العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إقصاء العرب في لوزان: منعطف تاريخي حاسم

إقصاء العرب في لوزان: منعطف تاريخي حاسم

The Exclusion of Arabs at Lausanne: A Decisive Historical Turn

إليزابيث ف. تومبسون

Elizabeth F. Thompson

الملخّص

تركّّز هذه الدراسة على قضية إقصاء العرب عن المفاوضات في لوزان حتى لا يكون لهم دورٌٌ فيها، وتُُقدّّم قراءة مختلفة تستند إلى أنّّ فهم لحظة ما بعد الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط أمرٌٌ لا يمكن قََصْْره على الحدود والاستقلال ،)1920- الوطني. وتركّّز في ذلك على الحراك السياسي في سوريا، وعلى الإقصاء في مؤتمر باريس للسلام ) 1919 1922 (، ولا سيما بالنسبة إلى المشرق العربي. وتناقش الدراسة - والتحديات السياسية والقانونية لنظام الانتداب ) 1920 تغييب قضية العرب في لوزان بالرغم من حضورهم فيه، وتهتمّّ كذلك بمسألة النزوع إلى قراءة لوزان بوصفها منعطفًًا حاسمًًا في التاريخ السياسي للعالم العربي، وتدعو إلى النظر إلى الحركات العربية بعد الحرب العالمية الأولى في سياق حركات أخرى مناهضة للنظام خلال عشرينيات القرن العشرين في أوروبا وجنوب آسيا، وهي حركات رفضت النظام العالمي الليبرالي والنظام الاستعماري الجديدََين، وقد كانت لحظة لوزان بمنزلة "إجهاض" لطموحها السياسي في سوريا والعالم العربي.

Abstract

This study discusses the exclusion of Arabs at Lausanne and offers a different reading of the fact that understanding the post-First World War moment in the Middle East cannot be confined to borders and national independence. It investigates the political movement in Syria by attending to exclusion at the Paris Peace Conference (1919 - 1920); political and legal challenges to the mandate system in the Arab East (1920 - 1922); Arab "present absentees" [al-ghāʾibūn al-ḥāḍirūn] at Lausanne (i.e. the question of the Arabs was obscured despite their presence); and decolonizing the historical narrative by reading Lausanne as a decisive turning point in the political history of the Arab World. The study concludes by calling for an assessment of Arab movements after the First World War in the context of other anti-establishment movements in the 1920 s in Europe and South Asia, which rejected the new liberal international order and neocolonialism and whose political aspirations in Syria and the Arab World would be dashed by Lausanne.

الكلمات المفتاحية:
  • معاهدة لوزان
  • الانتداب
  • سوريا الكبرى
  • حق تقرير المصير
  • الاستعمار
Keywords:
  • Lausanne
  • Mandates
  • Greater Syria
  • Self-determination
  • Colonialism

تركّز هذه الدراسة على قضية إقصاء العرب عن المفاوضات في لوزان حتى لا يكون لهم دورٌ فيها، وتُقدّم قراءة مختلفة تستند إلى أنّ فهم لحظة ما بعد الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط أمرٌ لا يمكن قَصْره على الحدود والاستقلال الوطني. وتركّز في ذلك على الحراك السياسي في سوريا، وعلى الإقصاء في مؤتمر باريس للسلام (1920-1919)، والتحديات السياسية والقانونية لنظام الانتداب (1922-1920)، ولا سيما بالنسبة إلى المشرق العربي. وتناقش الدراسة تغييب قضية العرب في لوزان بالرغم من حضورهم فيه، وتهتمّ كذلك بمسألة النزوع إلى قراءة لوزان بوصفها منعطفًا حاسمًا في التاريخ السياسي للعالم العربي، وتدعو إلى النظر إلى الحركات العربية بعد الحرب العالمية الأولى في سياق حركات أخرى مناهضة للنظام خلال عشرينيات القرن العشرين في أوروبا وجنوب آسيا، وهي حركات رفضت النظام العالمي الليبرالي والنظام الاستعماري الجديدَين، وقد كانت لحظة لوزان بمنزلة "إجهاض" لطموحها السياسي في سوريا والعالم العربي.

This study discusses the exclusion of Arabs at Lausanne and offers a different reading of the fact that understanding the post-First World War moment in the Middle East cannot be confined to borders and national independence. It investigates the political movement in Syria by attending to exclusion at the Paris Peace Conference (1919 - 1920); political and legal challenges to the mandate system in the Arab East (1920 - 1922); Arab "present absentees" [al-ghāʾibūn al-ḥāḍirūn] at Lausanne (i.e. the question of the Arabs was obscured despite their presence); and decolonizing the historical narrative by reading Lausanne as a decisive turning point in the political history of the Arab World. The study concludes by calling for an assessment of Arab movements after the First World War in the context of other anti-establishment movements in the 1920 s in Europe and South Asia, which rejected the new liberal international order and neocolonialism and whose political aspirations in Syria and the Arab World would be dashed by Lausanne.

أستاذة كرسي محمد س. فارسي للسلام الإسلامي في الجامعة الأميركية (واشنطن.) Mohammad S. Farsi Chair of Islamic Peace, American University, Washington DC. eft@american.edu قام بترجمة هذه الدراسة ثائر ديب، باحث ومترجم سوري. This study was Translated by Thaer Deeb, Syrian Writer and Translator. thalde62@gmail.com

في 24 تموز/ يوليو 1920، غزا جيش الشرق الفرنسي المملكة العربية السورية لتأكيد مطالبة فرنسا بأن تحكمها بقوة الأمر الواقع بموجب انتداب منحها إيّاه مبدئيّا مؤتمر باريس للسلام. وبعد عامين تحديدًا، في 24 تموز/ يوليو 1922، صوّت مجلس عصبة

الأمم للتصديق على الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان، والانتداب البريطاني في فلسطين. ووقّع الحلفاء معاهدة لوزان مع تركيا، في استكمال لعملٍ مؤتمر السلام الذي بدأ في عام 1919. وفي غضون أسابيع، صارت الانتدابات على سوريا ولبنان وفلسطين ضمن القانون الدولي رسميًا، واكتسبت في النهاية "قوة القانون". يوحي تناظر التاريخَين؛ تاريخ احتلال فرنسا لسوريا وتاريخ انتدابها عليها، بنوع من السيرورة الخطية، بل إنّ الكتب المدرسية عن تاريخ الشرق الأوسط لا تتناول التفاصيل السياسية في السنوات التي أعقبت مؤتمر سان ريمو، عندما فرض زعماء دول الحلفاء، بغياب تمثيل عربي، الانتدابين في الأراضي الناطقة بالعربية من شرق البحر الأبيض المتوسط. وفي حين ركّز المؤرخون على الثورات المسلحة ضد الانتدابات في العراق (1920)، وسوريا (1925)، وفلسطين (1936)، نجد أنهم تجاهلوا الاحتجاجات الدبلوماسية والقانونية العربية ضد الانتدابات التي فرضت في انتهاك لميثاق عصبة الأمم. وأهمل باحثو مؤتمر لوزان، أيضًا، الجهود العربية التي بُذلت للانضمام إلى مفاوضات المعاهدة. حًّقًا، "يكمن الشيطان في التفاصيل"؛ فلم تكن لوزان ذروة سيرورة بدأت بسقوط الإمبراطورية العثمانية في تشرين الأول/ أكتوبر 1918 والاحتلال الأوروبي لسوريا الكبرى (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) فحسب، ولم يكن الانتداب الفرنسي في سوريا أيضًا "ذروة التوسع الإمبراطوري الفرنسي" منذ عام 1914، كما وصفه أحد الكلاسيكيين في التاريخ الاستعماري0. وقد اعتمد مؤرخو فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على نحو يكاد يكون حصرًّيًا، على الأرشيفات الأوروبية، وبذلك أخمدوا أصوات

العرب في عملية السلام. وجذور هذا الإخماد ضاربةٌ في أعماق التأريخ الإمبراطوري الأوروبي. تنظر المصادر العربية إلى لوزان على نحو مختلفٍ كلًّيًا، فتكشف أنّه كان منعطفًا حاسمًا في التاريخ السياسي للمنطقة. ويعرّف علماء

الاجتماع المنعطف الحاسم بأنّه لحظة تُطلق "مسارات تغيير سياسي يتبع حوادثه الإبداعية الكبرى ظهور مؤسسات دائمة"1. وقد مثلت لوزان الهزيمة المفاجئة والنهائية لجهود العرب العثمانيين في احتلال مكانهم في نظام عالمي ليبرالي. وأفضى إقصاؤهم وهزيمتهم في لوزان إلى تغيير جوهري في مسار السياسة العربية طوال عقود من الزمان بعد ذلك. ويفرض تقدير أهمية لوزان، بوصفها منعطفًا حاسمًا، إعادة تفكير في

السياسة العربية في بقية القرن العشرين. وتركّز هذه الدراسة، أساسًا، على العرب في سوريا الكبرى، مع بعض الإشارة إلى سياسيين آخرين

ناطقين بالعربية من أراضٍ عثمانية سابقًا، بما في ذلك العراق الذي أنِشُِئ حديثًا، ومنطقة الحجاز في شبه الجزيرة العربية ومصر. ما كان على المحكّ في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى (1919 - 1923) هو مطالبة السياسيين الناطقين بالعربية بحقوقهم

وحرياتهم التي لطالما تمسكوا بها بوصفهم مواطنين في الإمبراطورية العثمانية. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، أخذ قسم طاغٍمن

1   Christopher M. Andrew & A.S. Kanya-Forstner, The Climax of French Imperial Expansion, 1914-1924 (California: Stanford University Press, 1981). 2 Margaret MacMillan, Paris 1919: Six Months that Changed the World (Toronto: Random House Trade Paperbacks, 2002); David Fromkin, A Peace to end All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Holt Paperbacks, 1989/2001); Erez Manela, The Wilsonian Moment: Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism (Oxford: Oxford University Press, 2009); David Collier & Gerardo L. Munck, "Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures," Qualitative and Multi-Method Research , vol. 15, no. 1 (Spring 2017), p. 2. 2   Margaret MacMillan, Paris 1919: Six Months that Changed the World (Toronto: Random House Trade Paperbacks, 2002); David Fromkin, A Peace to end All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Holt Paperbacks, 1989/2001); Erez Manela, The Wilsonian Moment: Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism (Oxford: Oxford University Press, 2009); David Collier & Gerardo L. Munck, "Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures," Qualitative and Multi-Method Research , vol. 15, no. 1 (Spring 2017), p. 2.

  1. Christopher M. Andrew & A.S. Kanya-Forstner, The Climax of French Imperial Expansion, 1914-1924 (California: Stanford University Press, 1981). 2 Margaret MacMillan, Paris 1919: Six Months that Changed the World (Toronto: Random House Trade Paperbacks, 2002); David Fromkin, A Peace to end All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Holt Paperbacks, 1989/2001); Erez Manela, The Wilsonian Moment: Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism (Oxford: Oxford University Press, 2009); David Collier & Gerardo L. Munck, "Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures," Qualitative and Multi-Method Research , vol. 15, no. 1 (Spring 2017), p. 2.
  2. Margaret MacMillan, Paris 1919: Six Months that Changed the World (Toronto: Random House Trade Paperbacks, 2002); David Fromkin, A Peace to end All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East (New York: Holt Paperbacks, 1989/2001); Erez Manela, The Wilsonian Moment: Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism (Oxford: Oxford University Press, 2009); David Collier & Gerardo L. Munck, "Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures," Qualitative and Multi-Method Research , vol. 15, no. 1 (Spring 2017), p. 2.

النخبة السياسية العربية يدعم الجهود الهادفة إلى إنشاء ملكية دستورية. ولم يكن الدستوريون يعتزمون ترسيخ حقوق متساوية في إطار حكومة تمثيلية في الداخل فحسب، بل كانوا يريدون أيضًا ضمان مكان للإمبراطورية في الأسرة الأوروبية؛ الأمم الأوروبية المتحضرة (كما يطلق عليها). وبذلك تُحمى الحقوق السيادية لهذه البلدان من الاستعمار بموجب القانون الدولي. وفي خضم النكسات التي تسبّب فيها الرجعيون العثمانيون والقوى الأجنبية، حقق الليبراليون العثمانيون أهدافهم خلال فترتين وجيزتين في اللحظات الدستورية

(1877 - 1878 و () 1908 - 1912). وفي كلتا الفترتين، انتخب العرب ممثلين للبرلمان في إسطنبول. لكنّ شريحة كبيرة من النخبة السياسية

العربية السورية قررت، في ظل الحكم العسكري الوحشي لتركيا الفتاة في الحرب العالمية الأولى، أن تتراجع عن دعمها للعثمانيين. ونظرت إلى الثورة العربية الكبرى، بالتحالف مع قوى الوفاق، على أنّها طريق أنسب إلى الاستقلال والحكم العادل. وبعد الحرب، صاغ السياسيون في دمشق دستورًا للمملكة العربية السورية كان أكثر ديمقراطية من النسخة العثمانية. وكما فعلوا قبل عام 1914، توقّعوا قيام

نظام دستوري حديث لضمان سيادتهم في النظام العالمي الجديد الذي بشّر به الرئيس وودرو ويلسون. قدحت عملية السلام في الفترة 1919 - 1923 أولًا الزخم السياسي في اتجاه الديمقراطية الشعبية في سوريا الكبرى، ثم شجّعته وأخمدته في النهاية. كان الحلفاء، في ذلك الحين، قد أحلّوا محلّ النظام الدستوري في دمشق إدارات مختارة بعناية وغير منتخبة مصممّة

على الطراز الاستعماري ومقراتها في بيروت ودمشق والقدس وعمان. وكان الزعماء السياسيون في عام 1920 في السجن أو المنفى. وقوّض الفشل في لوزان مزيدًا من زعامة الليبراليين الذين حشدوا العرب السوريين حول مشروعهم القانوني الدبلوماسي وعارضوا اللجوء

إلى المقاومة المسلحة. وقد أساء الحلفاء إلى النظام العالمي بعد الحرب باستخدامهم سلطة عصبة الأمم الجديدة لفرض انتدابات حوّلت

العرب السوريين من مواطنين أصحاب حقوق إلى رعايا مستعمَرين. ونظر الليبراليون العرب إلى لوزان على أنّها فرصة أخيرة لاستعادة

الدستورية الليبرالية والمطالبة بحقوقهم بموجب القانون الدولي، وكان تأثير هزيمتهم في السياسة العربية ثوريّا وطويل الأمد2. لا يمكن، إذًا، وصف عملية السلام التي انتهت في لوزان بأنها كانت، كما اقترح إيريز مانيلا في كتابه اللحظة الولسونية، مصدر إلهام للشعوب غير الأوروبية في السعي للحصول على حقوقها السيادية لاحقًا بعد ربع قرن من الحرب العالمية الثانية3. شوّه الاعتماد على الوثائق

الأوروبية تأريخ فترة ما بين الحربين؛ إذ يغفل النقاش حول "أزمة الليبرالية" الطرائق التي سعى من خلالها السياسيون العرب، في واقع الأمر، لإحياء السياسات الديمقراطية في أواخر العصر العثماني، في حقبة ما قبل الحرب ونشرها4. وتقدّم هذه الدراسة المتعلقة بارتكاس العرب حيال مؤتمر لوزان تصحيحًا لهذا الخلل عَبْر إيجاد أصول الحركات المناهضة لليبرالية والمقاتلة في عملية السلام التي أعقبت سقوط الإمبراطورية العثمانية5.

