العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التاريخ المحلي في جبل لبنان في النصف الأول من القرن العشرين

التاريخ المحلي في جبل لبنان في النصف الأول من القرن العشرين

Local History in Mount Lebanon in the First Half of the Twentieth Century

سيمون عبد المسيح*Simon

Abdelmassih

الملخّص

إن التاريخ المحلي في جبل لبنان هو ظاهرة حضارية، لم يجارِه فيه تزامنًا إلا التأريخ للمدن العربية الساحلية، مثل طرابلس وبيروت وصيدا وأخرى داخلية مثل بعلبك؛ أي إنه نتيجة تطورات اجتماعية – اقتصادية وبخاصة تعليمية ثقافية. وقد تناول هذا التاريخ بلدات هي بطبيعتها الجيوتاريخية بلدات استقطابية؛ أي أدت أدوارًا اقتصادية وسياسية بالنسبة إلى محيطها، وتتميز بميزات ديموغرافية واجتماعية ومناخية، وكان التسويق الاصطيافي واحدًا من أهداف المؤرخين المحليين. وتميزت عملية التأريخ لهذه البلدات بسمات مشتركة؛ أولها انتسابها جميعًا إلى المدرسة الوضعية التي تهتم بالعمل على الوثائق بعد نقدها، والاستعانة ببعض العلوم الإنسانية المساعدة مثل الجغرافيا وعلم الآثار، كما تستفيد من التراث العربي في تناوله البنى العائلية وعصبياتها. فبعد وصف الطريقة التاريخية المتبعة، جرى وصف الواقع الجغرافي، ومعاينة أنماط التحقيب المتبعة، والتاريخ الاجتماعي – الاقتصادي والمؤسساتي والتعليمي. وقد انتهى البحث إلى خلاصة وصفية – تحليلية لخصائص هذا التأريخ.

Abstract

Retired Professor at the Lebanese University - Currently Coordinator of Lebanon Entries for the Arabica Encyclopedia, which will be

simonabdelmassih@hotmail.com

Published by the Arab Center for Research and Policy Studies.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ المحلي
  • السالنامه التركية
  • الحفريات الأثرية
  • المنهجية
  • المدرسة الوضعية
  • التسويق الاصطيافي
Keywords:
  • Local History
  • Positivism
  • Methodology
  • Turkish Chronicle

أستاذ متقاعد من الجامعة اللبنانية، يعمل حاليًا منسق مداخل لبنان لموسوعة "أرابيكا" التي سيصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

المقدمة

يشغل التاريخ المناطقي مكانةً بين تصنيفات التاريخ الوطني والإقليمي والقومي، وعلى الرغم من التوجسات والتصورات المرتبطة بالتفكك والانفصالية، فقد أثبت علميته بصفته مج لًا للتطبيق على حيّز محدد مثل مدينة أو بلدة أو قرية صغيرة، وترسخ اقتناع بأن الهوية الوطنية تُبنى عبر ترابط معطيات متنوعة من التواريخ المحلية، حيث تبرز – على الرغم من خصوصية كل منها - التشابهات في الحياة اليومية والتقاليد الاجتماعية ووحدة القوانين الاقتصادية، والإدارية، والمؤسساتية، والسياسية. وتتمثّل الإشكالية في علاقة التاريخ المحلي بالتواريخ العامة والدوائر الإقليمية المتعددة. تعتمد هذه الدراسة منهجيةً، ترتكز على قراءة نصوص المؤرخين المحليين، وفق قائمة تناولت دوافعهم ومنهجياتهم والموضوعات الجغرافية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وأنماط التحقيب المعتمدة عند كل منهم، والتقليد المتبع في تقسيم التاريخ إلى ديني ومدني. وقد سمحت القراءة التتابعية لنتاجات التاريخ المناطقي برؤية تطورية، كانت في شكل حفريات معرفية متراكمة، وبتعيين الاستمراريات والانقطاعات، ورصد الثورات الإبستيمولوجية والمنهجية في النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك سمحت باستعادة آليات الإنتاج والنشر والتسويق لتلك المؤلفات، وبخاصة طرائق تمويل الطباعة والإصدار عبر ترتيبات إعلانية، كما برزت وظائف مادية أخرى للفكر التاريخي، مثل التسويق الاصطيافي والصناعي والسياحي. على أن هذه القراءة للأدب التأريخي المحلي أظهرت إشكالية مزدوجة هي كناية عن أسبقيتين؛ الأولى لها طابع جيوسياسي حيث تركزت الدراسات على بعض المدن الساحلية والداخلية التي كانت في نطاق ولايتي بيروت ودمشق، وعلى البلدات الاستقطابية في متصرفية جبل لبنان، قبل أن تندرج جميعها في دولة لبنان الكبير سنة 1920. وترتبط الأسبقية الثانية بالأولى لجهة أن التأريخ المحلي بدا متقدمًا على التاريخ الوطني أو متزامنًا معه عند منتصف القرن العشرين. وقد نتجت الأولى من أسبقية اندراج المدن والبلدات الاستقطابية في الحداثة، لأسباب تاريخية مركبة: اقتصادية، وتعليمية، وتنظيمية. وتتمثّل الثانية في أن البناء المحلي أسبق من البناء الوطني، حيث تستلزم كتابة الثاني إرادة سياسية وتوثيقًا واسعًا ومنهجية ملائمة. وهنا برزت إشكالية العلاقة بين التاريخ الكلي والتاريخ الجزئي. وفي إطلالة على القرن العشرين لمجمل الإنتاج في التأريخ المحلي، تمظهرت بعض سمات سوسيولوجيا الثقافة وتاريخية انتشار التعليم، بحسب الطوائف والمناطق والطبقات الاجتماعية. فعلى الرغم من أن بعض المدن قد حظيت بأبنية سردية منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى، مثل طرابلس وبيروت وصيدا وبعلبك، يضاف إليها تجربة مجلة العرفانفي جبل عامل، فإن التأريخ المحلي في النصف الأول من القرن العشرين، كان مركزًا على البلدات الاستقطابية في جبل لبنان، لأسباب تعليمية وثقافية واجتماعية واقتصادية. ولهذا السبب، سنتناول بالتحليل تحديدًا هذا الإنتاج الأخير، على أن نتناول في بحث آخر تطورات التأريخ المحلي في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى زماننا الحاضر، حيث انتشر هذا النمط من التأريخ في كل المناطق اللبنانية نتيجة تطورات، أبرزها انتشار التعليم ويقظة الوعي التاريخي. كل ذلك يعني أن الهدف الأساسي للبحث هو عرض منهجي ومضموني لأحد فروع الكتابة التاريخية، بما يشكّل قاعدة للتصنيف والمقارنة والتأثير المتبادل بين مختلف مساراتها في لبنان القرن العشرين. وهو يندرج في سياق إبستيمولوجي لمحطات تكوين المعرفة التاريخية وكيفية تطورها. تأثرت التطورات في ميدان التأريخ المحلي بالتراكم التأريخي؛ فقد تأثرت في البدايات بجهود المستشرقين والأركيولوجيين، وكان إرنست رينان، في النصف الأول من ستينيات القرن التاسع عشر، قد أيقظ الحس التاريخي المحلي بجولاته على المدن والمناطق اللبنانية، مطلقًا حركة توثيقية وأثرية Archeology، أثبتها في كتابه بعثة إلى فينيقيا0. ثم أصدر الخوري منصور الحتوني، في ثمانينيات القرن عينه،

  1. Ernest Renan, Mission de Phénicie (Paris: Imprimerie Impériale, 1864–1874). 2   الخوري منصور الحتوني، نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية ([د. م.]: [د. ن].، 1884)؛ الخوري منصور الحتوني، نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية، ط. 2 ([د. م.]: دار كنعان، 1956). 3   ميخائيل موسى ألوف البعلبكي (1869 - 1945)، كان دليلًا سياحيًا، وكان يعرف الفرنسية والإنكليزية والألمانية، وقد أصدر أبحاثه الأولى بهذه اللغات. وألوف من الأدَّلاء السياحيين الذين يستندون في شروحاتهم إلى المعلومات التاريخية الموثقة. وقد عُِّيِن في المرحلة العثمانية أمينًا على الآثار القديمة في بعلبك وحفظ متحفها الهمايوني، وهذا ساعده على تأليف تاريخها، وقد أضحى مرجعًا للجمعيات الجغرافية الغربية وللمجلات العلمية الأجنبية والوطنية. ينظر: ميخائيل موسى ألوف البعلبكي، تاريخ بعلبك، ط 3 (بيروت: المطبعة الأدبية، 1908)، ص 4؛ وفي سنة 1920 عُِّيِن ألوف رئيسًا لبلدية بعلبك إلى جانب استمراره في وظيفته في إدارة الآثار. ويبدو أنه من خلال وظيفته وعمله السياحي ومردود كتبه المطبوعة عدة مرات، استطاع تجميع ثروة كبيرة مكّنته سنة 1922 من شراء فندق بالميرا الشهير في مدينة بعلبك الذي بُني سنة 1872، بعد أن طرحه أصحابه اليونانيون للمزاد العلني لوفاء ديونهم. ينظر: شرف محمد، "'أوتيل بالميرا' في بعلبك.. تاريخ مهدّد بالزوال"، السفير، العدد 12566، 30 / 8 / 2013.

