معاني لوزان عند العرب والأتراك
The Significance of Lausanne for Arabs and Turks
الملخّص
تعالج هذه الدراسة مسارات قضية مؤتمر لوزان وآثارها على نحو مقارن بين العرب والأتراك، وتفنّد حجج الأدبيات القائلة بعدم نضج العرب سياسيًا وعسكريًا مقارنة بالأتراك، وتربط تعثّر العرب في لوزان بعوامل عدة كالأدوار الحاسمة للدول الكبرى، مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا، في أحداث تلك الفترة. وتتناول الدراسة عاملَين تاريخيَين مهمَين، وهما العلاقة بين روسيا وتركيا وتحولها من العداوة إلى الصداقة، والعلاقة بين العرب والأتراك وتحولها من العداء إلى التعاون خصوصًا بعد انكشاف اتفاقية سايكس - بيكو وتأييد بريطانيا لفكرة الوطن القومي لليهود. وتختتم الدراسة بتبيان دور علاقة العداء بين الدولة العثمانية ودول الحلفاء، وتطور علاقة تركيا الجديدة بتلك الدول العظمى، في إنهاء الحرب لصالح تركيا.
Abstract
This study addresses the implications of the Lausanne Conference through a comparison between Arabs and Turks. It refutes arguments in the literature that the Arabs were not as politically or militarily mature as the Turks during Lausanne and attributes the failure of the Arabs at Lausanne to structural factors such as the central roles of the Great Powers (e.g. Russia, Britain, France) in the period's events, which ended the First World War in Turkey's favour. The study examines two important historical factors at this juncture: how Turkish-Russian relations transformed from hostility to close friendship, and how Arab-Turkish relations turned from animosity to cooperation, especially after the Sykes-Picot Agreement was announced and Britain backed the idea of a national home for the Jews. The study concludes that hostility between the Ottoman Empire and the Allied Powers on the one hand, and the new Turkish Republic's relations with the Great Powers on the other, helped end the war in the Middle East in Turkey's favour.
- لوزان
- العرب
- الأتراك
- التحالفات الدولية
- الانتدابات
- Lausanne
- Arab
- Turks
- International Alliances
- Mandates
القبولAccepted Received التسلمRevised التعديل
| /d i ف 31430/PRQE4482 /10 الت ال ق | DOI: https://doi.org/10.31430/PRQE4482 الرقم التعريفي: | |
|---|---|---|
| محمود حدّاد | Haddad *Mahmoud | ||
| معاني لوزان عند العرب والأتراك The Significance of Lausanne for Arabs and Turks |
تعالج هذه الدراسة مسارات قضية مؤتمر لوزان وآثارها على نحو مقارن بين العرب والأتراك، وتفنّد حجج الأدبيات القائلة بعدم نضج العرب سياسيًا وعسكريًا مقارنة بالأتراك، وتربط تعثّر العرب في لوزان بعوامل عدة كالأدوار الحاسمة للدول الكبرى، مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا، في أحداث تلك الفترة. وتتناول الدراسة عاملَين تاريخيَين مهمَين، وهما العلاقة بين روسيا وتركيا وتحولها من العداوة إلى الصداقة، والعلاقة بين العرب والأتراك وتحولها من العداء إلى التعاون خصوصًا بعد انكشاف اتفاقية سايكس - بيكو وتأييد بريطانيا لفكرة الوطن القومي لليهود. وتختتم الدراسة بتبيان دور علاقة العداء بين الدولة العثمانية ودول الحلفاء، وتطور علاقة تركيا الجديدة بتلك الدول العظمى، في إنهاء الحرب لصالح تركيا.
This study addresses the implications of the Lausanne Conference through a comparison between Arabs and Turks. It refutes arguments in the literature that the Arabs were not as politically or militarily mature as the Turks during Lausanne and attributes the failure of the Arabs at Lausanne to structural factors such as the central roles of the Great Powers (e.g. Russia, Britain, France) in the period's events, which ended the First World War in Turkey's favour. The study examines two important historical factors at this juncture: how Turkish-Russian relations transformed from hostility to close friendship, and how Arab-Turkish relations turned from animosity to cooperation, especially after the Sykes-Picot Agreement was announced and Britain backed the idea of a national home for the Jews. The study concludes that hostility between the Ottoman Empire and the Allied Powers on the one hand, and the new Turkish Republic's relations with the Great Powers on the other, helped end the war in the Middle East in Turkey's favour.
أستاذ التاريخ العربي الحديث في جامعة البلمند في لبنان، درّس في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية. Professor of Modern Arab History at the University of Balamand in Lebanon, he Taught at Columbia University in the United States. mahmoud.haddad@balamand.edu.lb
مقدمة
تنتقد المؤرخة الأميركية تومسون في بحث لها عن "إقصاء العرب عن معاهدة لوزان"، المؤرخ ألبرت حوراني في كتابه، تاريخ الشعوب العربية؛ لأنه رأى أن العرب كانوا غير ناضجين سياسيًا وتنقصهم خبرة الأتراك وقائدهم مصطفى كمال باشا، ولم يذكر
معاهدة لوزان إلا باعتبارها مقدمة لنشوء الجمهورية التركية0. بغضّ النظر عما إذا كان هذا النقد مبالغًا فيه أم لا، فإن حوراني لم يتوقف سوى عند العوامل الذاتية أو السياسية الداخلية التي
ساعدت الأتراك على نيل استقلالهم، وأدت إلى نتيجة معاكسة على الجانب العربي وتحدث قليلًا عن الأدوار الحاسمة للدول الكبرى، مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا في أحداث تلك الفترة1. أما الانطباع الذي يعطيه حوراني، والذي يوحي بأنّ العرب خاضوا معركتهم ضد الاحتلال العسكري لبريطانيا وفرنسا سياسيًا فحسب، بينما خاض الأتراك معركتهم عسكريًا وسياسيًا، فهو انطباع خاطئ، وقع فيه بعض العرب أيضًا. عندما أجرت صحيفة ذي تايمز Times The اللندنية مقابلة مع موسى كاظم الحسيني (1853 - 1934)، إحدى الشخصيات العربية الفلسطينية البارزة وقتها، في كانون الأول/ ديسمبر 1922، قال: "هناك شعور قويّ أنّ على العرب الاتحاد كما فعل الأتراك إذا كانوا يريدون الحصول على
شيء ما من القوى الكبرى. إن الدرس الذي تعلموه من الأتراك أن هؤلاء كسبوا معركتهم بواسطة السيف"2. ونرى، على عكس هذا الرأي، أنّ العرب لم يقصروا في المجالَين السياسي والعسكري تمامًا مثل الأتراك الذين استخدموا "السيف والقلم"، أو الحرب والمفاوضات، إلا أن
الأوضاع الجغرافية والإقليمية والدولية لم تكن واحدة في الحالتَين، ومن ثم، كانت النتائج مختلفة؛ إذ انتصر الأتراك الذين وقّعوا معاهدة لوزان،
وهُزم العرب الذين لم يأتِ ذكرهم فيها، بل نُِّفِذ فيهم حكم اتفاقية سايكس – بيكو Agreement Picot – Sykes (1916)، وتعديلاتها في سان
ريمو (1920)؛ ما وضعهم في "قفص" الانتدابات ومناطق النفوذ الأوروبية مع بعض التعديلات البسيطة في الحدود. ويعرف المؤرخون عمومًا أنه من الصعب الإحاطة بكل العوامل التي تؤثر في إخراج حدثٍ ما إلى السطح. وعلى كل مؤرخ اختيار
العامل أو العوامل ذات الأولوية التي يعتقد أنها ساهمت أكثر من غيرها في الوصول بأحداث واقعة معينة إلى نتائجها النهائية وترك العوامل التي يعتبرها هامشية بالنسبة إلى موضوع البحث المحدد جانبًا. فالانتقائية، إذا كانت معتدلة، ضرورية وتفرض نفسها لتفسير
بُعدٍ أو أبعاد محددة من واقعة أو فكرة ما. في تقدير هذا الدارس لموضوع معاهدة لوزان والأسباب التي أدت إليها، تضافرت عوامل عديدة داخلية وخارجية، مباشرة وغير مباشرة، بسيطة ومعقدة ومركبة، للوصول إلى هذه المعاهدة بين تركيا ودول الحلفاء، خاصة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، التي أنهت عمليًا
الحرب العالمية الأولى في الشرق نسبيًا لمصلحة تركيا، إحدى دول الوسط المعادية للحلفاء، بينما كان النصر على الجبهات الأخرى
إلى جانب دول الحلفاء ومخططاتهم. لماذا حصل ذلك؟ وكيف؟ توافر، في رأينا، عاملان تاريخيان مهمان وبارزان لم يأخذا حقّهما الكامل حتى الآن في التأريخ لتلك المرحلة هما: أولًا، التحالف بين الحركة الوطنية التركية مع روسيا بعد الثورة البلشفية. وثانيًا، التحالف بين الحركة الوطنية التركية والحركة الوطنية العربية في
سورية بعد انكشاف اتفاقية سايكس - بيكو السرية، وإعلان وعد بلفور (2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917) حول تأييد بريطانيا للتطلعات الصهيونية اليهودية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
1 Elizabeth F. Thompson, "Arab Exclusion at Lausanne: A Critical History Juncture," in: Jonathan Colin & Ozan Ozavci (eds.) They All Made Peace - What Is Peace: The 1923 Treaty of Lausanne and the New Imperial Order , (Chicago: Gingko Library, 2023), p. 181. 2 Albert Hourani, A History of the Arab Peoples (London: Faber & Faber, 2013), pp. 315-319. 3 Thompon, p. 182.
بالنسبة إلى العامل الأول، على الرغم من أن الدولة العثمانية أعلنت الحرب على دول الحلفاء في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1914، فإّن روسيا القيصرية التي كانت إحدى دول الحلفاء (المؤلفة منها ومن بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) وأحد أطراف اتفاقية سايكس - بيكو السرية التي ينسى كثيرون أنها كانت تشمل الأراضي والمضائق البحرية والجزر التركية وأراضي المشرق العربي، بسبب حجمها وحجم جيشها، كانت تُعتبر العدو البري الأساسي للإمبراطورية أو السلطنة العثمانية. وكان الاتفاق بين دول الحلفاء يقضي، في حال النصر، بمنح روسيا العاصمة العثمانية إسطنبول والممرات أو المضائق البحرية على البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة لتحقيق حلمها بالوصول إلى المياه الدافئة. مع ذلك، نشير إلى أنه في الفترة الأولى من الحرب اندلعت معركة إسطنبول والمضائق أو معركة غاليبولي، أو جناق قلعة، من 19 شباط/ فبراير 1915 حتى 9 كانون الثاني/ يناير 1916، واعتمدت دول الحلفاء فيها على القوات البحرية البريطانية والفرنسية. إلا أن موسكو كانت مصرّة، حتى
في أثناء تلك المعركة الكبرى التي لم تساهم فيها، على حصتها في اتفاقية سايكس - بيكو التي شملت إسطنبول والمضائق، كما ذكرنا. فعندما هاجمت السفن الحربية البريطانية والفرنسية المضائق، هدد وزير الخارجية الروسية سيرجي سازونوف Sazonov Sergey بالانسحاب من الحرب؛ لأنها كانت ستضيّع على موسكو، صاحبة أكبر قوة برية تنوف على خمسة ملايين جندي في التحالف، حصتها التي نصّت
عليها الاتفاقية، وتجعلها في يد القوتَين المهاجمتَين، بريطانيا وفرنسا؛ ما أجبر الأدميرال الأول، أو وزير البحرية البريطاني ونستون تشرشل
Winston Churchill (1911 - 1915)، وقتها، على توقيع اتفاق ثنائي مع روسيا؛ لتأكيد وعد إعطائها إسطنبول والمضائق بعد الحرب3. نشرت موسكو، بعد الثورة البلشفية، نصوص اتفاقية سايكس - بيكو السرية، ونشرت الصحافة البريطانية أنباء عن المداولات التي جرت بين لندن وموسكو وباريس في هذا الشأن. وكان ما نشرته صحيفة ذي مانشستر غارديانمباشرة بعد الثورة في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 نقلًا عن صحيفة البرافدا الروسية4 دون تعليق على أنّ الجانب القيصري الروسي تقدم ببعض المطالب من حلفائه. ونشر ليون تروتسكي Trotsky Leon (1874 - 1940)، مفوض الشؤون الخارجية، سلسلةً من البرقيات والوثائق السرية، يعود تاريخها إلى عام 1915، وإلى زمن الائتلافات الوزارية الروسية. وفي تلك الوثائق المتعلقة بالقسطنطينية والمضائق، يستعرض سازونوف مطالبات روسيا بالقسطنطينية، والساحل الغربي لمضيق البوسفور، وبحر مرمرة والدردنيل، وتراقيا الجنوبية حتى خط إينوس- ميديا، وساحل آسيا وجزر بحر مرمرة وإمبروس وتينيدوس. أما الحلفاء الآخرون فطرحوا سلسلة من المطالب التي وافقت عليها الحكومة الروسية. ووفقًا لهذه المطالب، كان من المقرر أن تصبح القسطنطينية ميناءً حرًا للبضائع التي لا تذهب إلى روسيا ولا تأتي منها. وطالبت
دول الحلفاء أيضًا بالاعتراف ب "حقوقها في تركيا الآسيوية"، والحفاظ على الأماكن المقدسة في شبه الجزيرة العربية تحت سيادة أو سلطة إسلامية. وكانت روسيا مستعدة لقبول كل هذه الطلبات، إلا أنها أعربت عن الرغبة في فصل الخلافة عن تركيا. ولا شك في أن هذا الطلب الأخير كان مهمًا بحيث يدفع المؤرخ إلى محاولة الكشف عن مواقف الدول المتحالفة الأخرى من
الموضوع، إلا أن غياب الوثائق والمعلومات يسمح لنا بترجيح أن هذه الدول لم تمانع في الموافقة على هذه الرغبة. فبريطانيا كانت تلمح بنقل الخلافة إلى العرب. أما فرنسا وإيطاليا فكانتا، في رأينا، سترحبان بالخطوة، لأنّ الأولى كانت تستعمر الجزائر والثانية
تستعمر طرابلس الغرب - بنغازي؛ إذ إنّ فصل شعبيهما المسلمين عن صِلاتهما، ولو الروحية فحسب، بإسطنبول أو أي مركز ديني أو دنيوي مستقل عنهما سيصبّ في مصلحتهما الأكيدة. على كل حال، كانت الجمهورية التركية هي التي ألغت الخلافة في عام 1924. وبالعودة إلى وقائع الحرب العالمية الأولى، فإننا نرصد أنّ ما زاد في تعقيد المجابهات في تلك المرحلة أنّ إيطاليا تصرفت بمفردها وقررت احتلال مدينة إزمير، درّة الإمبراطورية العثمانية على شاطئ المتوسط، وأرسلت إليها قوات حربية.
