلص المؤلف في نهاية دراسته إلى أن السجال الفقهي الذي همّ المستحدثات تزعّمه تياران: الأول "محافظ ومتشدد"، والثاني "مجتهد" سعى لملاءمة المستحدثات التقنية مع الأمور الشرعية. لذلك، تباينت مواقف النخبة العالمة بين التحريم والتجويز
والتحفظ، علمًا أنّ بعض المستحدثات كالمركوبات العصرية (قطارات، وسيارات، وحافلات، وطائرات، وبواخر) حظيت "بقبول النخبة من علماء وفقهاء وقضاة ورجال تصوف، بل حصل إقبال كبير عليها من دون حرج أو تردد حتى من قِبل من هم أكثر تشددًا في نظرتهم إلى أروبا ومبتكراتها باعتبارها دار كفر وغزو" (ص. 195). ويقدّم المؤلف تفسيرات لهذه المواقف المتضاربة؛ فالإباحة جاءت نتيجة للفوائد البيّنة لبعض المستحدثات، لانطلاق بعض الاجتهادات من قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" أيضًا، فضلًا عن أنّ حركة التاريخ كانت أقوى من الفتاوى السلبية والمناهضة لبعض المستحدثات، لأنها لم تصمد أمام إقبال المجتمع على المستحدثات العصرية (ص. 321). وطرح أيضًا السجال الفقهي حول المستحدثات قضية مُعتادة في الفتاوى، وهي سريان الفتوى في أكثر من قُطر، فكان لفتاوى المشارقة (الشام، والحجاز، ومصر) صدى قوي لدى "النخبة العالمة" في المغرب؛ ما يدعو الباحثين في هذه الأقطار إلى مباشرة دراسات على منوال كتاب المكاوي. إضافة إلى ما سبق، أحاط بمواقف "النخبة العالمة" سياق الصدام مع الآخر (الأوروبي) الذي يطمع في الاستيلاء على أرضهم واحتلالها، وكان لهذا أثر في شذوذ مواقف بعض ممن تبنوا خيار الرفض على الرغم من أنه صعُب عليهم تبريره من الناحية الشرعية، ولم يكن هذا التأثير مُضمرًا، بل صرّح به بعضهم. وفي هذا السياق، يقول الفقيه والمؤرخ محمد المشرفي (ت. 1914 م): "وما سلكه الإنجليز من تقديم سكة الحديد [...] ليتوصل بذلك لغرضه من الاختصاص والامتزاج الذي هو سبب التمكن من الاستيلاء على المغرب لنفوذ أوامره ونواهيه به" (ص. 184). ويمسي "التحريم" مفهومًا أكثر، إذا تأملناه من زاوية علاقة الصراع الطويل الذي يمتد في الماضي إلى بداية حروب الاسترداد، وما راكمته من تمثلات وصور ذهنية متباينة تكلّست في الذهنيّة المغربية عن الأوروبيين. أما من الناحية الفكرية، فقد بدا واضحًا ظهور تيّار توفيقي بين الدين والعصر، ينطلق من الواقع، مستوعبًا له، ثم يستنبط الحكم الشرعي من النص الديني مراعيًا المصالح الوقتية؛ وهو الأمر الذي فشل فيه أو أعرض عنه من استعصى عليهم فهم التحولات السياسية والاقتصادية والعلمية التي ألمّت بعالم القرن التاسع عشر. ما من شك في أن كتاب المستحدثات والشأن الديني في مغرب القرنين 19 و 20، يشكّل خطوة جديدة وتأسيسية للدراسات التاريخية المتعلّقة بالذهنية المغربية، كما أن منهجه يُعدّ نموذجًا يحتذى في هذا الباب. وعلى الرغم من ذلك، يبقى الإطار النظري لحقل الذهنيات في السياق المعرفي - العربي في مراحله الأولى، وهذا يعني وجود حاجة معرفية إلى عناية المؤرخين العرب بهذا الحقل التاريخي الواعد.
المراجع
العربية
البحث في تاريخ المغرب: حصيلة وتقويم. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1989. حبيدة، محمد. بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات. ط 2. الرباط: دار الأمان، 2016. حمداوي، جميل. فقه النوازل في الغرب الإسلامي. [د. م.]: مكتبة المثقف، 2015. عبد الرزاق، فوزي. تاريخ الطباعة في المغرب 1865 - 1912. تعريب خالد بن الصغير. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 1996. العروي، عبد الله. الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830 - 1912. تعريب محمد حاتمي ومحمد جادور. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2016.
لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيّد. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017. المكاوي، أحمد. "صورة أوربا في الكتابات المغربية خلال القرن التاسع عشر". أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في التاريخ. كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر مهراز. جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس. 1995 - 1996. (غير منشورة)
_______. الرحالون المغاربة وأوربا. الرباط: جذور للنشر، 2006.
المنوني، محمد. مظاهر يقظة المغرب الحديث. الرباط: مطبعة أمنية، 1973.
الأجنبية
Tchero, Joachim. "Méthodologie des mentalités dans le champ historique." Revue ivoirienne d'histoire. no. 17