كتابه نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية1، وكتب ميخائيل موسى ألوف البعلبكي4 النسخة الأولى من كتابه تاريخبعلبك (1889)، إلى أن تأسست مجلة المشرق (1898)، والتي راحت تنشر الوثائق وزيارات الأب لامنس اليسوعي إلى المناطق اللبنانية، والتي جمعها في كتابه تسريح الأبصار فيما يحتوي لبنان من الآثار (1913)5. ويمكن اعتبار تأسيس الإدارة العثمانية للسالنامه، وتنظيمات إدارة المتصرفية في مسحها للأراضي والسكان والأنشطة الاقتصادية، وكتاب ولاية بيروتلرفيق التميمي ومحمد بهجت سنة (1916)8، و"الزيارات الرعائية" لأجهزة الكنيسة وتقاريرها عن القرى والبلدات في الرعايا والأبرشيات، مقدمات تأسيسية للمعطيات والإحصاءات المحلية.

أوالًا: بواكير التاريخ المحلي في النصف الأول من القرن العشرين ومحفّزات المؤرخين

يبيّن المسح الأولي لإصدارات الكتابة التاريخية المحلية أن أغلبية هذه الإصدارات تناولت التجمعات السكانية الكبيرة في جبل لبنان، وتحديدًا تلك التي كانت في نطاق نظام المتصرفية القديم، هذا إذا تركنا لتاريخ المدن مثل بعلبك وصيدا وبيروت وطرابلس حقله الخاص المندرج في دائرة أخرى تتناول تاريخ المدينة العربية. وبناء عليه، فإننا نتناول في هذه الدراسة مؤلفات مجموعة من المؤرخين. وانطلاقًا من قراءة نصوصهم سنتوقف عند حوافزهم في الكتابة، ومصادرهم الوثائقية، ومنهجياتهم، وأنماط تحقيباتهم للزمن التاريخي، ومقارباتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية/ التعليمية، ووصفهم للمؤسسات السياسية والإدارية في بلداتهم، والجمعيات الخيرية، والأدبية، والدينية. والمؤلفات التي سنتناولها هي: دليل لبنان (1906) لإبراهيم الأسود (1855 - 1942)12، ولعله من أول الكتب التي جمعت المعلومات الديموغرافية والاجتماعية والإحصائية عن القرى والبلدات والمدن في جبل لبنان، متأثرًا بالسالنامه التركية14 من جهة، وبتراكم المعطيات الإحصائية منذ أن كان والده عضوًا في مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان، ومتابعته مهمات إدارية وقضائية وتربوية من جهة أخرى.

  1. نشر لويس شيخو مقالات في المشرق عن تاريخ بيروت، ثم نُشرت في كتاب مستقل، ينظر: لويس شيخو، بيروت: تاريخها وآثارها (بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين، 1925).

تاريخ مدينة زحلة (1911) لعيسى إسكندر المعلوف (1869 - 1956)21، وقد ألّف كتابه خوفًا من اندثار الوثائق، ومواجهة الانحطاط، وإهمال التاريخ والنظرة الدونية للذات مقابل الإعجاب بالمستشرقين40. يتحدث المعلوف عما سبق، ويستشف أن هناك ميلًا لدى الجمهور المتعلم لقراءة كتب المستشرقين عن بلادهم. ويبدو نصه نضاليًا وحضاريًا في آن، وهو لم ينتجه لغايات تسويقية، بل التزامًا بالبحث عن الحقيقة التاريخية. ويُعدّ المعلوف رائدًا في التاريخ المحلي بسبب اهتمامه بتاريخ الأسر الشرقية، ومنها تاريخ عائلته في كتابه دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف (1908)، وكذلك لجهوده تحديدًا في كتابه تاريخ مدينة زحلة. وقد أرسى تقليدًا في كتابة تاريخ البلدات والمدن استمر لعقود طويلة خلال القرن العشرين. ومن سمات هذا التقليد الاهتمام بالإطار الجغرافي والطبيعي والبيئي، والحفاظ على منهجية التاريخ التسلسلي والتطوري، إضافة إلى الاهتمام بمفاهيم التراكم والتطور والتغير. كشف النقاب عن بقعة بيت شباب (1926) للخوري ميخائيل غبريل الشبابي44. اهتمّ الشبابي بالتاريخ المحلي والمناطقي، وذكر ظروف استصدار كتابه، معلنًا أنه كان يكتب بناء على رغبة مواطنيه على الرغم من الصعوبات، وبسبب "النهضة التاريخية" المرتبطة بالحفريات الأثرية والعطش إلى معرفة الماضي، مستفيدًا في ذلك من تجربة ميخائيل ألوف في تاريخ بعلبك73. واعتمد الشبابي على خطة تمويل لكتابه – استمرت فيما بعد مع غيره من مؤرخي بلداتهم- ترتكز بصورة أساسية على مساهمات الأثرياء من المهاجرين مقابل وضع صورهم وترجماتهم، وذلك بسبب الظروف الاقتصادية والمالية في لبنان ما بعد الحرب العالمية الأولى، إضافة إلى ربط النقد اللبناني بالفرنك الفرنسي المتدهور74. تاريخ العاقورا (1930)92 للمونسنيور لويس الهاشم. لا يتوسع المؤلف كثيرًا في تفسير حوافزه لتأليف كتابه؛ فقد ركز على أهمية كتابة تاريخ بلدة عريقة، وهو أحد أبناء عائلتها التي تنتمي إلى الأسر الإقطاعية القديمة، كما أنها مصدر للعديد من العائلات المنتشرة. ويتمثّل أساس مشروعه التأريخي في كتابة أمجاد العائلة وإعادة الربط بين أسرها المقيمة والمنتشرة.

  1. وُلد في كفرعقاب، وتعلم في مدرسة القرية، ومن ثم في مدرسة الشوير للمرسلين الإنكليز، حيث تعلم الإنكليزية. ثم تولى تدريس الأدب العربي في مدارس في لبنان وسورية. شارك في "ديوان المعارف" سنة 1919، ثم كان عضوًا في "المجمع العلمي" الذي انبثق من هذا الديوان، ثم عضوًا في المجمع العلمي اللبناني الذي تأسس سنة 1928، وعضوًا في مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ إنشائه سنة 1933. انتقل إلى السكن في زحلة منذ سنة 1998. صدر له دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف (1907 - 1908)؛ ومدينة زحلة (1911). 9   عيسى إسكندر المعلوف، "تاريخ مدينة زحلة"، جريدة زحلة الفتاة، 1911، ص 9 - 11.
  2. 12   جرى اعتماد أسلوب متميز في وضع صور أشخاص وعائلات في متون النصوص، من دون أن يكون هناك أي رابط بين الصورة الفوتوغرافية والنص الذي أدرجت فيه، إنما هناك إشارة في أسفل الصورة إلى أن ترجمتها هي في الصفحة المحددة في آخر الكتاب (أي في الملحق) مع رقم هذا الملحق. وقد قدم لهذا الملحق بقوله: "وددنا مع ما بذلنا من البحث والتنقيب أن ندرج في هذا الجزء وتاليه رسوم مشاهير البقعة الشبابية السالفين من دينيين ومدنيين. فلم نتمكن من الحصول إلا على اليسير لمتأخرين؛ إذ لم يكن في أيام المتقدمين من يتعاطى نقل الرسوم". ينظر: الشبابي، ص 172؛ وقد ترجم ل 35 شخصية، المرجع نفسه، ص 172 - 210؛ ويبدو أن لإثبات الصور والترجمات غاية تمويلية؛ فقد جاء في "إعلان" في الصفحة الأخيرة من الجزء الأول: "كتب إلينا بعضهم أن نوضح لهم كيفية الاشتراك بكتاب كشف النقاب عن بقعة بيت شباب المنطوي على تاريخ قرى هذه البقعة المتعددة وسكانها منذ صدر [إلى] البشرية إلى يومنا هذا وما جرى في أيامهم وغير ذلك، وعلى رسوم (صور) مشاهيرها الوطنيين والمهاجرين وغيرهم فنقول: يشتمل الكتاب على أربعة أجزاء، يدل على مطاويها هذا الجزء الأول منها الذي فيه الرسوم (الصور) التي وصلت إلينا مع تراجم أصحابها. ولكي يقف كرام المتغربين عليها، لأنه كتنبيه لمن يريد أن يضع صورته في الأجزاء التالية [...] وقد جعلنا قيمة الاشتراك بالكتاب نصف ليرة إنكليزية تُدفع سلفًا وقيمة أكلاف الصورة ليرة إنكليزية لكل صورة شخص". 13   المونسنيور لويس الهاشم، تاريخ العاقورا ([د. م.]: مؤسسة خليفة للطباعة، 1930).

