من هدنة مودروس إلى مؤتمر لوزان من السلام المفروض إلى السلام الخاضع لإعادة التفاوض
From Imposed Peace to Peace Subject to Renegotiation
الملخّص
تتناول هذه الدراسة نظام احتلال الإمبراطورية العثمانية الذي بدأ تنفيذه مباشرة بعد الهدنة، والأهداف التي حركت القوى المتحالفة، وذلك لفهم دوافع هذه المرحلة الانتقالية التي أعادت تشكيل المشهد في الشرق الأوسط. وتركز محاور الدراسة على مشاريع ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي: مؤتمر سان ريمو، ومعاهدة سيفر ومؤتمر الحلفاء في باريس تمهيدًا لمؤتمر لندن ومؤتمر لندن للحلفاء والبعثات الدبلوماسية المُرسلة إلى الأناضول وهدنة مودانيا والتحضير لمؤتمر السلام في الشرق. وتخلص إلى أن معاهدة لوزان أدّت إلى تعزيز نظام جديد في الشرق الأوسط، لكنها أيضًا دقت ناقوس نهاية القواعد التي تحكم العلاقات الدولية والتي أرستها معاهدة فيينا لعام 1815، بعد الحروب النابليونية.
Abstract
This study focuses on the occupation of the Ottoman Empire directly after the truce and the goals that motivated the Allied Powers, seeking to understand this transitional period that reshaped the landscape of the Middle East. The study's sections discuss projects after the First World War such as the San Remo Conference; the Treaty of Sèvres; the Allied conference in Paris in preparation for the conference in London; the diplomatic delegations to Anatolia (1921); and the Armistice of Mudanya and preparations for the peace conference in the East. The study concludes that the Treaty of Lausanne consolidated a new order in the Middle East but also sounded the death knell of the norms of international relations set forth by the Conference of Vienna (1815) following the Napoleonic Wars.
- معاهدة سيفر
- الاحتلال العثماني
- حرب الاستقلال التركية
- المسألة الشرقية
- لوزان
- Treaty of Severs
- Lausanne Conference
- Ottoman Empire
- Turkish War of Independence
- Estern Question
| أوديل مورو | Moreau *Odile | |
| من هدنة مودروس إلى مؤتمر لوزان من السلام المفروض إلى السلام الخاضع لإعادة التفاوض From Imposed Peace to Peace Subject to Renegotiation | |
مقدمة
عندما عبرت أساطيل الحلفاء مضيق الدردنيل، لم يكد صوت الأسلحة قد هدأ بعد في نهاية الحرب العالمية الأولى، في هذه الأثناء لم تكن قد مرت ثلاثة أعوام على فشل حملة الدردنيل عام 1915، التي وضعتهم في موقف حرج. كانت أساطيل الحلفاء تتجه مسرعة نحو إسطنبول لتنفيذ هدف غير معروف، إضافة إلى أن هدنة مودروس (1918) فرضتها بريطانيا العظمى على الإمبراطورية العثمانية على نحو شبه أحادي؛ إذ جرى تجاوزها باحتلال عاصمة الإمبراطورية بالأمر الواقع. كان كل هذا يدل على معاهدة سيفر (1920)، وكانت بمنزلة الضربة القاضية؛ ما وضع الإمبراطورية العثمانية تحت هيمنة شبه استعمارية. وبعد أقل من أربع سنوات على نهاية الحرب العالمية الأولى، عُقد مؤتمر دولي لم يكن متوقعًا آنذاك، جمع حول طاولة واحدة قوى الحلفاء السابقة وممثلي مجلس الأمة الكبير لتركيا، عقب حرب استقلال ناجحة. ما مشاريع الحلفاء لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بإسطنبول والأناضول في تلك الأثناء؟ نستعرض المفاوضات الدبلوماسية بين الحلفاء، وخصوصًا التباين في المواقف بين فرنسا والمملكة المتحدة. تتيح لنا هذه المقاربة توضيح كيف جرى تبنّي هذا المشروع الفريد لوضع المنطقة تحت الوصاية. وهكذا، سنبرز كيف أدت فرنسا دورها الخاص تجاه المملكة المتحدة، وكيف تقربت من الوطنيين الأتراك في أنقرة، وكيف دعمتهم، بما في ذلك خلال مؤتمر لوزان. تناول عدد قليل من الأبحاث نظام احتلال الإمبراطورية العثمانية الذي بدأ تنفيذه مباشرة بعد الهدنة، والأهداف التي حركت قوى الحلفاء. ويبدو لنا أن هذا الأمر بالغ الأهمية لفهم دوافع هذه المرحلة الانتقالية التي أعادت تشكيل المشهد في الشرق الأوسط. سننظر إلى هذا الأمر من منظور الانتقال من سلام مفروض بعد هدنة مودروس، إلى سلام يُعاد التفاوض بشأنه بعد هدنة مودانيا، التي فتحت الباب لإعادة التفاوض حول معاهدة سيفر. كان الهدف المحدّد لمؤتمر السلام المقرر انعقاده في لوزان تعزيز السلام والاستقرار في الشرق. وكان يُنظر إليه باعتباره "سلامًا شاملًا ". وكانت المصطلحات المستخدمة آنذاك هي "مؤتمر الشرق" أو "المؤتمر حول شؤون الشرق". في الواقع، جرى تصور المؤتمر الذي سيُعقد في لوزان بوصفه تمهيدًا للحل النهائي لمسألة الشرق، وكان من المقرر أن يعيد رسم الحدود، ويسعى لإنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط. ونتبيّن هنا ثقل المسألة الشرقية، التي كانت محورية في العلاقات الدولية منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر، وكانت أيضًا واحدة من أكثر المسائل الشائكة على مدى قرن ونصف1. هذه المسألة التي بدت معقدة جدًا، إن لم تكن غير قابلة للحل، فإنها أثرت تأثيرًا كبيرًا في مسار العلاقات الدولية خلال قرن ونصف. وكما في لعبة المحاكاة، فإن نظير المسألة الشرقية بالنسبة إلى العواصم الغربية، من منظور الإمبراطورية العثمانية والشرق، هو "المسألة الغربية". كانت المسألة الشرقية بمنزلة الإطار الذي أسفر عن الانتقال المضني من الإمبراطورية إلى دول قومية متعددة، منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وتتمثل أحد أبعاد المسألة الشرقية في المنافسة والتفاعلات أو المواجهات التي نشأت بين القوى الأوروبية حولها. فقد ازداد عدد الأطراف الفاعلة في هذه التفاعلات تدريجيًا، بدءًا من فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا، ثم انضمت إليها آخر دولتَين برزتا على الساحة الدولية، وهما إيطاليا وألمانيا. وقد أدى نمو المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للقوى الكبرى في الإمبراطورية العثمانية إلى تطور التنافس بينها؛ ما أسفر عن علاقات مزاحمة قوية.
