العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التاريخ والتحليل النفسي: جينيالوجيةُ علاقة

التاريخ والتحليل النفسي: جينيالوجيةُ علاقة

History and Psychoanalysis: The Genealogy of a Relationship

فرانسوا دوس

الملخّص

تبني المعرفة التاريخية مشروعها عبر حوار جوهري مع التحليل النفسي، حيث تتحول الوقائع إلى نصوص لاواعية تنتظر التفكيك، ولا يقتصر هذا التداخل الجدلي على تطبيقات "النظرية الفرويدية" على أحداث الماضي، بل يتعداه إلى إعادة تعريف التاريخ نفسه كسيرورة علاجية تكشف عن الصدمات المكبوتة للجماعات والأمم. يبرز هنا التحليل النفسي كعدسة مفصحة عن العلاقات الخفية بين البنى الظاهرة والرغبات المتوارية، تراوح بين الإسقاط والتبرير والكبت. يبحث كل من المؤرخ والمحلل النفسي عن المعنى في الفجوات والانزياحات، وأحيانًًا في الصمت أكثر من الكلام. يضعنا فرانسوا دوس في تحليله لهذه العلاقة المتشابكة أمام إشكالية إبستيمولوجية مركزية: كيف يمكن للتاريخ أن يظل موضوعيًًا وهو يخضع لقوانين اللاوعي؟ وإلى أي حد يقدم التحليل النفسي قراءة منهجية في تناوله لوقائع تاريخية حاضرة/ غائبة؟

Abstract

Historical knowledge necessitates an essential dialogue with psychoanalysis, whereby historical events transform into unconscious texts requiring critical deconstruction. This dialectical intersection extends beyond mere applications of "Freudian theory" to past events, advancing toward a fundamental reconceptualization of history itself as a therapeutic process that reveals the repressed traumas of collectivities and nations. Within this framework, psychoanalysis emerges as an analytical lens that exposes the hidden relationships between manifest structures and latent desires – mechanisms operating through projection, rationalization, and repression. Both historians and psychoanalysts pursue meaning through examining discursive gaps, epistemic displacements, and often more significantly, through analysing silence rather than speech. François Dosse's examination of this intricate relationship presents us with a central epistemological problem: How can historical inquiry maintain its claims to objectivity while being subject to the determinisms of the unconscious? Furthermore, to what extent can psychoanalysis provide a methodologically sound reading when addressing absent/present historical realities?

الكلمات المفتاحية:
  • التأريخ النفسي
  • اللاوعي الأرشيفي
  • أركيولوجيا الحدث
  • التأويلية المتشظية
  • عبور التخصصات
Keywords:
  • Psycho-Historiography
  • Archival Unconscious
  • Archaeology of the Event
  • Fragmentary Hermeneutics
  • Interdisciplinary
DOI: https://doi.org/10.31430/GUKE2365 الرقم التعريفي:
التاريخ والتحليل النفسي: جينيالوجيةُ علاقة ***
History and Psychoanalysis: The Genealogy of a Relationship

شهد كل من التحليل النفسي والتاريخ تدافعًا شبيهًا بما حصل بين المقاربة المعيارية والمقاربة التفردية؛ بين السرد وزمنيته من جهة، والتطلع إلى إيجاد تجانسات فعالة وعلاقات سببية، ومطامح علمية من جهة أخرى. ويطرح هذا التقارب العديد من العوائق المشتركة بين الاتجاهين. انبثق من العلاقة التفاعلية بين الماضي والحاضر، الذي دشنته مدرسة الحوليات، تقاربٌ بين المادة التاريخية والتحليل النفسي. وقد بيّن ذلك المحلل النفسي الفرنسي، كونراد شتاين، في كتابه المعنون الطفل المتخيل1، مؤكدًا أن غاية العلاج، من باب المفارقة، هي تغيير الماضي، وهي مهمة تبدو مستحيلة لدى المؤرخ الذي لا يحبذ أن يدير ظهره للماضي بقطيعة لا يمكن تجاوزها، ويتعارض فيها الأحياء والأموات، كما لدى المحلل النفسي الذي يفشل في الاشتغال ببنية غير مكتملة للموضوع المستهدف بالتحليل. نجد تشابهات بين المنهجين في النقطة المتصلة بأهمية الحدث لدى المؤرخ والمحلل النفسي؛ فبالنسبة إلى هذا الأخير، لا يُختزل الحدث في صدمة حادة؛ إذ "لا يمكن تعريف الصدمة بشكل بسيط على أنها حدث خارجي، كيفما كانت درجة عنفها وتأثيرها، ولكن بمنزلة رابط بين خطر خارجي وداخلي، وبين الماضي والحاضر"2. يرى سيغموند فرويد أن الصدمة هي أثر لاحق، يقحم الماضي في فلك الحاضر، عبر مسارات تفضي إلى تقاطعات؛ لذلك فإن مهمة المحلل النفسي هي إبقاء طرفي السلسلة الدلالية بعيدًا عن الحتميات الميكانيكية. استطاعت مدرسة الحوليات، من خلال إحيائها الصلة بين الماضي والحاضر، أن تضع نصب أعينها هذا النوع من التقاطعات التي تكشف عن الماضي داخل الأثر اللاحق. لكن سرعان ما بلغ هذا التقارب بين النهجين حدوده في رحاب الفرضيات الدوركهايمية، وهي نفسها فرضيات المدرسة التاريخية الفرنسية التي شهدت مرحلة طويلة من "كسوف السرد"، وفقًا لما بيّنه بول ريكور في كتابه: الزمن والسرد. توجّه طموح مؤرخي الحوليات العلمي إلى مختلف الأشكال التي تضفي الموضوعية على المصادر، بمسافة مع مقاربة الفهم. فإذا كان التاريخ إبداعًا، فبمعنى فرضياته العلمية، وليس بمعنى الحوار المستتر بين المؤرخ وأولئك الذين جرى إحياؤهم. وشيئًا فشيئًا، تعَّزّز هذا التوجّه، وساهم في إضفاء طابع التعددية على الزمن الاجتماعي، وفي تسلسله انطلاقًا من نماذج تحليلية مستوحاة من علم الاقتصاد: اتجاهات، ودورات، وظرفيات. فقد ظل التاريخ كميّا ولم يلُاحَظ أي خلاص علمي للمؤرخ إلا بالاعتماد على التكميم. وبالكيفية نفسها، تم تبخيس قيمة مكوّن آخر من دعامات الممارسة التاريخية في إطار هذا المنظور العلمي وهو: الحدث/ التحول. مررنا على نحوٍ غير محسوس، من التاريخ بصفته علمًا للتحول والتغيير، كما حدده مارك بلوك، إلى تاريخ شبه ثابت وفق التصور "الجيوتاريخ البروديلي"، وانتهاءً ب "التاريخ الثابت"، وهو عنوان الدرس الافتتاحي لإيمانويل لوروا لادوريه الذي ألقاه في "كوليج دو فرانس". من هذا المنطلق، يصبح الزمن القصير والمقياس التحليلي البشري عدوّين لعلوم الإنسان، ويمنح فيرناند بروديل لهذا المستوى من التحليل معايير كمية معبرة: "لعنة"، و"دخان"، و"نزوة"، و"أوهام خادعة". يبدو أننا بلغنا مرحلة جديدة من الكتابة التاريخية، أكثر عمقًا، وذلك في سياق تحوّل حقيقي، هيرمينوطيقي وبراغماتي4. ويمكن أن تكون هذه اللحظة مثمرة، في إطار التبادل بين التاريخ والتحليل النفسي. إنها تسمح لنا، بعيدًا عن الحدث نفسه، أن نضع في الحسبان السياقَ النصي الذي ينتجه، والآثار التي يخلفها وراءه، والأساطير التي تشتغل حوله، والخطابات المخيالية التي تحتويه. وتصبح كل هذه الأدوات فضاء مميزًا للمؤرخ الذي يعتبِر اليوم أن نظام التمثلات في تحولاتها المتتالية جوهرية في موضوع بحثه. فمن دون دراية بالفاعلين في الحدث، فإن تطور التمثلات لهذا الحدث، وتعدد الروايات التي ينتجها، هما جزء كامل من الحدث

  1. Conrad Stein, L'enfant imaginaire (Paris: Denoël, 1971).
  2. Michèle Bertrand & Bernard Doray, Psychanalyse et sciences sociales (Paris: La Découverte, 1989), p. 132. 3   ينظر: Christian Delacroix, François Dosse & Patrick Garcia, Les courants historiques en France, 19e-20e siècle (Paris: Armand Colin, 1999).

نفسه في تقلّبه مع مرور الزمن. هذا ما بدا جليّا من خلال منظور جورج دوبيه بخصوص "معركة بوفين"5، من خلال تأريخ عناصرها وأساليبها. يمكن المؤرخ الاجتماعي أيضًا تجنب أي شكل من أشكال تجنيس الأدوات الاجتماعية؛ فالحاضر في صورة ماضٍ متبلور أو هيمنة مفهوم التجربة المَعيشة، يسمح هنا أيضًا بإجراء نوع من المقابلة بين الممارسة التاريخية والممارسة النفسية، على الأقل فيما يتعلق بعلاقتهما بالزمنية والذاتية. ويساهم التعريف الذي وضعه المؤرخ بيير نورا فيما يتصل بالطريقة الجديدة المتمثلة في "التاريخ الأنَوي" (نسبة إلى "الأنا)"6، في مسعى مماثل؛ إذ ينطلق من مسلّمة مفادها أن المؤرخ يضيء التاريخ الذي يكتبه، بغض النظر عن تخصصه، محاولًا الكشف عن تاريخه الخاص. لذلك يجب أن يطبق على نفسه المنهجية التي يختبرها على الآخرين. ومع ذلك، يصطدم كل من المؤرخ والمحلل النفسي بالعقبة نفسها؛ وهي المواجهة الضرورية بين الخطاب والواقع. وفي حقيقة الأمر، لا يمكن أن يقيد المؤرخ نفسه داخل دائرة التمثلات، أو حقل خطابي مستقل بالقياس على ظروف ظهوره. وعليه أيضًا أن يأخذ في الاعتبار الأهمية المادية لتسلسل الأحداث؛ أي التاريخ الاجتماعي بالمعنى الواسع. وعلى الشاكلة نفسها، يجب على المحلل النفسي أن يعود إلى ما هو واقعي لأنه يسمح، من دون الخلط بينه وبين الحقيقة، بمنح وضعٍللخيال: "فالحقيقة لها بعد في العلاج، لأننا لا نستطيع التمييز بين ما هو خيالي من غيره إذا لم تكن هناك علامات في الواقع"7.

من تاريخ النفسية إلى تاريخ العقليات: توظيفات مدرسة الحوليات

اشتهر مؤسّسا مجلة الحولياتعام 1929، بلوك ولوسيان فيفر، بفتح آفاق البحث التاريخي على المجالَين الاقتصادي والاجتماعي، غير أن معظم إسهاماتهما العلمية ارتبطت بحقل جديد في المعرفة التاريخية، ألا وهو دراسة الذهنيات. فقد تغذت مصنفاتهما الفكرية على رافدين رئيسيَن وهما: علم النفس الذي كان تأثيره مهمّا في تلك الفترة بصفة خاصة بين المؤرخين الذين رغبوا في تجديد مناهجهم: "فالتاريخ إجم لًا، هو علم النفس ذاته: إنه ميلاد وتطور لما يُسمّى النفسية"8، وأيضًا علم الاجتماع الدوركهايمي، حيث بصم هذا الاستلهام المزدوج مسار مديري مجلة الحولياتبصفة متباينة. انجذب فيفر أكثر نحو المواجهة بين الفرد والعالم الذهني الذي يتدخل فيه؛ وبهذا فتح فجوة نقدية في التاريخ التقليدي للأفكار من خلال وضع مهمة المؤرخ في مستوى التمفصل بين المنجز من الأعمال والظروف الاجتماعية والذهنية التي تمخض عنها. ومن أجل استبطان العالم الذهني والنفسي، فإنه يجعل من الفرد أيضًا عيّنة للتحليل، سواء أكان مارتن لوثر، أو فرانسوا رابليه، أو مارغريت دو نافار، أو مج لًا ماديّا ملموسًا متفرّدًا. فقد كان علم النفس أكثر إلهامًا لفيفر من غيره، وهو الذي دعا إلى تأسيس تاريخ الأحاسيس، والحب، والموت، والعاطفة، والقسوة، والفرح، والخوف... إلخ، لكنه سرعان ما يبين أنه يجب دمج هذا التاريخ في دراسة شمولية لحضارة ما وعدم عزله عن جذوره بصفته شيئًا مبتورًا عن سياقه في إطار تعميمات دياكرونية موسّعة حول الطبيعة البشرية. وتنص ثنائية الفرد/ المجتمع، التي تمثّل جوهر إشكالية فيفر، على ما يلي: "ليس الفرد شيئًا آخر غير ما يعكسه عصره ووسطه الاجتماعي"9. يواجه فيفر من خلال عمله المصير: مارتن لوثر10، نفسية الفرد مع العالم الذهني الذي ميّز ألمانيا خلال القرن

  1. Georges Duby, Le Dimanche de Bouvines (Paris: Gallimard, 1973).
  2. Pierre Nora (dir.), Essais d'ego-histoire (Paris: Gallimard, 1987).
  3. Cornélius Castoriadis, cité par Bertrand & Doray, p. 142.
  4. Henri Berr, 1911, cité par: Jacques Revel, Dictionnaire des sciences historiques (Paris: PUF, 1986), pp. 450-456.
  5. Lucien Febvre, Combats pour l'histoire (Paris: Armand Colin, 1953 [1938]), p. 211.
  6. Lucien Febvre, Un destin: Martin Luther (Paris: PUF, 1968 [1928]).