تقويم بكفيا الكبرى وتاريخ أسرها (1935) لإدمون بليبل، وله أيضًا كتاب دليل المصطاف في ناحية بكفيا والمحيدثة وساقية المسك وبحرصاف (1923). وسنلاحظ أن التسويق الاصطيافي كما أرساه المعلوف وبليبل وميلاد رزق الله في كتابه دليل الشوير ونواحيها والشبابي قد أضحى مهمة دعائية ساهم المؤرخون في ترويجها. تاريخ دوما (1937) للخوري قسطنطين الباشا، وقد كرر فيه الحوافز الشخصية كما أعلنها المؤرخون السابقون. وفي السنة عينها حاول الأب مخايل خليفة الحلو الإهمجي أن يكتب تاريخ بلدته إهمج، وقد قدم له الخوراسقف يوسف العمشيتي، ويتفق مُقدِم الكتاب ومُؤلِفه على غايتهما في إحياء مآثر السلف ونشر مفاخرهم عبرةً للخلف. تاريخ إهدن القديم والحديث (1938) لسمعان خازن. وهو مؤلَف من أربعة أجزاء، تناول فيه خازن التاريخ المدني، وقد أوضح مشروعه الطموح حيث قضى المؤرخ عشر سنوات (على الرغم من مشاغل الوظيفة) في تجميع "المخطوطات والمستندات والنبذ التاريخية النفيسة"، ويقول: "حتى إذا عدت إلى داري أقضي الليالي في درسها وتمحيصها واستخراج محتوياتها". تاريخ بسكنتا وأسرها (1946) للخوراسقف بطرس حبيقة. وذكر المؤلِف في المقدمة، تحت عنوان "عين إلى زوال، وأثر إلى الأجيال"، أنه وضع في شبابه ما لا تقوى شيخوخته عليه لجهة الإحاطة بالمواضيع التي تفتقر إلى بحث وتنقيب وتمحيص في بعض الأسر وتراجم المغتربين. وهو يكرر تجربة تلميذه الهاشم في تاريخ العاقورا فيما يتعلق بنشره الإعلانات في الصحف وتدبيج الرسائل الشخصية، مطالبًا فيها بتزويده بالمعلومات والوثائق. تاريخ بشعلي وصليما (1947) للخوري اسطفان البشعلاني. يكرر فيه المؤلِف التجارب الشخصية للمؤرخين السابقين. وكان قد تجاوز السبعين حينما قرر نشر كتابه، وقد صرف في هذا الكتاب نحوًا من خمسين سنة، حرصًا عليه من الضياع، وحفظًا لهذه الآثار النفيسة التي تكلف عرق القربة في صونها وتأليفها، وقد كان الفناء يتسرب إلى أكثرها فتُطمس، وتصبح خبرًا من الأخبار.

  1. 21   وهو مدني كعيسى إسكندر المعلوف وإدمون بليبل وليس إكليريكيًا. 22   المرجع نفسه، ص 5. 23   الخوراسقف بطرس حبيقة، تاريخ بسكنتا وأسرها (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1946). 24   الخوراسقف Khryebskopos وهي رتبة كنسية تقع بين رتبة القس Priest ورتبة الأسقف Bishop في الهرمية الكنسية، وتُستخدم في بعض الكنائس الشرقية. 52   المرجع نفسه، ص 2. 26   الخوري اسطفان البشعلاني، تاريخ بشعلي وصليما (الدورة: مطبعة فاضل وجميل، 1947)؛ الخوري اسطفان البشعلاني، تاريخ بشعلي وصليما، ط 2 (بيروت: دار صادر، 2003). 27   أديب بك لحود، الدوحة العمشيتية: تاريخ أفراد عيال عمشيت الثلاث عبيد وكلاب وكرم منذ الجيل السابع عشر ([د. م.]: [د. ن].، 1954)؛ أديب بك لحود، الدوحة العمشيتية: تاريخ أفراد عيال عمشيت الثلاث عبيد وكلاب وكرم منذ الجيل السابع عشر، ط. 2 ([د. م.]: [د. ن].، 2003) ص 311. 28   الشبابي، ص 26.

الدوحة العمشيتية (1954) لأديب لحود. جاء فيه أن الأمة العريقة في حضارتها تحرص على تاريخها، وتعتني بحفظ أنسابها وأحسابها وأسرها. والحديث عن العراقة هنا ليس من دون خلفية تماثل بين الأمة بعامّة وبلدته عمشيت التي حققت ازدهارًا وعمرانًا وثقافة خلال القرن التاسع عشر. وحاول لحود كتابة تاريخ هذا المسار الحضاري، مركزًا على تاريخ العائلات وأصولها وأنسابها وإنجازات أبنائها. وبناء على ما سبق، نلحظ وجود حوافز شخصية للمؤرخ، مثل سرد المسار التأريخي الطويل الذي قطعه منذ الصغر، دفعته إلى التقميش والتجميع للوثائق والمصادر على مدى عقود من الزمن، انتهاءً بعملية الحبك والبناء للنص التاريخي، إضافة إلى الحوافز العامة والموضوعية مثل مواكبة النهضة التاريخية وتلبية الطلب من ذوي الأقلام والمواطنين، والخوف من ضياع الوثائق وضياع التاريخ معها، وبناء المشجرات العائلية، وإعادة اللحمة بين العائلات المنتشرة في الوطن والمهجر، وإحياء مآثر السلف ونشر مفاخرهم للخلف، ومعرفة تاريخ الأجداد بنعيمهم وشقائهم وبؤسهم ورخائهم. أما فيما يتعلق بمصادر المؤرخين المحليين ومراجعهم في النصف الأول من القرن العشرين، فيتبين من مراجعة كتب الأسود (1896، 1906، 1925 - 1935) أن مصادره ومراجعه كثيرة، وباللغات الفرنسية، والتركية، والعربية. ومن مصادره أيضًا التاريخ الشفوي؛ بدءًا من والده وغيره من المسؤولين في الإدارة الحكومية. ويعدد المعلوف مصادره المتنوعة المنشورة والمخطوطة، المحلية منها والاستشراقية، بما فيها مخطوطة سابقة عن تاريخ زحلة. أما الشبابي، المتأثر بحركة الحفريات التاريخية التي تجريها الإدارة الفرنسية الانتدابية، فقد ركز على التاريخ القديم، مستندًا إلى المصادر التي كُتبت عن الفينيقيين وإلى الكتاب المقدس. ويستفيد كذلك من مخرجات الحفريات وما يكتبه الأركيولوجيون، وبخاصة بيار مونته Montet Pierre (1885 - 1966) الذي كان مشرفًا عليها. ومن مصادره ما تم نشره من مخطوطات لكل من صالح بن يحيى عن تاريخ بيروتوالبطريرك اسطفان الدويهي في تاريخ الأزمنة، إضافة إلى وثائق تعود إلى الأمراء الإرسلانيين. ويحاول سد الثغرات عبر "الاستدلال المنطقي والاستقراء القولي". ويستند الهاشم إلى لائحة طويلة من المصادر المعروفة والمنشورة في زمنه، إضافة إلى وثائق من بيئته المحلية مثل "الحواشي المعلقة على كتب الصلوات الكنائسية في كنيستنا الرعائية، والكتابات والصكوك ودفاتر الديموس والمراسيم والأوامر التي ما زالت محفوظة بأيدينا وأيدي الكثيرين من مواطنينا، وسجلات العماد والتثبيت والوفيات"، يقول: "حتى صار لديّ مادة من الغرض الذي بذلت كل ما بوسعي توصلًا إليه فضممتها في هذا الكتاب خيفة أن تلعب بها أيدي الضياع". وتحت عنوان "المصادر"، يعدد بليبل المجموعات الوثائقية والكتب التي اعتمد عليها والتي أضحت متداولة، إضافة إلى قاعدة وثائقية مهمة تتناول الأمراء اللمعيين. واستثمر الباشا المصادر والمراجع عينها، إضافة إلى الصكوك والسندات القديمة ومخطوطات الكنائس ودفاتر العماد المفيدة بهذا الشأن والمتوافرة في الوسط المحلي. وأما خازن، فيتحسر على فقدان الوثائق بسبب الأحداث الجسام التي مرت على بلدته إهدن، ويسرد قصة تفتيشه عن الوثائق في الأديار والكنائس وعند مواطنيه، أو مقابلاته الشفوية وتحقيقه لها بروح نقدية.

  1. 29   الأمراء اللمعيون هم من أمراء منطقة المتن في جبل لبنان، وكانوا من طائفة الموحدين الدروز، ثم تحولوا إلى المذهب الماروني في القرن الثامن عشر بسبب طغيان عدد من رعايا هذا المذهب على إقطاعيتهم، وقد أدوا دورًا مهمّا في تاريخ لبنان.

ويضيف البشعلاني إلى المصادر التاريخية المعروفة التي يستند إليها، قصص جرجي زيدان، وما نشره صديقه المؤرخ المعروف فيليب حتي في مجلات الهدىوالخواطر والبشير، وكتاب شارل قرم الجبل الملهم. وقد جمع البشعلاني عددًا كبيرًا من الوثائق والمخطوطات، بفضل وعيه المبكر بأهميتها وضرورة الحفاظ عليها، وبسبب علاقته الجيدة مع الأمراء اللمعيين والشهابيين. وامتلك مكتبة مهمة، فيها العديد من المخطوطات والكتب والمجلات. ويلاحظ أن أرشيفه يتضمن بصورة مركزية محفوظات فترة القائمقاميتين (1842 - 1860) تحت حكم الأميرين حيدر إسماعيل أبي اللمع وبشير أحمد. وقد باع الخوري اسطفان في الأربعينيات بعضًا من الوثائق والمخطوطات إلى مدير المتحف الوطني الأمير موريس شهاب. ونعتبر كتاب لحود – وكتاب سعيد رزق تاريخ جزين وأسرها وكتاب فرنسيس رحمة تاريخ بشري أو مدينة المقدمينمحطة فاصلة في تأريخ التاريخ المحلي، فمعهم ينتهي مسار منهجي ميّز مؤرخي النصف الأول من القرن العشرين. وبهذا، نجد أن مجموعة المصادر والمراجع حتى أواسط القرن العشرين كانت شبه محددة لكل مؤرخي التاريخ المحلي، وقد وسّع بعض من يتقن اللغات الأجنبية دائرة مراجعه لتشمل كتابات علماء الآثار والرحالة الأجانب. وهي مجموعة تساعدهم على فهم الإطار العام وبناء التحقيبات العامة التي تعكس التحولات السياسية والإدارية. أما مساهمتهم الذاتية، فتنطلق من التقميش عن الوثائق المحلية التي تشتمل على بعض المخطوطات، والسجلات الكنسية، وبعض التدوينات على هوامش الكتب الدينية، وحجج الملكية، وأرشيفات بعض البيوتات المقاطعجية، كما اطلع بعضهم على دفاتر المساحة التي أنجزت في بداية عهد المتصرفية. ولكن يمكن استنتاج أن بعض المصادر الوثائقية – مثل السجلات الكنسية ودفاتر المساحة – لم تُستغل بطريقة فعالة ومنتجة لمعرفة تاريخية تنتسب إلى اللامرئي.