3   Elizabeth F. Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs: The Syrian Congress of 1920 and the Destruction of Its Historic Islamic-Liberal Alliance (New York: Atlantic Monthly Press, 2021);

لأنّ العديد من العرب السوريين سعوا لأنْ يكون منفاهم في مصر، ولأنّ العديد من المصريين عانوا، أيضًا، الإقصاء وقمع الديمقراطية الشعبية في عام 1919، فإن هذه

الدراسة تتناول مصر في قسمها الختامي.

4   Manela, pp. xi-xii, 12-13, 60-62. 5   Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age, 1798-1939 (London: Oxford University Press, 1962). 6   Elizabeth F. Thompson, Justice Interrupted: The Struggle for Constitutional Government in the Middle East (Massachusetts: Harvard University Press, 2013);

وعلى العكس من ذلك، تجاهل جيمس غلفين النهضة الليبرالية في سوريا، ينظر:

James L. Gelvin, Divided Loyalties: Nationalism and Mass Politics in Syria at the Close of Empire , 1998; Michael Provence, in: The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2017);

يصف مايكل بروفينس الرد على الانتدابات من حيث الثورة العسكرية في المقام الأول في كتابه: Modern the of Making the and Generation Ottoman Last The

. Middle East , 2017

  1. Elizabeth F. Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs: The Syrian Congress of 1920 and the Destruction of Its Historic Islamic-Liberal Alliance (New York: Atlantic Monthly Press, 2021); لأنّ العديد من العرب السوريين سعوا لأنْ يكون منفاهم في مصر، ولأنّ العديد من المصريين عانوا، أيضًا، الإقصاء وقمع الديمقراطية الشعبية في عام 1919، فإن هذه الدراسة تتناول مصر في قسمها الختامي.
  2. Manela, pp. xi-xii, 12-13, 60-62.
  3. Elizabeth F. Thompson, Justice Interrupted: The Struggle for Constitutional Government in the Middle East (Massachusetts: Harvard University Press, 2013); وعلى العكس من ذلك، تجاهل جيمس غلفين النهضة الليبرالية في سوريا، ينظر: James L. Gelvin, Divided Loyalties: Nationalism and Mass Politics in Syria at the Close of Empire , 1998; Michael Provence, in: The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2017); يصف مايكل بروفينس الرد على الانتدابات من حيث الثورة العسكرية في المقام الأول في كتابه: Modern the of Making the and Generation Ottoman Last The. Middle East , 2017

باختصار، توضح هذه الدراسة أنّ فهم لحظة ما بعد الحرب في الشرق الأوسط أمرٌ لا يمكن قَصْره على الحدود والاستقلال

الوطني؛ إذ كان النضال الذي خاضه السياسيون العرب السوريون لإحياء الدستورية الليبرالية وتوسيع قاعدتها الشعبية بعد هدنة عام 1918 حاسمًا، وهو جهد تكامل مع جهودهم للحصول على السيادة في النظام العالمي الويلسوني. وكان فشل العرب السوريين التامّ

في تأمين حقوقهم عام 1923 منعطفًا حاسمًا، وقد لقيت حركة الديمقراطية الشعبية بعده حتفها. ففي أعقاب لوزان، نشأت الحركات

المناهضة للنظام، والمناهضة لأوروبا في الشرق الأوسط ردّا على الرفض العنيف من جانب المجلس الأعلى لمؤتمر السلام للتطبيق الشامل للمبادئ الليبرالية في النظام العالمي الجديد. وأقترح، في الختام، أنه من الأفضل النظر إلى الحركات العربية بعد الحرب مع الحركات الأخرى المناهضة للنظام في عشرينيات القرن العشرين في أوروبا وجنوب آسيا، تلك الحركات التي رفضت النظام العالمي الليبرالي الجديد والاستعماري الجديد. ويجب أن يصبح هذا المنعطف الحاسم نقطة انطلاق جديدة لفهم جذور العداء للغرب وضعف الحركات الديمقراطية في السياسة العربية خلال القرن الماضي.

أوالًا: الإقصاء في مؤتمر باريس للسلام: 1920-1919

منذ غزو نابليون لمصر في عام 1798، قاوم السياسيون العثمانيون، بمن فيهم العرب، العدوان الإمبراطوري الأوروبي. وأَّيَد

العرب السوريون دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى ضد دول الوفاق باعتباره صراعًا ضد الاستعمار. لكن في السنة الثانية من الحرب، فقدَ بعض القادة العرب الثقة بقدرة الحكومة العثمانية على الدفاع عن سيادتهم. وقرر السوريون، بالتشاور مع الشريف حسين من مكة، أنه يمكن ضمان السيادة العربية على نحو أفضل من خلال إبرام صفقة حرب مع دول الوفاق. وفي عام 1915، بدأ حسين مراسلات مع المفوض السامي البريطاني في مصر، المقدم السير هنري مكماهون McMahon Henry Sir (1862 - 1949). وبناءً على

تفهّم أنّ بريطانيا وعدت بدولة عربية مستقلة بما في ذلك سوريا الكبرى، أطلق حسين الثورة العربية الكبرى بالتحالف مع قوى الوفاق. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1918، احتل الجيش العربي الشمالي دمشق، وأعلن قائده الأمير فيصل، نجل الشريف حسين، قيام دولة عربية دستورية في الأراضي السورية الواقعة شمال مملكة والده في الحجاز في شبه الجزيرة العربية. وفي الوقت نفسه، انضم العديد من كبار جنرالات فيصل إلى حركة تهدف إلى إقامة دولة مستقلة في العراق، في اتحاد مع سوريا والجزيرة العربية. وفي هذه الأثناء، شكّل قادة مصريون حزب الوفد للمطالبة باستقلالهم في وجه الخطط بريطانيا لإطالة أمد وصايتها في زمن الحرب (ظلت مصر جزءًا

من الإمبراطورية العثمانية حتى بعد الاحتلال البريطاني في عام 1882). في دمشق، كانت الخطوة الأولى من خطوات عرقلة مطالبة العرب العثمانيين بالسيادة؛ إذ أبلغ الجنرال البريطاني إدموند ألينبي Allenby Edmund (1861 - 1936) فيصل أنّ بريطانيا لن تسحب قواتها من سورية الكبرى حتى نهاية مؤتمر السلام. لكن العرب

الذين اعترفت بهم بريطانيا رسميًا بوصفهم رفاقًا في القتال، مُنِحوا مقعدًا في مؤتمر السلام. واختار حسين فيصل لتمثيله في باريس.

وكانت المحاولة الثانية لاستبعاد العرب في ميناء مرسيليا؛ فقد سعى المسؤولون الفرنسيون لعرقلة دخول فيصل إلى فرنسا، خوفًا من أن يطالب بسوريا، وتدخلت بريطانيا. وفي شباط/ فبراير 1919، قدّم فيصل للمؤتمر مرافعة رسمية، أكّد فيها مطالبة العرب بدولة ذات سيادة، استنادًا إلى دعم جهود الحلفاء الحربية، والوعود البريطانية الصريحة، ومبدأ ويلسون في تقرير الأمم مصيرها. ورأى فيصل أنّ العرب، باعتبارهم مواطنين سابقين في الإمبراطورية العثمانية، على القدر ذاته من التطور السياسي الذي كان عليه المواطنون السابقون للإمبراطورية النمساوية المجرية الذين نالوا الاعتراف بدولهم القومية في باريس.

غير أنّ الأربعة الكبار في مؤتمر السلام (رؤساء وزراء بريطانيا وفرنسا وإيطاليا ورئيس الولايات المتحدة) وافقوا بدلًا من ذلك على فرض فترة من الاستقلال المؤقت، تحت غطاء انتداب عصبة الأمم. ونتيجةً لهذا، صَّنَفت المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم سورية الكبرى والعراق ضمن "المستعمرات والأقاليم التي لم تعد، نتيجة للحرب الأخيرة، خاضعة لسيادة الدول التي كانت تحكمها سابقًا، والتي تقطنها شعوب لا تستطيع النهوض وحدها في ظروف العالم الحديث الشديدة". فمثل هذه الشعوب غير الناضجة، التي تشمل رعايا الإمبراطورية الألمانية المستعمرين في أفريقيا وآسيا، من شأنها أن توضع تحت الانتداب. وضمنت المادة للعرب أن يكون انتدابهم محدودًا ومؤقتًا وأن يكون برضاهم: "إن بعض الأقوام التي كانت من قبل تنتمي إلى الإمبراطورية التركية قد وصلت إلى درجة من التقدم يمكن معها الاعتراف مؤقتًا بوجودها بوصفها أممًا مستقلة رهنًا بتقديم المشورة الإدارية والمساعدة من قبل دولة

منتدبة حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه قادرة على النهوض وحدها. ويجب أن يكون لرغبات هذه الأقوام اعتبار رئيس في اختيار الدولة المنتدبة"6. كان مساعدَا فيصل في باريس، رستم حيدر وعوني عبد الهادي (1889 - 1970)، قد درسَا القانون في باريس قبل الحرب، وكانا

متشككَين في الضمانة الغامضة للاستقلال المؤقت بموجب المادة (22)، لكن الطمأنة الأميركية دفعتهما إلى توقيع معاهدة فرساي (1919) في إثر مؤتمر باريس للسلام، على مضض، بوصفهما ممثلي شريف مكة7. ومع تطور الأحداث، رفض الشريف حسين في النهاية التصديق على معاهدة فرساي. في هذه الأثناء، سارع فيصل، الذي عاد إلى دمشق، إلى استيفاء الشروط اللازمة للحصول على الاستقلال الكامل. وأقنع الرئيس الأميركي ويلسون بإرسال لجنة تحقيق لاستطلاع آراء العرب حول سلطة الانتداب المفضلة لديهم. وأُجريت انتخابات لتشكيل مؤتمر سوري من أجل إعداد بيان مشترك لمبعوثي ويلسون. وفي نظر النواب المنتخبين، لم يكن المؤتمر السوري مجرد هيئة مؤقتة، بل كان تعبيرًا عن الممارسة السياسية ما بعد العثمانية. وفي 3 تموز/ يوليو 1919، قدّم النواب اقتراحهم المتمثل في "استقلال سياسي

كامل"، و"ملكية دستورية ديمقراطية مدنية"، إلى لجنة التحقيق التي شكلها ويلسون، بقيادة هنري كينغ King Henry (1858 - 1934) وتشارلز كرين8. وجالت اللجنة في أنحاء سوريا الكبرى، بما في ذلك فلسطين ولبنان. وتجلّى الدعم الشعبي لمقترح المؤتمر في أكثر من ألف مقابلة أجرتها لجنة كينغ-كرين في سوريا الكبرى. ورفضت الأغلبية الساحقة الانتدابين البريطاني والفرنسي، ورفضت كذلك الأهداف البريطانية في تقسيم فلسطين لإقامة وطن يهودي منفصل. سرعان ما دُفن تقرير كينغ-كرين في باريس. واختفت القيود الأميركية المفروضة على الإمبريالية الأوروبية في ذلك الخريف، عندما أصيب ويلسون بسكتة دماغية، واختار مجلس الشيوخ الأميركي الانسحاب من عصبة الأمم ومعاهدة فرساي. وشرع زعماء مؤتمر باريس للسلام الباقون في فرض الانتدابات بالقوة، وليس وفقًا لرغبات الأقوام، كما نصّت المادة (22). وأصرّت فرنسا على

الانتداب على الجزء الشمالي من سوريا الكبرى، في حين واصلت بريطانيا دعم إقامة وطن يهودي في انتدابها على الجزء الجنوبي.

7   "The Covenant of the League of Nations," The Avalon Project: Documents in Law, History and Diplomacy , Yale Law School, Article 22, accessed on 9/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQGs 8   United States Treaties and Other International Agreements , Library of Congress, accessed on 8/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQAN

9   ماري ألمظ شهرستان، المؤتمر السوري العام 1919 - 1920 (بيروت: دار أمواج، 2000)، ص 62؛ وعُثر على الترجمة الإنكليزية في المجموعة الرقمية للجنة

كينغ-كرين في كلية أوبرلين، ينظر:

"Petition from the Syrian Conference in Damascus, 3 July 1919," King Crane Commission Digital Collection, Oberline College Archives, p. 1, accessed on 8/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQNf

  1. The Covenant of the League of Nations," The Avalon Project: Documents in Law, History and Diplomacy , Yale Law School, Article 22, accessed on 9/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQGs
  2. United States Treaties and Other International Agreements , Library of Congress, accessed on 8/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQAN 9   ماري ألمظ شهرستان، المؤتمر السوري العام 1919 - 1920 (بيروت: دار أمواج، 2000)، ص 62؛ وعُثر على الترجمة الإنكليزية في المجموعة الرقمية للجنة كينغ-كرين في كلية أوبرلين، ينظر: "Petition from the Syrian Conference in Damascus, 3 July 1919," King Crane Commission Digital Collection, Oberline College Archives, p. 1, accessed on 8/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQNf

وحين سحب البريطانيون قواتهم من دمشق مراعاةً للاحتلال العسكري الفرنسي، اندلعت المظاهرات الشعبية في الشوارع. وسافر الأمير فيصل إلى أوروبا في محاولة عبثية لوقف خطط الاحتلال الفرنسي. في آذار/ مارس 1920، صوت المؤتمر لإعلان الاستقلال من جانب واحد. وأقام نظامًا ملكيًا دستوريًا وانتُخب فيصل ملكًا.

