وثيقة تفريق السلطنة عن الخلافة ’الخلافة وسلطة الأمة‘: سياقها التاريخي وتداعياتها في الفكر العربي الإسلامي
Separating Sultanate from Caliphate The Historical Context and Consequences of
الملخّص
تتناول هذه الدراسة وثيقة "الخلافة وسلطة الأمة" على نحو تُُقرأ فيه بوصفها دراسة تاريخية وفقهية وقانونية؛ وذلك انطلاقًًا من فرضية أنها شكّّلت التمهيد النظري والأيديولوجي لإلغاء الخلافة، بعد توقيع معاهدة لوزان. وتستند الدراسة في ذلك إلى السياق التاريخي لدعوة "تفريق السلطنة عن الخلافة" من خلال تلك الوثيقة وأهمّّ ما تضمّّنته من أفكار، وتداعيات "التفريق"، ثم "الإلغاء"، على الفكر العربي الإسلامي من خلال نموذجين، هما: محمد رشيد رضا وعلي عبد الرازق. وتخلص إلى أن ردّّات الفعل السياسية والأيديولوجية والدينية وإنْْ تركّّزت لاحقًًا في قرار إلغاء الخلافة، فإنّّ دور وثيقة "الخلافة" الضمني المحوري، بوصفه بردايمًًا بحثيًًّا، لدى المفكرين والباحثين والفقهاء في العالم الإسلامي كان بيّّنًًا، وذا تأثير مهمّّ في إثارة نقاشات بينهم.
Abstract
This study examines the memorandum "The Caliphate and the Authority of the People" as a historical, jurisprudential, and legal study. It argues that this study laid the theoretical and ideological groundwork for the abolition of the caliphate after the signing of the Treaty of Lausanne. The papers three sections consider the historical context of the document's call to "separate the sultanate from the caliphate"; its most important ideas; and the consequences of separation, then abolition for Arab-Islamic thought, via the models of Muhammad Rashid Rida and Ali Abdel Raziq. The study concludes that although political, ideological, and religious reactions would subsequently centre on the abolition of the caliphate, the crucial implicit role of the document (as a research paradigm) among intellectuals, scholars, and jurisprudents in the Islamic world has been obvious and of great consequence in opening discussions between them.
- الخلافة
- السلطة العثمانية
- مصطفى كمال أتاتورك
- العلمانية
- الفكر السياسي الإسلامي
- Caliphate
- Ottoman Sultanate
- Mustafa Kemal Atatürk
- Secularism
- Islamic Political Thought
| وجيه كوثراني | Kawtharani *Wajih | |
| وثيقة تفريق السلطنة عن الخلافة "الخلافة وسلطة الأمة" سياقها التاريخي وتداعياتها في الفكر العربي الإسلامي Separating Sultanate from Caliphate The Historical Context and Consequences of "The Caliphate and the Authority of the People" for Arab-Islamic Thought | |
مقدمة
في الوقت الذي تشرذمت فيه الحركة العربية المشرقية مع الاحتلالَين الإنكليزي والفرنسي للبنان وسورية وفلسطين والعراق وبرزت مشاريع الدول متقاطعةً مع الحدود الجغرافية المصطنعة للتقسيم ومرتكزةً على قوى محلية تسعى لبناء سلطاتها في مناطقها، كانت الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال تشق طريقًا سيكون له خلال السنوات القليلة التي أعقبت هزيمة الدولة العثمانية الدور الحاسم في الوجهة التي اتخذتها صيغة بناء الدول "المحدثة" في المنطقة، وفي تعيين اتجاهات البدائل التي قدّمها الخطاب السياسي الذي رافق عملية البناء، وذلك إما من موقع الهزّة التي أحدثتها في النفوس تدابير مصطفى كمال إثر معاهدة لوزان، وإما من موقع الاقتداء بأول تجربة قومية علمانية في العالم الإسلامي. على أنّ وقائع (غير مرئية للعيان) وهي من طبيعة ما سمّاه "المؤرخون الجدد" التاريخ اللاحدثي أو تاريخ الأفكار والعقليات لم يجرِ الانتباه لها ولأهميتها في فعل التغيير. ومن ذلك ما جرى على الساحة الفكرية والفقهية من مناظرات ومناقشات وجدال. واللافت للانتباه، في هذا المجال، المعركة الفكرية والفقهية التي خاضها مصطفى كمال عام 1922، بعد انتصاراته العسكرية خلال سنوات ثلاث (1919 - 1922) على الاحتلال الفرنسي والإنكليزي واليوناني والإيطالي. وتمثلت هذه المعركة في تشكيل حكومة منبثقة من "المجلس القومي" كان من مهماتها نزع صفة "السلطان – الخليفة" من السلطان وحيد الدين؛ أي عمليًا نقل صلاحياته السياسية ومهماته بموجب قرار 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922 باعتباره سلطانًا إلى مؤسستَي المجلس القومي (البرلمان) والحكومة، والإبقاء على صفته الدينية البحتة (خليفة). وتزامن القرار مع إصدار وثيقة هي في الواقع دراسة تاريخية وفقهية وقانونية، بعنوان "الخلافة وسلطة الأمة"، كتبتها مجموعة من الفقهاء والقانونيين كلّفها مصطفى كمال بالمهمة، وتبيّن تلك الدراسة شرعية "تفريق السلطنة عن الخلافة" ومشروعيته، وكان لها الأثر البالغ في إطلاق نقاشات بين فقهاء ومفكرين في العالم الإسلامي. تتمثل فرضية هذه الدراسة في أنّ تلك الدراسة شكّلت التمهيد النظري والأيديولوجي لإلغاء الخلافة بعد توقيع معاهدة لوزان. وإذ تركّزت لاحقًا ردّات الفعل السياسية والأيديولوجية والدينية في قرار الإلغاء، فإنّ دورها الضمني المحوري في وسط المفكرين والباحثين والفقهاء في العالم الإسلامي كان بيّنًا وواضحًا.
أوالًا: السياق التاريخي لدعوة "تفريق السلطنة عن الخلافة" في وثيقة "الخلافة وسلطة الأمة"
عندما نزل مصطفى كمال في سامسون كان مكلفًا بمهمة تنظيم التراجع وحلّ المقاومة، لكنه في حزيران/ يونيو 1919 خالف الأوامر الصادرة إليه وبدأ ينشئ المقاومة الجديدة وينظمها. في هذا الوقت كان الغرب مشغولًا بتقسيم أملاك "الإمبراطورية"؛ إذ فُرضت على السلطان معاهدة سيفر، وكان يمكن، لو أنّها طُبّقت، أن تقسّم تركيا ويتحول ما تبقى منها إلى مناطق وصاية0، شأنها في ذلك شأن الولايات العربية في المشرق، لكن شيئًا من هذا لم يُطبّق؛ إذ كانت دولة جديدة، كما يقول برنارد لويس، قد بدأت تتكوّن في الأناضول1.