السادس عشر، فمن وحي هذا الالتقاء انبعث إصلاح الكنيسة، والانشقاق عن روما. وعلى عكس الدراسات التقليدية، فإن من يستحق التقدير ليس هو الفرد، بل هو العالم الذهني، وهو نقطة التماس بين التطلعات الفردية والجماعية. ويبقى الغرض من تطبيق قاعدة الأثر الرجعي في علم النفس هو استعادة المحددات الذهنية للفترات الماضية، والقطع مع تصورات الطبيعة البشرية اللازمنية والثابتة، ومن ثم مع أي شكل من أشكال المغالطة التاريخية؛ أي بالميل الطبيعي إلى نقل أنماط التفكير والأحاسيس واللغة إلى مجتمعات ليس لها معنى أو ليس لها على الأقل المعنى نفسه. هذا هو القصد من عمل فيفر الموسوم ب مشكل الإلحاد خلال القرن السادس عشر: ديانة رابليهالصادر عام 1942: "يجب تجنب خطيئة الخطايا: إنها المغالطة التاريخية، فهي السقطة التي لا تغتفر"11. تساءل فيفر عن وضعية الإلحاد في القرن السادس عشر، وانتقد أطروحة أبيل لوفران، التي جعلت من رابليه عقلانيًا ومفكرًا حرًا. لم تسمح الآليات الذهنية في القرن السادس عشر في نظر فيفر ببروز الفكر المنطقي، الذي بزغ متأخرًا مع الموضة الديكارتية خلال القرن الثامن عشر، ومع غاليليه، وكتاب قواعد اللغة الفرنسية لصاحبه بور رويال. وقد دشن اكتشاف البنى الفكرية في القرن السادس عشر لدراسة التشكيلات الخطابية التي قادها ميشيل فوكو. ويتقاسم بلوك مع فيفر هذا الاهتمام بتاريخ الذهنيات كما أنه يمنح، في سياق بنائه، علمَ النفس مكانةً مركزية. غير أن بلوك لم يكتب تاريخ الذهنيات بالطريقة نفسها التي سار عليها فيفر، فمصدر إلهامه الرئيس مختلف عنه ويتجاوز علم النفس، فقد نهل من ترسانة الأنثروبولوجيا التاريخية الحديثة العهد التي عايشها عن كثب. كان بلوك زميلًا في الدراسة للويس جيرني ومارسيل غرانيه، في المدرسة العليا، ثم جاور هذا الأخير داخل أسوار مؤسسة ثيير في الفترة 1909 - 1912. وكان بلوك من بين هؤلاء الثلاثة، من تأثر تأثّرًا حاسمًا بالدوركهايمية المنفتحة على التاريخ. وَّجَه غرانيه زميله بلوك إلى الاهتمام بالطقوس والأساطير وعلم النفس الجماعي المقارن، ومنظومة المعتقدات؛ وستسمح كل هذه الثيمات بظهور عمل بلوك الكبير والمبكر عام 1924: الملوك صانعو المعجزات. لم تقتصر دراسة بلوك للذهن على مجال الفكر الواعي المنظم، بل حاول البحث عن العلاقات بين المواقف الدينية والوقائع الاجتماعية، لفهم التداعيات السوسيولوجية للتاريخ الديني والانعكاسات الدينية للتاريخ الاجتماعي. وقد مثلت الكنيسة، في هذا المستوى من الكتابة التاريخية، حدودًا بين العالمَين المثالي والمادي. فعلى غرار فيفر، قاوم بلوك التصور السلبي للمؤرخ الذي تسَّيَد في رحاب ما يُسمّى المدرسة "التاريخانية"، وفضّل، على عكس ذلك التساؤل، وضع الفرضيات على محك الوقائع، وليس تلك المكتوبة وفق إملاءاتها. وفي إطار تاريخ الذهنيات، فتح من هذا المنظور أفقًا ثريّا بدعوته المؤرخ إلى أن يكون واعيًا بالمسكوت عنه في الوثائق: "ما يخبرنا به النص على نحوٍ صريح، لم يعد اليوم موضوعًا يثير اهتمامنا"12. فلنأخذ على سبيل المثال، سِيَر القديسين (المناقب) المكتوبة إبّان العصر الوسيط الأعلى، فهي تبرز أن حياة هؤلاء لا تخبرنا بشيء عن الشخصيات التي تدّعي توصيفها. وفي المقابل، تشكل منجمًا للمؤرخ الذي يستفسر عن الأصناف الذهنية في الماضي. يدمج بلوك أيضًا مصادر جديدة، وأدوات مبتدَعة، من أجل تطويق الذهنيات، فهو لا يقتصر على الوثيقة المكتوبة، ولكنه يغنيها بالإيقونوغرافيا، ودراسة الطقوس... إلخ، باعتبارها وسائل تقود إلى لاوعي الممارسات الاجتماعية. إن تجربة كهذه، هي تجربة مَعيشة، قادت بلوك إلى سلك مسار دراسة هذه البنى العميقة وهذه الأصناف الذهنية: شارك في حرب 1914 - 1918 بصفته جنديّا، وبصفته مؤرخًا يفكر في واقعه المعيش: "كانت الحرب تجربة فريدة وكاشفة عن علم النفس الاجتماعي"13. استنادًا إلى هذه التجربة المكتسبة، وانطلاقًا من تبنيه لنهج متكرر اتخذه نموذجًا، تساءل

  1. Lucien Febvre, Rabelais ou le problème de l'incroyance au XVIe siècle (Paris: Albin Michel, 1968 [1942]), p. 15.
  2. Marc Bloch, Apologie pour l'histoire (Paris: Armand Colin, 1974 [1941]), p. 62.
  3. Marc Bloch, "Réflexions d'un historien sur les fausses nouvelles de la guerre," in: Marc Bloch, Revue de synthèse historique , repris dans Mélanges M. Bloch (Paris: EHESS, 1983 [1921]), p. 57.

بلوك عن المعتقد الجماعي فيما يخص قدرة الملوك على العلاج، ليخلص إلى أن الأمر يتعلق بما يمكن تسميته "الخبر الزائف الضخم". ومع ذلك، حينما درس موضوع تاريخ الذهنيات، فقد أدمجه ضمن رؤية شمولية واسعة من خلال المجال المدروس، وطويلة زمنيّا، وأقحم جميع مظاهر المجتمع من دون أن يتخلى عن المظهر السياسي الذي يوجد في الكتاب. يتساءل بلوك عن قوة الشعور بالولاء تجاه المؤسسة الملكية وحيوية ذلك الشعور واستمراريته، ويرى في سماتها الخارقة تفسيرًا محتملًا لذلك التساؤل. كما أنه يضع لبنات تاريخ متجدد للأفكار، يتغذى من أحداث الحياة اليومية أكثر مما يرتشف من الأعمال النظرية. إن طقس الشفاء والقدسية والمسحة الملكية كلها تحديات ورهانات متصارعة بين الكنيسة والأمراء الحاكمين. فالتنافس شديد على هذه الجبهة، حيث الغلبة للأقوى بين هيئتين مهيمنتين في مجتمع العصور الوسطى: أولئك الذين يعبدون، وأولئك الذين يقاتلون. والذي قضى على هذا الاعتقاد هو التصدي السياسي للاستبداد، سواء في إنكلترا مع ثورة القرن السابع عشر، أو في فرنسا مع ارتقاء فكر التنوير خلال القرن الثامن عشر وثورة 1789. فمع تقدم العقلانية وانهيار الاستبداد اختفى تصورٌ للعالم، ونشأ تصورٌ جديد. وبعد مرحلة طويلة من أفول الاهتمام بتاريخ الذهنيات، عاد هذا الأخير إلى واجهة البحث التاريخي ابتداءً من ستينيات القرن العشرين. إن السياق التاريخي، الذي ميّزه الجهد المبذول لتصفية الاستعمار والنجاح الفكري الذي حققته البنيوية، عزّز الاهتمام بالأزمنة الطويلة الثابتة، والاستمراريات، ومقاومات التغيير. ففي هذا الإطار، أحدث تاريخ الذهنيات شغفًا مذهلًا؛ وهو ما سمح للمؤرخ بارتداء عباءة الإثنولوجي لبناء تاريخ اجتماعي - ثقافي. ومن ثَّمَ، كان لتاريخ الذهنيات دور استراتيجي ثلاثي الأبعاد بالنسبة إلى المؤرخين، وخاصة لدى مدرسة الحوليات التي هيمنت على الخطاب التاريخي العاِلم. أولًاِ، إن المقاربة على مستوى الذهنيات تمكّن من تجنّب الشبكة الماركسية القائمة على تراكب مستويَين: البنية التحتية والبنية الفوقية؛ حيث يفضي هذا التمييز إلى إنتاج علاقات سببية ميكانيكية، حتى في صيغتها الأكثر تعقيدًا، الواردة عند الفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير. فمن خلال سمتها التي تشمل مفهوم الذهنيات، فإنها تتموقع عند نقطة تقاطع هذين المستويَين. ثانيًا، إن تاريخ الذهنيات هو إجابة من المؤرخين على الرواج المميز لما سمي "الفرويدية" التي لاحت بقوة في سنوات السبعينيات؛ إذ استطاع (أي تاريخ الذهنيات) أن يجد له موقعًا في تربة الحقل النفسي، عبر ترسيخ علم النفس الفردي في الجماعي. ومن ثَّمَ، تمكّن المؤرخون أن يبلغوا لاوعي الممارسات الجماعية، ووضع اليد على مجال معروف بصعوبة اختراقه من تخصص وصفي وإمبريقي في الغالب، ومحدود في دائرة الوعي. وباستعادة اللاوعي، ومحاولة تاريخانيته من خلال مخلفاته، وإيجابية الواقع المعيش، استطاعت بذلك المعرفة التاريخية استملاك حقول جديدة. ثالثًا، أرجعت الموجة البنيوية المؤرخ ومقاربته الدياكرونية إلى القرن التاسع عشر؛ إنه تحٍّدّ كبير لتخصص التاريخ الذي أصبح مهددًا بأن يصبح نشاطًا متحفيّا محضًا. وسيتفاعل مؤرخو الحوليات مع هذا الوضع، من خلال الانخراط في الحقل الجديد والخصب الذي مثله تاريخ الذهنيات والأنثروبولوجيا الثقافية، وسينتزعون من البنيويين مجالهم البحثي المفضل. في سياق إعادة توجيه الاهتمام نحو المجال الذهني، كانت اللحظة الحاسمة هي تنظيم ندوة في المدرسة العليا للأساتذة بسان كلود عام 1965 تحت إشراف إرنست لابروس وبمعية مجموعة كبيرة من الطلبة الذين شاركوا في إعداد دراسات مونوغرافية جهوية لتشكيل تاريخ اجتماعي أكثر علمية، يركز على الفئات والطبقات الاجتماعية من خلال التكميم. ومن ثم فتح لابروس أفقًا جديدًا في البحث، كان قد بدأه علماء الاجتماع من قبل، تمثّل في دراسة كل ما يستحيل اختزاله في التغيير، ألا وهو الذهنيات. وقد قال في هذا الصدد: "هل ترغبون في أن أدلي باعترافي [...] حسنًا، لقد أنتجنا إلى حدود اللحظة تاريخًا للحركات، ولم نقم بما يكفي لإنجاز تاريخ المقاومات حتى الآن [..] إن مقاومة الذهنيات القائمة هي من العوامل الرئيسة للتاريخ البطيء"14. وسيتخلى العديد من الباحثين، أتباع لابروس، عن مشاريعهم المرتبطة بالدراسات الوصفية للوقائع الاجتماعية، بإعادة توجيهها إلى دراسة الذهنيات. ألهمَ هذا التوجه

  1. Ernest Labrousse, L'histoire sociale (Paris: PUF, 1967), p. 5.

السائر من الأسفل إلى الأعلى، بحسب تعبير ميشيل فوفيل، جيلًا كاملًا من المؤرخين، عبر الانتقال من دراسة البنى الاقتصادية إلى تاريخ الذهنيات. وقد وجد فيه الأمد الطويل فضاء مثاليّا، وهو نفس ما شهدته المقاربة التسلسلية المستلهمة من الأساليب المعتمدة إلى حد الآن في البحث عن المنحنيات الديموغرافية والاقتصادية. يَعتبر دوبيه أن تاريخ الذهنيات يشكّل الحلقة الدقيقة من التاريخ الاجتماعي، ونقطة التقاطع بين العالمين المثالي والمادي. وقد سعى مؤرخ الذهنيات إلى ضبط المتناقضات والتفاوتات المتعددة بين الواقع الاجتماعي والتمثلات. وحدّد دوبيه منذ عام 1961 مكانة الذهنيات في البحث التاريخي15، لكن لم يتصوره بصفته وحدة مستقلة؛ إذ رأى على العكس من ذلك أنه لا يجب أن نقتصد في العلاقة بين ما يسميه الماركسيون البنية التحتية والبنية الفوقية. فالذهنية، بالنسبة إلى دوبيه، لها زمنيتها الخاصة بها، حيث قسمها وفقًا للشبكة البروديلية إلى ثلاثة أنساق زمنية: الأول سريع، منبثق من مشاعر لحظية، من ظرفية، وينطلق من الإشاعة وصولًا إلى أبسط صياغة تعبيرية بدلالاتها المؤقتة؛ ويرصد الثاني تطوّر السلوكيات والمعتقدات المشتركة بين فئة اجتماعية معينة؛ وأخيرًا، على المدى الطويل، الأطر الذهنية الأكثر مقاومة للتغيير، والإرث الثقافي، ومنظومة المعتقد أو نمط السلوك الذي يدوم ما بعد الحدث. ومن أجل تطوير تاريخ الذهنيات، عمد دوبيه إلى تحويل نظرة المؤرخ لسرد الأحداث الماضية، والبحث عن صحة الآثار التي تركتها الأنساب وسِير القديسين والأخبار، ليدرس من خلال هذه المصادر نفسها التمثلات التي تتوافر عنها مرحلة ما عن تاريخها وعن ذاتيتها. وهكذا، لم تعد الوثيقة شاشة بين واقع تجري إعادة بنائه وبين المؤرخ، بل تصبح هي موضوع تبلور الشفافية. لم يعد المؤرخ يتصور الذهنيات على أنها موضوع إضافي بسيط، من شأنه السماح لمجال المؤرخ أن يتشظى إلى قطع متنافرة؛ بل صارت تدعو إلى ضرورة تشكيل بناء ونسق متجانس، أكثر صعوبة وأكثر أهمية في الوقت نفسه. وعلى المنوال نفسه، حينما حدد فوفيل مكانة تاريخ الذهنيات، أدمجه ضمن التاريخ الشامل. ويتفرد مفهوم الذهنية بكونه أوسع من مفهوم الأيديولوجيا؛ إذ يحتوي على بعد أكبر، فهو يسمح بالانتقال من دراسة الوعي المصوغ على نحوٍ جلٍّيٍ من المؤسسات أو الأفراد إلى ما هو غير مؤَّسَسي، وإلى المواقف والتمثلات غير الواعية. لذلك يجب أن يأخذ العالم الذهني في الاعتبار ما هو أيديولوجي مع تجاوزه في الآن نفسه؛ إذ غالبًا ما يتم تقديمه على أنه صهارة عديمة الشكل ومن دون تمفصل ممكن. ويتميز هذا التعقيد بسعة بالغة في حركة الفعل المزدوجة هذه، وفي عملية الارتداد بين الواقع والمتخيل. أما بالنسبة إلى زمنية الذهنيات، فإنها تتطور بشكل عام بوتيرة أبطأ من وتيرة تطور المجتمع وفقًا للتحليل الماركسي. ومن ثَّمَ أمكن وصفها كما فعل بروديل أو لابروس. من جهة أخرى، يشير فوفيل إلى المظهر المتجدد لأنظمة التمثل، ويقول: "على العكس من ذلك، يجب أن نتحدث عن الإبداع الحقيقي لهذا المتخيل"16. غير أن هناك استعم لًا آخر لتاريخ الذهنيات، ساد على نحوٍ واسع في السبعينيات من القرن الماضي وهو محاولة البحث من خلال تقاطع البيولوجي والثقافي عن الطبيعة البشرية وآثار اللاوعي الجماعي. ويتيح هذا التوجه إمكانية التموقع في ميدان التحليل النفسي وإخفاء التاريخ الاجتماعي أو حجبه. ولذلك، تاريخ الذهنيات هو ظاهرة "قد يحلّ بموجبها اللاوعي الجماعي، في سياق ما تمكنه الثقافات الشفوية وما تصدّه الثقافات المكتوبة، محلّ اللاوعي الفردي الفرويدي أو يتراكب معه"17. ومن ثم تميل الأمور إلى التصور اليونغي (نسبة إلى كارل يونغ) أكثر منه إلى الفرويدي لتعقب النماذج الأصلية، وثوابت الطبيعة البشرية العابرة للتاريخ، حيث يقول فيليب أرياس في هذا الصدد: "في اعتقادي، الانزياحات الكبرى التي تصيب الذهنيات، ومنها المواقف تجاه الحياة والموت، مرتبطة

  1. Georges Duby, "L'histoire des mentalités," in: Charles Samaran (dir.), L'Histoire et ses méthodes (Paris: Gallimard, 1961).
  2. Michel Vovelle, Idéologies et mentalités (Paris: Maspero, 1982), p. 93.
  3. Philippe Ariès, "L'Histoire des mentalités," in: Jacques Le Goff (dir.), La nouvelle histoire (Paris: Encyclopédie Retz, 1978), p. 423.