وأوضح الإعلان أنّ دافع العرب السوريين كان الانضمام إلى الحلفاء في أسرة الأمم، وليس رفض النظام العالمي الليبرالي، كما أوضح أن العرب السوريين رأوا في مملكتهم تحقيقًا لتطلعات ديمقراطية أحبطتها الحرب: "إن الأمة العربية ذات المجد القديم والمدنية الزاهرة لم تقم جمعياتها وأحزابها السياسية في زمن الترك بمواصلة الجهاد السياسي، ولم ترق دم شهدائها الأحرار ولم تثر على حكومة الأتراك، إلا طلبًا للاستقلال التام [...] أسوة بالشعوب الأخرى التي لا تزيد عليها مدنية ورقيًا. وقد اشتركت في

الحرب العامة مع الحلفاء استنادًا إلى [...] ما جهر به الرئيس ويلسون من المبادئ السامية القائلة بحرية الشعوب الكبيرة والصغيرة واستقلالها على مبدأ المساواة في الحقوق، وإنكار سياسة الفتح والاستعمار [...]. هذا وإننا باسم الأمة السورية العربية التي أنابتنا عنها نحتفظ بصداقة الحلفاء الكرام محترمين مصالحهم ومصالح جميع الدول كل احترام"15. لكَّنَ حلفاءهم البريطانيين والفرنسيين رفضوا الاعتراف بالنظام المستقل. واجتمعوا في الشهر التالي في سان ريمو لتوزيع

الانتدابات على النحو المخطط له. وتركوا مندوبي الشريف حسين ينتظرون خارج غرفة الاجتماعات ورفضوا دخولهم. في سان ريمو، أُخرجَ العرب على نحو قاطع من مؤتمر السلام ومن أسرة الأمم المتحضرة. وأرسلت فرنسا جيشها الاستعماري

لاحتلال دمشق، في تموز/ يوليو 1920، من دون أن تحتج عصبة الأمم التي كان ظلّ يتعيّن عليها التصديق على معاهدة سان ريمو.

وصادر الفرنسيون كل الوثائق المتعلقة بالمملكة العربية السورية ودمروها، بما في ذلك سجلات المؤتمر وأيّ نسخ من الدستور تمكنوا

من العثور عليها. كانوا يهدفون إلى محو أيّ أثر للديمقراطية السورية، وأيّ أثر لقدرة السوريين على الحكم الذاتي. بقيت نسخة واحدة على الأقل من الدستور السوري لعام 1920 في حقيبة وزير فَّرَ إلى شرق الأردن ونشرها لاحقًا16. ويقيم

هذا النص، الذي جرى التصديق عليه كاملًا قبل أسبوعين من الغزو الفرنسي، نظامًا أكثر ديمقراطية من النظام الذي يقيمه الدستور

العثماني لعام 1909. فقد منح السلطة التشريعية سلطة أكبر من تلك التي منحها للملك. وفي ضوء التنوع السكاني في سوريا، استُبعد الإسلام دينًا للدولة ومصدرًا للتشريع. حدث هذا في ظل مؤتمر كان رئيسه، رشيد رضا (1865 - 1935)، رجل الدين المسلم البارز.

أصَّرَ رشيد رضا والمؤتمر (الذي ضم أكثر من اثني عشر ممثلًا من الساحل اللبناني) على المساواة والتعايش، وذلك في مواجهة

ادعاءات الفرنسيين حماية المسيحيين من الطغيان الإسلامي بإنشاء جب مسيحي منفصل في لبنان: "كانت هذه الحكومة العربية الطفلة أقرب إلى العدل، والحرية، والمساواة، والإصلاح، وأبعد عن التعصب والمحاباة والإفساد الأدبي والاقتصادي من حكومتَي الدولتين اللتين ابتدعتا لنا بدعة الانتداب [...] كان اليهودي الصهيوني يُحابَى في فلسطين، فيقَّدَم على المسلم والمسيحي بغير

حٍّقّ، وكان الكاثوليكي يحابى في الساحل [اللبناني] كذلك، ولم يكن المسلم يحابى في حكومة الشام، ولا شكا مسيحي ولا يهودي من الحكومة"17.

0  1   أعيد طبعه في: يوسف السيوفي، ذكرى استقلال سوريا: 17 جمادى الثانية 1338 الموافق 8 آذار (مارس) سنة 1920 (القاهرة: مطبعة طه إبراهيم ويوسف

برلادي، 1920.) 11 حسن الحكيم، الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السورية (بيروت: دار صادر، 1974)، ص 194 - 213. ينظر الترجمة الإنكليزية في:

. Thompson , How the West Stole Democracy from the Arabs , pp. 353 - 370

12   محمد رشيد رضا، "الرحلة السورية الثانية (10)"، المنار، مج 23 (أيار/ مايو 1922)، ص 390 - 391.

ثانيًا: التحديات السياسية والقانونية لنظام لاانتداب: 1922-1920

عبّر السياسيون المنفيون الذين تفرّقوا في أنحاء المشرق العربي، بعد تموز/ يوليو 1920، عن خيبة أملهم الشديدة في النظام

العالمي الليبرالي الذي كان يجري بناؤه في باريس، لكنهم لم يرفضوه، إلى ذلك الحين، من حيث المبدأ. ودافعوا عن استراتيجيتهم المتمثلة في "اللعب وفقًا لقواعد باريس" بدلًا من القيام بثورة مسلحة ضد الاحتلال الأوروبي، كما فعل الأتراك والعراقيون. وعلى الرغم من هزيمتهم في دمشق، ظلّ هؤلاء السياسيون والمحامون المدنيون يعتقدون (كما اعتقد آباؤهم وأجدادهم) أنّ الليبرالية هي الأساس لحقوق الأمم الشاملة. وأنّه لا يزال من الممكن إثبات خطأ الحلفاء باللجوء إلى المؤسسة التي تصورها ويلسون للفصل في القانون الدولي. ولذلك شكّل رشيد رضا ومجموعة من المنفيين السوريين في القاهرة المؤتمر السوري - الفلسطيني. وضم هذا المؤتمر ميشيل لطف الله (1881 - 1960)، وهو أمير مسيحي من لبنان، وعبد الرحمن الشهبندر، وهو علماني من دمشق. وانضم إليهم بعد ذلك شكيب أرسلان، وهو أمير درزي من لبنان مقيم في جنيف، مقر عصبة الأمم. في آب/ أغسطس 1921، سافر أعضاء المؤتمر السوري - الفلسطيني إلى جنيف قبل افتتاح جمعية عصبة الأمم. وقام رشيد رضا بهذه الرحلة اعتقادًا منه أن الليبراليين في أوروبا سوف يؤيدون مبادئ ويلسون. وكتب في مجلته المنار التي كانت تحظى بانتشار

واسع: "أود لو تعلم الشعوب العربية أن الانتداب [...] لم يصر أمرًا مقضيًا وأن عصبة الأمم لن تكون ألعوبة بيد المستعمرين"18. التقى رشيد رضا بالمؤتمر السوري - الفلسطيني القائم على إدارة لجنة الانتدابات الدائمة الذي أبدى تعاطفًا، إضافةً إلى عدّة

أعضاء من جمعية عصبة الأمم، وطالبوا بإلغاء الانتدابين الفرنسي والبريطاني في سورية الكبرى على أساس أنّ في فرضهما بالقوة ضد إرادة الشعب انتهاكًا للمادة (22). وقد رأى المؤتمر السوري - الفلسطيني أن المملكة العربية السورية أثبتت نضجها السياسي وقدرتها على الحكم الذاتي. كانت مواجهة جنيف محورية في تغيير الأهداف والاستراتيجية السياسية العربية، فقد اكتشف المؤتمر السوري - الفلسطيني أن مجلس عصبة الأمم، الذي كانت لجنة الانتدابات الدائمة ترفع إليه تقاريرها، مؤلّف من مسؤولين استعماريين. وكان أول أمين عام للعصبة، إريك دراموند Drummond Eric (1876 - 1951)، مقرّبًا من بلفور، المعروف برسالته التي وعد فيها بإنشاء وطن يهودي

في فلسطين. ورفض أعضاء كل من المجلس ولجنة الانتدابات الدائمة الاجتماع بالمؤتمر السوري - الفلسطيني. وبعد تقديم تقرير مكتوب إلى مدير لجنة الانتدابات الدائمة، غادر الأعضاء جنيف في أواخر أيلول/ سبتمبر. حين علم رشيد رضا أنّ مجلس عصبة الأمم حدّد موعد اجتماع للتصويت والتصديق على الانتداب، نشر نوعًا من البلاغ الأخير،

فكتب في المنار: "إن هذه الجمعية التي اقترح الرئيس ويلسون تأليفها من جميع أمم الحضارة لخير جميع البشر لا يليق بشرفها [...] أن تكون آلة لدولتين استعماريتين [...] إذا كان البلقان هو مسعر نيران الفتن والحرب في الغرب، فإن سوريا وفلسطين وسائر بلاد العرب ستكون تشعل مسعر نيران الفتن والحرب في الغرب والشرق جميعًا"19. لكن تحذيره لم يلقَ آذانًا صاغية. وفي تموز/ يوليو 1922، ترأّس بلفور اجتماعًا لمجلس عصبة الأمم صدّق على الانتدابين

البريطاني والفرنسي في رفض قاطع لطلب المؤتمر السوري - الفلسطيني. وقد مُنع شكيب أرسلان الذي سافر إلى لندن ليشهد التصويت

من دخول القاعة، ومُنع المندوبون العرب من ذلك في سان ريمو. بيد أنّ الأمر، بالنسبة إلى المؤتمر السوري - الفلسطيني، لم ينتهِ

13   محمد رشيد رضا، "الحقائق الجلية في المسألة العربية"، المنار، مج 22 (حزيران/ يونيو 1921)، ص 478 - 479. 14   محمد رشيد رضا، "الرحلة الأوروبية (5)"، المنار، مج 23 (تموز/ يوليو 1922)، ص 559 - 560.

في تموز/ يوليو 1922؛ إذ تصوروا وجود ثغرة في القانون الدولي قد تخدم قضيتهم؛ فقد زعم نص مواثيق الانتداب أنّ الإمبراطورية العثمانية تخلّت في معاهدة سيفر عن حقوقها في سوريا ولبنان وفلسطين. لكن هذه المعاهدة لم يُصدّق عليها قطّ. واحتجت الحكومة

الوطنية التركية في أنقرة، دعمًا للعرب، بأنّ الانتدابات ينبغي أّلا تُسنَد وتُحَدَّد قبل توقيع معاهدة سلام. وفي أيلول/ سبتمبر 1922،

حقق الجيش التركي نصرًا حاسمًا في غرب الأناضول ضد الجيش اليوناني المدعوم من الحلفاء؛ ما مكّن الأتراك من المطالبة بمراجعة

المعاهدة. وتطلّع العرب إلى الزعيم الوطني التركي مصطفى كمال طلبًا للدعم. أثارت الصحافة العالمية تساؤلات حول شرعية الانتداب؛ ففي حزيران/ يونيو 1922، نقلت الصفحات الأولى في الصحف البريطانية أن مجلس اللوردات رفض الانتداب على فلسطين بأغلبية 60 صوتًا مقابل 29، على الرغم من طلب شخصي من جانب بلفور، على أساس

أنه ينتهك وعودًا رسمية وإرادة الأغلبية في فلسطين20. وتمكّن تشرشل من تجاوز هذا الرفض في مجلس العموم، لكن الشكوك بقيت

لدى عامة الناس البريطانيين. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1922، وصفت افتتاحية في صحيفة ذيتايمز مؤتمر لوزان القادم للسلام بأنه كشف حساب السياسة البريطانية في المنطقة: لقد حفز كفاح [مصطفى] كمال باشا وانتصاراته حركةً في أرجاء الشرق لا بد من أن نعتبرها ثورة وشيكة ضد الغرب. ومما له دلالته أنّ الإعجاب بإنجازات كمال كان واسع الانتشار بين الشعوب العربية التي رحبت بمساعدتنا في التخلّص من الحكم التركي، في حين خمد التعاطف الذي سبق أن شعروا به تجاهنا بسبب سياستنا المشوّشة وغير المفهومة21. دار جدال جديد أيضًا حول الانتداب الفرنسي على سوريا؛ ففي نيسان/ أبريل 1922، تقدّم سوريون بعريضة إلى كرين، أحد زعماء

لجنة التحقيق التي شكّلها ويلسون في عام 1919، يطالبون فيها بنشر تقرير كينغ-كرين الذي ظل فترةً طويلة طَّيَ الكتمان. وأرسل

الشهبندر، من زنزانته في السجن، رسالة إلى ويلسون، قال له فيها إنّ تعهداته المعروفة أصبحت مصدر إلهام لجميع الشعوب في

الشرق، لكن المؤسف أنّ معظم ما جرى تحاشيه حدث مثلما يسقط حجر من مكان عالٍ على رؤوس هذه الشعوب22. بعد تقارير في ذي نيويورك تايمز وغيرها من الصحف، حصل كرين على إذن ويلسون بنشر تقرير كينغ -كرين في صيف عام 1922، على الرغم من جهود إدارة وارن هاردنغ (1921 - 1923) في إبقائه طَّيَ الكتمان. قارنت افتتاحية متعاطفة في ذي نيويورك تايمز

شكاوى السوريين من الحكم الفرنسي بالمظالم المدرجة في إعلان الاستقلال الأميركي، بل إن الصحيفة لخصت تحذير التقرير القائل إنّه "لا يمكن إقامة حكومة يهودية من دون اهتضام الحقوق المدنية والدينية بالنسبة إلى الجماعات غير اليهودية في فلسطين"24.