4 إيلبير أورتايلي، الغازي مصطفى كمال أتاتورك، ترجمة مجد الدين صالح (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2019)، ص 119 - 121.
5 "Russia and Secret Treaties: Terms Published," The Manchester Guardian , 26/11/1917.
انزعجت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من الخطوة الإيطالية في احتلال إزمير التي كانت ستمنح لليونان5، التي طمحت إلى احتلال جزء من بر الأناضول الغربي، معتبرة المنطقة جزءًا منها، بدليل أنه كان يعيش فيها نحو مليون ونصف مليون يوناني،
باعتبارهم رعايا عثمانيين. وفي 5 نيسان/ أبريل 1919، كلفت الحكومة العثمانية الجنرال مصطفى كمال باشا بقيادة الجيش التاسع المؤلف من فرقتين لصد الهجوم الإيطالي المرتقب. أما فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة فشجعت، ردًا على سياسة إيطاليا، اليونان
على غزو إزمير في 15 أيار/ مايو لقطع الطريق على القوات الإيطالية التي نزلت على سواحل المدينة. وبعد أيام قليلة نزل مصطفى كمال في سامسون على البحر الأسود، ثم انفصل عن حكومة السلطان في إسطنبول التي تعاونت مع الحلفاء، وبدأ حرب الاستقلال ضد اليونان من هناك، وأصبح بعد ذلك قائد القوات الوطنية غير التابعة لإسطنبول6.
أوالًا: روسيا: من عدوّ تركيا الأكبر إلى الصديق الأقرب
مهّد انتصار الثورة البلشفية الطريق لانسحاب روسيا من الحرب وفقًا لمعاهدة بريست -ليتوفسك Litovsk - Brest في
3 آذار/ مارس 19188؛ ما خفّف الضغط العسكري الروسي على الجبهة الشرقية والشمالية الشرقية العثمانية التي كانت تمتد عشرات، بل مئات الأميال، بسبب الحدود الطويلة المشتركة بين البلدين؛ الأمر الذي حرر قسمًا مهًّمًا من القوات العثمانية للقتال على الجبهات الأخرى. وبهذا، انتقلت موسكو من خانة العدوّ الأكبر والأقرب جغرافيًا، والأهم استراتيجيًا لتركيا، إلى خانة الصديق والحليف، ووفرت
شرطًا مهمًا من شروط انتصار القوات الوطنية بقيادة مصطفى كمال في حرب الاستقلال ضد دول الحلفاء، في الفترة 1919 - 1923.
بتعبير آخر، تحوّلت موسكو بين ليلةٍ وضُحاها من عدو تركيا الأكبر إلى حليفها الرئيس؛ إذ كان عدوّهما مشتركًا وواحدًا، وهو تلك القوى
الدولية في الغرب التي قسّمت تركيا مناطق احتلال ونفوذ بينها، وحاولت إفشال الثورة البلشفية بدعم أعدائها الذين عُرفوا ب "الروس
البيض" في روسيا؛ بسبب أيديولوجيتها الاشتراكية. وفي العام الذي أعلن فيه النظام الروسي الجديد انسحابه من الحرب؛ أي عام
1917، أعاد الأراضي التي احتلتها روسيا في تلك الحرب، إضافة إلى أراضٍ استولت عليها في حروب سابقة9. ولم يمضِ وقت طويل حتى عُقد تحالف بين الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال والنظام البلشفي الجديد في موسكو، واعترف البلاشفة بالخط الذي
رسمه مجلس الأمة الكبير في أنقرة عام 1920 لحدود تركيا. أما الأتراك فقد تخلّوا "عن بلاد الكرج [جورجيا الحالية] التي أصبحت بولشفيكية ومرفأ باطومي مع المدينة وتنازلوا عما لهم من الامتيازات في هذه البلاد. وقبل الفريقان فتح المضائق لسفن جميع الأمم وترتيب قوانين يرتبها مؤتمر مؤلف من مندوبي الدول الساحلية وتنفذه جميع الدول، وبمقابل ذلك تعلن حكومة روسية السوفيت [كذا] أن حكومة تركية مؤدية كل ما عليها من الديون ومعفاة وبريئة من كل الذمم والتعهدات لحكومة القيصر السابقة"12. أضف إلى ذلك أنّ تنازل الأتراك عن مرفأ باطومي كان "بمقابل تعهد البولشفيك سرًا لهم بتقديم وسائط نقدية ووسائط حربية للدفاع والحق أنه في
تلك الآونة أخذت سفن البولشفيك تمخر عباب البحر الأسود حاملة إلى الشواطئ التركية الصناديق مملوءة ذهبًا وأسلحة وعتادًا"13.
6 J.C. Hurewitz, "Political Clauses of the Treaty of Sèvres 10 August 1920," in: J.C. Hurewitz, The Middle East and North Africa: A Documentary Record , vol. 2 (New Haven: Yale University Press, 1977) p. 221.
7 "نصّ الاتفاق على حلول القوات الفرنسية مكان القوات البريطانية في غربي خط اتفاقية سايكس - بيكو في الساحل السوري وكيليكيا، بدءًا من 1 تشرين الثاني/
نوفمبر 1919 ". وجاء في نص الاتفاق أنه مطابق "للترتيبات المتخذة في كانون الأول/ ديسمبر 1918 بين المسيو كليمنصو والمستر لويد جورج". ينظر: محمد جمال باروت،
العلاقات العربية - التركية (1918 - 1923): السيرورة والتاريخ والمصائر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 116.
8 J.C. Hurewitz, "Legal and Political (Brest-Litovsk) Treaty: Russia and the Ottoman Empire, 3 March 1918," in: Hurewitz, pp. 113-115. 9 Halidé Edib, Turkey Faces West: A Turkish View of Recent Changes and their Origin (New Haven: Yale University Press, 1930), p. 144.
0 1 أديب التقي البغدادي، "مصطفى كمال باشا في الأناضول- 3: التأثير البولشفيكي- أنقرة وموسقو [كذا]"، مجلة العرفان، مج 9، ج 3 (كانون الأول/ ديسمبر 1923)، ص 224. 11 المرجع نفسه، ص 225.
لم يكن هذا التحالف كأيّ تحالف بين بلدين جارين؛ لأن أهمية روسيا بالنسبة إلى تركيا كانت مزدوجة؛ فهي قوة إقليمية كبيرة
على الحدود، وقوة دولية ذات شأن توازن الدول الرئيسة في غرب أوروبا. وقد بدأ التعاون بين الطرفين عام 1920 قبل الخطوة الرسمية القاضية بتوقيع معاهدة صداقة بينهما في 16 آذار/ مارس 192116. وكذلك تعاون البلدان على إنهاء الدولة الأرمنية المستقلة، التي أعلنت بموجب معاهدة سيفر. وفي خريف 1920 شنّا هجومًا على أرمينيا واقتسماها؛ لأنها منعت مرور المساعدات من روسيا إلى
القوات الوطنية في تركيا19. أغدقت العاصمة الروسية (لم يعلن رسميًا عن قيام الاتحاد السوفياتي إلا في كانون الأول/ ديسمبر 1922) المساعدات المالية
والعسكرية على الحركة الوطنية التركية، التي اتخذت من أنقرة عاصمة لها، بينما كان نظام السلطان - الخليفة في إسطنبول تحت رحمة قوات دول الحلفاء الأجنبية، وخاصة البريطانية. فعلى سبيل المثال، عندما كان مصطفى كمال يستعرض جيشه في بعض المرات كان يصطحب معه "سفير الجمهورية الروسية الرفيق أرالوف وملحقه العسكري، عسكروف". وفي إحدى خطبه بعد الانتصار في معركة "أين أوني" الثانية ومعركة صقاريا قدم لجنوده التهاني وزاد عليها تهاني الحاضرين: الرفيقين أرالوف وأبيلوف، ممثلي الأمتين الروسية والأذرية - وسائر من معهما20.
ثانيًا: العرب والأتراك: تعاون بعد عداء
بالتزامن تقريبًا مع الوقائع السابقة، كانت الحركتان الوطنيتان العربية والتركية تشعران بضرورة التعاون لصدّ الأخطار الخارجية،
والاعتراف بهوية كل منهما القومية والسياسية المستقلة، وذلك بعد المواجهات الحربية بين دول الحلفاء من جهة والحركة الوطنية التركية من جهة أخرى. أما على الجانب العربي، فقد انكشف أمر اتفاقية سايكس – بيكو، وأدرك العرب أن بريطانيا غير جادة في تنفيذ التعهدات التي التزمت بها في مراسلات الحسين - مكماهون المعروفة وغيرها، بحيث تقوم دولة عربية واحدة مستقلة في آسيا العربية برئاسة الشريف الحسين بن علي (1853 - 1931). وبناء على هذا بدأ بعض الوطنيين العرب في بحث إمكانية التوصل إلى تفاهم تركي - عربي لمصلحة الطرفين، على الرغم من العداء الذي ساد بينهما في أثناء الحرب العالمية الأولى، وتصادم القوميتَين العربية والتركية، وإعدام
أحمد جمال باشا (السفاح) (1872 - 1922)، قائد الجيش العثماني في سوريا، نخبةَ شباب العرب في بيروت ودمشق عام 1916. وقد نشر محمد جمال باروت كتابًا قيّمًا وكثيف التوثيق بعنوان العلاقات العربية - التركية (1918 - 1923): السيرورة والتاريخ والمصائر23، عالج
فيه تفاصيل العلاقات العربية - التركية في تقلباتها بين التحالف والتمايز، ثم القطيعة في بداية العقد الثاني من القرن العشرين. لم يتحقق التعاون العربي – التركي بعد الحرب الأولى بسرعة على مستوى القيادات السياسية العليا؛ وذلك لسببين: الأول، أن الأمير فيصل بن الحسين الذي قيض له أن يمسك بقيادة الحركة القومية العربية في سورية كان واقعًا تحت ضغط بريطاني شديد
للتوصل إلى اتفاق مع الفرنسيين، حلفائهم في الحرب والطامعين في تركيز نفوذهم في سورية ولبنان. أما السبب الثاني فيتعلق بالعراق؛ إذ إن الأمير فيصل لم يرَ مصلحةً في محاربة بريطانيا، القوة الدولية الأقوى في المنطقة وقتها، والتي اعتبر أنها يمكن أن تؤدي دورًا
مهمًا في لجم جماح فرنسا في سورية. وقد كان فيصل حساسًا، وعن حق في رأينا، لمسألة موازين القوى الوطنية والإقليمية والدولية.