ثانيًا: المقاربات المنهجية: "من العائلة إلى البلدة إلى البلد"

"لم يدخل إبراهيم بك الأسود البحث التاريخي من باب التخصص الأكاديمي الصارم، والأرجح أن موقعه في إدارة المتصرفية من جهة، وحسه الوطني اللبناني، حملاه على أن ينكب على وضع عمارته التاريخية". كتب الأسود في تنوير الأذهان في تاريخ لبنان (1925) في تعريفه مفهوم التاريخ: "التاريخ علم تعرف به أحوال الأمم الحاضرة والغابرة ولا سيما ما كان يتعلق بالأقاليم والقبائل مع تعيين أوقاتها وبيان أسبابها، ويؤخذ من الآثار والرسوم ومما حفظ من الأوراق والسجلات والمخطوطات". وهو يتميز ب "الموضوعية وعدم التحيّز في ذكر الأحداث والوقائع"؛ إذ قال: "إن غايتنا خدمة التاريخ خدمة صحيحة. ولا يخفى أن واجب التاريخ يقضي على المؤرخ بأن يجهر بالحق دون أن يعبأ بما يسر أو يؤلم"، كما أنه يمارس الشك التاريخي ويقارن الروايات ويستخلص الحقائق.

  1. 03   الأمراء الشهابيون هم حكام جبل لبنان منذ بداية القرن السابع عشر وحتى سنة 1841، وقد ورثوا الأمراء المعنيين في حكم الإمارة بفعل القرابة. وينتسب إليهم الأمير بشير الشهابي الذي أدى دورًا مهمًا خلال فترة حكمه (1789 – 1840.) 31   سعيد رزق، تاريخ جزين وأسرها (صيدا: مطبعة العرفان، 1953). 32   فرنسيس رحمة، تاريخ بشري أو مدينة المقدمين (سان باولو: الرابطة البشراوية، 1956)؛ وكانت بشري قد حظيت بمقالة في مجلة المشرق، ينظر: الخوري اغناطيوس جعجع، "بشري مدينة المقدمين"، المشرق، العدد 6 (صيف 1932). 33   عصام خليفة، شخصيات بارزة في تاريخ لبنان المعاصر، ج 2 (بيروت: [د. ن].، 2002)، ص 113 - 130. 34   الأسود، تنوير الأذهان في تاريخ لبنان، ج 1.

أما منهجية المعلوف في كتابة التاريخ، فتتميز بتنوع المصادر والمراجع، وبأسلوبه العلمي، والتوسع في الموضوع المعالج، مع وفرة الحواشي، وفهارس الأعلام والأماكن. وينتقد المعلوف "المزالق التاريخية المبنية على الوهم والتخرص"؛ إذ يقول: "وذلك كثير في بلادنا ينكره التاريخ الصحيح". ويعمد إلى ترصيع النص النثري بين فينة وأخرى بالأبيات الشعرية وأحيانًا بقصيدة كاملة من نظمه ألقاها في مناسبات سابقة كما في وصفه لزحلة سنة 1898. ويعتبر التاريخ بين الفنون الأدبية، ويولي تاريخ الأسر والتاريخ الاجتماعي اهتمامًا خاصًا. وهو يطبق منهجيات صارمة في تحري النصوص والأخبار المروية، ويبتعد عن الأحكام المسبقة. وبالنسبة إلى الشبابي، فهو لا يعلن منهجيته على نحو مباشر، إلا أنه ينتقد الأساطير والخلط بين التاريخ والحكايات الدينية والأقاصيص الخرافية، مستعيضًا عن فقدان الوثائق بالمعاينة المباشرة لأطلال الأولين، على أن التاريخ عنده لم ينفصل عن الأدب والشعر، كما الحال مع التأليف التاريخي لهذه المرحلة. وكان الهاشم صارمًا في تعيين منهجيته، وقد أشار إلى مخاطر التاريخ في غياب العلمية وتأكيد الحقيقة بالبراهين والدلائل العقلية والنقلية. وأرسى التاريخ على قاعدة الوصف الجغرافي، طارحًا على نحو ذكي إشكالية التاريخ الخاص لبلدته وعلاقته بالتاريخ العام، ويؤكد القاعدة الوثائقية التي امتلكها والروايات الشفهية المحققة، ويطرح ثنائية التاريخ الديني والتاريخ الدنيوي، مؤجلًا الأول إلى كتاب آخر، يبدو أنه أثار مشكلات مع السلطة الدينية بسبب جرأته في طرح الموضوع. ومع بليبل في "بيان وتوضيح" تتوضح منهجية كتابه عن بكفيا؛ إذ يتألف الكتاب من بضعة مباحث تمهيدية وأربعة فصول تتعلق بتاريخ العائلات وترجمة بعض أفرادها الأموات والأحياء، إضافة إلى مباحث عامة وأخبار متنوعة تتعلق بالبلدة وبموضوعي تاريخها وتقويمها. وهو يركز في ترجمته للشخصيات على "أبناء طبقات محدودة" يعددها، كما يعدد أسماء من تبوأ مركزًا في المؤسسات المحلية أو الوطنية، معتذرًا عن عدم اعتماد خطة إثبات الصور وكيل المدائح والتقريظ لئلا يُنسَب إليه التزلف والتملّق. وقد تابع الباشا سياسة الإعلان عن مشروعه في الصحف بهدف تزويده بالوثائق، مع وعيه المنهجي لأهمية الأصول والوثائق، منتقلًا إلى الخطوة المنهجية التالية وهي النقد الخارجي والداخلي، وتحقيق الروايات الشفوية غير المنطقية مخضعًا إياها للنقد، مستخدمًا طرائق التفكير التاريخية المتنوعة، وقد تميّز بالتعريفات الدقيقة والعلمية للمصطلحات التاريخية. وعرض الأب الإهمجي (1937) مساره المنهجي في مطالعة كتب المتقدمين ووعي قصص المتأخرين وأخبارهم، معتمدًا "على روايات الشيوخ المتواترة والتقليد المتواصل مع مراعاة الاستنتاجات والأدلة [...] التي تنطبق على مقتضى الحال". أما خازن، فلا يصرح في كتبه عن تاريخ إهدن وزغرتا (1937، 1939، 1966) عن منهجيته على نحو مباشر، ويبدو أن هَّمَه كان منصبّا على تجميع الوثائق والنصوص، وبخاصة الشعرية منها، التي تتغنى بعظمة إهدن وجمال موقعها وطبيعتها. وتبدو الأهداف المتعلقة بالتاريخ السياسي والمساهمة والتضحيات التي قدمتها إهدن للطائفة والوطن هي هم مركزي، أكثر من الهمّ المتعلق بالتبحر والالتزام بشروط الطريقة التاريخية. ولا يوجد في كتاب حبيقة تاريخ بسكنتا وأسرها نصٌ صريحٌ يبيّن فيه منهجيته، وما على المدقق إلا استنتاجها من سياق عرضه لتاريخ بلدته. أما البشعلاني في كتابه تاريخ بشعلي وصليما، فقد عرض بتوسع طريقته التاريخية التي تتجلى في البحث عن الوثائق

  1. 37   جوزيف أبو نهرا، "المؤرخ العلامة عيسى إسكندر المعلوف، مقاربته للتاريخ ومنهجيته في كتابته"، في: مساهمة المؤرخين الأرثوذكس في التأريخ (بيروت: جامعة البلمند، معهد التاريخ والآثار ودراسات الشرق الأدنى، 2007)، ص 121 - 143. 38   المعلوف، ص 14. 39   بليبل، ص 8 - 10.

وتدوين المعلومات والتقاليد المروية، مطبقًا الشك التاريخي ومستخدمًا مفهوم النقد التاريخي لينتقل بعده إلى التفسير والتركيب فيقول: "كنت أعرض هذه المعلومات والروايات (المتعلقة بمشجرات النسب) على محك النقد النزيه المجرد عن الغرض، والتعليل المبني على قواعد المنطق مما يعرف عند العلماء بفلسفة التاريخ". ويختصر لحود منهجيته في الحديث عن غموض تاريخ الأسر اللبنانية وأسباب ذلك التي تتمثّل في المظالم والفتن، والاضطهاد، والهجرات، والتنقل. وأشار إلى الخرافات والأساطير التي تعتري الأصول والأنساب؛ لأن مصادرها مفقودة، والآثار الخطية غائبة. وتابع الحديث عن تقاليد الكتابة في تاريخ البلدات، مستشهدًا بما كتبه كبار الأدباء والشعراء والشخصيات التي زارت بلدته ووصفتها بنصوص تحكي عن جمالها ومكارم أهلها. وعلى الرغم من أنه ما من إشارة إلى اّطلّاع مؤرخي "المحلي" في جبل لبنان على قواعد الطريقة التاريخية كما صاغتها المدرسة الوضعية أواخر القرن التاسع عشر مع المؤرخَين الفرنسيَين تشارلز فيكتور لانغلوا وتشارلز سينوبوس في كتابهما مدخل إلى الدراسات التاريخية، وتابعهما محلًّيًا المؤرخ أسد رستم في كتابه مصطلح التاريخ (1939)، فإن ما يعلنه وما يطبقه المؤرخون المحليون، يوحي بأن تأثيرات المدرسة الوضعية وروحيتها كانت منتشرة عبر عدة قنوات تكوينية وثقافية، وكانت موضوع ممارسة قبل أن يصوغها رستم في مقابلة بين معاييرها وطرائق "علم الحديث" الإسلامي. فهناك إجماع على ضرورة التقميش وتجميع الوثائق، ومن ثم ممارسة النقدَين الخارجي والداخلي، واعتماد منهج الشك التاريخي، ورفض الرواية التي لا يقبلها العقل السليم، والتشكيك في الروايات السماعية وعدم الاعتماد على التقاليد المروية وحدها من دون تعليل معقول استنادًا إلى "قواعد المنطق" وفلسفة التاريخ، واستخدام طرائق التفكير التاريخي النقدية والاستنتاجية والاستقرائية، ومحاولة الاقتراب من الحقيقة التاريخية بكل موضوعية، والفصل بين الأساطير والأقاصيص الخرافية من جهة والواقع التاريخي من جهة ثانية. وعلى الرغم من انفتاح التاريخ المحلي على العلوم الإنسانية وبخاصة الجغرافيا والأركيولوجيا، فإن هناك مَن يعدّ التاريخ من الفنون الأدبية وبخاصة الشعر.