ارتبط المسار الذي قطعه هذا التكوّن بمسار حرب التحرير التي قادها مصطفى كمال، فبعد أن نظّم كوادر جيشه، أخذ يرسل البرقيات إلى عدد من الشخصيات في الأستانة (إسطنبول) طالبًا إليها عقد اجتماع للبرلمان لإقرار حقوق الأمة وإعلانها للعالم كله بعيدًا عن كل ضغط خارجي. وعُقد في 23 تموز/ يوليو 1919 مؤتمر لمندوبي المناطق الشرقية انتخب مصطفى كمال رئيسًا له، وأصدر بيانًا عُرف فيما بعد باسم الميثاق الملّي. ولم تكن المقررات السياسية الصادرة عن هذا المؤتمر واضحة وموحّدة في بادئ الأمر؛ إذ عبّر المؤتمر عن ولائه للسلطان وسخطه على الحكومة في آن معًا، وكذلك فعلت القيادات العسكرية في البرقيات التي أرسلتها إلى إسطنبول. واستطاع مصطفى كمال عبر المؤتمر، الذي سُميَ فيما بعد ب "جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول والرومللي"، أن يحصل على أغلبية المقاعد في البرلمان 1920، الذي أقرّ الميثاق الملّي وصاغ المطالب الرئيسة للسيادة الإقليمية والاستقلال الوطني. ردّ السلطان بأن حلّ البرلمان وشنّ هجومًا عنيفًا على القوميين، استعمل فيه الأسلحة المتوافرة كافةً، وحكم عليهم بالإعدام غيابيًا بعدما أصدر شيخ الإسلام فتوى تجيز قتلهم. أما القوميون فكان ردهم مرنًا؛ إذ اكتفوا باستصدار فتوى مضادة من جانب مفتي أنقرة تعلن "بطلان فتوى شيخ الإسلام وتدعو إلى تحرير الخليفة من الأسر"2. وفي الواقع كان ارتهان السلطان للقوى الأجنبية في إسطنبول ينزع من مركزه شرعية تمثيله للمسلمين في تركيا وسائر أنحاء العالم الإسلامي. وفي المقابل وفي سياق الانتصارات التي أحرزها مصطفى كمال ضد الاحتلال الأجنبي، ازداد الالتفاف الشعبي حول زعامة هذا الأخير. فخلال سنوات ثلاث جرى الانتصار على اليونانيين، وانسحب الفرنسيون من كيليكيا، وكذلك الإيطاليون من جنوب الأناضول، والبريطانيون من الدردنيل. وتوّجت هذه الانتصارات بمعاهدة لوزان التي أقرّت السيادة التركية على مجمل أراضي الجمهورية التركية الحالية تقريبًا. فهذه المعاهدة تشكّل من هذه الناحية اعترافًا دوليًا بمطالب الميثاق الملّي. وبهذا تكون تركيا، كما يقول لويس، "الدولة المهزومة الوحيدة التي فرضت شروطها على المنتصرين"3. وتمثّل معاهدة لوزان، من ناحية أخرى، خطّا محددًا لنهاية مرحلة تاريخية كانت تطرح فيها وفي سياق حرب التحرير التي قادها مصطفى كمال احتمالات جديدة ورهانات لبروز قيادة إسلامية – تركية للشعوب الإسلامية التي خضعت للاحتلال الأجنبي بعد الحرب العالمية الأولى4. فصيغة الجهاد التي استثمرها مصطفى كمال في حربه ضد الاحتلال الأجنبي، وتوجهه لدعم انتفاضات الشمال السوري في بادئ الأمر، وتشجيعه الضمني على وفاقٍ عربي – تركي5، وعدم كشف مخططه القومي العلماني خلال السنوات الثلاث، بل مهادنته الظاهرة للسلطان والإسلام7، كل هذا أدى إلى رهانات سياسية في المشرق العربي تمثلت في تحريم علماء العراق التصدي للأتراك في الموصل8، والرهان على قيادة مصطفى كمال في تشكيل جبهة عربية – تركية معادية ل "الغرب الاستعماري"10، وعلى تنصيبه زعيمًا إسلاميًا وإحياء منصب الخلافة وجعلها في تركيا كما هي حال دعوة رضا، والاقتداء بالثورة الكمالية في بناء الدولة،
حتى "خيبة الأمل" بالنسبة إلى الإسلاميين أو "البشرى" بالنسبة إلى القوميين، وذلك بعد معاهدة لوزان وإعلان الجمهورية وتخلّي مصطفى كمال عن شتى الأيديولوجيات الوحدوية التي رافقت حرب التحرير، من إسلامية وعثمانية وطورانية14، والاكتفاء ببناء الدولة القومية التركية التي نصت المعاهدة على حدودها. وتضمنت بنود هذه المعاهدة مجالات تأسيس الدول في المناطق العربية "المحرّرة" وتوزيع "الجنسيات" أو "الهويات الوطنية" المختلفة Nationalites على أبنائها34. وأتاحت حرية الحركة لمصطفى كمال أن يبدأ بناء الدولة القومية العلمانية في مشروع مصالحة مع الغرب تقضي بتخلّي تركيا عن تاريخها العثماني، ودخولها بوصفها دولة رأسمالية وحديثة إلى العالم الغربي. وجاء في مذكرات رضا نور الذي رافق محادثات لوزان عن الجانب التركي ما يلي: "وبهذه المناسبة أذكر حادثة معينة: لقد كنت أول من تلفظ بهذه الكلمة في جلسات مؤتمر لوزان، إذ قلت: إن تركيا أضحت علمانية، وقد انفصل الدين عن الدولة، وإذا ما تمّ الصلح فإننا سنقوم بوضع القوانين المدنية" ويضيف: "وكلامي هذا سُجِل في محاضر الجلسات. وقد قلت هذا من أجل الدفاع عن مصالحنا في لوزان، وكانت هذه من أهم نقاط الارتكاز التي كنا نستند إليها في لوزان. وقد سبق أن وضعتُ شرط فصل الدين عن الدولة في التقرير الذي وضعته عن إلغاء السلطنة. وهذا الفصل هو أساس العلمانية"36. والواقع أن الاعتراف الدولي بالميثاق الملّي في مؤتمر لوزان مهّد الطريق لقانون 1924 الذي ألغيت بموجبه الخلافة إلغاءً نهائيًا، باعتبارها مؤسسة مناقضة لفكرة الدولة القومية التركية. وكان مصطفى كمال قد مهد لذلك بقانون تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1922 عندما اكتفى بتفريق السلطنة عن الخلافة، وإبقاء الخلافة مؤسسة دينية منفصلة عن الدولة، وذلك في محاولة لإلغاء مركز السلطان المستسلم، من دون أن يمَسَّ الشعور الديني الشعبي الموَّظَف آنذاك في حرب التحرير ضد اليونانيين والحلفاء. وقدّم مصطفى كمال اقتراحه هذا إلى الجمعية الوطنية. وجرت نقاشات طويلة في الجمعية، بيد أنه حسمها عندما "ذكّرهم بأن مسألة سلطة الشعب قد حُسمت بالقوة وأنهم مجتمعون فقط لإيجاد صيغة التعبير السياسي عنها، وسواء أقرّت الجمعية ذلك أم لم تقرّه، فإن سلطة الشعب ستقوم، ولكن الفرق الوحيد هو في تدحرج عدد من الرؤوس في حال عدم إقرار الجمعية لها [...] حسمت الجمعية قرارها بسرعة ورفض إجراء أي تصويت على القرار، بل قال إن الجمعية ستتخذ بالتأكيد قرارًا بالإجماع"42. أما "القرار-القانون" فقد تأَّلَف من فقرتين: تعلن الفقرة الأولى أن الشعب التركي يعتبر أن شكل الحكم القائم على حكم الفرد لم يعد له وجود في تركيا. وتطلب الفقرة الثانية من الجمعية أن تنتخب الخليفة الجديد على أن يكون الأفضل في شخصيته وتعليمه من بين الأمراء العثمانيين50.
بين قرار تفريق السلطنة51، وفصلها عن الخلافة (4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1922) من جهة، وقرار إلغاء الخلافة من جهة أخرى، اتخذ مصطفى كمال عدة خطوات تمهيدية، كان أهمها وثيقة غير موقّعة، ولكنها شبه رسمية، أعدتها مجموعة من العلماء بتوجيه أحد أعضاء البرلمان، وقد هدفت إلى تهيئة الرأي العام في تركيا والخارج لفصل الخلافة عن الدولة تمهيدًا لإلغائها.
