هاملتون جب وأعماله عن الإسلام والحروب الصليبية بين مرآة الاستشراق والتاريخ
Hamilton Gibb and His Works on Islam and the Crusades: Between the Mirror of Orientalism and History
الملخّص
تُُقيّّم هذه الدراسة أعمال المستشرق البريطاني البارز هاملتون جب، الذي أثرى الدراسات الإسلامية في القرن العشرين، خاصة عبر كتابه دراسات في حضارة الإسلام وأبحاثه حول الحروب الصليبية. تتناول الدراسة أعماله من زاويتين: الأولى، استشراقية، تبحث في الخلفيات الفكرية التي شكّّلت التصور الغربي عن الإسلام. والثانية، تاريخية، تحلل منهجيته في التعامل مع النصوص الإسلامية بوصفها مادة حيّّة، جامعًًا بين التحقيق النصي والتحليل التاريخي. تركز الدراسة على كيفية معالجته ثنائية "الرواية الغربية" و"الإسلامية"، وتسعى لإعادة تقييم مكانته بوصفه مؤرخًًا وفاع الًا مؤثرًًا ساهم في صياغة فهم الغرب للتاريخ الإسلامي، مع تقديم قراءة نقدية لأعماله ومنهجيته.
Abstract
This study evaluates the works of the prominent British Orientalist Hamilton Gibb, who contributed to Islamic studies in the 20 th century, particularly through his book Studies on the Civilization of Islam and his research on the Crusades. The study approaches his works first from an Orientalist perspective, which examines the intellectual backgrounds that shaped Western perceptions of Islam, and second, from a historical perspective, which analyses his methodology in treating Islamic texts as living material, combining textual investigation with historical analysis. The study focuses on how he handled the dichotomy of "Western" and "Islamic" narratives and seeks to re-evaluate his standing not only as a historian but as an influential actor who contributed to shaping the West's understanding of Islamic history, while offering a critical reading of his works and methodology.
- هاملتون جب
- الاستشراق
- التاريخ الإسلامي
- الحروب الصليبية
- الحضارة الإسلامية
- Hamilton Gibb
- Orientalism
- Islamic Civilisation
- Crusades
هاملتون جب وأعماله عن الإسلام والحروب الصليبية بين مرآة لااستشراق والتاريخ Hamilton Gibb and His Works on Islam and the Crusades: Between the Mirror of Orientalism and History
، تُقيّم هذه الدراسة أعمال المستشرق البريطاني البارز هاملتون جب، الذي أثرى الدراسات الإسلامية في القرن العشرين خاصة عبر كتابه دراسات في حضارة الإسلاموأبحاثه حول الحروب الصليبية. تتناول الدراسة أعماله من زاويتين: الأولى، استشراقية، تبحث في الخلفيات الفكرية التي شكّلت التصور الغربي عن الإسلام. والثانية، تاريخية، تحلل منهجيته في التعامل مع النصوص الإسلامية بوصفها مادة حيّة، جامعًا بين التحقيق النصي والتحليل التاريخي. تركز الدراسة على كيفية معالجته ثنائية "الرواية الغربية" و"الإسلامية"، وتسعى لإعادة تقييم مكانته بوصفه مؤرخًا وفاعلًا مؤثرًا ساهم في صياغة فهم الغرب للتاريخ الإسلامي، مع تقديم قراءة نقدية لأعماله ومنهجيته.
This study evaluates the works of the prominent British Orientalist Hamilton Gibb, who contributed to Islamic studies in the 20 th century, particularly through his book Studies on the Civilization of Islam and his research on the Crusades. The study approaches his works first from an Orientalist perspective, which examines the intellectual backgrounds that shaped Western perceptions of Islam, and second, from a historical perspective, which analyses his methodology in treating Islamic texts as living material, combining textual investigation with historical analysis. The study focuses on how he handled the dichotomy of "Western" and "Islamic" narratives and seeks to re-evaluate his standing not only as a historian but as an influential actor who contributed to shaping the West's understanding of Islamic history, while offering a critical reading of his works and methodology.
باحث زائر، كلية ترينتي كولدج دبلن، وعضو هيئة تدريس في كلية الآداب، جامعة دمنهور، مصر. Visiting Researcher at Trinity College Dublin and Faculty Member in the Faculty of Arts, Damanhour University, Egypt. sheira@tcd.ie
أوالًا: هاملتون جب: النشأة والتدرج الأكاديمي
وُلد السير هاملتون ألكسندر روسكين جب Gibb Roskeen Alexander Hamilton Sir (1895 – 1971) في مدينة الإسكندرية المصرية، تلك الحاضرة المتوسطية التي امتزجت فيها نسائم البحر بروائح التاريخ، وتمازجت على شواطئها ثقافات الشرق والغرب والشمال والجنوب. وفي هذا الملتقى الحضاري، استنشق جب أول أنفاسه، ليجد نفسه منذ نعومة أظفاره محاطًا بأصداء الحضارات المتداخلة، وتيارات الفكر المتنوع التي ستشكل لاحقًا خلفيته المعرفية ورؤيته الاستشراقية العميقة، وكأن الرياح المتوسطية التي هبّت على شواطئ الإسكندرية في يوم ولادته كانت تحمل نبوءة بمستقبله؛ إذ أضحى عاشقًا ومؤرّخًا للحضارة العربية، التي شكلت جزءًا من تاريخ عالم المتوسط وحضارته، منذ بزوغ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي إلى عصرنا الراهن. نشأ جب في عالمَين متوازيَين؛ عالم الاستعمار الذي صاغ هويته البريطانية، وعالم الشرق الذي سحره بلغته وتاريخه وثقافته. وبين هذين العالمين، تشكّلت رؤيته المزدوجة؛ فلم يكن مستشرقًا عابرًا يقف على أعتاب التاريخ الإسلامي وحضارته فحسب، بل كان أيضًا غواصًا في أعماقه، متتبعًا نصوصه الأصلية، متمعنًا في أحداثه الكبرى، بدءًا من فجر الإسلام، متتبعًا تطوّر الفكر الإسلامي الوسيط، ثم مستعرضًا عصر الحروب الصليبية، ليصل إلى الأدب العربي الحديث. كان جب مؤرّخًا يجمع بين الرؤية النقدية الغربية والاطلاع العميق على التراث العربي، فاستطاع أن يقدّم صورة تتجاوز السرد الاستشراقي التقليدي، ليغدو جسرًا ثقافيّا بين الشرق والغرب. جاء والد جب إلى مصر عام 1880 مع جنود الاحتلال البريطاني، ليعمل ناظرًا للزراعة في شركة أبو قير لاستصلاح الأراضي. وأرسله والده إلى بريطانيا لاستكمال تعليمه، حيث التحق بالمدرسة الثانوية الملكية في إدنبرة بإسكتلندا. وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي، التحق بقسم اللغات الساميّة في جامعة إدنبرة عام 1912، حيث درس العربية والعبرية والآرامية. وواصل مسيرته الأكاديمية في جامعة لندن، حيث حصل على درجة الماجستير عام 1922، وتزامن ذلك مع تعيينه مدرسًا للغة العربية عام 1921. وفي عام 1929، حصل جب على درجة "ريدر" Reader في تاريخ العرب والأدب العربي بجامعة لندن، وما لبث أن تولى تحرير دائرة المعارف البريطانية حتى عام 1956، خلفًا للمستشرق الشهير سير توماس أرنولد بعد وفاته عام 1930. وانتقل إلى جامعة أكسفورد في عام 1937، ليشغل منصب أستاذ اللغة العربية، وزميلًا في كلية سانت جون حتى عام 1955. ثم انضم إلى جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأميركية، حيث شغل كرسي الأستاذية Arabic of Professor Jewett Richard James، وأصبح رئيسًا لمركز دراسات الشرق الأوسط، وواصل إسهاماته العلمية حتى تقاعده، مع بقائه مديرًا للمركز، ليواصل تأثيره في تشكيل الدراسات العربية والاستشراقية0.
1 George Makdis, "Sir Hamilton Alexander Roskeen Gibb January 2, 1895 - October 22, 1971," Journal of the American Oriental Society , vol. 93, no. 4 (1973), pp. 133-134; A.K.S. Lambton, "Sir Hamilton Alexander Roskeen Gibb," Bulletin of the School of Oriental and African Studies , vol. 35, no. 2 (1972), pp. 338-345; Albert Hourani, "Sir Hamilton Gibb," Proceedings of the British Academy , no. 58 (1972), pp. 493-523;
ينظر أيضًا: محمد مؤنس عوض، الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرخين الغربيين المحدثين (القاهرة: مكتبة كلية الآداب، 2016)، ص 133 - 142؛ عبد الرحمن
بدوي، موسوعة المستشرقين (بيروت: دار العلم للملايين، 1993)، ص 173 - 174؛ ناصر جاسم الملا، الاستشراق البريطاني في القرن العشرين: المستشرق
هاملتون جب عميد الدراسات العربية (القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2017)؛ ألبرت حوراني، "هاملتون جب: إنجازات مستشرق"، ترجمة سلام فوزي، الفكر
العربي، مج 31، العدد 5 (1983)، ص 373 - 399؛ محمد طارق، "هاملتون. أ. جب ودوره في دراسة التاريخ العربي"، أطروحة دكتوراه، كلية الدراسات العليا، الجامعة
الأردنية، 2012.
توفي جب في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1971، بعد معاناة طويلة مع المرض بدأت بجلطة دماغية شديدة أصابته عشية تقاعده من جامعة هارفارد. وعاد إلى إنكلترا بعد فترة وجيزة، ليعيش مع زوجته في منزلهما الجديد في كومنور، القريب من أكسفورد. وبعد وفاة زوجته عام 1969، انتقل إلى شيرينغتون، قرب ستراتفورد أبون أفون، حيث وافته المنية. هاملتون جب
المصدر: تصوير فابيان باكراتش Backrach Fabian، ينظر: Albert Hourani, "Sir Hamilton Gibb 1895 - 1971 ," Proceedings of the British Academy , no. 58 (1972).
وفي ذكرى وفاته يقول جورج مقدسي: "لطالما كانت وفاة عالم بارز حدثًا يترك شعورًا عميقًا بالخسارة بين زملائه في الحقل
الأكاديمي، فهذه الخسارة لا تقتصر على فقدان شخصية مرموقة فحسب، بل تمثل غياب منارة كانت تنير الطريق، ليس فقط للزملاء والطلاب الذين عرفوه عن قرب، بل أيضًا للكثيرين في المجتمع الأكاديمي العالمي الذين عرفوه من خلال أعماله ومؤلفاته. كنت
قد التقيته آخر مرة قبل بضعة أشهر من وفاته، كما كنت أحرص على زيارته كل صيف تقريبًا خلال زياراتي التي كانت تأخذني من المتحف البريطاني إلى مكتبة تشستر بيتي في دبلن، أو خلال رحلاتي بين أوروبا والشرق الأدنى"1. ومن خلال مسار علمي وأكاديمي حافل، تبلورت شخصية جب مستشرقًا بارزًا يجمع بين صرامة الباحث الغربي وعمق الاطلاع على الثقافة الإسلامية من مصادرها الأصلية. وفيما يلي، سننتقل إلى دراسة موقع جب بين الاستشراق والتاريخ، مستعرضين انعكاس هذه الخلفية الأكاديمية على منهجيته في قراءة التاريخ الإسلامي وتفسيره.