في هذا الصدد، كانت هناك معاهدتان ذواتا أهمية خاصة لمستقبل الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر؛ أولاهما، معاهدة باريس (1856)، التي وُقعت في نهاية حرب القرم، حيث حاربت فرنسا وبريطانيا العظمى إلى جانب الإمبراطورية العثمانية ضد روسيا التي أعلنت الحرب عليها. بعد هذه الحرب، انضمت الإمبراطورية العثمانية إلى "الوفاق الأوروبي" بوصفها دولة منتصرة. أما الحرب التالية ضد روسيا (1878 - 1877)، فقد خاضتها الإمبراطورية العثمانية. وكانت نتيجة هذه الحرب الجديدة كارثية بالنسبة إلى الإمبراطورية العثمانية، وانتهت بمعاهدة برلين، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وكانت إحدى الخطوات نحو حل المسألة الشرقية، أو على الأقل تحقيق استقرارها، لتجنب صراع كبير في الأراضي الأوروبية. وقد نتج من المعاهدة خسارة كبيرة للأراضي في البلقان وعلى الحدود الشرقية للإمبراطورية العثمانية. ولم ترضِ الحدود التي رُسمت في البلقان السكان المحليين، ومن ثمّ فشلت المعاهدة في وضع حدّ للتوترات. بعد غزو إيطاليا لطرابلس الغرب في خريف 1911، اندلعت حروب البلقان بعد ذلك بعام، وانتهت في صيف عام 1913. هكذا، بدأت دورة الحروب التي استمرت عقدًا من الزمن وقضت على الإمبراطورية العثمانية. أطلق المعاصرون على هذه الأحداث اسم حرب السنوات العشر، حيث تلتها الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ثم حرب الاستقلال التركية (1919 - 1923). وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، فُرضت هدنة مودروس على الإمبراطورية العثمانية على نحو أحادي من بريطانيا العظمى. ومثل الدول الأخرى المتأثرة بمعاهدات السلام التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، كان الوقت الفاصل بين الهدنة وتوقيع معاهدة السلام طويلًا، فقد وُقعت معاهدة سيفر التي اعتُبرت "معاهدة غير عادلة"؛ أي بعد مرور أكثر من عام ونصف على توقيع الهدنة. من أجل تسليط الضوء على مسار طويل استمر خمس سنوات وصولًا إلى توقيع معاهدة لوزان، سنعرض أولًا المشاريع التي جرى رسمها بعد الحرب العالمية الأولى، ثم نرى كيف خضعت الإمبراطورية العثمانية وعاصمتها لنظام احتلال عسكري جديد. فمنذ توقيع معاهدة سيفر خضعت للتشكيك. لذا، نستعرض المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بآليات طلبات مراجعة معاهدة سيفر، وخاصة خلال المؤتمرات التي جمعت الحلفاء. ونظرًا إلى عجز الدبلوماسية عن إسكات صوت السلاح، سنرى كيف سمحت حرب الاستقلال المتوّجة بالظفر بقيادة مصطفى كمال (أتاتورك لاحقًا) (1881 - 1938)، من خلال توقيع هدنة مودانيا، بفتح المجال لمراجعة معاهدة سيفر والدعوة إلى مؤتمر السلام الجديد في الشرق، الذي سيُعقد في لوزان.
أوالًا: مشاريع ما بعد الحرب العالمية الأولى
في أثناء وضع خطط تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية بين "دول الوفاق" خلال الحرب العالمية الأولى، وُعد الروس بمنحهم إسطنبول، لكن بعد ثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1917 وخروج روسيا من المشهد، اضطرت هذه الأخيرة إلى الانسحاب من الحرب. كانت هذه أول هدنة توقع في بريست-ليتوفسك Litovsk - Brest في 3 آذار/ مارس 1918 بين روسيا السابقة، و"دول المركز" (الحلفاء)، والإمبراطورية العثمانية. كان اللورد جورج كيرزون Curzon George (1859 - 1925) وزيرًا للخارجية في عام 1919. وقد أنشأ "لجنة الشؤون الشرقية"، وهي لجنة وزارية مشتركة أسسها داخل وزارة الحرب، في نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918. كانت مهمة لجنة الشؤون الشرقية تقضي بإعداد الاستراتيجية البريطانية لما بعد الحرب خلال مؤتمرات السلام وتحديد الأهداف البريطانية في الشرق. ومع ذلك، بعد أن عملت على إعداد الموقف البريطاني في مؤتمر السلام في باريس، طلب حلّها في 7 كانون الثاني/ يناير 1919، ثم استُبدل بها في. Interdepartmental Conference on Middle Eastern Affairs العامين التاليين مؤتمر بين-وزاري خاص بالشؤون الشرق أوسطية
كانت وجهة نظر اللورد كيرزون تتمحور حول أن المصالح البريطانية في الشرق الأوسط لا يمكن ضمانها إلا من خلال "تدمير تركيا بوصفها قوة توسعية ومركزًا للمشاعر الإسلامية الجامعة". ومن ثمّ، كان طرد "الأتراك" أو العثمانيين من إسطنبول جزءًا من هذه السياسة2. شارك لويد جورج أيضًا في هذه المقاربة الحاسمة، إلا أن هذه التطلّعات لم تكن متوافقة مع "مكتب الهند"، الذي كان مسؤولًا عن الإشراف على الهند منذ عام 1858 عندما كانت مستعمرة بريطانية، ولا مع "مكتب الحرب"4. وكان هذا هو الحال بالنسبة إلى إدوين مونتاغو Montagu Edwin (1879 - 1924)، وزير الدولة لشؤون الهند، والسير هنري هيوز ويلسون Wilson Hughes Henry Sir (1864 - 1922). من هنا، في عام 1920، حثّ السير ويلسون الحكومة على إقامة علاقات صداقة مع مصطفى كمال ومع حكومة أنقرة وتركيا الوطنية. في الواقع، تطوّر موقف الحكومة البريطانية بوتيرة أبطأ بكثير من تلك التي حكمت موقفي فرنسا وإيطاليا تجاه الحركة الوطنية في الأناضول. وهكذا، استغرق الأمر وقتًا أطول لإدراك أن هناك سلطة قوية كانت تتشكل في أنقرة خلال مرحلة الخروج المُضنية من آثار الحرب العالمية الأولى5. رفض الرئيس الأميركي وودرو ويلسون Wilson Woodrow (1856 - 1924) الانتداب الأميركي على إسطنبول والمضائق. ونتيجة لذلك، بدأ موقف بريطانيا يتغيّر، وبدأ الهدف المتمثل في إبعاد العثمانيين عن إسطنبول يُسحب من التداول. هنا، بدأت تتمظهر بدائل تتوافق مع المصالح البريطانية، مثل دعم بقاء السلطان على رأس الإمبراطورية العثمانية، مع فرض شروط السلام عليه6. ولم يُكتب لمشروعٍيشكّل نوعًا من "الانتداب" على إسطنبول، تشارك فيه قوى الحلفاء، أن يُبصر النور، لذلك كان من المقرر وضع هيكل خاص. وستؤدي هذه التجربة الجديدة إلى ولادة شكل جديد من الاحتلال العسكري المصمم خصوصًا لهذا الوضع. هكذا، بدأ يتشكّل تدريجيًا، وبحكم الأمر الواقع، احتلال غير رسمي، مع وضع غامض جدًا؛ ما أثار السخط بين السكان المحليين في الإمبراطورية العثمانية. في البداية، بدأ الاحتلال غير الرسمي للعاصمة (لأنه لم يكن منصوصًا عليه في هدنة مودروس) مع وصول أولى قوات الحلفاء، التي سرعان ما تزايدت أعدادها. ثم، في مرحلة لاحقة، في 8 شباط/ فبراير 1919، نزل الجنرال الفرنسي لويس فرانشيه ديسبيري Espèrey ' d Franchet Louis (1856 - 1942)، الذي كان القائد الأعلى لجيوش الحلفاء في سالونيك Thessaloniki، بطريقة استعراضية وانتصارية في إسطنبول، مع كل مظاهر العظمة العائدة للأباطرة الرومان7. استمر الوضع غير المحدد وغير الرسمي لهذا الاحتلال حتى 16 آذار/ مارس 1920، عندما اكتسب، بمبادرة من البريطانيين، طابعًا رسميًا8. ردًا على احتلال عاصمة الإمبراطورية العثمانية وكذلك الجزء الأكبر من أراضيها، برزت حركة تحرر وطنية تهدف إلى طرد القوى الأوروبية المحتلة من الأراضي العثمانية. لكن هذا الشكل من الاحتلال ذهب إلى ما هو أبعد من الاحتلال العسكري؛ إذ جمع ما بين الحكم العسكري والحكم المدني. علاوة على ذلك، كانت المصطلحات الجديدة المستخدمة هي نفسها التي استخدمت للولايات الجديدة والتي جرى الترويج لها من خلال معاهدة سان ريمو (1920)، حيث جرى تعيين مفوضين سامين بمسؤوليات سياسية وتشريعية وعسكرية لإدارة هذه الولايات. وبالطريقة ذاتها، وُضعت مدينة إسطنبول تحت إشراف مفوضين سامين من الحلفاء. ويبدو أنه قد جرى التفكير في مشروع انتداب على إسطنبول والأناضول تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية. إلا أنه، بعد رفض هذا الاقتراح، فُرض "نوع من الانتداب" تمارسه عدة قوى على نحو مشترك على العاصمة العثمانية، دون أن يُفصح عن ذلك علانية، مع وجود "حكومة عليا" من الحلفاء.