12 J.C. Hurewitz, "Treaty of Friendship: Turkey and Russia: 16 March 1921," in: Hurewitz, pp. 250-253. 13 William L. Cleveland & Martin Bunton, A History of the Modern Middle East , 6 th ed. (New York: Routledge, 2018), p. 168; M.E. Yapp, The Making of the Modern Near East 1792-1923 (London: Longman Group,1987), p. 315.
14 كاتب عظيم [كذا]، النهضة القومية [التركية]، عني بنشره وطبعه حسين حسنين (القاهرة: المطبعة المصرية، [د. ت.])، ص 47 - 48. 51 باروت.
مع ذلك، فإنه كان بين صفوف الوطنيين السوريين مَن يميل إلى إنشاء تحالف تركي - عربي جديد قد يتمكن من قلب الموازين.
واللافت أن السوفيات اعتمدوا لغة إسلامية في دعايتهم لتعبئة شعوب الشرق إلى جانبهم، فأصدروا "نداء إلى العمال المسلمين في روسيا والشرق" في 3 كانون الأول/ ديسمبر 191732. وكان الكماليون يبثّون في تركيا وسورية دعاية اعتمدت لغة دينية إسلامية لتعبئة المقاومة
في البلدين. والواقع أنّ الكثير من الأمم، في الشرق أو الغرب، تكون في مرحلة "صراع وجودي" مع أمة أخرى تستخدم الرابط الديني لتعبئة شعبها ضد الأجنبي؛ لأن الهوية الدينية قد توحّد، بينما تميّز الهويات الإثنية والسياسية بين أجزاء الدولة الواحدة. ولمّا كانت الدولة العثمانية
تضم أقليات إسلامية كثيرة، كالترك والأكراد والشركس، فإن الخيط الإسلامي (وكذلك خيط الخلافة) كان يربطها معًا باعتباره خط الدفاع
الأخير36. ونشير هنا إلى ما جاء في أحد منشورات مصطفى كمال الموجهة إلى الشعب السوري، في نهاية عام 1919؛ إذ يقول: "إخوتي المحترمين: أتحدث إليكم بصوت متضرع يخرج من قلب مفعم بالحزن بسبب الظلم والتعذيب والخيانة التي يمارسها العدو وبسبب الانشقاق الحاصل بين أبناء الدين الواحد، الأمر الذي أحدثه وأذكاه دعاة السوء والشر. دعونا نضع نهاية لسوء الفهم [بيننا]، ودعونا نمد أيدينا لنصنع السلام معًا ونوجه سلاحنا نحو الخونة الذين يريدون تدمير الإسلام، وإلا فإن أي توبة لن تجدي نفعًا فيما بعد. لا تنخدعوا بالوعود الكاذبة،
فأمامكم الاتفاقات السرية 'سايكس – بيكو' بين أعداء الدين [...]. استيقظوا ولا تعودوا إلى النوم ثانية. إننا لا ننوي الاستيلاء على بلاد المسلمين37، ولكننا نرغب في إنقاذها من أولئك الذين يعتقدون أن في إمكانهم هضمها بسهولة، وهؤلاء هم أعداء الإسلام [...] وحيث إننا حررنا قونية فإن خطوط اتصال الحلفاء في الشرق قد قطعت. إن مجاهدينا سيكونون قريبًا جدًا في ضيافة إخوانهم العرب وسيستطيعون معًا،
من خلال اتحادهم، هزيمة أعدائهم وتدميرهم. ليعش طويلًا إخواننا في الدين ولتكن الهزيمة مصير العدو"39. ويقول المؤرخ زين نور الدين زين إن الأمر لم يقتصر على سورية، بل إن فكرة التحالف مع الأتراك شملت العراق، وكانت محل دراسة جدية من الوطنيين العراقيين50، وإن ثورة 1920 العراقية (التي استخدم الطيران البريطاني ضدها الغازات السامة بأوامر من تشرشل) سببت قلقًا شديدًا للحكومة البريطانية. يقول هذا المؤرخ: "علينا أن نشير إلى أن الضباط العراقيين الذين كانوا في السابق
يعملون في الجيش التركي والذين انضموا بعد ذلك إلى الثورة العربية فأصبحوا في دمشق من المستشارين الذين كان فيصل يثق بهم ويعتمد آراءهم، لم يكتفوا بتشجيع الثورة، بل هم الذين كانوا قد خططوا لها وتزعموا قيادتها. وعلى الرغم من أنه لا يمكن اتهام فيصل بأنه اشترك مباشرة في الأحداث التي هزت العراق، فإن مسؤوليته عن قيام الثورة غير المباشرة أمر لا يمكن إنكاره. فهو لم يستطع أن يقف في وجه الضغط الذي كان كبار قواده من العراقيين يمارسونه عليه خشية أن يفقد ثقتهم به أو التخلي عنه والكفّ عن مناصرته. ثم كانت هناك جماعة تشير على فيصل بأن يتفق مع مصطفى كمال باشا كي يحارب العرب إلى جانب الأتراك مرة أخرى، وهكذا يحول الشعبان التركي والعربي دون تثبيت أقدام الفرنسيين في أي بقعة من بقاع الشرق الأوسط"51.
16 J.C. Hurewitz, "Soviet Appeal to Muslim Workers in Russia and the East: 3 December 1917," in: Hurewitz, pp. 108-110.
17 كلاوس كرايزر، أتاتورك: سيرة حياته، ترجمة سمية قوزال (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 219 - 220. 18 يقصد هنا – في رأينا - الجزيرة العربية.
19 "A Letter to the Syrians," Enclosure , no. 191. From Colonel Meinershagen to Earl Curzon. Cairo, December 2, 1919. Public Record Office/ National [British] Archives] (Kew Gardens, England). F.O 406/41.
ظلّ مصطفى كمال يمارس سياسته الإسلامية في تركيا نفسها في أثناء حرب الاستقلال، ففي 28 كانون الثاني/ يناير 1920 خاطب المجلس الوطني المنعقد في أنقرة
قائلًا: "إن من يشكلون مجلسكم العالي ليسوا أتراكًا، وليسوا فقط شراكسة وليسوا فقط أكرادًا وليسوا فقط لازا. إنهم من جميع العناصر الإسلامية المركبة". ينظر: محمد
نور الدين، حجاب وحراب: الكمالية وأزمات الهوية في تركيا (بيروت: رياض الريس للنشر، 2001)، ص 100.
20 Zeine N. Zeine, The Struggle for Arab Independence , 2 nd ed. (New York: Caravan Books, 1977), p. 136;
صدر هذا الكتاب بطبعة عربية تختلف قليلًا عن الطبعة الإنكليزية بعنوان: زين نور الدين زين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سورية ولبنان (بيروت:
دار النهار للنشر، 1977). 21 زين، ص 155 - 156.
وعلى الرغم من رفض فيصل هذه الفكرة في البداية، فإنه وافق عليها في تموز/ يوليو 1920، بعد فوات الأوان52. وكان الضباط العراقيون جادّين في هذا المسعى. فلا عجب، إذًا، من تصريح تشرشل الذي كان يحتل منصب وزير المستعمرات البريطاني، عندما خطب في مجلس العموم في 22 آذار/ مارس 1920، مشيرًا إلى سبب تخوّفه من الأوضاع في العراق: "إن العرب الذين انزعجوا من
احتلال سورية يميلون اليوم للمرة الأولى، وبطرائق مختلفة، إلى توحيد قواهم مع الوطنيين الأتراك، أي توحيد قوتين كانت سياستنا قد ترسخت بفضل فصلهما عن بعضهما"53. أما بالنسبة إلى الحركة الوطنية السورية فإنها تحركت عندما كان الأمير فيصل، الذي أ علن ملكًا على سورية في 7 آذار/ مارس 1920، يحضر مؤتمر الصلح الدولي. وعندما وصلت هذه الحركة إلى اقتناع بعدم نجاح الملك فيصل في الحصول على استقلال سورية راحت تقنع أخاه، الأمير زيد، الذي لم يبرح دمشق، بضرورة الاتصال بالأتراك لمعرفة موقفهم من الأماني القومية العربية54. وهكذا، غادر سعيد حيدر دمشق، أحد مؤسسي جمعية العربية الفتاة التي تكوّنت قبل الحرب، وبديع بكداش، وكان ضابطًا رفيع الرتبة من أصل
سوري، إلى تركيا للاجتماع بمصطفى كمال. ويقول حيدر إنه سافر ورفيقه إلى إسطنبول، وعندما وصلا إلى العاصمة التركية أُخذا سرًا إلى اجتماع للتعرف إلى أعضاء لجنة تمثّل مصطفى كمال الذي كان في ذلك الحين في مدينة سامسون. وبعد مفاوضات طويلة
وُضعت صيغة اتفاق يتألف من أربعة بنود رُفِع إلى الحكومة السورية للموافقة عليه. وليس هناك دليل واضح على موافقة الحكومة
السورية، أما البنود التي بُحثت فهي ما يأتي: "أولً: يجري بعض التعديل في حدود سورية الشمالية لا سيما في منطقة الموصل [كانت ضمن المنطقة الفرنسية قبل أن تصر بريطانيا على إلحاقها بالعراق الواقع ضمن منطقة نفوذها وانتدابها]". "ثانيًا: تنظيم جبهة مشتركة ضد الدول الغربية من معان إلى البحر الأسود." "ثالثًا: توضع القوات التركية والعربية تحت قيادة موحدة." "رابعًا: في حال إسفار الجهود المشتركة المبذولة عن نصر ضد الغرب، فإن العرب والأتراك يعيشون جنبًا إلى جنب ضمن
دولة مستقلة، ولكن علاقتهم تكون على ما كانت عليه العلاقات بين النمسا والمجر قبل الحرب عندما كانتا داخل الإمبراطورية النمساوية - المجرية. وتنظم هذه العلاقات اتفاقية مدتها خمسون سنة". كانت هذه هي الخطوط العريضة التي على أساسها كان الأتراك والعرب سيتعاونون للدفاع عن مصالحهم المشتركة ضد الغرب55. ويؤكد هذا أنّ أحد أهم الأسباب التي دفعت الوطنيين السوريين إلى التعاون مع الشريف الحسين والمشاركة في الثورة العربية الكبرى، كان هدف الاستقلال خوفًا من احتمال قيام الدول الأوروبية، خاصة فرنسا، بتحويل سوريا إلى مستعمرة فرنسية على نموذج الاستعمار الفرنسي للجزائر56. غير أن الأحداث كانت أسرع مما تصور الجانبان، والأغلب أنّ هذا الاتفاق لم يُوقّع ولم يُعمل به.
22 المرجع نفسه، ص 156. فضّلنا هنا ترجمة النص الأصلي لتصريح تشرشل الوارد في كتاب زين بالإنكليزية.
24 زين، ص 156. 52 المرجع نفسه، ص 253. 26 حول هذه النقطة، ينظر القسم الأخير من هذه الدراسة:
Mahmoud Haddad, "The Rise of Arab Nationalism Reconsidered," International Journal of Middle Eastern Studies, vol. 26, no. 2 (May 1994),
23 Zeine, p. 136.
pp. 213-217.