ثانيًا: جب بين لااستشراق والتاريخ
لم يكن الاستشراق يومًا مج لًا موحدًا أو ذا معالم ثابتة، بل تميز بتعدد المقاربات وتنوع الأهداف، متحركًا بين الدوافع الأكاديمية الصرفة والمصالح السياسية الاستعمارية. يمكننا تحديد عدة مقاربات رئيسة شكّلت ملامح هذا المجال؛ المقاربة الأولى ظهرت في ألمانيا وامتدت إلى الولايات المتحدة، حيث ارتبط الاستشراق بدراسة النصوص التوراتية لفهم العهد القديم، مركّزة على الدقة النصية واللغوية، ومنفصلة عن السياقات الاجتماعية والسياسية التي أثّرت في تلك النصوص. أما المقاربة الثانية، فتمثلت في الاستشراق الفرنسي والبريطاني، حيث ارتبط هذا التيار مباشرة بمصالح الإمبراطوريات الاستعمارية، فالفرنسيون مزجوا بين الاستشراق والعلوم الاجتماعية، وهذا أوجد حيوية فكرية وتكاملًا بين الدراسات الاستشراقية والتحليل الاجتماعي والسياسي للشرق. بينما في بريطانيا، ورغم تأثير الاستشراق العميق، ظل هذا المجال في حالة تنافر مع بعض العلوم الاجتماعية، مثل الأنثروبولوجيا، وهذا حدّ من شموليته النظرية2. أما المقاربة الثالثة، فتمثلت في محاولات بعض المستشرقين، مثل جب، تجاوز هذا الانقسام بين المقاربات المختلفة، حيث جمع بين الدقة النصية والمعرفة التاريخية الواسعة، مرتقيًا بمفهوم الاستشراق من مجرد دراسة عن الشرق إلى محاولة فهم عميق لتاريخه وثقافته. وقد تجلى تأثير جب في مجال الاستشراق عبر إسهاماته الأكاديمية التي جمعت بين الرؤية الاستشراقية الدقيقة والتحليل التاريخي العميق. بدأ جب أبحاثه بالتركيز على دراسة الفتوحات الإسلامية، ثم انتقل إلى كتابة عدة مقالات في مجال الأدب العربي، ثم مع مطلع ثلاثينيات القرن الماضي عاد ليركز على الكتابة عن التاريخ الإسلامي وخاصة فترة الحروب الصليبية، التي شهدت اهتمامًا متزايدًا بدراستها في أوروبا مع بدايات القرن العشرين، وذلك نتاجٌ طبيعيٌ للتوسعات الاستعمارية في العالم العربي والشرق
الأوسط عامة. أما في العالم العربي، فقد تأخر الاهتمام الأكاديمي بدراسة هذه الفترة حتى خمسينيات القرن العشرين وستينياته، حين بدأت المؤسسات الأكاديمية والباحثون العرب في تناول تلك الحقبة التاريخية ضمن سياق أكاديمي بحثي وتدريسي3.
2 Makdis, pp. 133-134. 3 William R. Polk, "Islam and the West," International Journal of Middle East Studies , vol. 6, no. 2 (1975), pp. 131–139.
4 ينظر: محمد مؤنس عوض، الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرخين المصريين المحدثين (القاهرة: مكتبة الآداب، 2017)؛ عوض، الحروب الصليبية
في مؤلفات المؤرخين الغربيين المحدثين؛ مصعب حمادي نجم الزيدي، الحروب الصليبية: في كتابات المؤرخين الأوروبيين والأمريكيين حتى نهاية القرن
العشرين (بيروت: دار النهضة العربية، 2021)؛
Ahmed Sheir, "The Historiographical Memory of the Crusades in Nineteenth-Century Egypt," in: A. Baadj & A. Sheir (eds.), The Memory and Historiography of the Crusades in the Modern Arab World (Budapest: Trivent publishing, 2025); Ahmed Sheir, "Between Peace and War: The Peaceful Memory of the Crusades from the Middle Ages to the Modern Arabic-Egyptian Writings," in: Ali Elsayed, Abdallah al-Nagger & Ahmed Sheir (eds.), Studies in Peace-building History between East and West through the Middle Ages and Modern Era , vol. 2 of the History of Peacebuilding Project (Cairo: Sanabil Bookshop, 2019), pp. 145-164.
وقد تجاوز اهتمام جب حدود السرد التاريخي التقليدي ليشمل تحليل النظم الإدارية والتنظيمية للمجتمعات الإسلامية. وقد اعتمدت أبحاثه على دراسة الواقع الاجتماعي والسياسي في العالم الإسلامي، متجاوزًا النقد التقليدي الموجه إلى الاستشراق الذي يركز على النصوص بمعزل عن سياقاتها. وتعامل مع التاريخ الإسلامي بوصفه ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية متكاملة، وهذا أتاح له بناء رؤية أكثر عمقًا وشمولًا. وإلى جانب اهتمامه بالأحداث التاريخية، ركّز على دراسة الشخصيات البارزة التي أسهمت في تشكيل مسار التاريخ الإسلامي؛ ففي دراسته شخصيةَ عبد الرحمن بن خلدون، استعرض الخلفيات الفكرية والدينية التي شكلت نظرياته السياسية5، كما تناول شخصية ابن سينا بوصفه رمزًا للفكر الفلسفي الإسلامي6. أما في الجانبَين السياسي والعسكري، فقد أفرد اهتمامًا خاصًا لشخصية صلاح الدين الأيوبي (ت. 1193)، واستند إلى المصادر
العربية التي تناولت سيرته، وانطلق منها لاستكشاف السياقات التاريخية الأوسع لفترة الحروب الصليبية7. وقد قاده هذا التعمق إلى تحرير عدد من المصادر العربية التي وثقت تلك الحقبة ودراستها، وهذا أسهم في تقديم قراءة دقيقة ومتوازنة لهذه المرحلة المفصلية في التاريخ الإسلامي. وقد ترك جب بصمة مميزة في الدراسات الاستشراقية بفضل توازنه بين الخبرة اللغوية والتحليل التاريخي، وتمثل أعماله إسهامًا بارزًا في مجال الدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي، حيث جمع بين التخصص الأكاديمي والخبرة العملية،
وهذا جعل أبحاثه مرجعًا أساسيًا للمهتمين بتاريخ الإسلام في عيون المستشرقين8. استندت منهجية جب إلى المصادر الإسلامية الأصلية، إلا أن قراءته للتاريخ الإسلامي لم تكن خالية من التحيزات الاستشراقية التي سعت إلى تضخيم الخلافات المذهبية والعرقية داخل المجتمعات الإسلامية. ففي تحليله معوقات الوحدة الإسلامية، بالغ في تصوير التنوع المذهبي واللغوي على أنه حواجز ثابتة أمام أي مشروع وحدوي. واعتمد على منطق استشراقي تقليدي يرى في الحركات الوحدوية الإسلامية محاولات استبدادية، من دون أن يمنح مساحة كافية لفهم الرؤية الإسلامية التي تقبل التعدد ضمن إطار وحدة العقيدة والشريعة. فعلى الرغم من أن جب سعى لكسر الصورة النمطية عن الإسلام في الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية، فإن قراءاته كثيرًا ما وقعت في فخ المركزية الأوروبية؛ فقد ظل ينظر إلى الإسلام موضوعًا معرفيّا منفصلًا، يخضع لتحليل "الآخر" من دون
الاعتراف الكافي بفاعلية الذات الإسلامية في صياغة تاريخها. وقد أظهر ميلًا واضحًا إلى منح الفكر السني مركزية مفرطة، مع إهمال جوانب مهمة من التنوع المذهبي والفكري داخل العالم الإسلامي، وهو ما يتجلى في تجاهله النسبي للتيارات الشيعية والصوفية المستقلة. كما أن اعتماده على المصادر الإسلامية لم يكن كافيًا لتحرير خطابه من النزعة التبسيطية التي اختزلت بعض الظواهر
الاجتماعية والثقافية في قوالب مسبقة. ويعكس هذا التحيز استمرار التأثير الغربي في بناء صورة مجتزأة عن العالم الإسلامي تخدم سرديات ما بعد الاستعمار9.
5 Hamilton Gibb, "The Islamic Background of Ibn Khaldun's Political Theory," Bulletin of the School of Oriental Studies , vol. 7 (1933/35), pp. 23-31. 6 Hamilton Gibb,"The Millenary of Ibn Sina," Bulletin of the School of Oriental and African Studies , vol. 14 (1952), pp. 496-500. 7 Hamilton Gibb, The Life of Saladin: From the Works of 'Imad ad-Din and Baha' ad-Din (New York/ London: Oxford University Press, 1973); Hamilton Gibb, "The Arabic Sources for the Life of Saladin," Speculum , vol. 25, no. 1 (1950), pp. 58-72; Hamilton Gibb, "The Achievement of Saladin," Bulletin of the John Rylands Library , vol. 35 (1952-1953), pp. 44-60; Hamilton Gibb, "Al-Barq al-Shami: The History of Saladin by the Katib 'Imad ad-Din al-Isfahani," Wiener Zeitschrift für die Kunde des Morgenlandes , vol. 52 (1953), pp. 93-115. 8 Makdis, pp. 133-134.
9 رمضان حميدة محمد أبو علي، "رؤية المستشرق هاملتون جب لمعوقات الوحدة الإسلامية من خلال كتاب وجهة الإسلام: دراسة تحليلية"، حولية كلية الدعوة
الإسلامية بالقاهرة، مج 1، العدد 33 (2021)، ص 202 - 254.
حظي إرث جب الأكاديمي بإشادة واسعة، لكنه لم يسلم من الانتقادات، خاصة من منظّري ما بعد الاستعمار والاستشراق، أمثال إدوارد سعيد12؛ فقد رأى بعضهم أن تحليلات جب، رغم عمقها، لم تنفصل تمامًا عن بنية الخطاب الغربي التي تنظر إلى الإسلام من
الخارج، وتفترض موقعًا مركزيًا للذات الأوروبية. وقد وصفه عبد الرحمن بدوي بقوله: "نال في حياته العديد من ألقاب التشريف التي لا
يستحقها من الناحية العلمية. والحقيقة أن شهرته كانت تفوق قيمته العملية، وأن إنتاجه العلمي أقل بكثير من الشهرة التي حظي بها، وهي شهرة ترجع لأسباب بعيدة كل البعد عن العلم". كما وصف أعماله "بالعموم والسطحية"13. ومع ذلك، يبقى جب واحدًا من الذين ساهموا
في تطوير مقاربات أكثر انفتاحًا مقارنةً بأقرانه، وفتح الباب أمام جدل علمي حول أهمية استعادة الرواية الإسلامية ضمن إطار نقدي متوازن.
ومن هنا، يكتسب مشروعه أهمية خاصة؛ لأنه يمثل حلقة انتقالية بين الاستشراق التقليدي والاستشراق النقدي المعاصر. ومع ذلك، فإن جب كان أكثر انفتاحًا على تجاوز هذه البنية من كثير من معاصريه، وتمكّن إلى حد كبير من منح المصادر
الإسلامية استقلالًا معرفيًا واحترامًا منهجيًا في إطار البحث العلمي. وقد شكّل مشروعه نموذجًا انتقاليًا بين استشراق كلاسيكي قائم
على التفوق المعرفي، واستشراق نقدي يحاول الإنصات إلى أصوات المصادر الإسلامية واحترام منطقها الداخلي. إن استعادة قراءة أعمال جب اليوم، لا تعني القبول بها على علاتها، بل تعني استدعاء سياقها، وفهم مساهمتها، ومساءلتها بمنهجية نقدية ووعي حضاري، يدفعنا إلى إنتاج سرديتنا التاريخية من موقع القوة المعرفية، لا ردّ الفعل. وفي هذا السياق، يمكن تحديد منهجية جب في دراسة الإسلام في ثلاث ركائز رئيسة: أولها، اعتماده على المصادر الإسلامية الأصلية، حيث تجاوز الروايات الغربية السطحية وحرص على دراسة النصوص التاريخية والفقهية التي كتبها المسلمون أنفسهم. وثانيها، ربطه الدقيق بين النص والسياق؛ إذ كان يرى أن الأدب والتاريخ الإسلامي لا يمكن فهمهما بمعزل عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي أفرزهما. وثالثها، نقده المتوازن للرؤية الاستشراقية التقليدية؛ فقد سعى إلى تجاوز الصورة النمطية التي اختزلت الإسلام وعدّته حضارة راكدة، ليقدم تصورًا أكثر عدالة
يعترف بالحيوية والتطور داخل المجتمعات الإسلامية. وبناءً على هذه المنهجية، يمكن تصنيف أعمال جب ضمن محورَين رئيسَين؛ أولهما محور التاريخ العربي الإسلامي، الذي لم
تقتصر أبحاثه فيه على عصور الإسلام الوسيطة فحسب، بل امتدت أيضًا لتشمل دراسة المجتمعات الإسلامية في عصورها الحديثة. وثانيهما، محور الأدب العربي، حيث درس التراث الأدبي العربي، متتبعًا تطوره وأساليبه ورموزه، في إطار فهم شامل لتاريخ الفكر
العربي. وعلى الرغم من أن الهدف من هذا العرض هو تسليط الضوء على إسهامات جب في مجال التاريخ العربي الإسلامي وعصر الحروب الصليبية، فإنه سيتم الإشارة إلى أعماله الأخرى التي تجسد رؤيته ومعرفته بالثقافة العربية والإسلامية.