ثالثًا: التحقيب الذي اعتمده مؤرخو التاريخ المحلي

ما نمط التحقيب الذي اعتمده مؤرخو التاريخ المحلي للمراحل التاريخية الكبرى؟ أهو تحقيب ثلاثي أم رباعي أم خماسي؟ أخضعوا لمفهوم التحقيب الغربي أم كانت لهم رؤيتهم الخاصة للزمن التاريخي بما يتوافق وتاريخهم المحلي والإقليمي؟ وأكانوا يعتمدون تحقيبًا يستند إلى التحولات السياسية، بما فيها المعارك العسكرية المفصلية أم أخذوا في الاعتبار التغيرات البطيئة والعميقة؟ اعتمد المعلوف في تحقيبه على إعادة تأسيس زحلة في القرن الثامن عشر، فما قبل ذلك هو التاريخ القديم، ثم استعرض تاريخها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع تحقيبات تفصيلية متزامنة مع التاريخ السياسي العام. ومع الشبابي تطوّر مفهوم التحقيب للمراحل والفترات التاريخية، حيث أثبت جدولًا تحقيبيًا يعكس امتلاك بليبل كفايات تعليمية تأكدت في إشارته إلى نشره بحثًا بعنوان "التعليم بالأسلوب وليس بكثافة المعرفة".

  1. 41   أسد رستم، مصطلح التاريخ: وهو بحث في نقد الأصول وتحري الحقائق التاريخية وإيضاحها وعرضها وفي ما يقابل ذلك في علم الحديث (صيدا: المكتبة العصرية، 1939). 42   عمر فروخ، تجديد التاريخ في تعليله وتدوينه: إعادة النظر في التاريخ (بيروت: دار الباحث، 1980)، ص 15 – 23؛ إلا أن عمر فروخ كان ينتمي إلى الجيل الذي نتناوله بالدراسة، وكان له في الثلاثينيات مع زكي النقاش كتاب مدرسي أقرب إلى الرؤية الإسلامية لتاريخ لبنان، في مقابلة مع الكتاب المدرسي الذي ألفه كل من أسد رستم وفؤاد إفرام البستاني بتكليف من السلطة. 43   عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ج 2: المفاهيم والأصول (بيروت: دار الحداثة، 1992)؛ لاحظ العروي بعد استعراضه تحقيب التاريخ الإسلامي أن الاتجاه العام هو نفسه في التأليفين، العربي والغربي، يقول: "لا يوجد إذًا فرق جوهري بين الأسطوغرافيتين [...] من السهل جدًا التوفيق بين التأليفين". إذا أمعنا النظر في هياكل التأليف التاريخي الإسلامي، نجد أن القسم الأول، وإن كان أسطوريًا خرافيًا، يدخل في نطاق التاريخ، في حين أن القسمين الثاني والثالث يوافقان مدلول التاريخ القديم، والقسمين الرابع والخامس يتناولان التاريخ الوسيط. ويبدأ العصر الحديث بأزمة حكم الأعاجم؛ أي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ينظر: المرجع نفسه، ص 279.
  2. Charles‑Victor Langlois & Charles Seignobos, Introduction aux études historiques (Paris: Librairie Hachette et Cie, 1898).

ولكن التقدم لم يشمل المؤرخين كافة. في الواقع يبدو التحقيب الثلاثي (قديم – وسيط – حديث) غير واضح في نصوص خازن، وربما غير مُفَكَّر فيه كما يتمثّله المؤرخون الآن، فالقديم عنده يمتد إلى القرون الوسطى وما بعدها. وبهذا، يغيب التقسيم الثلاثي وتحديدًا مفهوم الحقبة الوسيطة. أما حبيقة، فقد اعتمد المنهج التعاقبي في سرديته التاريخية متناولًا لبنان في ظل الحضارات الكلاسيكية الفينيقية واليونانية – الرومانية غير ملتفت إلى الحضارات الشرقية القديمة، ومركزًا في العصور الوسطى على بلدته بسكنتا في ظل إمارة "المردة"، وتحدّث عن "بسكنتا الأولى" حتى الحملات المملوكية على كسروان، منتقلًا إلى "بسكنتا الثانية" التي أُعيد تأسيسها في القرن السادس عشر، ثم بعد ذلك، يلتزم بالتحقيبات المعروفة في تاريخ لبنان الحديث، من الإمارتين المعنية والشهابية، والقائمقاميتين، والمتصرفية والانتداب الفرنسي. إن التحقيب في المستوى الأول هو الحاجة إلى بناء نقاط استدلال كرونولوجية (تسلسلية زمنية) تدور حولها المعطيات التاريخية، وفي المستوى الثاني هو ضروري للإشارة إلى مرحلة تاريخية محددة (الإمارة، القائمقاميتين، المتصرفية)، وضمن هذه المساحة الزمنية تسود سمات وخصائص معينة. أما المستوى الثالث، فيبيّن أن لكل مرحلة تاريخية أوزانها وأنماطها الخاصة بها. في الفترة الزمنية التي نستعرض فيها مقاربات التاريخ المحلي كان لعمر فروخ رؤيته النقدية فيما يتعلق باعتماد التحقيب الغربي الثلاثي، فقد كتب: "مع أن تاريخنا، نحن العرب عامة والمسلمين خاصة، ينطبق في عدد من حدوده الزمنية على هذا التقسيم، فإن من الأجدى أن يكون لنا تقسيم أكثر انطباقًا على عهود حضارتنا وثقافتنا"، وهو يقترح تقسيمًا جديدًا. ويبدو هذا التحقيب غير بعيد عن التحقيب الثلاثي العام، لكن يتجلى الاختلاف في المضمون الحضاري لكل حقبة، فإذا كانت العصور الوسطى الأوروبية "مظلمة" (مع أنه يُعاد الآن النظر في هذه الأحكام)، فإن العصور الإسلامية مشرقة، ولهذا اعتُبرت كلاسيكية. وإذا كانت أوروبا دخلت عصر النهضة (هناك جدل طويل حول مسألة نهاية العصر الوسيط وبداية عصر النهضة، ويتأثر هذا الجدل بالقرب من الكنيسة أو البعد عنها، أو بالانتماءات القومية والسياسية، أو بالتخصصات) بعد سقوط القسطنطينية، فإن العالم العربي والإسلامي بدأ يشهد مرحلة جمود على الرغم من الانتصارات التي حققتها السلطنة العثمانية في عهودها الأولى، وقد تأخرت النهضة حتى منتصف القرن التاسع عشر.

رابعًا: الإطار الجغرافي

يستند الإطار الجغرافي إلى وصف الطبيعة والمشاهد والموقع والتضاريس والمناخ والمياه والأشجار والنباتات... إلخ، مع الاستعانة أحيانًا بغنائية الشعراء ونشر قصائدهم. وفي هذه الفترة من التأريخ المحلي، تغيب على نحو عام – مع بعض الاستثناءات –

  1. إننا أمام اختيار صعب: إما أن نستعمل الحقبة بوصفها مدة فارغة، ونعطيها في كل حالة مدلولًا معينًا؛ انحطاطًا أو استمرارًا أو تقدمًا، فتستحيل المقارنة، وإما أن نعطي لكل حقبة مدلولًا معينًا وحينئذٍ لم تعد توجد في الموقع نفسه من السلم الزماني بالنسبة إلى كل أمة وكل مجتمع. يمكن أن نقارن بين النهضة الإسلامية والنهضة الأوروبية، إلا أن الأولى سبقت الثانية بأربعة قرون. ينظر: المرجع نفسه، ص 280.