ثالثًا: "الغائبون الحاضرون" العرب في لوزان

في خريف عام 1922، تصوّر السوريون والفلسطينيون أنّ للحلفاء الأوروبيين اهتمامات جديدة؛ ما دفعهم إلى الاعتقاد أنّه

يمكنهم أن يلغوا الانتداب. ففي تشرين الأول/ أكتوبر، أدت المحاولة البريطانية للتدخل ضد تركيا في جناق قلعة إلى إسقاط حكومة

15   "Palestine Mandate Defeated in Lords," The New York Times , 21/6/1922, p. 1; "'Palestine' and 'The Palestine Mandate': Government Defeat in the Lords," The Times (London), 21/6/1922, pp. 6, 10. 16   "The Approach to Peace," The Times (London), 23/10/1922, p. 11. 17   "Letter from A. Shahbandar to Former President Woodrow Wilson, 6 May 1922," King Crane Commission Digital Collection, Oberlin College Archives, accessed on 9/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQDE 18   "The Crane-King Report," The New York Times , 20/8/1922, p. 44; "Dept. of State memo to Mr. Harrison, 6 April 1922"; "Dept. of State Undersecretary Memo to Mr. Turlington, 7 April 1922," National Archives and Record Administration, College Park, RG 59.763.72119/7156-7210, Microfilm M367 Roll 439, Images 0067-69; "The Secretary of State to the Ambassador in Great Britain (Harvey), 3 April 1922," in: Foreign Relations of the United States, 1922 , vol. 2: 0012, Great Britain, pp. 271-275; "The Secretary of State to the Ambassador in France (Herrick), 19 May 1922," in: Foreign Relations of the United States, 1922, vol. 2: 0010, France, p. 117.

  1. Palestine Mandate Defeated in Lords," The New York Times , 21/6/1922, p. 1; "'Palestine' and 'The Palestine Mandate': Government Defeat in the Lords," The Times (London), 21/6/1922, pp. 6, 10.
  2. The Approach to Peace," The Times (London), 23/10/1922, p. 11.
  3. Letter from A. Shahbandar to Former President Woodrow Wilson, 6 May 1922," King Crane Commission Digital Collection, Oberlin College Archives, accessed on 9/12/2024, at: https://acr.ps/1L9zQDE
  4. The Crane-King Report," The New York Times , 20/8/1922, p. 44; "Dept. of State memo to Mr. Harrison, 6 April 1922"; "Dept. of State Undersecretary Memo to Mr. Turlington, 7 April 1922," National Archives and Record Administration, College Park, RG 59.763.72119/7156-7210, Microfilm M367 Roll 439, Images 0067-69; "The Secretary of State to the Ambassador in Great Britain (Harvey), 3 April 1922," in: Foreign Relations of the United States, 1922 , vol. 2: 0012, Great Britain, pp. 271-275; "The Secretary of State to the Ambassador in France (Herrick), 19 May 1922," in: Foreign Relations of the United States, 1922, vol. 2: 0010, France, p. 117.

لويد جورج ومعه تشرشل، وهو ما دفع إلى اعتقاد أن حكومة بونار لو الجديدة قد تكفّ عن الاهتمام البريطاني بالانتداب. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، بدا الجنرال الفرنسي غورو مستعدًا للاستقالة من منصبه بصفته مفوضًا ساميًا في سوريا ولبنان، بعد أن خفضت باريس

ميزانية الانتداب. كانت توجد أيضًا إشارات إلى أنّ إيطاليا التي لطالما انتقدت الانتداب، قد تدعم العرب في لوزان؛ فقد فضل بعض الدبلوماسيين الإيطاليين دعم العرب وسيلةً لعرقلة النفوذَين البريطاني والفرنسي25. ونشر أحد علماء القانون الدولي الإيطاليين البارزين مق لًا لاذعًا شكّك فيه في شرعية الانتداب. وخلص أماديو جيانيني إلى أنه إذا أبدى أعضاء عصبة الأمم اعتراضاتهم، فقد تُحال قضية الانتدابات إلى محكمة العدل الدائمة في لاهاي27. وكان الأمر المبشّر أكثر من غيره أنّ بينيتو موسوليني Mussolini Benito (1922 - 1943) تولّى في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر منصب رئيس الوزراء؛ خلفًا للحكومة التي صوتت لتصديق الانتدابات خلال تموز/ يوليو السابق. لذلك تقرّب العرب السوريون من الأتراك، مذكّرين إيّاهم بأنّهم ما زالوا مواطنين قانونيين في الإمبراطورية العثمانية، وأنّ

الميثاق الملّي لعام 1920 تضمّن مطلبًا بتقرير العرب مصيرهم33. ووفقًا لإحدى الصحف في القاهرة، فضل مصطفى كمال إقامة دولة

عربية مستقلة موحدة34. وحتى رشيد رضا أعرب عن تفاؤل حذرٍ بأنّ صديقه شكيب أرسلان قد يقنع الأتراك بالإصرار على استقلال العرب، في تحٍّدٍ لما اعتبره مؤامرة اللورد كيرزون ضد العالم الإسلامي35. تطلّع بعض السوريين والفلسطينيين أيضًا إلى الشريف حسين في مكة؛ إذ قاوم الضغوط البريطانية لتوقيع معاهدتَي فرساي وسيفر، ورفض في عام 1922 توقيع معاهدة ثنائية منفصلة تؤيد الانتداب. وبعد تصديق عصبة الأمم في تموز/ يوليو 1922، سافر وفد فلسطيني إلى مكة. ورًّدًا على ذلك، هدد اللورد كيرزون الشريفَ حسين بدعم عدوّه اللدود، ابن سعود، وباستبعاده من مؤتمر لوزان.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ حسين، الذي يُقال إنّه "غضب"، أرسل إلى لوزان ممثله ناجي الأصيل36. لكن الأمل خفَت مرة أخرى في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، عند افتتاح المؤتمر. فقد اختار المندوبون اللورد كيرزون رئيسًا

للمؤتمر، وتجاوزوا اقتراحًا تركًّيًا متعلقًا بجعل مُجريات المؤتمر علنية. وحذر المندوب الفرنسي البارز كاميل باريير من أنه "ينبغي أّلا

"تُستحضر المشاعر العامة في مناقشات المؤتمر مهما كان الثمن37. والأسوأ من ذلك أن الحلفاء رفضوا مطالبة العرب بإشراكهم باعتبارها "سخيفة"؛ لأن العرب، بحسب المادة (22)، "لا يستطيعون النهوض وحدهم في ظروف العالم الحديث الشديدة".

19   Vincenzo Strika, "L'Italia e il nazionalismo arabo del vicino oriente tra le due guerre mondiali," Quaderni di Studi Arabi , vol. 5, no. 6 (1987-1988), pp. 726-746. 20   Amadeo Giannini, "I mandati typo A e la loro natura Giuridica" [The Type A Mandates and Their Legal Nature], Oriente Moderno , vol. 2, no. 3 (15 August 1922), p. 139. 21   Awad Halabi, "Liminal Loyalties: Ottomanism and Palestinian Responses to the Turkish War of Independence, 1919-22," Journal of Palestine Studies , vol. 41, no. 3 (Spring 2012), pp. 21-22; Mutaz Qafisheh, "Genesis of Citizenship in Palestine and Israel: Palestinian Nationality During the Period 1917-1925," Journal of the History of International Law , vol. 11, no. 1 (2009), pp. 1-36. 22   "A Turco-Arab Alliance: Kemalist Proposal," The Times (London), 4/11/1922, Quoting Al-Mokattam Newspaper of Cairo. Also Quoted in: Eliot Grinnell Mears, Modern Turkey (New York: MacMillan,1924), p. 549.

23   "مؤتمر لوزان: أحوال العالم الإسلامي، مؤتمر الصلح"، المنار، مج 24، ج 2 (شباط/ فبراير 1923)، ص 145 - 152.

24   Suleiman Mousa, "A Matter of Principle: King Hussein of the Hijaz and the Arabs of Palestine," International Journal of Middle East Studies , vol. 9, no. 2 (April 1978), pp. 183-194; Timothy J. Paris, Britain, the Hashemites and Arab Rule, 1920-1925 (London: Routledge, 2003), pp. 277-298, 341-353. 25   United Kingdome, UK Parliament, Lausanne Conference on Near Eastern Affairs, 1922-1923: Records of Proceedings and Draft Terms of Peace (With Map) (London: H.M.S.O., 1923), p. 4.

  1. Vincenzo Strika, "L'Italia e il nazionalismo arabo del vicino oriente tra le due guerre mondiali," Quaderni di Studi Arabi , vol. 5, no. 6 (1987-1988), pp. 726-746.
  2. Amadeo Giannini, "I mandati typo A e la loro natura Giuridica" [The Type A Mandates and Their Legal Nature], Oriente Moderno , vol. 2, no. 3 (15 August 1922), p. 139.
  3. Awad Halabi, "Liminal Loyalties: Ottomanism and Palestinian Responses to the Turkish War of Independence, 1919-22," Journal of Palestine Studies , vol. 41, no. 3 (Spring 2012), pp. 21-22; Mutaz Qafisheh, "Genesis of Citizenship in Palestine and Israel: Palestinian Nationality During the Period 1917-1925," Journal of the History of International Law , vol. 11, no. 1 (2009), pp. 1-36.
  4. A Turco-Arab Alliance: Kemalist Proposal," The Times (London), 4/11/1922, Quoting Al-Mokattam Newspaper of Cairo. Also Quoted in: Eliot Grinnell Mears, Modern Turkey (New York: MacMillan,1924), p. 549. 23   "مؤتمر لوزان: أحوال العالم الإسلامي، مؤتمر الصلح"، المنار، مج 24، ج 2 (شباط/ فبراير 1923)، ص 145 - 152.
  5. Suleiman Mousa, "A Matter of Principle: King Hussein of the Hijaz and the Arabs of Palestine," International Journal of Middle East Studies , vol. 9, no. 2 (April 1978), pp. 183-194; Timothy J. Paris, Britain, the Hashemites and Arab Rule, 1920-1925 (London: Routledge, 2003), pp. 277-298, 341-353.
  6. United Kingdome, UK Parliament, Lausanne Conference on Near Eastern Affairs, 1922-1923: Records of Proceedings and Draft Terms of Peace (With Map) (London: H.M.S.O., 1923), p. 4. 26   "أخبار الأخيرة: ملك سورية وفلسطين"، فلسطين، 24 / 11 / 1922.

إنّ ما عرقل العرب أيضًا هو عجزهم عن التحدث بالصوت الموحد ذاته الذي خاطبوا به مؤتمر باريس للسلام ولجنة كينغ - كرين في دمشق. فمنذ عام 1920، تعرضوا للنفي والتقسيم إلى كيانات سياسية منفصلة، وخضعوا لمراقبة مكثفة، وقسمتهم الطرائق البريطانية والفرنسية في شراء التعاون. وكان فيصل قد قبل عرض تشرشل بحكم العراق بموجب معاهدة منفصلة مع البريطانيين. ووقّع شقيقه عبد الله المعاهدةَ التي رفضها والده الشريف حسين. وصار المؤتمر السوري – الفلسطيني، الذي كان موحدًا وسافر إلى جنيف في عام 1921، منقسمًا. وعيّن مؤتمر فلسطيني موسى كاظم الحسيني، عمدة القدس السابق، زعيمًا لوفده. وأرسل المنفيون

السوريون في القاهرة وفدًا منفصلًا. وجّهت الوفود العربية المختلفة مناشداتها إلى قوى مختلفة ومتنافسة. وقبل وصولها إلى لوزان، التقى السوريون والفلسطينيون بممثلي خديوي مصر عباس حلمي (1892 - 1914) بخصوص اقتراحه أن يحكمهم في ظل دولة موحدة، والتقوا أيضًا بالزعيم الإيطالي الجديد موسوليني الذي أعرب عن دعمه لدولة مستقلة38. لكن الفلسطينيين ما إن وصلوا إلى لوزان، حتى تصوروا وجود فرصة للتفاوض الثنائي مع خليفة تشرشل، فغادروا إلى لندن، تاركين السوريين وراءهم39. ومع أنّه كانت لدى الوطنيين المصريين مخاوف مماثلة لمخاوف السوريين والفلسطينيين، فإنهم اختاروا أّلا يجمعوا بين قواهم. وبدلًا من ذلك، أرسلت الأحزاب المصرية المنافسة وفودًا منفصلة إلى أنقرة40. وأرسل المسؤولون المصريون كذلك رسائل رسمية مباشرة إلى لوزان، مطالبين بالمشاركة في المفاوضات41. وأرسل المنفيون اللبنانيون في القاهرة أيضًا عريضة مباشرةً إلى المندوبين الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين والأتراك في لوزان. وأعلنت العريضة نيابةً عن الشعب اللبناني ما يلي: "نطالب بأن تعترف معاهدة السلام باستقلال الدولة اللبنانية ضمن حدودها الحالية"42. أدرك الزعماء العرب، على نحو مؤلم، أنّ الطرائق الأوروبية القائمة على سياسة "فرق تسد" أضعفتهم. وقد نددت صحيفة الكرملالفلسطينية بالجهد العربي المتصدع: "أمّا استحضاراتهم لمؤتمر لوزان فإنها تنحصر بالوفد الفلسطيني السوري الذي توجه رافقته السلامة تحت رياسة سعادة كاظم باشا الحسيني ووفد العراق المؤلف من جعفر باشا العسكري [1885 - 1936] وتوفيق بك السويدي [1892 - 1968] والذي غادر العراق للسعي في لندن لتمثيل الحكومة العراقية في مؤتمر لوزان أما الحجاز المعترف باستقلاله فلم يحرك ساكنًا ولم يرسل مندوبًا واحدًا يراقب سير المفاوضات، وأما شرق الأردن فلقد جاء في البرقيات الأخيرة أن سمو أميرها [عبد الله] عازم على العودة إليها ولا نعلم ماذا يحمل للعرب في حقيبته"43. ونبّهت الصحيفة الدبلوماسيين العرب إلى تحدي تكتيكات "فرق تسد" البريطانية، وإلا فإنهم سيخضعون للحكم الأوروبي.

وعلى نحو مماثل، حثت صحيفة الأهرامالمصرية المبعوثين المصريين على الاتحاد مع العرب السوريين في لوزان للاحتجاج على استبعادهم من المفاوضات44.

26   "أخبار الأخيرة: ملك سورية وفلسطين"، فلسطين، 24 / 11 / 1922.

27   "The Palestinian Arabs' Case," The Times (London), 23/12/1922, p. 7.

82   ينظر: "تصريحات رجال الحزب الوطني لمندوب الأهرام بلوزان"، الأهرام، 8 / 1 / 1923؛

"Rival Egyptian Missions Seeking Favours at Angora," The Times (London), 28/12/1922, p. 8.