ثالثًا: العمل الموسوعي لجب "دراسات في حضارة الإسلام"
لم يقتصر اهتمام جب على دراسة النصوص الدينية والتاريخية بمعزل عن سياقاتها، بل سعى لفهم العلاقة الديناميكية بين النصوص والمجتمعات التي أنتجتها. وتجلى هذا المزج بين التحليل النصي والدراسة التاريخية بوضوح في عمله الموسوعي دراسات
0 1 صدرت مئات الأعمال التي تناولت الاستشراق بأبعاده المتعددة والمتشابكة في مختلف فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية. وللاطلاع على بعضٍ من أبرز هذه
الدراسات، يمكن الاسترشاد بالمراجع التالية: إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية عن الشرق، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)؛
مصطفى السباعي، الاستشراق والمستشرقون: ما لهم وما عليهم (القاهرة: دار الوراق، [د. ت.])؛ أحمد درويش، الاستشراق الفرنسي والأدب العربي (دراسات
أدبية) (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997)؛ بدوي؛ عبد الحميد عبد المنعم مدكور، نظرات في حركة الاستشراق (القاهرة، دار الثقافة، 1990)؛ رودي
باريت، الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية: المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه، ترجمة مصطفى ماهر (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1967). 11 بدوي، ص 173 - 174؛ عوض، الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرخين الغربيين المحدثين، ص 134.
في حضارة الإسلام14، الذي يُعدّ خلاصة جهوده العلمية في مجال الدراسات الإسلامية. يضم هذا الكتاب مجموعة واسعة من
المقالات التي كتبها جب ونشرها في الفترة 1928 - 1960، في دوريات ومنشورات أكاديمية متنوعة. وقد حرص على إعادة نشرها مع إجراء تعديلات طفيفة وتصحيح بعض الأخطاء المطبعية؛ وهذا ما يعكس حرصه على تطويرها وحضورها بين أجيال مختلفة. في مقدمة دراسات في حضارة الإسلام، يوضح جب رؤيته المنهجية بعبارته: "إذا كانت [هذه المقالات أو الفصول] تمتلك أي نوع من الوحدة، فإن هذه الوحدة قد فُرضت نتيجة اقتناع متزايد على مدار الوقت بأن الأدب والتاريخ، باعتبارهما تعبيرَين عن مجتمع
نابض بالحياة، لا يمكن تناولهما بالدراسة على نحوٍ منفصل من دون تشويه جوهر الواقع الأساسي"15. تجسد هذه العبارة جوهر منهج جب الذي يجمع بين الدراسة النصية والتحليل التاريخي؛ وهو ما يجعل هذا الكتاب مرجعًا فريدًا في فهم الحضارة الإسلامية لدى
الغربيين على الأقل. ويعكس الكتاب هذا المنهج، من خلال تقسيمه إلى ثلاثة أقسام رئيسة؛ تناول القسم الأول التاريخ الإسلامي الوسيط، محللًا تطوّر الفكر السياسي والديني في العصرَين الأموي والعباسي، ومسلطًا الضوء على العلاقات العربية - البيزنطية وتأثيرها
في تشكيل الحضارة الإسلامية. أما القسم الثاني، فيركز على تطور الفكر الديني الإسلامي، مستعرضًا نظريات الخلافة السنيّة ودور
التصوّف في تشكيل الروحانية الإسلامية. ويتناول القسم الثالث الأدب العربي والفكر الحديث، متتبعًا التفاعل بين الثقافة الإسلامية
والثقافة الغربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد بدأ جب هذا العمل بدراسة محورية بعنوان "تفسير التاريخ الإسلامي"16، حيث قدّم فيها قراءة تحليلية لطبيعة التاريخ
الإسلامي، مسلطًا الضوء على العوامل المؤثرة في تطوره. وينطلق من التساؤل عن كيفية تشكّل التاريخ الإسلامي في ضوء المصادر الإسلامية المبكرة، مع التركيز على الديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي أسهمت في تطور هذا التاريخ. ويشير إلى أن التاريخ الإسلامي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياقَين الاجتماعي والسياسي اللذَين نشأ فيهما، ويؤكد ضرورة الربط بين النصوص الدينية والتاريخية، والوقائع العملية التي عاشها المسلمون. ويستعرض التطور التاريخي منذ ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية إلى توسع الدولة الإسلامية في العصور اللاحقة، مع التركيز على الصراعات الداخلية والخارجية التي أثرت في هذا المسار. ويرى أن التاريخ الإسلامي لم يكن مجرد سلسلة من الأحداث، بل هو تطور مستمر للقيم والمفاهيم التي شكلت الحضارة الإسلامية. وفي سياق تفسير جب لتشابكات التاريخ الإسلامي ونظمه، درسَ "نظام الحكم في الفترة المبكرة من الإسلام"17، حيث استعرض
مراحل تطوّر نظام الحكم الإسلامي منذ عهد النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، مرورًا بالخلافة الراشدة، وصولًا إلى العهد الأموي. يبدأ
جب بتناول نظام الشورى الذي اعتمد عليه الخلفاء الراشدون، مبيّنًا تطوّر هذا النظام؛ فقد كان نموذجًا بسيطًا للتشاور، ثم أصبح نظامًا
مركزيًا معقّدًا في العهد الأموي. ويوضح أيضًا أن هذا التطور كان نتيجة عدة عوامل، من بينها التوسع الجغرافي للدولة الإسلامية، وزيادة
التحديات السياسية والعسكرية التي واجهتها. ويناقش دور الخلفاء في إدارة الدولة وتطوير نظام القضاء والضرائب والجيش، مؤكدًا أن
هذا النظام لم يكن ثابتًا، بل كان خاضعًا للتغيير والتطوير المستمر. واعتمد في تحليله على مجموعة من المصادر التاريخية، مثل كتب
التراث الإسلامي، والمصادر البيزنطية والفارسية؛ وهو ما يعكس نظرته الشاملة إلى التاريخ الإسلامي.
12 Hamilton Gibb, Studies on the Civilization of Islam , Stanford J. Shaw & William R. Polk (eds.) (Princeton: Princeton University Press, 1962), pp. xiv, 369;
ينظر ترجمته: هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة إحسان عباس ومحمد نجم ومحمود زايد (بيروت: دار العلم للملايين، 1979.)
13 Gibb, Studies on the Civilization of Islam , p. 9. 14 Hamilton Gibb, "An interpretation of Islamic History," in: Ibid., pp. 3-33. 15 Hamilton Gibb, "Evolution of Government in Early Islam," in: Ibid., pp. 34-46; Hamilton Gibb, "Government and Islam under the Early 'Abbasids. The Political Collapse of Islam," in: Hamilton Gibb (ed.), L'élaboration de l'Islam (Paris: Maisonneuve & Larose, 1961), pp. 115-127.
وواصل جب اهتمامه بالعلاقات الدولية في فترة الخلافة الأموية، فكتب دراسة بعنوان "العلاقات العربية البيزنطية في عهد الخلافة الأموية"18، موضحًا أن هذه العلاقات لم تكن مقتصرة على الصراع العسكري، بل تضمنت أيضًا جوانب دبلوماسية وتجارية
وثقافية. يبدأ جب بتحليل الأسباب الجغرافية والسياسية التي جعلت العلاقات بين الدولتين معقدة ومتداخلة، مشيرًا إلى أن الصراع
العسكري كان جزءًا من تفاعل أوسع بين الحضارتين الإسلامية والبيزنطية. ويتناول الحملات العسكرية المتبادلة، والتحالفات
السياسية، وتأثير التبادل الثقافي بين الطرفين. ويشير إلى أن هذه العلاقات أثّرت في تطور الفكر السياسي والعسكري في الدولة الأموية، وقد اعتمد في تحليله على عدد من المصادر التاريخية الإسلامية والبيزنطية؛ وبهذا قدم رؤية متوازنة. وناقش جب "الأهمية الاجتماعية للشعوبية"19، وهي الحركة الفكرية والاجتماعية التي ظهرت في العهد العباسي، والتي عبرت عن رغبة غير العرب من المسلمين في تأكيد مكانتهم الثقافية والاجتماعية داخل المجتمع الإسلامي. يبدأ جب بدراسة أصول هذه الحركة، موضحًا أنها لم تكن رد فعل اجتماعي فحسب، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن شعور بالهوية الثقافية لدى الفرس وغيرهم من
الشعوب التي دخلت في الإسلام. ويوضح أن الشعوبية لم تكن حركة واحدة، بل مجموعة متنوعة من التيارات الفكرية التي اختلفت في أهدافها ووسائلها. ويناقش تأثير هذه الحركة في الأدب والفكر الإسلامي، مشيرًا إلى أنها أسهمت في إثراء الثقافة الإسلامية،
وأدت إلى ظهور أدب جدلي بين العرب وغير العرب داخل الدولة الإسلامية، وأظهرت التوترات الاجتماعية والثقافية التي نشأت نتيجة التوسع الإمبراطوري للإسلام. ثم توجّه جب إلى دراسة شخصية الأيوبي في فصلين رئيسين، ستتم مناقشتهما ضمن أعماله عن الحروب الصليبية في
الصفحات التالية. أما مقالته بعنوان "تاريخ"20، فيكرّسها لدراسة الهيستوريوغرافيا الإسلامية، متناولًا تطوّر علم التأريخ في العالم
الإسلامي، ومسلطًا الضوء على مسيرة الكتابة التاريخية من بداياتها الشفوية إلى مراحلها المكتوبة الأكثر تنظيمًا. ويوضح أن التاريخ
الإسلامي في مراحله الأولى كان امتدادًا للتقاليد الشفوية، حيث اعتمد على نقل الأخبار والسير، ثم تطور مع ظهور المؤرّخين الأوائل،
مثل عروة بن الزبير وابن إسحاق، الذين ركزوا على السيرة النبوية. وفي العصر العباسي، شهد التأريخ تطورًا نوعيّا مع ظهور مؤرّخين،
مثل محمد بن جرير الطبري وأحمد بن يحيى البلاذري، الذين اعتمدوا على منهجية أكثر تنظيمًا ودقة في تصنيف الأحداث وتحليلها.
يبرز جب أن هذا التحوّل لم يكن تطورًا تقنيًا فحسب، بل كان أيضًا نتيجة لتفاعل بين الدين والمجتمع؛ إذ أدّى الفقهاء والعلماء دورًا
محوريّا في صياغة التاريخ وتوجيه تفسيره. ومع انتقال التأريخ إلى مرحلة أكثر نضجًا في العصور المتأخرة، ظهرت أعمال مؤرّخين
كبار، مثل إسماعيل بن أحمد ابن الأثير، وابن خلدون، وأحمد بن علي المقريزي، الذين ربطوا بين التأريخ والفلسفة الاجتماعية؛ فأتاح لهم ذلك فهمًا أعمق للتاريخ الإسلامي بصفته ظاهرة اجتماعية وثقافية. يرى جب أن الكتابة التاريخية في الإسلام لم تكن تسجيلًا
للأحداث فحسب، بل كانت أيضًا انعكاسًا لتطور الفكر والمجتمع الإسلامي عبر العصور. ثم ينتقل جب إلى معالجة قضية محورية في الفكر السياسي الإسلامي من خلال مقالته "بعض الاعتبارات حول نظرية الخلافة السنية"، حيث يقدم قراءة تحليلية للنظرية السنية في مفهوم الخلافة، التي تشكل أساس النظام السياسي الإسلامي التقليدي21. ويبدأ بتوضيح أصول هذه النظرية في عهد الخلفاء الراشدين، وتطوّرها حتى أصبحت إطارًا قانونيًا ودينيًا ينظم علاقة الخليفة بالأمة الإسلامية. ويناقش المصادر
الفقهية والفكرية التي اعتمدت عليها هذه النظرية، مثل كتابات الفقهاء الكبار كالإمام الماوردي في الأحكام السلطانية. ثم يتناول تأثير هذه
16 Hamilton Gibb, "Arab-Byzantine Relations under the Umayyad Caliphate," in: Gibb, Studies on the Civilization of Islam , pp. 47-61. 17 Hamilton Gibb, "The Social Significance of the Shuubiya," in: Gibb, Studies on the Civilization of Islam , pp. 62-73. 18 Ibid., pp. 108-139. 19 Hamilton Gibb, "Some Considerations on the Sunni Theory of the Caliphate," in: Gibb, Studies on the Civilization of Islam , pp. 141-150.