وقد عثر المؤرخ السوري الراحل عبد الكريم رافق على اتفاق، أو بالأحرى مشروع اتفاق، مكتوب في حلب في 16 حزيران/ يونيو 1919 أعاد نشره باروت57، بعنوان: "بنود اتفاق فيصل- مصطفى كمال وأطرافه". وينص الاتفاق على تأسيس اتحاد تركي - عربي إسلامي ضد الحلفاء. وتألّف، وفق نصّه الفرنسي المترجم لمصلحة الاستخبارات الفرنسية، من تسع مواد مقسمة إلى ديباجة ميثاقية
وثلاث مواد سياسية تعاهدية، وأربع مواد عملية تنفيذية. وكان طرفا مشروع الاتفاق الحكومتَين العثمانية والعربية في الحجاز، وقد
وافق عليها الشريف الحسين، وكانت لغته دينية تهاجم "الموقف العدواني للقوى الأجنبية تجاه الدين الإسلامي"58. الديباجة الميثاقية: ذكرت المادة الأولى أن الطرفَين المتعاقدَين، الأمة التركية والأمة العربية، يشهدان بكل أسف انقسام
العالم الإسلامي، وأن واجبهما رأب الصدع، وتأكيد التعاون بين الأمتين اللتين تربطهما المصالح المادية والروحية والدينية، وأن على الأمتَين التعاضد والدفاع بقواتهما الموحدة عن الدين والوطن. وجاء في المادة الثانية أن في هذه اللحظة التي يتهدد فيها استقلال
العرب ووحدة الأتراك وحريتهم، بسبب رغبة الدول الأجنبية في أن تقتسم فيما بينها العراق وفلسطين وسوريا وما جاورها، إضافة إلى جزء من آسيا الصغرى، فقد عزمنا، غداة انعقاد مؤتمر الصلح وإصداره قرارًا بشأننا، على إعلان الجهاد المقدس للدفاع عن الدين
والوطن. ولبلوغ هذا الهدف، فإن الطرفَين المتعاقدَين يتفقان على ما وصفناه بالبنود السياسية. البنود السياسية: تتألف من ثلاث مواد، وهي كما يلي، وفق ما وردت في نص الاتفاق: "لا يمكن للطرفين المتعاقدين قبول تقسيم الإمبراطورية التركية والبلاد العربية (Arabie) أو احتلالها من قبل القوى الأجنبية" (المادة الثالثة)، وتعترف الحكومة العثمانية رسميًا بتشكيل حكومة عربية تنضم إليها الحجاز وميدان (ربما مديان التي تعني باللغة السامية شرق الأردن أو المدينة
المنورة الحجازية) والعراق وفلسطين ودمشق وبيروت وحلب، شريطة أن ترتبط البلاد العربية بالإمبراطورية العثمانية. وتقبل الحكومة العثمانية وتصدّق على سلطة الشريف الحسين على هذه البلاد باستثناء ما يتعلق بالتفاصيل حول شكل الحكومة والقضايا الأخرى
التي ستناقش فيما بعد وتقررها اتفاقات أخرى (المادة الرابعة). وفي المناطق التي يحتلها جيش الشريف الحسين، سيذكر اسم السلطان من منابر الجوامع، وسيعترف بخلافة السلطان من جديد، ويُعلن ذلك (المادة الخامسة). البنود العملية: تتألف من أربع مواد عملية، ينص أولها على البدء في الجهاد المقدس "بتوجيه صاحب السمو الشريف بيانًا إلى البلاد العربية، شارحًا لها الموقف العدواني للقوى الأجنبية تجاه الدين الإسلامي، وعقد الشريف الحسين مع جميع شيوخ وزعماء القبائل العربية
اتفاقيات ومعاهدات وتنظيمه جيوشًا وطنية مماثلة للتنظيمات الوطنية في الأناضول بشكل تكون فيه هذه القوى عند إعطاء الإشارة جاهزة تمامًا للمساهمة مباشرة في الجهاد المقدس (المادة السادسة). وجاء البند السابع أكثر عملية أو برسم التطبيق السريع؛ إذ نصّ على أن
يتعهد الشريف بمساعدة القوى الوطنية في الأناضول، بجمع قواته المتوافرة وغير المشتغلة بمهام أخرى. ويتعهد الطرفان المتعاقدان بالتعاون المتبادل ماديًا ومعنويًا، في الهجوم كما في الدفاع، حتى تحقيق هدفهما (المادة السابعة)، ويُعلم الشريف بمضمون هذا الاتفاق
ليس فقط عرب الحجاز وزعماء القبائل، ولكن أيضًا الإمام يحيى محمد حميد الدين والسيد إدريس السنوسي59 والمسلمين في بنغازي ومراكش وتونس والجزائر والهند ويبذل جهوده ليجعل هؤلاء يساهمون في الانتفاضة العامة. ويتعهد الشريف أن يتخذ في الحال جميع الإجراءات التي لا بد منها لتحقيق هذا الهدف. وجاء في المادة التاسعة والأخيرة أن هذا الاتفاق كتب على نسختين وقّعتا [...] في حلب في 16 حزيران/ يونيو 1919 بوساطة أسعد بك متصرف الكرك ويلي ذلك اسم مصطفى كمال من اليسار ثم اسم الشريف فيصل".
27 باروت، ص 89 - 91. 28 المرجع نفسه، ص 90 - 91. 29 محمد إدريس السنوسي (1890 - 1983) حفيد محمد بن علي السنوسي الذي أنشأ الطريقة الصوفية السنوسية، وزعيم العائلة السنوسية السياسي والديني منذ القرن
التاسع عشر. اضطر إلى اللجوء إلى إسطنبول بعد احتلال إيطاليا لطرابلس الغرب - بنغاري عام 1911. وكان يُنظر إليه على أنه زعيم ديني مقيم في العاصمة العثمانية.
يقول باروت: "تتقاطع ديباجة الاتفاق وبنودها السياسية - العملية إلى حد بعيد، لكن في شروط انعقاد مؤتمر الصلح ووضوح مجريات اللعبة الكبرى لاقتسام الدولة العثمانية، وتطبيق اتفاق سايكس - بيكو على سوريا والعراق والقسم الغربي من الأناضول، مع الأسس التي قام عليها مشروع اتفاق العرب والأتراك، ولا سيما في مبدأ رتق الصدع بين [الطرفين] تجاه المخاطر التي تهددهم معًا، وتنظيم العلاقة بينهما على أساس
منح الحكومة العثمانية الولايات العربية استقلالًا ذاتيًا في إطار الدولة العثمانية، تمثل الخلافة عروته، وقتال كل جيش تحت إمرة قيادته"61. إلا أنّ التقديرات العامة عند أكثر من مؤرخ أنّ مشروع الاتفاق وُضع لكنه لم يوَّقَع أيضًا62. نذكر كذلك أن اتص لًا كان بين الحركة
الوطنية السورية وموسكو في عام 1920، وكان شكيب أرسلان أحد المشاركين فيها وبالتنسيق مع الملك فيصل63. أما التوصّل إلى
لقاء زعيم الاتحاد السوفياتي فلاديمير لينين Lenin Vladimir (1917 - 1924)، فكان من نصيب إحسان الجابري الذي كان سكرتيرًا
للملك فيصل في السنة نفسها. ويذكر الجابري "ذهبت إلى إيطاليا. تركت الملك فيصل واتصلنا بالشيوعيين وكان لي شرف مقابلة لينين وتشيشيرين. والحقيقة أن لينين شخصية مدهشة تفيض ذكاء. قال لي سنسير مع الأمم المغلوبة على أمرها بقدر إمكاننا"64. ولعل ما كتبه الشيخ محمد رشيد رضا المعروف بخطه الديني السلفي في هذا الشأن يوضح المدى الذي ذهبت إليه النخبة العربية بما فيها النخبة الدينية في محاولتها التحالف مع البلاشفة على الصعيد الدولي. وقد نشر رشيد رضا عام 1919 مق لًا في مجلته المنار الصادرة في القاهرة محاولًا التقرب من موسكو، مع تحفظ بسيط، تحت عنوان "الاشتراكية والبلشفية والدين": "تحارب إنكلترة وأحلافها البلشفية بالقول والفعل والمال والدين، وقد كلفت الشيخ محمد بخيت مفتي مصر فأفتى في جواب سؤال بأن البلشفية محرمة في الإسلام وفي كل دين لأنها عبارة عن الإباحة المطلقة للدماء والأموال والأعراض وجعلها عين المزدكية والزردشتية التي ظهرت في أمة الفرس، فرد عليه كثير من الكتاب الأزهريين وغير الأزهريين من الجهة التاريخية والدينية وغير الدينية [...] وقد كثر سؤال الناس إيانا عن رأينا في البلشفية ما حقيقتها وهل هي ضرر وشر محض كما تقول السياسة والفتوى أم هل هي خير عام أو خير خاص بقوم وشر على آخرين، فأقول: إن الذي فهمناه من مجموع ما اطلعنا عليه في البلشفية أنها هي عين الاشتراكية المقصود منها إزالة سلطان أرباب الأموال الطامعين وأعوانهم من الحكام الناصرين لهم الذين وضعوا قوانينهم المادية على قواعد هضم حقوق العمال في بلادهم واستعمار بلاد المستضعفين من غيرهم، وأن معناها الحرفي 'الأكثرية' فالمراد منها أن يكون الحكم الحقيقي في كل شعب للأكثرية من أهله وهم العمال في الصناعة والزارعة وغيرها، وذلك بعد إسقاط سلطة أرباب الثراء والكبراء المشايعين لهم، وقد فعلوا ذلك في روسية بعد إسقاط دولة القياصرة الطاغية
الظالمة التي لم يمنع مدعي الحكوماتِ الديمقراطية من الفرنسيس والإنكليز ظلمها وطغيانها من محالفتها والاتفاق معها على اقتسام بلاد العثمانيين والفرس [...] ونحن نجزم بأن أعمالهم وأنظمتهم لا يعقل أن تكون موافقة لأحكام الإسلام ولا للمسلمين المذعنين لدينهم أن يتبعوهم فيها، ولكن ليس خاصًا بهم، بل جميع القوانين الوضعية المتبعة في أوربة [أوروبا] وكذا في الشرق كمصر والدولة العثمانية فيها ما
يخالف الشرع الإسلامي، والمسلمون يتمنون نجاح الاشتراكيين نجاحًا يزول به استعباد الشعوب - وكلهم العمال - وإن كانوا ينكرون عليهم
كما ينكرون على غيرهم كل ما يخالف الشرع، على أنهم غير مطالبين عندنا بفروع الشريعة ما داموا غير مسلمين".
03 المرجع نفسه. 31 المرجع نفسه، ص 103؛ ذكر باروت أن رافق نشر اتفاق فيصل - مصطفى كمال في دراسته "نماذج من المقاومة الوطنية في الريف السوري 1918 - 1922 " في كتابه:
عبد الكريم رافق، محطات في تاريخ بلاد الشام الحديث (البلمند: منشورات جامعة البلمند، 2006)، ص 131 - 173؛ والصحيح أنها نشرت في دراسته، "من تاريخ سورية
الحديث: العلاقات السورية – التركية 1918 - 1926 "، في كتاب: عبد الكريم رافق، دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ بلاد الشام الحديث (دمشق: مكتبة نوبل،
2002)، ص 301 - 303؛ بشأن توقيع الاتفاق بوساطة أسعد بك متصرف الكرك، ينظر: باروت، ص 90، هامش 9.
32 Zeine, p. 134.
33 عبد لله حنا، القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سوريا ولبنان 1820 - 1920، القسم الأول (بيروت: دار الفارابي، 1977)، ص 194. 34 مجلة المنار، مج 21، ج 5 (1919)، ص 252 - 256.