التفسيرات الجيولوجية والمورفولوجية، مع مؤشرات لبدايات الاستفادة من علوم مساعدة متخصصة مثل فحوصات تركيبات المياه لأهداف تتعلق بتسويق المياه المعدنية. فسّر المعلوف اسم زحلة نسبة إلى عامل الزحول نظرًا إلى طبيعة تربتها، ووصف موقعها على ضفتي نهر البردوني الذي يدير الطواحين المائية الضرورية لحياة المدينة بما تؤمنه من تحويل القمح إلى طحين. وزحلة، كما وصفها أحد السياح الإفرنج، أشبه ب "الرمانة المفلوقة"، لسطوحها القرميدية الحمراء. كما وصف تربتها الكلسية الطبشورية المناسبة لزراعة العنب على أنواعه، ووصف نباتاتها وحيواناتها، مع شعورقوي بالمسألة البيئية. وحدد الشبابي "البقعة الشبابية" معددًا قراها، وواصفًا المشهد الطبيعي بواقعية، ورابطًا بين أسماء الأمكنة واللغة الآرامية؛ وهذا يدل على قدم الحضارة فيها. وكان أول من أشار إلى وسيلة نقل أخشاب الغابات من الجبال إلى الساحل، عبر نهرَي الكلب وأنطلياس فترة فيضانهما، بهدف بناء السفن أو المتاجرة. ويتغنى الهاشم بجغرافية العاقورة وموقعها المحصّن بالجبال، مشيرًا إلى مياهها العذبة، كما يتبين من تحليل نسب الأملاح المعدنية فيها بحسب الدراسات الكيميائية للأب أندريه روشه اليسوعي. وتحدث عن ثروتها الغابية التي أصيبت بكارثة حقيقية نتيجة جذمها عبر الزمن. وفسّر الباشا اسم دوما؛ فهو من اليونانية التي تعني البيت أو القصر، وتحدث عن شهرتها بصناعة الحديد، وعن سوقها الواسع المزدهر بوصفها مركز استقطاب لمحيطها، مؤكدًا أنه كان قبل الحرب العالمية الأولى أهم من سوقَي مدينتي البترون وجبيل. ولا ينسى، كغيره من مؤرخي هذه الفترة، أن يساهم في الإعلان الدعائي للاصطياف، وبخاصة أن دوما كانت مصيفًا قبل ازدهار مصايف منطقة المتن. ويتغنى خازن "بجمال إهدن وموقعها ومناخها وكثرة منتزهاتها وجمال مناظرها وجبالها وأودائها". ويفسر اسم مشتاها زغرتا، ورحلة السكان بين البلدتين بقوله: "لا يوجد في لبنان بلدة كإهدن وزغرتا يملك كل فرد من أهاليها منزلًا مستوفيًا المعدات والأثاث في كل من إهدن وزغرتا وأملاكًا واسعة في كل منهما، ويرحل شعبها رحلتين عامتين في فصول السنة بتعاقب منظم". ويفسر حبيقة اسم بسكنتا السرياني بأنه "بيت العدل أو القضاء أو الحكم"، وقد كانت موطنًا للمردة، ويحدد موقعها فوق وادي صنين على علو 1430 مترًا. مستوحيًا – من دون أن يذكر – مفهومًا كتبه الأب لامنس عن العلاقة بين أسماء الأماكن وبخاصة أعلام آثار الأبنية ومَن سكنها. وهو يقدم تفسيرًا للسكن في الأعالي بأنه كان يحدث في الصيف فقط، منتقدًا حدوث تحول مناخي. ولا يهمل الحوادث الطبيعية مثل الزلازل والهزات التي أدت إلى كشف الآثار والأشجار، كما يشير إلى الطوفانات التي تؤدي إلى تخريب الطواحين، وسنوات الطاعون (1760)، والجراد (1777، 1914)، والجدري (1916). ويفسر لحود معنى اسم بلدته عمشيت؛ وهي أصلًا قوم شيت، ومعناها بالسريانية الشعب السادس بحسب البطريرك بولس مسعد. إنها عروس البلاد الجبيلية. ثم يرسم حدودها، وبعد أن يصف المنظر/ المشهد العام وما فيه من "مظاهر العمران والروعة والبهاء تجلل تلك المنازل الفخمة (لا يمكن للمشاهد) إلا الحكم بأن ما يشاهده من رداء الحضارة إنما هو منبعه المال الذي أنفقه العمشيتيون في تشييدها مما اقتصدوه من تجارتهم". فالدور والبيوت الفخمة مبنية من طابق أو طابقين بسقوف عالية وأبواب ونوافذ واسعة على طراز بيزنطي. وقد وصف المواد والأثاث في هذه الدور. وعمشيت بالنسبة إلى رينان عندما كان فيها سنة 1861 بمنزلة

  1. 4   خازن، تاريخ إهدن القديم والحديث، ص 38.

فردوس له ولزوجته وأخته. وقد أ طلق على عمشيت "بصرة لبنان" (نسبة إلى بصرة العراق) بسبب انتشار أعداد كبيرة من شجر النخيلُ قرب حاراتها. أما منتجاتها فهي التين، والزيتون، واللوز، والخروب. وتتميز بالتنوع في غطائها النباتي وأشجارها الحرجية. على الرغم من اعتماد المؤرخين المحليين على وصف المشهد الجغرافي، مع إطلالة مبكرة على مسألتي التركيب الكيميائي للمياه والحس البيئي المرهف، فإن العلاقة بين التاريخ والجغرافيا ستتعمق فيما بعد، ولكن ليس بالعمق اللازم، إلا عند بعض الذين امتلكوا ناصية التقدم في علم الجغرافيا وطبقوا ذلك على البيئة المحلية موضوع كتابتهم التاريخية.

خامسًا: التاريخ لااجتماعي

يتمحور التاريخ الاجتماعي على سلاسل النسب الذكورية، وكيفية تكوّن الأحياء العمرانية وفق البنى العائلية ومسار استيطانها. وقد دخل المؤرخون في جدل أيديولوجي عن الأصول الإثنية والحضارية؛ فتناول الأسود البنى العائلية للعائلات المقاطعجية وامتيازاتها، وعرض للتقاليد الاجتماعية، وأثبت معلومات ديموغرافية تشكّل مادة تحليل للباحثين في علوم الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا والعلوم الاجتماعية. ويقدم المعلوف نموذجًا عن كيفية تكوّن مدينة زحلة و"أحواشها" الأميرية (نسبة إلى الأمراء أبي اللمع) عبر النزوح إليها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. أما الشبابي فقد اهتم بحركة الهجرة الكثيفة من بيت شباب ونتائجها في دعم المقيمين من أهلها. وعرض الهاشم عدد السكان في بلدته استنادًا إلى الإحصاءات الرسمية التي جرت في عهد الانتداب الفرنسي، إلا أن أهم ما يشغله هو هذا النزوح المتراكم من بلدته على مدى تاريخها، وحاول تفسيره. وانصب هم بليبل على التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدتها بكفيا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث تراجعت العائلة اللمعية المقاطعجية لصالح صعود قوى اجتماعية جديدة استفادت من الحرية والتعليم والهجرة والتجارة، فارتقت عمرانيًا ووظيفيًا. ويتباهى الخازن بخصوبة النساء في بلدته، بعد أن يسرد العلاقة بين العائلة وتكوّن الأحياء، إلا أنه يتحسر على تفكك هذه البنية العائلية العمرانية بفعل التطورات. وحاول البشعلاني وصف مجتمع بشعلي، مصدر عائلات بلدته صليما، وتاريخية النزوح. وقد حملت العائلة اسم بلدتها، مدافعًا بقوة عن الأصول الآرامية - الفينيقية السريانية. على أن الباشا تجاوز واستهجن الجدل في مسألة الأصول الإثنية، مركزًا على العلاقة بين "الطوائف" العائلية والتكون العمراني، وعلاقة كل منها بالأنشطة الاقتصادية. أما حبيقة، وعلى الرغم من تقديره العائلة اللمعية، فإنه لاحظ - كما الحال في بكفيا - صعود قوى جديدة من الأهالي في بسكنتا، وشغلته ظاهرة الهجرة الكثيفة من بلدته وقد تجاوزت ثلثي السكان.

سادسًا: التاريخ لااقتصادي هٌّمٌ مركزي

لم يلتفت مؤرخو التاريخ المحلي إلى العدالة في توزيع الملكية العقارية، إلا أنهم ركزوا في المسألة الاقتصادية على القاعدة المادية وعلى الأنشطة التجارية الداخلية أو المسافات المتوسطة والطويلة. إّلا أن اللافت هو تركيزهم على أزمة انهيار الحِرف المحلية منذ بداية المواجهة مع السلع الأجنبية. كان المعلوف أول من اكتشف أزمة مدينة زحلة في عشرينيات القرن التاسع عشر، بانهيار صناعة النسيج نتيجة المنافسة الأوروبية. لكنّه قبل ذلك أشار إلى الدور الاستقطابي لمدينته في الميادين التجارية والسياحية على ضفاف نهر البردوني.