ثانيًا: أهم الأفكار التي تضمّنتها الوثيقة52
تكمن أهمية هذه الوثيقة في أنها تشتمل على الحجج القانونية والفقهية التي اعتمد عليها الجمهوريون. وقد تُرجمت إلى الفرنسية وترجمها إلى العربية عبد الغني سني بك، السكرتير العام الأسبق لولاية بيروت والمقيم في القاهرة، ونُشرت في أحد أعداد الأهرامعام 1923 مرفقة بمقدمة كتبها سني بك، ثم صدرت عن دار الهلال بعنوان "الخلافة وسلطة الأمة" في عام 192453. تبدأ الوثيقة بالتعريف والتذكير بماهية الخلافة: "إن مسألة الخلافة في حد ذاتها هي من المسائل الفرعية والفقهية ومن جملة الحقوق والمصالح العامّة المختصة بالأمة، ولا علاقة لها بالاعتقاد. فهي ليست من المسائل الاعتقادية. نعم إن علماء أهل السنة بحثوا بحثًا مستفيضًا عن هذه المسألة في كتب العقائد، لكن بحثهم عنها ليس لكون هذه المسألة من مسائلها، بل لإبطال الأفكار الباطلة ورد الخرافات التي أحاطت بهذه المسألة"54. "خلاصة القول: إن الخلافة هي من الأمور الدنيوية أكثر من كونها من الأمور الدينية لذا ترك الرسول الأكرم أمرها إلى أمّته ولم ينصب خليفةً له ولم يوص به حين ارتحاله أيضًا". وتستشهد الوثيقة بسلسلة من الفقهاء في تعريف الخلافة، لتستنتج وتشدد على تعريف يقول إن "الخلافة هي استحقاق تصرفٍ عام على المسلمين وهي تنتسب إلى باب الأحكام الفقهية وليس الاعتقادية. هي إذًا أحكام اجتهادية. وحيث إن الأحكام الاجتهادية لم تكن من الأحكام الإلهية يسوّغ للحكومة أن ترجح وتختار في أمر تنظيم القوانين الأصلح لحاجة العصر من بين المسائل الاجتهادية الفقهية التي اختلف فيها المجتهدون". "إن الخليفة وبعبارة أخرى الإمام هو رئيس جمهور المسلمين ولم تكن ولايته العامة كولاية البابا الروحانية، بل إنها إدارية وسياسية كالولاية العامة الموجودة عند رئيس جمهورية أو ملك"55. يتساءل كتاب الوثيقة: "ألا تبقى البلاد في حالة الفوضى والأمة في حال الاختلال؟" تجتهد الوثيقة باستخلاص نتيجة لفكرة الوجوب (وجوب نصب خليفة) وفكرة عدم الوجوب في حال استحالة اكتمال الشروط وهو: "يجب نصب شخص وتأسيس حكومة، ولكن لا يقال لهذا خلافة، ولا لرئيسها خليفة بمعنى إمام. ولا إثم على الأمة الإسلامية لهذا"56.
على قاعدة هذا الشرح تقدم الوثيقة المدخل التاريخي التبريري للوصول إلى دعوة "جواز تفريق السلطنة عن الخلافة"57. خلاصة القول أن جمهور أهل السنة قالوا بوجوب نصب إمام مطاع في أمره ونهيه على الأمة الإسلامية، كما هو محرر في كتب علم الكلام. لكن إذا نظرنا إلى الدلائل المسرودة لإثبات هذا الواجب بنظر نافذ يرى أن الواجب واللازم هو تأسيس الحكومة، والذي لا يجوز هو عدم وجود حكومة وترك الأمة في حالة ارتباك وفوضى واختلال؛ لأنهم "جمهور أهل السنة" يعترفون صراحةً بأن المقصد الأصلي من نصب الإمام هو: سد الثغور وتجهيز الجيوش وإقامة الحدود، وقطع النزاع وفصل الخصام وإقامة الشعائر الدينية وأشباهها من الأمور العامة والمشتركة بين المسلمين. وكما يحصل هذا المقصد بنصب إمام عادل مدبر ذي نية خالصة، يحصل أيضًا بتأسيس حكومة – على أي شكل كانت – تكفل الضبط والربط والنظام، ولا تضيع حقوق الناس ولا تختل أمور الأمة ومصالحها فيها58. يقود ما سبق إلى طرح الأسئلة التالية: هل يجوز تقييد حقوق الخلافة وواجباتها؟ وإن كان جائزًا، فإلى أي حد يصل هذا الجواز؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز تفريق السلطنة عن الخلافة؟ إذا تعذر وجود خليفة تتوافر فيه الشروط التي وضعها الفقهاء (جمهور أهل السنة) كما توافرت للخلفاء الراشدين (الأربعة)، (وخامسهم عمر بن عبد العزيز)، وإذا كان جميع من يسمّون (خلفاء) (سمّوا أنفسهم أو سمّاهم آخرون)، من بني أمية إلى بني العبّاس وفي جميع عهود هؤلاء وأجيالهم (حتى نهاية عصر المماليك) وصولًا إلى العثمانيين، هم في حقيقتهم جميعًا ملوك وسلاطين، فإنه، في الزمن الراهن، ومع تشكل الحكومات (الديمقراطية – التمثيلية)، أصبح من الجائز، بل من الواجب استبدال حكومات تختارها مجالس تمثيلية بسلطات الشخص الواحد. وعلى هذا، يتضح أنه لا معنى للبحث في الخلافة في أيامنا، إذا أمعنّا النظر في مضامين النصوص الصريحة وفي شروط الخلافة وأنواعها وفي سائر المباحث التي سبق ذكرها وتأملنا جميع أطرافها. ومسألة الخلافة في زماننا ليست إلا من المسائل السياسية. والمجلس الكبير الملّي، لعلمه وتقديره هذه السياسة لم يلغِمقام الخلافة، بل ردّها إلى شكلها الذي كانت عليه في مصر، ووضعها بحال لا تضر فيها الأمة والبلاد بتصرفاتها الاستبدادية وأبقى السلطنة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية، ورضي بهذا الشكل صاحب الخلافة نفسه واستصوبه، كما جرت الحال من قبلُ في مصر، وأجازه أكابر الفقهاء، يومئذٍ، وفي جملتهم الإمام العز بن عبد السلام59. تستعيد الوثيقة الدعوة إلى إرجاع الخلافة إلى وضعها السابق (العثماني)، بحجة "عدم إثبات هذه المشروعة بالنصوص الشرعية"، "أما ما يتعلق بإرجاع الخلافة إلى وضعها الأصلي (الراشدي)، فالخلافة قد أخرجت عن وضعها منذ أيام معاوية بن أبي سفيان قبل ألف وثلاثمائة سنة ولم ترجع لأصلها بعدها. وردها لوضعها الأصلي اليوم وإن أمكن عقلًا، لكن لا يمكن طبعًا وعادةً لتعذر جمع شروطه"61. وخلاصة الوثيقة، أنّ مسألة الخلافة ليست دينية، بل قانونية وضعية، والدليل أن الفقهاء السنّة يتحدثون عن مسألة الخلافة من دون ذكر الإمامة. فالخلافة تخضع لحقل القانون ويجب اعتبارها مسألة سياسية وإدارية وزمنية، على المسلمين أن يعالجوها مباشرةً، كمعالجتهم "للولاية العامة الموجودة عند رئيس جمهورية أو ملك".