بمحركات دفينة وأكثر سرية عند حدود البيولوجي والثقافي، بمعنى عند اللاوعي الجماعي"18. يُعد أرياس في هذا الميدان باحثًا متفرّدًا، والرائد الحقيقي في فرنسا فيما يتصل باستكشاف الذهنيات، فقد أصدر منذ عام 1948 كتابه تاريخ السكان الفرنسيين ومواقفهم من الحياة. كانت نظرته قد ظلت تَحُِّنُ إلى مجتمع الأمس التقليدي، لدرجة تقديمه صورة خادعة عن عصر ذهبي. وترتبط دراسته بالتغيرات ذات الصلة بثيمة واحدة، هي التطور الداخلي لفكرة الطفولة، والأسرة، والسلوكيات الناتجة منها. في هذا المستوى، لا يمكن استبعاد مساهمة أرياس أو تبخيسها، فبالرغم من بقائه حبيسًا للمقاربة الوصفية المتعلقة بالعالم الذهني، فإنه فتح مجالات اهتمام جديدة أمام البحث التاريخي، إضافة إلى إحرازه السبق بخصوص إجابته عن سؤال الكَيْف. ونجد لاحقًا النهج التسلسلي نفسه في عمل أرياس حول الموت على مر تاريخ الغرب الأوروبي، عبر تتبع تذبذبات اللاوعي الجماعي بحسب آليات التأقلم وانعكاس الدلالات.

1.مسألة العبور عند الحدود

يرتبط السؤال المركزي، الذي يخترق علاقات المنهج التاريخي مع التحليل النفسي بالنسبة إلى المؤرخ، بإدراك هذا السؤال: هل من الضروري الاقتصار على بعض الحالات الفردية في استقراء بنية اللاوعي، أو اللجوء إلى وضع تعميمات جماعية؟ وقد مورس هذا النوع من التحويل بكيفية جامحة بعض الشيء لاعتبارات مرتبطة بمناهج التحليل النفسي في مجال التاريخ، خاصة في سنوات السبعينيات من القرن الماضي. اعترف لادوريه في درسه الافتتاحي في كوليج دو فرانس، بتأثير فرويد في مقاربته، خاصة الأولى، على عكس "أتباع ألتوسير" الذين لا يعترفون إلا بماركس الناضج: "بالنسبة إلينا، لم يكن فرويد أبدًا لا شيخًا، ولا حتى مجرد ناضج"19. كان هذا التأثير في العمل التاريخي مزدوجًا: فقد ساهم العمل الفرويدي في فهم بعض الثورات الشعبية بصفتها تعبيرًا عن هستيريا الردة، ومن ناحية أخرى، تمكن من ضبط تأثيرات الصدمة في تحديد النسل: "وفي كلتا الحالتين، بقينا في حدود فرويد في سنواته الأولى، قبل اكتشاف عقدة أوديب، أي في مستوى 'رسائل إلى فيلهلم فليس'، و'دراسات حول الهستيريا'"20. ولذلك، يقدم لادوريه في أطروحته عن فلاحي لانغدوك "ثورة الكالفينيين" ضد لويس الرابع عشر باعتبارها هستيريا الردة. في هذه الحالة المحددة يأخذ مرض العصاب معناه ومعالمه من الكبت الجنسي الذي فرضته طائفة "الهوغونو" البروتستانتية، والذي كان سيفضي إلى تعصب دموي: "فهناك على الخصوص صلات عميقة بين أعياد السبت والثورات، على مستوى البنى الذهنية والنفسية اللاواعية"21. ظل تقييم اللاوعي الجماعي قاعدة أساسية لنجاح التاريخ النفسي الذي قاده ألان بيزانسون في سبعينيات القرن العشرين. فهو يدافع أيضًا عن تصور ثابت ينطلق من فرضية أولية، ترى أن اللاوعي يعمل وفقًا للقواعد نفسها لدى الجميع، ويسمح بوضع نوع من التعميم على الطبيعة الإنسانية اللاواعية والثابتة: "يبدو لي أن علم النفس التحليلي ينحاز إلى أولئك الذين يؤكدون عدم قابلية الإنسان للتغير. فبالنسبة إليه هذا هو شرط ممارسته بصفته منهجًا تاريخيّا"22. وقد سمح هذا المنظور لبيزانسون باختزال كل مظهر تاريخي في التعبير عن اللاوعي الجماعي الذي يجعل كل ميل إلى التغيير تافهًا. هناك أمثلة أكثر إقناعًا حول جدلية التداخل بين التاريخ وعلم النفس التحليلي. يمكن أن ندرج هنا أبحاث عالم النفس الألماني إريك إريكسون حول لوثر. ربما يكون صاحب الإصلاح الديني، في انشقاقه عن كنيسة روما، قد أعاد إنتاج علاقات الصراع مع والده.

  1. Philippe Ariès, Essai sur l'histoire de la mort en Occident (Paris: Seuil, 1975), p. 222.
  2. Emmanuel Le Roy Ladurie, "Leçon inaugurale au Collège de France," in: Emmanuel Le Roy Ladurie, Le territoire de l'historien (Paris: Gallimard, 1973), p. 11.
  3. Ibid., p. 12.
  4. Emmanuel Le Roy Ladurie, Les paysans de Languedoc (Paris: Flammarion, 1969), p. 244.
  5. Alain Besançon, L'histoire psychanalytique (Paris: Mouton, 1974), p. 11.

يستخدم إريكسون، في هذه الحالة بالذات، المنهج التماثلي، باعتباره متخصصًا في علاج الأطفال الذين يعانون الاضطراب السلوكي الناتج من ظروف وسطهم الأسري. وبذلك، يُسقط ملاحظاته على المجتمع الألماني في القرن السادس عشر من خلال شخصية لوثر. فقد رغب والده في أن يصير ابنه وريثًا لعائلة رأسمالية تستثمر في التنقيب بمناجم الفضة، في حين أنه أصيب بخيبة أمل حينما علم أن ابنه قرر أن يدخل الَّدَيْر، وهو ملاذ تلجأ إليه عادة الأسر المتواضعة. ومن هنا بدأ في التعامل بغضب مستمر مع ابنه لوثر إلى درجة السخط. يرى إريكسون في هذا الرفض الأبوي وحالة اليأس الذي أحدثه في نفسية الابن روحَ الحياة البروتستانتية، المتسمة بالتقشف، وذلك على خلفية تراجيدية، والتي دافع عنها لوثر ضد روما بعد أن صار راهبًا. يُعدّ هذا التوضيح مثيرًا للاهتمام والأنسب، بالنظر إلى حالة فردية، لكنه لا يقول شيئًا عن سبب التحامل الذي لقيه لوثر في انتقاده لمظاهر البذخ والأبهة الرومانية والتسامح والغفران. إلا أن تحليله يُغيّب البعد الاجتماعي – التاريخي، الذي لا يستقيم من دونه فهم سياقات نجاح البروتستانتية. وبناء عليه، فقد أصبح لوثر خارج الزمن. لطالما عَّبَر ميشيل دو سيرتو، وهو المشتغل بصرامة شديدة على واجهتي التخصصين (التاريخ والتحليل النفسي)، عن عدائه الشديد لأي شكل من أشكال تسخير علمٍلفائدة علم آخر. وبصفته مشتغلًا بعبور التخصصات، فإنه يشترط احترام الصلاحية الخاصة بكل مفهوم يتمّ توظيفه. وهذا بالفعل ما عبّر عنه بصرامة حين قال: "ربما هذه النقطة هي ردة فعل في حد ذاتها ضد طريقة ما من استغلال التحليل النفسي. فقد أظهر عدد من الدراسات، سواء في الإثنولوجيا أو التاريخ، أن استعمال مفاهيم التحليل النفسي قد يتحول إلى بلاغة مُستحدثة، وفي هذه الحالة، تتحول إلى أشكال تعبيرية، ولذلك، تصير العودة إلى المفاهيم الفرويدية (التحويل، عقدة أوديب، موت الأب... إلخ) صالحة لكل شيء وقابلة للاستعمال في جميع الحالات، فيسْهُل اختبارها على أماكن معتمة في التاريخ [...] فتطِّوِق ما يتعذر تعليله ولا تفسره، وتعترف بقصورها. وبناء عليه، يتم وضعها حيثما يترك التحليل الاقتصادي أو الاجتماعي مج لًا هامشيّا للتفسير"23. جدد دو سيرتو دعوته إلى هذا التحذير المنهجي، في مقابلته مع المؤرخة والمحللة النفسانية السويسرية، ميراي سيفاليه، في عام 1983، حيث أثار المبادئ المعتمدة في مؤلفه الموسوم ب الخرافة الغامضة: "رفضتُ كلّ خلط، ففي مقدمة الكتاب، أردت فقط توضيح منطلقي، المتقلب على مدى عشرين عامًا، من التجربة بين أسوار مدرسة جاك لاكان الفرويدية. هذا يعني أنني غيرت من أسلوب تفكيري، وليس انخراطي في نوع من المقارنة العشوائية التي تبتغي البحث عن العقد الأوديبية والأنا العليا، أو عن استئصالات من بين حزمة وثائق الأدب الصوفي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. فمفاهيم نظرية ما ترتبط بالوظائف التي تؤديها، فيستحيل أن تصبح موضوعات تخصص آخر، كالتاريخ مثلًا الذي لديه قواعده وجهازه المفاهيمي الخاص به"24. فما انتقده دو سيرتو، ساد في السبعينيات من القرن الماضي، لأن التحليل النفسي آنذاك سخّره ذلك التاريخ الذي أدار ظهره للفعل الإنساني مانحًا منطقَ المدة الطويلة والاستمراريات والثوابت الأسبقيةَ. عندما استدعى المؤرخون دو سيرتو لكتابة فصل "التحليل النفسي والتاريخ" في المجلد الجديد الذي احتفى بنجاح "التاريخ الجديد" عام 197825، اعتبرها فرصة ذهبية لتحديد نقاط الالتقاء بين هذين الحقلين المعرفيَين "المتنافرَين"، وأيضًا لقياس ما يفصلهما26. إذا كان على هذين الحقلين الاشتغال مع الذاكرة، وارتداداتها وحدودها التي تطارد الحاضر مثلما يطارد الموت الإنسان

  1. Michel de Certeau, "Ce que Freud fait de l'histoire," in: Michel de Certeau, L'écriture de l'histoire (Paris: Gallimard, 1975), p. 292.
  2. Michel de Certeau, "Entretien avec Mireille Cifali," Le Bloc-Notes de la psychanalyse , no. 4 (1984), p. 156.
  3. Le Goff (dir.), p. 17.
  4. Michel de Certeau, "Psychanalyse et histoire," in: Ibid., pp. 477-487; Repris dans Michel de Certeau, Histoire et psychanalyse entre science et fiction , Collection Folio essais (Paris: Gallimard, 1987), pp. 97-117.

الحي، فإنهما يمتلكان، بحسب دو سيرتو، استراتيجيتين مختلفتين عن الزمن، وطريقتين متباينتين في التعامل مع مجال الذاكرة. فالتحليل النفسي يُشِغِّل آثار الذاكرة في تفاعل مع الحاضر، في حين أن التاريخ يفرض قطيعة بين بُعد الذاكرة ولحظة تحيينها: "فالأول يقرّ بوجود هذا في ذاك، والثاني يضع هذا جنب ذاك"27. ومع ذلك، أصبحنا الآن على بينة من استخدامات أقل عشوائية، وعلى العكس أكثر إيحاءً لأعمال فرويد في أبحاث المؤرخين. فإضافة إلى العمل المميز ذي الاتجاهين للمحلل النفسي جاك ناصيف والمؤرخ فيليب بوتريه28، أظهرت لين هانت مؤخرًا كيف يمكننا إعادة قراءة الثورة الفرنسية، من خلال مفهوم فرويد ل "السردية العائلية"29، حيث استندت إلى أحد النصوص التاريخية النادرة لفرويد وهو الطوطم والطابو، وربطت بين النشاط الدؤوب للفاعلين في الثورة والسرد الأسطوري للبدايات. ومن ثَّمَ، أقامت ترابطًا بين قتل الأب على أيدي أبنائه الذين كانوا يسعون من خلال هذا الانتهاك لتعويض اتهامهم بتأكيد قوة تضامنهم الأخوي، وما نتج من ذلك سياسيًا من تمثيل سياسي للحكومة الثورية بعد قطع رأس لويس السادس عشر. ومن دون شك، فاستعمالها لمفهوم اللاوعي الجماعي أمر يناقش، لكنها حرصت على عدم إسقاط علم النفس الفردي على مجال التاريخ: "إنني لا أدعي اختزال السياسة في استيهامات فردية أو جماعية"30. سعى مشروعها الفكري لتأويل تجربة الثورة الفرنسية من خلال إخضاع السرد الفرويدي لاختبار النقد التاريخي عبر استكشاف المتخيل السياسي لهذه الفترة بمجرد اختفاء رمز الملكية. وتطلبت دراستها فحصًا لمصادر متنوعة جدّا، وفتحت للمؤرخ أيضًا جميع أشكال التعبير الفني، وظلت قريبة من تمثلات العصر، مبِّيِنة تزايد التطلع إلى الأب الصالح طوال القرن الثامن عشر، واستبداله، عند استحالة تحقيق هذه الغاية، بجماعة الأشقاء الذين يبحثون عن استقرار عقد اجتماعي ضامن للنظام الجديد: "وهكذا وكما بين ذلك فرويد، بعد قتل الأب، لم تعد السيطرة الذكورية على العالم أمرًا بديهيًا أبدًا"31.

2.التاريخ على محك التحليل النفسي: فرويد المؤرخ؟

مع ذلك فإن فرويد نفسه، قد انهمك في أبحاث تاريخية حتى وإن أعلن مزحة كتابتها وهو يدخّن الغليون لتمضية الوقت. فقد بيّن من خلال شخصيتَي موسى، والرئيس الأميركي توماس وودرو ويلسون، تصوره للتاريخ المستند إلى التأويل النفسي. فالصورة التي رسمها لشخصية ويلسون بين عامَي 1923 و 193332، ليست مجرد دراسة نفسية بسيطة لرئيس الولايات المتحدة الأميركية، ولكنها محاولة للإجابة عن سؤال: كيف يمكن أن يكون الهذيان الوجداني مصدرًا لإنكار الواقع؟ وراء هذا التحليل النظري، لا يخفي فرويد موقفه الشخصي باعتباره مواطنًا نمساويّا يشعر بنوع من الكراهية المفرطة إزاء المسؤول عن معاهدة فيرساي. وقد ألهمت هذه السيرة تيارًا كاملًا من المنتسبين إلى حقلَي السيرة النفسية والتاريخ النفسي اللذين شهدا ازدهارًا ملحوظًا في الولايات المتحدة استنادًا إلى هذا العمل المؤسس لفرويد. وكان ثاني مشروع تاريخي لفرويد هو كتابه موسى والتوحيد الذي نُشر عام 1939. فقد اعتمد فيه على أعمال أوتو رانك، وبيّن كيف تشكلت أسطورة البطل موسى الذي قاوم بنجاح السلطة السياسية لفرعون، وقاد شعبه وراءه بمنحه تشريعًا. اهتم فرويد هنا بقضايا الأصول، حيث يستهل تحليله بفرضية مفادها أن موسى كان مصرًّيًا: "سيظهر لنا بوضوح فجأة أن موسى كان مصريّا وربما

  1. Ibid., p. 99.
  2. Philippe Boutry & Jacques Nassif, Martin l'Archange (Paris: Gallimard, 1985).
  3. Lynn Hunt, Le roman familial de la Révolution française (Paris: Albin Michel, 1995).
  4. Ibid., p. 11.
  5. Ibid., p. 224.
  6. Sigmund Freud & William Bullitt, Thomas Woodrow Wilson (Paris: Albin Michel, 1967).