بهذا، جرت تجربة شكل جديد من أشكال الاحتلال العسكري مع إنشاء لجان عليا يتولى رئاستها موظفون مدنيون وعسكريون كبار، يقومون أيضًا بأدوار دبلوماسية، وقد عُرفوا بكبار رؤساء اللجان. في عام 1919، شهد هذا الاحتلال العسكري من الحلفاء مشاركة العديد من الدول: بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليونان، والولايات المتحدة، واليابان، إلا أن مهمات المفوضين السامين الأميركيين واليابانيين كانت مختلفة عن تلك التي كانت لدى باقي الحلفاء، حيث اقتصرت مهمتهم على المراقبة9. كانت المهمة الموكلة إلى كبار رؤساء اللجان هي ضمان تطبيق بنود هدنة مودروس. ومع ذلك، عمومًا، كانت فترات الهدنة قصيرة الأجل قبل أن تؤدي إلى توقيع معاهدة سلام. ولكن في هذه الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى، طال أمد الهدنة مع ما ترتّب على ذلك من عواقب عديدة10. كانت معاهدة سيفر هي آخر المعاهدات التي وقعت في صيف 1920؛ أي بعد أكثر من عام ونصف من توقيع معاهدة الهدنة. وهكذا، علّقت الهدنة حالة الحرب، ولكنها لم تضع حدًا لها، مع تطور في موازين القوى خلال ثمانية عشر شهرًا. هذا التنظيم في أعلى الهرم الذي رعاه الحلفاء، والذي قُدّم في البداية على أنه مؤقت حتى توقيع معاهدة السلام، لم يستمر بعد التوقيع عليه فحسب، وإنما أيضًا أصبحت اللجان دائمة. وفي الوقت نفسه، وُضعت العاصمة العثمانية تحت سيطرة عسكرية صارمة من آلاف الجنود الأجانب، مع احتلال العديد من البنى التحتية. خلال عام 1919، تنامت قوة الحركة الوطنية التركية. فعُقدت عدة مؤتمرات محلية خلال صيف 1919، ثم انعقد مؤتمر وطني في مدينة سيواس في الفترة 4 - 11 أيلول/ سبتمبر 1919، دعا إلى انتخاب برلمان وطني حقيقي ومواجهة القوات الأجنبية المحتلة. نتيجة لذلك، تصاعدت التوترات خلال عام 1919، وحتى الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 1919، التي فازت بها الحركة الوطنية. وفي 28 كانون الثاني/ يناير 1920، اعتمد البرلمان العثماني الميثاق الملّي الذي يدعو إلى عدم تقسيم الأراضي العثمانية التي لم تكن محتلة عند توقيع هدنة مودروس. كما أدرجت "المقاطعات الثلاث" الشرقية، قارص وأردهان وباطومي، في الميثاق الملّي. وكان إلغاء الامتيازات وحرية الحركة في المضائق أيضًا من الشروط غير القابلة للتفاوض11. ردًا على ذلك، جرى الاحتلال الرسمي لإسطنبول بتوجيه من البريطانيين لضمان تطبيق الامتيازات اعتبارًا من 16 آذار/ مارس 1920؛ ذلك أنه لم يكن من الممكن قانونيًا إصدار قانون الأحكام العرفية من دون أن يكون هناك احتلال رسمي12. ومع قانون الأحكام العرفية، لم يعد هناك فصل بين السلطات الأمنية والقضائية، التي أصبحت الآن بيد الضباط الحلفاء الذين يحتلّون العاصمة العثمانية. وهدفت هذه الإجراءات إلى إسكات أي شكل من أشكال التحريض والمعارضة، لكن سرعان ما أصيب البريطانيون بخيبة أمل عندما فتح مجلس الأمة الكبير في أنقرة، بقيادة مصطفى كمال، أبوابه في 23 نيسان/ أبريل 1920. في الوقت نفسه، خلال مؤتمر لندن الذي عُقد في آذار/ مارس 1920، ثم مؤتمر سان ريمو (1920)، أعربت بريطانيا بوضوح عن رغبتها في فرض عقوبات على الإمبراطورية العثمانية المهزومة إلى جانب ألمانيا. أعقب ذلك فترة مضطربة بسبب هذه الازدواجية في التمثيل بين حكومتَي إسطنبول وأنقرة. وفي 18 نيسان/ أبريل 1920، أنشأت الحكومة العثمانية في إسطنبول جيشًا جديدًا، هو جيش الخلافة، لمواجهة القوات الوطنية التركية في أنقرة. تلا ذلك حرب أهلية استمرت ثلاثة أشهر. وأمام هجمات القوات الوطنية التركية، هُزم جيش الخلافة بسرعة واختفى في نهاية حزيران/ يونيو 1920.
من ناحية أخرى، منذ بداية عام 1920، حقق الهجوم الذي شنته القوات الوطنية التركية ضد القوات الفرنسية المحتلة نتائج ملموسة. ففي 11 شباط/ فبراير، أخلت القوات الفرنسية مدينة مرعش، ثم في 11 نيسان/ أبريل، أخلت مدينة أورفا. وقد أجريت مفاوضات لوقف إطلاق النار بقيادة روبرت دو كاكس دو سانت أيمور Aymour - Saint de Caix de Robert (1869 - 1970)، الذي كان مساعدًا للجنرال هنري غورو Gouraud Henri (1867 - 1946)، مع مصطفى كمال، أسفرت عن وقف إطلاق نار لمدة عشرين يومًا. ثم بدأت مفاوضات أوسع بين حكومتَي فرنسا وأنقرة في الأشهر التالية، بهدف سحب القوات الفرنسية ومنح تعويضات من فرنسا لصالح الحكومة المستقبلية في أنقرة. وقعت هذه الأحداث قبل أن يبدأ مؤتمر سان ريمو. وبعد ذلك، أدت هذه المفاوضات إلى توقيع اتفاقية هدنة في كيليكيا بين فرنسا وحكومة أنقرة في 23 أيار/ مايو 1920. وهكذا، تنازلت فرنسا عن كيليكيا لتعيد تركيز اهتمامها على سوريا14. ومع ذلك، في 8 حزيران/ يونيو 1920، أدى إنزال القوات الفرنسية في زنغولداق Zonguldak وإيرغلي Ereğli في الشمال، في منطقة البحر الأسود، إلى إعادة النظر في الهدنة ورفض الحكومة في أنقرة تمديدها.