ثمّة دليل آخر مفاده أنه لا توجد إشارة دقيقة في القرآن ولا في الحديث تتعلق بمسائل الخلافة الأساسية، بل توجد نصائح عامّة تتعلق بإطاعة متسلمي السلطة "أولي الأمر"، فالخلافة ليست فرضًا إسلاميًا أساسيًا، ولو كان الأمر على غير ذلك لورد في النص. فهي مجرد عقد "ولا تختلف عن الانتداب والتوكيل في شيء"؛ ومن ثم، يجب تطبيق كل قوانين الانتداب عليها. فالخليفة يمكن أن ينحّى من الشعب، وبيعة أهل الحل والعقد تساوي الوكالة التي تمنحها الأمة، والخلافة ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لغاية، وهي ليست أكثر من شكل من أشكال الحكم التابعة لمقتضى الزمن والمصلحة العامة وأحوال الناس الاجتماعية، وأحكامها تتبدل بحسب تطورات هذه الأحوال والبواعث.
ثالثًا: تداعيات الوثيقة والتفاعل معها في نموذجين
1.محمد رشيد رضا ومسألة الخلافة
كتب محمد رشيد رضا62، في عام 1922، سلسلة من المباحث في مسألة الخلافة، في مجلة المنار، ثمّ جمعها في كتاب الخلافة أوالإمامة العظمى. وكانت الظروف التي كُتبت فيها تدفع الفقيه إلى استعادة النص الفقهي الذي يرى في الخلافة الراشدية "نموذجًا" للخلافة الصحيحة، والتي هي ليست "سلطنة" أو "إمارة استيلاء" كما أضحت نيابتها في نظرية الماوردي (974 - 1058)، أو "عصبية متغلبة" كما أضحت في نظرية عبد الرحمن بن خلدون (1332 - 1406). وهو إذ يرى في الأحداث التي تعصف بالعالم الإسلامي، وفي أحداث تركيا، مناسبة للتذكير بشروط الإمامة وبصفات أهل الحل والعقد المشروطة لاختيار الخليفة، وبشروط البيعة وواجبها، بعد أن يسقط من حسابه الرهان على إحياء الخلافة العثمانية التي قامت على التغلّب ودخلت في "دار الجور والبغي"، مميزًا بين نوعين من "خلافة الاضطرار": الخلافة التي تصدر عن أهل الحل والعقد ولو لم تتوافر فيها بعض الشروط، والأخرى التي تقوم على التغلب، يقول: "والفرق بين هذه الخلافة وما قبلها بعد كون كل منهما جائزًا للضرورة أن الأولى صدرت من أهل الحل والعقد باختيارهم لمن هو أمثل الفاقدين لبعض الشرائط، ولذلك فرضه المحقق [سعد الدين[التفتازاني (722 - 792 ه) قرشيًا إذ القرشيون كثيرون دائمًا وجزم طاعته مع فرض كونه ضعيفًا. وأما الثانية فصاحبها هو المعتدي على الخلافة بقوة العصبية لا باختيار أهل الحل والعقد له، لعدم وجود من هو أجمع للشرائط منه، فذاك يُطاع اختيارًا، وهذا يُطاع اضطرارًا"72. ويضيف: "ومعنى ذلك أن سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة تنفذ بالقهر وتكون أدنى من الفوضى. ومقتضاه أنه يجب السعي دائمًا لإزالتها عند الإمكان، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها ولا أن تجعل كالكرة بين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها"83. وفي نظر رضا ليست السلطنة العثمانية إلا شكلًا من أشكال سلطة التغلّب الذي جازت إزالته. ولكن منذ سقوط رهانه على الاتحاديين "المتفرنجين" الذين أحيوا العصبية التركية في رأيه، ومنذ الإرباك الذي أحدثه مصطفى كمال في قراره جعل الخلافة
روحية – "دينية" وفرّقها عن السلطنة، يرى أنه استبدل في هذه المرة "نوع من التغلب بنوع آخر". يقول: "ألم تر إلى من استناروا بالعلم الاجتماعي (من الأمم) كيف هبوا لإسقاط حكوماتها الجائرة وملوكها المستبدين، وكان آخر من فعل ذلك الشعب التركي ولكنه أسقط نوعًا من التغلّب بنوع آخر عسى أن يكون خيرًا منه، وإنما فعله تقليدًا لتلك الأمم الأبية، إذ كان جماهير علماء الترك والهند ومصر وغيرها من الأقطار يوجبون عليه طاعة خلفاء سلاطين بني عثمان ما داموا لا يظهرون الكفر والردة على الإسلام، مهما يكن في طاعتهم من الظلم والفساد وخراب البلاد وإرهاق العباد، عملًا بالمعتمد عند الفقهاء بغير نظر ولا اجتهاد"84. أفرد رضا فصلًا لبيان مفسدة إخراج الخلافة الإسلامية عمّا وضعها عليه الإسلام، وجعلها تابعة لقوة العصبية والتغلب، فهو يرفض رأي ابن خلدون قائلًا: إن "قاعدة ابن خلدون في العصبية مخالفة للإسلام". ويضيف: "خُدع كثيرون بمظهر ذلك الملك حتى حكيمنا الاجتماعي (ابن خلدون) الذي اغتر باهتدائه إلى سنّة قيام الملك وسائر الأمور البشرية العامة بالعصبية فأدخل فيها ما ليس منها، بل ما هو مضاد لها، كدعوة الرسول (صلعم) فجعل مدارها على منعتهم في أقوامهم وقوة عصبية عشائرهم معتمدًا على حديث معارض بآيات القرآن الكثيرة، وبوقائع تواريخهم الصحيحة، وبنى على ذلك إلحاق الخلافة بالنبوة بما ليس عليه من ذلك. وإنما النبوة وخلافة النبوة هادمتان لسلطان العصبية القومية ومقررتان لقاعدة الحق". وهكذا ينطلق الفقيه من رفض الاعتراف بإسلامية الخلافة التي تقوم على التغلب والقهر والجور، من خلافة بني أمية حتى خلافة بني عثمان: "نعم - يقول - إن بعض كلام ابن خلدون في حكمه جعل الخلافة في قريش صحيح، وهو مكانتهم العليا في الجاهلية والإسلام التي لم ينازعهم فيها أحد من العرب، وأولى ألا ينازعهم فيها من يدين بالإسلام من العجم، وذلك من أسباب جمع الكلمة [...] وأما عصبية القوة الحربية فلم تكن علّة ولا جزء علّة لجعل الخلافة في قريش. لأن الإسلام قد قضى على هذه العصبية الجاهلية – يعترف ابن خلدون كغيره بذلك – فلا يمكن أن يجعلها علّة من علل شرعه القويم الذي مداره على جعل القوة تابعة للحق". أين هي "الخلافة الشرعية" التي يدعو إليها رضا في عام 1922 مستعيدًا النص الفقهي السني ومرتكزًا على مبدأ الشورى وصيغة "أهل الحل والعقد؟ ومن ثم، أين هم "أهل الحل والعقد" في ظرف تاريخي اتّسم بالسيطرة الغربية المباشرة، وبالتفكك الاجتماعي – السياسي الذي يكرّس سلطنات وإمارات بصيغة الدول الوضعية المحددة جغرافيًا، وإقامة مشاريع دول وبرلمانات ودساتير في أقطار مصر والعراق وسورية، وأماكن أخرى؟ وأين هو مرشح الخلافة الذي يحوز شرط "وحدة الإمامة" في ظرف تطلع إلى زعامة العالم الإسلامي أكثر من زعيم: الملك فؤاد الأول (1868 - 1936)، والشريف حسين، وعبد العزيز بن سعود؟يبدو أنّ استعراضًا لواقع الحال في البلدان العربية والإسلامية يوصل رشيد رضا إلى موقف مماثلٍ لموقف كاتب الوثيقة: "تفريق السلطنة عن الخلافة". ويبدأ الفصل "وحدة الإمامة بوحدة الأمة" بالتذكير أن "الشعوب الإسلامية قد مزقتها العصبية المذهبية ثم الجنسية، واستحال أن يجتمع أهل الحل والعقد في البلدان الإسلامية على إمام واحد لا سيما