29   "مصر في لوزان"، الأهرام، 4 / 1 / 1923؛ "إلى مؤتمر لوزان"، الأهرام، 22 / 2 / 1923. 0  3   [مقال من دون عنوان]، الأهرام، 29 / 1 / 1923. 31   "موقفالعرب"، الكرمل، 15 / 11 / 1922. أرسلت الحجاز أيضًا مندوبًا في وقت لاحق.

32   "مصر في لوزان"، الأهرام، 4 / 1 / 1923؛ "إلى مؤتمر لوزان"، الأهرام، 22 / 2 / 1923.

  1. 3   [مقال من دون عنوان]، الأهرام، 29 / 1 / 1923. 31   "موقفالعرب"، الكرمل، 15 / 11 / 1922. أرسلت الحجاز أيضًا مندوبًا في وقت لاحق. 32   "مصر في لوزان"، الأهرام، 4 / 1 / 1923؛ "إلى مؤتمر لوزان"، الأهرام، 22 / 2 / 1923.
  2. The Palestinian Arabs' Case," The Times (London), 23/12/1922, p. 7. 82   ينظر: "تصريحات رجال الحزب الوطني لمندوب الأهرام بلوزان"، الأهرام، 8 / 1 / 1923؛ "Rival Egyptian Missions Seeking Favours at Angora," The Times (London), 28/12/1922, p. 8. 29   "مصر في لوزان"، الأهرام، 4 / 1 / 1923؛ "إلى مؤتمر لوزان"، الأهرام، 22 / 2 / 1923.

لجأ البريطانيون إلى استراتيجيات إضافية متعددة للحيلولة دون المشاركة العربية؛ تمثّلت الاستراتيجية الأولى برفض اللقاءات الشخصية وإلقاء الخطب أمام المؤتمر. واقترح مستشارو اللورد كيرزون وجوب أن "يُعرض الإذن بمخاطبة المؤتمر على

المؤتمر كي يمكن رفضه، وأن يرفض اللورد كيرزون استقبالهم على أساس أنهم سبق أن حصلوا على فرصة كافية لعرض آرائهم أمام [وزير الدولة] للمستعمرات، وهو الوزير المعني في المقام الأول"45. وعلى هذا، فقد حذر المفوض السامي لفلسطين، هربرت صموئيل Samuel Herbert (1870 - 1963)، موسى كاظم من أن رحلته إلى لوزان ستكون "مضيعة للوقت". في الواقع، وكما رأى الفلسطينيّون، لم تكن الانتدابات قد دخلت حيّز القانون الدولي بعد، ولذلك كانت لدى العرب حجّة

يواجهون بها طردهم من الأمم صاحبة الحقوق إلى فئة الشعوب المُستعمَرة المنزوعة الحقوق: "الآن وقد ألغيت معاهدة سيفر التي

انخرطت بها فلسطين انخراطًا شديدًا"، كتب الوفد العربي الفلسطينيّ في لوزان، في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1922، أنه يُمكن

لمعاهدة سلامٍمنقّحة أن "تُبنى على أنبل الاعتبارات". وأصرّ الفلسطينيّون على أنّهم لكونهم مواطني "الإمبراطورية التركية"، فإنهم

خاضعون للميثاق الملّي التركي، المُتبنّى في أنقرة، والذي طالب بأن "يُقِرِّر مصير البلاد العربية سكّان تلك البلاد"، وجادلوا أيضًا بأنّ

وعد بلفور بموطنٍ يهودٍّيٍ في فلسطين يُخالف المادّة (3) من اتفاقية لاهاي، التي نصّت على منع قوّةٍ محتلّةٍ من تقديم تغيراتٍ أساسية

على بلد ما: "نناشد مؤتمركم أن يزيح هذا الظلم عن فلسطين"46. لكن مصير هذه القضايا القانونية، التي صاغها بعناية محامون عرب درسوا في أوروبا، كان التجاهل في لوزان، على غرار مصيرها في لندن وباريس وجنيف؛ إذ أوضح البريطانيّون أنّ القانون الدولي لا يُعنى بالعدالة إلا للأوروبيّين. واعتبر اللورد كيرزون هذه المناشدات

"وقاحةً" حتّى إنّه وبّخ الشريف حسين، وهو حاكم دولةٍ مستقلّةٍ ساندت جهود الحلفاء الحربية. وفي 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 1922،

طلب موفد الشريف حسين، الأصيل، لقاء كيرزون ليقدّم له رسالةً من الشريف، لكن كيرزون رفض لقاءه47. ثبّط البريطانيّون أيضً - ا التعاون التركي العربي. واستنكرت صحيفة ذيتايمز، لسان حال المؤسّسة البريطانية الحاكمة، احتجاج

الأتراك أنّه ليس لبريطانيا حٌّقٌ في تمثيل المصريين في لوزان. وبغضّ النظر عن ذلك لمّحت مقالةٌ عنوانها "الغطرسة التركية" إلى

المناظرة القانونية باقتباسها قول مصطفى كمال لوفد مصري في أنقرة: "الوفد التركي وحده هو الذي يستطيع الدفاع عن قضية مصر في لوزان، لأن حقوق تركيا على مصر ما زالت كما كانت في السابق"48. تمثّلت الاستراتيجية البريطانية الثانية بالإصرار على أن المؤتمر لن يتطرّق إلى أيّ مسألة من المسائل التي تهُّمُ العرب. وفي

27 كانون الأول/ ديسمبر 1922، نبّه اللورد كيرزون زملاءه في البعثات البريطانية لأنْ يتجنّبوا أيّ ذكرٍ لسكّة حديد الحجاز، رًّدًا على

استفسارات الشريف حسين49. وفي 5 كانون الثاني/ يناير 1923، أرسل برقيةً إلى الشريف حسين يطمئنه فيها؛ مفادها أنّ المؤتمر

في لوزان لن يُناقِش وضع المُقدّسات الإسلامية، ولا المؤسسات الدينية في مكّة والمدينة، ولا سكّة حديد الحجاز التي أقامها العرب.

ووعده، في الواقع، بأنّ مملكة الحجاز لن تُذكَر في المعاهدة؛ "لأن وضعها المستقلّ قد أقرّه الحلفاء في جميع الأحوال حين شغل

ممثّلها [الأمير فيصل] مقعدًا في مؤتمر السلام عام 1919 ". وذكّر كيرزون الشريف حسين بأنّ الحجاز "له الحرية" في أن ينضمّ إلى

33   FO 839/25, File 3, memo from Forbes Adam and memo from R. V. Vernon, 24 November 1922. 34   FO 839/31, memo from Palestine Arab Delegation, 28 November 1922, Lausanne, 225. 35   FO 839/37, memo by Forbes Adam, 8 December 1922; تعليق كيرزون على الوقاحة، في:.FO 839/9 telegram Curzon to Sir E. Crowe, London, 10 December 1922 36   "Turkish Pretension," The Times (London), 17/1/1923, p. 9. 37   FO 141/589, 27 December 1922.

  1. FO 839/25, File 3, memo from Forbes Adam and memo from R. V. Vernon, 24 November 1922.
  2. FO 839/31, memo from Palestine Arab Delegation, 28 November 1922, Lausanne, 225.
  3. FO 839/37, memo by Forbes Adam, 8 December 1922; تعليق كيرزون على الوقاحة، في:.FO 839/9 telegram Curzon to Sir E. Crowe, London, 10 December 1922
  4. Turkish Pretension," The Times (London), 17/1/1923, p. 9.
  5. FO 141/589, 27 December 1922.

عصبة الأمم بتصديقه على معاهدة فرساي (وبذلك يقبل الانتدابات)50. وردّ الشريف حسين بإصراره على مطالبته بسكّة حديد الحجاز

العازم على إصلاحها. وكان يخشى عن حقّ، صوابًا، أن يطالب بها الأتراك51. بعد يومين، في 29 كانون الثاني/ يناير 1923، عقد المؤتمر اجتماعًا حول وضع الموصل، المدينة التي يطالب بها كلّ من العرب

والأتراك. واعترض الأصيل على مناقشة وضع الموصل وحدود سوريا والعراق بغياب الشريف حسين: "يجب أّلا يُعطى أيّ اتّفاقٍ يُضرّ

بمصلحة العرب شكلًا نهائًّيًا في مؤتمرٍ لا يضم سوى الأتراك والحلفاء"52. كان العرب حاضرين في المؤتمر ذلك الحضور المؤلم ولو بوصفهم "غائبين حاضرين"؛ وإذ زجرهم اللورد كيرزون وافتقدوا سطوة الشريف، الحاكم العربي المستقلّ الوحيد، اجتمعوا سًّرًا بعصمت باشا، رأس الوفد التركيّ. وفي حين أكّد عصمت الدعم التركيّ

الكامل للعرب، فإنّه استخدم في مفاوضاته مع البريطانيّين سيفَ بلاغةٍ ذا حدّين. ففي اجتماع 23 كانون الثاني/ ديسمبر 1923، على

سبيل المثال، رفض عصمت باشا ربط الموصل بالانتداب البريطاني في العراق زاعمًا أنّ "العنصر العربيّ يكاد لا يُلحَظ" في الإقليم

الذي لا يزال يعود قانونًّيًا إلى الإمبراطورية العثمانية. ووبّخ عصمت باشا البريطانيين على عدم احترامهم المادة (22) التي تطالبهم بأن

يلتمسوا رغبات الأمم المستقلة. وقال مقتبسًا من ويلسون: "لا يجوز مقايضة الشعوب والمناطق ونقلها من سيادة إلى سيادة أخرى".

لكن كيرزون ردّ بأنّ الأتراك يناقضون أنفسهم بشأن الانتدابات: يريدون إغراقهم بالديون العثمانية، ويرفضون الاعتراف بهم. وأصرّ

عصمت باشا على أنّ ديون سوريا والعراق ليست اعترافًا بالانتدابات. وفي آخر الأمر، وافق عصمت باشا على أّلا يصرّ على حقّ العرب

في تقرير مصيرهم في لوزان: "نحن نحصر مطالبنا في لوزان في المناطق التي يجب أن تُعاد إلى تركيا [أي الموصل]"53. أفضت ملاحظات عصمت باشا الافتتاحية للمؤتمر، في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، إلى "الحقيقة العارية". لم يكن مؤتمر

لوزان تحقيقًا للرؤية الويلسونية لنظامٍيعقب الحرب، ولم يكن قائمًا على القانون الدولي وحق تقرير المصير، بل إنّ الأتراك، بحسب

تعليق عصمت باشا اللاذع، أُجبروا على الظفر بحقّهم في تقرير مصيرهم عن طريق الحرب: "احتلّت الأمّة التركية مكانها بين البشرية

المتحضّرة مع جميع تلك الحقوق بالوجود والاستقلال المتأصّلة لدى الأمم ذات الحيوية المتّقدة [...]"54. هكذا عملت ملاحظات

عصمت باشا، بمعناها الضمني، على تكريس حالة العرب الاستعمارية الجديدة، بوصفهم شعبًا من دون جيش، وتاليًا من دون حقوق. وفي توكيدٍ بلاغي مشابه، حذف العنوان البريطاني لمعاهدة لوزان أيّ إشارةٍ إلى الشرق الأدنى أو العرب: "معاهدة السلام مع

الأتراك الموقّعة في لوزان". ومع ذلك، تطرّقت أكثر من 20 مادة من أصل مواد المعاهدة النهائية البالغة 143 مادة إلى مسائل ذات أهمّيةٍ مباشرةٍ بالنسبة

إلى سكّان الأقاليم الناطقة بالعربية العثمانية سابقًا. وقد نزع مؤتمر لوزان أقاليم العرب من الإمبراطورية، من دون استشارتهم، ورسم حدود دولهم (المواد 3، 16 - 17)، وحدّد شروط اختيارهم جنسيتهم (المواد 30 - 36)، وحملهم أعباء الديون العثمانية غير المسدّدة

38   FO 141/589, memo no. 21, 5 January 1923, Curzon to Sir Eyre Crowe, Enclosing Text of Telegram Sent to Major Marshall, Jeddah, and 27 January 1923 memo to Curzon. 39   FO 141/589, Colonial Office to FO, 27 January 1923, Based on a Report from Herbert Samuel. 40   FO 836/16, Naji El Assil to Curzon, 29 January 1923. 41   United Kingdome, UK Parliament, Lausanne Conference on Near Eastern Affairs , pp. 339-353, 370, 388-389, 395;

في الصفحة 444، كرّر عصمت باشا دعم تركيا حقّ تقرير المصير بالنسبة إلى سوريا، وبلاد ما بين النهرين، ومصر، والحجاز في 27 كانون الثاني/ يناير. ونجد مطالبته بأن

تشارك هذه المناطق نفسها في تسديد الديون العثمانية في الصفحات 538، و 543، و 555، و 567. وفي حين كان العرب غائبين، سُمِح لممثّلي اليونان وألبانيا بأن ينازعوا

مثل هذه المطالبة بأنفسهم. وقد كان الخطّ المرسوم بين الحقوق الأوروبية وغير الأوروبية واضحًا.

42   United Kingdome, UK Parliament , Lausanne Conference on Near Eastern Affairs , p. 11.

  1. FO 141/589, memo no. 21, 5 January 1923, Curzon to Sir Eyre Crowe, Enclosing Text of Telegram Sent to Major Marshall, Jeddah, and 27 January 1923 memo to Curzon.
  2. FO 141/589, Colonial Office to FO, 27 January 1923, Based on a Report from Herbert Samuel.
  3. FO 836/16, Naji El Assil to Curzon, 29 January 1923.
  4. United Kingdome, UK Parliament, Lausanne Conference on Near Eastern Affairs , pp. 339-353, 370, 388-389, 395; في الصفحة 444، كرّر عصمت باشا دعم تركيا حقّ تقرير المصير بالنسبة إلى سوريا، وبلاد ما بين النهرين، ومصر، والحجاز في 27 كانون الثاني/ يناير. ونجد مطالبته بأن تشارك هذه المناطق نفسها في تسديد الديون العثمانية في الصفحات 538، و 543، و 555، و 567. وفي حين كان العرب غائبين، سُمِح لممثّلي اليونان وألبانيا بأن ينازعوا مثل هذه المطالبة بأنفسهم. وقد كان الخطّ المرسوم بين الحقوق الأوروبية وغير الأوروبية واضحًا.
  5. United Kingdome, UK Parliament , Lausanne Conference on Near Eastern Affairs , p. 11.