مصريّا من أصل نبيل"33. وتُشدد قراءة دو سيرتو لفرضية فرويد هذه على طابع الخيال المرتبط بالتاريخ في هذا السفر نحو الزمن الأصلي المستحيل: قال فرويد "هذا استيهام"34. لذلك نجد أنفسنا، في هذا الفضاء المُلتبس المعنى، بين الخيال والتاريخ. ومن جهة أخرى، فإن كتاب موسى والتوحيد ليس دراسة حول الثقافة اليهودية فحسب، بل يتعداها إلى رصد نمط الكتابة لدى فرويد، والتي طرح خلالها موضوع علاقة المؤلف بمشروعه العلمي، وبمهمته كاتبًا في نهاية حياته، علمًا أن الكتاب صدر بعد وفاته بعام. ثمة طريقة لقراءة أعمال فرويد على نحوٍ تاريخاني بهدف التمييز بين ما هو صحيح وبين ما هو زائف، ولكن هناك أيضًا بُعد يمكن أن يُؤخذ على محمل الجد استيهامه بوصفه رواية نظرية: "تظهر هنا السردية التحليلية (أو العلمية)، ولكن مرة أخرى في شكل سرد تاريخي"35. يتساءل دو سيرتو عن الأسلوب الغريب المقلق في الكتابة الفرويدية التي تبعده عن المقاربة التاريخية، وفي المقابل، كيف يمكن أن يتأثر البحث العلمي بتحليل فرويد؟36 يعيد دو سيرتو تمثيل نقطة البداية بدقة، من خلال التساؤل عن شخصية موسى التي أثارت اهتمام فرويد منذ البداية، وأصبحت عقدة أساسية في المطارحات التي يبديها حول قضية البنى التأصيلية لمعاداة السامية خلال عامي 1933 و 1934 التي شهدت انتصار النازية. ونتيجة لذلك، تتضح المشاركة الفعالة لذاتية فرويد نفسه وللثورة التحليلية التي دشنها في موضوع دراسته: "يتداخل أصل صورة اليهودي مع أصل الكتابة الفرويدية باستمرار. والموقع الذي ينطلق منه فرويد ومنجزه الفكري يتداخل فيهما النص بالموضوع المستهدف بالتحليل"37. يرى دو سيرتو في ذلك نشوء نظام تاريخاني جديد، حيث لا ترتبط الأحداث أبدًا بالتسلسل الزمني أو تتابع الأحداث، حيث يتعارض الماضي المنتهي بالحاضر، بقدر ما يرتبط بالتعايش بين زمنيات في الساحة التجريبية نفسها، وفي تشابك بين الماضي في الحاضر. "في هذا المقام، يتحرك الماضي والحاضر في مكان واحد ومتعدد. ومن 'مستويات' النص، لا يشكل أي مستوى مرجعًا للمستويات الأخرى "38. إن النهج الذي اتبعه فرويد في الحقل التاريخي هو تحليلي بامتياز، حيث يتعلق الأمر بالموضوع نفسه، الذي يعاود اكتشافه انطلاقًا من هذا التناقض اللفظي الغريب والمسيء للِّدِين، المرتبط بِ "موسى المصري" الذي يحيل وفقًا لِدو سيرتو، إلى الانشطار الأساسي للموضوع، وإلى استبطان هذا التجزؤ، وإلى قطيعة تتيح ما صار يُعرف بالشعب المختار: "إن الهوية ليست واحدة، بل مزدوجة، هي هذا وذاك"39، حيث يُستعاد المبدأ نفسه للكتابة التاريخية. ويتجلى البعد الآخر في كتابة فرويد في السؤال الذي يطرحه بخصوص العلاقات القائمة بين الكتابة والمكان. والحال، بحسب فرويد، أن الأمة هي وهم وبناء متأخر، ومن ثم، لا يمكن أن يسمح المرء لنفسه بمكان، لأنه يجد نفسه محرومًا إلى الأبد من تربته الوجودية. أكد دو سيرتو أنه قد تتبع، بصفته مؤرخًا، فرويد في استدلاله. فقد انطلق من فكرة سد ثغراته (فرويد) في المعرفة التاريخية، واعتبر أن موسى المصري به ثغرات جديدة تقوض "المكان الذي تسمح به الهيستوريوغرافيا، والميدان الذي هو نتاجها النصي"40. إذا كان التاريخ معتادًا مسألة الآخر بوصفها جدليات زمنية، فإن ما يتم الشك فيه هنا هو البناء الذي يقوم عليه، من أجل أن يمتد في أمكنة "خاصة"، تعود إما إلى الماضي أو الحاضر، ومن ثَّمَ المتراكبة أو المترابطة وفقًا لمعايير جينيالوجية. وبالقياس على منطق

  1. Sigmund Freud, Moïse et le monothéisme , Collection Idées (Paris: Gallimard, 1975 [1939]), p. 17.
  2. Michel de Certeau, "La fiction de l'histoire. L'écriture de Moïse et le monothéisme ," in: Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 312.
  3. Ibid., p. 313.
  4. Ibid.
  5. Ibid., p. 316.
  6. Ibid., p. 317.
  7. Ibid., p. 319.
  8. Ibid., p. 353.

المكان هذا باعتباره سلطة، تنتصب الممارسة الفرويدية المرتبطة ب "سوء الفهم" و"الخيال" المنظورة، لكن المبعَدة في الكتابة التاريخية تحت تأثير التقليد، مع احتفاظها بالطابع الديني الهائل من خلال أشكال التعبير السردي؛ فالسرد هو التجميع المستحيل الذي يدعم العلاقة بين العلمي وعناصره المبعَدة"41. يرى دو سيرتو في "الرواية" الفرويدية شكلًا تنظيريّا لهذا النوع من الخيال العلمي الذي يميز التاريخ أيضًا. قام فرويد بالفعل على شاكلة المؤرخ، من خلال فرضيات متتالية، بمساءلة المسكوت عنه، والمستور، ومناطق العتمة، وصولًا إلى الطابع المأزقي لكل إعادة بناء شامل للماضي الذي لا يمكن مقاربته إلا من خلال شظايا صغيرة من الحقيقة. هذا ما يزيح مفهوم فاعلية الحقيقة في التاريخ، التي لا ترتبط دائمًا بالواقع؛ لأن ما يهيمن في التقليد يحيل بصفة أكبر على ما يترك أثرًا في الهوية السردية التي تطبع جماعة بشرية أو شخصية عمومية حول حدث مؤِّسِس: "أردنا أن نثبت أن الديانة اليهودية لم تؤثر في الشعب اليهودي إلا عندما أصبحت تقليدًا"42. تنفتح هذه القضية على تعدد الأزمنة المتداخلة، حيث يرصد دو سيرتو عند فرويد في كتابه موسى والتوحيد استعم لًا لمفهوم الزمن الذي لا يفقد شيئًا من حركيّته التي تتكرر عند تغيير المضامين. يتمحور التوضيب المشهدي عند فرويد حول لحظتين: لحظة الزمن البدائي؛ أي لحظة العلاقة الثابتة بين الاسم المتصل بالشخصية وبين الواقع، ولحظة زمن النفي، الذي يتم من خلاله افتكاك الاسم عن الموضوع. وفي هذه الحالة، يستمر التاريخ في التقدم ولكن بصفة متعثرة. وفي هذه السيرورة، يصبح الكلام مستحيلًا، فتعوض الكتابة هذا النقص وهذا الغياب في شكله المخيالي. وتهتمّ الدراسة التحليلية الفرويدية الأخرى، التي اتخذها دو سيرتو نموذجًا لفهم علاقتها بالتاريخ، بالعصاب الشيطاني في القرن السابع عشر، والذي درسه فرويد عام 192243. يتعلق الأمر بحالة رسام من بافاريا يدعى هايتزمان "أصابه مسّ من الجن"، فأصبح متدينًا بعد تطهيره من الأرواح الشريرة. وفي هذا المثال، يعالج فرويد حالة معتادة في مجال مألوف لدو سيرتو من خلال كتاب مَسّ شيطان لودان. يتساءل دو سيرتو، إن كان لدينا مع عمل فرويد، نموذج متعدد التخصصات يعمل بأدوات التحليل نفسها في مجال التاريخ. في الواقع، يحوّل فرويد المخطوط الذي يتوفر عليه إلى وثيقة تاريخية "بطريقة خاصة به"44. وبالرغم من أن "عصاب هايتزمان" يبدو مرتبطًا، من خلال موقعه وزمنه التاريخي، بحالة وثيقة تاريخية كلاسيكية، فإنه لا يصبح تاريخيّا إلا "عندما يتم تكييفه بوصفه إشكالية تاريخية، تفترض من فرويد أن يكشف عنها من خلال طبيعة عمله التأويلي"45. في هذه الحالة بعينها، هناك بعدان تاريخيان يتطلب تفسيرهما الوفاء لمقومات العصر الكلاسيكي. فمن جهة، التعارض الذي حدده فرويد بين الله والشيطان، حيث "تصبح الدولة بديلًا من الأب"46، بسبب الانقسام الديني بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين، والذي أدى إلى زعزعة اليقينيات. ومن جهة أخرى، مكنته عهود هايتزمان مع الشيطان من اكتساب أب آخر في زمن لا يوجد فيه أب يمكن اللجوء إليه.

  1. Ibid., p. 357.
  2. Freud, p. 171.
  3. Sigmund Freud, "Une névrose démoniaque au XVIIe siècle," in: Sigmund Freud, Essais de psychanalyse appliquée (Paris: Gallimard, 1952 [1922]), pp. 213-254.
  4. Michel de Certeau, "Ce que Freud fait de l'histoire. A propos d'une névrose démoniaque au XVIIe siècle," Annales E.S.C. , vol. 25 (1970); Repris dans Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 296.
  5. Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 296.
  6. Ibid., p. 298.

ومن ثم أصبح المشكل هو مدى وضوح الماضي الذي يبدو لفرويد أكثر شفافية كلما بدا أقدم: "الأقدم هو الأوضح"47. ما استند إليه فرويد من وثائق لا يرتبط كثيرًا بالواقع، بل ببناءات تاريخية. فالعمل التاريخي يقضي بإخفاء ما هو جلي: "ويبقى الأصل حاضرًا في دراسته"48. فيما يتعلق بحالة هايتزمان، يشير فرويد إلى وجود "أب بديل" في صورة شيطان، وعلى الأب الجديد أن يكرس نفسه كليّا "للحصول على شرف لقب الابن"49. وهكذا، يتم تصور التاريخ على أنه سلسلة احتمالية من العلاجات، ويلجأ الفعل الفرويدي إلى قاعدة داخل الممارسة العلمية، مشابهًا إلى حد ما لغموض التاريخ نفسه، الذي يتأرجح ما بين الأسطورة وشيء آخر غير الأسطورة. ولم يكن دو سيرتو هنا واضحًا فيما ذهب إليه في نقده، فهو يضع مسافة حاسمة تجاه المنعطف المنطقي في عمل لاكان؛ لأن العلم هو الذي يتحدث، واضعًا إياه في تقابل مع فرويد: "ففي مقابل الجنون الذي يأتي قبل العلم لدى فرويد، ثمة جنون يتحدثُ العلمَ، فيمتزج العلمُ الذي 'يسمح' بالعاِلم الذي 'يسمح' لنفسه"50. بحسب ما لاحظه دو سيرتو، يقترح فرويد قراءة أخرى للوثيقة التاريخية، حيث يتخذ أي سرد في علاقته الممكنة مع بنية أو حدث. ففي رأيه، إن الماضي المؤسس للمشاهد البدائية واللقاءات الأولية يمحي الحاضر ويُبعده، وفي الوقت نفسه ينظم هذا الحاضر. يصف فرويد هذه العلاقة الثنائية بين الماضي المشَّيَد والحاضر بالمحْدِثة ل "غرابة مقلقة" أو حتى ل "ألفة مقلقة". وهذا ما يُترجَم عند فرويد في الطريقة التي يقسم بها الفاعل ليُنظر إليه بصفته مُرَكبًا من عنصرَين يتجاذبان حول اسم الأب الميت، والذي يعود مع ذلك ليطارد الحاضر ويفرض قانونه. وبالرغم من تشَُّبُعه بما يصطلح عليه بالألمانية "أوفكلارونغ" (التنوير)، يعود فرويد إلى فكرة الوعي المستنير لتأكيد البعد أو الهوة مع المواقف الكانطية حول مبادئ الحرية ومسؤولية المعرفة واستقلاليتها، مع إعادة كل "الاقتراحات الكانطية" بشكل معكوس: من "دون تحليل، يَظهَرُ الشخص البالغ محكومًا ب 'قصوره'، والمعرفة بالآليات الاندفاعية، والحرية بقانون اللاوعي، والتقدم بالأحداث الأصلية"51. ويكمن التباعد الآخر عند فرويد في الأجواء الفكرية السائدة في الفترة التي يَكتب فيها، وهي سيادة الفلسفة الوضعية، والنزعة العلمية، التي تخلى عنها فرويد لصالح اقتصاد المشاعر52. عاد فرويد إلى المبعَد في نظرية العواطف التي عرفت رواجًا خلال القرن الثامن عشر. هنا أيضًا، ينبش دو سيرتو في هذا البعد المنسي لفرويد، فيشير إلى الهوة التي تفصله عن لاكان الذي يقلل من أهمية العاطفة، حيث تصبح غير ذات أهمية قصوى في رحاب الثلاثية اللاكانية: الواقعي، والرمزي، والخيالي، بل أكثر من ذلك منذ التوجه المفضي إلى الجبريم. تخلت اللاكانية، على نحوٍ خاص، عن كل أبعاد العاطفة وأمزجة الجسد، بينما عبر أنثروبولوجيون، أمثال فرانسوا إيريتيي أوجيه، ومارسيل ديتيان، عن أهميتها. في الآن نفسه، أعاد بعض المحللين النفسيين، مثل أندريه غرين، للعواطف والمزاج ومادية الجسد كفايتها. وجرى تجاهل البعد المزاجي للجسد في المدرسة اللاكانية، لفائدة رمزية خالصة أكثر فأكثر، على نحو حصري، وفي طور منطقي كامل. يرد دو سيرتو على هذا الانحراف المأزقي بصفة مستترة، من دون أن يستهدف لاكان شخصيّا، من خلال التذكير بفرويد ودينامية العواطف لديه: "المشاعر هي الشكل الذي يتخذ عند فرويد عودة الانفعالات [...] فمع فرويد، سيظهر هذا المقصي من