ثانيًا: مؤتمر سان ريمو
ضمّ مؤتمر سان ريمو، الذي كان مخصصًا لبحث مصير الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية، وفودًا من فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا واليونان وبلجيكا واليابان. في هذا السياق، لم يُدعَ أي ممثل عربي للمؤتمر. كانت معاهدة سان ريمو امتدادًا للاتفاقات السرية التي جرى التوصل إليها بين دول الوفاق خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال تعديل اتفاقية سايكس - بيكو، التي جرى التفاوض عليها بين مارك سايكس Sykes Mark عن بريطانيا العظمى وفرانسوا جورج-بيكو Picot - Georges François عن فرنسا في نيسان/ أبريل 191615، وتضمّنت أحكام إعلان بلفور. أنشأت هذه المعاهدة شكلًا جديدًا من أشكال الإدارة غير المباشرة للأراضي، وهو الانتداب، فمُنحت فرنسا وبريطانيا العظمى وضع القوى المنتدبة. وفي نهاية المطاف، حصلت فرنسا على انتداب على سوريا، بينما حصلت بريطانيا على انتداب مزدوج على بلاد ما بين النهرين وفلسطين. كما جرى اعتماد اتفاقية نفطية فرنسية - بريطانية بشأن نفط الشرق الأوسط بموجب معاهدة سان ريمو16. وسوف تستند معاهدة سيفر لاحقًا إلى معاهدة سان ريمو في وضع اللمسات الأخيرة على الأحكام المتعلقة بمصير الإمبراطورية العثمانية. وقبل وقت قصير من افتتاح مؤتمر سيفر، في آب/ أغسطس 1920، الذي كان من المفترض أن يبتّ بالمصير الذي تعدّه دول الوفاق للإمبراطورية العثمانية، وقعت هزيمة جيش الملك فيصل الأول (1883 - 1933) أمام القوات الفرنسية في خان ميسلون، بالقرب من دمشق؛ ما أدى إلى احتلال فرنسا لسوريا17. في هذا السياق المتوتر، كان من المقرر أن يُفتتح مؤتمر سيفر.
ثالثًا: معاهدة سيفر
على الرغم من التطورات الملحوظة التي شهدت صعود حكومة أنقرة وتنامي قوة القوات الوطنية التركية، فقد ظلّت قوى الحلفاء تعتبر حكومة إسطنبول الممثل الرسمي الوحيد للإمبراطورية العثمانية الذي يمكن التعامل معه. وعلى الرغم من أن فرنسا وإيطاليا قد
بدأتا بالفعل بمحادثات وأبرمتا اتفاقيات مع حكومة أنقرة، فإن بريطانيا بقيت متشبثة بمواقفها ودافعت عن موقف شرعي تجاه حكومة إسطنبول. وهكذا، قبل انعقاد مؤتمر سيفر، كانت لدول الوفاق وجهات نظر متباينة ومختلفة على نحو ملحوظ حول كيفية التعامل مع مصير الإمبراطورية العثمانية. من هنا، بدا مؤتمر سيفر حاسمًا لما كان يؤمل أن تكون عليه تسوية المسألة الشرقية. عُقد المؤتمر في مصنع الخزف في سيفر، الذي أعطى اسمه للمعاهدة المسماة "معاهدة الخزف"، علمًا أن الاسم قد يشير أيضًا إلى هشاشة المعاهدة. كانت الاهتمامات الرئيسة لحكومة إسطنبول تتمثل في الحفاظ على الإمبراطورية وما تبقى منها، وكذلك الحفاظ على مقرّ عاصمة الإمبراطورية في إسطنبول. أدّى توقيع محمد فريد باشا معاهدة سيفر إلى سقوط حكومته في خريف 1920. نتيجة لذلك، جرى تعيين حكومة جديدة برئاسة أحمد توفيق باشا، التي كانت أكثر استجابة لمطالب حكومة أنقرة. عقب هذه المعاهدة، أصبحت الوضعية المفروضة على الإمبراطورية العثمانية أسوأ من تلك التي كانت عليها في عشية الحرب العالمية الأولى. ففي حين أتى دخولها الحرب العالمية الأولى بمنزلة إشارة واضحة إلى رغبتها في استعادة استقلالها، وهو ما تجلّى خصوصًا في إلغاء الامتيازات على نحو أحادي في أيلول/ سبتمبر 191419، كانت الحصيلة أن معظم أراضيها وقعت تحت احتلال أجنبي، واحتُلّت جميع أراضيها الأوروبية الواقعة في منطقة تراقيا، وأصبحت عاصمتها أيضًا موطئًا لاحتلال أجنبي، وأُعيد العمل بالامتيازات، في حين أن الإمبراطورية العثمانية تحررت منها على نحو أحادي في أيلول/ سبتمبر 1914، وجرى سريان مفعولها في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1914. علاوة على ذلك، أصبحت المالية العثمانية تحت إشراف لجان الرقابة، ومُنحت امتيازات اقتصادية لكل من فرنسا وإيطاليا. أما بالنسبة إلى المضائق، فقد جرى تحييدها. منح استبعاد حكومة أنقرة عن مؤتمر سيفر الفرصة للتنصّل على نحو كامل من هذه المعاهدة، التي لم تشارك فيها بأي شكل من الأشكال. وهكذا، انتفضت حكومة أنقرة ضد حكومة إسطنبول، التي فقدت من صدقيتها في نظرها بسبب توقيعها على معاهدة اعتبرت مشينة. وبناءً عليه، قوبلت معاهدة سيفر بالرفض القاطع من حكومة أنقرة، التي جعلت من هذا الرفض قضيتها الأساسية. وكانت الأوضاع تتطور، مع مرور الأشهر، لصالح حكومة أنقرة. في الواقع، حُشدت القوات الوطنية على ثلاث جبهات في مواجهة قوات الاحتلالين الفرنسي واليوناني، وكذلك ضد قوات جمهورية أرمينيا الجديدة. وفي خريف 1920، أعلن مجلس الأمة الكبير في أنقرة الحرب على جمهورية أرمينيا في 24 أيلول/ سبتمبر 1920، ثم بدأت الأعمال العدائية بعد أربعة أيام. تقدّمت القوات الوطنية بسرعة كبيرة، واستولت على ساريكاميش Sarikamish وقارص في 30 أيلول/ سبتمبر 1920، ثم على غومري، ثاني أكبر مدينة في أرمينيا، في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1920. وجرى توقيع اتفاقية هدنة في ذلك اليوم. ونتيجة لهذه الهزيمة، ضُ مّت جمهورية أرمينيا إلى الاتحاد السوفياتي في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1920. وهكذا، منذ بداية تشرين الثاني/ نوفمبر 1920، لم يتبَّقَ سوى جبهتين؛ واحدة ضد القوات الفرنسية المحتلة في كيليكيا، والأخرى ضد القوات اليونانية المحتلة في منطقة بحر إيجة. وفي بداية عام 1921، حققت القوات الوطنية تقدمًا على القوات اليونانية في الجبهة الغربية في 11 كانون الثاني/ يناير 1921. بعد ذلك، بدأت دورة من المؤتمرات بين الحلفاء، دُعي إليها ممثلون من الإمبراطورية العثمانية، من حكومة إسطنبول، وكذلك من الحكومة الجديدة في أنقرة.