(المواد 46 - 55)، وحرمهم من المعاشات التقاعدية المدنية والعسكرية التركية التي استحقّوها (المادة 61)، وأقصاهم عن حقّ استرداد

الممتلكات المنقولة الذي مُنِح لسكّان المناطق العثمانية السابقة في البلقان (المادة 67). كانت ضروب المسكوت عنه في المعاهدة صارخةً. ففي حين ضمنت المعاهدة إعادة أسرى الحلفاء والحفاظ على المقابر العسكرية،

لم تقدّم أيّ ضماناتٍ مشابهة للعرب الذين حاربوا بجانبهم (يكاد الحضور العربيّ في غاليبولي أّلا يكون موثّقًا إلى اليوم). وبالمثل، وعلى

الرغم من وعود اللورد كيرزون، لم تنصّ المعاهدة على عودة المقدّسات إلى الحجاز أو القدس، أو على تعويضٍ عن جرائم الحرب التي

ارتكبها الأتراك، ومُِن ح الأتراك والمصريون، من دون السوريّين، تمثيلًا في لجنةٍ صحيةٍ تشرف على الحجّ إلى مكّة (المادة 117). ومن

الواضح أنّ المادة (139) الخاصة باستعادة المحفوظات والسجلات والخطط وسندات الملكية والوثائق الأخرى الموجودة في تركيا والتي لا تهُّمُ سوى حكومة إقليم "منفصل" لم تُنفّذ، نظرًا إلى الصعوبة التي يواجهها الفلسطينيّون اليوم في الحصول عليها. وعلى الرغم

من أهمية موضوع الانتدابات، فإنّه لم يُذكَر في نص لوزان، بخلاف معاهدة سيفر، وكان السكوت عنه في خدمة مصالح البريطانيين

والفرنسيين الذين زعموا في لوزان أنّهم يمثّلون فلسطين وشرق الأردن والعراق ولبنان وسوريا بحسب مواثيق الانتداب التي خوّلتهم

تحكّمًا تاًّمًا في الشؤون الخارجية. لكن الانتدابات، كما سبق القول، لم تكن قد حازت بعد قوة القانون. وكما احتجّ علماء قانون معاصرون

وحكومة أنقرة، فإنّ الانتداب لا يمكن أن يُمنح قبل توقيع معاهدة سلام تحكم المناطق العثمانية. وفي الجدال حول الموصل، بلغ الأمر

باللورد كيرزون إلى حدّ اعتباره أنّ انتداب العراق قد صدّق عليه في سيفر وأنّ بريطانيا لا يمكنها التخلّي عنه قانونًّيًا55.

بعد أسابيعٍمن توقيع معاهدة لوزان، حازت الانتدابات قوة القانون. وأصبح سكّان المناطق ذات الأغلبية العربية المنفصلة عن الإمبراطورية العثمانية في آسيا ومصر ذلك "الغائب الحاضر" الفعلي في القانون الدولي، قبل وقت طويل من سكّ دولة إسرائيل هذا المصطلح لوصف الفلسطينيين المشرّدين بعد حرب 1948.

رابعًا: نزع استعمار الرواية التاريخية: لوزان بوصفها منعطفًا حاسمًا

تكرّست الرواية التي بُنِيت في لوزان. وفي حين ظفر الأتراك ببلدٍ سيّد مستقل، أَودعَ الخطاب العربَ العالمَ المستعمَر أو "النامي".

وكانت النصوص الرسمية التي أنِتُِجت في لوزان تجسيدًا لممارسة قانونية أوروبية تهدف، بحسب المؤرّخ القانوني أنتوني أنغي، إلى

التعمية على الأصول الاستعمارية للقانون الدولي56. لكن الخدعة لم تنطلِ على الباحثين والسياسيين العرب، فقد فهموا أنّ معاهدة لوزان مزّقت المبادئ الليبرالية الكونية التي كان

يجب أن توحّد المسلمين والمسيحيين والآسيويين والأوروبيين؛ وعوضًا عن ذلك، جعلت لوزان من عصبة الأمم، التي وعد ويلسون

بأنّها ستصون حتى حقوق الأمم الصغيرة، أداةً لفرض إقصاء العرب عن العالم المتحضّر. على غرار أنغي، علينا أن نعتبر لوزان منعطفًا تاريخًّيًا حاسمًا رسّخ الأصول الاستعمارية للقانون الدولي والنظام العالمي الجديد

المُبتكَر في باريس. وأدّى الإغلاق النهائي للباب القانوني أمام السيادة العربية في عام 1923 إلى تغيير الأساس المؤسّسي للفعل

السياسي عند الليبراليين العرب. وبتعبير أنغي نفسه، أسّس هذا المنعطف شكلًا "عالمًا ثالثًّيًا" مميزًا من السيادة المبتورة، يسمح

بتدخّل القوى الخارجية اللامتكافئ. ونتيجةً لذلك، أفسحت الدستورية الليبرالية، التي سبق أن كانت مهيمنة، مج لًا لحركات سياسية مناهضة للنظام في العالم العربي، أعادت صوغ السياسة العربية لبقية القرن العشرين.

43   "Lord Curzon on Mosul," The Times (London), 24/1/1923, p. 9. 44   Antony Anghie, Imperialism , Sovereignty and the Making of International Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).

  1. Lord Curzon on Mosul," The Times (London), 24/1/1923, p. 9.
  2. Antony Anghie, Imperialism , Sovereignty and the Making of International Law (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).

ولّد الاعترافُ بهذا المنعطف الحاسم الاضطرابَ في التأريخ الاستعماري الجديد السائد للسياسة العربية بعد الحرب العالمية

الأولى. وكان من أبرز الذين اعتنقوا الرواية الاستعمارية كوينسي رايت، الباحث القانوني الأميركي البارز الذي نشر في عام 1930

الكتاب الحاسم، انتدابات في ظلّ عصبة الأمم. ورغم أنّ رايت زار الشرق الأوسط بعد فترةٍ وجيزةٍ من انهيار الإمبراطورية العثمانية، فإنه افترض خاطئًا أن العرب والأرمن كانوا رعايا استعماريين للأتراك، ولم يكونوا مواطنين أندادًا. واعتبر تاليًا أنّ للعرب المنزلة التي

للكاميرونيّين، الرعايا السابقين للإمبراطورية الألمانية الخاضعين في ذلك الوقت لانتدابٍ بريطانٍّيٍ وفرنسي. وعلى سبيل المثال،

وصف رايت كيف أن الحلفاء في مؤتمر السلام أرادوا أن يعرقلوا "إعادة المستعمرات إلى تركيا وألمانيا". واستشهد بقرار مؤتمر السلام الذي نصّ على أنّه "[...] بسبب سوء حكم الأتراك التاريخي لرعيّتها [...] اتفق الحلفاء والدول التابعة لهم على أن أرمينيا، وسوريا،

وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين وشبه الجزيرة العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية"57. تتجلى متانة رواية الحلفاء القانونية - أنّ العرب كانوا رعايا استعماريين، لا مواطنين عثمانيين - في أنّ أنغي نفسه يكررها. فنظام

الانتداب، كما يقول، "لم يطَّبَق إّلا على مناطق أُلحقت في السابق بألمانيا والإمبراطورية العثمانية"58. واستنادًا إلى هذه الرواية التاريخية،

اعتبر أنغي وآخرون الانتدابات خطوةً نحو السيادة، لا سلبًا للحقوق العربية. ويسير أحدث الكتب المهمّة عن نظام الانتداب، من تأليف

سوزان بيدرسن، على هدي رايت وأنغي في إهمالهما لوزان؛ إذ لا تُذكر سوى مرّة واحدة في صفحات الكتاب البالغة 571 صفحة59. ويتجاهل

كذلك كتاب دايفد فرومكن المهمّ سلامٌ ما بعده سلامجهود الليبراليين العرب في لوزان. وفي تذييل جديد، يفسّر فرومكن غياب الأنظمة

الديمقراطية العربية اليوم على النحو التالي: "[...] لعلّه كان من الشوفينية أن يقول المسؤولون البريطانيون في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته أنّ البلاد العربية لم تكن مهَّيَأة لأن تحكم ذاتها – ما يعني أنظمة دستورية ديمقراطية ليبرالية مع حكم القانون - لكنّ أدلة عهدنا

القريب لا يبدو أنّها تخالفهم"60. وفي عام 1923، لا شكّ في أنّ اللورد كيرزون ما كان ليرفض ادعاءً متمثلًا في أنّ غياب الأنظمة الدستورية

الليبرالية في الشرق الأوسط ناجم عن غرارة العرب الثقافية، لا عن الآثار المدمّرة للتدخل الأوروبي العنيف في عام 1920. كذلك رسّخ المختصّون بالشرق الأوسط روايات الحلفاء عن لوزان. ولا تزال مقرّرات التاريخ المعتمدة باللغة الإنكليزية تصوّر

مؤتمر لوزان على أنّه لا يتعلّق إّلا بالأتراك. لا يذكر ألبرت حوراني، عرّاب التاريخ العربي الحديث، في كتابه تاريخ الشعوب العربية،

لوزان إّلا بوصفها تمهيدًا لقيام الجمهورية التركية. ويكرّر هو أيضًا تلك اللغة الاستعمارية عن العرب بوصفهم أغرارًا سياسًّيًا، يفتقرون

إلى خبرة الأتراك و"قائدهم المرموق، مصطفى كمال"61. أمّا الكتب الأحدث، فتكاد لا تأتي على ذكر معاهدة لوزان أو تهملها كلًّيًا،

لمصلحة رأي مفاده أنّ القوة العسكرية هي التي تضع شروط السلام، وليس الدبلوماسية62.

45   Quincy Wright, Mandates Under the League of Nations (Chicago: Chicago University Press, 1930), pp. 28-29. 46   Anghie, pp. 172-186. 47   Susan Pedersen, The Guardians: The League of Nations and the Crisis of Empire (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 264. 48   Fromkin, pp. 559, 573, 575. 49   Albert Hourani, A History of the Arab Peoples (Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1991/2002), pp. 315-319.

كذلك يهمل المؤرّخون العثمانيّون أهمية معاهدة لوزان بالنسبة إلى العرب. ينظر:

Caroline Finkel, Osman's Dream: The History of the Ottoman Empire (New York: Basic Books, 2005), pp. 545-546; Erik Zurcher, Turkey: A Modern History 3 rd ed. (New York: I.B. Tauris, 2004), pp.160-166. 50   William L. Cleveland & Martin Bunton, A History of the Modern Middle East , 6 th ed. (New York: Boulder Westview, 2019), p. 169; James L. Gelvin, The Modern Middle East: A History , 5 th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2020), pp. 197-205; Eugene Rogan, "Divide and Rule: World War I and the Postwar Settlement," in: Eugene Rogan, The Arabs: A History (New York: Basic Books, 2009), pp. 147-174; Rashid Khalidi, "A Failure of Leadership," in: Rashid Khalidi, The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood (Boston: Beacon Press, 2006), pp. 65-104.

  1. Quincy Wright, Mandates Under the League of Nations (Chicago: Chicago University Press, 1930), pp. 28-29.
  2. Anghie, pp. 172-186.
  3. Susan Pedersen, The Guardians: The League of Nations and the Crisis of Empire (Oxford: Oxford University Press, 2015), p. 264.
  4. Fromkin, pp. 559, 573, 575.
  5. Albert Hourani, A History of the Arab Peoples (Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1991/2002), pp. 315-319. كذلك يهمل المؤرّخون العثمانيّون أهمية معاهدة لوزان بالنسبة إلى العرب. ينظر: Caroline Finkel, Osman's Dream: The History of the Ottoman Empire (New York: Basic Books, 2005), pp. 545-546; Erik Zurcher, Turkey: A Modern History 3 rd ed. (New York: I.B. Tauris, 2004), pp.160-166.
  6. William L. Cleveland & Martin Bunton, A History of the Modern Middle East , 6 th ed. (New York: Boulder Westview, 2019), p. 169; James L. Gelvin, The Modern Middle East: A History , 5 th ed. (Oxford: Oxford University Press, 2020), pp. 197-205; Eugene Rogan, "Divide and Rule: World War I and the Postwar Settlement," in: Eugene Rogan, The Arabs: A History (New York: Basic Books, 2009), pp. 147-174; Rashid Khalidi, "A Failure of Leadership," in: Rashid Khalidi, The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood (Boston: Beacon Press, 2006), pp. 65-104.

في العالم الروائي التخييلي الذي خلقه الحلفاء وهؤلاء الباحثون، ما من مجال لاستكشاف أثر المعاهدة السياسي العميق. فالليبراليون العرب في رأيهم إمّا أنهم لم يكن لهم وجود وإمّا أنهم لم يفهموا الوقائع السياسية، بل إنّ مؤرّخي الحقبة ما بين الحربين

يصوّرون الجنود المقاتلين على أنّهم الواقعيّون الوحيدون في العالم العربي، والدستوريون الليبراليون الذين تفاوضوا مع الأوروبيين

هم من المغفّلين أصلًا. غير أنّ هنالك أدلّة كثيرة على أنّ القادة العرب المدنيين كانوا ألمعيّين جًّدًا في تحليل مأزقهم السياسيّ في

عام 1923، وأنهم فهموا بوضوح أنّ ضعفهم في لوزان كان نتيجة لتلاعب الحلفاء أكثر منه غرارةً سياسية أو رجعيةً ثقافية. ومثل هذه الخبرة القانونية والسياسية مكّنت المؤتمر السوري - الفلسطيني، في أيلول عام 1922، من رؤية أنّ الانتدابات مستعمرات غير شرعية،

وأنها تجرّد العرب من حقوقٍ كانوا يتمتّعون بها قبل الحرب، حين كانوا ينتخبون ممثّليهم في البرلمان العثماني63. تتجاهل الرواية الاستعمارية الأدلة، المتاحة في الصحف المعاصرة، ومفادها أنّ المدنيين العرب كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يشنّون حربًا أرفع من تلك التي يشنّها الجنود، لإنقاذ الليبرالية من الحكم العسكري. وما كانوا يجهلون قطّ أمر المفاضلة

بين الديمقراطية والدكتاتورية العسكرية. وفي كانون الأول/ ديسمبر 1922، تكلّم موسى كاظم بلغة واقعية في مقابلته مع ذيتايمز:

"هناك شعورٌ قوٌّيٌ جًّدًا بأنّ على جميع الشعوب العربية أن تتّحد كما فعل الأتراك، إذا أرادوا أن يحصلوا على أيّ شيءٍ من القوة.