  1. Ibid., p. 299
  2. Ibid., p. 303.
  3. Ibid., p. 305.
  4. Ibid., p. 311.
  5. Michel de Certeau, "Le Roman psychanalytique et son institution," Confrontation (1981), pp. 129-145; "Le 'roman' psychanalytique. Histoire et littérature," in: de Certeau, Histoire et psychanalyse entre science هذا المقال أعيد نشره تحت هذا العنوان:. et fiction , p. 130
  6. Nicole Edelman, "Freud historien," Espaces Temps , no. 80-81 (2002), pp. 27-35 51 ينظر مساهمة نيكول إلدمان:

العلم في خطاب اقتصادي"53. وقد مكنت إعادة الاكتشاف من تحديد الفاعل المحلل مؤرخًا، بوصفه ذاتية مشاركة تعترف بتفاعلاتها العاطفية تجاه الحالة المدروسة، بالطريقة التي يعالج بها فرويد نفسه المرضى الذين يستقبلهم: "فقد شَّوَشت عليه دُورا، وأرعبه موسى كما نحته ميكيلانجيلو، وأزعجه يهوه التوراتي، وما إلى ذلك. وهذه القاعدة الذهبية لكل علاج نفسي تُناقض بشكل جلي أحد المعايير الأولى والأساسية للخطاب العلمي، والتي تقضي بأن تكون الحقيقة المعلنة مستقلة عن المتكلم"54. يَعتبر دو سيرتو أن الجزء الخاص من عمل فرويد، الذي تحدث فيه عن علم الأحلام، والجزء الخاص بأصل البشرية (الطوطم والطابو) وتاريخها، ركيزتان أساسيتان تتضافران في تشييد هذا الصرح. إذا كان دور التحليل النفسي تجاه التاريخ يهدف إلى إْطلْاعه على طبيعة الموضوع، فإن دور التاريخ تجاه التحليل النفسي هو شرح العلاقة التي تربطه باستمرار بالسلطة. هذا ما قد تكون عليه الصورة في شكل تكامل حقيقي بين التخصصين، وباحترام خصوصية كل منهما، وبتقاسمهما الفضاء الإبستيمولوجي نفسه، فضاء التنوع المتسم بالامتزاج.

3.التاريخ والتحليل النفسي: إبستيمولوجيا مشتركة بين العلم والخيال

بفعل المكانة المميزة التي حظيت بها الذاكرة، تحدث حركية لنقط حدودية بين التاريخ والتحليل النفسي. ويثير هذا التحول تقاربًا يشمل أدوات الاشتغال والأساليب المتبعة لدى الحقلين العلميين. ففي كلتا الحالتين، تتشكل المعرفة من خلال قطيعة جذرية تفصل بين ماضٍ معتم لذاكرة تبحث عن علامات إرشاد وتوجيه، وحاضر ممتد يصعب تجاوزه. ويجعل هذا التطور من التمييز الذي يتبناه دو سيرتو أكثر مسامية عندما يناظر بين استراتيجيتين لمفهوم الزمن عند التخصصين: تاريخ يبدو حتميّا في شكل تسلسلي ومترابط ومؤثر، مقابل تحليل نفسي مبني على نوع من التداخل والتكرار والالتباس: "يتوفر التحليل النفسي والهيستوريوغرافي على منهجين مختلفين في توزيع مساحة الذاكرة وشغلها، إنهما يرسمان العلاقة بين الماضي والحاضر بتصورات مختلفة، يعترف الأول بالأحداث السابقة في الأحداث اللاحقة، في حين يضع الثاني الأحداث بعضها بجانب بعض"55. في مجال الذاكرة المشتركة هذه، التي يتقاسمها المحلل النفسي والمؤرخ، يكون التحام الماضي والحاضر مماثلًا وبعيدًا عن تعارض المنهجين، وينسج لهما أفقًا مشتركًا، وهو آثار الماضي في فاعليته، والقناع الذي يلبسه هذا الأخير في قدرته على التعتيم. ومن هذا التقارب يبرز بردايم مشترك ما بين التخصصين، وهو النموذج القياسي الذي أدى إلى ظهور نقاشات فكرية خصبة مع التاريخ المجهري، الذي رُسمت معالمه الجنينية مع المؤرخ الإيطالي كارلو غانزبورغ. تقتبس هذه الكتابة التاريخية الجديدة الكثير من عناصر التحليل النفسي للخروج من البديل الزائف المتأرجح بين العقلانية واللاعقلانية. فالبردايم القياسي، الذي ظهر مع نهاية القرن التاسع عشر، سيكون في ملتقى منهج حدد معالمه جيوفاني موريِّلِي في حقل تاريخ الفن للتحقّق من لوحات الرسامين المشهورين من خلال ضبط الجزئيات الدقيقة وطريقة التحقيق البوليسي، والأهم من ذلك طريقة فرويد في تحليل تمظهرات اللاوعي، من خلال العناية بالترابطات الحرة والأحلام، وزلات اللسان. ويضع غانزبورغ وجيوفاني ليفيه ومن سار على منوالهما الفكري الكتابةَ التاريخية إلى جانب السرد، والتفرد، والقياس، والتخمين. فهما يتخليان عن الأحلام العِلموية لتاريخ علمي ومعياري من أجل رصد أفضل لملامح تاريخ "من أسفل"56. إن البحث عن أحداث دالّة يضع مقاربتيهما في توازٍ مع أسلوب التحليل النفسي، حيث يقتبسان منه

  1. Michel de Certeau, "Le "roman" psychanalytique. Histoire et littérature," in: de Certeau, Histoire et psychanalyse entre science et fiction , p. 132.
  2. Ibid., pp. 133-134.
  3. de Certeau, Histoire et psychanalyse entre science et fiction , p. 99.
  4. Jacques Revel, "préface," in: Giovanni Levi, Le pouvoir au village (Paris: Gallimard, 1989).

جزءًا كبيرًا من طريقة العمل نموذجًا إرشاديّا لتطبيقه في الحقل التاريخي. وتتشابه منطلقاتهم تمامًا مع المحلل النفسي، فيما يتصل بمسألة تنسيب يقينية الحالات. لا يقدم التاريخ المجهري نفسه بصفته عودة بسيطة إلى تاريخ قصصي محض، طالما تمتع بشعبية لدى فئات واسعة من الجمهور، ولا ينفي في المقابل وجود تاريخ شمولي، ولكنه يعرض منهجًا جديدًا لاقتحامه من خلال تجزيئه محليّا، أي في صورة مجتمعات صغيرة، كتلك التي درسها ليفيه كما هو حال بلدة سانتينا، على بعد نحو عشرين كيلومترًا من مدينة طورينو الإيطالية57. لا تلغي هذه العينة من التاريخ البحث عن مظهر العقلانية على مستوى الممارسات الاجتماعية، لكن لا تختزلها في شبكة وظيفية أو بنيوية، وذلك بالانطلاق من التفاعل بين السلوكيات التي تفرض منطقها في رحاب مكان بعينه، ليس لمثاليته، بل بالعكس لتفاهته. إذا كان التعاون بين الحقلين المعرفيين ممكنًا عبر استبطان أعماق اللاوعي، من وجهة نظر التحليل النفسي وتتبع الخط الزمني من وجهة نظر التاريخ، فلن يقوم إلا بتجنب استخدام الأساليب العشوائية لمفاهيم اشتغال الآخر وأساليبه وأدواته. يواجه كل من المؤرخ والمحلل النفسي المشكلة نفسها، فهما لا يستطيعان إحياء الماضي إلا بوساطة المخلفات. فكما يستحيل على المحلل النفسي ملامسة الواقع، يستحيل على المؤرخ إحياء واقع الماضي. يجب على كل منهما أن يمسك بطرفي السلسلة: الواقع الخارجي وتأثيره الداخلي لمحاولة معالجة موضوعهما. يحتاج المؤرخ إلى أن يتعلم من المحلل النفسي الطبيعة المنكسرة للإنسان. أما بالنسبة إلى المحلل النفسي، فعليه أن يتخلى عن اعتقاد وجود فئات عابرة للتاريخ. هذا ما يوضحه جون بيير فيرنان لبيير كانْ عندما يذِّكِره بأن الذات القديمة تختلف كثيرًا عن الذات الحديثة: "تجربة الذات ليست موَّجَهة إلى الداخل، ولكنها موجهة إلى الخارج. يبحث الفرد عن ذاته ويجد نفسه في الآخر"58. الوعي بالذات ليس وعيًا بالأنا، بل يمر عبر بوابة الآخر. تسمح الأبحاث التاريخية الحديثة، التي تأخذ في الاعتبار بُعد الذاكرة، باقتحام جوانب جديدة في البحث تقترب كثيرًا من الممارسة التحليلية والعملية الهيستوريوغرافية. ويبقى الرهان هو وعي المؤرخين بمقام خطابهم، لكونه من درجة ثانية. لم تغلق الهوة بين التاريخ والذاكرة غلقًا كاملًا، بل يمكن تجنب سلك الطريق المسدود الذي يؤدي إلى الانفصال الكبير، وحتى استعادة المفهومين كذلك. ويمكن تحقيق تمفصل بين البعدين من خلال وساطة السرد. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تكون الممارسة التحليلية النفسية مُلهمة للمؤرخ، وفقًا لريكور. يتحدث المحلل النفسي من خلال تجلّي اللاوعي في كلامه، في شكل مقاطع سردية متنافرة، وأحلام، وأفعال غير مكتملة وغيرها، والهدف هو أن ينتهي به الأمر في حبكة مفهومة ومقبولة ومؤِّسِسة لهويته الشخصية. في هذا المسعى، يمر المريض، وفقًا لفرويد، عبر وساطتين: بالدرجة الأولى، وساطة الآخر، المُنصِت، أي المحلل النفسي. إن وجود طرف آخر يسمح بالحكي ضروري للتعبير عن الذاكرة المكلومة والجريحة؛ إذ يتحدث المريض أمام شاهد عيان، وهو الذي يساعده على إزالة عقبات الذاكرة. أما الوساطة الثانية، فهي لغة المريض نفسها، وهي لغة جماعة فريدة. نحن نستعير موارد الممارسة الاجتماعية، ومن خلال ممارسة الحكي الاجتماعية هذه، نلتقي بالسرد قبل أن نتعرف إلى ذواتنا. تمنح هاتان الوساطتان السردَ جذورًا اجتماعية لتحويله على مستوى الممارسة، وتخلق تدابير العلاج، من خلال وجود طرف آخر، شكلًا خاصًا من تفاعل الذوات. أما بالنسبة إلى كلام المريض نفسه، فرواياته المنسوجة من روايات سابقيه هي راسخة في الذاكرة الجماعية. يعبر المريض عن استبطان للذاكرة الجماعية المتقاطعة مع ذاكرته الفردية التي طغى عليها هاجس التواصل والانتقال بين الأجيال، بأمر من الَّزَخور (فلتتذَّكَر) وفق ما جاء في كتاب

  1. Levi, Le pouvoir au village.
  2. Jean-Pierre Vernant, "D'une illusion des illusions," Espaces, journal des psychanalystes (Printemps 1986), pp. 75-83.

العهد القديم59. لذلك فإن هذه الذاكرة انبثقت من حبكة خصوصية وعمومية في الوقت نفسه. يحدث ذلك في شكل سرد مشِّكِل لهوية شخصية "متشابكة في حكايات"60، تجعل من الذاكرة ذاكرةً مشتركة. ويتمثل الدرس الثاني الكبير الذي استخلصه ريكور من الممارسة التحليلية في الطابع المجروح للذاكرة، التي تهدف آلياتها المعقدة إلى إبعاد الصدمات والذكريات الأليمة، والتي هي أساس مختلف الحالات المرضية. ثمة مبحثان لدى فرويد يركزان على علاج الذاكرة على المستوى الجماعي. فهما يسلطان الضوء على المستوى الفردي والدور الحيوي للذاكرة، باعتبارها تباشر عملًا ما. يساهم العلاج التحليلي في "فعل التذكر"61 الذي يجب أن يمرّ عبر شاشة الذكريات، التي هي منبع الانحباسات المؤدية إلى ما يصفه فرويد بالإكراه النفسي على التكرار لدى المريض الذي يجد نفسه محكومًا عليه بأن يقاوم بالتشبث بأعراضه المرضية. ويبقى الاستعمال الثاني لفعل الذاكرة الذي استحضره فرويد، أكثر شهرة، وهو "فعل الحِداد"62. الحِداد هنا ليس محنة فحسب، بل هو تفاوض حقيقي مع فقدان الشخص العزيز في سياق بطيء ومؤلم من الاستيعاب والانفصال. إن حركة الاستذكار هذه، من خلال فعل التذكر، وإخفاء الأسى من خلال اشتغال الحِداد، تبيّن أن الفقدان والنسيان هما في صميم اشتغال الذاكرة لتجنب الاضطرابات. وهكذا، في مواجهة الضرورات الحالية، التي تقضي بضرورة قاطعة جديدة، والمرتبطة بواجب الذاكرة، يضع ريكور، مستلهمًا من الممارسة التحليلية، مقاربة أخرى، من خلال اشتغال الذاكرة، لا تُحدِث انقطاعًا في المرحلة الإبستيمولوجية للعملية الهيستوريوغرافية. يرى ريكور في هذه الظاهرة تماثلًا ممكنًا على مستوى الذاكرة الجماعية. فالذاكرة الفردية والجماعية تسعيان معًا للحفاظ على تجانس في الزمن، حول هوية تدوم وتنخرط في الزمن والفعل: "فتكُّوُن الثنائية القطب للهوية الفردية، وللهوية الجماعية، هو الذي يبِّرِر في النهاية توسيع دائرة التحليل الفرويدي للحِداد، ليشمل صدمة الهوية الجماعية. يمكننا الحديث، ليس فقط بالمعنى التماثلي في إطار تحليل مباشر، عن الصدمات الجماعية، وجروح الذاكرة الجماعية63. على هذا النحو، فإن الهوية الذاتية64 مختلفة عن الذات العينية، وهي التي يشير إليها هذا العبور التجريبي للذاكرة نحو ثيمة الوعد. ونلاحظ هنا أيضًا مواقف متناقضة للغاية، حيث نواجه في بعض الحالات "ماضيًا لا يريد أن يمرّ"، وفي حالات أخرى، مواقف هروب، واحتجاب، بوعي أو عن غير وعي، ونفي أكثر اللحظات المؤلمة من الماضي. يمكن أن تتجلى أمراض الذاكرة الجماعية أيضًا في حالات تخمة الذاكرة، يقدم فيها "إحياء الذكرى" والميل إلى تأصيل تراثي للماضي الوطني في فرنسا مث لًا جيدًا، أو من خلال مواقف معاكسة، حيث تغيب الذاكرة، كما هو الحال في جميع البلدان ذات الأنظمة الشمولية التي تهيمن فيها الذاكرة المتلاعَب بها: "يُفهم عمل التاريخ على أنه إسقاط مستوى اقتصاد العواطف على مستوى الجهد الفكري، في هذا العمل المزدوج للتذكر والحداد"65. هذه هي الطريقة التي لا تنفصل بها الذاكرة عن فعل النسيان.