رابعًا: مؤتمر الحلفاء في باريس
عُقدت عدة مؤتمرات بين الحلفاء في بداية عام 1921؛ فقد عقد مؤتمر في باريس في الفترة 24 - 29 كانون الثاني/ يناير 1921، وضمّ ممثّلين عن الحلفاء، ورئيس الوزراء الجديد ووزير الخارجية الفرنسي أرستيد بريان Briand Aristide (1862 - 1932)، ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج George Lloyd David (1916 - 1922)، والكونت كارلو سفورزا Sforza Carlo Count (1872 - 1952). ومن بين المواضيع التي نوقشت، شهدت مسألة تطبيق معاهدة سيفر بروز آراء تدعو إلى مراجعتها. وقد عبّر بريان عن هذا التوجّه ناقلًا وجهة نظر الرأي العام الفرنسي الذي يؤيد مراجعة هذه المعاهدة. في الواقع، لم يكن الرأي العام الفرنسي يفهم مغزى مشاركة القوات الفرنسية التي تعرضت لانتكاسات كبيرة في كيليكيا، وحاولت الحكومة الفرنسية تهيئة الظروف لسحب قواتها، وكان الكونت سفورزا، ممثل إيطاليا، الذي سبق له أن تبادل الآراء مع شخصيات تركية في روما، يشارك أيضًا الرأي نفسه. ويجب الإشارة إلى أن ميزان القوى قد تغيّر على نحو كبير منذ توقيع هدنة مودروس. بدأت حرب الاستقلال التي شنّها مصطفى كمال تُراكم الانتصارات العسكرية والدبلوماسية؛ ما ترك أثره في فرنسا وإيطاليا. وعلى الساحة الدولية، حصلت حكومة أنقرة على أول اعتراف دولي لها من خلال توقيع اتفاق مع البلاشفة في صيف 1920، أسفر عن توقيع معاهدة صداقة وأخوة في 16 آذار/ مارس 1921. وقد أرسلت حكومة أنقرة أول بعثة بقيادة بكر سامي بك قندح في صيف 1920، تلتها بعثة أخرى بقيادة يوسف كمال في كانون الأول/ ديسمبر 1920. وهكذا، ازدادت حكومة أنقرة قوة ولم يكن في الإمكان تجاهلها تمامًا. كما كانت اتصالاتها مع السوفيات مصدر قلق للحلفاء. فضلًا عن ذلك، كانت الساحة الداخلية اليونانية قد تغيرت مع عودة الملك قسطنطين (1868 - 1923)؛ ما ترك عددًا من الشكوك. نتيجة لذلك، خلال جلسة 25 كانون الثاني/ يناير 1921، تقرر تنظيم مؤتمر حول شؤون الشرق بعد شهر في لندن، وجرى الإعلان عن الدعوة لهذا المؤتمر الجديد في 21 شباط/ فبراير 1921. وجرت دعوة قوى الحلفاء والحكومتين العثمانية واليونانية للمشاركة فيه. لكن كانت خصوصية هذه الدعوة الموجهة إلى السلطات العثمانية تكمن في أنها، وإن كانت موجهة إلى حكومة إسطنبول، فإنها وضعت شرطًا صريحًا بأن يكون مصطفى كمال أو ممثلون عنه أعضاء في الوفد العثماني. وعلى الرغم من أنها موجهة إلى الحكومة العثمانية في إسطنبول أيضًا، فإنها كانت في الواقع دعوة مزدوجة لكلا الحكومتين في إسطنبول وأنقرة. فقد أصبح التحدث مع حكومة أنقرة وبناء علاقات معها أمرًا ملحًا.
خامسًا: مؤتمر الحلفاء في لندن
انعقد مؤتمر الحلفاء في لندن في الفترة 21 شباط/ فبراير 12 - آذار/ مارس 1921، بهدف حل عدة مشاكل، من بينها مسألة تطبيق معاهدتَي فرساي (28 حزيران/ يونيو 1919) وسيفر. ودفع هذا المؤتمر باتجاه ابتكارٍ مزدوج من خلال توسيع دائرته. فللمرة الأولى، وبخروج عن قواعد المؤتمرات التي تلت الحرب العالمية الأولى، جرت دعوة العثمانيين إلى جانب الحلفاء؛ لأن ميزان القوى قد تغيّر على نحو ملحوظ. أما الابتكار الثاني فتمثّل بدعوة وفد عثماني مزدوج، يضم ممثلين عن إسطنبول، وأيضًا عن أنقرة. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار أن مؤتمر لندن شكل نقطة تحول في اللعبة الدبلوماسية خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك، لم يكن تنظيم مثل هذا المؤتمر وتنفيذه خاليًا من التوترات المتعددة التي وجب حلها وتجاوزها. بادئ ذي بدء، قدمت حكومة أنقرة نفسها على أنها الحكومة الشرعية الوحيدة المخوّلة تمثيل الإمبراطورية العثمانية في هذا المؤتمر. وعلى الرغم من اختلاف وجهات
النظر، اتفق الحلفاء على رفض هذا الطلب الذي كان سيعني استبعاد حكومة إسطنبول. وكان موقفهم هو اعتبار أن مسؤولية تشكيل الوفد العثماني، ومن ضمنه ممثلون عن حكومة أنقرة، تقع على عاتق حكومة إسطنبول. شكّل الوفد العثماني إلى مؤتمر لندن، الذي كان من المتوقّع أن يكون موحّدًا، رمزًا للانقسام. ففي الواقع، سافر وفدا إسطنبول وأنقرة عبر مسارين منفصلين باستخدام طريقين مختلفين. وغادر وفد حكومة إسطنبول، برئاسة الصدر الأعظم أحمد توفيق باشا، هذه المدينة في 12 شباط/ فبراير متجهًا إلى لندن، بينما غادر وفد أنقرة الأناضول متوجّهًا من ميناء أنطاليا، الذي يقع ضمن منطقة النفوذ الإيطالي، إلى ميناء برينديزي Brindisi الإيطالي، حيث جرى نقله برعاية الإيطاليين. ثم توقف في إيطاليا وزار روما في 17 شباط/ فبراير 1921. ومن روما، قدم بكر سامي بك قندح عددًا من المطالب إلى إيطاليا وفرنسا. وكان يرغب في أن يتلقى وفد أنقرة دعوة رسمية، وإلا فلن يتوجه إلى لندن. لكن الحلفاء لم يستجيبوا لهذا الطلب وطلبوا من حكومتي إسطنبول وأنقرة إدارة جانب يعتبرونه داخليًا، ولا يرغبون في أن يتدخّلوا في شأنه. في الوقت نفسه، أكّدوا لوفد أنقرة على الأهمية المعوّلة على وجوده في مؤتمر لندن. وهكذا، حُلت هذه التوترات وغادر وفد أنقرة روما في مساء 19 شباط/ فبراير 1921 متوجهًا إلى لندن عبر باريس. علاوة على ذلك، وفي تجاهل لطلبات الحلفاء فيما يتعلّق بالإجراءات البروتوكولية، قدم كل وفد نفسَه على نحو منفصل، فكان الصدر الأعظم أحمد توفيق باشا على رأس وفد إسطنبول، بينما كان بكر سامي بك قندح على رأس وفد أنقرة. بدأ المؤتمر أعماله كما كان مقررًا في 21 شباط/ فبراير 1921. وبما أن الوفد العثماني كان يُعتبر واحدًا وموحدًا، تقرّر استقبال ممثلي حكومتي إسطنبول وأنقرة في الفندق نفسه؛ فندق سافوي. وقد جرى الاستماع إلى كلا الوفدين خلال أعمال المؤتمر، فتحدّثا حول بنود معاهدة سيفر التي طالبا بمراجعتها. قاد بكر سامي بك قندح (1865 - 1933) المناقشات20، بموافقة الصدر الأعظم أحمد توفيق باشا. كان وفد أنقرة هو الوحيد القادر على التحدث باسم مجلس الأمة الكبير في أنقرة ومناقشة إنهاء الحرب فيما يتعلق بالاشتباكات بين القوات اليونانية والقوات الوطنية في أنقرة. خلال مؤتمر لندن، أجرى الوفد الفرنسي نقاشًا مع ممثلية أنقرة بشأن انسحاب القوات الفرنسية من كيليكيا. وفي 11 آذار/ مارس 1921، وقّع بريان اتفاقية لترسيم الحدود بين سوريا الواقعة تحت الانتداب الفرنسي والإمبراطورية العثمانية، وتضمنت الاتفاقية بنودًا توفّر امتيازات اقتصادية لفرنسا في المنطقة. كذلك وقعت إيطاليا مشروع اتفاق تعاون بين حكومة أنقرة وإيطاليا بشأن منطقة النفوذ الخاصة بها. في اليوم التالي لمؤتمر لندن الذي دعا وفدًا عثمانيًا إلى المناقشة ضم أعضاء من حكومتَي إسطنبول وأنقرة، لم يكن هناك من مجال لالتقاط الأنفاس، فلم تحصل هذه الاتفاقيات على الموافقة الضرورية من مجلس الأمة الكبير في أنقرة، معتبرًا أنها تتعارض مع الميثاق الملّي. أدى هذا الرفض أيضًا إلى سقوط بكر سامي بك قندح في أيار/ مايو 1921. وفي مثل هذا اليوم، وبعد مرور عام واحد على فرض الاحتلال الرسمي على إسطنبول، وقّعت حكومة أنقرة في موسكو معاهدة سلام وصداقة مع روسيا السوفياتية في 16 آذار/ مارس 1921.