النظرية في تعزيز مشروعية الخلفاء، موضحًا استخدام الخلفاء العباسيين هذه النظرية من أجل تأكيد سلطتهم الدينية والسياسية، على الرغم
من أنهم فقدوا السيطرة الفعلية على أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي. ثمّ يستعرض التحديات التي واجهتها هذه النظرية، بدءًا من ظهور
الحركات الشيعية التي رفضت شرعية الخلفاء السنّة، وصولًا إلى الحركات الصوفية التي قدمت مفهومًا روحانيًا للسلطة. وفي امتداد لهذا الطرح، ناقش جب "نظرية الخلافة عند الإمام الماوردي، حيث يعرض رؤية الإمام الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي (364 - 450 ه/ 974 - 1058 م) لنظام الخلافة، مستندًا إلى كتابه الأحكام السلطانية22. يبدأ بتعريف الماوردي
وسياق حياته في العصر العباسي، ثم يستعرض رؤيته لنظام الخلافة كما قدمها في كتابه الشهير الأحكام السلطانية. يوضح جب أن
الماوردي قدّم رؤية مؤسسية للخلافة، محاولًا تنظيمها على نحوٍ قانوني ودستوري، محددًا شروط الخليفة وواجباته، والعلاقة بينه وبين
الأمة. ويستعرض كيفية تأثر رؤية الماوردي بالواقع السياسي في عصره، حيث كانت السلطة الفعلية في يد السلاطين والأمراء، بينما كان الخلفاء العباسيون يمثلون سلطة رمزية دينية. ويشير إلى أن الماوردي حاول من خلال نظريته إعادة إحياء مكانة الخلافة بصفتها سلطة جامعة للمسلمين، مؤكدًا أن الخلافة ليست مجرد نظام حكم، بل هي مؤسسة دينية وسياسية في آن واحد. ثم يُعيد جب طرح رؤيته للفكر السياسي لابن خلدون في مقالته "الإطار الإسلامي لنظرية ابن خلدون السياسية"23. ويبدأ
بتحليل السياق التاريخي الذي عاش فيه ابن خلدون، مشيرًا إلى أن تجربته السياسية ومشاهداته المباشرة للصراعات السياسية
والاجتماعية في شمال أفريقيا أثرت كثيرًا في رؤيته الفلسفية. ثم يستعرض نجاح ابن خلدون في صياغة نظرية سياسية تجمع بين
الفلسفة الإسلامية والواقع الاجتماعي، موضحًا أن نظريته في العصبية لم تكن تأملًا نظريّا فحسب، بل كانت أيضًا محاولة لفهم
الديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي حكمت العالم الإسلامي. ويوضح أن ابن خلدون لم يكن مؤرّخًا يسجل الوقائع فحسب، بل
كان أيضًا مفكرًا ناقدًا، قادرًا على تحليل طبيعة السلطة، ودور الدين في توجيه المجتمعات، والتفاعل بين السياسة والاقتصاد، ويفسر
طريقة تشكيل رؤيته مرجعًا لفهم التاريخ والسياسة في العالم الإسلامي. وفي قراءة للفكر الإسلامي عامة، سطر جب فصلًا جديدًا بعنوان "هيكل الفكر الديني في الإسلام"
" Islam in Thought Religious of Structure The "24، مستعرضًا المكونات الأساسية للعقيدة الإسلامية، ومحللًا تطور الفكر الديني من عصر الصحابة إلى العصور المتأخرة. ووضّ ح أن الفكر الديني في الإسلام لم يكن أحادي البعد، بل شهد تطورات مستمرة، وتأثر بمختلف المدارس الفكرية، مثل الأشعرية والمعتزلة والتصوّف. كما عرض تطوّر العقيدة الإسلامية من
التفسير البسيط للنصوص في العصور المبكرة إلى منظومة فلسفية معقدة في العصور اللاحقة، مشيرًا إلى تأثير الفلسفة اليونانية
في الفكر الإسلامي، خاصة في مجال علم الكلام. وناقش دور العلماء والفقهاء في صياغة المعتقدات الدينية، وكذلك دورهم في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية. وفي هذا الإطار، رأى أن الفكر الديني في الإسلام ليس مجموعة من العقائد الجامدة، بل هو منظومة حيّة تعبّر عن تفاعل المجتمع الإسلامي مع التحديات الفكرية والدينية التي واجهها عبر تاريخه. واختتم جب عمله بمقالة عنوانها "خواطر في الأدب العربي"26، قدّم فيها قراءة تحليلية لتطور الأدب العربي، بدءًا من الشعر
الجاهلي وصولًا إلى الأدب الحديث. وسلط الضوء على العلاقة بين الأدب والواقع الاجتماعي، موضحًا أن الأدب العربي مرآة عاكسة
للتجربة الإنسانية في العالم الإسلامي، ومنصة للتعبير عن القيم الثقافية والدينية. واستعرض أصول النثر في الأدب العربي، موضحًا
20 Hamilton Gibb, "Al-Mawardi's Theory of the Caliphate," in: Ibid., pp. 151-165. 21 Hamilton Gibb, "The Islamic Background of Ibn Khaldun's Political Theory," in: Ibid., pp. 166-175. 22 Hamilton Gibb, "The Structure of Religious Thought in Islam," in: Ibid., pp. 176-218. 23 Hamilton Gibb, "Reflections on Arabic Literature," in: Ibid., pp. 219-244.
انتقال الأخير من الطابع الشفوي إلى الكتابة، وتطوّر تقنيات السرد والنثر بمرور الزمن. وسلط الضوء على دور الأدب الحكائي والرسائل
الأدبية في تشكيل الأسلوب النثري، وبين تأثر هذا النثر بالثقافات الفارسية واليونانية بعد الفتوحات الإسلامية، وهذا أسهم في إثراء اللغة والأساليب الأدبية. كما حلل كيفية تطور الأسلوب الأدبي من البساطة والوضوح في الأدب الجاهلي إلى التكلف البلاغي في الأدب العباسي، ومن ثم العودة إلى الأسلوب البسيط والمتزن في الأدب الأندلسي. وعرض أمثلة من كتابات كبار الأدباء، مثل الجاحظ وابن المقفع، موضحًا تأثير مدارس الفكر الأدبي المختلفة، مثل مدرسة بغداد ومدرسة الأندلس، في تشكيل الأسلوب الأدبي
العربي، فتطور الأدب العربي لم يكن عملية لغوية أو فنية فحسب، بل كان أيضًا انعكاسًا للتغيرات الاجتماعية والفكرية التي شهدها
العالم الإسلامي، فالأدب العربي كان دائمًا مرآة تعكس أحوال المجتمع ومعتقداته وقيمه. شكلت هذه المقالات موسوعة دراسات في حضارة الإسلام، وقد أثبت جب فيها أنه دارس متمرس، وقادر على الجمع بين التحليل التاريخي والنقد الأدبي والفلسفي؛ وهذا منح دراساته عمقًا وشمولًا يتجاوز الحدود التقليدية للاستشراق. وقد سعى لتجاوز النظرة الاستشراقية التقليدية التي تركز على النصوص بمعزل عن سياقاتها الاجتماعية والسياسية، مؤكدًا أن دراسة الحضارة الإسلامية
لا تكتمل إلا من خلال فهم تفاعل النصوص مع المجتمعات التي أنتجتها.
رابعًا: الإسلام في دراسات جب: التاريخ، والفكر، والأدب
على الرغم من تنوّع الموضوعات التي تناولها جب في كتابه دراسات في حضارة الإسلام، فإن إسهاماته لم تقتصر على هذا
العمل، بل امتدّت لتشمل طيفًا واسعًا من الدراسات المستقلة، سواء في شكل كتب منفردة أو مقالات علمية وموسوعية. ومن بين أبرز
هذه الأعمال كتابه الفتوحات العربية في آسيا الوسطى28، الذي يعود في أصله إلى رسالة الماجستير التي تقدم بها إلى جامعة لندن عام 1921، بعنوان "الفتوحات العربية في بلاد ما وراء النهر" " Transoxiana of Conquest Arab The ". وعلى الرغم من أن الكتاب لا يتجاوز مئة صفحة، فإنه قدّم عرضًا تحليليّا دقيقًا لمسار التوسّع العربي في منطقة آسيا الوسطى، موضحًا سيطرة العرب على حوضي
نهري جيحون وسيحون بحلول عام 741 م. يتكوّن الكتاب من خمسة فصول، إضافة إلى مقدمة وببليوغرافيا، ويُعدّ من أولى الدراسات
الغربية التي تناولت هذا الموضوع بمنهج نقدي يعتمد بالأساس على المصادر العربية، مع توظيف بعض المصادر الصينية المتاحة. تناول جب المراحل الأولى من الفتح الإسلامي التي أعقبت معركة نهاوند، مسلطًا الضوء على جهود عبد الله بن عامر في التقدّم
نحو طخارستان، وعلى طبيعة المقاومة غير الموحدة التي واجهها العرب من بقايا الساسانيين وبعض الأسر الفارسية. ويبرز جب، في أثناء تحليل المرحلة المفصلية من الفتح، دور قتيبة بن مسلم الباهلي، مشيرًا إلى استراتيجيته التي جمعت بين الحسم العسكري والتحالفات
السياسة، ولا سيما في مدن محورية مثل بخارى وسمرقند. ويتتبع في فصول لاحقة مسار الفتح العربي في ظل الرد التركي، متناولًا مقاومة القبائل التركية في المنطقة (الترك الشرقيين)، ثم يركّز في الفصل الأخير على إعادة تثبيت السيطرة الأموية بعد نكسات مؤقتة، متابعًا تحولات المشهد السياسي حتى أواخر العصر الأموي، ومؤكدًا أن الفتح لم يكن مسارًا خطيّا أو موحدًا، بل كان معقّدًا ومتأثّرًا بالبنى
الاجتماعية والسياسية المحلية. ويُعدّ الكتاب نموذجًا مميزًا في الدراسات التاريخية الاستشراقية، يتجاوز التعميمات، ويجمع بين تحليل
المصادر وتقديم رؤية تاريخية بالتعقيدات السياسية والعسكرية والجغرافية للفتوحات الإسلامية في آسيا في تلك الفترة29.
24 Hamilton Gibb, The Arab Conquests in Central Asia , James G. Forlong Fund, vol. II (London: Royal Asiatic Society, 1923).
52 للمزيد عن هذا العمل لجب، ينظر عرض أرنولد توينبي:
Arnold J. Toynbee, "The Arab Conquests in Central Asia by H. A. R. Gibb," Bulletin of the School of Oriental and African Studies , vol. 2, no. 4 (1923), pp. 650-652.