أما بعد نحو سنتين، عام 1921، فإنّ رشيد رضا كتب مشددًا على الجانب السياسي: "من آيات الله وحججه أيضًا أن سخّر الدولة الروسية الجديدة لمظاهرة الترك وشد أزرهم بعد أن كانت هذه الدولة على عهد القياصرة هي الخطر الأكبر على السلطنة العثمانية". إلا أن محاولة إقامة تعاون عربي مع روسيا البلشفية، القوة الدولية الموازية لفرنسا وبريطانيا آنذاك، على غرار التعاون التركي - البلشفي كانت أمرًا بعيد المنال، بسبب المسافة الجغرافية بين الجانبين. بالعودة إلى مناقشة التعاون بين الحركة الوطنية السورية مع الحركة الوطنية التركية، فإننا نكتشف ما قد نعدّه تناقضًا غريبًا في
التطورات الميدانية. فمن ناحية، سعى مصطفى كمال إلى فصل إيطاليا وفرنسا عن باقي حلفائهما ودفعهما إلى الجلاء عن الأراضي التركية في كيليكيا بالنسبة إلى فرنسا على الجبهة الجنوبية المحاذية للشمال السوري مقابل أن تطلَق يد فرنسا في سورية، على ما يمكن تقديره في ضوء التطورات فيما بعد. أما بالنسبة إلى إيطاليا فقد وافق مصطفى كمال على إعطائها بعض الامتيازات الاقتصادية التي تتضمن استغلال مناجم الفحم في هيركليا (والتي كانت مذكورة في المادة 7 من معاهدة سيفر الثلاثية بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا)، وتمكّنت القوات التركية من هزيمة القوات الإيطالية التي احتلت منطقة أضاليا في الجنوب الغربي من الأناضول، فبدأت هذه القوات في الانسحاب في تموز/ يوليو 1921. من ناحية أخرى، استمر القائد التركي في التعاون مع الحركة الوطنية السورية بعض الوقت، آملًا أن يؤدي ذلك، على ما يبدو، إلى زيادة الضغط على القوات الفرنسية لإخراجها من الصراع والتفرغ لمحاربة القوات اليونانية التي كانت تحتل منطقة غرب الأناضول انطلاقًا من مدينة إزمير، والتي كانت تتسم بوجود حاضنة سكانية مؤلفة من أكثر من مليون ونصف المليون يوناني تدعمها في تلك المنطقة. على كل حال، ظل هذا التعاون نشيطًا حتى عام 1923 وبداية عام 1924؛ أي حتى اتفاق فرانكلان- بويون في أنقرة، الذي أعطت بموجبه فرنسا الشرعية للحكومة التركية الوطنية ووافقت عليه الحكومة الفرنسية بسرعة قياسية، وبالتحديد بعد ثمانية أيام فقط، ودخل حيز التنفيذ في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1921، ونص على انسحاب فرنسا من مناطق كلس وعنتاب وكيليكيا وروم قلعة ومرعش وأورفة، وبلغت مساحة الأراضي التي تنازلت عنها نحو 18 ألف كيلومتر مربع من الأراضي السورية بالنسبة إلى الحدود التي وضعت لسورية بموجب معاهدة سيفر (1920). ورأى إدمون رباط أن هذه الاتفاقية باستثناء اسمها كانت معاهدة سلام. على الرغم من أن بعض السوريين اعتبروا أن الاتفاق المذكور ستكون له نتائج سلبية على سورية، وكانوا يعتبرون أن معظم المناطق التي تنازلت عنها فرنسا لتركيا كانت تتبع ولاية حلب، فإنّ عدة أحداث تشير إلى أن التعاون العربي - التركي لم يتوقف مباشرة بعد توقيع ذلك الاتفاق؛ إذ إن يوسف الحكيم، مثلًا، يذكر أن مظاهرة قامت في اللاذقية يوم عيد الأضحى عام 1922 للاحتجاج على فصل فرنسا مقاطعة بلاد العلويين عن سورية. وقد حملت المظاهرة صورة الزعيم التركي مصطفى كمال مجلّلةً بالعلم العثماني. ويذكر الحكيم أن مصطفى كمال كان يحارب لإخراج فرنسا من كيليكيا ويمد العصابات الوطنية السورية الثائرة بالسلاح والعتاد. لكنّ تاريخ
5 3 مجلة المنار، مج 22، ج 10 (1921)، ص 742؛ مذكور أيضًا في: رافق، دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ بلاد الشام الحديث، ص 316.
36 J.C. Hurewitz, "Tripartite (Sèvres) Agreement on Anatolia: The British Empire, France, and Italy 10 August 1920," in: Hurewitz, p. 227. 37 J.C. Hurewitz, "Agreement (Ankara) for the Promotion of Peace: France and the Provisional (Nationalist) Government of Turkey: 20 October 1921," in: Hurewitz, pp. 262-265.
83 مجيد خدوري، قضية الإسكندرونة (دمشق: مطبوعات المكتبة الكبرى للتأليف والنشر، 1953)، ص 7؛ قارن ب: أحمد عدنان العيطة، أزمة الإسكندرونة وعصبة
الأمم (دمشق: دار الأهالي، 2000)، ص 16 - 17.
39 Mango, p. 349;
إدمون رباط، التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري، ترجمة حسن قبيسي، ج 1 (بيروت: الجامعة اللبنانية، 2002)، ص 484. 0 4 يوسف الحكيم، سورية والانتداب الفرنسي (بيروت: دار النهار، 1983)، ص 79.
هذا التعبير الشعبي عن استمرار التعاون العربي - التركي حتى عام 1922 يبدو متأخرًا؛ لأن الحركات الشعبية السورية المسلحة ربطت
نشاطاتها مع الثورة الهنانية (نسبة لزعيمها إبراهيم هنانو 1869 - 1935) في منطقة حلب والشمال وثورتي الرقة إلى الشرق والساحل إلى
الغرب رافعة الراية العربية - التركية المزدوجة، التي نُقِشَ عليها الآية القرآنية: ﴿إَِّنمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، قبل الاتفاقية
التركية - الفرنسية، وتزامن إخمادها مع قطع الكماليين دعمها بالذخيرة حين أعلن الاتفاق. فكان دافعه الاستراتيجي - السياسي التركي هو التفرغ لمواجهة اليونان وفصلها عن أي قوة أخرى وعزلها. أمّا الدافع الفرنسي لتوقيع الاتفاق فكان إنهاء الثورات السورية في
الشمال وفسخ تحالف الكماليين معها؛ إذ "لم يعد الفرنسيون [...] مستعدين لا عسكريًا ولا ماليًا للقتال في وقت واحد ضد الكماليين
وضد الثوار السوريين، فاختاروا التوصل إلى اتفاق سلام مع الكماليين". وهذا ما جعل فرنسا تحشد قواها ضد ثورتَي الشمال والساحل في سورية، وتربح المواجهة العسكرية في النهاية. كان التخلّي التركي عن التحالف مع الحركة الوطنية السورية المقاتلة واضحًا في الاتفاقية التركية - الفرنسية المذكورة سابقًا، والتي جاء في مادتها الثالثة: "خلال مدة أقصاها شهران من تاريخ توقيع هذا
الاتفاق، تنسحب القوات التركية إلى الشمال وتنسحب القوات الفرنسية إلى الجنوب من الخط المحدد في المادة الثامنة"؛ أي إنه جرى "فصل للقوات" أو إنشاء فاصل بري يجعل الاتصال بين الأتراك والسوريين صعبًا. وقد تألفتجمعية باسم "الجمعية الإسلامية"
في عدة مراكز في أوروبا وآسيا، وربما كان مركزها أنقرة، وكانت تعمل بصورة وثيقة مع الكماليين، بدليل أنّ أحد أعضائها البارزين في دمشق تلقّى رسالة منهم في أوائل كانون الأول/ ديسمبر 1921، تشير إلى تفهّم الكماليين لانزعاج السوريين من توقيع الاتفاقية
بينهم وبين الفرنسيين. وتدّعي كذبًا أنّ الحقيقة هي أن الاتفاقية تعطي الأتراك السيادة على سورية (في الواقع تعطيهم فقط امتيازات
في لواء الإسكندرون)، وأنّ دور فرنسا باعتبارها دولة منتدبة يقتصر على الأمور المالية والإدارية. ويلاحظ أنّ نشاط الجمعية الإسلامية وتأكيدها على جمع المسلمين ومعاداة الأوروبيين أحرج موقف الكماليين إثر عقدهم الاتفاقية مع فرنسا؛ ما اقتضى إرسالهم هذه الرسالة لإشاعة الاطمئنان ولإبداء استعدادهم للتوجه إلى سورية في وقت لاحق، بعد أن ينهوا صراعهم مع اليونانيين الذين يمثلون خطرًا وجوديًا عليهم. إلا أننا سنرى أنه لم يجرِ الإيفاء بهذا الوعد. وقد نجحت بعض محاولات التهوين من أمر الاتفاقية التركية -
الفرنسية في نهاية عامَي 1921 و 1922. "وكانت بعض الطبقات المحافظة والدنيا تؤيدها علنًا [...] وأثار هذا التأييد خشية الطبقات العليا
من إقطاعيين وبورجوازيين ومثقفين وطنيين الذين عارضوا النفوذ التركي. كما أن الجمع بين الدعاية الكمالية والدعاية البولشيفية من قبل البعض أثار غائلة بعض المحافظين، وكذلك حفيظة بريطانيا خشية تسرب ذلك إلى فلسطين والعراق". ويبدو أن العرب عامة والسوريين خاصة لم يكونوا متنبهين للمادة السابعة في الاتفاقية التركية – الفرنسية، أو على علم بالملاحظات التي قدّمها الجانب التركي لفرنسا؛ حيث أسست المادة السابعة للخلاف التركي - السوري المستقبلي حول منطقة الإسكندرون، ونصّت
على ما يلي: "ينشأ نظام إداري خاص للواء الإسكندرون. يجب أن يتمتع السكان الأتراك في هذه المنطقة بكل المرافق اللازمة لتنميتهم الثقافية وأن تحظى اللغة التركية باعتراف رسمي".
41 للاطلاع على بعض تفاصيل هذه الثورات ومراحلها في البادية والريف ثم المدن ينظر: رافق، دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ الشام الحديث، ص 311. 42 باروت، ص 695 - 697، 720 - 721. 43 المرجع نفسه، ص 720. 44 المرجع نفسه، ص 721. 54 في الأصل "الدمشقيين". إلا أننا وجدنا أن تعبير "السوريين" منطقي أكثر؛ لأن الاشتباكات الأساسية المسلحة وقعت بعيدًا عن دمشق في الشمال والشرق
والساحل الغربي. 46 رافق، دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ بلاد الشام الحديث، ص 318 - 320. 47 المرجع نفسه، ص 324.
أما أهم الملاحظات التي أدلى بها الوزير التركي المفوّض يوسف كمال لممثل فرنسا، والتي كانت ضمن اتفاقية السلام بين البلدين
وعلم بها السفير الفرنسي المفوّض هنري فرانكلان-بويون Bouillon - Franklin Henry (1870 - 1937)، فكانت كما يلي: إبداء تحفظات صريحة فيما يتعلق بتسوية المسائل المتعلقة بمشاركة سورية في الدين العثماني، وفيما يتعلق بالممتلكات المملوكة للدولة (الأميرية) والتاج (السلطانية) والأوقاف، وفيما يتعلق بجميع النقاط الأخرى الناشئة عن التغيير في الوضع القانوني لذلك القطر (سورية)، فإن هناك مسائل يتعين تسويتها عند إبرام معاهدة السلام الشاملة. فيما يتعلق بمنطقتَي الإسكندرون وأنطاكية، أوضح يوسف كمال بك أنه من الضروري منح السكان الحق في اعتماد علم
خاص يحتوي على العلم التركي. ووافق المندوب الفرنسي على أنه من المرغوب فيه منح هذا الحق لسكان هذه المناطق ووعد بالاتصال بحكومته لهذا الغرض. فيما يتعلق بالعفو الشامل المذكور في المادة الخامسة، والذي يجب أن يمنحه الطرفان المتعاقدان، يعلن المفوض الفرنسي أنه سيوصي حكومته باتخاذ الخطوات اللازمة للسماح لسكان منطقتَي الإسكندرون وأنطاكية بالاستفادة من العفو المذكور. يقدّم المفوض التركي الطلب التالي الذي يوافق المفوض الفرنسي على دعمه عندما تنظر فيه حكومته. يتمتع المواطنون الأتراك في ميناء الإسكندرون والممتلكات التركية والعلم التركي بالحرية الكاملة في استخدام الميناء. وفي هذا الصدد وفي جميع النواحي الأخرى، يجب معاملتهم على قدم المساواة الكاملة مع سكان البلاد وممتلكاتها ونقلها. ينبغي تأجير منطقة خاصة لتركيا في هذا الميناء (الإسكندرون) لاستخدامها في العبور المباشر [ترانزيت] للبضائع القادمة من تلك (تركيا) أو المرسلة إليها. وينبغي تقديم كل التسهيلات لتركيا لربط هذه المنطقة بخط سكة الحديد الذي يربط الإسكندرون بالأراضي التركية، وكذلك فيما يتعلق بتشغيل المنطقة المذكورة وتأجيرها وتشغيلها. لا يجوز فرض أيّ رسوم أو ضرائب بخلاف رسوم الحمولة والرصيف والإرشاد والمنارة والحجر الصحي التي يتم فرضها أيضًا
على السكان والممتلكات وعلم الدولة وعلى المواطنين الأتراك أو الممتلكات التركية أو العلم التركي عندما تكون البضائع القادمة من تركيا أو المرسلة إليها تمر بهذا المرفأ بصورة عبور (ترانزيت). يثبت الواقع العملي أنّ الاتفاقية الفرنسية - التركية لم تكن، على الأقل في البداية، مجرد اتفاقية سلام، بل شبه تحالف؛ إذ "قامت فرنسا بتزويد قوات مصطفى كمال بالعتاد الحربي بما في ذلك الطائرات لاستخدامها ضد القوات اليونانية غربي الأناضول وبشحن العتاد من بيروت وطرابلس- الشام إما مباشرة إلى ميناء مرسين أو إلى ميناء الإسكندرون ومنه إلى كيليكية". وقد أدّت هذه
العوامل إلى انتقال أنقرة من الدفاع إلى الهجوم، حيث استطاع مصطفى كمال، بعد كٍّرٍ وفرّ، هزيمة اليونان في معركة صقاريا وإعادة
تحرير إزمير في 9 أيلول/ سبتمبر 1922. ومع أنّ الكماليين وعدوا الحركة الوطنية السورية بالتوجه إلى التركيز على مساعدتها بعد الانتصار على القوات اليونانية، فإنّ السياسة التركية التي أشاحت بوجهها عن العرب عامة وعن سورية خاصة لم تتغير بعد الانتصار على اليونان والحصول على الاستقلال إثر توقيع معاهدة لوزان؛ فالخط السياسي والثقافي والديني الذي اتبعته أنقرة بعد ذلك كان معاكسًا للخط الذي تبنّته في أثناء حرب الاستقلال؛ إذ إنّ سياسة
"التغريب" أو"الغربنة" الجديدة كانت تقتضي الابتعاد عن الشرق والعرب والإسلام ومحاولة الاندماج في أوروبا والتطلع في اتجاه الغرب.