سادسًا: بعثات دبلوماسية مُرسلة إلى الأناضول
لم تنقطع المفاوضات، بل سلكت طريقها عبر قنوات أخرى. اختارت فرنسا إرسال بعثات إلى الأناضول؛ كانت الأولى غير رسمية، تلتها بعثة ثانية ذات طابع رسمي. جرى اختيار هنري فرانكلان-بويون Bouillon - Franklin Henry (1870 - 1937)21 لقيادة هذه البعثات. في البداية، سافر إلى الأناضول من 24 أيار/ مايو إلى 1 آب/ أغسطس 1921، وزار أنقرة للقاء مصطفى كمال وعصمت باشا. وبعد العودة إلى باريس وتقديم تقرير عن مهمته إلى بريان، أُرسل فرانكلان -بويون، هذه المرة بصفة موفد رسمي إلى أنقرة من 15 أيلول/ سبتمبر إلى 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1921. كان الهدف من هذه المهمة التي كلّفه بها بريان هو في المقام الأول إيجاد حلّ للصراع في كيليكيا، حيث كانت هناك مواجهات بين القوات الفرنسية والقوات الوطنية في أنقرة، ثم التوصل إلى ترسيم الحدود بين الإمبراطورية العثمانية وسوريا الخاضعة للانتداب الفرنسي. وهكذا، تفاوض على شروط اتفاقية فرانكلان-بويون التي أدّت إلى توقيع معاهدة أنقرة في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1921. أعادت هذه الاتفاقية العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا والدولة العثمانية التي انقطعت مع بداية الحرب العالمية الأولى، في تموز/ يوليو 1914، بهدف استعادة العلاقات الثنائية الودية. إضافة إلى ذلك، وضعت هذه الاتفاقية حدًا للمواجهات العسكرية بين القوات الفرنسية والقوات الوطنية التركية في كيليكيا. وقد شكّل ذلك بالنسبة إلى حكومة أنقرة أول اعتراف دولي بها من قوة من دول الوفاق. وهكذا، كانت فرنسا أيضًا تراجع تطبيق معاهدة سيفر، بحيث تنازلت رسميًا عن منطقة النفوذ التي مُنحت لها، مقابل الحصول على تعويضات اقتصادية. وجرى التصديق على معاهدة أنقرة من عصبة الأمم في عام 1926. خلال مؤتمر الحلفاء الذي عُقد في باريس من 22 إلى 26 آذار/ مارس 1922، جرت دعوة ممثلين عن الحكومتين العثمانيتين في إسطنبول وأنقرة، كما حدث في مؤتمر لندن عام 1921. إلا أنّ تبدّل ميزان القوى أدّى إلى ازدياد الاهتمام بحكومة أنقرة. كان الهدف من هذا المؤتمر هو التوصل إلى هدنة بين القوات الوطنية في أنقرة والقوات اليونانية. وهكذا، جرى تقديم مقترح للهدنة للموافقة عليه من حكومة أنقرة، وحكومة إسطنبول، والحكومة اليونانية. ألحّت فرنسا لدى بريطانيا العظمى على أهمية التوصل إلى اتفاق مع حكومة أنقرة لإنهاء النزاع، ولتجنب اقترابها أكثر من روسيا السوفياتية22. ومع ذلك، بالنسبة إلى بريطانيا، كانت حكومة إسطنبول لا تزال هي المحاور المفضل، ولم تكن تفكر في هذه المرحلة في الاعتراف بحكومة أنقرة. لم يتمكن المؤتمر الجديد في لندن من حل النزاع عبر الطرائق الدبلوماسية. وتلت ذلك اجتماعات أخرى بين الحلفاء في باريس، من دون تحقيق نجاح أكبر. وفي 18 - 19 حزيران/ يونيو 1922، قُدم اقتراح للوساطة بين اليونان وحكومة أنقرة، ثم عُقد المؤتمر الثالث في باريس من 8 إلى 13 آب/ أغسطس 1922. نتيجة لذلك، جرى حل النزاع بقوة السلاح. بدأت الحملة العسكرية الأخيرة في آب/ أغسطس 1922. وفي 9 أيلول/ سبتمبر، دخلت القوات الوطنية التركية مدينة إزمير، منهية بذلك الاحتلال اليوناني للمدينة. وانتهت معركة صقاريا Sakarya (23 آب/ أغسطس - 13 أيلول/ سبتمبر 1922)، بانتصار القوات الوطنية التركية. وفتحَ هذا الانتصار العسكري البابَ لإعادة التفاوض على معاهدة سيفر، فيما يتعلّق بالأحكام الخاصة بالإمبراطورية العثمانية.
سابعًا: هدنة مودانيا والتحضير لمؤتمر السلام في الشرق
بعد الانتصار في معركة صقاريا، بدأت أعمال مؤتمر السلام في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1922، وجرى توقيع معاهدة هدنة مودانيا على مرحلتين؛ ففي المرحلة الأولى، وقّعها كل من مجلس الأمة الكبير في أنقرة، وفرنسا، وبريطانيا العظمى، وإيطاليا في 11 تشرين الأول/ أكتوبر. وفي المرحلة الثانية، وقعت اليونان في 14 من الشهر نفسه. ودخلت هذه الهدنة حيز التنفيذ في 15 تشرين الأول/ أكتوبر، منهيةً حرب الاستقلال التي تكللّت بالنصر، ولم تشكّك في صلاحية معاهدة أنقرة. وبدأت التحضيرات لتنظيم المؤتمر المستقبلي بعد ثلاثة أيام من دخول الهدنة حيز التنفيذ. في البداية، كان من المقرر أن يُفتتح مؤتمر السلام المستقبلي في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922. وكان من المخطط أن يعقد على مرحلتين متتاليتين، وكانت ستخصص الاجتماعات الأولى للترتيبات المالية والعسكرية والاقتصادية للمعاهدة المستقبلية. وكانت الدول المدعوة تشمل فرنسا، وبريطانيا العظمى، وإيطاليا، واليابان، ورومانيا، ويوغوسلافيا، وتركيا، واليونان. ثم كان الاجتماع الثاني سيخصّص لمسألة حرية الملاحة في المضائق، وكان من المقرر أن يُعقد تحت رعاية عصبة الأمم23، وسيشارك فيه ممثلون عن الاتحاد السوفياتي، وجورجيا، وأوكرانيا24. إلا أن مجموعة من العوامل غير المعروفة حالت دون تسريع تنظيم هذا المؤتمر الكبير. ونظرًا إلى التجربة المعقدة في المفاوضات خلال هدنة مودانيا، لم يكن من المناسب تنظيم هذا المؤتمر على بُعد أكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر عن باريس أو لندن. وكان من الضروري التوصل إلى اتفاق بشأن مكان انعقاد هذا المؤتمر. وفي النهاية، لم يتم الاحتفاظ بفكرة تنظيمه على مرحلتين متتاليتين. أثارت مسألة مكان انعقاد المؤتمر العديد من النقاشات، فقد اقترح مجلس الأمة الكبير في أنقرة في البداية أن يُعقد في مدينة إزمير. ونظرًا إلى أن المفاوضات كانت شاقة للتوصل إلى اتفاق قبل توقيع الهدنة، اعتبر الحلفاء أنه سيكون من الصعب جدًا تنظيم مؤتمر سلام في مكان بعيد؛ لذلك اختاروا مدينة أوروبية لاستضافة المؤتمر المستقبلي. وكانت إيطاليا، خلال المداولات التمهيدية بين الحلفاء لهدنة مودانيا، عرضت أن تكون الجهة الداعية لتنظيم هذا المؤتمر في مدينة البندقية. واقترحت إيطاليا مدينة تاورمينا Taormina القديمة في صقلية. كان موقف الحكومة البريطانية مرنًا في هذا الصدد، حيث كانت تكرر باستمرار أنها لن تعارض اختيار مكان انعقاد المؤتمر المستقبلي للسلام. وفي حال وجود اعتراض على إقامة المؤتمر في البندقية، فإنها كانت مستعدة لاقتراح مدينة لوزان في سويسرا. وبما أن اقتراح إزمير لم يلقَ قبولًا، جرى اقتراح مدينة أسكودار بعد ذلك. ولكن لو كان على المؤتمر أن يُعقد في أوروبا، فإن حكومة أنقرة تفضل أن يتمّ ذلك في باريس، نظرًا إلى العلاقات التي أقامتها مع الحكومة الفرنسية25. وقد نقل مصطفى كمال هذا الطلب شخصيًا إلى فرانكلان- بويون ليجري تبليغه إلى الجهات العليا المعنية26.