وجّه جب اهتمامه في باكورة حياته الأكاديمية في الفترة 1926 - 1933 إلى دراسة الأدب العربي، مُدركًا أهميته بصفته مفتاحًا
لفهم الثقافة والفكر العربيين. وأصدر كتيبًا موجزًا موجّهًا إلى القارئ الإنكليزي الباحث عن معرفة عامة حول الأدب العربي، قدّم فيه
لمحة تعريفية عن تاريخ الأدب العربي وتطوره، تمثّل مدخلًا يسيرًا للقارئ الغربي30. لكن شغف جب بالأدب العربي لم يتوقف عند هذا
الكتيب، بل تجلى في سلسلة من المقالات التحليلية التي نشرها عبر مطبعة مدرسة الدراسات الشرقية والتي بدأها بمقالة عن الأدب العربي في القرن التاسع عشر. وفي عام 1929، عمّق جب هذا الاهتمام بمقالة عنوانها "المنفلوطي والأسلوب الجديد"، حيث قدم
قراءة نقدية لدور المنفلوطي في تحديث اللغة الأدبية وإبداع أسلوب جديد جذب شرائح واسعة من القراء العرب، متبعًا ذلك بدراسة حول
"المجددين المصريين"، محللًا حركتهم الفكرية وتأثيرهم في نهضة الأدب العربي الحديث في القرن التاسع عشر. وجاءت خاتمة هذه السلسلة في عام 1933، بمقالة عن "القصة المصرية"، حيث استعرض تطورها الأدبي في مصر الحديثة31. وبعد أن استعرض جب الأدب العربي الحديث، كتب مقالة بعنوان "التوحيد قبل الإسلام في الجزيرة العربية"، ساعيًا لاستكشاف
جذور الفكر الديني التوحيدي في مجتمع العرب قبل الإسلام32. وناقش كيفية تطور المعتقدات التوحيدية في الجزيرة العربية وتأثيرها في التقاليد الدينية السابقة للإسلام، فالفكر الديني العربي لم يكن معزولًا عن السياقات الثقافية المحيطة، بل تأثر كثيرًا بالتفاعلات
الحضارية مع الثقافات اليهودية والمسيحية في المنطقة. وشكّلت هذه العناصر التوحيدية جزءًا من البيئة الفكرية التي ساهمت في
استقبال الرسالة الإسلامية وتطوّرها. وفي محاولة لتقديم فهم أعمق عن مصادر تاريخ الإسلام المبكر، كتب جب مقالة بعنوان "كتب السير في الإسلام" نُشرت ضمن مجموعة دراسات بعنوان "مؤرّخو الشرق الأوسط"، وقد حررها بيتر هولت وبرنارد لويس33. إلا أن كتابه المحمدية
Mohammedanism34، يُعّد واحدًا من أهم أعماله وأكثرها تأثيرًا؛ إذ قدم فيه دراسة موجزة وشاملة عن دين الإسلام، مع تسليط
الضوء على دور الإسلام بصفته قوة دافعة في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية للعالم الإسلامي. ويُعدّ هذا الكتاب مدخلًا أساسيًا
للقراء الغربيين لفهم الإسلام، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ يتناول عدة مواضيع عن الإسلام وتطوره عبر التاريخ، وهو مقسم إلى فصول أساسية تشمل مختلف الجوانب الدينية والتاريخية والفكرية. ويبدأ بمقدمة يعقبها، في الفصل الأول، استعراض توسع الإسلام جغرافيًا وثقافيًا. ويناقش الفصل الثاني حياة النبي محمد ودوره المحوري في نشأة الدين الإسلامي. ويتناول الفصل
الثالث القرآن الكريم من حيث هو كتاب مقدس ومصدر أساسي للتشريع. ويتناول الفصل الرابع العقيدة والطقوس كما وردت في القرآن الكريم، وهذا يبرز الجوانب العملية للإيمان الإسلامي. ويركز الفصل الخامس على السنة النبوية ودورها في توجيه المسلمين. ويشرح الفصل السادس الشريعة الإسلامية بصفتها مصدرًا للقوانين والأحكام الشرعية. ويعالج الفصل السابع الانقسامات العقائدية
بين المذاهب الإسلامية المختلفة. أما الفصلان الثامن والتاسع فيناقشان التصوف الإسلامي، بصفته حركة روحية، والسلوكيات التي تتبعها الطرائق الصوفية. أخيرًا، يناقش الفصل العاشر الإسلام في العصر الحديث، مع التركيز على التحديات والتغيرات التي يواجهها
في عصر الاستعمار الأوروبي للعالم العربي.
26 Hamilton Gibb, Arabic Literature: An Introduction (Oxford: Clarendon Press, 1963).
27 بدوي، ص 174.
28 Hamilton Gibb, "Pre-Islamic Monotheism in Arabia," The Harvard Theological Review , vol. 55, no. 4 (1962), pp. 269-280. 29 Bernard Lewis & Peter Malcolm Holt (eds.), Historians of the Middle East , vol. 4 of Historical Writing on the Peoples of Asia (London/ New York: Oxford University Press, 1962). 30 Hamilton Gibb, Mohammedanism: An Historical Survey , 2 nd ed. (London/ New York: Oxford University Press, 1962).
إن اختيار جب مصطلح "المحمدية" عنوانًا في بعض دراساته قد أثار جدلًا واسعًا، نظرًا إلى أن هذا المصطلح يركّز على شخصية
النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم، متجاهلًا طبيعة الإسلام دينًا شاملًا يحمل منظومة عقائدية وأخلاقية متكاملة. ثمّ إن هذا الاختيار
يعكس رؤية استشراقية تقليدية، تُختزل فيها الحضارة الإسلامية في شخص النبي محمد؛ وهذا قد يوحي بأن الإسلام دين بشري مرتبط بفرد، في حين أنه رسالة إلهية عالمية. ومع ذلك، يمكن النظر إلى هذا الاختيار من زاوية أخرى؛ إذ ربما كان جب يسعى لجذب انتباه القارئ الغربي، الذي قد يجد في هذا المصطلح مدخلًا لفهم العلاقة بين النبي محمد ودينه، مع التركيز على الأثر العميق الذي تركه النبي في تشكيل الفكر والمجتمع الإسلامي. دمج جب في منهجيته بين النظرة الأوروبية الاستشراقية - التي اعتادت دراسة الإسلام من خلال شخص النبي - ومعرفته الأكاديمية العميقة بالتاريخ الإسلامي. لكن هذا الدمج لم يكن خاليًا من التحديات؛ إذ
ظهر في بعض الأحيان كأنه يعيد إنتاج النظرة الاستشراقية التقليدية، وإن حاول تجاوزها. وقد انخرط جب أيضًا في مشروع جدّ مهمّ؛ وهو تحرير النسخة الثانية من موسوعة الإسلامالتي امتدت فترة إصدارها بين عامَي
1960 و 200435، وهي واحدة من أبرز المراجع الأكاديمية العالمية في الدراسات الإسلامية. وقد تعاون مع نخبة من المستشرقين البارزين، مثل يوهانس كرامرز Kramers Johannes وإيفاريست ليفي-بروفنسال Provençal - Lévi Évariste، وجوزيف شاخت Schach Joseph، للمساهمة في تطوير هذه الموسوعة. وقد شملت إسهاماته مقالات موسوعية عميقة، تناولت الشخصيات التاريخية البارزة، والمفاهيم الدينية، والمؤسسات الاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي، وكذلك تناولت مقالات فلسفية مثل مقالاته عن الأخلاق الإسلامية36. وفي تتبّع آخر للتيارات الفكرية في العالم الإسلامي، كتب جب مؤَّلَفه اتجاهات حديثة في الإسلام Islam in Trends Modern،
الذي صدر عام 194737، وقد تناول فيه الحركات الإصلاحية والأفكار الجديدة التي ظهرت في العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ناقش الكتاب العلاقة بين التقاليد الإسلامية ومحاولات التجديد، وحلل تأثير الفكر الغربي في المجتمعات الإسلامية؛ وهذا ما جعله مرجعًا مهمّا لفهم الحراك الفكري في تلك الفترة. واستمرارًا لهذا التوجه، واصل كتابته عن الإسلام رابطًا
بين تاريخ الإسلام المبكر مرورًا بالعصور الوسطى والأحوال خلال العصور الحديثة، خاصة خلال الحكم العثماني، وذلك في كتابه
المشترك مع هارولد بوين بعنوان المجتمع الإسلامي والغرب: المجتمع الإسلامي في القرن الثامن عشر38، وهو كتاب ضخم صدر في جزأين، يُركّز على دراسة المجتمع الإسلامي في القرن الثامن عشر، وهي فترة اعتبرها المؤلفان انتقالية ومهمّة لفهم
التحولات الكبرى التي سبقت التغلغل الغربي في العالم الإسلامي. ويقدم الجزء الأول تحليلًا شاملًا للهياكل الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية السائدة في المجتمعات الإسلامية العثمانية والعربية، قبيل التدخل المباشر للغرب. في حين صدر الجزء الثاني التحولات السياسية والاستعمار الأوروبيفي عام 195739، وقد تمحور حول دراسة تأثير القوى الإمبريالية الأوروبية في العالم الإسلامي. يوضح هذا الجزء أن القرن التاسع عشر شهد تغييرات كبيرة في بنية المجتمع الإسلامي بسبب التدخل الأوروبي، مثل: إصلاحات التنظيمات العثمانية، وتأثير الاقتصاد الرأسمالي العالمي،
31 Hamilton Gibb et al. (eds.), The Encyclopaedia of Islam (Leiden: Brill, 1960–2004). 32 Hamilton Gibb & Richard Walzer, "Akhlak," in: Encyclopédie de l'Islam, Pt. 1 (1960), pp. 335-339 33 Hamilton Gibb, Modern Trends in Islam (Chicago, IL: Chicago University Press, 1947). 34 H. A. R. Gibb & Harold Bowen, Islamic Society and the West. vol. I: Islamic Society in the Eighteenth Century , Part I (Oxford: Oxford University Press, 1950), p. 386. 35 H. A. R. Gibb & Harold Bowen, Islamic Society and the West: A Study of the Impact of Western Civilization on Moslem Culture in the Near East. vol. I, Islamic Society in the Eighteenth Century, Part II (New York: Oxford University Press, 1957), p. 285.
والنزاعات الناتجة من سقوط الخلافة العثمانية. ويقدم أيضًا رؤية مقارنة بين مختلف الدول العربية والتركية؛ وهذا يعكس فهمًا عميقًا
للمتغيرات الاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي في تلك المرحلة الحرجة، والتي تبعها سيطرة أوروبية استعمارية لعدة مناطق في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. ويمثّل هذا العمل محاولة لفهم السياق التاريخي الذي سبق الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، ويفسّر كيفية تشكّل هذا العالم
اجتماعيّا وثقافيّا في لحظة حرجة من تاريخه. وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إليه، بوصفه جزءًا من المشروع الاستشراقي، فإنه
لا يزال مرجعًا ثريّا في الدراسات التاريخية والاجتماعية عن الإسلام في العصر الحديث. ومع ذلك، لا يمكن إغفال البعد السياسي لهذا
الإنتاج العلمي؛ فقد جاء في سياق استشراقي مرتبط بالمشروع الإمبريالي الأوروبي، حيث استُخدمت المعرفة الدقيقة عن المجتمعات
الإسلامية وسيلةً لتمكين السيطرة السياسية والعسكرية عليها. ومن ثم، استمر تأثير هذا الاستعمار في شكل استعمار فكري وثقافي عميق، لم يتوقف حتى بعد انتهاء الاحتلال العسكري. إن كتاب المجتمع الإسلامي والغربليس دراسة أكاديمية، بقدر ما هو شهادة على كيفية توظيف المعرفة العلمية لخدمة المصالح الإمبريالية. وعلى الرغم مما لهذا الكتاب من قيمة علمية، فإنه يظل جزءًا
من سياق تاريخي أكبر، كان فيه العلم أداة لفهم الآخر بهدف الهيمنة عليه؛ وهذا يستدعي قراءة نقدية تبحث في تأثيرات هذا الإرث الاستشراقي في الدراسات الحديثة. ولم يقتصر إسهام جب على التأليف فقط، بل امتد أيضًا إلى ترجمة المصادر الإسلامية المهمة إلى اللغة الإنكليزية؛ فقد تولى ترجمة وتحقيق واحدة من أبرز الرحلات في التاريخ الإسلامي، وهي رحلة "ابن بطوطة"40. نُشرت هذه الترجمة، تحت إشراف تشارلز بكينغهام Beckingham Charles أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعتَي مانشستر (1958 - 1965) ولندن (1965 - 1981)، في أربعة
مجلدات. أولى جب اهتمامًا خاصًا لتحقيق النصوص الأصلية لرحلة ابن بطوطة، مع إضافة ملاحظات وشروح تاريخية وجغرافية دقيقة؛
وهذا ما جعله يعيد تقديم النص في سياقه الثقافي والاجتماعي. وركّز على توضيح المواقع والأحداث التي أشار إليها ابن بطوطة في رحلته؛ فأضفى عمقًا على الترجمة، وأتاح فهمًا أكثر شمولًا لعالم القرن الرابع عشر. يمثّل هذا العمل إضافة مرجعية فريدة إلى الدراسات
الاستشراقية الغربية؛ ذلك أنه يُبرز رؤية ابن بطوطة للعالم الإسلامي وأجزاء من آسيا وأفريقيا، وعلاقاته بأوروبا. وقد أتاح هذا المشروع
للدارسين الغربيين نافذة جديدة، لفهم التداخل الثقافي بين الشرق الإسلامي وامتداده الجغرافي الواسع. ويعدّ الكتاب نموذجًا في
تحقيق النصوص الكلاسيكية، ويُظهر الجهد العلمي المبذول في تحليل النصوص ومقارنتها بمصادر تاريخية أخرى، ويجسّد رؤية
أكاديمية متميزة لدراسة التراث الإسلامي وفهم التاريخ والجغرافيا الثقافية والاجتماعية للعالم الإسلامي في العصور الوسطى. ولم يغفل جب دور الحضارة الإسلامية في صياغة التراث الأوروبي، فقد تناول ذلك في دراسته "تأثير الثقافة الإسلامية في أوروبا في العصور الوسطى"41، مع التركيز على تأثيراتها الفكرية والعلمية؛ فالثقافة الإسلامية في العصور الوسطى كانت نتاج تفاعل شعوب متعددة، فقد استمدت وحدتها من الإسلام واللغة العربية. ولم تكن حكرًا على العرب، بل شاركت فيها شعوب مختلفة مثل الفرس والبيزنطيين واليهود.