  1. Yosef Hayim Yerushalmi, Zakhor (Paris: La Découverte, 1984).
  2. Wilhelm Schapp, In Geschichten vestrickt (Wiesbaden: B. Heymann, 1976); Jean Greisch (trad.), Enchevêtré dans des histoires (Paris: Cerf, 1992).
  3. Sigmund Freud, "Erinnern, wiederholen und durcharbeiten (1914),” in: Sigmund Freud, La technique psychanalytique (Paris: PUF, 1953), pp. 105-115.
  4. Sigmund Freud, "Trauer und melancolie, 'Deuil et Mélancolie' (1917)," in: Sigmund Freud, Métapsychologie (Paris: Gallimard, 1952), pp. 189-222.
  5. Paul Ricœur, La mémoire, l'histoire, l'oubli (Paris: Seuil, 2000), p. 95.
  6. Paul Ricœur, Soi-Même comme un autre (Paris: Seuil, 1990).
  7. Paul Ricœur, "Entre mémoire et histoire," Projet , no. 248 (1996), p. 11.

أوضح الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس على نحوٍ جلي الحالة المرضية للشخص الذي يحتفظ بكل شيء حتى يغرق في الجنون والظلام، من خلال عمله المعنون بفونيس القوُّيُ الذاكرة66. لذلك، فإن الذاكرة، على شاكلة التاريخ، هي نوع من الانتقاء في الماضي، وبناء فكري، وليس تدفقًا خارج حدوده. أما بالنسبة إلى الالتزام الذي يوجه "واجب الذاكرة"، فهو على مفترق طريق ثلاثي يلتقي بموجبه الماضي والحاضر والمستقبل: "إن استهداف المستقبل بصدمة مرتدة عوض استهداف الماضي يشبه في النهاية حركة معاكسة تزكي الماضي على حساب المستقبل"67. وبعيدًا عن كونها عبئًا ثقيلًا تتحمله مجتمعات الحاضر، يمكن أن يصبح "الَّدَين" مصدر معنى، شريطة إعادة فتح تعددية ذاكرات الماضي واكتشاف المنبع الكبير للإمكانات غير المؤَّكَدة. لا يمكن تحقيق هذا المسعى من دون جَدْلَنة الذاكرة والتاريخ، بالتمييز، في إطار التاريخ النقدي، بين الذاكرة "المرَضية" التي تعمل كدفع مكرور والذاكرة الحية، ضمن منظور يعمل على إعادة البناء: "من خلال إعطاء وعود مكسورة، من خلال التاريخ، بل حتى منعها أو رفضها عبر المسار اللاحق للتاريخ، يمكن أن يبلغ شعب ما أو أمة ما أو كيان ثقافي ما تصوّرًا مفتوحًا وحيّا لتقاليده"68. تتجاوز اليوم الذاكرة المتعددة والمجزأة "ميدان المؤرخ" من كل الجوانب، وباعتبارها أداة رئيسة للربط الاجتماعي والهوية الفردية والجماعية، تنتصب في قلب الرهان الحقيقي، وتنتظر دائمًا من المؤرخ أن يوِّلِد المعنى، داخل الأثر اللاحق، على غرار ما يقوم به المحلل النفسي. وبما أنها ظلت لفترة طويلة أداة للتلاعب، فقد أمكن إعادة توظيفها في منظور تأويلي منفتح على المستقبل، مصدرًا لإعادة الاستملاك الجماعي، وليس مجرد عرض متحفي معزول عن الحاضر. وتبقى الذاكرة التي تفترض وجود الغياب (النسيان) هي الحلقة الأساسية بين الماضي والحاضر في هذا الحوار الصعب بين عالم الأموات وعالم الأحياء. فالتاريخ وفق ما ذكره بلوك هو "علم التغيير"، يعتمد بصفة متزايدةٍ المسالكَ الغامضة والمعقدة للذاكرة حتى في أنماط التبلور القصوى، المثالية والمادية على حد سواء، من أجل فهم أفضل لمسارات التحول والانبعاث من جديد، وقطائع الماضي التأسيسية. وبعيدًا عن القراءات المسَّيَجة التي ينحصر طموحها في ملء البياضات والبحث عن المسببات، يظل التاريخ الاجتماعي للذاكرة متنِّبِهًا لأي تغيير يروم الحركة، والذي ينبغي تتبع تأثيراته. فموضوعه هو الغائب الذي يتفاعل، والفعل الذي لا يمكن أن يظهر إلا إذا كان موضوع تساؤل للآخر: "فالذاكرة، بعيدًا عن كونها وعاء أو سلة مهملات للماضي، فإنها تحيا بإيمانها بالممكنات، وبانتظارها اليقظ لهذه الممكنات"69.

مقبرة للموتى: التحول التدويني للممارسة الهيستوريوغرافية

تتمتع الكتابة التاريخية، على غرار التحليل النفسي، بقيمة إنجازية. فهي تساعد، بحسب دو سيرتو، على تشييد "قبر الميت"70، بالمعنى المزدوج لتكريم الماضي، وفي الوقت نفسه على إعادته إلى مكانه الطبيعي، ونقله إلى عالم الأحياء الحاضر. تندرج كلتا الممارستين ضمن ما يصفه فرويد ب "اشتغال الحِداد"؛ وهو أمر ضروري للغاية لإعادة فتح الحاضر أمام ممكنات جديدة. يشير دو سيرتو في هذا المقام إلى وظيفة أساسية للعملية الهيستوريوغرافية، التي تحوّل الغياب الفيزيولوجي للشيء المفقود إلى وجود داخلي - وجداني. فقد يكون التاريخ هو ذلك الخطاب المتمحور حول "حضور مفقود"71، الذي يقيم قطيعة لا رجعة فيها؛ لأن ما كان حاضرًا يصير غائبًا إلى الأبد، ويجعل من المستحيل كل مقاربة ترمي إلى العثور على صوت الأحياء في الماضي: "إن كل أدب

  1. Jorge Luis Borgès, "Funes ou la mémoire," in: Jorge Luis Borgès, Fictions , Collection Folio (Paris: Gallimard, 1957), pp. 127-136.
  2. Paul Ricœur, "La marque du passé," Revue de métaphysique et de morale , no. 1 (Mars 1998), p. 25.
  3. Ibid., pp. 30-31.
  4. Michel de Certeau, L'invention du quotidien , 1- Arts de faire , Collection Folio essais (Paris: Gallimard, 1990), p. 131.
  5. Michel de Certeau, L'écriture de l'histoire (Paris: Gallimard, 1975), p. 119.
  6. Michel de Certeau, L'absent de l'histoire (Paris: Mame, 1973), p. 9.

ينشأ من بصمات صامتة نهائيّا، وكل ما ولّى لن يعود أبدًا، ويُفتقد الصوت إلى الأبد"72. في الوقت نفسه، تظل هذه الحدود التي أنشأتها الكتابة التاريخية هشة على الدوام؛ فهي تهدف إلى تثبيت حدود منيعة، فتُبعد معتقدات عدد من الحضارات بشأن التجاور بين الأموات والأحياء، داَّلَة في الوقت ذاته على القطيعة المستحيلة للصلة بالماضي. إن الكتابة التاريخية، وهي في آن واحد عمل على الموت وعمل ضد الموت، تعبّر عن المكان الذي ينبغي أن يتم فيه الدفن. يكتسي هذا الطقس الجنائزي طابعًا مزدوجًا، فهو شكل من أشكال طرد الأرواح الشريرة من خلال دوره في عملية الدفن، ذلك أن الكتابة التاريخية "تطرد هذه الأرواح عن الموت بإدخاله في خطابها"73، وفي الوقت نفسه، تمارس، في هذا المستوى، وظيفة رمزية "تمكّن المجتمع من التموقع، ومن أن تمنح لنفسها ماضيًا عبر اللغة، ومن ثمّ تفتح للحاضر مج لًا خاصًا به"74. لذلك، يتصور دو سيرتو علاقة حيوية بين هذين المكانين المتمثلين في مكان الموت ومكان القارئ كفعل منجز. ويحيل ذلك على تضارب التاريخ باعتباره ميدانًا معرفيّا قائمًا على "شرط الفعل وإنكار الغياب"75. وهذه الإنجازية التي تفترض، عن طريق اللغة، ممارسةً يمكنها أن تفسح المجال للآخر، للماضي، ولا تخلو أيضًا من صلات مع ممارسة العلاج التحليلي. في الجزء الثالث من كتاب الذاكرة والتاريخ والنسيان، المخصص لأنطولوجيا التاريخ، وللظروف التاريخية، والذي نظهر من خلاله كائنات مرتبطة بالذاكرة وبالتاريخ، يولي ريكور مكانة خاصة لأطروحات دو سيرتو. فقد عرّف هذا الأخير كتابة التاريخ باعتبارها المعادل التدويني للدفن، وذلك الفعل الذي يحِّوِل الغياب الجسدي للشيء المفقود جراء دفنه إلى حضور داخلي. ويبدو تحول الموت، هذا المتغير إلى كلام، وكأنه يجعل وظيفة الكتابة التاريخية، في توجهها الأنطولوجي، تكمن في استحضار الغائب في التاريخ. لم يعد الغياب، كما يشير ريكور، حالة جامدة، بل نتيجة عمل المؤرخ الذي يحوّل معرفته إلى آلة حقيقية لإنتاج الاجتناب، ولإثارة التغايرات. يتناول ريكور تحليل دو سيرتو لماهية الشرط التاريخي، ويُعرّفه بأنه الانتقال من مكان بسيط إلى فعل حقيقي: "هكذا تقوم علاقة حيوية بين المكانين، مكان الموت ومكان القارئ. ومن ثم يتحول الدفن - المكان، إلى دفن - فعل"76. يجري هذا الانتقال على مستويين: أولًا، تتدخل الكتابة كطقس دفن، وثانيًا تسمح الكتابة للمجتمع، من خلال وظيفتها الرمزية، بالتموقع، حيث يستملك هذا المجتمع ماضيًا ذا مغزى. وهكذا، يؤسس هذا الطقس، على المستوى الجماعي، لما يعادل التغلب على العصاب على مستوى التحليل النفسي. هذا التحوّل التدويني، الذي يمارس دورًا إنجازًّيًا، يمنح القارئ مكانة تأخذ شكل "واجب الفعل"، وينفتح على علاقة داخلية بين الحاضر والماضي سواء لدى دو سيرتو أو لدى ريكور. وبما أن التاريخ ينطوي على علاقة بالآخر بوصفه غائبًا، بحسب دو سيرتو، فإن ما يكتبه المؤرخ يشكّل جزءًا من حركة الماضي الذي يساهم في ممارسة الاجتناب، حيث يفهم هذا المؤرخ أنه ينجز عملًا "مرتبطًا بالهيستوريوغرافيا"77. ففي تعدد ترسبات المعاني المتراكبة في سمك الماضي، يوجد اللغز دائمًا في الطريق إلى ما هو واقعي، والذي يتوفر، لدى دو سيرتو، على ذلك البعد المحدود لاستعادة صورة ضائعة، كما هو الحال عند لاكان الذي يمنح الواقعي مكانة المستحيل. ومن ثمّ، يكون الواقعي، وبصفة نهائية، في موقع الغائب "المفترض هنا وهناك، والمفقود هنا وهناك"78. ومع ذلك، فإن هذا الغائب موجود، يلتف داخل الحاضر نفسه، ليس

  1. Ibid., p. 11.
  2. de Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 118.
  3. Ibid., p. 118.
  4. Ibid., p. 120.
  5. Ricœur, La mémoire, l'histoire, l'oubli , p. 478.
  6. de Certeau, L'absent de l'histoire , p. 173.
  7. Michel de Certeau, La faiblesse de croire (Paris: Seuil, 1987), p. 198.

كمن يستمر في صورة تحفظية ينتظر على نحوٍ مناسباتي أن يكون موضوع اهتمام، بل يكون متاحًا للفهم بفضل التحولات المتتالية التي يشهدها، عبر ابتداع دائم على مر الزمن للأحداث الماضية التي يعاد تشكيلها في كل مرة. يمنح دو سيرتو، على هذا المستوى، العلاقةَ المتحركة باستمرار التي يقيمها الحاضر مع ماضيه أولويةً: "الطابع التاريخي للحدث، لا يكمن مؤشره في بقائه خارج الزمن، بفضل المعرفة التي تمت صيانتها، بل بعكس ذلك بإقحامه في زمن مختلف الابتداعات التي يخصص لها موقعًا"79. وبإقامة ترابط بين قوة الانفتاح لاكتشاف البدايات الأولى للماضي، وأيضًا البناءات الجديدة التي شيدها المؤرخون داخل الأثر اللاحق، يسلط دو سيرتو الضوء على الغنى الهائل للماضي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إعادة فتح مجال جديد، بفضل العملية الهيستوريوغرافية. ولذلك، تُعرض أمامنا مساحة شاسعة، وموارد هائلة، ليس بوصفها رافعة لإعادة الإنتاج، بل بصفتها مصادر إلهام لإبداعات حقيقية في مراحل الأزمة والاهتزاز، ملاذًا محتملًا لقاعدة أخرى لعلاقتنا بالعالم. إن تكرار الشيء نفسه وإعادة صياغته، هو مجرد مظهر يبدو أنه يربط صورة الماضي بإحياء ذكراها في الحاضر، ولكن في الواقع، وراء هذه الهوية الشكلية يمكن المؤرخ، المنتبه للممارسات في دلالاتها بالنسبة إلى الفاعلين، قراءة الاختلاف في محتوى الحدث الذي يجري الحديث عنه وتكراره. ولذلك، لم يعد المرء ينظر إلى التاريخ باعتباره ذلك الإرث أو العبء الذي يجب تحمله، كما تصوره نيتشه، وهو يدينه، وإنما بوصفه تمزقًا زمنيّا متواصلًا، مطويّا في زمنيته. وبناءً عليه، تتجلى وظيفته، كما قال ألفونس دوبرون، في "فك ما تصلّب بفعل الزمن"، فلا تراتبية في هذا الزمن المترسب؛ لأن كل لحظة من لحظات التحيين تشكل في حد ذاتها "قطيعة مؤِّسِسة" تجعل تبعاته غير قابلة للقياس على ما جرى من قبل. يولد التاريخ من هذه العلاقة مع الآخر، الذي ينقل خطوط الحاضر في تداخل مع التاريخ والذاكرة: "إن توازي "الذاكرة"/ "التاريخ" يجعل الثنائي 'أنا'/ 'أنت' غير بادٍ للعيان. لكنه يقترح على المستمع حميمية ضمنية للتعارض المرئي (الواضح) الذي يفصل بين الزمن الوجداني (الذاكرة) وزمن الآخر (التاريخ)"80. لم يكن لدو سيرتو أن يدرك المكانة المركزية الحالية التي تشغلها الذاكرة، التي بلغ اجتياحها درجة إزاحة التاريخ، وتَجاوُز العمليات النقدية. ومع ذلك، فقد فكر في الأدوات التي تسمح لنا بالحفاظ على مسافة معقولة واستشكال هذين البعدين معًا. وعلى غرار فرويد، فقد خصص للماضي حيّز المُبعد الذي يعود مستترًا في عباءة حاضر أبعد منه، على طريقة والد هاملت الذي عاد، ولكن في صورة شبح. في مواجهة مجال الذاكرة، حيث يطارد الميتُ الحَّيَ، تتميز المقاربة الهيستوريوغرافية من نهج المحلل النفسي بطريقتها في تقسيم مساحة الذاكرة التي تتضمن استراتيجية متفردة في التعامل مع الزمن: "إنهما يفكران على نحوٍ مختلف في العلاقة بين الماضي والحاضر"81. ففي الوقت الذي يهدف فيه التحليل النفسي إلى البحث عما علق بالذاكرة في الوقت الحاضر، يضع المؤرخ الماضي "بجانب" الحاضر. وفي مواجهة إرث الذاكرة، لم يتبنّ المؤرخ موقفًا سلبيّا متجليّا في إعادة إنتاج، ونبش في الأصول. فتحركاتها وإعادة تشكيلاتها تحيل إلى فعل وجهد واشتغال: "وبناء عليه، فإن عملها هو أيضًا حدث، وبما أنه لا يكرر الأشياء، فإنه يغيّر التاريخ - الأسطورة إلى تاريخ - اشتغال"82. إن الاستراتيجيتين المعتمدتين لفهم الفقدان، وذكر الغياب والتعبير عن الَّدَين تتبلوران بين الحاضر والماضي عبر عمليات منفصلة. فمن جهة، تهدف الهيستوريوغرافيا إلى أن تنتشل من النسيان الإيجابيات المفقودة؛ ونقلِ محتويات النص من خلال إخفاء غياب الصور بمنحها أقصى قدر من الحضور، ومن ثمّ خداع الموت،

  1. Ibid., p. 212.
  2. Michel de Certeau, La Fable mystique (Paris: Gallimard, 1982), p. 409.
  3. de Certeau, Histoire et Psychanalyse entre science et fiction , p. 99.
  4. de Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 292.