48 المرجع نفسه، ص 322. 49 باروت، ص 720 - 721.
أما قبل ذلك فلا شك في أنّ حركة المقاومة السورية في شمال البلاد وشرقها وغربها الساحلي، مثلها مثل حركة المقاومة التركية في جنوب البلاد، أزعجت فرنسا وكبّدتها خسائر عسكرية جعلتها تفكر بالطريقة التي تبنّتها بعد ذلك لتخفيف الضغط على
قوّاتها. ويعني هذا أنّ الوطنيين العرب، خاصة السوريين، كان لهم دور قتالي عسكري ولم يحصروا نشاطهم في الأدوار السياسية
والمفاوضات، كما ألمح حوراني الذي ذكرنا تقييمه في بداية الدراسة. وينبّهنا المؤرخ التركي إيلبير أورتايلي إلى أنّ ترابط الأحداث يجب أن يكون له نصيب فيما آلت إليه الأوضاع ضمن الصورة
الإقليمية العامة التي تتجاوز سورية والعراق. ففي آذار/ مارس، أدت ثورة 1919 الشعبية المصرية إلى سحب آلاف الجنود الإنكليز الذين نُقلوا إلى سوريا. وأجبرت هذه الحادثة الإنكليز على التخلي بعد سبعة أشهر عن مخططهم السابق للاستيلاء على كامل سوريا،
بعد أن تركوا قسمًا منها لفرنسا بحسب الاتفاق الموقّع بين رئيس وزراء بريطانيا ديفيد لويد جورج George Lloyd David (1916 - 1922)،
ورئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو Clemenceau Georges (1917 - 1920). وبدأ المسلمون الذين كانوا يفضلون بريطانيا نسبيًا على
فرنسا حتى ذلك الوقت يحتجون على نحو عفوي على سياستها تحت عنوان حماية الخلافة. ونتيجة الحوادث التي جدّت في مصر
والعراق والهند ولأسباب أخرى أجبرت الإمبريالية البريطانية، بعد استعمالها للقوة المفرطة، على تضييق مساحة سيطرتها في الشرق الأوسط والشرق الأدنى، حتى أخلى الإنكليز في نهاية عام 1919، فجأة وعلى نحو كامل تقريبًا، جنوب القفقاس ومحيط بحر قزوين،
مع أنهم اضطروا إلى استخدام جهد عسكري وسياسي كبير مدة عام ونصف العام قبل ذلك لاحتلال تلك المنطقة. بعد هذا العرض السريع لأحداث الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى مباشرة، نطرح السؤال: ما معاني صراع الإرادات بين الفرقاء المتحاربين ونتائجها؟ تشير النظرة الاستراتيجية السياسية والعسكرية الواسعة إلى أنّ الفرق بين ما حققته تركيا وما لم يحققه العرب، يعود، في جزئه الأساسي، في تقديرنا، إلى أن التحالفات التي رسمتها تركيا مع روسيا وعرب سورية صمدت؛ لأنّ مصالح هذه الأطراف كانت متوافقة، وكانت خير معين للحركة الوطنية التركية. أما إذا انتقلنا إلى الجانب العربي، فإنّ حلفاءَه لم يكونوا على الدرجة نفسها من الصدقية،
فلم يلتزموا بمساعدته كما وعدوا في أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها مباشرة، بل اتفقوا أو وافقوا على تقسيمه والسيطرة عليه تبعًا لمصالحهم التي تعارضت مع المصالح العربية. وكان بعض ممثلي الأجهزة البريطانيين في القاهرة (الذين كانوا صلة الوصل مع
الشريف الحسين في أثناء إعلان الحرب وبعده) يعتبرون أنّ إنشاء مملكة عربية تضم الأماكن الإسلامية المقدسة تحت رعاية بريطانيا هو ما يجب منحه للعرب، فتشرشل كان يعتقد أن منح أبناء الشريف الحسين سيادة صورية على المناطق العربية، التي ستستقل عن الدولة العثمانية، خطوة كافية للوفاء بوعود بريطانيا لهم. أما على الجانب الآخر، خلال ثلاث سنوات، استطاعت الحركة الوطنية التركية، التي جمعت الكثير من الاتجاهات السياسية والاجتماعية تحت مظلتها، إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات اليونانية التي أتت لمساعدة المخططات البريطانية، طامعةً في جزء مما تصوره الكثيرون "جثة تركيا المحتضرة"، ووصلت إلى مسافة غير بعيدة عن أنقرة، عاصمة الحركة الوطنية التركية ومقر المجلس الملّي (الوطني) الكبير وسط الأناضول. وتوالت انتصارات القوات التركية بفعل تعبئة إمكانات الجيش النظامي وقوات الشعب غير النظامية، وبفعل التحالف مع موسكو ومع الحركة الوطنية السورية، فأخرجت القوات الإيطالية ثم الفرنسية من المعركة ثم توصلت إلى تفاهمات واتفاقات سياسية واقتصادية
50 أورتايلي، ص 144 - 145.
51 Brad C. Faught, Cairo 1921: Ten Days That Made the Middle East (New Haven: Yale University Press, 2022), p. 16.
معهما أمكنها بواسطتها تحييد هاتين القوتين الأوروبيتين. ثم جاء دور اليونان التي أدّت هزيمتها إلى الموافقة على تبادل السكان
مع تركيا، فجرى تهجير مليون ونصف المليون يوناني من منطقة إزمير إلى اليونان وإعادة نحو نصف مليون تركي كانوا يعيشون تحت سيادة اليونان إلى تركيا بعد اتفاق تركي – يوناني، وموافقة الدول التي وقّعت معاهدة لوزان. ومن باب الأمانة التاريخية، علينا أن نلفت النظر إلى أنّ فكرة تبادل السكان لم تكن تركيّة، بل فكرة السياسي اليوناني فنزيلوس (Venizelos () 1864 - 1936)، الذي شغل
منصب رئاسة الوزراء عندما نزلت القوات اليونانية في الأناضول، ودعا إلى تنفيذ هذه الفكرة منذ عام 1913. أما بريطانيا التي قرأ قادتها الأوضاع المستجدة بين القيادة الوطنية التركية ممثلة بمصطفى كمال وموسكو وباريس وروما وأثينا،
فإنها تراجعت عام 1923 عن مخططاتها السابقة وتوصلت، بعد مؤتمرٍ دام سبعة أشهر، إلى اتفاق سياسي بمقتضى معاهدة لوزان أعطى تركيا استقلالها (فيما عدا منطقة شمال العراق التي كان هناك خلاف عربي – تركي - كردي على هويتها) فاُّتُفق على البحث
في مصيرها بوساطة لجنة تابعة لعصبة الأمم، على الرغم من أنّ مصطفى كمال أعطى تعليمات مشددة لوفد تركيا برئاسة عصمت باشا الذي تفاوض في نهاية عام 1923 مع الحلفاء في لوزان، بشأن عدم التخلي عن الموصل وكركوك والسليمانية. وظلت بعض مناطق سورية الشمالية بما فيها الإسكندرون معلقة. إلا أنه لم يجرِ الوصول إلى نتيجة نهائية بالنسبة إلى شمال العراق إلا في 16 كانون الأول/ ديسمبر 1925 حين صدر قرار مجلس عصبة الأمم بإلحاق المناطق المختلف عليها بالعراق شرط إعطاء الأكراد ضمانات محلية في ولاية الموصل. ويعتبر بعض المؤرخين
الأتراك أنّ لوزان لم يكن نصرًا كاملًا؛ لأن حدود الجمهورية التركية، كما حددها مجلس الأمة الكبير عام 1920، لم يجرِ احترامها
تمامًا. فقد "تمّت في لوزان المصادقة على الحدود التي رسمتها الحراب"، بل يمكن توصيف لوزان بأنها "تسوية" أملتها الظروف
السياسية والعسكرية. ولم تكن المفاوضات في لوزان سهلة وسريعة؛ فقد امتدت ثمانية أشهر؛ من تشرين الثاني/ نوفمبر 1922 إلى تموز/ يوليو 1923، مع فترة توقف تجاوزت الشهرين. ولو أردنا معرفة ما استطاعت تركيا تحقيقه عام 1923 لوجب مقارنة معاهدة لوزان التي قبلتها سلطات أنقرة بمعاهدة سيفر التي وقّعتها سلطات إسطنبول في ظل أسنّة الرماح البريطانية عام 1920. وكان أهم ما جاء في المعاهدة: اعتبرت الممرات المائية التركية خاضعة لسيادة تركيا واليونان على حد سواء، لكنها وضعت هذه الممرات تحت إشراف لجنة دولية تابعة لعصبة الأمم وبعد موافقة الحكومتين التركية واليونانية.
52 أورتايلي، ص 259 - 261.
53 Arnold J. Toynbee & Kenneth P. Kirkwood, Turkey (New York: Charles Scribner's Sons, 1927), p. 147.
54 كرايزر، ص 247. 55 بعد مرور قرن كامل على اتفاق لوزان لا يزال بعض المسؤولين الأتراك يتحدث عن المناطق الشمالية في سورية والعراق على أنها تتبع تركيا على أساس الميثاق
الملّي الذي أعلنه المجلس الملّي الكبير عام 1920. فقد صرح رجب طيب أردوغان، في غمرة الأحداث التي كانت تعصف بسورية والعراق وبالتحديد عام 2016، قائل:
"إذا درسنا 'الميثاق الملّي' وإذا فهمنا الميثاق الملّي فإننا نفهم جيّدًا مسؤوليتنا في سورية والعراق، وإذا كنّا نقول علينا مسؤوليّة في الموصل، فمن أجل ذلك علينا أن نكون
على الطاولة [أي طاولة المفاوضات] وفي الميدان [العسكري...] لم نستطع أن نحميَ ميثاقنا الملّي. إذا تأملنا جيدًا في التطورات في سورية والعراق أقول نحن يتحتم
علينا أن نكون من جديد أصحاب الميثاق الملّي". وفي عام 2018 قال أردوغان: "لا تنسوا أنّ شمال سورية وشمال العراق كانا ضمن حدود الميثاق الملّي، ولن نسمح
بقيام كيان إرهابي هناك".
56 Toynbee & Kirkwood, pp. 114-115, 263, 274-284.
57 أورتايلي، ص 211. 58 كرايزر، ص 245 - 246.
59 J.C. Hurewitz, "Tripartite (Saint-Jean de Maurienne) Agreement for the Partition of the Ottoman Empire: Britain, France, and Italy, 19 April-26 September 1917," in: Hurewitz, pp. 94-96.