ولم يتجَّلَ تأثير الثقافة الإسلامية في أوروبا في نقل المعرفة فحسب، بل كان أيضًا تفاعلًا ثقافيّا؛ فلم تكتفِ أوروبا بنقل المعارف الإسلامية
في مجالات الطب والفلسفة والعلوم الطبيعية، بل أعادت صياغتها لتلائم سياقاتها الفكرية. وهذا التأثير كان جزءًا من حوار حضاري أوسع
بين الإسلام وأوروبا. ويجب أن تتجاوز دراسة هذا التفاعل النظرة السطحية للاقتباس إلى فهم ديناميكيات التبادل الثقافي والمعرفي.
36 Hamilton Gibb (trans. & ed.), The Travels of Ibn Battuta , A.D. 1325-1354. Translated with Revisions and Notes form the Arabic Texts, vol. 1-4 (Cambridge: Cambridge University Press for the Hakluyt Society, 1958–2000). 37 Hamilton Gibb, "The Influence of Islamic Culture on Medieval Europe," in: Change in Medieval Society. Europe North of the Alps 1050-1520 (New York: Appleton-Century-Crofts, 1964), pp. 155-167.
ويتضح مما سبق أن جب لم يكن مستشرقًا تقليديّا، يقتصر على دراسة النصوص بمعزل عن سياقاتها، بل برز بصفته باحثًا
يجمع بين التحليل النصي الدقيق والفهم النقدي للسياقات التاريخية والاجتماعية. وعلى الرغم من تأثره بالمدرسة الاستشراقية الكلاسيكية التي ركزت على دراسة الإسلام من منظور خارجي، فإنه استطاع أن يتجاوز هذا الإطار الضيق عبر تبنّيه منهجًا نقديّا يأخذ
في الاعتبار البعد الجيوسياسي والثقافي للأحداث والشخصيات التاريخية. وقد برزت قدرته في تقديم قراءة متوازنة تربط بين تحليل الصراعات الجيوسياسية وفهم التفاعلات الثقافية بين العرب وغيرهم من الشعوب؛ وهذا أضفى على أعماله طابعًا علميّا رصينًا وعمقًا
تحليليّا مميزًا. ولم تقتصر اهتماماته على هذا الجانب فحسب، بل امتدت أيضًا لتشمل ميدان الدراسات الصليبية، حيث خصص
عددًا من أعماله، تأليفًا أو تحريرًا أو ترجمة، لدراسة الحروب الصليبية، متناولًا أبعادها الإسلامية. وساهم في تحرير عدد من المصادر
العربية الرئيسة وترجمتها، التي تؤرّخ لتلك الحقبة، وهو ما سنعرض له بشيء من التفصيل لاحقًا.
خامسًا: جب والحروب الصليبية
مثّلت الحروب الصليبية محورًا جوهريّا في اهتمامات جب الأكاديمية، ضمن دراساته حول الإسلام والمسلمين. ولم ينظر إلى
الحروب الصليبية بعيون مؤرّخي العصور الوسطى الأوروبيين Medievalists، الذين غالبًا ما قدّموها على أنها صراع بين المسيحية
الأوروبية والإسلام، من منظور المصادر الأوربية أولًا، بل رأى فيها جزءًا من تاريخ أوسع يتسم بالتشابك والتفاعل بين أوروبا اللاتينية
المسيحية والعالم الإسلامي، ولا سيما العالم الإسلامي السنّي. ولم يكن جب مؤرّخًا تقليديًا يكرّر السردية الغربية السائدة عن الحروب الصليبية، بل سعى بوعي نقدي لإبراز السردية العربية
لامًاااكتمو لايًاادب ابًاطخ ةيملسالاإ، يتجاوز الأحادية الأوروبية أو ما يمكن تسميته "المركزية الأوروبية " Eurocentrism. فبالنسبة إليه،
لم تكن الحروب الصليبية مجرد سلسلة من المواجهات العسكرية فحسب، بل كانت أيضًا إحدى حلقات التلاقي والتفاعل المتكرر بين الشرق والغرب، سواء في إطار الصراع أو في مجالات الثقافة والفكر. وقد بدأ اهتمامه بالحروب الصليبية، من خلال دراسة الروايات العربية الأصلية في عام 1932، وفي مقدمتها كتاب ذيل تاريخ دمشقلحمزة بن أسد المعروف بابن القلانسي (ت. 1160 م)، الذي نقله إلى الإنكليزية بعنوان Crusades the of Chronicle Damascus The الحولية الدمشقية للحروب الصليبية42، واعتبره من أبرز المصادر العربية التي وثقت أحداث المرحلة الفاصلة بين الحملتين الصليبيتين الأولى والثانية. وهو من الأعمال الأولى التي أعادت تقديم النصوص العربية إلى القارئ الغربي في صيغة نقدية موثوقة. وقد شكّلت هذه الترجمة جزءًا من مشروع جب الأشمل،
الهادف إلى إظهار الرواية الإسلامية للحروب الصليبية، وإبراز الجهاد الإسلامي ضد الفرنجة حينذاك. واعتمد جب في تحريره الحولية الدمشقية على نسخة نادرة من المخطوطة محفوظة في مكتبة بودليان في أكسفورد، مقدّمًا
قراءة تحليلية للنص، تبرز دقّته في رصد الوقائع وتوثيق القلانسي لها بصفته "شاهد عيان"؛ ما جعله مصدرًا لا غنى عنه في بناء تصوّر
مغاير للرواية التقليدية. وقد أشار إلى أن هذا العمل قد يكون امتدادًا لكتاب المؤرّخ هلال بن المحسن الصابئ (ت. 1056)، الذي
توقفت روايته بوفاته، ليكمل ابن القلانسي المهمة من النقطة ذاتها، في مشهد يعكس استمرارية تقاليد الكتابة التاريخية الإسلامية في بناء سرد تراكمي متصل. ولم يغفل جب البعد الأدبي للنص، بل نبّه إلى ثراء العمل بما يتجاوز الحكي التاريخي الجاف، حيث
ضمّن القلانسي مؤلفه مقاطع شعرية ونصوصًا أدبية تعبّر عن وعي ثقافي متقدم، وتكشف عن حساسية المؤرّخ تجاه تفاصيل الحياة
38 Hamilton Gibb, The Damascus Chronicle of the Crusades (London: Luzac & Co., 1932).
اليومية وسياقاتها الشعورية. وقد جعل هذا المزج بين التأريخ والأدب من ذيل تاريخ دمشقوثيقة تاريخية وأدبية في آن واحد، لها أهميتها وقيمتها في فهم المناخ الثقافي والسياسي لتلك المرحلة. وتكشف قراءة جب لكتاب ذيل تاريخ دمشقعن حسّه التحليلي الدقيق، ووعيه بسياقات التاريخ السكاني والاجتماعي للمنطقة؛
فهو لم يتوقف عند تحليل محتوى الكتاب بصفته مصدرًا تأريخيّا فحسب، بل توسّع أيضًا في فهم خلفياته الجغرافية والديموغرافية،
فالقرن الحادي عشر الميلادي شهد موجة هجرة واسعة لقبائل التركمان المعروفة باسم "الغُز"، انطلقت من حدود السهوب الآسيوية غربًا نحو بلاد الشام، مرورًا بآسيا الصغرى. وقد نظر جب إلى هذه التحركات السكانية لا بوصفها أحداثًا عارضة، بل بوصفها تحوّلًا
تاريخًّيًا عميقًا غيّر البنية السكانية والسياسية في المشرق الإسلامي، وأسهم في صياغة المشهد الذي واجه الحملات الصليبية لاحقًا.
فقد ركّز على البعد المغفَل في دراسات كثيرة، وهو دور الهجرات الداخلية والغزوات القبلية في صياغة الخريطة السياسية للمنطقة، معتبرًا أن هذه التحركات لا تقل أثرًا عن العوامل العسكرية أو العقائدية في تفسير تحولات الصراع الصليبي الإسلامي. وفي ذلك يتميز
جب من كثير من الباحثين الغربيين الذين أهملوا هذه الزوايا الاجتماعية والاقتصادية في تحليلاتهم، وهذا يجعل من مقارباته مرجعًا
فريدًا في هذا الحقل. وإلى جانب اهتمام جب بالمصادر، قدم عددًا من الدراسات التحليلية التي تناولت أبرز الشخصيات الإسلامية في تلك الحقبة،
وعلى رأسها الأيوبي. ويُعدّ كتابه حياة صلاح الدين: من أعمال عماد الدين وبهاء الدين43 من أهم أعماله وأقدمها، فهو يمثّل
تتويجًا لجهوده في دراسة الشخصيات التاريخية الإسلامية. ففي كتاب حياة صلاح الدين، الذي اعتمد فيه جب على كتابات عماد
الدين الأصفهاني وبهاء الدين بن شداد، قدّم صورة كاملة عن القائد الأيوبي، تشمل إنجازاته العسكرية وأبعاده الفكرية والسياسية
والاجتماعية. وقد تناول تطور شخصيته من قائد عسكري إلى زعيم سياسي وحّد العالم الإسلامي، وركّز على كيفية بنائه لاستراتيجية
المقاومة الإسلامية للصليبيين. وفي مقالة "البرق الشامي: تاريخ صلاح الدين"، المنشورة في عام 195244، ترجم جب جزءًا من نص عماد الدين الأصفهاني
.(ت 1201 م)، مقدّمًا قراءة نقدية لهذا العمل المهمّ، ومبرزًا في الوقت ذاته أهمية الاعتماد على المصادر الإسلامية المعاصرة للحقبة
الصليبية لفهم التاريخ من "الداخل" الإسلامي، لا من خلال الانعكاسات الاستشراقية المتأخرة. ويُعدّ هذا العمل من المحطات
المفصلية في جهود جب الرامية إلى تأصيل الرواية الإسلامية، وإعادة تقديمها بوصفها مصدرًا معرفيّا متكاملًا. وقد أظهر براعة
في إبراز العناصر البلاغية والسردية التي استخدمها الأصفهاني لصياغة صورة بطولية للأيوبي، معتمدًا على تحليل دقيق للأسلوب
والمضامين، وهذا مكّنه من تقديم قراءة مزدوجة للنص تجمع بين النقد الأدبي والتحقيق التاريخي. وقد مثّلت دراسة "البرق الشامي" لدى جب امتدادًا طبيعيًا لمشروعه في إعادة تقييم المصادر الإسلامية الأصلية وإبرازها مرجعًا أساسًّيًا، لفهم الحروب الصليبية وسير
قادتها، بعيدًا عن تحيّزات الاستشراق التقليدي الذي طالما أهمل هذا النوع من النصوص، بوصفه أدبيّا أكثر من كونه تاريخيّا. وعلى الرغم من أن جب ركّز في دراسات في حضارة الإسلامعلى قضايا فكرية وسياسية وأدبية، فإنه أفرد فيها فصلين مخصصين لدراسة شخصية الأيوبي، أحد أبرز القادة في التاريخ الإسلامي. جاء أحد هذين الفصلين بعنوان "جيوش صلاح الدين"45، وقد ركّز على دراسة تنظيم جيوش الأيوبي، ودورها في تحقيق الانتصارات خلال الحروب الصليبية. يبدأ الفصل بتقسيم الجيوش
39 Gibb, The Life of Saladin. 40 Gibb, "Al-Barq al-Shami: The History of Saladin by the Kātib Imad al-Din al-Isfahani." 41 Hamilton Gibb, "The Armies of Saladin," in: Gibb, Studies on the Civilization of Islam , pp. 74-88.