"فالهيستوريوغرافيا تشتغل كأنها عايشت الماضي، فتصمم على بناء الحقيقة، وسد الثغرات"83. وفي النتيجة، فهي تمحو صلتها بالزمن، في الوقت ذاته الذي يستخدم فيه هذا الأخير خطابه الخاص عن الحاضر. على العكس من ذلك، تتموقع الرواية الفرويدية إلى جانب الكتابة، وتضع في صلب انشغالاتها المعلنة علاقة شفافة في ارتباطها بالزمن بصفته مكانًا تسجل فيه أساليب الانتماء والمصادرة. لكن، مع هذا التمييز يبقى هناك تماثل أساسي لمقاربتي نظرة التحليل النفسي والنظرة الهيستوريوغرافية اللتين تشتركان في عملية التحويل، وليس في عملية التحقق. في هذا الصدد، يمكن أن نقابل بين لحظة استعادة التاريخ - الذاكرة التي يجري التفكير فيها ضمن خطيّة الانتماء الجينيالوجي، وبين ظهور نسق تاريخياني جديد، على النحو الذي نتصوره اليوم، وذلك من خلال ما يدعم الإشكالية الفرويدية التي ألهمت دو سيرتو حينما رأى فيها إمكانية للتفكير في الغرابة، عندما تتميز بإعادة تشغيل البقايا وترسبات المعنى في المكان نفسه.

5.متغايران اثنان: زمنية متعددة الطبقات

في بداية الثمانينيات، ركز دو سيرتو تفكيره على ظاهرة التمدن، بناءً على النص الشهير لفرويد حول الطبقات الزمنية المتداخلة والمتعددة لمدينة روما84. يستخدم فرويد روما مثل استعارة للذاكرة مصدرًا للهوية الفردية وتحصيلًا لعدة لحظات، بالطريقة التي يمكن أن يتخيل المرء بها مدينة روما وهي حاضنة لمختلف مراحل تطورها: "هذا يعني أنه فوق هضبة بلَاتين، ستظل القصور الإمبراطورية ومبنى السيبتزونيوم دائمًا في ارتفاعها الأصلي والأولي، وستعلو أركان حصن سانت أنج تلك التماثيل الجميلة التي كانت تزينه قبل حصار القوط [...] وبدلًا من قصر كافاريلي، الذي لم يكن من الضروري هدمه لهذا الغرض، قد يرتفع معبد جوبيتر كابيتولينا مرة أخرى، ليس فقط بالشكل النهائي الذي تصوره الرومان في عصر الإمبراطورية، ولكن أيضًا بالشكل الإتروسكي الأصلي"85. وبالطريقة نفسها التي تفترض بها الذاكرةُ النسيانَ، فإن المدينة لكي تستمر يقتضي الأمر الهدمَ من أجل التشييد من جديد. هذا التداخل الزمني الذي توخاه فرويد يصبح مصدر تفكير يقود إلى تعدد الأزمنة، وتجاور مختلف الأنظمة التاريخانية المتشابكة في الحاضر نفسه. ويذِّكِر هذا التعدد بالضرورة التاريخية للهدم في أي مجتمع. وممارسة من هذا القبيل ليست تجديدًا مرتبطًا بالحداثة، بما أن القس سوجر لم يتردد في القرن الثاني عشر في تدمير كاتدرائية سان دونيه الكارولنجية. وكان فرانسوا الأول قد تخلص في القرن السادس عشر، من دون شعور بالذنب، من قلعة أسلافه من أجل تشييد قصر اللوفر. وبطبيعة الحال، منح التحديث للظاهرة منظوريةً وإيقاعًا مذهلَين، معروفَين جيدًا منذ زمن هوسمان؛ لذلك يجب البحث عن توازن عادل بين عمليتَي الهدم والحفظ، على المنوال نفسه الذي وضّحَ، من خلاله، فرويد الذاكرةَ بوصفها دائمًا توازنًا هشّا بين ضغط الذكريات في الحاضر وإقصائها الخادع. ينطوي كل من التاريخ والتحليل النفسي، باعتبارهما تخصصين متغايرين، على ثنائية الفقدان والغياب. ومن أجل إضعاف الواحد وعدم جعله رهينة المنشأ، يتحركان ويخلقان الغيرية والتغيير: "الخيال العلمي هو قانون التاريخ. ومن الخيال العلمي، تصير رواية فرويد هي النظرية"86. ومع ذلك، فإن مفهوم الزمن الذي يمارسه التحليل النفسي، والذي هو زمن متقطع، غالبًا ما يكون ممزقًا، ومجزّأً على أي حال، يندرج فيما يُسمّى "التباين الدياكروني"87، وفقًا للمحلل النفسي غرين. كان فرويد قد أدرك بالفعل ظاهرة الأثر اللاحق في وقت مبكر، منذ عام 1895، ومنذئذ أصر لاكان بشدة على فاعليتها التي تكشف عن عمل غير خطي للذاكرة

  1. Ibid., p. 331.
  2. Sigmund Freud, Malaise dans la civilisation (Paris: PUF, 1971).
  3. Ibid., p. 12.
  4. de Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 357.
  5. André Green, Le temps éclaté (Paris: Minuit, 2000), p. 35.

الفردية والجماعية، حتى إن الأثر اللاحق صار ظاهرة انتقال رئيسة في العلاج التحليلي، والتي بموجبها لا يرتبط المعنى بالحدث وحده فحسب، بل بالطريقة التي تم بها تسجيل هذا الحدث في الزمن وفقًا لتعديلات متنوعة، ووفقًا لتقلبات "وظيفة التذكر". يُستفاد من مفهوم هذه الظاهرة، في المقام الأول، أنها ظاهرة تتدخل لاحقًا وتعطي فهمًا جديدًا للماضي، ولكنها تحَّدَد أيضًا بوصفها تكملة للمعنى الذي لا يتفتق إلا لاحقًا شكلًا من أشكال السببية المؤجلة. لا تخلو هذه الإضافة في المعنى من تقاربات محتملة مع مقاربة هيرمينوطيقية تاريخانية، والتي تَعتبر أيضًا أن مسافة الزمن ليست بالضرورة عائقًا لكشف الماضي، ولكن على العكس من ذلك، يمكن أن تكون دافعًا لمعرفة أفضل للماضي. وينطبق الأمر نفسه على التحليل النفسي. ومن ثمّ، يمكننا مقارنة ما كتبه غرين حول هذا المعنى الإضافي بما يقوله غادامير: "يقتضي تطور المعنى العودة إلى الخلف الذي يضاعف المحتوى الأولي بطريقة استرجاعية، كما يقتضي خيارًا 'يستقر' على أحد الاحتمالات المختلفة"88. ويتجلى طموح التأويل التاريخي في توظيف واحد من اثنين، أي ما يقع بين الألفة التي نشعر بها مع العالم المحيط بنا، والغرابة التي يمثلها العالم الذي فقدناه. وتصبح القطيعة التي تقابل بين حاضرنا والماضي ميزة لنشر وعي هيستوريوغرافي جديد؛ "لذلك فإن المسافة الزمنية ليست عقبة يجب التغلب عليها [...] وفي الواقع، يكون من المهم أن نرى فيها إمكانية إيجابية، ومثمرة، ومحفزة للفهم"89، كما يرى هذا الهيرمينوطيقي من جهته. ولذلك، يتم تصوّر المعنى على أنه توليد لسيرورة تمسّ المستقبل الذي ينبغي ابتكاره، وفي الوقت ذاته الماضي، وذلك انطلاقًا من اللحظة التي نتصور فيها مستقبلًا للماضي. يُضاف تعدد أنظمة التاريخانية، التي حلّت مؤخرًا محلّ النظرة الخطية للزمن التاريخي، وفقًا للأشكال المختلفة من فلسفات التأريخ90، إلى رؤية فرويد لما يُسمّى "التغاير الزمني" للنفسية البشرية. يمكن مفهوم أنظمة التاريخانيّة91، عند تقاطع الواقع المعيش والمفهوم، والتحليل النفسي والتاريخ، أن يفسر التعددية التي تعيش بها المجتمعاتُ البشرية علاقتَها بالزمن، وترسم بها تقسيمات الزمن المختلفة انطلاقًا من عدد من الثوابت والفئات المتعالية.

.6 ممارسة الإنصات و لااجتناب

يكمن التماثل الآخر المحتمل بين الهيستوريوغرافيا والتحليل النفسي في ممارسة الإنصات والاجتناب (نفي الذات عن الموضوع). فعلى غرار موقف المحلل النفسي في العلاج التحليلي، يجب على المؤرخ التخلي عن أي وضع مهيمن، وبدء عملية فصل ذاته عن موضوعه: "علّمني بحثي، خلال دراسة شخصية جون جوزيف سوران، أن أميز نفسي منه"92. هكذا كتب دو سيرتو، وهو يمنح الأفضلية للحظة فهم الآخر، التي تفترض مسبقًا أن يترك وقتًا لشبكة التحليل الخاصة به في الاحتياط، وهي المرحلة التي وصفها، من خلال دراسته لحالة "مَسّ شيطان لودان"، ب "ضبط النفس" الضرورية: "لا يقينية أبدًا في التاريخ"93. من الضروري إفساح المجال للآخر، ومن ثمّ فإن المؤرخ لديه مهمة أولية وهي قبل كل شيء، شأنه في ذلك شأن المحلل النفسي، محاولة الفهم. ومع ذلك، فإن الإنصات الذي يفترض مسبقًا التزهد، من أجل إفساح المجال للآخر، لا يؤدي إلى محو الذات. وهكذا، كان دو سيرتو

  1. Ibid., p. 50.
  2. Hans Georg Gadamer, Vérité et méthode (Paris: Seuil, 1976), p. 137.
  3. Krzysztof Pomian, L'ordre du temps (Paris: Gallimard, 1984).
  4. François Hartog & Gérard Lenclud, "Régimes d'historicité," in: Alexandre Dutu & Norbert Dodille (dir.), L'Etat des lieux en sciences sociales (Paris: L'Harmattan, 1993), pp. 18-38.
  5. de Certeau, L'absent de l'histoire , p. 158.
  6. Michel de Certeau, La possession de Loudun , Collection 'Archives' (Paris: Julliard, 1970; Gallimard, 1990), p. 7.

ينوي أن يجنّب المؤرخ عقبتين اثنتين: من ناحية، يجب أن يحترس من الانبهار بالأرشيف الذي يوهمه بالولوج المباشر من دون وساطة الماضي، ومن ناحية أخرى، عليه الابتعاد عن المفارقة التاريخية من خلال توظيفه قراءة معاصرة وإسقاطها على الماضي. يسمح الإنصات بممارسة الاجتناب، وهو أمر ضروري جدّا بالنسبة إلى الإنصات الشارد الذي يساعد في كشف المحلل النفسي للأعراض، وأيضًا في معاينة المؤرخ الميدانية للأرشيف، التي تجعله يتقبل المفاجأة، ويستعيد الألفة المفقودة أو يكتشف غرابة مقلقة. يميز دو سيرتو بين الكتابة والكلام، من دون أن يضفي على هذه القطيعة صبغة مطلقة، فهو يسائلها من جميع الزوايا، "لاستحداث مساحة ثالثة، هي مساحة الإنصات"94. إنه يجعل الغلبة لصالح الشفهية، والصوت، والكلمة التي يعترف فيها بالصورة العابرة، التي غالبًا ما تكون مبعدة، ومقصاة، من دون إطلاقية لأصل مزيف ومفقود، قد يطفو على السطح باعتباره كلامًا أوليّا وأصليّا، وحاملًا لحقيقة حضور الذات. في هذا الصدد، لا يساهم دو سيرتو في تلك النظرة الحنينية للغرب التي تعتبر، من زمن جان جاك روُّسُو إلى كلود ليفي ستروس، أن مفعول الكتابة قد أفسد بصفة حتمية وإلى الأبد الأصالة المفقودة لمهد البشرية، ألا وهي التبادل الشفهي في شفافيته المفترضة. بالطبع، هناك خسارة، "لكن خسارة ماذا؟ ليس خسارة حضور، ولكن خسارة "فراغ"95. فما أحدث الثغرة عبر الزمن، بحسب جون دي ليريه، هو غياب المعنى. يبحث دو سيرتو دائمًا عن هذه البدايات والخرافات التي تتواتر، فيوضح في كل حالة، مثل حالة التصوف، أن هذه الأصوات نفسها في صيغتها المادية الموجودة داخل بنية ما، وتاريخ ما، وكتابة ما، تكون مدمجة في هذه الرموز. هذا ما تكشفه الممارسة التحليلية باعتبارها "ممارسة للحركية"، و"العبور المُغِيِّر"96، ولهذا السبب حافظ دو سيرتو خاصة على علاقة وطيدة مع التحليل النفسي. هنا مرة أخرى، لا يقابل جذريّا بين الكتابة التي من شأنها أن تعزز الجانب التأصيلي، وبين كلام قد يتوافق مع الإبعاد؛ لأن المستويين في حالة تفاعل دائم. وهكذا، فإن كلام جان دي آنج في لودان، والتي كان بها مس على غرار آخرين، يندرج داخل نظام الانتماء، ويرتكن إلى الرموز الموجودة. وبالطريقة نفسها، كشف مراسلو تحقيق القس غريغوار حول اللهجات المحلية، إبان الثورة الفرنسية، عن وجود توتر بين التقاليد الشفوية والكتابة الحديثة. من بين التعبيرات الأخرى لهذا التهجين، اتخذ دو سيرتو مج لًا للدراسة حالة اضطراب اللغة، هذا "التحدث باللغة" الذي حيّر اللغوي فرديناند دو سوسير. وبتناوله الحالة المعروفة ل "هيلين سميث"، أبرز دو سيرتو كيف استجابت بالفعل لإيحاءات عالم النفس ثيودور فلورنوي الذي وضعها في حالة تنويم مغناطيسي: "سؤالي هنا يتعلق بطبيعة هذا الكلام الممنوع من جانب الخطاب، والذي يعود داخله، أو، إذا صح القول، من خلال القول عن طريق التغيير الذي يلحق الخطاب نفسه"97. تجعل ممارسةُ الإنصات هذه ممارسةَ الاجتناب ممكنةً، وهي التي نظمها دو سيرتو، باعتبارها فعلًا قادرًا على أن يصبح ذا دلالة استكشافية. فعلى شاكلة المحلل النفسي الذي عليه أن ينقاد مع الاستكشاف، من خلال ممارسته للإنصات الشارد، على المؤرخ كذلك أن يحسن الاندهاش ويترك المجال للمفاجأة. فنزعته الطبيعية هي الإحاطة بالماضي في إطار سببي لجعله أكثر وضوحًا. والتحليل النفسي يعِّلِمه مدى هشاشة هذا النوع من إعادة البناء، ويقترح عليه بدلًا من ذلك نزع الحتمية عن الماضي لمعانقة المفاجأة، والوقوف على ضبابية ما كان يُعَد حاضرًا في الماضي. هذه الغرابة، بقدر ما هي مقلقة، تُعدّ وسيلة استكشافية قوية، سبق أن دلّ عليها

  1. Monique Schneider, "La voix et le texte," in: Luce Giard (dir.), Michel de Certeau , Cahiers pour notre temps (Paris: Centre G. Pompidou, 1987), p. 135.
  2. Ibid., p. 140.
  3. Ibid., p. 142.
  4. de Certeau, L'écriture de l'histoire , p. 254.