في المقابل، شكّلت الدراسات التاريخية عن بلدات المتن مصدرًا مهمًا للتاريخ الاقتصادي المتركز في هذه المنطقة المركزية من جبل لبنان. فالشبابي المؤرخ – وهو ابن البلدة المشهورة بصناعة أجراس الكنائس وصناعة الفخار في لبنان - قدم معطيات مهمة، مستندًا إلى معاينة شخصية وإلى نصوص وردت في جريدة العلمالصادرة في البلدة. وأما بسكنتا الغنية بالمياه، التي كانت مصدر قوة لتدوير الطواحين، فقد تحولت مع مطلع القرن العشرين إلى مادة تجارية بعد تحليل تركيبها المعدني. ويشير حبيقة إلى مناجم الحديد قرب جبل صنين، إلا أن ما يحول دون استثمارها كان ندرة الفحم الحجري وصعوبة نقل الإنتاج إلى الساحل. ويصف حياة السوق التجاري المعروف ب "السطوح" حيث محلات التجار والحرفيين. إلا أنه، وكما اكتشف قبله المعلوف، لاحظ أزمة صناعة النسيج. وفي تجربة مشابهة لزحلة وبلدات المتن الاستقطابية، تحولت دوما في بلاد البترون إلى سوق/ بندر اشتُهر بصناعة الحديد، والصناعات النسيجية القطنية والحريرية. ثم مع التراكم المالي تحولت إلى مكان للعمليات المالية من إقراض وصرافة. ويلاحظ البشعلاني انتقال صليما من اقتصاد زراعي إلى مجتمع تجاري ثم صناعي، وقد تحوّل العديد من تجارها إلى "خواجات"، وازدهرت فيها الحرف وصناعة النسيج وحياكة الديما. على أن الأبرز في سرديته الاقتصادية هو كيفية اختراق رأس المال الصناعي الفرنسي حياكة النسيج في بلدته ومحيطها، والتداعيات الاجتماعية التي نتجت من دخول النساء إلى العمل في كرخانات الحرير. أما لحود فقد حاول تفسير التوسع العقاري لخواجية بلدته عمشيت في جبيل والبترون وأبعد منهما، بحاجة أهلها إلى الحبوب؛ وهو تفسير لا يتجاوز الحس المشترك. وعرض لأنشطتها التجارية بالسلع الأساسية مثل الحرير والأغنام والتبغ والسكر، وتحول أهلها إلى طبقة اجتماعية متميزة. وتأكيدًا للبنية الحرفية - الصناعية في بلدات جبل لبنان، نستطرد مع فرنسيس رحمة في كتابهتاريخ بشري أو مدينة المقدمين؛ حيث يتناول في فصل مستقل صناعة النسيج، وكيفية صباغتها من مواد صخرية ونباتية من البيئة المحلية.

سابعًا: التأريخ المحلي للمؤسسات

لما كان التأريخ المحلي في النصف الأول من القرن العشرين يتناول البلدات الريفية الاستقطابية، فهذا يعني أسبقيتها في التمأسس بأشكاله الدينية، والمدنية، والسياسية، والخيرية، والثقافية. ففي الميدان الديني، أضيف إلى مؤسسة الوقف التقليدية تأسيس الأخويات الدينية للذكور والإناث، أقدمها تلك التي أنشئت في دير القمرُ(1777) وفي بسكنتا (1833) (كلاهما باسم "الحبل بلا دنس"). وفي الميدان السياسي، جرى تشريع مؤسسة مشيخة الصلح وفق بروتوكول 1861 وتعديلاته (النظام الأساسي)، ومركز مختارين في كل بلدة، وقد حُِّدِدَت صلاحيات كل من المؤسستين (المشيخية والاختيارية). ومنذ ستينيات القرن التاسع عشر، أنشئَت أقدم بلدية في جبل لبنان في دير القمر. إلا أن إنشاء مجالس بلدية في البلدات الأخرى انطلق منذ أواسط سبعينيات القرن عينه (بسكنتا 1875، ودوما 1881)، وارتبط تأسيس القوميسيون بتنظيم الأسواق التجارية والحرفية المزدهرة، لجهة الاهتمام بنظافة السوق

  1. 47   ينظر: شكري البستاني، دير القمر في آخر القرن التاسع عشر: محاولة تخطيطية اجتماعية اقتصادية (بيروت: مركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية، 1969). 48   هو مصطلح منقول عن الفرنسية Comission، ويعني لجنة البلدية. ويقال أحيانًا: "القوميسيون البلدي".

وتحديد الأسعار ومراقبة الأخلاق وتطبيق النظام وتعيين النواطير وإنارة الأزقة. وبسبب الهجرة وقدرات الجاليات المهاجرة من كل بلدة، أنشئَت في المغتربات كما في الوطن، جمعيات خيرية أدت دورًا مهمّا في المساعدات المالية أو في الأعمال العمرانية. وربطًا بالهجرة عينها، أُِّسِست مكاتب البريد والبرق (ولاحقًا الهاتف)، وُأنشئَت جمعيات الموسيقى (النوبة) التي كانت حاضرة في المآتم، كما في مناسبات دينية أو سياسية. وأُِّسِست جمعيات لإدارة المدارس، وجرت الإشارة إلى بدايات تكوين فروع لبعض الأحزاب السياسية، كما الحال في بسكنتا.

ثامنًا: المؤرخون المحليون والتاريخ الثقافي والتعليمي

تحدث المعلوف عن إيفاد طالبين من زحلة سنة 1955 إلى مدرسة القصر العيني في مصر لدراسة الطب، وأشار إلى تأسيس الرهبنة الحناوية للكلية الشرقية في زحلة (1898)، وإلى النهضة العلمية والأدبية، بما فيها إنشاء غرف مطالعة عامة في المدينة في بداية القرن العشرين. وخصص البشعلاني فصلًا عن التعليم والمدارس مسترجعًا أهمية كل من المدرسة المارونية في روما ومدرسة عين ورقة، مع تركيز على مدرسة الآباء الكبوشيين في صليما، وكذلك دور الكهنة في فتح المدارس. وتناول مساهمة صليما في الحقل الرهباني بتزويده ب "القوى الروحية والعلمية" والأدبية. ويشير إلى "العلوم الحديثة" معددًا المدارس الشهيرة التي تعلم فيها أولاد صليما، لإعدادهم للحياة العلمية والوظيفية بحسب المهن، وأبرزها الحقوق. أما الباشا فقد استعرض تاريخ التعليم في بلدته دوما. يمكن اعتبار عقد الخمسينيات نهاية نمط في التأريخ المحلي؛ بحيث تزامن تراجع الدور المركزي للمؤسسات الدينية – وبخاصة عند الطائفتين المارونية/ الكاثوليكية والأرثوذكسية اللتين تخرّج فيهما كبار المؤرخين للتاريخ العام والتاريخ الخاص/ المحلي والمناطقي - وبدأ نمط آخر له سمات متنوعة، إلا أن إحدى خاصياته أنه أخذ في الاعتبار التاريخ الوطني، وتأثر بالمناهج الدراسية في عهد الاستقلال (1946، 1968 - 1971)، بما فيها مناهج مادة التاريخ المدرسية والجامعية.

خلاصة استنتاجية

يمكن الخلوص إلى بعض الأفكار الاستنتاجية التي تميز الفكر التاريخي المحلي في جبل لبنان في النصف الأول من القرن العشرين: يغيب الإحصاء السكاني والاقتصادي بصفته همًا مباشرًا (باستثناء تجربة الأسود الهادفة إلى تجميع المعطيات)، وربما كان التعويض عنه في ميدان الديموغرافيا، من خلال مشجرات النسب العائلية، وما تتضمنه من تعداد لذكورها. هذا على الرغم من وجود ظاهرتين كانتا تستوجبان مثل هذا الهم؛ وهما: الهجرة الكثيفة في العقود الأخيرة من نظام المتصرفية واستمرارها بوتيرة أقل بين الحربين، والمجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى التي حصدت نسبة كبيرة من السكان، وتأثير ذلك في نسب نموهم. وتوافرت لهؤلاء المؤرخين ثلاثة إحصاءات رسمية على الأقل؛ إحصاء 1913 الذي أجرته الإدارة العثمانية، وإحصاءَا 1922 و 1932 اللذان أجرتهما الإدارة الانتدابية. وتوافرت بين أيديهم، ومنهم كهنة، السجلات الكنسية التي ستصبح من أبرز المصادر في الديموغرافيا التاريخية، لكنهم لم يستثمروها إلا في الحصول على عدد السكان الإجمالي في بلداتهم. تهيمن التحركات السكانية على الفكر التاريخي في منحيَين: منحى النزوح والهجرات عن البلدة، ومنحى توافد العائلات إليها في تراكم طبقاتي بحسب توطن كل منها، لتكوين مجتمعها المعاصر.