أُعيدَ العمل بنظام الامتيازات الأجنبية الذي ألغته الدولة العثمانية عند دخولها الحرب العالمية في أيلول/ سبتمبر 1914.. 3 أُعيدَ العمل بنظام امتيازات الملل والأقليات. تنقل تركيا حقوق سيادتها على مدينة إزمير في الأناضول إلى الحكومة اليونانية.
الواقعة شرق نهر الفرات جنوب الحدود الجنوبية لأرمينيا، وإلى الشمال من حدود تركيا مع سوريا والعراق. تعترف تركيا، وفقًا لما قررته الدول الحليفة، بأرمينيا دولة مستقلة. مقارنةً بمعاهدة سيفر، فإنّ معاهدة لوزان عكست ميزان القوى الجديد وانقلابه بعد ثلاث سنوات، وكان أهم ما جاء فيها:
سيادتها الكاملة على هذه الممرات ضمن المواثيق والأعراف الدولية.
مؤتمر لوزان الأول عام 1922، إلى أن تراجعت لندن وقبلت الإلغاء عام 1923). الموافقة على المساواة بين المسلمين وغير المسلمين على صعيد الدولة وإلغاء نظام الملل والأقليات.
نستنتج مما سبق ما يلي:. أ
ذلك، وعندما زالت ضرورة استمرار التحالف بين هذه الأطراف..ب كانوا الطرف المحلّي الضعيف تجاه الطرف الإقليمي الكبير المتمثل بتركيا، والطرف الدولي الأكبر المتمثل ببريطانيا وفرنسا..ج ضد ما كان يُخَطَّط لهما؛ ما أدى إلى قلب ميزان القوى لمصلحتهما.. د
توافق إسطنبول على أن تقْدم لجنة مؤلفة من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا على صوغ نظام لإعطاء حكم ذاتي للمناطق الكردية
الموافقة على أن تكون السيادة على الممرات المائية التركية للجنة دولية تحت الرئاسة الدائمة لتركيا؛ أي استعادة تركيا
الموافقة على الإلغاء الكامل لنظام الامتيازات الأجنبية (تطلّب هذا القرار الذي أُعلن من طرف واحد؛ أي الطرف العثماني في
أيلول/ سبتمبر 1914، مفاوضات شاقة، حيث أُعيد العمل به في معاهدة سيفر، ثم كان السبب الأساسي في فشل مفاوضات
تمارس الدولة التركية سيادتها الكاملة على منطقة الأناضول (أي إنّ الحلفاء أسقطوا أو ألغوا بنود معاهدة سيفر المتعلقة بنقل السيادة التركية على مدينة إزمير إلى اليونان وإقامة دولة أرمنية في الأناضول وكذلك توفير منطقة حكم ذاتي للأكراد هناك).
الدول الصغيرة والمتوسطة الحجم في حاجة إلى التحالف، علنًا أو سرًا، مع قوة كبرى إذا كانت ستدخل في مواجهة سياسية
و/ أو عسكرية متكافئة مع قوة كبرى أخرى ومع قوى إقليمية جارة ترفدها بإمكانيات إضافية لا تملكها. ولعلّه من المناسب التأكيد هنا، ومن وجهة نظرنا، أنّ العرب السوريين وعرب الحجاز أوفوا بوعودهم تجاه الجانب الإقليمي المتمثل بالحركة الوطنية التركية وتجاه الجانب الدولي المتمثل ببريطانيا، إلا أنّ القوتَين المذكورتَين انقلبتا عليهما عندما اقتضت مصالحهما
أخلفت بريطانيا وعودها للعرب قبل الحرب العالمية الأولى، وأخلفت الحركة الوطنية التركية وعد التحالف الذي عقدته مع الحركة العربية والحركة الوطنية السورية، عندما لاح لها أنّ فرنسا ستقبل باستقلالها على حساب جارتها إلى الجنوب. المهم هنا أنّ العرب
التزمت روسيا بتعهداتها لتركيا بسبب وجود عدوّ مشترك كان يخطط لسلبهما استقلالهما، وكان استمرار تحالفها سرّ نجاحهما
تعدّ الرابطة الدينية مهمة في تعبئة الجمهور، خاصة عند الشعوب المضطهدة، والعلاقة بينها وبين الرابطة القومية، أقلّه على
المستوى الهوياتي، غير تصادمية بالضرورة، بل تبادلية ترفد إحداهما الأخرى، وبالتحديد عندما يكون العدوّ معاديًا للوطن
وللدين معًا. وقد شهدنا استخدام مصطفى كمال الرابطة الإسلامية في أثناء حرب الاستقلال، ثم انقلابه على هذه الرابطة بعد
أقل من عام واحد من نيل الاستقلال عام 1923، لكنّ العودة التدريجية إلى التعبير عن الهوية الدينية في تركيا في المجال
العام بعد وفاته تؤكد وصفه وتعريفه بأنه كان بطلًا قوميًا تركيًا وغازيًا إسلاميًا في آن معًا، وتؤكد أيضًا ضرورة أن يكون للشعب
خيط اتصال بماضيه ليستطيع النظر إلى نفسه بثقة تاريخية عميقة. وربما تكون تركيا قد تخلصت من مسؤولية إسلامية عامة، ولو رمزية، بإلغاء الخلافة إلا أنها قطعت في الوقت ذاته صلاتها بالمناطق الإسلامية الأخرى المنتشرة في العالم؛ فأدى ذلك إلى تراجع مكانتها في الإقليم والعالم. صحيح أنّ الخلافة كانت، ومنذ ما قبل العصر الحديث، خلافة صورية وأنّ الخليفة لم يعد له دور فاعل لا دينيًا ولا دنيويًا؛ إذ إنّ السلطة السياسية والعسكرية كانت بيد السلطان مع بقاء شيء من السلطة الدينية بيد
شيخ الإسلام الحنفي في إسطنبول، إلا أنّ تقويم الفهم الخاطئ لموقع الخليفة الرمزي أو المعنوي لا يكون، بالضرورة، بإلغاء المؤسسة بكاملها. أليس في إمكاننا أن نسأل: ما السلطات التي يتمتع بها ملك بريطانيا - وهو الذي يملك ولا يحكم - لتكون بلاده ملكية؟ أليست رمزية منصب "الملك" هي التي تعطيه شرعية ترؤّس الكنيسة الأنغليكانية وتسبغ عليه اللقب الرسمي الذي يصفه بأنه "حامي الإيمان" (Faith the of Protector)؟ ألم يستخدم جوزيف ستالين (1878 - 1953) الشيوعي الرابطة القومية والرابطة الدينية لتعبئة شعبه في فترة الحرب العالمية الثانية؟ ركّزت بعض الجماعات الهندية المسلمة على علاقاتها بالخليفة العثماني لتقوية موقعها تجاه الحكم البريطاني في الهند. أما "حركة الخلافة" التي أطلقها مسلمو الهند (1919 - 1924) فكان المقصود بها معارضة السياسة البريطانية ضد الدولة العثمانية والسعي إلى تقسيمها بعد الحرب والإبقاء على الخلافة العثمانية سلطةً روحية، ومركزًا رمزيًا للمسلمين في كل أصقاع العالم.. ه
إنّ مسألة الإبقاء على خيط تعاون سياسي وغير سياسي وحتى ثقافي بين دول العالم غير الغربي عمومًا الذي سُمّي "العالم
الثالث" لاحقًا مسألة غير مقبولة في عواصم الدول الكبرى؛ لأنّ هذه العواصم ترسم سياساتها طبقًا لمبدأ "فرّق تسد". ولا
يختلف موقف روسيا اليوم بعد أن مرّت بالحقبة البلشفية وحقبة رأسمالية الدولة في علاقاتها مع الأقليات القومية والدينية
التي تقع ضمن نطاقها الجغرافي عن الدول الكبرى الأخرى، بل نعتقد بناءً على تاريخ القرن العشرين أنّ هناك استمرارية في
موقفها مع موقف روسيا القيصرية الذي كانت قد نشرته صحيفة ذي مانشستر غارديان عام 1917. ولعلّه من المفيد أن نذكر أنّ موسكو السوفياتية طلبت أن يكون لها دور في إدارة مضيق البوسفور عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية. ومع أنّ أحد شروط الميثاق الملّي (الوطني) التركي عام 1920 ينص في مادته الرابعة على أنه "يجب حماية أمن مدينة القسطنطينية، مقر الخلافة الإسلامية، وعاصمة السلطنة، ومقر الحكومة العثمانية، وبحر مرمرة من كل خطر"، فإنّ معاهدتَي سيفر ولوزان المختلفتين جذريًا تتفقان، بصورة غير مباشرة، على إلغاء الرابط الروحي المتمثل بالخلافة - ولو أنها أصبحت خلافة رمزية
إلى حد بعيد - في العالم الإسلامي، وكان المتمسكون بها يفعلون ذلك للحفاظ عمليًا على تلك الرمزية، في تقديرنا. تنص المادة 139 من معاهدة سيفر على أن "تتخلى تركيا رسميًا عن جميع حقوق السيادة أو الولاية القضائية من أي نوع على
المسلمين الخاضعين لسيادة أو حماية أي دولة أخرى. ولا يجوز لأي سلطة تركية أن تمارس أي سلطة مباشرة أو غير مباشرة في أي إقليم منفصل عن تركيا أو تعترف تركيا بوضعه الحالي بموجب هذا الاتفاق".
06 أورتايلي، ص 407، هامش 1.
61 J.C. Hurewitz, "The Turkish National Pact: 28 January 1920," in: Hurewitz, p. 210. 62 "Tripartite (Sèvres) Agreement on Anatolia," in: Hurewitz, pp. 139, 225.
وبعد ثلاث سنوات، أكدت معاهدة لوزان المعاكسة عام 1923 المعنى ذاته، فجاء في المادة 27: "لا سلطة أو ولاية قضائية تمارس في المسائل السياسية أو التشريعية أو الإدارية، لأي سبب من الأسباب، خارج الأراضي التركية من جانب الحكومة أو السلطات التركية، على مواطني الإقليم الخاضع لسيادة أو حماية الدول الأخرى التي وقّعت هذه المعاهدة، أو على مواطني المناطق التي أصبحت تحت سيادة أو حماية أيّ من الدول الأخرى الموقّعة أو مواطني المناطق التي انفصلت عن تركيا". بناء عليه، ألا يمكننا التساؤل عما إذا كان إلغاء الخلافة قد مُهّد له، مواربةً، في معاهدتَي سيفر في 10 آب/ أغسطس 1920
ولوزان؟ ولعلّ وجود مركز أو مرجع روحي للإسلام باعتباره عالميًا لم يعد ضروريًا؛ لأن النظام الدولي الجديد بعد الحرب العالمية الأولى
وسّع تطبيق مبدأ "الدولة-الأمة" الأوروبي إلى خارج أوروبا، وجعل الدولة صاحبة السيادة الحصرية ضمن حدودها مع أن الدول الكبرى
أوجدت جمعيات وتحالفات قريبة منها تسمح لها بالإبقاء على علاقات سياسية وثقافية وحتى دينية مع مستعمراتها ومناطق نفوذها السابقة. ولعل المسلمين وجدوا أنهم، بأغلبيتهم، أصبحوا تحت سلطة الاستعمار، فأرادوا أن يكون لهم "بابا" مثل "بابا روما" لدى كاثوليك العالم، لكن ذاك الباب كان موصدًا فلم يكن مسموحًا تفعيل أي مبدأ لحمة بين بعضهم. لهذا نشأ لديهم شعور لم يغب حتى
اليوم، وليس موجودًا عمومًا عند غيرهم، وهو أن الغرب، القويّ والمتوسع استعماريًا، مهووس بالخوف منهم بسبب قربهم الجغرافي
وتفوّقهم عليه في مرحلة تاريخية سابقة، وهو يهددهم ليس في أوطانهم فحسب، بل في عقيدتهم الدينية أيضًا؛ فبعض جماعاتهم
تعلن ذلك صراحة وتتفنن في إهانة شعائرهم ورموزهم. وهم لهذا يرفعون الشعار الديني إلى جانب الشعار الوطني بين وقت وآخر، بينما تعتبر شعوب الغرب أن لا خطر على أديانها وطوائفها؛ إذ قرر المجلس الملّي (الوطني) الكبير عام 1924 استبدال هذا النص في الدستور: "إن المجلس الوطني التركي الكبير هو الممثل الشرعي الوحيد للأمة وهو الذي يمارس السيادة باسم الأمة"، بنص المادة الرابعة من ميثاقه عام 1920 الذي تحدّث عن وضع إسطنبول مقًّرًا للخلافة. وببعض التركيز على هذا الموضوع يتبين لنا أنّ النقاش حوله كان له اتجاهات متعددة وفي بعض الأوقات متناقضة؛ فعلى الرغم من أن الخليفة العثماني وجيشه كانا يقفان ضد مصطفى كمال وإلى جانب بريطانيا، فإنه كان يميز بين شخص الخليفة الحاكم ومنصب الخلافة الذي اعتبر أنه لا يجوز المساس به. أما وزير العدل في الحكومة الوطنية في أنقرة، محمد أمين سيد أفندي (1873 - 1925) فقد كتب كتابًا بعنوان الخلافة والسيادة الوطنية، عام 1923، أعطى فيه الطابع السياسي الأولوية للخلافة في التاريخ الإسلامي،
و"ذهب إلى القول إن الخلافة في أساسها ليست سوى حكومة ولا علاقة لها بالاعتقاد الديني". وقبل ذلك، في عام 1919، نادى شكري سراج أوغلو (1887 - 1953)، رئيس الجمعية التركية في لوزان لسبعة أشهر في أثناء الحرب العالمية الأولى وتولى مناصب وزارية حتى وفاة مصطفى كمال، بقطع الصلة بالدين: "على الحكومة أن تقطع صلتها بالدين وبمنصب شيخ الإسلام لأن هذه المؤسسة لا تختلف عن 'مؤسسة البطريك' [البطريرك]. فلن تكون 'الأتركة' خاضعة للدين، بل يجب أن يوظف الدين في خدمة 'الأتركة'". أما أنصار الخلافة في المجلس الملّي فاجتمعوا حول ممثل بلدة أفيون الذي ألف كُتيبًا أكد فيه أَّنَ الخليفة، على عكس بابا
الكاثوليك، يتمتع بسلطتين واحدة روحية وأخرى دنيوية.