لودفيغ فيتغنشتاين حينما دعانا إلى الانبهار أمام حياتنا اليومية. فهذه الأخيرة مكونة من لا شيء تقريبًا حتى تكتسب مدلولًا مهمّا، وهنا مرة أخرى، تكون الممارسة التحليلية النفسية، بتنُّبُهها لزلات هذا المدلول، ولتراخي الرقابة العقلانية، إيحائية بالنسبة إلى المؤرخ. نجد لدى دو سيرتو هذه العناية تجاه ما يبدو أنه يشكل بقايا المعنى وهوامشه، وهذا التساؤل حول ما يظهر أنه غير داٍّلٍ، وعديم الجدوى. إن الخطاب الصوفي، الذي درسه، يحِّوِل الجزئي إلى أسطورة، ويضاعف وقعه في سياق تاريخاني خاص. فقد رسم إبستيمولوجيته التاريخية في إطار من التوتر بين القول والفعل، وذلك ضمن هذا التشابك حيث يلتقي بموضوعات مجزأة يدرسها من خلال قراءة الأعراض التي تتحول إلى تقنية حفر تاريخية تُوصِل إلى الفهم على نحوٍ أفضل: "اعتمدتُ وقائع 'لودان'، إلى حد ما، مثلما اعتمد فرويد الزلة في الخطاب"98. تصوّرالعلاقة بين التاريخ والتحليل النفسي باعتبارهما تخصصَين، يشترطان حضور أحدهما موضوعًا للآخر، ويمثلان نوعين ينتج أحدهما الآخر في الشيء نفسه. لم يتضمن تصورُ حوار واقعي بين التحليل النفسي والتاريخ في إطار الاحترام المتبادل لخصوصيتهما، مع أنهما قابلان لتغيير ممارساتهما، استدامةً كبيرة، نظرًا إلى الاستخدامات العشوائية التي سادت في سبعينيات القرن العشرين، والتي كان لها وقع في شكل انطواء، وتراجع للمؤرخين الذين أداروا ظهورهم إلى حد بعيد للتحليل النفسي. لكن ما خلفوه من سجال إشكالي يبقى مفيدًا فيما يتصل بالاستخدام المثمر لمفاهيم كل منهما، سواء المؤرخين أو المحللين النفسيين. ويقتضي هذا المنظور، ليس تقديم إجابات نهائية عن أسئلة، بقدر ما يتعلق الأمر بطرح أسئلة حول إجابات سابقة. وكما أشار إلى ذلك بول ريكور في خاتمة كتابه الذاكرة والتاريخ والنسيان: "تحت التاريخ، توجد الذاكرة والنسيان، وتحت الذاكرة والنسيان، توجد الحياة، لكن كتابة الحياة هي تاريخ آخر، غير مكتمل".

  1. Michel de Certeau, France-Culture , 12 avril 1970.
  2. Ricœur, La mémoire, l'histoire, l'oubli , p. 657.

فهرس

Le phénomène de l ' après - coup:)الأثر اللاحق (ظاهرة إيقونوغرافيا (دراسة الرسومات والصور:) Iconographie ӵ إريكسون، إريك: Erikson Erik

استذكار: Remémoration ӵ أصل: Urbild ӵ

ӵ أعياد السبت: Sabbats

Economie des affects اقتصاد المشاعر: ӵ

ألتوسير، لويس: Althusser Louis ӵ

إنجازية: Performativité ӵ

ӵ أوفكلارونغ (التنوير:) Aufklärung إيريتيي أوجيه، فرانسوا: Augé - Héritier François ӵ بروديل، فيرناند: Braudel Fernand ӵ بلَاتين (هضبة:) Palatin ӵ بلوك، مارك: Bloch Marc بوتريه، فيليب: Boutry Philippe ӵ بور رويال: Royal - Port ӵ ӵ بورخيس: Borges ӵ بيزانسون، ألان: Besançon Alain ӵ التاريخ الأ: نَويَhistoire - Ego

التاريخ الثابت: immobile Histoire ӵ

ӵ التاريخ الشمولي: histoire - Macro ӵ التاريخ المجهري: histoire - Micro التاريخ النفسي: histoire - Psycho ӵ تحديد النسل: control Birth ӵ

Interdisciplinarité عبور التخصصات: ӵ Formations discursives تشكيلات خطابية: ӵ تغاير زمني: Hétérochronie ӵ تفاعل الذوات: Intersubjectivité ӵ

ӵ تفرُدية (مقاربة تفرُدية:) Idiographie

تكميم: Quantification ӵ توضيب مشهدي: scénique Montage ӵ

ӵ الثلاثية اللاكانية (نسبة إلى جاك لاكان:)

Trilogie Lacanienne La révolte des Camisards ثورة الكالفينيين: ӵ جان دي آنج: Anges des Jeanne ӵ

جبريم (رمز رياضي ابتكره جاك لاكان واستخدمه في التحليل النفسي:) Mathème

جَدْلَنة: Dialectisation ӵ

ӵ جوبيتر كابيتولينا (معبد:) Capitolin Jupiter جيرني، لويس: Gernet Louis ӵ ӵ خارج الزمن: Atemporel دو سوسير، فرديناند: Saussure de Ferdinand ӵ دو سيرتو، ميشيل: Certeau de Michel ӵ دوبرون، ألفونس: Dupront Alphonse ӵ دوبيه، جورج: Duby Georges ӵ ӵ دُورا: Dora ديتيان، مارسيل: Detienne Marcel ӵ ӵ الذات العينية: Mêmeté

الذاتية: Subjectivité ӵ رابليه: Rabelais ӵ

ӵ رانك، أوتو: Rank Otto ӵ ريكور، بول: Ricœur Paul ӵ الزَخور: Zakhor

الزمنية: Temporalité ӵ سان كلود: Cloud Saint ӵ

ӵ سانت أنج (حصن في روما:) Ange - Saint ӵ سانتينا (بلدة في إيطاليا:) Santena سوران، جون جوزيف: Surin Joseph Jean ӵ ӵ السيبتزونيوم (مبنى أثري في روما:) Septizonium

السيرة النفسية: Psychobiographie ӵ

سيفاليه، ميراي: Cifali Mireille ӵ ӵ شتاين، كونراد: Stein Conrad

صدمة: Trauma ӵ L ' enfant imaginaire الطفل المتخيَل: ӵ

ӵ طورينو: Turin

عصاب شيطاني: Démoniaque Névrose ӵ

العصر الكلاسيكي (القرن السابع عشر:) classique Age ӵ غادامير: Gadamer ӵ غاليليه: Galilée ӵ غانزبورغ، كارلو: Ginzburg Carlo ӵ غرانيه، مارسيل: Grani Marcel ӵ غرين، أندريه: Green André ӵ فلسفات التأريخ: Chronosophies ӵ الفلسفة الوضعية: Positivisme فلورنوي، ثيودور: Flournoy Théodore ӵ فوفيل، ميشيل: Vovelle Michel ӵ

فوكو، ميشيل: Foucault Michel ӵ

فيتغنشتاين، لودفيغ: Wittgenstein Ludwig ӵ فيرنان، جون بيير: Vernant Pierre Jean ӵ فيفر، لوسيان: Febvre Lucien ӵ القس سوجر: Suger abbé ' L ӵ ӵ القس غريغوار: Grégoire abbé ' L ӵ القوط: Goths ӵ Palazzo Caffarelli:)كافاريلي (قصر في روما كان، بيير: Kahn Pierre

لابروس، إرنست: Labrousse Ernest

لوثر، مارتن: Luther Martin لوروا لادوريه، إيمانويل: Ladurie Roy Le Emmanuel ӵ لوفران، أبيل: Lefranc Abel ليريه، جون دي: Léry de Jean ليفيه، جيوفاني: Levi Giovanni

Marguerite de Navarre مارغريت دو نافار: La possession de Loudun مَسُ شيطان لودان:

معاداة السامية: Antisémitisme

La bataille de Bouvines معركة بوفين:

معيارية (مقاربة معيارية:) Nomothétie مغالطة تاريخية: Anachronisme Les Rois Thaumaturges الملوك صانعو المعجزات:

Méthode analogique المنهج التماثلي:

موريلِي: Morelli

مؤسسة ثيير: Thiers Fondation

ميكيلانجيلو: Ange - Michel

ناصيف، جاك: Nassif Jacques

النزعة العلمية: Scientisme النفسيّة: Psyché نورا، بيير: Nora Pierre

نيتشه: Nietzsche

هاملت: Hamlet هانت، لين: Hunt Lynn هايتزمان: Haitzmann

هوسمان، جورج أوجين: Haussmann Eugène Georges

هوغونو (طائفة بروتستانتية من أتباع جون كالفن:)

Huguenots

ӵ الهوية الذاتية: Ipse هيرمينوطيقي (تأويلي:) Herméneutique يهوه: Yahvé يونغ، كارل غوستاف: Jung Gustav Carl

المراجع

Ariès, Philippe. Essai sur l'histoire de la mort en Occident. Paris: Seuil, 1975.

Bertrand, Michèle & Bernard Doray. Psychanalyse et sciences sociales. Paris: La Découverte, 1989.

Besançon, Alain. L'histoire psychanalytique. Paris: Mouton, 1974.

Bloch, Marc. Revue de synthèse historique. Repris dans Mélanges M. Bloch. Paris: EHESS, 1983 [1921].

________. Apologie pour l'histoire (1941). Paris: Armand Colin, 1974 [1941].

Borgès, Jorge Luis. Fictions. Paris: Gallimard, 1957.

Boutry, Philippe & Jacques Nassif. Martin l'Archange. Paris: Gallimard, 1985.

De Certeau, Michel. "Ce que Freud fait de l'histoire. A propos d'une névrose démoniaque au XVIIe siècle." Annales

E.S.C. vol. 25 (1970).

________. La possession de Loudun. Collection 'Archives'. Paris: Julliard, 1970.

________. L'absent de l'histoire. Paris: Mame, 1973.

________. L'écriture de l'histoire. Paris: Gallimard, 1975.

________. "Le Roman psychanalytique et son institution." Confrontation (1981).

_______. La Fable mystique. Paris: Gallimard, 1982.

________. "Entretien avec Mireille Cifali." Le Bloc-Notes de la psychanalyse. no. 4 (1984).

________. Histoire et psychanalyse entre science et fiction. Collection Folio essais. Paris: Gallimard, 1987.

_______. La faiblesse de croire. Paris: Seuil, 1987.

________. L'invention du quotidien , 1- Arts de faire. Collection Folio essais. Paris: Gallimard, 1990.

Delacroix, Christian, François Dosse & Patrick Garcia. Les courants historiques en France , 19e-20e siècles. Paris:

Armand Colin, 1999.

Duby, Georges. Le Dimanche de Bouvines. Paris: Gallimard, 1973.

Dutu, Alexandre & Norbert Dodille (dir.). L'Etat des lieux en sciences sociales. Paris: L'Harmattan, 1993.

Febvre, Lucien. Combats pour l'histoire. Paris: Armand Colin, 1953.

________. Rabelais ou le problème de l'incroyance au XVIe siècle. Paris: Albin Michel, 1968 [1942].

________. Un destin: Martin Luther. Paris: PUF, 1968 [1928].

Freud, Sigmund. La technique psychanalytique. Paris: PUF, 1953.

________. Malaise dans la civilisation. Paris: PUF, 1971.

________. Essais de psychanalyse appliquée. Paris: Gallimard, 1952 [1922].

________. Métapsychologie. Paris: Gallimard, 1952.

________. Moïse et le monothéisme. Collection idées. Paris: Gallimard, 1975 [1939].

Vernant, Jean-Pierre. "D'une illusion des illusions." Espaces, journal des psychanalystes (printemps 1986).

Freud, Sigmund & William Bullitt. Thomas Woodrow Wilson. Paris: Albin Michel, 1967.

Gadamer, Hans Georg. Vérité et méthode. Paris: Seuil, 1976.

Giard, Luce (dir.). Michel de Certeau. Cahiers pour notre temps. Paris: Centre G. Pompidou, 1987.

Green, André. Le temps éclaté. Paris: Minuit, 2000.

Greisch, Jean (trad.). Enchevêtré dans des histoires. Paris: Cerf, 1992.

Hunt, Lynn. Le roman familial de la Révolution française. Paris: Albin Michel, 1995.

Labrousse, Ernest. L'histoire sociale. Paris: PUF, 1967.

Le Goff, Jacques (dir.). La nouvelle histoire. Paris: Encyclopédie Retz, 1978.

Le Roy Ladurie, Emmanuel. Le territoire de l'historien. Paris: Gallimard, 1973.

________. Les paysans de Languedoc. Paris: Flammarion, 1969.

Levi, Giovanni. Le pouvoir au village. Paris: Gallimard, 1989.

Nora, Pierre (dir.). Essais d'égo-histoire. Paris: Gallimard, 1987.

Pomian, Krzysztof. L'ordre du temps. Paris: Gallimard, 1984.

Revel, Jacques. Dictionnaire des sciences historiques. Paris: PUF, 1986.

Ricœur, Paul. "Entre mémoire et histoire." Projet. no. 248 (1996).

________. "La marque du passé." Revue de métaphysique et de morale. no. 1 (Mars 1998).

________. La mémoire, l'histoire, l'oubli. Paris: Seuil, 2000.

________. Soi-Même comme un autre. Paris: Seuil, 1990.

Samaran, Charles (dir.). L'Histoire et ses méthodes. Paris: Gallimard, 1961.

Stein, Conrad. L'Enfant imaginaire. Paris: Denoël, 1971.

Vovelle, Michel. Idéologies et mentalités. Paris: Maspero, 1982.

Yerushalmi, Yosef Hayim. Zakhor. Paris: La Découverte, 1984.