فالدرس الذي تعلّموه من الأتراك هو أنّ هؤلاء كسبوا قوتهم بحدّ السيف"64. في نيسان/ أبريل عام 1923، اجتمعت وفود من فلسطين والعراق وسوريا والحجاز واليمن ونجد ومسقط لمناقشة إقامة اتحاد

بغية "تأسيس مركزٍ مشتركٍ في الخارج يدافع عن قضية العرب"، وفقًا لمجلة الشرق الحديث. وقد نشرت هذه المجلة الإيطالية تصريحًا لفارس الخوري (1877 - 1962)، الوزير السابق في المملكة العربية السورية، جاء فيه أنّ "جميع المفاوضات التي جرت في

لوزان بخصوص حدود سوريا، وبخصوص انفكاك الروابط مع الحكومة التركية، والتي لم تُشارك فيها البلاد، لن تعترف بها سوريا". توضّح افتتاحية تمّوز/ يوليو عام 1923، في لسان العربالمقدسية، أنّ النخب السياسية العربية فهمت بوضوح قواعد اللعبة،

وأنّه لا يمكن لغير الدول ذات السيادة أن تتمتّع بحقوقٍ ومكانة في نظام باريس العالمي. تناولت الافتتاحية برقية الشريف حسين

المتداولة على نطاقٍ واسع، التي تُطمئن الفلسطينيّين على أنّه لن يعترف أبدًا بالانتداب البريطاني. وفي حين أثنت البرقية على

معارضة الشريف حسين الثابتة للانتدابات، فإنّها نبّهت "المتعصّبين" لائّلا يسمحوا بالتفريق بينهم بمناشداتٍ تتيح للأتراك تمثيلهم

دوليّا. كانت الوحدة خلف الشريف حسين مفتاح النجاح. وفي حزيران/ يونيو عام 1923، عندما انهال المؤتمر العربي الفلسطينيّ

الثالث على الشريف بالانتقاد "الفظّ"، أوهن ذلك الركن السيادي الوحيد الذي يتمتّع به العرب، فعلى الفلسطينيّين وسائر العرب أن

يجتمعوا في الحجاز، لا أن يرسلوا وفودًا منفصلة إلى لندن أو أنقرة. بقي الليبراليون العرب جزءًا أساسًّيًا في صوغ السياسة العربية الجديدة بعد هزيمتهم في لوزان، ونشروا الوعي بالإجراءات

المجحفة وغير القانونية التي اتخذها حلفاء العرب السابقون بين عامي 1919 و 1923. فقد دخل العرب الحرب العالمية الأولى

وحضروا مؤتمر السلام في عام 1919 بوصفهم مواطني دولةٍ ذات سيادة، على أمل أن يحظوا بالحقوق ذاتها التي حظي بها مواطنو الإمبراطوريّات الأوروبية المهزومة ذوو البشرة البيضاء. لكنهم، بخلاف الأوروبيّين، خرجوا من عملية السلام إلى حالة احتلال عسكرٍّيٍ

51   Oriente Moderno , 15 October 1922, Quoting a 5 September 1922 Petition to the League of Nations by the SPC. 52   "Palestinian Arabs' Case," The Times , 23/12/1922, p. 7. 53   "Confederazione Araba," Oriente Moderno (15 April 1923), pp. 642-643; "For Syria in Lausanne," Oriente Moderno (15 June 1925),) مقتبس من لسان العرب p. 51. (54   "Palestine, the Treaty, and the Sharif," Lisan al-Arab , Translated in: Oriente Moderno , 15/7/1923, p. 87.

  1. Oriente Moderno , 15 October 1922, Quoting a 5 September 1922 Petition to the League of Nations by the SPC.
  2. Palestinian Arabs' Case," The Times , 23/12/1922, p. 7.
  3. Confederazione Araba," Oriente Moderno (15 April 1923), pp. 642-643; "For Syria in Lausanne," Oriente Moderno (15 June 1925),) مقتبس من لسان العرب p. 51. (
  4. Palestine, the Treaty, and the Sharif," Lisan al-Arab , Translated in: Oriente Moderno , 15/7/1923, p. 87.

أجنبي. وخضعوا، عوضًا عن ذلك، للنظام الانتدابي نفسه الذي خضعت له الشعوب الأفريقية التي لم تكن ذات سيادةٍ قبل عام 1914.

وعلى مدى عقودٍ من توقيع معاهدة لوزان، ظلّ العرب في حال من الندم والحسرة حيالها بوصفها خيانة وإجحافًا تاريخيين. انتشر تأثير العرب السوريّين الذين تبددت أوهامهم عندما فرّوا من دمشق في عام 1920 ليشغلوا مواقع ذات أثر في مصر والعراق

والأردن والحجاز والسعودية، وحتى في فلسطين ولبنان وسوريا التي عادوا إليها في النهاية. فأصبحوا وزراء ومعلّمين، ومحرّري صحف،

وقادة حركاتٍ سياسية مناهضة لأوروبا. وقد فعلوا ذلك، بعكس افتراضات الروايات التاريخية السائدة؛ ليس من باب العداء الثقافيّ

للغرب، ولا من باب جهلهم بالديمقراطية الليبرالية؛ إذ كان من بينهم رجالٌ درسوا في باريس، وفي مدارس للقانون غربية أخرى، لا سيما في منحٍأوروبية لدراسة القانون الدولي: فارس الخوري، وزير خارجية المملكة العربية السورية في عام 1920 ولاحقًا رئيس وزراء الجمهورية السورية، وإحسان الجابري، رئيس أركان الملك فيصل في عام 1920 ثمّ العضو البارز في المؤتمر السوري – الفلسطيني،

ورياض الصلح (1894 - 1951)، عضو المؤتمر السوري – الفلسطيني، فالكتلة الوطنية ولاحقًا رئيس وزراء لبنان، وعوني عبد الهادي، المستشار القانوني للملك فيصل في 1919 - 1920 ثمّ رئيس أول حزب سياسي للفلسطينيّين، حزب الاستقلال. وكان من بين مناهضي

الانتداب البارزين، أيضًا، عبد الرحمن الشهبندر، الطبيب الفصيح بالإنكليزية الذي درّس في الكلّية البروتستانتية السورية في بيروت،

وأسّس حزب الشعب السوري (1925)، وأدّى دورًا مهًّمًا في الثورة السورية عام 1925 ضد فرنسا. كان هؤلاء الرجال المتعلّمون في أوروبا وأميركا على صلة وثيقة بسياسيين عرب تعلّموا في أرقى مدارس القانون والإدارة في العاصمة العثمانية، مثل هاشم الأتاسي (1875 - 1960) وشكري القوتلي (1891 - 1967) رئيسَي سوريا لاحقًا. ولم ترتكز المرارة التي

سوف تغذّي حركاتٍ جديدة مناهضة للغرب على الانفعال وحده، بل إنها ارتكزت أساسًا على معرفتهم العميقة بالقانون والسياسة

وانخراطهم العميق فيهما. وعبّرت حركات معارضة سياسية كثيرة، في فترة ما بين الحربين، عمّا يفوق كثيرًا الغضب حيال وعود

الاستقلال التي حنثت بها بريطانيا. وكان يحفزهم إصلاح ما أصاب القانون وحقوقهم من فساد على أيدي القوى العالمية التي زعمت انتصار الديمقراطية في الحرب. ما من زعيم عبّر عن المزاج السياسي ما بعد لوزان كما عبّر عنه رشيد رضا، رئيس المؤتمر السوري. ففي بداية المنعطف الحاسم،

كرّس غالبية العدد الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1918 من مجلّته الذائعة الصيت، المنار، لمديح الرئيس ويلسون بوصفه أداة

سلامٍبيد العناية الإلهية وعدت بحقوق متساوية حتّى للأمم الصغيرة. وفي عام 1921، قال لقرّائه إنّه سافر إلى جنيف ليلتقي "أحرار

الأوروبيين" الذين يمكن أن يضغطوا على القوى الكبرى كي تحترم سيادة العرب؛ ذلك أنّ قواعد الله تنطبق على جميع الأمم. لكنّ

هؤلاء الليبراليّين كانوا أضعف من أن يواجهوا الأحزاب الاستعمارية في بلدانهم، كما أورد رشيد رضا. وقد توقّع، عن حٍّقٍ، حدوث

سنوات من الثورات العنيفة إن أصرّت أوروبا على حرمان العرب من حقوقهم في السيادة. كان رفض رشيد رضا لليبرالية على أنّها خديعة غربية واضحًا في مقاله عن الفشل العربي في مؤتمر لوزان، فقد هزأ من طلب العدل من طريق القانون الدولي، وفي المقابل أثنى على الأتراك لتضحيتهم بحياتهم في مقاومة الاستعمار. وقد كتب رشيد رضا: "والفضل الأكبر للنهضة التركية الجديدة أن قادتها قاءوا [كذا] ما أوجرتهم سياسة أوربة من سمّ اليأس [...]"، فقد فهم الأتراك

55    فاضل حسين، محاضرات عن مؤتمر لوزان وأثره في البلاد العربية (القاهرة: معهد الدراسات العربية، 1958.) 56   محمد رشيد رضا، "الرحلة الأوروبية (7)"، المنار، مج 23، ج 9 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1922)، ص 696.

  1. فاضل حسين، محاضرات عن مؤتمر لوزان وأثره في البلاد العربية (القاهرة: معهد الدراسات العربية، 1958.)
  2. محمد رشيد رضا، "الرحلة الأوروبية (7)"، المنار، مج 23، ج 9 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1922)، ص 696.

الحيل الأوروبية، مقارنة بالقادة العرب الذين وثقوا بهم وباعوا شعوبهم إلى "الاسترقاق"، وأخذ رشيد رضا يعبّر عن التضامن مع

الشرق؛ إذ انضمّ عرب العراق وسوريا وفلسطين والحجاز إلى ثورةٍ عامّة ضد الغرب، "والهند قد وسعت استقلال فلسطين وسائر البلاد

العربية في برنامجها"، كما ذكر في شباط/ فبراير 1923. كان إقصاء العرب عن عائلة الأمم ذات الحقوق في لوزان منعطفًا حاسمًا أنهى هيمنة الدستورية الليبرالية في السياسة العربية،

ولن يكتب رشيد رضا بعد ذلك إّلا نادرًا عن دوره بصفته رئيسًا للمؤتمر السوري وعن الدستور السوري. وبعد عام 1923، أخذت محاضراته

تلفت انتباه الناشطين المسلمين في القاهرة، ومن بينهم حسن البنّا الذي أسّس جماعة الإخوان المسلمين. وعلى غرار مجموعات

إسلامية مشابهة بزغت في سوريا الكبرى، دعا الإخوان إلى حكم الشريعة الإسلامية ضدّ العلمانية الليبرالية. وقطع الشعبويون

الإسلاميون ما بعد عام 1923 بحدّة مع الليبرالية الإسلامية التي سادت في شباب رشيد رضا وأجيال سابقة من القادة الدينيّين. وقد

أسس الشيخ السوري محمد كامل القصّاب حركةً شعبية دعمًا للمؤتمر السوري في الفترة 1919 - 1920. لكنه عند عودته إلى سوريا بعد

سنين من المنفى، التحق بقادة المعارضة المحلية في تأسيس حركة الإخوان الناشئة هناك. في الوقت ذاته، اجتذبت الأحزاب الشيوعية أتباعًا لها، لا سيما من بين الشعوب التي لم تُمنَح دولًا في مؤتمر باريس للسلام

- وقد شمل ذلك الكرد والأرمن إضافةً إلى العرب - ومن بين الجماعات المُهمّشة بسبب سياسات الانتداب الطائفية، كالشيعة في

لبنان والعراق. وتنظّمت جماعاتٌ يمينية مسلّحة ضد الحكومات الضعيفة غير التمثيلية التي نصّبتها بريطانيا وفرنسا، مطالبةً بدولة

شعبوية قوية مثل تركيا في عهد مصطفى كمال التي عززت النمو الاقتصادي وبنت المدارس لمواطنيها. وبحلول ثلاثينيّات القرن

العشرين، استمدّت جماعاتٌ مثل "القمصان الحديدية السورية" و"مصر الفتاة" الإلهام من موسوليني وأدولف هتلر Hitler Adolf

(1889 - 1945) أيضًا. ومع أن هذه الجماعات ربما تكون قد احتفظت برطانة الأهداف الدستورية، فإنّها نأت بنفسها عن المشاركة فيما اعتبرته ليبراليةً زائفة في الدساتير المفروضة في ظلّ الحكم الأوروبي. يمكن، من هذا المنظور، مقارنة السياسة العربية بين الحربين بالحركات المناهضة للنظام التي بزغت في البلدان الأوروبية المهزومة بعد الحرب العالمية الأولى. وتكشف مثل هذه المقارنة، على سبيل المثال، أنّ أخلاقيات الحركات الإسلامية بعد الحرب كانت رًّدًا على نزع إنسانية العرب في عملية السلام في باريس. وكما لاحظ آدم تووز، فإن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب

العالمية الأولى "لم يهدّد بأقلّ من النسيان التاريخي" أولئك الذين قرّروا الانضمام إلى الحركات الشيوعية والفاشية. وعوضًا عن منح

الأمم حقوقها، "أفرغت" المعاهدات المفروضة من باريس سيادة الشعوب المهزومة وكشفتها أمام استغلال رأس المال الأوروبي والأميركي. وهذا هو أصل العنف السياسي الذي تأجّج في حقبة ما بين الحربين في كلّ من أوروبا والشرق الأوسط، كما يرى تووز.