"البلاد الرازحة تحت أثقال السيطرة الأجنبية كمصر وسائر أقطار أفريقيا الشمالية وسورية والعراق". فهذه الأخيرة كما يقول "ليس لها من أمر حكمها أو حكومة دينها شيء وليس فيها جماعة تتصرف في ذلك بحل ولا عقد. فلو أن رؤساء الحكومة والشعب في قطر منها – وهم الذين كانوا لولا السلطة الأجنبية أهل الحل والعقد – أرادوا أن يبايعوا خليفة في بلاد الترك أو العرب مثلًا مبايعة صحيحة، وهي ما توجب عليهم أن يكونوا خاضعين لسلطانه، مطيعين في أمورهم العامة لأمره ونهيه، ناصرين له على من يقاتله أو يبغي عليه، لما استطاعوا ذلك ولما أمكنهم أن ينفذوه دون إذن الدولة الأجنبية المسيطرة عليهم. وهي لن تأذن وإن كانت تدّعي أنها لا تعارض المسلمين في أمور دينهم وأنها تاركة أمر الخلافة إليهم". ينبّه رضا إلى خطورة حماسة بعض الفقهاء لتعلّقهم بمسألة البيعة حتى لو كان السلطان مستبدًا فيقول: "إنّ جعل أحكام الضرورة في خلافة التغلّب أصلًا ثابتًا دائمًا هو الذي يهدم بناء الإمامة وذهب بسلطة الأمة المعبّر عنها بالجماعة". وهو ينبه أيضًا إلى أن هذا التعلق في الظرف الراهن، وقد فصل مصطفى كمال السلطنة عن الخلافة وحصر هذه الأخيرة بالأمور الروحية، يؤدي إلى إرضائهم بالخلافة الروحية بحيلة لفظية، كأن تشترط الحكومة الفعلية على من تسميه خليفة أن يفوّض إليها أمر الأحكام كلها، وكما هو حال وثيقة التفريق بين الخلافة والسلطنة. وهو إذ لا يوافق على هذا الحل الذي يرتئيه بعض حزب "المتفرنجين" كما يقول، والذي يلتقي مع أهل القول ب "إمامة الضرورة" من "الفقهاء الجامدين" يبقى مؤملًا أن يعود مصطفى كمال عن قراره فيدعو إلى تشكيل "حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل"، هذا الحزب "الجامع بين الاستقلال في فهم الدين وحكم الشرع الإسلامي وكنه الحضارة الأوروبية. وفي هذا الإطار يدعو رضا إلى اتحاد عقلاء الأقطار الإسلامية "لتكوين جماعة أهل الحل والعقد بما يتفقون عليه من النظام لأجل قيادة الرأي العام ولتكوين مؤتمر عاجل لأجل تقرير ما يتخذ من الوسائل الآن"؛ ذلك أن "مسألة الخلافة كانت مسكوتًا عنها فجعلها الانقلاب التركي الجديد أهم المسائل التي يُبحث فيها". إن فصل الخلافة عن السلطنة لا يعني بالنسبة إلى رضا استدعاءً لموقف يقوم على الدفاع عن السلطان العاجز الذي لا تنطبق أحكام الإمامة عليه، بل مناسبة ملحّة ل "العمل على تجديد الخلافة الشورية على النموذج الراشدي". وبعد أن يفنّد "موانع جعل الخلافة في الحجاز" وفي الشريف حسين والتي أهمها كما يقول: "إن الملك المتغلّب على الحجاز لهذا العهد يعتمد في تأييد ملكه على دولة غير إسلامية مستعبدة لكثير من شعوب المسلمين وطامعة في استعباد غيرها"، يحاول بعد ذلك أن يقدّم مرجحات الخلافة في بلاد الترك. وهذه المرجحات هي:. أ "إن الترك الآن في موقف وسط بين جمود التقاليد وطموح التفرنج [...] وحضارة الإسلام وحكومة الخلافة هي وسط بين الجمود وبين حضارة الإفرنج المادية"..ب "إن ما ظهر من عزم الحكومة التركية الجديدة وحزمها وشجاعتها وعلوّ همّتها وإقدامها يضمن بفضل الله تعالى نجاحها في إقامة هذا الإصلاح الإسلامي، بل الإنساني الأعظم بإقامة حكومة الخلافة الجامعة بين القوة والفضائل الإنسانية".
.ج "إن الدولة التركية الجديدة هي الدولة الإسلامية التي برعت في فنون الحرب الحديثة ويرجى إذا نجحت فيما تعنى به من الأخذ بوسائل الثروة والعمران أن تمكّنها مواردها من الاستغناء عن جلب الأسلحة وغيرها من أدوات الحرب بصنعها في بلادها فتزداد قوة على حفظ حكومتها وبلادها وتكون قدوة لجيرانها وأستاذًا لهم".. د "إن جعل مقام الخليفة في بلاد الترك أو كفالتهم له يقوي هداية الدين في هذا الشعب الإسلامي الكبير ويحول دون نجاح ملاحدة المتفرنجين وغلاة العصبية الجنسية". ه. "لئن كان جهل العرب والترك في الزمن الماضي بمعنى الخلافة ووظائفها – ولا سيما جمعها لكلمة المسلمين – سببًا من أسباب تقاطعهما وتدابرهما التي انتهت بسقوط السلطنة العثمانية وباستيلاء الأجانب على قسم كبير من بلاد العرب والتمهيد للاستيلاء على الباقي، فإن ما نسعى إليه الآن سيكون إن شاء الله تعالى، أقوى الأسباب لجمع الكلمة والتعاون على إحياء علوم الإسلام ومدنيته مع استقلال كل فريق بإدارة بلاده مستمدًا السلطة من الخليفة الإمام المجتهد في علوم الشرع الإسلامي المنتخب بالشورى من أهل الحل والعقد من العرب والترك وغيرهما من الشعوب الإسلامية بمقتضى النظام الذي يوضع لذلك". بعد هذا الاستعراض، يتقدّم رضا على الرغم من "ضعف أمله" كما يشير، ولكن من دون أن يتسرب اليأس إليه، بهذا الاقتراح: "على حزب الإصلاح أن يسعى لإقناع الترك أولًا بجعل الخلافة في مركز الدولة، فإن لم يستجيبوا فليساعدوا على جعلها في منطقة وسطى من البلاد التي يكثر فيها العرب والترك والكرد كالموصل المتنازع عليها بين العراق والأناضول وسوريا ويضم إليها مثلها من البلاد المتنازع فيها بين سوريا والأناضول وتجعل شقة حياد ورابطة وحل معنوي، في مظهر فصل جغرافي، فتكون الموصل اسمًا وافق المسمّى". والواقع أن رضا يحاول خلال هذه الفترة التي سبقت قانون إلغاء الخلافة أن يوظف أملًا – ولو كان ضعيفًا كما يقول – في احتمال عودة مصطفى كمال إلى الإسلام والانطلاق من الإنجاز الذي حقّقه في استقلال "تركيا" وتحييده عن حزب "المتفرنجين" و"ملاحدة الأتراك". ففي 30 كانون الثاني/ يناير 1923 يبعث برسالة إلى صديقه شكيب أرسلان يذكر فيها أنه في حال فشل مؤتمر لوزان المرتقب، فسيصبح من الضروري ومن أجل مصلحة الأتراك "توثيق روابط الإخاء الديني" بينهم وبين العرب. ويذهب إلى حد ترجيح الترك على الإفرنج فيكتب: "إنني لا أكتم عنك أنني ما زلت أرجّح الترك على الإفرنج كافة وإن ظلمونا واحتقرونا وبغوا علينا وأعرضوا عنّا وأسمعونا أذى كثيرًا ولم يعذروا من تعلم منهم التعصب القومي (أي العرب) [...] أرجح أن يعود الترك سائدين حاكمين لبلادنا على بقاء الإفرنج فيها بأي اسم من الأسماء أو صفة من الصفات". ويضيف: "أتمنى أن نجد عند عقلاء الترك إنصافًا نبني عليه اتفاقًا ثابتًا لا يستطيع أعداؤنا نقضه"، اتفاقًا قائمًا على "العدل والمساواة". ويرى أن هذا الاتفاق يمكن أن يُحدث في ظل انتصار الأتراك والعودة إلى الإسلام "أعظم انقلاب اجتماعي في الأرض". ويبقى أمله حتى حينه معلّقًا على مصطفى كمال؛ إذ يضيف:
"لو عرف هذا الرجل العالي الهمّة مصطفى كمال من الإسلام ما أعلم لأمكنه أن يكون رجل العالم لا رجل الترك فقط [...]، لكن هذا الرجل الكبير لا يعلم ومن لي بأن يعلم وقد كتب إلى بعض زعماء الهند بمثل ما يطالبني صاحب لي هنا من الترك وهو الترغيب في الذهاب إلى أنقرة". ومن المؤكد أن رضا قد كتب مجموعة مقالاته في موضوع "الخلافة" في سياق هذا الاهتمام بالتوجه إلى الأتراك، بغية إقناعهم مخاطبًا أرسلان: "قد كتبت مق لًا في مسألة الخلافة نشرت منه إلى الآن سبع كراريس في المنار ثم طبعتها على حدة وإنني مرسل بها إليك فتعلم أنه لم يكتب مثلها في الإسلام وإني واثق بأنها ستترجم بعدة لغة [لغات] وسيعلم منها إخواننا الترك أنهم لا يستطيعون السيادة على العالم الإسلامي بمنصب الخلافة إلا إذا تآخوا مع العرب". وجوابًا عن مطلب بعض زعماء الهند وصاحبه التركي، في الذهاب إلى أنقرة، يقترح رضا على أرسلان أن يتولى هذه المهمة؛ إذ يقول: "وخلاصة القول إن الفصل في أمر الاتفاق مع القوم أرجى ما يُرجى من مثلك، ومن ذا الذي يقدر على ما تقدر عليه وله ما لك من المكانة عندنا وعندهم، فإن عجزت كان عجزك برهانًا على سوء نيتهم وفساد طويتهم". ولم يدم الانتظار طويلًا، ففي هذه الفترة كان مصطفى كمال يمهّد لقوانين آذار/ مارس 1924، ومن ضمنها إلغاء الخلافة. ويكتب أرسلان في تعليقه على كتاب صاحبه رشيد رضا معبّرًا عن عجزه في مهمته التي كان يحملها منذ عهد "الاتحاديين": "نعم عجزت عن إتمام أمر كانت تحول دونه المبادئ التي أراد مصطفى كمال بثّها لا في تركية فقط، بل في كل العالم الإسلامي".
2. علي عبد الرازق ومسألة الخلافة
صدر كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكمعام 1925؛ أي في الفترة التي ازدحمت فيها مناقشات مسألة الخلافة منذ الحرب العالمية الأولى وحتى تاريخ إلغاء المنصب عام 1924، مرورًا بوثيقة حكومة أنقرة عام 1922 (أي وثيقة تفريق السلطنة عن الخلافة). وبكتابات رضا في المنار في المدة 1922 - 1925، وفي هذا الوقت، كان يجري التحضير في القاهرة لمؤتمر الخلافة (19 آذار/ مارس 1924) الذي حاول الملك فؤاد توظيف بعض اتجاهاته من أجل ملء الفراغ الذي تركه انسحاب تركيا – مصطفى كمال من زعامة العالم الإسلامي. وبناء عليه، يمكن اعتبار هذا الكتاب مساهمة في النقاش الدائر، تهدف إلى تقديم حل لإشكالية الدولة التي يجري بحث منطلقاتها وأسسها وعلاقتها بالإسلام آنذاك، انطلاقًا من واقعتَي التفريق والإلغاء.
كانت المحاولات تجري في تركيا، ولا سيما منذ حركة التنظيمات ثم إعلان الدستور، وانتخاب "الخليفة-السلطان" من جانب المجلس، على صعيد الدولة العثمانية عمومًا. وقد ترجّحت تلك المحاولات بين القول باستيعاب الشريعة للمعطى السياسي الغربي حيث تتساوى البيعة ومفهوم سيادة الشعب عند نامق كمال، والدعوة إلى دولة وضعية ينفصل عنها الدين عند ضياء كوك آلب. وهذا الفصل يقوم على التمييز بين "الشريعة الذاتية والشريعة الاجتماعية"؛ بين النص والعرف، وعلى إعطاء الأهمية للعرف على النص. تلك كانت مقومات وثيقة فصل الخلافة عن السلطنة، ثم إلغاء الأولى، إلى أن أغلقت تدابير مصطفى كمال – كما يقول إروين روزنتال – الباب أمام استكمال هذه الاختبارات النظرية، بينما استمرت في البلدان العربية والإسلامية الأخرى الخاضعة للسيطرة الغربية التساؤلات ذاتها. وفي حالة عبد الرازق، يدفعه الجدل القائم إلى تطوير النص الخلدوني الذي يميز بين الخلافة والملك؛ بين الوازع الديني والعصبية، وإلى تأويله منتهيًا إلى القول بغياب وجوب الخلافة في الإسلام، وما يقال له "خلافة" هو سلطان زمني يتبدل ويتغير ويزول، ويقوم على القهر والغلبة. وهنا يتطابق نظره مع مقولات وثيقة "التفريق": الخلافة وسلطة الأمة. يقول: "لم نجد فيما مرّ بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن إقامة الإمام فرض، من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم. ولعمري لو كان في الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء في التنويه والإشادة به، أو لو كان في الكتاب الكريم ما يشبه أن يكون دليلًا على وجوب الإمامة لوجد من أنصار الخلافة المتكلفين، وإنهم لكثير، من يحاول أن يتخذ من شبه الدليل دليلًا، لكن المنصفين من العلماء والمتكلفين منهم قد أعجزهم أن يجدوا في كتاب الله تعالى حجة لرأيهم فانصرفوا عنه إلى ما رأيت، من دعوى الإجماع تارة، ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارةً أخرى". وهو إذ يدفع بالتحليل الخلدوني إلى نهايته في مسألة علاقة السياسة بالدين، يفصل السياسي عن الديني، ويجعل المجال السياسي حيزًا علميًا مستقلًا عن علوم الدين. فالإسلام ليس سياسيًا وينبغي أن يبحث عن أنظمة الحكم والدولة لا في الفقه، بل في العلوم السياسية الوضعية، فهو بعد أن يشير إلى خلاف المسلمين حول مقام الخلافة منذ أبي بكر الصدّيق وبروز حركة المعارضة وتياراتها، يقول: "مثل هذه الحركة كان من شأنها أن تدفع القائمين بها إلى البحث في الحكم وتحليل مصادره ومذاهبه، ودرس الحكومات وكل ما يتصل بها ونقد الخلافة وما تقوم عليه، إلى آخر ما تتكون منه علوم السياسة. لا جرم أن العرب قد كانوا أحقّ بهذا العلم وأول من يواليه". ويتساءل عن غياب هذا العلم فيقول: "فما لهم قد وقفوا حيارى أمام هذا العلم، وارتدوا دون مباحثه حسيرين؟ ما لهم أهملوا النظر في كتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب السياسة لأرسطو وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه المعلم الأول؟ وما لهم رضوا أن يتركوا المسلمين في جهالة مطبقة بمبادئ السياسة وأنواع الحكومات عند اليونان، وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان في علم النحو، وأن يروضوهم برياضة بيدبا الهندي في كتاب كليلة ودمنة، بل رضوا أن يمزجوا لهم علوم دينهم بما في فلسفة اليونان من خير وشر وإيمان وكفر؟". ويعلّق عبد الرازق على تساؤله: "لم يترك علماؤنا أن يهتموا بعلوم السياسة اهتمامهم بغيرها غفلة منهم عن تلك العلوم ولا جهلًا بخطرها". والسبب في رأيه هو الإرهاب الذي مارسه الخلفاء فلم يسمحوا بالنقد وحرية الرأي.