توصل اللورد كيرزون وريمون بوانكاريه Poincaré Raymond (1860 - 1934) إلى اتفاق حول مدينة لوزان. وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1922، دعت بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا إلى عقد مؤتمر لوزان. كان هدف الحلفاء التوصل إلى مراجعة معاهدة سيفر وإنهاء النزاع اليوناني - العثماني. مرة أخرى، طُرحت مسألة دعوة حكومتَي إسطنبول وأنقرة، واتفقت القوى الثلاث الداعية إلى المؤتمر، وهي فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا، على مدينة لوزان حيث كان من المقرر أن يبدأ مؤتمر السلام في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922. وقد دعت في الوقت نفسه ممثلين عن مجلس الأمة الكبير في أنقرة، وكذلك ممثلين عن الحكومة العثمانية في إسطنبول ليكونوا جنبًا إلى جنب. وهكذا، واصلت هذه الدول ممارسة ازدواجية التمثيل بين حكومة أنقرة وحكومة إسطنبول في المؤتمرات التي عقدها الحلفاء منذ شباط/ فبراير 1921. ومع ذلك، حدث استثناء لهذا الأمر عندما وقّع معاهدة الهدنة في مودانيا عصمت باشا منفردًا، والذي كان يمثل مجلس الأمة الكبير في أنقرة. وكان موقف السلطان مؤيّدًا لإرسال وفد واحد يجمع بين مندوبين عن حكومة إسطنبول وممثلين عن حكومة أنقرة. ومع ذلك، جرى حل هذه التوترات التي أثارها الحلفاء من خلال تصويت مجلس الأمة الكبير في أنقرة، الذي أقرّ إلغاء السلطنة في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1922؛ ما أنهى، بحُكم القانون، ازدواجية تمثيل الإمبراطورية العثمانية. ومنذ ذلك الحين، أصبح مجلس الأمة الكبير هو الجهة الشرعية الوحيدة التي تمثل الإمبراطورية العثمانية. هكذا، فصل هذا التصويت بين المهمات السلطانية، التي جرى إلغاؤها، ومهمات الخلافة، التي جرى الإبقاء عليها. وأدى هذا القرار إلى نفي السلطان وحيد الدين في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، الذي وجد نفسه مخلوعًا، ثم انتخاب مجلس الأمة الكبير خليفةً جديدًا، هو عبد المجيد الثاني. ردّ مصطفى كمال بالرفض القاطع على اقتراح توفيق باشا، الصدر الأعظم الأخير للإمبراطورية العثمانية، بالمشاركة في مؤتمر لوزان، معلنًا أن حكومة مجلس الأمة الكبير لأنقرة هي الوحيدة التي تتمتع بشرعية المشاركة في مؤتمر السلام. من ناحية أخرى، لم يمثل فرانكلان-بويون فرنسا في مؤتمر لوزان. وعلى الرغم من أن بوانكاريه قد دعاه، فإنه اعتذر عن تلبية تلك الدعوة بسبب حملة صحفية معادية جدًا له في الصحافة البريطانية. من الذي شارك في مؤتمر لوزان؟ دعت بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا، بالتنسيق مع اليابان، اليونان ورومانيا والدولة الصربية-الكرواتية-السلوفينية وتركيا والولايات المتحدة، وجرت دعوة روسيا وبلغاريا لمناقشة مسألة المضائق. أما بلجيكا والبرتغال، فقد دُعيا للمشاركة في بعض الجلسات. وبما أن الولايات المتحدة لم تشارك في الحرب في الشرق، فقد أعلنت قرارها بعدم المشاركة أيضًا في مؤتمر السلام هذا، إلا أنها أبلغت أنها سترسل مراقبين إليه.
في النهاية، جرى افتتاح المؤتمر في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، وبدأ مؤتمر طويل امتد إلى ثمانية أشهر، وتوقّف بين 4 شباط/ فبراير و 23 نيسان/ أبريل 1923؛ وهو تاريخ استئناف الأعمال التي أسفرت عن توقيع معاهدة لوزان.
خاتمة
تندرج المشاريع المتعلقة بالإمبراطورية العثمانية والشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ضمن استمرارية الاتفاقات السرية التي جرى التفاوض عليها بين دول الوفاق خلال النزاع. كانت مشاريع تقسيم الأراضي في الشرق الأوسط بين فرنسا وبريطانيا تتعلق بالولايات العربية من الإمبراطورية العثمانية، لكنها لم تشمل العاصمة والأناضول. ويبدو أنه جرى النظر في مشروع انتداب على العاصمة العثمانية وأراضي الأناضول لصالح الولايات المتحدة. لكن الرئيس ويلسون، وبسبب عدم انخراط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط، رفض الاقتراح الذي ينص على أن تصبح الولايات المتحدة سلطة منتدِبة على إسطنبول والأناضول. نتيجة لذلك، وبحكم الأمر الواقع، جرى احتلال العاصمة بطريقة اتّخذت شكلًا من أشكال الانتداب الجماعي لقوى الوفاق، التي لم تفصح عن ذلك علانية، والتي أنشأت عددًا من اللجان وعيّنت عددًا من المفوضين السامين. تطور هذا الاحتلال الفعلي إلى نظام أكثر تشدّدًا مع الاحتلال الرسمي، في 16 آذار/ مارس 1920؛ ما جعل من الممكن فرض الأحكام العرفية. إلا أن هذا المشروع الذي وضعه البريطانيون، والذي كان يهدف إلى منع أي محاولة لقيام معارضة، لم يأتِ بالنتيجة المرجوة، بل على العكس من ذلك؛ فقد تسبّبت الوحشية التي نُفّذ بها إلى إغلاق البرلمان العثماني وإنشاء مجلس الأمة الكبير في أنقرة، حيث شُكلت حكومة أنقرة الجديدة وتمركزت القوات الوطنية بقيادة مصطفى كمال باشا. أثارت معاهدة سان ريمو، التي أرست عمليات الانتداب على المقاطعات العربية في الإمبراطورية العثمانية، ثم معاهدة سيفر، موجة من الاستياء عزّزت من شرعية الحركة الوطنية في أنقرة. أعقب ذلك تنظيم مؤتمرات بين الحلفاء في باريس ولندن، ولا سيما بهدف مراجعة تطبيق معاهدة سيفر. وخلال المؤتمر الذي عقده الحلفاء في لندن في بداية عام 1921، جرت دعوة وفدين عثمانيين والاستماع إليهما؛ أحدهما من حكومة إسطنبول والآخر من حكومة أنقرة. وتبع ذلك سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية بين الحلفاء. إلا أن هذه المفاوضات الدبلوماسية لم تمكّن من إنهاء الحرب الدائرة بين القوات اليونانية والقوات الوطنية التركية. وقد حُسمت نتيجة الحرب على نحو مؤلم في ساحة المعركة في صقاريا، التي شهدت انتصار حرب الاستقلال بقيادة مصطفى كمال باشا. وبعد هدنة مودانيا، بدأت التحضيرات لمؤتمر السلام المستقبلي في الشرق، إلا أن إصرار الحلفاء على دعوة الحكومتين في إسطنبول وأنقرة مرة أخرى أدّى إلى تصويت مجلس الأمة الكبير في أنقرة على إلغاء السلطنة، في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922. ونتيجة لذلك، جرت دعوة وفد وحيد عن الإمبراطورية العثمانية، وهو الممثّل للمجلس، إلى مؤتمر السلام المستقبلي. بعد مناقشات حول مكان انعقاد هذا المؤتمر، بدأت أعماله في مدينة لوزان، في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، وتواصلت لمدة ثمانية أشهر طويلة. وخلال هذا المؤتمر، وللمرة الأولى، تمكنت قوة كانت مهزومة في نهاية الحرب من إعادة فتح المفاوضات المتعلقة بمعاهدة السلام السابقة التي فُرضت عليها، للتفاوض بصورة ندّية حول شروط معاهدة سلام جديدة. ومن المؤكد أن معاهدة لوزان أدّت إلى تعزيز نظام جديد في الشرق الأوسط، لكنها أيضًا دقت ناقوس نهاية القواعد التي تحكم العلاقات الدولية والتي أرستها معاهدة فيينا لعام 1815، بعد الحروب النابليونية. وبهذا، كان مؤتمر لوزان ومعاهدة لوزان يؤذنان بنظام دولي جديد.