63 "(Lausanne) Treaty of Peace," in: Hurewitz, p. 329. 64 Toynbee & Kirkwood, p. 302.
56 كرايزر، ص 299. 66 المرجع نفسه، ص 306. 67 المرجع نفسه، ص 248. 68 المرجع نفسه، ص 303.
والواقع أنّ النقطة الرئيسة في هذا النقاش كانت قائمة منذ القرن التاسع عشر، وتدور حول إذا ما كانت الخلافة سلطة روحية أم سلطة سياسية، وإذا ما كانت النظرية تتوافق مع التطبيق الفعلي أم لا. وكان المثقفون الأتراك البارزون ينتمون إلى تيار فكري يُسمى
"العثمانيون الجدد". ومن أهم شخصياتهم الفكرية نامق كمال الذي رأى أنه يعيش في نظام سياسي يسود فيه القانون ويكاد يكون علمانيًا. وقد ذكر أنّ هناك توافقًا بين القانون السلطاني والشريعة الإسلامية، بل يمكن القول إن هناك فصلًا بين الدولة والدين في
الممارسة العملية في الإمبراطورية العثمانية، وكان شيخ الإسلام بوصفه عالم الدين الأكبر عمليًا تحت إمرة السلطان. رأى بعض أعضاء المجلس ضرورة الحفاظ على منصب الخلافة مع أنهم كانوا موافقين على عزل الخليفة القائم عبد المجيد الذي
كان ألعوبة في يد بريطانيا. ونُقِل عن آخرين رغبة المسلمين خارج تركيا في تولية مصطفى كمال منصب الخلافة؛ لأنهم شعروا بأنه
حصل على شرط "الشوكة" أو "القوة العسكرية والسياسية" التي حازها بعد انتصاره على اليونان في حرب الاستقلال، وهي من شروط الخلافة التي وضعها الفقهاء في العصر الوسيط. لكنّ مصطفى كمال تجاوز هنا النظرية التي عُمل بها منذ القرن الثامن عشر، التي
تقول بخلافة روحية؛ إذ سمحت دول أجنبية، وأوّلها روسيا القيصرية، للحاكم المسلم بصفته خليفة كل المسلمين في الأرض بالسلطة
الروحية فحسب، خاصة في حقبة سادها التبشير والاستعمار. وهو رأى أنّ الخلافة ذات طبيعة سياسية فحسب، وتجاوز حقيقة أنّ الخلافة الروحية كانت مطَّبَقة في الأماكن التي سكنها مسلمون وحكمها غير المسلمين، مثل مناطق في روسيا والنمسا-المجر والقرم
وقبرص وليبيا، فقال في آذار/ مارس 1924 في المجلس الملّي: "أنتم تعلمون أنّ معنى الخليفة لا يختلف عن رئيس الجمهورية، فكيف لي أن أقبل اقتراح ملل وشعوب لها حكّامها وملوكها؟ وإذا قبلت، فهل سيرضى حكّام هذه الشعوب بالأمر؟". ونستطيع القول إنّ الغازي كان يلغي نهجًا من التعايش بين الغالب والمغلوب يحفظ ماء وجه الأخير، وإنّ الدول الأوروبية التي
استعمرت مناطق إسلامية لم تأسف لهذا الموقف الذي اتخذته أنقرة. أما البند الذي أُقِرّ عام 1924 وألغى الإسلام دينًا رسميًا للدولة التركية، مع تعويض "القسم بالله" ب "القسم بالشرف" في أداء اليمين
الدستوري عام 1928، فلم يكن سوى محاولة أخرى لإضعاف الوجود الديني في البلاد، إلا أنّ مصطفى كمال عارض في العام نفسه، بناءً على نصيحة، مشروعًا تقدّم به بعض أساتذة الدين في جامعة إسطنبول، يرى ضرورة تحويل المساجد إلى نوع من الكنائس الحديثة
يدخلها الزائرون بأحذيتهم وتُعزف فيها الموسيقى. واقترحوا أن يقدّم مختصون في فلسفة الأديان خدماتهم إلى أئمة الدين. أمّا المحصلة النهائية لكل هذه التطورات فكانت إلغاء "أسلمة تركيا" و"تتريك الإسلام"، واتّباع نهج غير مفهوم لدى النخبة التي
تبحث عن هوية ضائعة ضمن محيطها الإقليمي والديني الذي انعزلت عنه إراديًا، وكذلك عند العامّة، خاصة في الريف، التي ظلّت على
ولاءاتها السابقة. ولعلّنا نشهد اليوم محاولات أولية لتغيير هذا المسار.
69 برجيت شيبلر، مسلمون حداثيون: الأفغاني ونامق كمال وبايازيتوف يردون على رينان (بيروت: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية؛ دار الفارابي، 2024)،
ص 155 - 156. 07 كرايزر، ص 307. 71 المرجع نفسه، ص 308. 72 المرجع نفسه، ص 307 - 308. 73 المرجع نفسه، ص 306.
الملحق
نظرة مسلم بيروتي إلى إلغاء الخلافة
عبّر الكاتب البيروتي محمد جميل بيهم عن مشاعر المسلم المتعلم الذي لم يرَ ضرورة لإلغاء الخلافة معلنًا ذلك في مقال
بعنوان: "تركية [كذا] وأطوارها" في مجلة العرفانالبيروتية (نيسان/ أبريل 1924):
تركية وأطوارها
"كان الكماليون قبل انتصارهم يستميلون الأمة بالمظاهر الدينية: فأتوا بالسيد السنوسي ومنعوا الخمور والفجور، ولكنهم ما بلغوا ساحل الأمان إلا وكشفوا النقاب عن مباديهم فإذا هم من غواة التمدن الحديث يمهدون كل عقبة في سبيله ولا فرق لديهم إن كانت من الدين أو التقاليد.
صلى وصام لأمر كان يطلبه حتى قضاه فما صلى ولا صاما"
"وقد دفعتهم المصلحة الذاتية إلى مباشرة أعمالهم بالتعرض للخلافة والحط من شأنها حتى آل الأمر إلى القضاء عليها وألغوا وزارة الأوقاف والأديان. وما يريد رئيس الجمهورية [مصطفى كمال] بذلك إصلاحًا حقيقيًا، وإنما القصد توطيد عرشه في إبعاد أبناء
السلاطين وأنصارهم المحافظين. وفضلًا عن الخلافة فقد فكروا بترجمة القرآن استغناءً عن العربية واستبدال أحرفه باللاتينية وعولوا على تحوير المجلة، وعلى
تبديل نظام العائلة، وهم في ذلك يستسهلون كل صعب، ويحسبون أنهم تقرّبوا من أوروبة". "فحبذا الإصلاح. ولكن إذا جارى تطور روح الشعب أما وأن الإصلاحات الكلية لا تكون مفيدة إلا إذا كان بالإمكان تبديل روح الأمة تبديلًا فجائيًا. وهذا مستحيل فلذلك أرى تركية تُستهدف في هذه المرة إلى خطر أشد منه في كل مرة عمدت إلى الإصلاح. فلقد
كان تجددها ينقلب عليها وب لًا كل حين لأنها ما كانت تريد به إلا الحصول على عطف أوروبة دفعًا لأذاها".
74 محمد جميل بيهم، "تركية وأطوارها"، مجلة العرفان، مج 9، ج 7 (نيسان/ أبريل 1924)، ص 627.
المراجع
العربية
أورتايلي، إيلبير. الغازي مصطفى كمال أتاتورك. ترجمة مجد الدين صالح. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2019. باروت، محمد جمال. العلاقات العربية - التركية (1918 - 1923): السيرورة والتاريخ والمصائر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023. البغدادي، أديب التقي. "مصطفى كمال باشا في الأناضول- 3: التأثير البولشفيكي- أنقرة وموسقو [كذا]". مجلة العرفان. مج 9، ج 3 (كانون الأول/ ديسمبر 1923). بيهم، محمد جميل. "تركية وأطوارها". مجلة العرفان. مج 9، ج 7 (نيسان/ أبريل 1924). الحكيم، يوسف. سورية والانتداب الفرنسي. بيروت: دار النهار، 1983. حنا، عبد الله. القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سوريا ولبنان 1820 - 1920. بيروت: دار الفارابي، 1977. رافق، عبد الكريم. دراسات اقتصادية واجتماعية في تاريخ بلاد الشام الحديث. دمشق: مكتبة نوبل، 2002. ________. محطات في تاريخ بلاد الشام الحديث. البلمند: منشورات جامعة البلمند، 2006. زين، زين نور الدين. الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سورية ولبنان. بيروت: دار النهار للنشر، 1977. شيبلر، برجيت. مسلمون حداثيون: الأفغاني ونامق كمال وبايازيتوف يردون على رينان. بيروت: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية، دار الفارابي، 2024. كرايزر، كلاوس. أتاتورك: سيرة حياته. ترجمة سمية قوزال. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023. مجلة المنار. مج 21، ج 5 (1919). _________. مج 22، ج 10 (1921). نور الدين، محمد. حجاب وحراب: الكمالية وأزمات الهوية في تركيا. بيروت: رياض الريس للنشر، 2001.
الأجنبية
Cleveland, William L. & Martin Bunton. A History of the Modern Middle East. 6 th ed. New York: Routledge, 2018. Colin, Jonathan & Ozan Ozavci (eds.). They All Made Peace - What Is Peace: The 1923 Treaty of Lausanne and the New Imperial Order. Chicago: Gingko Library, 2023. Edib, Halidé. Turkey Faces West: A Turkish View of Recent Changes and their Origin. New Haven: Yale University Press, 1930. Faught, Brad C. Cairo 1921: Ten Days That Made the Middle East. New Haven: Yale University Press, 2022.
Haddad, Mahmoud. "The Rise of Arab Nationalism Reconsidered." International Journal of Middle Eastern Studies. vol. 26, no. 2 (May 1994). Hourani, Albert. A History of the Arab Peoples. London: Faber & Faber, 2013. Hurewitz, J.C. The Middle East and North Africa: A Documentary Record. vol. 2. New Haven: Yale University Press, 1977. Toynbee, Arnold J. & Kenneth P. Kirkwood. Turkey. New York: Charles Scribner's Sons, 1927. Yapp, M.E. The Making of the Modern Near East 1792-1923. London: Longman Group, 1987. Zeine, Zeine N. The Struggle for Arab Independence. 2 nd ed. New York: Caravan Books, 1977.