أما ربط مقام الخلافة بالدين وجعل مسألتها مسألة فقهية – دينية تتمحور حول البيعة فيردّ عبد الرازق على هذا المفهوم – مفهوم البيعة – بشواهد من التاريخ الإسلامي مؤداها "أن الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأن تلك القوة كانت، إلا في النادر، قوة مادية مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف والجيش المدجج والبأس الشديد". ويذِّكِر عبد الرازق بقصة البيعة ليزيد "حين قام أحد الدعاة إلى تلك البيعة خطيبًا في الحفل فأوجز البيان في بضع كلمات [...] قال (أمير المؤمنين هذا) وأشار إلى معاوية، (فإن هلك فهذا) وأشار إلى يزيد (فمن أبى فهذا) وأشار إلى سيفه". ينطلق عبد الرازق من هذه القصة التي يعتبرها الفقهاء السنّة بداية "الملك العضوض"؛ ليدين من خلالها صيغة البيعة والإجماع معتبرًا إياها غطاء الاستبداد المتغلّب منذ ذلك الحين حتى تاريخنا الراهن، ومقدّمًا مثل بيعة فيصل بن الحسين في العراق للاستدلال على قيام البيعة على تغلّب الإنكليز، فيقول: "تذكرنا قصة يزيد بن معاوية بقصة فيصل بن حسين بن علي. كان أبوه حسين بن علي أحد أمراء العرب الذين انحازوا في الحرب العظمى إلى جانب الحلفاء خروجًا على الترك، وعلى سلطان الترك [...] وامتاز فيصل أحد أولئك الأولاد بالزلفى من الإنجليز لحسن بلائه في مساعدتهم وإخلاصه في خدمتهم فعيّنوه ملكًا على الشام. ولم يكد يستقر به حتى هاجمت ملكه جيوش الفرنسيين فولّى فيصل هاربًا، تاركًا مملكته وعرشه وغيرهما حتى وصل إلى إنكلترا. ومن هناك حمله الإنكليز إلى بلاد العراق، ونصّبوه عليها ملكًا وقد زعم الإنجليز أن أهل الحل والعقد من أمة العراق انتخبوا فيصلًا ليكون ملكًا عليهم بالإجماع، اللهم إلا أن يكون قد خالف في ذلك نفر قليل لا يُعتدّ بهم. فأولئك الذين دعاهم ابن خلدون من قبل شواذ". ويضيف إلى ذلك قوله: "ولعمرك ما كذب الإنجليز فإنهم قد عملوا انتخابًا له كل مظاهر الانتخاب الحرّ القانوني، وأخذوا يومئذ رأي الكثيرين من أهل الزعامة في العراق، فكان رأيهم أن ينتخبوا فيصلًا ملكًا عليهم". ويقول معلّقًا على ذلك: "إن (هذا) الذي أخذ به خطيب معاوية البيعة ليزيد هو عينه هذا الذي أخذ به الإنجليز إجماع العراقيين لإمامة فيصل". وتبقى المعضلة الأساسية في هذا المنهج: إذا كان الإسلام لم يدعُ إلى بناء دولة ولم يحدّد أجهزتها وولاتها وقضاتها كما تمثّلت في حكومات الخلفاء الراشدين، فماذا يمكن اعتبار حكومة النبي محمد في رأيه؟ يرى عبد الرازق، انسجامًا مع منطقه في نفي وجود الخلافة باعتبارها مؤسسة في الإسلام، أن الدعوة النبوية اقتصرت على الرسالة "ولم تنشئ ملكًا". وهو إذ يحرص على الدمج بين الخلافة والسلطنة، رًّدًا على محاولة التمييز الفقهي، يجهد، في معالجته أمر الرسالة والحكم اعتمادًا على تشوش الأخبار المتعلّقة بالتنظيم الإداري والمالي والقضائي المنسوب إلى الرسول، أن ينفي عن الرسول محاولة بناء دولة، يقول: "وما يروى من ذلك فكله عبارة عن توليتها أميرًا على الجيش، أو عاملًا على المال، أو إمامًا للصلاة، أو معلّمًا للقرآن، أو داعيًا إلى كلمة الإسلام. ولم يكن شيء من ذلك مطّردًا. وإنما كان يحصل لوقت محدود، كما ترى فيمن كان يستعملهم على البعوث والسرايا، أو يستخلفهم على المدينة إذا خرج للغزو". ويضيف:" إذا نحن تجاوزنا عمل القضاء والولاية إلى غيرهما من الأعمال، التي لا يكمل معنى الدولة إلا بها، كالعمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها (المالية) وحراسة الأنفس والأموال (الشرطة) وغير ذلك مما لا يقوم دونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة، فمن المؤكد أننا لا نجد فيما وصل إلينا عن زمن الرسالة شيئًا واضحًا يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون، أن نقول إنه كان نظام الحكومة النبوية".