إلى ثلاث فئات رئيسة: الجيش المصري، والجيش السوري، والجيش القادم من بلاد ما وراء النهر Mesopotamian، حيث القوات القادمة من المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات، والتي تشمل أجزاء من العراق وسورية الحديثة. يوضح جب كيفية تنظيم هذه الجيوش وتزويدها بالمعدات والتموين، مشيرًا إلى أن الأيوبي لم يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل استفاد أيضًا من تنظيم إداري
محكم ودعم شعبي واسع. ويناقش تكتيكاته العسكرية، ودوره في توحيد الجبهة الإسلامية لمواجهة الصليبيين، مع التركيز على معركة حطين التي مثلت نقطة تحول في تاريخ الصراع الصليبي - الإسلامي. ويعتمد في تحليله على مصادر تاريخية معاصرة له، مثل ذيل تاريخ دمشق، والبرق الشامي، وسيرة صلاح الدين. وبيّن فصل آخر عن الأيوبي، عنوانه "إنجازات صلاح الدين"46، تأثير هذا القائد؛ إذ تجاوز ميدان المعارك إلى إعادة تشكيل
الخريطة السياسية للعالم الإسلامي في مواجهة الصليبيين. يبدأ جب بتحليل شخصية الأيوبي قائدًا استثنائًّيًا، يجمع بين الحكمة
السياسية والشجاعة العسكرية، ويوضح أنه تمكّن من توحيد العالم الإسلامي، الذي كان ممزقًا بين الإمارات المتصارعة، ليشكل جبهة موحدة ضد الصليبيين. يركز جب بصفة خاصة على معركة حطين (1187 م)، التي يعتبرها لحظة حاسمة في تاريخ الصراع الصليبي - الإسلامي، حيث قاد الأيوبي جيوشه إلى نصر ساحق؛ ما مهد الطريق لاستعادة القدس من أيدي الصليبيين. ومع ذلك، لا يكتفي جب بالحديث عن النصر العسكري، بل يتناول أيضًا سياسة هذا القائد في الحكم، ومواقفه الإنسانية تجاه الأسرى والخصوم؛ ما جعله نموذجًا
للقائد النبيل في المخيال الإسلامي والغربي على حد سواء؛ فالأيوبي لم يكن قائدًا عسكريّا فحسب، بل كان أيضًا إداريّا محنكًا، عمل
على إصلاح نظام الحكم، وتطوير المؤسسات العسكرية والإدارية في دولته. وبناءً على ما سبق، يقدم هذا الفصل رؤية متكاملة للأيوبي
بصفته قائدًا سياسيّا وعسكريّا، له تأثير كبير في التاريخ الإسلامي، وأثره مستمر في الذاكرة التاريخية "المستمرة" و"الحية". وتُمثل مساهمات جب في موسوعة تاريخ الحروب الصليبية، التي حررها كينيث سيتون، أبرز أعماله وأكثرها تكاملًا في
تأريخ تطوّر القيادة الإسلامية خلال الحقبة الصليبية؛ فقد كتب عدة مقالات تناولت الجوانب المختلفة لهذه الحقبة التاريخية، مقدمًا
رؤية متوازنة وشاملة لها، تجمع بين المنظورَين الإسلامي والغربي، واعتمد فيها على مصادر إسلامية أصيلة، مثل ذيل تاريخ دمشق،
والبرق الشامي، وسيرةصلاح الدين. علاوة على ذلك، اشتملت مجموعة سيتون حول الحروب الصليبية على عدد من الدراسات التي أسهم بها جب، لا سيما في المجلد الأول، مثل "الخلافة والدولة العربية"، والذي قدم فيه تحليلًا للبيئة السياسية التي شكّلت خلفية المشهد الصليبي، متناولًا تفاعل الخلافة العباسية والدول المحلية في المشرق مع المتغيرات العسكرية والسياسية التي فرضها الصراع وقد ركّز في تحليلاته على بروز قيادات محورية مثل عماد الدين زنكي (ت. 1146)، ونور الدين محمود (ت. 1174)، والأيوبي، مبرزًا دورهم في إحياء حركة
الجهاد الإسلامي في مواجهة الفرنجة ببلاد الشام، والتي توّجت بانتصار المسلمين في معركة حطين، وما تبع ذلك من استعادة بيت
المقدس، بوصفها لحظة رمزية فاصلة في مسار الصراع الصليبي - الإسلامي. وتضمن المجلد الثاني مقالته عن الأيوبيين،
42 Hamilton Gibb, "Achievements of Saladin," in: Ibid., pp. 89-107. 43 Kenneth Meyer Setton, A History of the Crusades , vol. 1-6 (Madison, WI: University of Wisconsin Press, 1958-1989). 44 Hamilton Gibb, "Notes on the Arabic Materials for the History of the Early Crusades," Bulletin of the School of Oriental Studies , vol. 7, no. 4 (1935), pp. 739-754. 45 Hamilton Gibb, "The Caliphate and the Arab State," "Zengi and the Fall of Edessa," pp. 449-463, "The Career of Nur-ad-Din," "The Rise of Saladin, 1169-1189," in: Kenneth Meyer Setton (eds.), A History of The Crusades , vol. 1 (Madison: University of Wisconsin Press, 1969), pp. 81-99, 449-463, 513-527, 563-589. 46 Hamilton Gib, "The Ayyubids," in: Kenneth Meyer Setton (ed.), A History of The Crusades , vol. 2 (Madison: University of Wisconsin Press, 1962), pp. 693-714.
التي قدّم فيها تحليلًا موسّعًا لتطوّر بنية الدولة الإسلامية في مواجهة التحدي الصليبي. وقد توسّع لاحقًا في دراسة الدولة الأيوبية
في مقالته، حيث تناول البنية السياسية والإدارية التي نشأت عقب الأيوبي، وموقعها في السياق الأوسع للصراع مع القوى الصليبية الغربية، متتبعًا التحّولّات المؤسسية التي أبقت المشروع السياسي الإسلامي متماسكًا بعد القائد المؤسس. ولم تقتصر إسهامات جب في دراسة شخصية الأيوبي على البعد الاستراتيجي أو السياسي فحسب، بل امتدت إلى تحليل البنية العسكرية والمؤسساتية التي نشأت في ظل الدولة الأيوبية، وما رافقها من تحولات بنيوية ساهمت في ترسيخ مشروعه القيادي. وكذلك قدّم قراءة نقدية معمّقة لسيرة نور الدين محمود، تتبّع من خلالها الأصول المؤسسية والسياسية التي مهدت لصعود الأيوبي، مشددًا على أن
فهم تجربته لا يكتمل من دون التوغّل في الإرث الذي تركه، سواء من حيث البناء الإداري أو التعبئة الأيديولوجية لمفهوم الجهاد. ورأى جب أن التاريخ لا يُفهم باعتباره سردًا خطيّا للأحداث، بل باعتباره نسيجًا معقّدًا من التفاعلات الرمزية والواقعية، تتقاطع فيه الشخصيات
مع السياسات، وتتشكّل من خلاله الرموز التاريخية في الوعيَين الإسلامي والغربي. ومن هذا المنطلق، تجلّت دقته في تفكيك السياقات
التي ساهمت في تشكيل صورة "البطل"، لا من حيث هو قائد عسكري، بل أيضًا بصفته رمزًا ثقافًّيًا يتجاوز لحظته التاريخية. وفي هذا الإطار، توقف جب عند إحدى أكثر المحطات إشكالية في سيرة الأيوبي، وهي توقيعه معاهدة الصلح مع الإمبراطور فريدريك الثاني عام 1229 م، وهي المعاهدة التي أثارت جدلًا طويلًا بين مؤيديه ومنتقديه، نظرًا إلى ما حملته من دلالات سياسية ودينية. وينقل جب
عن المؤرّخ أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي وصفه للأيوبي بأنه "تواضع للعلم، متلبّس بالعدل والكرم"، ليعلّق بأن هذا التوصيف لا يعكس
إعجابه الشخصي فحسب، بل يشير أيضًا إلى نموذج قيادي متكامل، استطاع أن يفرض احترامه وهيبته حتى على خصومه. وهو ما يُفسّر
الاحترام الذي أبداه فريدريك خلال المفاوضات، باعتباره انعكاسًا لتقدير سياسي وإنساني نادر في سياقات الصراع المحتدم وقتها. ويُظهر تحليل جب لهذه المرحلة مدى وعيه بمسألة الرمز في التاريخ الإسلامي؛ إذ لم ينشغل بفعل الحرب والانتصار فحسب،
بل أيضًا بتكوين صورة السلطان الأخلاقي والعادل، الذي استطاع أن يجمع بين الكفاءة السياسية والقيم الدينية والاجتماعية. وهو ما يعكس في النهاية رؤيته المتكاملة لتاريخ الحروب الصليبية، ليس بصفته سرد وقائع، بل من حيث هو مساحة لتقاطع الرؤى والحضارات. يمثّل مجموع هذه الدراسات خريطة فكرية متكاملة، تبرز منهج جب القائم على إعادة الاعتبار للسرد الإسلامي في تأريخ الحروب الصليبية، واعتماده على المصادر الأصلية، وتحليله المتوازن للأحداث والشخصيات. وهو بذلك ينتمي إلى تيار استشراقي نقدي، تجاوز النزعة النصية البحتة إلى قراءة أكثر شمولًا تأخذ في الاعتبار التداخل بين النص والواقع، وبين السياسة والثقافة. وقد استطاع من خلال أعماله أن يقدّم صورة جديدة عن هذه الفترة الحرجة، ويُعيد الاعتبار لدور المسلمين فيها، بوصفهم فاعلين لا مجرّد
متلقين. وبهذا، أسهم في إعادة تشكيل الوعي الأكاديمي الغربي تجاه الحضارة الإسلامية، وفتح المجال أمام مقاربات أكثر توازنًا
وإنصافًا في قراءة التاريخ المشترك بين الشرق والغرب. ولم يكتفِ بالسرد التاريخي التقليدي، بل ركّز على منهج نقدي مقارن بين الروايتين الإسلامية والغربية، مشيرًا إلى التباين في السرديات وضرورة اعتماد مقاربة تراعي تعدد الرؤى.