لم تمثّل الهجرة عند هؤلاء المؤرخين مشكلة ديموغرافية واجتماعية – اقتصادية ونفسية مركبة، بل اعتبروها موجة تتكرر في مسار التاريخ منذ الفينيقيين، وبخاصة أنهم كانوا يشهدون بعض النتائج الإيجابية مثل تعمير الحارات أو المساهمة في الأعمال الخيرية والإنمائية، بل إن بعضهم مدين في نشر مخطوطاته للمال الاغترابي. غياب تحليل توزع الملكية العقارية في كل بلدة ومدينة، ومدلولاته الطبقية والإنتاجية، على الرغم من توافر دفاتر المساحة القديمة التي أنجزت في ستينيات القرن التاسع عشر، بين مصادرهم الوثائقية. كما أنهم يهتمون بتوسع المجال الجغرافي للبلدة بصفتها كيانًا بتوسع حدودها، أكثر من اهتمامهم باختلال العدالة داخل البلدة. وصف الموقع والطبيعة وما فيها، مع حس بيئي مرهف يتعلق تحديدًا بالقضاء على الثروة الغابية، واهتمام خاص بالثروة المائية مع إشارات إلى بداية مشاريع رأسمالية وتنموية، بجرها بقساطل من الينابيع إلى التجمعات السكانية، أو تعبئتها لتسويقها مياهًا معدنية. مع أن المعلوف افتتح تحليلً طبقيًا في زحلة – هو أقرب إلى منهج "فيبري" يتناول التغيير في المؤسسات من دون إهمال القاعدة الاقتصادية – فإن مؤرخي المقاطعة اللمعية في المتن (بيت شباب وبكفيا وصليما وبسكنتا) كانوا أقرب إلى رصد التحولات بحذر وحيادية، بما يحمل احترامًا وتقديرًا وعرفانًا بالجميل للعائلة اللمعية المتنصرة، ولا يحول ذلك دون ملاحظة تراجع قدرتها العقارية وسلطتها السياسية، وتقدم جمهور رعيتها عبر التجارة والتعليم والوظائف والمهن. عاين المؤرخون انهيار الزراعة في لحظة كتابتهم لنصوصهم، كما كانوا يشهدون على تراجع أنشطة مجتمعاتهم المهنية والصناعية. وقد تناول المعلوف وغيره من مؤرخي الاقتصاديات المحلية الفترة 1825 - 1831، بوصفها بداية تدمير الأنشطة النسيجية التي كانت مزدهرة جدًا وتشكّل مردودًا ماليًا مرتفعًا، أمام غزو المنتجات الأوروبية في سعيها لحل أزمة ثورتها الصناعية الأولى. كما راحوا يعاينون تراجع صناعة الحرير منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، بالتزامن مع موجة الهجرة، وإشكاليات عمل النساء في مناخ محافظ. تعتبر البلدات التي كانت موضوعًا للتأريخ المحلي بلدات استقطابية لمحيطها الريفي؛ أي إنها شكّلت أسواقًا تجارية وحرفية، كما أنها تحولت إلى مراكز إدارية وسياسية وقضائية وأمنية؛ ما يعني وفود موظفي الإدارة الحكومية إليها، وما يستجلب ذلك من دينامية يومية. والسؤال المطروح هنا: هل عاين الفكر التاريخي مسار التراجع والركود في دور هذه البلدات مع انفتاح الريف على المدن الساحلية؟ التقط الباشا مسار انحسار الدينامية التجارية والحرفية في بلدته دوما، على أن المؤرخين المحليين جميعهم كانوا يأملون التعويض من خلال استقطاب المصطافين المحليين والعرب. اهتم المؤرخون المحليون بتاريخ التعليم في مجتمعاتهم، فبعضهم ذكر دور خريجي المدرسة المارونية في روما التي أسست سنة 1584، أو دور خريجي مدرسة عين ورقة التي أسست أواخر القرن الثامن عشر. إلا أنهم جميعًا يتفقون على دور مدارس الأوقاف المحلية، ومن ثم دور المدارس الإرسالية الأجنبية ومدارس أديار الرهبنات، التي خدمت الطبقات العليا، في حين أمّنت مدارس المعارف العثمانية التعليم للطبقات الأخرى منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وعلى قاعدة مدارس الأوقاف ومدارس المعارف العثمانية، أسست المدرسة الرسمية في عهد الانتداب الفرنسي ومن ثم في عهد الاستقلال. الجدير بالملاحظة في حقل التعليم العالي، هو الدور المركزي الذي أدته جامعة القديس يوسف والجامعة الأميركية في بيروت في تخريج النخب التي احتلت مكانتها في الوظائف العامة وفي المهن الحرة وفي القيادة السياسية.

اهتم المؤرخون المحليون بكل أشكال التمأسس الديني والمدني، فتناولوا الأخويات الدينية التي يعود إنشاء بعضها إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، والجمعيات الخيرية والعائلية في بلداتهم والمهجر، والجمعيات الأدبية والعلمية. أما في المجال المدني فقد توقفوا عند مؤسسة مشيخة الصلح التي أنشئَت منذ بداية عهد المتصرفيةُ(1861) في سياق التنظيمات العثمانية، وأسماء الشيوخ وما يقابلهم في كل بلدة من مجلس اختياري. وأشاروا إلى تكوين المجالس البلدية التي تعتبر الأقدم في جبل لبنان (على أن التجربة المدينية أقدم وتعود إلى المجالس التي شكّلتها الإدارة المصرية فترة وجودها في بلاد الشام) وبعض إنجازاتها. لكنهم لم يبحثوا في السجلات البلدية أكانت تلك التي تُسجل محاضر الاجتماعات أو تلك التي سُجلت فيها الميزانيات، ولم يربطوا بين تكوين المجالس البلدية والبنى الاجتماعية والاقتصادية والعلمية المؤثرة، إلا في حالات استثنائية كما عند الباشا. انصبّ الفكر التاريخي المحلي على تدوين بطولات الشخصيات السياسية والعسكرية في جانبه المدني، وعلى إنجازات رجال الدين في المؤسسات الرهبانية والأبرشية. ولكن بفعل التجارة والتعليم وتعقد الحياة الاجتماعية – الاقتصادية وتوسع الوظائف الحكومية، برزت أهمية أصحاب الاختصاصات العلمية، ولا سيما في مجالَي الحقوق والطب، وقد كان لجامعة القديس يوسف التابعة للآباء اليسوعيين دورها المتميز في تشكيل هذه النخب الجديدة التي أدّت دورًا مركزيًا في السياسة اللبنانية.

المراجع

العربية

الأسود، إبراهيم. تنوير الأذهان في تاريخ لبنان. ج 1. بيروت: مطبعة القديس جاورجيوس، 1925. _______. تنوير الأذهان في تاريخ لبنان. ج 2. بيروت: مطبعة القديس جاورجيوس، 1927. _______. تنوير الأذهان في تاريخ لبنان. ج 3. بيروت: المطبعة العلمية، 1930. _______. تنوير الأذهان في تاريخ لبنان. ج 4. بيروت: المطبعة العلمية، 1935. _______. دليللبنان. بعبدا: المطبعة العثمانية، 1906.

_______. ذخائر لبنان. بعبدا: المطبعة العثمانية، 1896.

الإهمجي، الأب مخايل خليفه الحلو. تاريخ إهمج القديم والحديث. جونيه: مطبعة المرسلين اللبنانيين، 1937. معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية، 1969.

البشعلاني، الخوري اسطفان. تاريخ بشعلي وصليما. الدورة: مطبعة فاضل وجميل، 1947. _______. تاريخ بشعلي وصليما. ط 2. بيروت: دار صادر، 2003.

البعلبكي، ميخائيل موسى ألوف. تاريخ بعلبك. ط 3. بيروت: المطبعة الأدبية، 1908. بليبل، إدمون. تقويم بكفيا الكبرى وتاريخ أسرها. بكيفا: مطبعة العرائس، 1935. التميمي رفيق، ومحمد بهجت. ولاية بيروت (1916 / 1332 ه). بيروت: دار لحد خاطر، 1979. جعجع، الخوري اغناطيوس. "بشري مدينة المقدمين". المشرق. العدد 6 (صيف 1932). حبيقة، الخوراسقف بطرس. تاريخ بسكنتا وأسرها. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1946. الحتوني، الخوري منصور. نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية. [د. م.]: [د. ن].، 1884. _______. نبذة تاريخية في المقاطعة الكسروانية. ط. 2. [د. م.]: دار كنعان، 1956. خازن، سمعان. تاريخ إهدن المدني. ج 1. [د. م.]: [د. ن].، 1938.

_______. تاريخ إهدن الديني. بيروت: [د. ن].، 1939.

_______. تاريخ الأسر الإهدنية. طرابلس: [د. ن].، 1968.

_______. تاريخ زغرتا القديم والحديث. طرابلس: مطبعة أديب، 1968.

_______. تاريخ إهدن القديم والحديث. درعون: [د. ن].، 1968.

البستاني، شكري. دير القمر في آخر القرن التاسع عشر: محاولة تخطيطية اجتماعية اقتصادية. بيروت: مركز الأبحاث في خليفة، عصام. شخصيات بارزة في تاريخ لبنان المعاصر. ج 2. بيروت: [د. ن].، 2002.

رحمة، فرنسيس. تاريخ بشري أو مدينة المقدمين. سان باولو: الرابطة البشراوية، 1956.

رزق الله، ميلاد. دليل الشوير ونواحيها. بيروت: مطبعة طبارة، 1923.

رزق، سعيد. تاريخ جزين وأسرها. صيدا: مطبعة العرفان، 1953.

رستم، أسد. مصطلح التاريخ: وهو بحث في نقد الأصول وتحري الحقائق التاريخية وإيضاحها وعرضها وفي ما يقابل ذلك في علم الحديث. صيدا: المكتبة العصرية، 1939.

الشبابي، الأب ميخائيل غبريل. كشف النقاب عن بقعة بيت شباب. بيت شباب: مطبعة جريدة العلم، 1926.

شيخو، لويس. بيروت: تاريخها وآثارها. بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين، 1925.

العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ، ج 2: المفاهيم والأصول. بيروت: دار الحداثة، 1992.

فروخ، عمر. تجديد التاريخ في تعليله وتدوينه: إعادة النظر في التاريخ. بيروت: دار الباحث، 1980.

لحود، أديب بك. الدوحة العمشيتية: تاريخ أفراد عيال عمشيت الثلاث عبيد وكلاب وكرم منذ الجيل السابع عشر. [د. م.]:].[د. ن، 1954.

_______. الدوحة العمشيتية: تاريخ أفراد عيال عمشيت الثلاث عبيد وكلاب وكرم منذ الجيل السابع عشر. ط. 2. [د. م.]:].[د. ن، 2003.

مساهمة المؤرخين الأرثوذكس في التأريخ. بيروت: جامعة البلمند، معهد التاريخ والآثار ودراسات الشرق الأدنى، 2007.

محمد، شرف. "'أوتيل بالميرا' في بعلبك.. تاريخ مهدّد بالزوال". السفير. العدد 12566. 30 / 8 / 2013.

الهاشم، المونسنيور لويس. تاريخ العاقورا. [د. م.]: مؤسسة خليفة للطباعة، 1930.

الأجنبية

Langlois, Charles‑Victor & Charles Seignobos. Introduction aux études historiques. Paris: Librairie Hachette

et Cie, 1898.

Renan, Ernest. Mission de Phénicie. Paris: Imprimerie Impériale, 1864–1874.