واضح أن الدولة أو الحكومة عند عبد الرازق وكما عرفها التاريخ الإسلامي هي دولة الدواوين والولاة؛ أي الدولة السلطانية، أو دولة "العصبية" التي أرّخ لها وحلّل طريقة قيامها ابن خلدون، على قاعدة قانون "التغلب" والتي أضفى الماوردي عليها – كإمارة استيلاء و"كولايات" – طابعًا شرعيًا مقبولًا "ضرورةً". وها هو عبد الرازق يدفع بالنظرية الخلدونية إلى أقصاها ليرفض التسوية التي لجأ إليها الماوردي وبقية الفقهاء الذين صالحوا بين "السلطنة والخلافة"، ليقول إنهما عمليًا وتاريخيًا من طبيعة واحدة: هي طبيعة العصبية والتغلّب التي لا علاقة للدين بها وإن تسترت به. هكذا يفصل عبد الرازق الاجتماع الإسلامي المتدين عن فكرة الدولة باعتبارها مؤسسة، سواء أكانت خلافة أم سلطنة، ليترك المجال للعقل السياسي كي يجتهد في أمر نظام الحكم. فهو يختم كتابه بقوله: "والحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وبريء من كل ما هيؤوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وأما تلك فخطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم، وقواعد السياسة". ثمّ إنّ تبرير الجيوش الإسلامية، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، بل يرجح الأمر فيها إلى العقل والتجريب أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني وآراء العارفين. "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمكن ما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم". ويعلّق روزنتال على أطروحة عبد الرازق قائلًا: "إن دعوته لضرورة أن يتبنى المسلمون الدولة الوضعية تقطع الطريق على الفكر الذاتي المتمثل بطرح رشيد رضا لمسألة الخلافة وتنقل الصراع الذي خسره الإسلام في تركيا إلى العالم العربي". صحيح أن النقاش انتقل إلى العالم العربي آنذاك، ولكن من غير أن تبرز على موازاته "دولة كمالية"؛ أي تتبنى نموذج "القومية العلمانية" وتكون قد حقّقت استقلالًا عن المستعمر الغربي نفسه. فالسلاطين والملوك العرب المنتشرون في أنحاء المنطقة العربية، كانوا في معظمهم مرشحي الغرب للدول الإقليمية "الحديثة" أو أصحاب "سلطنات مستقلة" تدور في فلك الغرب المنتصر وتتمثل في الإسلام من موقع ما آلت إليه "السلطنة العثمانية"؛ أي مجرد "صبغة دينية" لتقوية دولة السلطان أو الملك. ومن هنا كان حرص الملك فؤاد على التصدي لكتاب عبد الرازق والدفع إلى محاكمته من جانب هيئة كبار العلماء، وذلك لكي يقوّي زعامته بالإسلام ولكي يبرر ترشيحه ضمنًا للخلافة وقد شغر مركزها بإلغائها في تركيا، خاصة أن الإعداد لمؤتمر الخلافة كان يجري آنذاك في القاهرة. وأما الثورات الأهلية العديدة التي انفجرت في المنطقة العربية في مشرقها وفي مغربها، فإنها لم تؤِّدِ إلى قيام دولة تحمل المضامين الأهلية المحلية الإسلامية (الوطنية المندمجة بالإسلام) كتلك التي حملها، على سبيل المثال، عبد الكريم الخطابي (1882 - 1963) بالنسبة إلى المغرب، أو علماء النجف بالنسبة إلى العراق، أو التي فكّر فيها سعد زغلول في صورة توفيقية لدولة مصرية
حديثة تتصالح مع الإسلام، وشكّلت الهموم الفكرية الوحدوية لدى شكيب أرسلان، وكذلك رضا وعادل أرسلان في متابعتهم لحركة الجهاد في الثورة السورية ومستقبلها. إن سعي السلاطين والملوك المحليين إلى اعتلاء عروش "دول محدثة" ونزوع أعيان وزعامات مدينية محلية لترؤس كيانات سياسية كانا يترافقان مع عنف الدول الغربية وتدمير المقاومة الأهلية وإرساء إدارات محلية مكانها. وكان هذا وذاك يتقاطعان في المرحلة اللاحقة عند ملتقى تحوّلَين: تحوّل في السياسة الدولية للاستعمارين الفرنسي والبريطاني من جهة، وتحوّل في سياسة المواجهة لدى القيادات المحلية التي كان لها بعض المواقع في الثورات الأهلية. فبالنسبة إلى السياسة الدولية، اتخذت السيطرة الغربية لنفسها أسلوب المعاهدات الذي يضمن للدولة السيطرة الغربية وإلحاقها للدولة الجديدة "المستقلة"، وذلك عبر "الامتياز الخاص" في العلاقة و"الاستشارة" ومنح المعونة العسكرية لبناء "الجيش الوطني" أو عبر صيغة "الانتداب" أو صيغة "الحماية". أما بالنسبة إلى قوى الحركات الوطنية المتشكلة في الدول – الأقطار، فقد بدأت هذه الأخيرة تصوغ برامجها على قاعدة "النضال السلمي" بوساطة "الأحزاب الدستورية" والكتل البرلمانية، والنقابات من أجل مزيد من ممارسة "البرلمانية" و"الحياة الدستورية" والصلاحيات الإدارية في الدولة الجديدة. إنه نموذج ديمقراطي مقتبس من الغرب، ولكن ممنوع عليه أن ينجح؛ لأن سياسات الدول الغربية كانت تعارض تطبيق "ديمقراطيتها" خارج حدودها. في سياق هذه الظروف، ظروف ما بعد ضرب الثورات الأهلية في المنطقة العربية وظروف بناء الدولة في ظل معاهدات الوصاية والاستقلالات التابعة، كانت النقاشات الفكرية السياسية التي أثارها كتاب عبد الرازق لا تترجم الحيز "الشرعي" الذي اجتهد فيه الكاتب ليجيز للمسلم أن يكون علمانيًا في مسألة بناء الدولة فحسب، بل كانت تترجم أيضًا موقفًا من حدث مصيري: الحدث هو الدولة الكمالية وضغط المشاريع الغربية في المنطقة. ففي تركيا أقام مصطفى كمال دعائم الدولة العلمانية منذ عام 1924. وقبل ذلك، قاد حركة تحرير للأطراف استخدم فيها الإسلام صيغة تعبوية ومصدر دعم ومساندة، ولجأ في الوقت نفسه إلى العلاقات الدبلوماسية والتسويات على حساب الآخرين، وبالتحديد على حساب الثورات العربية تحديدًا، وذلك لتخليص الأرض التي عيّنها الميثاق الملّي حدودًا للأمة التركية.
المراجع
العربية
أرسلان، شكيب. السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة. دمشق: مطبعة ابن زيدون؛ القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1937. أنطونيوس، جورج. يقظة العرب (الترجمة العربية). بيروت: دار العلم للملايين، 1962.
الرجل الصنم: مصطفى كمال أتاتورك، حياة رجل ودولة. ترجمة عبد الله عبد الرحمن. بيروت: دار الرسالة، 1978.
الزركلي، خير الدين. الأعلام. ط 5. بيروت: دار العلم للملايين، 1980.
سعيد، أمين محمد وكريم خليل ثابت. مسيرة مصطفى باشا وتاريخ الحركة التركية الوطنية في الأناضول. القاهرة: مجلة اللطائف المصورة، 1922.
سني بك، عبد الغني. الخلافة وسلطة الأمة. القاهرة: دار الهلال، 1924.
الشرباصي، أحمد. رشيد رضا: صاحب المنار، عصره وحياته ومصادر ثقافته. القاهرة: الشؤون العربية، 1970.
الصويص، سليم. أتاتورك منقذ تركيا وباني نهضتها. عمّان: مطبعة شنلر، 1970.
عمارة، محمد. الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق: دراسة ووثائق. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000.
الفياض، عبد الله. الثورة العراقية سنة 1920. بغداد: مطبعة الإرشاد، 1963.
قرقوط، ذوقان. تطور الحركة الوطنية في سورية 1920 - 1939. بيروت: دار الطليعة، 1975.
كوثراني، وجيه. السكان الاقتصاد والسياسة في بلاد الشام في مطلع القرن العشرين. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1980. ________. الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا. بيروت: دار الطليعة، 1996.
ستودارد، لوثروب. حاضر العالم الإسلامي. ترجمة عجاج نويهض. ط 4. بيروت: دار الفكر، 1972.
مختارات سياسية من مجلة "المنار" لرشيد رضا. تقديم ودراسة وجيه كوثراني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
مختارات سياسية من مجلة المنار. تقديم ودراسة وجيه كوثراني. ط 2. بيروت: دار الطليعة، 1996 [1980].
ميكوش، داجوبرت فون. مصطفى كمال: المثل الأعلى. ترجمة كامل مسيحة. بيروت: المكتبة الأهلية، 1933.
الأجنبية
Baumont, Maurice. La faillite de la paix (1918-1939). Paris: P.U.F., 1967.
Kohn, Hans. A History of Nationalism in the East. London: George Routledge & Sons, Ltd, 1920.
Lewis, Bernard. The Emergence of Modern Turkey. 2 nd ed. London: Oxford University Press, 1968.
Nicolas, Maxime. La Nationalité au Liban d'après le traité de Lausanne. Lyon: BOSC Freres & Riou, 1928.
Peters, R. L'histoire des Turcs: De l'empire à la démocratie. Paris: Payot Nevers, impr. Chassaing, 1942.
Rosenthal, E. Islam in the Modern National State. Cambridge: Cambridge University Press, 1965.