خاتمة: نظرة تحليلية عامة
يُعدّ جب أحد الأسماء المهمّة في مسار تطور الدراسات الإسلامية في الغرب؛ بسبب كثافة إنتاجه العلمي ولما تميّز به أيضًا
من قدرة فريدة على المزج بين التحليل التاريخي والثقافي والاجتماعي، لتقديم فهم متوازن وشامل للحضارة الإسلامية. لم يكن جب مجرد مستشرق تقليدي يكرر مقولات أقرانه، بل سعى بوعي معرفي ملحوظ لتجاوز نبرة التعالي والانحياز التي كثيرًا ما ارتبطت
بالخطاب الاستشراقي الكلاسيكي، معتمدًا في ذلك على قراءة نقدية للمصادر الأصلية، وإبراز التعدد والتنوع الذي اتسم به العالم
الإسلامي عبر عصوره المختلفة. وعلى الرغم من ذلك، يتضح من خلال استقراء أعمال جب أن تحليلاته لم تخلُ من انحيازات معرفية أنتجت صورة غير مكتملة عن الإسلام وحركته التاريخية. فقد أسهم، سواء بوعي أو من دون وعي، في ترسيخ مقاربات ترى في الإسلام مشروعًا عاجزًا عن تجاوز خلافاته البنيوية. ومع أن طرحه اتّسم بالعمق، فإن دراساته ظلت في حاجة إلى مزيد من التوازن
في قراءة التجربة الإسلامية من داخلها لا من منظور خارجي يتكئ على المعايير الغربية وحدها. ومن هنا، فإن النقد العلمي لجب لا يتوقف عند تصحيح المعلومات، بل يتعداه إلى مساءلة المنطلقات الفكرية التي انبنى عليها مشروعه الاستشراقي بأكمله. وقد أظهرت أعماله اهتمامًا عميقًا بإبراز الرواية الإسلامية في مواجهة السردية الأوروبية المهيمنة. ولم يكتفِ بإعادة إنتاج
النصوص التاريخية فحسب، بل حلّلها ضمن إطار نقدي، يكشف البنية اللغوية والسياقات الاجتماعية والسياسية التي شكّلتها؛ وهو ما منح مقاربته بعدًا أكاديميّا أصيلًا وقراءة تاريخية متعددة الأبعاد، شملت تحليلات معمّقة لقضايا الفكر الإسلامي، مثل نظرية الخلافة
عند الماوردي، والفكر السياسي لابن خلدون، والبنية الروحية في التصوّف. وقد عالج هذه الموضوعات بوصفها أنساقًا فكرية متكاملة،
تكشف عن تطوّر الوعي الإسلامي في سياقاته الزمانية والمكانية. وركّز أيضًا على العلاقة بين الإسلام وأوروبا، مؤكدًا أن التفاعل بين
الحضارتين لم يكن صراعًا مطلقًا، بل تخللته موجات من التأثير المتبادل، ساهمت في تشكيل الفكر الأوروبي في القرون الوسطى،
وهو ما تجلّى بوضوح في أعماله عن تأثير الثقافة الإسلامية في أوروبا. وتناول جب شخصيات مثل الأيوبي وزنكي، وركّز على تكوينهما العسكري والمؤسسي والفكري، مبرزًا دورهما في صياغة مفهوم
الجهاد وتوحيد العالم الإسلامي في مواجهة الحملات الصليبية. وعلى الرغم مما لقيه من إشادة أكاديمية، فقد تعرّض لنقد مشروع
من دراسات ما بعد الاستعمار، وخصوصًا فيما يتعلق بموقعه داخل البنية المعرفية الغربية. فقد رأى بعضهم أن جب، على عمق
مقاربته، لم يتحرر تمامًا من مركزية النظرة الأوروبية. إلا أن منجزه يظلّ منفتحًا على النقد والمساءلة، لا بوصفه خطابًا نهائيّا، بل
بوصفه محاولة جادة لتقريب الفجوة بين الاستشراق الكلاسيكي والنقدي. في ضوء ما تقدّم، يمكن القول إن إرث جب المعرفي يتلخص في ثلاث نقاط محورية؛ وهي: تأكيده أهمية المصادر الإسلامية
الأصلية بوصفها مادةً معرفية مستقلة؛ وسعيه لإعادة التوازن في سرد العلاقات الإسلامية الغربية بعيدًا عن ثنائية الصراع والهيمنة؛
وأخيرًا إبرازه التنوع الثقافي والاجتماعي في الحضارة الإسلامية. غير أن إعادة قراءة أعماله اليوم لا ينبغي أن تُختزل في التثمين أو
النقد وحدهما، بل تستدعي استحضارًا واعيًا للسياق الذي تشكّل فيه مشروعه المعرفي، مع ربط ذلك بالحاجة الملحّة إلى تأسيس
سرديات معرفية عربية تنبع من الداخل، وتنطلق من منطق الذات العربية الإسلامية، من دون إنكار للآخر وثقافته. ومن هنا، تبرز إشكالية أكبر طالما طُرحت ولم تجد بعد إجابة حاسمة: أين المشروع المقابل الذي يُعنى ب "الاستغراب"؟ أي دراسة
الغرب من داخله، لا بوصفه مركزًا معرفيًا مفترضًا، بل بوصفه موضوعًا قابلًا للفهم والتحليل من منظورنا نحن، بمنظومتنا الفكرية واللغوية
والثقافية، بهدف إعادة التوازن في الحقل المعرفي العالمي، وعدم الاكتفاء باستيراد التصورات الغربية، فلا يكفي أن نستورد الرؤى الغربية عن أنفسنا لنعيد تدويرها في خطابنا الأكاديمي، بل ينبغي لنا أن نتجاوز ذلك إلى إنتاج معرفة نقدية عن الغرب ذاته؛ معرفة تدرس مفاهيمه ومؤسساته ونصوصه الكبرى برؤية مزدوجة: تنطلق من أرضيتنا المعرفية، وتُراعي – في الآن ذاته – تعقيدات "الآخر" الغربي وتاريخه. إن
مشروع "الاستغراب" لا يعني نفيًا للآخر أو رفضًا له، بل هو دعوة لاسترداد موقع الفاعل في العملية المعرفية، بحيث لا تظل دراساتنا للغرب
صدى لما ينتجه عن ذاته، بل تصبح مساحة لتحليل بنيته الفكرية والسياسية وتشريحها، انطلاقًا من أدوات نقدية نابعة من الذات، وقادرة على بناء توازن معرفي حقيقي في المشهد الأكاديمي العالمي. وفي هذا الإطار، تغدو استعادة أعمال جب – بما تحمله من محاولات انفتاح وتجاوز – فرصة لمساءلة موقعنا نحن، لا بوصفنا موضوعًا للدراسة، بل بوصفنا شركاء في إنتاج المعرفة ذاتها.
المراجع
العربية
باريت، رودي. الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية: المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه. ترجمة مصطفى ماهر. القاهرة: دار الكتاب العربي، 1967. بدوي، عبد الرحمن. موسوعة المستشرقين. بيروت: دار العلم للملايين، 1993. حوراني، ألبرت. "هاملتون جب: إنجازات مستشرق". ترجمة سلام فوزي. الفكر العربي. مج 31، العدد 5 (1983). درويش، أحمد. الاستشراق الفرنسي والأدب العربي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997. الزيدي، مصعب حمادي نجم. الحروب الصليبية: في كتابات المؤرّخين الأوروبيين والأمريكيين حتى نهاية القرن العشرين.
بيروت: دار النهضة العربية، 2021. السباعي، مصطفى. الاستشراق والمستشرقون: ما لهم وما عليهم. القاهرة: دار الوراق، [د. ت.]. سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية عن الشرق. ترجمة محمد عناني. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006. طارق، محمد. "هاملتون. أ. جب ودوره في دراسة التاريخ العربي". أطروحة دكتوراه. كلية الدراسات العليا. الجامعة الأردنية. 2012. عوض، محمد مؤنس. الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرّخين الغربيين المحدثين. القاهرة: مكتبة كلية الآداب، 2016. _______. الحروب الصليبية في مؤلفات المؤرّخين المصريين المحدثين. القاهرة: مكتبة الآداب، 2017. مدكور، عبد الحميد عبد المنعم. نظرات في حركة الاستشراق. القاهرة: دار الثقافة، 1990. الملا، ناصر جاسم. الاستشراق البريطاني في القرن العشرين: المستشرق هاملتون جب عميد الدراسات العربية. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 2017.
الأجنبية
Baadj, A. & A. Sheir (eds.). The Memory and Historiography of the Crusades in the Modern Arab World. Budapest: Trivent Publishing, 2025. Elsayed, Ali, Abdallah al-Nagger & Ahmed Sheir (eds.). Studies in Peace-building History between East and West through the Middle Ages and Modern Era. vol. 2. Cairo: Sanabil Bookshop, 2019. Encyclopédie de l'Islam, Pt. 1 (1960). Gibb, Hamilton A. R. The Arab Conquests in Central Asia. James G. Forlong Fund, vol. II. London: Royal Asiatic Society, 1923. _______. The Damascus Chronicle of the Crusades. London: Luzac & Co., 1932. _______. "The Islamic Background of Ibn Khaldun's Political Theory." Bulletin of the School of Oriental Studies. vol. 7, no. 35 (1933).
_______. "Notes on the Arabic Materials for the History of the Early Crusades." Bulletin of the School of Oriental Studies. vol. 7, no. 4 (1935). _______. Modern Trends in Islam. Chicago, IL: University of Chicago Press, 1947. _______. "The Arabic Sources for the Life of Saladin." Speculum. vol. 25, no. 1 (1950). _______. "The Achievement of Saladin." Bulletin of the John Rylands Library 35 (1952-1953). _______. "Al-Barq al-Shami: The History of Saladin by the Katib 'Imad ad-Din al-Isfahani." Wiener Zeitschrift für die Kunde des Morgenlandes 52 (1953). _______. Mohammedanism: An Historical Survey. 2 nd ed. London/ New York: Oxford University Press, 1962. _______. Studies on the Civilization of Islam. Stanford J. Shaw & William R. Polk (eds). Princeton: Princeton University Press, 1962. _______. "Pre-Islamic Monotheism in Arabia." Harvard Theological Review. vol. 55, no. 4 (1962). _______. Arabic Literature: An Introduction. Oxford: Clarendon Press, 1963. _______. Change in Medieval Society: Europe North of the Alps 1050–1520, 155–167. New York: Appleton- Century-Crofts, 1964. _______. The Life of Saladin: From the Works of 'Imad ad-Din and Baha' ad-Din. New York/ London: Oxford University Press, 1973. Gibb, H. (ed.). L'élaboration de l'Islam. Paris: Maisonneuve & Larose, 1961. Gibb, Hamilton A. R. (trans. & ed.). The Travels of Ibn Battuta , A.D. 1325–1354. 4 vols. Cambridge: Cambridge University Press for the Hakluyt Society, 1958–2000. Gibb, H. A. R. & Harold Bowen. Islamic Society and the West. vol. I: Islamic Society in the Eighteenth Century. Part I. Oxford: Oxford University Press, 1950. _______. Islamic Society and the West: A Study of the Impact of Western Civilization on Moslem Culture in the Near East. vol. I. Islamic Society in the Eighteenth Century. Part II. New York: Oxford University Press, 1957. Gibb, Hamilton A. R. et al. (eds.). The Encyclopaedia of Islam. Leiden: Brill, 1960–2004. Lambton, A. K. S. "Sir Hamilton Alexander Roskeen Gibb." Bulletin of the School of Oriental and African Studies. vol. 35, no. 2 (1972). Lewis, Bernard & Peter Malcolm Holt (eds.). Historians of the Middle East , vol. 4 of Historical Writing on the Peoples of Asia. London/ New York: Oxford University Press, 1962. Makdisi, George. "Sir Hamilton Alexander Roskeen Gibb January 2, 1895 - October 22, 1971." Journal of the American Oriental Society. vol. 93, no. 4 (1973). Polk, William R. "Islam and the West." International Journal of Middle East Studies. vol. 6, no. 2 (1975). Setton, Kenneth M. (ed.). A History of the Crusades. 6 vols. Madison, WI: University of Wisconsin Press, 1958–1989. Toynbee, Arnold J. "The Arab Conquests in Central Asia by H. A. R. Gibb." Bulletin of the School of Oriental and African Studies. vol. 2, no. 4 (1923).