57    محمد رشيد رضا، "مؤتمر لوزان للصلح في الشرق" المنار، مج 23، ج 10 (كانون الأول/ ديسمبر 1922)، ص 794 - 796. الإشارة هنا إلى دعوة فرانتز فانون الشهيرة

الرعايا المستعمَرين لأن "يتقيّأوا [كذا]" الحضارة الأوروبية التي نزعت إنسانيّتهم: 'في فترة نزع الاستعمار تستهزئ الجماهير المُستعمَرة بهذه القيم [الغربية] عينها،

وتمطرها بالشتائم وتتقيّأها [كذا]'". ينظر:

Frantz Fanon, The Wretched of the Earth , Richard Wilcox)trans.((New York: Grove Press, 2004), p. 8

58    محمد رشيد رضا، "أحوال العالم الإسلامي: مؤتمر الصلح"، المنار، مج 24، ج 2 (شباط/ فبراير 1923)، ص 148.

59   Rula Jurdi Abisaab & Malek Abisaab, The Shi'ites of Lebanon: Modernism, Communism and Hizbullah's Islamists (New York: Syracuse University Press, 2014), pp. 51-60; Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq (Princeton: Princeton University Press, 1978), pp. 367-432. 60   Thompson, Justice Interrupted , pp. 8-10. 61   Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs , pp. 324-333. 62   Adam Tooze, The Deluge: The Great War, America and the Remaking of the Global Order, 1916-1931 (New York: Viking, 2014), pp. 4-7.

  1. محمد رشيد رضا، "مؤتمر لوزان للصلح في الشرق" المنار، مج 23، ج 10 (كانون الأول/ ديسمبر 1922)، ص 794 - 796. الإشارة هنا إلى دعوة فرانتز فانون الشهيرة الرعايا المستعمَرين لأن "يتقيّأوا [كذا]" الحضارة الأوروبية التي نزعت إنسانيّتهم: 'في فترة نزع الاستعمار تستهزئ الجماهير المُستعمَرة بهذه القيم [الغربية] عينها، وتمطرها بالشتائم وتتقيّأها [كذا]'". ينظر: Frantz Fanon, The Wretched of the Earth , Richard Wilcox)trans.((New York: Grove Press, 2004), p. 8
  2. محمد رشيد رضا، "أحوال العالم الإسلامي: مؤتمر الصلح"، المنار، مج 24، ج 2 (شباط/ فبراير 1923)، ص 148.
  3. Rula Jurdi Abisaab & Malek Abisaab, The Shi'ites of Lebanon: Modernism, Communism and Hizbullah's Islamists (New York: Syracuse University Press, 2014), pp. 51-60; Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq (Princeton: Princeton University Press, 1978), pp. 367-432.
  4. Thompson, Justice Interrupted , pp. 8-10.
  5. Thompson, How the West Stole Democracy from the Arabs , pp. 324-333.
  6. Adam Tooze, The Deluge: The Great War, America and the Remaking of the Global Order, 1916-1931 (New York: Viking, 2014), pp. 4-7.

تمثّل معاهدة لوزان الخاتمة المأساوية لفاتحةٍ ليبرالية استثنائية في الفترة 1918 - 1923. فقد شرّعت عمليًا احتلال فرنسا

العسكري لدمشق في عام 1920، وأوقفت بذلك ازدهار ديمقراطية محلية في سوريا وغيرها. وكان لفرض الانتداب البريطاني في العراق تأثيرٌ مماثل. ولاحظ تووز أيضًا ما يلي: "بلغ إذلال الطبقة السياسية العربية ذروته في آذار عام 1924 عندما جرّ حُرّاسٌ بريطانيّون

مسلّحون أعضاء المجلس التأسيسي المنتخبين إلى البرلمان للتصديق على المعاهدة الإنكليزية-العراقية التي أسّست استقلال

العراق، لكنها منحت بريطانيا السيطرة على جيشه وأمواله. لقد خُِلق نظامٌ جديد في الشرق الأوسط [...] قائم على استخفاف مقصود

بالشرعية السياسية". وكما بيّنت كارولين إلكنز مؤخّرًا، كان العرب الفلسطينيون أكثر الذين عانوا عنفًا بريطانًّيًا استعمارًّيًا مكّنه فرض

الانتداب. ودفعت الديون وإرهاب الشرطة الشباب المتعلّمين إلى حركات وطنية جذرية أطلقت ثورةً مسلّحة في عام 1936. وأصبح أبطال العرب الشعبيون مقاتلين مسلّحين، لا رجال الدولة الليبراليّين. كانت الانتدابات ذلك المشروع العنيف، أصلًا، الذي جعل سيادة القانون محطّ سخرية في سعي تلك الانتدابات لفرض حكمها

على شعبٍ لا تريده. وأصبحت حكومات الانتداب، كما بيّن أنغي وآخرون، مختبرات للقمع والمراقبة. وفي حين تَبَّيّن مؤرّخون جذور

الدكتاتوريات العربية الحالية في أنظمة الانتداب، فإنهم تجاهلوا فعل العنف الأساسي الذي أوهن الديمقراطيّين الليبراليّين ومحق

الجهود الباسلة التي بذلها العرب السوريّون في نصرة الحكم الديمقراطي. وغالبًا ما كانت النتيجة افتراض ضرب من الاستمرارية

لقيادة غير ديمقراطية بين ما قبل الحرب وما بعدها. أوضحت هذه الدراسة أنّ دعوة ويلسون إلى حقّ الشعوب في تقرير المصير سبقت طموحَ العرب الليبرالي إلى التماس السيادة

بين "عائلة الأمم". لكن مؤتمر باريس للسلام بذر الاضطراب في تلك الأماني. وبعد عام 1923، كانت الغلبة لمرارة الإقصاء، لكنّها لم

تهزم الإيمان بالمبادئ الليبرالية في سوريا وأراضٍ أخرى ناطقة بالعربية من الإمبراطورية العثمانية السابقة. وباستعادة هذا المنعطف الحاسم، يمكن أن ينزع المؤرّخون استعمار التواريخ اللاحقة المتعلقة بالإسلام السياسي، والعنف، والحكم العسكري السلطوي، في

الشرق الأوسط. وعلى الأبحاث المقبلة أن تحدد ضروب الاستمرارية الظاهرية كي تستعيد الطرائق التي تقبع فيها المطالبة بالكرامة الإنسانية والحقوق الليبرالية وراء الميل إلى العنف، وتبقى قوّةً دافعةً في السياسة العربية قبل وقت طويل من الربيع العربي عام 2011.

63   Ibid., p. 381. 64   Caroline Elkins, Legacy of Violence: A History of the British Empire (New York: Alfred A. Knopf, 2022), pp. 193-208.

56   ينظر على سبيل المثال:

Daniel Neep, Occupying Syria under the French Mandate: Insurgency, Space and State Formation (Cambridge: Cambridge University Press, 2012).

66   ينظر على سبيل المثال:

Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945 (London: I.B. Tauris and Co. Ltd., 1987).

  1. 56   ينظر على سبيل المثال: Daniel Neep, Occupying Syria under the French Mandate: Insurgency, Space and State Formation (Cambridge: Cambridge University Press, 2012). 66   ينظر على سبيل المثال: Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945 (London: I.B. Tauris and Co. Ltd., 1987).
  2. Ibid., p. 381.
  3. Caroline Elkins, Legacy of Violence: A History of the British Empire (New York: Alfred A. Knopf, 2022), pp. 193-208.

المراجع

العربية

حسين، فاضل. محاضرات عن مؤتمر لوزان وأثره في البلاد العربية. القاهرة: معهد الدراسات العربية، 1958. الحكيم، حسن. الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السورية. بيروت: دار صادر، 1974. رضا، محمد رشيد. "الحقائق الجلية في المسألة العربية". المنار. مج 22 (حزيران/ يونيو 1921). _______. "أحوال العالم الإسلامي: مؤتمر الصلح". المنار. مج 24، ج 2 (شباط/ فبراير 1923). _______. "الرحلة الأوروبية (5)". المنار. مج 23 (تموز/ يوليو 1922). _______. "الرحلة الأوروبية (7)". المنار. مج 23، ج 9 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1922). _______. "الرحلة السورية الثانية (10)". المنار. مج 23 (أيار/ مايو 1922). _______. "مؤتمر لوزان للصلح في الشرق". المنار. مج 23، ج 10 (كانون الأول/ ديسمبر 1922).

إبراهيم ويوسف برلادي، 1920. شهرستان، ماري ألمظ. المؤتمر السوري العام 1919 - 1920. بيروت: دار أمواج، 2000.

الأجنبية

السيوفي، يوسف. ذكرى استقلال سوريا: 17 جمادى الثانية 1338 الموافق 8 آذار (مارس) سنة 1920. القاهرة: مطبعة طه

Abisaab, Rula Jurdi & Malek Abisaab. The Shi'ites of Lebanon: Modernism, Communism and Hizbullah's Islamists. New York: Syracuse University Press, 2014. Anghie, Antony. Imperialism , Sovereignty and the Making of International Law. Cambridge: Cambridge University Press, 2004. Batatu, Hanna. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 1978. Christopher M. Andrew & A.S. Kanya-Forstner. The Climax of French Imperial Expansion, 1914-1924. California: Stanford University Press, 1981. Collier, David & Gerardo L. Munck. "Building Blocks and Methodological Challenges: A Framework for Studying Critical Junctures." Qualitative and Multi-Method Research. vol. 15, no. 1 (Spring 2017). "Confederazione Araba." Oriente Moderno (15 April 1923). "Dept. of State memo to Mr. Harrison, 6 April 1922." "Dept. of State Undersecretary Memo to Mr. Turlington, 7 April 1922." National Archives and Record Administration. College Park, RG 59.763.72119/7156-7210. Microfilm M367 Roll 439. Images 0067-69.

Elizabeth F. Thompson. How the West Stole Democracy from the Arabs: The Syrian Congress of 1920 and the Destruction of Its Historic Islamic-Liberal Alliance. New York: Atlantic Monthly Press, 2021. Elkins, Caroline. Legacy of Violence: A History of the British Empire. New York: Alfred A. Knopf, 2022. Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Richard Richard Wilcox (trans.). New York: Grove Press, 2004. Finkel, Caroline. Osman's Dream: The History of the Ottoman Empire. New York: Basic Books, 2005. FO 839/25, File 3, memo from Forbes Adam and memo from R.V. Vernon, 24 November 1922. FO 839/31, memo from Palestine Arab delegation, 28 November 1922, Lausanne, 225. FO 839/37, memo by Forbes Adam, 8 December 1922. FO 839/9 telegram Curzon to Sir E. Crowe, London 10 December 1922. FO 141/589, memo no. 21, 5 January 1923, Curzon to Sir Eyre Crowe, enclosing text of telegram sent to Major Marshall, Jeddah, and 27 January 1923 memo to Curzon. "For Syria in Lausanne." Oriente Moderno (15 June 1925). Foreign Relations of the United States, 1922, vol. 2: 0010, France. Foreign Relations of the United States, 1922, vol. 2: 0012, Great Britain. Fromkin, David. A Peace to end All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East. New York: Holt Paperbacks, 1989/ 2001. _______. The Modern Middle East: A History. 5 th ed. Oxford: Oxford University Press, 2020. Giannini, Amadeo. "I mandati typo A e la loro natura Giuridica" [The type A mandates and their legal nature]. Oriente Moderno. vol. 2, no. 3 (15 August 1922). Halabi, Awad. "Liminal Loyalties: Ottomanism and Palestinian Responses to the Turkish War of Independence, 1919-22." Journal of Palestine Studies. vol. 41, no. 3 (Spring 2012). Hourani, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age, 1798-1939. London: Oxford University Press, 1962. _______. A History of the Arab Peoples. Cambridge: The Belknap Press of Harvard University Press, 1991/ 2002. Khalidi, Rashid. The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood. Boston: Beacon Press, 2006. Khoury, Philip S. Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945. London: I.B. Tauris and Co. Ltd., 1987. "Letter from A. Shahbandar to Former President Woodrow Wilson, 6 May 1922." King Crane Commission Digital Collectio. Oberlin College Archives. at: https://acr.ps/1L9zQDE MacMillan, Margaret. Paris 1919: Six Months that Changed the World. Toronto: Random House Trade Paperbacks, 2002. Manela, Erez. The Wilsonian Moment: Self-Determination and the International Origins of Anticolonial Nationalism. Oxford: Oxford University Press, 2009. Mousa, Suleiman. "A Matter of Principle: King Hussein of the Hijaz and the Arabs of Palestine." International Journal of Middle East Studies. vol. 9, no. 2 (April 1978).

Neep, Daniel. Occupying Syria under the French Mandate: Insurgency, Space and State Formation. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Paris, Timothy J. Britain, the Hashemites and Arab Rule, 1920-1925. London: Routledge, 2003. Pedersen, Susan. The Guardians: The League of Nations and the Crisis of Empire. Oxford: Oxford University Press, 2015. "Petition from the Syrian Conference in Damascus, 3 July 1919." King Crane Commission Digital Collection. Oberline College Archives. at: https://acr.ps/1L9zQNf Qafisheh, Mutaz. "Genesis of Citizenship in Palestine and Israel: Palestinian Nationality During the Period 1917-1925." Journal of the History of International Law. vol. 11, no. 1 (2009). Rogan, Eugene. The Arabs: A History. New York: Basic Books, 2009. Strika, Vincenzo. "L'Italia e il nazionalismo arabo del vicino oriente tra le due guerre mondiali." Quaderni di Studi Arabi. vol. 5, no. 6 (1987-1988). "The Covenant of the League of Nations." The Avalon Project: Documents in Law, History and Diplomacy. Yale Law School. Article 22. at: https://acr.ps/1L9zQGs The Last Ottoman Generation and the Making of the Modern Middle East. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Thompson, Elizabeth F. Justice Interrupted: The Struggle for Constitutional Government in the Middle East. Massachusetts: Harvard University Press, 2013. Tooze, Adam. The Deluge: The Great War, America and the Remaking of the Global Order, 1916-1931. New York: Viking, 2014. United Kingdome. UK Parliament. Lausanne Conference on Near Eastern Affairs. 1922-1923: Records of Proceedings and Draft Terms of Peace (With Map). London: H.M.S.O. 1923. United States Treaties and Other International Agreements. Library of Congress. at: https://acr.ps/1L9zQAN William L. Cleveland & Martin Bunton. A History of the Modern Middle East. 6 th ed. New York: Boulder Westview, 2019. Wright, Quincy. Mandates Under the League of Nations. Chicago: Chicago University Press, 1930. Zurcher, Erik. Turkey: A Modern History. 3 rd ed. New York: I.B. Tauris, 2004.