المراجع
العربية
باروت، محمد جمال. العلاقات العربية - التركية (1918 - 1923): السيرورة والتاريخ والمصائر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.
الأجنبية
Bey, Galip Kemali [Söylemezoglu]. L'assassinat d'un peuple. Rome: Ricardo Garroni, 1921.
Bozkurt, Abdurrahman. İtilaf Devletlerinin İstanbul'da İşgal Yönetimi. Ankara: Atatürk Arastirma Merkezi, 2014.
Claire, Le Bras. "Policing and Security in Occupied Istanbul'." Yıllık, Annual of Istanbul Studies. vol. 4 (2022).
Conférence de Lausanne. Tome I. 21 Novembre 1922- 1 er Février 1923. Ministère des Affaires étrangères. Paris:
Imprimerie Nationale, 1923.
Conférence de Lausanne. Tome II. 1 er Février 1923-4 Février 1923 , Ministère des Affaires étrangères. Paris:
Imprimerie Nationale, 1923.
Criss, Nur Bilge (ed.). 100. Yılında İstanbul'un İşgal Günleri. 4 th ed. Istanbul: İstanbul Kültür ve Sanat Ürünleri
Ticaret A.S., 2022.
Criss, Nur Bilge. Istanbul under Allied Occupation 1918-1923. Leiden: Brill, 1999.
Daniel, Ute et al. (eds.). 1914-1918 Online, International Encyclopedia of the First World War. Berlin: Freie
Universität Berlin, 2015.
Demirci, Sevtap. "Turco-British Diplomatic Manoeuvres on the Mosul Question in the Lausanne
Conference,1922–1923." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 37, no. 1 (April 2010).
_______. Strategies and Struggles: British Rhetoric and a Turkish Response. Istanbul: ISIS Press, 2010.
Documents diplomatiques français , 1922, 1 er Juillet - 31 Décembre 1922 , vol. 2. Peter Lang (ed.). Paris, 2008.
Documents on British Foreign Policy, 1919-1939. First Series. vol. XVIII. London, 1947.
Genell, Aimee M. "Empire by Law: Ottoman Sovereignty and the British Occupation of Egypt, 1882-1923'." PhD.
Dissertation. Columbia University, New York. 2013.
Inönü, Ismet. İsmet İnönühatiralar. Ankara: Sabahattin Selek, 1987.
Kasaba, Resat (ed.). The Cambridge History of Turkey , vol. IV: Turkey in the Modern World. Cambridge:
Cambridge University Press, 2008.
Kuneralp, Selim (ed.). Procès-verbaux des réunions tenues par les Hauts-Commissaires Alliés durant l'occupation
de Constantinople. 3 vols. Istanbul: Isis Press, 2017-2018.
Le Bras Claire, "Dualité gouvernementale et reconnaissance internationale. Les délégations turques à la Conférence
interalliée de Londres en 1921." Relations Internationales. "Le système international face aux guerres civiles
au XX ème siècle." vol. 1, no. 75 (Automne 2018).
MacArthur-Seal, Daniel-Joseph. "Resurrecting Legal Extraterritoriality in Occupied Istanbul, 1918-1923." Middle
Eastern Studies. vol. 54, no. 5 (2018).
_______. Britain's Levantine Empire, 1914-1923. Oxford: Oxford University Press, 2021.
Ministère des Affaires étrangères du développement international, Robert Franck, Gerd Krumreich (dir.), Jean-
Michel Guieu, Vincent Laniol, Alexandre Sumpf (collab.). Documents diplomatiques français (DDF),
Armistices et paix 1918-1920 , tome I. Bruxelles: P.I.E. Peter Lang, 2014.
Moreau, Odile. La Turquie dans la Grande Guerre. De l'Empire ottoman à la république de Turquie, 1914-1923.
Collection Les nations dans la Grande Guerre. Paris: Soteca/ Belin, 2016.
_______. "Difficile sortie de guerre: De l'empire ottoman à l'émergence de la jeune république de Turquie
(1918-1924)." Relations Internationales. vol. 171 (Eté - Automne 2017).
_______. L'Empire ottoman au XIXième siècle. Paris: Armand Colin, 2020.
Naci, Karacan Ali. Lozan. Hazirlayan Hulûsi Turgut. 9 ème ed. Istanbul. Türkiye Is Bankasi Kültür Yayinlari, 2021.
Picaudou, Nadine. La décennie qui ébranla le Moyen-Orient: Paris 1914-1923. Paris: Flammarion, 2017 [1992].
Orbay, Rauf. Cehennem Değirmeni. Siyasi Hatıralarım. Istanbul: Boyut Kitap Yurdu, 2023.
Paul, Cambon. Correspondance 1870-1924, Tome Troisième (1912-1924). Les guerres balkaniques. La Grande
Guerre. L'organisation de la paix. Paris: Grasset, 1946.
Roderic H., Davidson. "Middle East Nationalism: Lausanne Thirty Years After." Middle East Journal. vol. 7, no. 3
(Summer 1953).
Schumann, Christoph (ed.). Liberal Thought in the Eastern Mediterranean: Late Nineteenth Century until the
1960s. Leiden: Brill, 2008.
Soutou, Georges-Henri. "1918: la fin de la Première Guerre mondiale?" Revue Historique des Armées. vol. 251 (2008).
Sunata, İ. Hakkı. İstanbul'da İşgal Yılları. 9 th ed. Istanbul: Türkiye İş Bankası Kültür Yayınları, 2022.
The Treaties of Peace 1919-1923, vol. 2. New-York: Carnegie Endowment for International Peace, 1924.
Vincent, Laniol. "Faire la paix sans l'ennemi? L'exemple de la Conférence de la Paix de 1919." Bulletin de l'Institut
Pierre Renouvin. vol. 2, no. 42 (2015).
Yıldıztaş, Mümin. Yaralı Payitaht. İstanbul'un İşgali. 2 nd ed. Istanbul: Yeditepe Yayınevi, 2019.